فهرس الكتاب
يكون كفرا ينقل عن الملة، وقد يكون معصية كبيرة أو صغيرة، ويكون كفرا إما مجازيا وإما كفرا أصغر على القولين المذكورين، وذلك بحسب حال الحاكم:
فإنه إن اعتقد أن الحكم بما أنزل الله غير واجب وأنه مخير فيه أو استهان به مع تيقنه أنه حكم الله فهذا كفر أكبر، وإن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله وعلمه في هذه الواقعة وعدل عنه مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة فهذا عاص ويسمى كافرا كفرا مجازيا أو كفرا أصغر، وإن جهل حكم الله فيها مع بذل جهده واستفراغ وسعه في معرفة الحكم وأخطأه، فهذا مخطئ له أجر على اجتهاده وخطؤه مغفور. اهـ [1]
قلت: فانظر إلى قول ابن القيم ومثله قول ابن أبي العز رحمهما الله تجد أنهما حكما على من اعتقد أنه مخير في الحكم بما أنزل الله أو بغيره، أو أظهر ما يدل على الاستهانة بحكم الله تعالى أنه كافر كفرا أكبر، وهذا حال حكام وقضاة بلادنا اليوم.
فهل هناك استهانة بحكم الله تعالى أعظم من عرضها على حثالة من البشر من العلمانيين والشيوعيين والجاهلين ومن جرى مجراهم ليقولوا فيها رأيهم، أو يقرروا هل يقيمون أحكام الله تعالى المنزلة من السماء بين الناس أم لا! ولا تكتسب أحكام الشريعة منزلة القانون الوضعي إلا إذا وافق عليها من يسمونهم بنواب الأمة والمشرعين لها؟
ولذلك فقد ورد في الدستور المصري: تصدر الأحكام وتُنفذ باسم الشعب [2] ، وورد فيه أيضا: لا يصدر قانون إلا إذا قرره مجلس الأمة ولا يجوز تغيير مشروع قانون إلا بعد أخذ الرأي فيه مادة مادة [3]
وهل هناك أعظم من أن يُدعى الحكام إلى الحكم بشريعة الله تعالى فيقولون نحن ملزمون بأحكام القانون الوضعي ولا محيد لنا عنه؟
وهل هناك استهزاء أعظم من أن تُجعل أحكام الشريعة مصدرا ثانويا من مصادر التشريع يحكم بها القضاة بعد القانون الوضعي الكافر والعرف [4] ؟
(1) شرح العقيدة الطحاوية / 323 ـ 324.
(2) المادة 72 من الدستور المصري.
(3) المادة 84 من دستور 1956م، وراجع المواد: 22، 68 من نفس الدستور، والمادة 64، 66 من دستور 1971م
(4) ويؤكد هذا ما قاله المستشار سعد العيسوي رئيس محكمة استئناف الإسكندرية، وذلك عندما أصدر المستشار محمود غراب رحمه الله حكما بالجلد على شارب خمر تنفيذا لأحكام الشريعة الإسلامية، فقال العيسوي: إن من قضى بهذا الحكم وإن صح، فقد خالف الدستور وهو نص المادة 66: لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون، ولا يقال في ذلك إن حد السكر شرعا هو الجلد، وأن الشريعة الإسلامية هي الأولى بالتطبيق، ذلك لأن المشرع وحتى الآن يطبق قوانين مكتوبة ومقررة، وليس للقاضي أن يعمل غيرها من لدنه مهما اختلفت مع معتقده الديني أو السياسي، وأفصح المشرع عن ذلك صراحة في المادة الأولى من التقنين المدني بأن القاضي ـ أي الوضعي ـ يطبق القانون فإن لم يجد في نصوصه ما ينطبق على الواقعة طبق العرف، وإن لم يجد طبق أحكام الشريعة الإسلامية، وإن لم يجد طبق القانون الطبيعي وقواعد العدالة، فجنائيا لا يجوز ولا يقبل من القاضي أن يجرم فعلا لا ينص القانون على اعتباره جريمة، ولا يجوز له أو يقبل منه أن يقضي بعقوبة لم ينص عليها القانون (جريدة أخبار اليوم 19/4/1982م) وقد نقل هذا المقال المستشار محمود غراب رحمه الله في كتابه أحكام أسلامية إدانة للقوانين الوضعيةر). وقد ذكر الشيخ أبو محمد المقدسي في كتابه الماتع تبصير العقلاء بتلبيسات أهل التجهّم والإرجاء أن جريدة الرأي الأردنية يوم الأحد 14/7/1996 م نشرت تحت عنوان: ( الكويت تؤكد عدم اتخاذ أي إجراء بحق المرتد حسين قنبر «أكدت السفارة الكويتية في بلجيكا والإتحاد الأوربي أن السلطات الكويتية لم تتخذ أي إجراء ضد المواطن الكويتي المرتد حسين قنبر وأنّ الموضوع بيد القضاء.وقالت السفارة في بيان وجهته إلى البرلمان الأوربي حول قضية قمبر أنّ السلطات لم تتخذ أي إجراء أو موقف ضد قمبر الذي اتخذ اسم روبرت بسبب اعتناقه الديانة المسيحية، وذلك لإيمانها بنصوص الدستور الكويتي التي قررت حرية العقيدة تمشيًا مع المادة 35 منه ، وأوضح البيان الذي أذاعته وكالة الأنباء الكويتية أنّ القضية مدنية تتعلّق بالأحوال الشخصية وليست جزائية أو سياسية وأن طرفيها قمبر وزوجته مشيرًا إلى أنّها سابقة في تاريخ القضاء ولا يفرض ذلك الحكم بعقوبة جنائية عليه. وأضاف في هذا الصدد أنّ المادة 32 من الدستور الكويتي لا تحدّد جريمة أو عقوبة إلاّ وفقًا للقانون كما أنّها(لا توصف الإرتداد عن الدين جريمة في القانون الكويتي) .وذكر البيان أنّ (القانون الكويتي لا يعرف العقوبات البدنية كالحدود وحتى لو افترض جدلًا بأنّ الحكم المذكور قد أشار إلى ذلك فإنّ هذا الأمر يتطلّب تعديلًا جذريًا للقانون يصعب تحقيقيه» انتهى.