الصفحة 77 من 120

وَسَلَّمَ وَعَلَى آلِهِ) قلت:- وقد عدل الصحابة رضي الله عنهم في عهد عمر رضي الله عن التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى التوسل بعمه العباس، لأنه صلى الله عليه وسلم قد مات، ولحق بالرفيق الأعلى، فلو كان دعاؤه والتوسل به جائزا لما عدلوا عن الأفضل إلى المفضول، وبالجملة فهنا مسألتان لابد من التفريق بينهما، الأولى:- أن التوسل لفظ مجمل يختلف باختلاف المتكلم به، فإن ورد لفظ الوسيلة في القرآن فإنه لا يراد به إلا اتباع الشرع، بفعل المأمور إيجابا واستحبابا، وبترك المنهي عنه تحريما أو كراهة، أي متابعة النبي صلى الله عليه وسلم، بطاعته فيما أمر واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله تعالى إلا بما شرع كما قال تعالى {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ} وكما قال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَابْتَغُوا إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} فالوسيلة هنا يراد بها ما ذكرته لك، وإن ورد لفظ الوسيلة في كلام النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يراد بها تلك المنزلة في الجنة التي لا تنبغي إلا لواحد من عباد الله، كما قال صلى الله عليه وسلم {ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت له الشفاعة} رواه مسلم، وإن ورد لفظ الوسيلة في كلام الصحابة فإنما يراد به طلب الدعاء لا غير، وعلى ذلك قول عمر"إنا كنا نتوسل بنبيك فتسقينا، وإن نتوسل إليك بعم نبينا ... الحديث، وهو في البخاري، ومنه قول الأعرابي الذي توسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في رد بصره، إن صح الحديث، ولا يراد به إلا ذلك، قال أبو العباس رحمه الله تعالى (إذَا عُرِفَ هَذَا فَقَدَ تَبَيَّنَ أَنَّ لَفْظَ"الْوَسِيلَةِ"وَ"التَّوَسُّلِ فِيهِ إجْمَالٌ وَاشْتِبَاهٌ يَجِبُ أَنْ تُعْرَفَ مَعَانِيهِ وَيُعْطَى كُلُّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ , فَيُعْرَفُ مَا وَرَدَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مِنْ ذَلِكَ وَمَعْنَاهُ , وَمَا كَانَ يَتَكَلَّمُ بِهِ الصَّحَابَةُ وَيَفْعَلُونَهُ وَمَعْنَى ذَلِكَ , وَيُعْرَفُ مَا أَحْدَثَهُ الْمُحْدِثُونَ فِي هَذَا اللَّفْظِ وَمَعْنَاهُ ' فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ اضْطِرَابِ النَّاسِ فِي هَذَا الْبَابِ هُوَ بِسَبَبِ مَا وَقَعَ مِنْ الْإِجْمَالِ وَالِاشْتِرَاكِ فِي الْأَلْفَاظِ وَمَعَانِيهَا حَتَّى تَجِدَ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْرِفُ فِي هَذَا الْبَابِ فَصْلَ الْخِطَابِ. فَلَفْظُ الْوَسِيلَةِ مَذْكُورٌ فِي الْقُرْآنِ فِي قَوْله تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} وَفِي قَوْله تَعَالَى {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا , أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} فَالْوَسِيلَةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تُبْتَغَى إلَيْهِ وَأَخْبَرَ عَنْ مَلَائِكَتِهِ وَأَنْبِيَائِهِ أَنَّهُمْ يَبْتَغُونَهَا إلَيْهِ هِيَ مَا يُتَقَرَّبُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت