الصفحة 42 من 110

قوله: (( فإن قال أنا لا أعبد إلا الله وهذه الالتجاء إلى الصالحين ودعاؤهم ليس بعبادة ) ).

سلك المصنف - رحمه الله - إزاء هذه الشبهة ، مسلك التدرج مع الخصم ، والانتقال مما هو متفق عليه مع الخصم ، إلى ما هو مختلف فيه ، وجعل المجمع عليه دليلًا على المختلف فيه ، وتبيّن - من خلال هذا المسلك - ظهور حجة المصنف وقوة إلزامه .

وقول المشرك: (( أنا لا أعبد إلا الله ) )ينقضه - بالكلية - تتمة كلامه حيث قال: (( وهذا الالتجاء إلى الصالحين ودعاؤهم ليس بعبادة ) )فالالتجاء من معاني الاستعاذة ، والاستعاذة من العبادات التي أمر الله تعالى بها فلا تكون إلا بالله تعالى ، فالاستعاذة هي الاعتصام والتحرز والالتجاء إلى الله وحده والالتصاق بجنابه من شر كل ذي شر (1) .

والدعاء: السؤال والطلب ، وهو من أجل العبادات وأعظمها ، فتجرير العبادة لله وحده إيمان وتوحيد ، ودعاء غيره كفر وتنديد ، بل إن الدعاء يجمع أنواعًا كثيرة من العبادة كإسلام الوجه لمن يدعوه ، والرغبة إليه ، والاعتماد عليه ، والخصوع له والاطراح والتذلل ... (2)

ويدلّ على ذلك حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر: (( إن الدعاء هو العبادة ) )ثم قرأ: (( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ) ) ( غافر: 60) (3) .

فقل له أنت تقر أن الله فرض عليك إخلاص العبادة ، وهو حقه عليك ؟ فإذا قال: نعم , فقل له: بيّن لي هذا الذي فرض عليك ، وهو إخلاص العبادة لله وهو حقه عليك .

(1) انظر: فتح المجيد 1/295.

(2) انظر: الرد على شبهات المستعينين بغير الله لأحمد بن عيسى ص 47 .

(3) أخرجه أحمد 4/267 ، وأبو داود ح (1479) ، والترمذي ح (3372) ، وصححه النووي في الأذكار ص 333، وقال ابن حجر في الفتح (1/49) : (( إسناده جيد ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت