تمهيد:
توحيد الأسماء والصفات أحد أركان الإيمان بالله عز وجل، وهو الشق المكمل لتوحيد الربوبية تحت باب التوحيد القولي الاعتقادي أو ما يعرف بتوحيد المعرفة والإثبات، ولا يتسنى لأحد أن يعبد الله علي بصيرة حتى يوحده في أسمائه وصفاته، فإن من عرف الله أحبه، ومن أحبه اجتمع قلبه علي عبادته وحده، ولا تتسنى معرفة الله - عز وجل - معرفة صحيحة إلا بمعرفة أسمائه وصفاته، والوقوف من ذلك علي الجمل الثابتة التي تصون اعتقاده فتنأى به عن الشعاب التي تاهت فيها خطى المتكلمين والمتنطعين من قبل، كما تنأى به عن التناول الجدلي والجاف الذي ألجأت إليه المواجهة مع الفرق المنحرفة عبر التاريخ، والذي أفقد الدارسين لهذا العلم متعة التحقق بمعاني هذه الأسماء والصفات والتوسل بها إلى الله - عز وجل -.
إن الله جل وعلا يقول في كتابه {وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ} [الأعراف:180] وهذا الدعاء يتضمن دعاء المسألة ودعاء العبادة، أما دعاء المسألة فهو أن تقدم بين يدي مطلوبك من أسماء الله ما يناسب المقام، فعندما يتعاظمك ذنبك تلوذ باسمه الغفور فتقول: يا غفور اغفر لي، وعندما تحاصرك الكروب والشدائد تلوذ باسمه المغيث فتقول: يا مغيث أغثني، وهكذا. وأما دعاء العبادة فهو التعبد إلى الله بمقتضى هذه الأسماء، فتتوب إليه لأنه التواب، وتسأله لأنه هو الكريم، وهكذا.
أولًا: معنى توحيد الأسماء والصفات:
هو الإيمان بأسماء الله وصفاته كما جاءت في القرآن الكريم وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك على الوجه الذي يليق بالله سبحانه وتعالى دون تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل. وهذا هو منهج السلف في أسماء الله وصفاته. يقول ابن تيمية:"ثم القول الشامل في جميع هذا الباب: أن يوصف الله بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، وبما وصفه به السابقون الأولون، ولا يتجاوز القرآن والحديث" [1] .
هذا وإن توحيد الأسماء والصفات من القضايا الشائكة التي تفرقت حولها الفرق في ماضي هذه الأمة وحاضرها، وقد هلك فيها فريقان من الناس:
-المشبهة: الذين غلوا في إثبات صفات الله عز وجل حتي هووا إلى دركة التشبيه!
-والمعطلة الذين غلوا في باب النفي والتنزيه، فهووا إلى دركة التحريف والتعطيل!
وهدى الله أهل السنة والجماعة إلى العقيدة الوسط، فأثبتوا لله ما أثبته الله عز وجل لنفسه وما أثبته له رسله، ونفوا عن الله عز وجل ما نفاه الله عن نفسه وما نفته عنه رسله، بلا تمثيل وتعطيل، كما قال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشوري:11] .
والناس في تناولهم لهذه القضية في واقعنا المعاصر طرفان وواسطة:
-فمنهم من غلا فيها غلوًّا منكرًا، فأحيا الخلافات المندثرة حولها، وألزم العامة بتفصيلات ومصطلحات لا تبلغها عقولهم، وأثار حولها من الجدل والخصومات ما لا يعلم مداه إلا الله.
-ومنهم من فرط فيها تفريطًا منكرًا، فهمَّش قيمتها، ونهى عن الاشتغال بها واعتبرها من قضايا الفتنة التي ينهى عن مجرد الدخول فيها.
-وبين هؤلاء وهؤلاء وقف أهل القصد والاعتدال، الذين لم يتعمقوا فيها تعمق الأولين، ولم يجفوا عنها جفاء الآخرين؛ بل ألزموا العامة فيها بالجمل الثابتة التي لا لبس فيها ولا غموض، وأحالوا إلى أهل العلم ما وراء ذلك من الجزئيات والتفاصيل التي لا تبلغها عقول العامة ولم تتهيأ لها.
ونود في هذا المطلب أن نشير إلى بعض القواعد الكلية في باب توحيد الأسماء والصفات التي لا يسع المبتدئ جهلها، محيلين فيما وراء ذلك إلى المراجع والمطولات.
ثانيًا: ثوابت ومحكمات في توحيد الأسماء والصفات:
? قواعد في أسماء الله تعالى:
1 -الكمال في أسماء الله الحسنى:
فكل أسمائه تعالى قد أوفت علي الغاية في الحسن؛ وذلك لتضمنها صفات كاملة لا يرد عليها النقص بوجه من الوجوه لا احتمالًا ولا تقديرًا. فالحي من أسمائه تعالى يتضمن الحياة الكاملة التي لم تسبق بعدم والتي لا يلحقها زوال، والتي تستلزم كمال الصفات من السمع والبصر والعلم والقدرة وغيرها. والعليم من أسمائه تعالى وهو يتضمن العلم المحيط الكامل الذي لم يسبق بجهل، ولا يلحقه نسيان، قال تعالى: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [الأنعام:59] .
2 -أسماؤه تعالى توقيفية:
أي أنه يجب الوقوف في ذلك على ما جاء به الكتاب والسنة فلا يزاد علي ذلك ولا ينقص؛ لأن العقل لا يستقل بإدراكها، وإلا كان قولًا
(1) مجموع الفتاوى (5/ 26) .