الصفحة 79 من 88

ثم إن العلماء ذكروا في الصنف الذي يقال فيه كفر دون كفر من الحكام أنه إن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله في هذه الواقعة وعدل عنه عصيانا مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة فهذا كفر أصغر.

وهل من الحكام اليوم من يعترف ولو بلسانه فقط أنه عاص لله مستحق للعقوبة مجانب للهدى؟ فإن الحكام اليوم ليجاهرون بكل صفاقة ووقاحة لا يحسدون عليها أنهم هم المتحضرون المتحررون، وأنهم أهل الحكمة والعقل والرأي الحسن وأنهم أصحاب الإسلام المستنير، وأن غيرهم ممن ينادي بإقامة أحكام الشريعة هم المتعصبون والمنغلقون والمتطرفون، فهل ينطبق كلام العلماء على حكام زماننا؟

إن كل عاقل إذا التفت عن يمينه أو شماله فلن يجد إلا العمالة للغرب الكافر، ولن يجد إلا حكاما يتسابقون لإرضاء اليهود أحفاد القردة والخنازير.

فهذا الحاكم يعقد اتفاقية دفاع مشترك مع أمريكا لمدة عشر سنوات ويؤجر القواعد العسكرية لليهود والنصارى لعشرات قادمة من السنين، ويبيع ثروات المسلمين ـ البترول ـ لإسرائيل بأقل الأثمان.

وهذا حاكم مجرم آخر يتذرع بعدم مساعدة الشعب العراقي ـ وفيهم المسلمون ـ بحجة أن الأمم المتحدة ـ الكافرة ـ تمنع تقديم المعونة للشعب العراقي لإسقاط النظام هناك.

وهذا حاكم آخر يطلب ود أمريكا ـ اليهودية النصرانية ـ وإسرائيل بالقبض على الآلاف من المسلمين، ويحكم عليهم بأحكام قد تصل إلى الإعدام وإن تساهل فبأحكام تصل إلى الأشغال الشاقة المؤبدة، وغير ذلك كثير، فهل هؤلاء هم الذين قال العلماء في أمثالهم كفر دون كفر، كلا وحاشا أن يكون علماؤنا بهذه السذاجة وقلة الفقه.

ونحن لا نريد أن ندخل مع بعض الناس في جدال طويل عن صورة غير حادثة في عصرنا وهي صورة الحكام الذين يعتمدون أحكام القرآن والسنة في قضاياهم ومحاكهم ثم يحدث منهم بعض التجاوزات التي لا تخدش هذا الأصل في وقائع معينة، ثم ننسى أو يضيع منا المقصود في غمرة الخلاف، نحن نتكلم عن حكام نحوا شريعة الله تعالى من حياتهم وأحكامهم، وقننوا للناس وشرعوا لهم أحكاما وقوانين جاهلية طاغوتية ما أنزل الله بها من سلطان، ونصبوا أنفسهم وبرلماناتهم آلهة مشرعين، وألزموا الناس جميعا بالعمل بهذه القوانين، بل وعاقبوا من خرج عليها أو دعاهم إلى حكم الله ورسوله بالأحكام التي قد تصل أحيانا إلى القتل، ويتحاكمون في قضاياهم الدولية إلى الطاغوت الأكبر ـ الأمم المتحدة ـ ، ويوالون كفار الشرق والغرب وينصرونهم على أهل الإسلام، فهل في الحكام الذين وردت أقوال العلماء في مثلهم من كان يفعل ذلك؟ هذا هو السؤال الذي ينبغي الإجابة عليه.

وقد قال الشيخ أبو بصير عبد المنعم مصطفى حليمة حفظه الله: نحن إذ نتكلم عن طغيان الحاكم الذي يحكم بغير ما أنزل الله وعن حكم الشرع فيه لا نقصد منه صورة ذاك الحاكم الطيب الذي يحب شرع الله ولا يرضى عنه بديلا، ويسعى إلى تطبيقه قدر طاقته في جميع مجالات الحياة، لكنه في واقعة تخونه نفسه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت