فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 52

(( فصل ) )

أعلم بارك الله فيك أن المتقرر عند أهل العلم رحمهم الله تعالى أن الأصل في الكلام الحقيقة فلا يجوز الانتقال عن الحقيقة إلى المجاز إلا بالقرينة الصادقة، ولكن بشرط، وهو أن تكون الحقيقة متصورة أصلًا، أي أنك مثلًا إذا قلت: رأيت أسدًا قد أمتطى صهوة المنبر يخطب، فإن عقلك وفهمك لا يمكن أبدًا أن يحمل هذا الكلام على حقيقته لأنك تعرف حقيقة الأسد وأنه لا يمكن أن يفعل ذلك فعرفت أن المراد المجاز، لكن بالله عليك لما صرف المبتدعة صفات الله تعالى من حقائقها إلى مجازاتها، هل كانوا يعرفون حقيقة هذه الصفة حتى يتيقنوا أنه لا يراد بها الحقيقة؟ هل كانوا يعلمون حقيقة الوجه حتى يصرفوه إلى الثواب؟ هل كانوا يعلمون حقيقة اليد حتى يصرفوها إلى النعمة والقدرة؟ هل كانوا يعلمون حقيقة العين حتى يصرفوها إلى العلم؟ بالطبع لا، إذًا كيف يصرفون الكلام من حقيقته التي لم يتصوروها أصلًا ولم يعرفوا كيفيتها إلى المجاز ويقولون: أنه لا يمكن أن يريد الحقيقة، أي حقيقة هي التي يفرون منها؟ أن القوم قوم بهت أهل أهواء وشهوات، يتحكمون في الأدلة بأهوائهم وشهواتهم كما يتحكم الصبي بالكرة تحت يده، فيحذفون من الدليل ما لا يريدون ويدخلون في دلالته ما يريدون بلا حياء ولا خوف ولا برهان، وإنما هي العقول العفنة والأهواء المنتنة، فانتبه لهذا الأمر الانتباه التام، وأعيد لك بعبارة أسهل ومثال جديد وهو: لو سمعت أحدًا يقول: لقد رأيت أسدًا قد حمل حقيبته وذهب إلى مدرسته، فبالله عليك هل ستفهم من لفظ الأسد أنه الحيوان المفترس؟ بالطبع لا، ولو قلت لك: لماذا لا تحمل الكلام على أنه الأسد الحقيقي؟ فستقول لي بك ثقةٍ لأنني أعرف حقيقة الأسد وأنه لا يمكن أن يحمل حقيبة ويذهب إلى المدرسة، إذا أنت حملت الكلام على المجاز لأنك تصورت حقيقة الأسد وأنه لا يمكن صدور ذلك الفعل منه، إذًا لابد أن تعرف الحقيقة أولًا حتى ننظر هل يمكن حمل الكلام عليها أم يكون المراد هو المجاز؟ وهؤلاء المبتدعة لما زعموا أن آيات الصفات لا يراد بها حقائقها هل بالله عليك كانوا يعرفون كيفيات هذه الحقائق حتى يقرروا أنه لا يمكن أن يراد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت