فهرس الكتاب
إن المتأمل في شأن القبورية يستطيع القول: إنه لم يكن السبب في هذا الانتشار عاملًا واحدًا ، بل هناك عدة عوامل متشابكة عملت جميعها على ذلك الانتشار والاستمرار ، نذكر منها: العوامل الدينية ، والنفسية ، والاجتماعية ، والاقتصادية ، والسياسية .. وإليك بيان بعض هذه العوامل:
العوامل الدينية:
فـ (فلسفة القبورية) تعد من أهم عوامل استفحال داء تقديس القبور والأضرحة ، وأعني بذلك: مع تقديم مسوّغات لهذه الممارسات ، ووجود الفراغ (التوحيدي) لدى القبوريين مع بقاء الدافع الفطري في (التأله) لدى البشر عمومًا ، كما أن القبوريين توهموا سهولة الدخول تحت طقوس القبور والأضرحة مقابل تخليهم عما عدوه صعوبة تكاليف التوحيد الخالص ، فكانوا كما قال فيهم ابن قيم الجوزية نقلًا عن أبي الوفاء بن عقيل رحمهما الله:(لما صعبت التكاليف على
الجهال والطغام ، عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم ، فسهلت عليهم ؛ إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم ... ) [2] ، فإذا أضفنا إلى ذلك:
ترويج مشايخ القبورية لشبهات ساقطة على أنها أدلة شرعية وحقائق دينية تسمح بهذه الطقوس لازداد تأثير هذا العامل في ترسيخ فتنة القبورية ، لذلك فإننا نلمح أن انتشار هذا الداء يتناسب عكسيًّا مع تصاعد أمرين:
الأمر الأول: محاولة القضاء على الدين عمومًا والعمل على قتل فطرة الإيمان بالغيبيات في القلوب ، الأمر الذي يصرف هذه الفطرة إلى نوع آخر من الإيمان بنوع تأليه للمادة والعقل بدلًا من الغيب والخرافة ، وهذا ما ظهر واضحًا عقب الانقلاب العلماني على الخلافة العثمانية ، (ويذكر رشيد رضا لعباد القبور ما فعله ملاحدة الأتراك عندما استلموا الحكم ، فقد حارب هؤلاء البدع والخرافات وعبادة القبور ، وقاموا بنبش قبور بعض الأولياء ، وعرضوا أمام الناس رميم عظامهم وعجزهم عن الدفاع عن أنفسهم وعن مراقدهم ، بله أن يجلبوا النفع أو يدفعوا الضر عن الناس) [3] .