الصفحة 29 من 120

فَالْحَيَاةُ مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ تَعْيِينِ الْمَوْصُوفِ بِهَا صِفَةُ كَمَالٍ، وَكَذَلِكَ الْعِلْمُ وَالْقُدْرَةُ وَالسَّمْعُ وَالْبَصَرُ وَالْكَلَامُ وَالْفِعْلُ وَنَحْوُ ذَلِكَ؛ وَمَا كَانَ صِفَةَ كَمَالٍ: فَهُوَ سُبْحَانَهُ أَحَقُّ أَنْ يَتَّصِفَ بِهِ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ فَلَوْ لَمْ يَتَّصِفْ بِهِ مَعَ اتِّصَافِ الْمَخْلُوقِ بِهِ: لَكَانَ الْمَخْلُوقُ أَكْمَلَ مِنْهُ)

الفرع الثالث:- اتفق سلف الأمة رحمهم الله تعالى على أن معاني الصفات معلومة، وأن كيفياتها على ما هي عليه مجهولة، فالعلم بمعاني الصفات متفق عليه بين الأئمة من أهل السنة والجماعة وذلك لأن الله تعالى خاطبنا باللسان العربي، فالواجب علينا حمل هذه الألفاظ على المعاني المتقررة عند أهل السنة والجماعة، ولأن الله تعالى قد أمرنا بتدبر القرآن كله، وأكثره من آيات الصفات فهي داخلة في عموم الأمر بالتدبر، فلما أمرنا الله تعالى بتدبرها علمنا أنها مما يمكن أن تتدبر، إذ كيف يأمرنا بتدبر ما لا يمكن أن يفهم معناه، وعلى هذا الفهم جرى أهل السنة من سلف هذه الأمة، فقالوا:- أمروها كما جاءت بلا كيف، وهي إنما جاءت بإثبات معان لائقة بالله تعالى ولما سأل رجل الإمام مالك رحمه الله تعالى فقال له:- يا إمام،"الرحمن على العرش استوى"كيف استوى؟ فأطرق الإمام حتى علاه الرحضاء - أي العرق - فرفع رأسه فقال:- الاستواء معلوم، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، فصارت من جملة عقائد الأمة، فالصفات تعلم باعتبار، وتجهل باعتبار، فتعلم باعتبار معانيها اللغوية، وتجهل باعتبار كيفياتها، هذا فهم السلف، ومن نسب السلف لغير هذا فقد كذب أو ضل، أو أخطأ، فالسلف متفقون على العلم بالمعنى، ومتفقون على الجهل بالكيف، لأن العلم بالكيفية لا يكون إلا برؤية الشيء أو رؤية نظيره أو إخبار الصادق عن هذه الكيفية، وكلها منتفية في حق كيفية صفات الله تعالى، وقد أخطأ بعض المنتسبين للسنة لما نسب إلى السلف الجهل بالمعنى، هذا خطأ على السلف والخلاصة أن فهم السلف في هذه المسألة هو العلم بالمعنى والجهل بالكيف، وأما من حاد عن سبيلهم وتنكب الصراط المستقيم، فإنه قال بقولين ضالين كل الضلال، الأول:- قول المفوضة وهو القائلون بأن معاني الصفات غير معلومة لنا، فنحن لا نعلم معنى الوجه ولا معنى اليد ولا معنى السمع ولا معنى البصر ولا معنى الرقابة ولا معنى العلو ولا معنى الاستواء، وهكذا في سائر الصفات فألفاظ الصفات عندهم بمنزلة اللغة الأجنبية التي يقرؤونها ولا يعرفون معناها، وهذا من شر أقوال أهل البدع، والطائفة الثانية قالت:- بل المعاني معلومة والكيفيات معلومة، وهم الممثلة، فلم يقتصروا على العلم بالمعنى فقط، بل عدوه إلى العلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت