الصفحة 95 من 120

بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إلَى حِينٍ يُبَيِّنُ أَنَّهُمْ هَبَطُوا إلَى الْأَرْضِ مِنْ غَيْرِهَا وَقَالَ {فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ} دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا قَبْلَ ذَلِكَ بِمَكَانِ فِيهِ يَحْيَوْنَ وَفِيهِ يَمُوتُونَ وَمِنْهُ يُخْرَجُونَ وَإِنَّمَا صَارُوا إلَيْهِ لَمَّا أهبطوا مِنْ الْجَنَّةِ , وَالنُّصُوصُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ وَكَذَلِكَ كَلَامُ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ , وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ {احْتَجَّ آدَمَ وَمُوسَى فَقَالَ مُوسَى: يَا آدَمَ أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ خَلَقَك اللَّهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيك مِنْ رُوحه وَأَسْجَدَ لَك مَلَائِكَتَهُ فَلِمَاذَا أَخْرَجْتنَا وَذُرِّيَّتَك مِنْ الْجَنَّةِ؟ فَقَالَ لَهُ آدَمَ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاك اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَكَلَامِهِ فَهَلْ تَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ: وَعَصَى آدَمَ رَبَّهُ فَغَوَى؟ قَالَ نَعَمْ قَالَ: فَلِمَاذَا تَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ؟ فَقَالَ: فَحَجَّ آدَمَ مُوسَى} وَمُوسَى إنَّمَا لَامَ آدَمَ لِمَا حَصَلَ لَهُ وَذُرِّيَّتُهُ بِالْخُرُوجِ مِنْ الْجَنَّةِ مِنْ الْمَشَقَّةِ وَالنَّكَدِ فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ بُسْتَانًا فِي الْأَرْضِ لَكَانَ غَيْرُهُ مِنْ بَسَاتِينِ الْأَرْضِ يُعَوِّضُ عَنْهُ , وَآدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ احْتَجَّ بِالْقَدَرِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ مَامُورٌ عَلَى أَنْ يَصْبِرَ عَلَى مَا قَدَّرَهُ اللَّهُ مِنْ الْمَصَائِبِ وَيَتُوبَ إلَيْهِ وَيَسْتَغْفِرَهُ مِنْ الذُّنُوبِ والمعائب) فالحق الحقيق بالقبول هو أن الجنة التي دخلها أبونا آدم عليه السلام هي جنة الخلد، والله يتولانا وإياك.

الفرع السادس والعشرون:- أجمع سلف الأمة وأئمتها رحمهم الله تعالى على أنه قد يجتمع في الشخص الواحد موجب الثواب وموجب العقاب، فيثاب من جهة، ويعاقب من جهة، وعلى ذلك بنى أهل السنة مذهبهم في مرتكب الكبيرة، كما ذكرناه لك سابقا، فإن الناس على ثلاثة أقسام:- قسم يأتي يوم القيامة وليس معه إلا موجب الثواب فقط، وهذا منعم ابتداء، وقسم يأتي وليس معه إلا موجب العقاب فقط، فهذا معذب ابتداء، وقسم يأتي ومعه موجب الثواب والعقاب، أي فعل ما يوجب له الثواب وما يوجب له العقاب، فهذا يكون تحت المشيئة، هذا هو فهم سلف الأمة، وأما أهل البدع فإنهم لا يقولون بهذا الفهم، فلا يمكن البتة عندهم أن يجتمع في الشخص الواحد موجب الثواب وموجب العقاب، لأن الإيمان عندهم أصلا لا يزيد ولا ينقص وأما أهل السنة فلأنهم يقولون بأن الإيمان يزيد وينقص، فقد فهموا من ذلك إمكانية اجتماع موجب الثواب والعقاب في الشخص الواحد، قال ابن تيمية رحمه الله تعالى (وَأَمَّا الْقَائِلُونَ بِالتَّخْلِيدِ كَالْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ الْقَائِلِينَ إنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ دَخَلَهَا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ وَإِنَّهُ لَا شَفَاعَةَ لِلرَّسُولِ وَلَا لِغَيْرِهِ فِي أَهْلِ الْكَبَائِرِ لَا قَبْلَ دُخُولِ النَّارِ وَلَا بَعْدَهُ؛ فَعِنْدَهُمْ لَا يَجْتَمِعُ فِي الشَّخْصِ الْوَاحِدِ ثَوَابٌ وَعِقَابٌ؛ وَحَسَنَاتٌ وَسَيِّئَاتٌ , بَلْ مَنْ أُثِيبَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت