فهرس الكتاب
ودينكم، ولن يغلب الله غالب. اهـ [1]
مما سبق من الأدلة وأقوال العلماء يتبين حكم من ادعى لنفسه حق التشريع من دون الله تعالى أو مارس ذلك عمليا، أو بدل شرع الله المحكم المشتمل على كل خير الناهي عن كل شر، وكذلك حكم من رضي بذلك أو ساهم فيه، وأن ذلك كفر لا يختلف عليه العلماء، وأن الذين يشرعون للناس أحكاما من دون الله تعالى إنما ينازعون الله تعالى في أخص صفات الألوهية، وهي صفة الحكم والتشريع وفصل الخصومات.
ومن قلب نظره في بلادنا التي تدعي أنها بلاد إسلامية فلن يجد حوله إلا أربابا من دون الله وآلهة معبودة تنازع الله تعالى في حق التشريع والحكم بين الناس، بل انفردوا في غالب هذه الدول بالتشريع والحكم بين الناس وأنزلوا تشريعاتهم الملعونة منزلة الشرع المنزل، فهل بعد هذا الكفر من كفر وهل بعد هذا الشرك من شرك، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
فائدة
اعلم يجب التفريق بين القوانين الوضعية المخالفة لما ثبت من أحكام الكتاب والسنة، والتي ذكرنا من الأدلة ما يبين أن العمل بها أو اعتقاد صحتها أو تسويغها كفر مخرج من الملة، وبين تلك التي لا تخالف هذه الأحكام، بل تتفق مع أصول الأحكام الشرعية ومقاصدها من ترتيب حياة الناس وتنظيمها بما يحقق المقاصد الشرعية، وذلك بشرط أن يكون سن هذه القوانين ووضعها من خلال اتباع الأحكام الشرعية وضوابطها ومقاصدها، وأن تأخذ قوتها وإلزامها من قوة وإلزام الأحكام الشرعية لا من تشريع البشر، وهذا قيد مهم لا ينتبه إليه كثير من الناس، فإن الناس إذا شرعوا بعض التشريعات من منطلق أن لهم الحق في سن وتشريع الأحكام فليست بصحيحة وإن وافقت الشريعة، لأن منطلق تشريعها والعمل بها هو أهواء البشر، ولذلك فقد قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله وهو يتحدث عن القوانين الوضعية الجاهلية: وصار هذا الدين الجديد هو القواعد الأساسية التي يتحاكم إليها المسلمون في أكثر بلاد الإسلام ويحكمون بها، سواء منها ما وافق في بعض أحكامه شيئا من أحكام الشريعة وما خالفها، وكله باطل وخروج، لأن ما وافق الشريعة إنما وافقها مصادفة لا اتباعا لها، ولا طاعة لأمر الله وأمر رسوله، فالموافق والمخالف كلاهما مرتكس في حمأة الضلالة، يقود صاحبه إلى النار لا يجوز لمسلم أن يخضع له أو يرضى به. اهـ [2] . ...
قال الشنقيطي رحمه الله: اعلم أنه يجب التفصيل بين النظام الوضعي الذي يقتضي تحكيمه الكفر بخالق السموات والأرض وبين النظام الذي لا يقتضي ذلك، وإيضاح ذلك: أن النظام قسمان: إداري، وشرعي.
أما الإداري الذي يراد به ضبط الأمور وإتقانها على وجه غير مخالف للشرع، فهذا لا مانع منه، ولا
(1) عمدة التفسير ج 2 / 197، وللشيخ أحمد شاكر كلام آخر في هذه المسألة في عمدة التفسير ج 1 / 175 ، 204 ، 227 ـ 228.
(2) عمدة التفسير مختصر تفسير ابن كثير لأحمد شاكر، ج 3 / 214 ـ 215.