فهرس الكتاب
كلام البارئ، والصوت صوت القارئ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم"زينوا القرآن بأصواتكم"وكان يقول"ألا رجل يحملني إلى قومه لأبلغ كلام ربي فإن قريشًا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي"وكلا الحديثين ثابت، فبين أن الكلام الذي بلغه كلام ربه وبين أن القارئ يقرأه بصوت نفسه، وقال صلى الله عليه وسلم"ليس منا من لم يتغن بالقرآن"قال أحمد والشافعي وغيرهما: هو تحسينه بالصوت، قال أحمد بن حنبل: يحسنه بصوته، فبين أن القارئ يحسن القرآن بصوته نفسه, والسبب الثاني أن السلف قالوا كلام الله منزل غير مخلوق وقالوا لم يزل متكلمًا إذا شاء، فبينوا أن كلام الله قديم، أي جنسه قديم لم يزل، ولم يقل أحد منهم أن نفس الكلام المعين قديم، ولا قال أحد منهم القرآن قديم، بل قالوا إنه كلام الله منزل غير مخلوق وإذا كان الله قد تكلم بالقرآن بمشيئته كان القرآن كلامه، وكان منزلًا منه غير مخلوق، ولم يكن مع ذلك أزليًا قديمًا بقدم الله وإن كان الله لم يزل متكلمًا إذا شاء، فجنس كلامه قديم، فمن فهم قول السلف وفرق بين هذه الأقوال زالت عنه الشبهات في هذه المسائل المعضلة التي اضطرب فيها أهل الأرض) وقال رحمه الله تعالى (وقال أحمد: نقول القرآن كلام الله غير مخلوق حيث تصرف أي حيث تُلي وكتب وقرئ مما هو في نفس الأمر كلام الله فهو كلامه وكلامه غير مخلوق، وما كان من صفات العباد وأفعالهم التي يقرؤون ويكتبون بها كلامه كأصواتهم ومدادهم فهو مخلوق) وقال رحمه الله تعالى في كلام طويل له أنقله بطوله لعظم فائدته (فصل: في بيان أن القرآن كلام الله العزيز العليم ليس شيء منه كلامًا لغيره لا جبريل ولا محمد ولا غيرهما، قال الله تعالى {فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ , إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ، وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ، قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ} فأمره أن يقول {نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ} والضمير في قوله {نَزَّلَهُ} عائد على {مَا} في قوله {بِمَا يُنَزِّلُ} فالمراد به القرآن كما يدل عليه سياق الكلام، وقوله {وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ} فيه إخبار بأنه أنزله، لكن ليس في هذه اللفظة بيان أن روح القدس نزل به ولا أنه منزل منه, ولفظ الإنزال في القرآن قد يرد مقيدًا بالإنزال منه كنزول القرآن وقد يرد مقيدًا بالإنزال من السماء ويراد به العلو، فيتنازل نزول المطر من السحاب ونزول الملائكة من عند الله وغير