الصفحة 4 من 39

شرح الحديث إجمالًا:

قوله: (كنت خلف النبي - صلى الله عليه وسلم -) أي راكبًا معه، ورديفه.

قوله: (فقال: يا غلام ... ) قال له: (يا غلام) ؛ لأن ابن عباس رضي الله عنهما كان صغيرًا، فإن الرسول - صلى الله عليه وسلم - توفي وعمر ابن عباس ثلاث عشرة سنة، وقيل: خمس عشرة سنة [1] .

قوله: (إني أعلمك كلمات) ذكر له ذلك قبل ذكر الكلمات، ليكون ذلك أوقع في نفسه، وجاء بها بصيغة القلّة؛ ليؤذنه أنها قليلة اللفظ؛ فيسهل حفظها [2] .

قوله - صلى الله عليه وسلم: (احفظ الله) أي احفظ حدوده، وحقوقه، وأوامره ونواهيه.

وحفظ ذلك يكون بالوقوف عند أوامره بالامتثال، وعند نواهيه بالاجتناب، وعند حدوده فلا يتجاوز ما أمر به، وأذن فيه إلى ما نهى عنه، فمن فعل ذلك فهو من الحافظين لحدود الله.

وأعظم ما يجب حفظه التوحيد، وسلامة العقيدة، فهي الأصل والأساس لبقية أركان الإيمان والإسلام، التي يجب حفظها، بالإيمان بها قولًا وعملًا واعتقادًا، إخلاصًا لله تعالى، واتباعًا لما جاء به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

قال ابن دقيق العيد (ت 702هـ) في معنى (احفظ الله) : (( ومعناه كن مطيعًا لربك، مؤتمرًا بأوامره، منتهيًا عن نواهيه ) ) [3] .

وكذلك من حفظ الله أن يتعلم المسلم من دينه ما يقوّم به عباداته ومعاملاته، ويدعو به إلى الله - صلى الله عليه وسلم -.

وقوله: (يحفظك) يعني أن من حفظ حدود الله، وراعى حقوقه حفظه الله، في الدنيا من الآفات والمكروهات، وفي الآخرة من أنواع العقوبات، جزاء وفاقًا.

فكلما حفظ الإنسان دين الله حفظه الله.

وحفظ الله لعبده الحافظ لدينه، يكون في أمرين:

الأول: حفظ الله للعبد في دينه وإيمانه، فيحفظه في حياته من الشبهات المضلة، ومن الشهوات المحرّمة، ويحفظ عليه دينه عند موته، فيتوفّاه على الإيمان.

هذا هو الأمر الأول، وهو أعظمهما وأشرفهما، وهو أن يحفظ الله عبده من الزيغ والضلال؛ لأن الإنسان كلما اهتدى زاده الله هدى، وكلما ضل ازداد ضلالًا.

الثاني: حفظ الله للعبد في مصالح دنياه، كحفظه في بدنه وولده وأهله وماله، ومن حفظ الله في صباه وقوته حفظه الله في حال كبره وضعف قوته، ومتّعه بسمعه وبصره وحوله وقوته وعقله [4] .

إذن من حفظ حدود الله حفظه الله في دينه، وفي بدنه وولده وأهله وماله.

قوله - صلى الله عليه وسلم: (احفظ الله تجده تجاهك) أي احفظ الله أيضًا، بحفظ حدوده وحقوقه، وشريعته بالقيام بأمره واجتناب نهيه.

(تجده تجاهك) ، وفي رواية: (أمامك) ، ومعناهما واحد، أي من حفظ حدود الله وجد الله تجاهه وأمامه، في كل أحواله حيث توجه، يحوطه وينصره ويوفقه ويسدده، كما قال تعالى: {إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} [5] .

(1) انظر مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح 10/ 53.

(2) انظر فتح المبين لشرح الأربعين ص 171.

(3) شرح الأربعين حديثًا النووية ص 55.

(4) انظر جامع العلوم والحكم ص 248، 249. وشرح رياض الصالحين 2/ 451.

(5) سورة النحل، الآية 128.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت