فإن الشيطان لا يتمثل به تعالى كالأنبياء عليهم الصلاة السلام. واختلف في وقوعها للأولياء على قولين للأشعري أرحهما المنع.
استحالة فيه فهو هو وإلا فهو مثال، وسبحان من تنزه عن المثال، وقيل: هو الرب أيضا وكونه جسما باعتبار ذهن الرائي وفي الحقيقة ليس كذلك. قوله: (لا يتمثل به تعالى) وبعضهم قال: يتمثل بالله دون النبي والفرق أن النبي بشر فيلزم من التمثيل به اللبس بخلاف المولى فأمره معلوم. قوله: (كالأنبياء) فإن رآه إنسان في صورة غير مناسبة فهي صفات الرائي ظهرت له كما في المرآة ولا يلزم من صحة الرؤية التعويل عليها في حكم شرعي لاحتمال الخطأ في التحمل بالأولى من اليقظة. حكي أن رجلا رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام يقول له في المحل الفلاني ركاز اذهب خذه ولا خمس عليك فذهب فوجده فاستفتى العلماء فقال له العز بن عبد السلام: أخرج الخمس فإنه ثبت بالتواتر وقصارى رؤيتك الآحاد ومنه أن يقول له: إذا العيد أو رمضان فيعول على العلامات المقررة. قوله: (وقوعها للأولياء) أي يقظة وعلى الأرجح قال: أولا ضال فالمراد إطباق طائفة هكذا يتعين.
لطيفة: حكى العارف الشعراني رحمه الله تعالى ونفعنا به في أواخر ككتابه أخلاق العارفين عن مجد الدين بن سعيد الكوفي رضي الله تعالى عنه، أن إبليس لقي موسى عليه الصلاة والسلام على جبل الطور أواخر عمره، فقال له موسى: بئس ما صنعت بنفسك بامتناعك من السجود لآدم عليه السلام فلم فعلت ذلك؟ فقال: لأني كنت ادعيت محبته تعالى، فلما توجه السجود لغيره امتنعت ورأيت العقوبة في الدنيا والآخرة أحب إلي من كذبي في دعواي بالسجود والخضوع لغير من ادّعيت محبته، وكذلك أنت يا موسى لما ادعيت محبته تعالى امتحنك، وقال: انظر إلى الجبل فلما نظرت إليه ناقشك في دعواك المحبة له إذ المحب لا يلتفت لغير محبوبه، ولو أنك كنت غمضت عينيك عن النظر إلى الجبل وعلمت أن ذلك مكيدة لكنت رأيت ربك فإنه حقيق بأن لا يراه إلا من عمي عمن سواه اهـ. ونظير هذه الحكاية ما وقع أن بعض العباد ذهب يتوضأ من بركة ماء فرأى جارية هناك من أجمل النساء فشخص بصره إليها وترك الوضوء فقالت له: لم لا تتوضأ؟ فقال: حبك أشغل قلبي عن الوضوء، فقالت: فكيف لو رأيت أختي هاتيك فالتفت عنها ينظر إلى أختها فصفعته في عنقه وقالت: أنت كذاب في دعواك المحبة ثم التفت فلم يرها اهـ. نص الشعراني. قلت: هذه لطيفة أجريت على لسانه وقد أنشد سيدي علي وفا:
وكيف ترى ليلى بعين ترى بها ... سواها وما طهرتها بالمدامع