الصفحة 93 من 120

أو أنه داخل هذا العالم، أو أنه هو عين وجود هذا العالم، كل ذلك من الأفهام المعوجة عن سنن الكتاب والسنة، وهي مخالفة لفهم سلف الأمة، والمتقرر أن كل فهم يخالف فهم سلف الأمة في مسائل العقيدة والعمل فهو باطل, واتفق سلف الأمة رحمهم الله تعالى على أن معيته لخلقه لا تنافي علوه على عرشه، لأنه جل وعلا ليس كمثله شيء في جميع نعوته، فهو العلي في قربه ودنوه وهو القريب في عله وفوقيته جل وعلا، فالأدلة جاءت بهذا وبهذا، والأدلة لا تأتي بمحالات العقل وإن كانت تأتي بمحارات العقول، أي أنها لا تأتي بما يحيله العقل، ولكنها تأتي بما يحار فيه العقل لأنه أضعف وأقصر وأنقص من الإحاطة بما هو من باب الغيب، وأما أهل البدع فقد فهموا من معيته لنا أنه مختلط بنا وحال فينا، فمنهم من رفض وحرف وعطل، ومنهم من رضي بها وهم الحلولية، وفهموا أن قربه ومعيته تتنافى مع علوه وفوقيته، وكل هذه الأفهام أفهام عاطلة، لم تستنر بنور الدليل ولا بفهم سلف الأمة، فهي أفهام باطلة لأنها مخالفة لما عليه السلف من الفهم والمنهج وما خالف ذلك فهو باطل.

الفرع الرابع والعشرون:- وهذه القاعدة الطيبة نافعة حتى في مسائل التفسير، فكل تفسير على غير فهم السلف فباطل، كتفسير بعضهم لقوله تعالى {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} فإن الضمير في قوله (أنه) عائد إلى القرآن، وهو باتفاق السلف، فالسلف يفهمون من الآية أن الضمير يعود على القرآن لا على الله، ولكن قال بعض طوائف المتكلمين والصوفية أنه - أي الضمير - يعود على الله، وهذا فهم مخالف لفهم سلف الأمة، والمتقرر أن كل فهم يخالف فهم سلف الأمة فهو باطل، قال أبو العباس رحمه الله تعالى (قَالَ تَعَالَى {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} وَالضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى الْقُرْآنِ , كَمَا قَالَ تَعَالَى {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} الْآيَةَ , وَأَمَّا قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ الْمُتَفَلْسِفَةِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنْ الْمُتَكَلِّمَةِ وَالْمُتَصَوِّفَةِ: أَنَّ الضَّمِيرَ عَائِدٌ إلَى اللَّهِ؛ وَأَنَّ الْمُرَادَ ذِكْرُ طَرِيقِ مَعْرِفَتِهِ بِالِاسْتِدْلَالِ بِالْعَقْلِ؛ فَتَفْسِيرُ الْآيَةِ بِذَلِكَ خَطَأٌ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا. فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ يَرَى الْآيَاتِ الْمَشْهُودَةَ لِيُبَيِّنَ صِدْقَ الْآيَاتِ الْمَسْمُوعَةِ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت