الصفحة 54 من 120

وهكذا هي في تراثهم الشعبي، فيقول المثل الشعبي: (الشيخ البعيد سره باتع) ، أي: صاحب الضريح البعيد سره مؤكد مقطوع به، والبعد: مسألة نسبية، فالبعيد بالنسبة إلى هؤلاء قريب لغيرهم، والقريب إليهم الذي لا يرغبونه بعيد عن غيرهم، فما الذي يجعل الضريح البعيد مرغوبًا أكثر من غيره؟.. إنه شوق القلب وحنينه الذي يساعد البعد في تولده، وهذا ما يعبرون عنه في مثل آخر يقول: (ابعد حبة(بعض الشيء) تزيد محبة).. فتعلق القلب رغبة ورهبة ومحبة تجعل (آمال وآلام الزائرين لا تمضي إلى أي ضريح بالمصادفة، ولكن شهرة الولي واختصاصه بالشفاعة، والبعد المكاني، لهم تأثير كبير في قصد الزيارة؛ فالضريح الذي نتكبد إليه مشاق السفر يصبح أكثر جذبًا ورهبة من ذلك الضريح القريب المتاح زيارته في أي وقت) (42) .

وتبقى التساؤلات:

-ما الذي يدفعهم للاعتقاد في الأضرحة أنها قوة قاهرة وسلطة نافذة ـ وإن اعتبروها (واسطة) و (وسيلة) ؟

-وما الذي يدفعهم لإسناد ذلك إلى الأرواح، أو ـ بتعبير أدق ـ إلى سرّ غيبي محيّر؟

-وما الذي يدفعهم إلى التوجه بمشاعر قلوبهم نحوها لجلب رضاها أو دفع مضرتها، أو للتمتع بالمسرة والحبور في أنفسهم؟

-لماذا تحولت العلاقة بالرمز من ذكرى واحترام إلى تقديس واعتقاد إلى تعلق وانجذاب؟

إن الذي حملهم على كل ذلك وحمل غيرهم على نظيره هو إشباع (التأله) لدى قلوبهم المحرومة من التأله للإله الحق؛ وهذا ما يقرره الإمام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ حين يقول: (ومن لم يكن محبًّا مخلصًا لله، عبدًا له، قد صار قلبه معبّدًا لربه وحده لا شريك له، بحيث يكون الله أحب إليه من كل ما سواه، ويكون ذليلًا له خاضعًا، وإلا استعبدته الكائنات واستولت على قلبه الشياطين... وهذا أمر ضروري لا حيلة فيه؛ فالقلب إن لم يكن حنيفًا مقبلًا على الله معرضًا عما سواه، كان مشركًا) (43) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت