فهرس الكتاب

الصفحة 106 من 148

وقال بعضهم: الروح لطيفة تسري من الله إلى أماكن معروفة لا يعبر عنه بأكثر من موجود بإيجاد غيره.

وقال بعضهم: الروح لم يخرج من «كن» لأنه لو خرج من «كن» كان عليه الذل. قيل: فمن أي شيء خرج؟ قال: من بين جماله وجلاله وسبحانه وتعالى بملاحظة الإشارة خصها بسلامه وحياها بكلامه؛ فهي معتقة من ذل «كن» .

وسئل أبو سعيد الخراز عن الروح، أمخلوقة هي؟ قال: نعم، ولولا ذلك ما أقرت بالربوبية، حيث قال: «بلى» والروح هي التي قام بها البدن واستحق بها اسم الحياة، وبالروح ثبت العقل، وبالروح قامت الحجة؛ ولو لم يكن الروح كان العقل معطلًا لا حجة عليه ولا له، وقيل: إنها جوهر مخلوق ولكنها ألطف المخلوقات وأصفى الجواهر وأنوارها، وبها تتراءى المغيبات وبها يكون الكشف لأهل الحقائق، وإذا حجبت الروح عن مراعاة السير أساءت الجوارح الأدب، ولذلك صارت الروح بين تجلّ واستتار وقابض ونازع، وقيل: الدنيا والآخرة عند الأرواح سواء، وقيل الأرواح أقسام: أرواح تجول في البرزخ وتبصر أحوال الدنيا والملائكة وتسمع ما تتحدث به في السماء عن أحوال الآدميين وأرواح تحت العرش، وأرواح طيارة إلى الجنان وإلى حيث شاءت على أقدارها من السعي إلى الله أيام الحياة.

وروى سعيد ابن المسيب عن سلمان قال: أرواح المؤمنين تذهب في برزخ من الأرض حيث شاءت بين السماء والأرض حتى يردها إلى جسدها.

وقيل: إذا ورد على الأرواح ميت من الأحياء التقوا وتحدثوا وتساءلوا، ووكل الله بها ملائكة تعرض عليها أعمال الأحياء، حتى إذا عرض على الأموات ما يعاقب به الأحياء في الدنيا من أجل الذنوب قالوا: نعتذر إلى الله ظاهرًا عنه، فإنه لا أحد أحب إليه العذر من الله تعالى. وقد ورد في الخبر عن النبي: «تُعْرَضُ الأَعْمَالُ يَوْمَ الاثْنَيْنِ وَالخَمِيسِ عَلَى الله، وَتُعْرَضُ عَلَى الأَنْبِيَاءِ وَالآبَاءِ وَالأُمَّهَاتِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَيَفْرَحُونَ بِحَسَنَاتِهِمْ وَتَزْدَادُ وُجُوهُهُمْ بَيَاضًا وَإِشْرَاقًا» فاتقوا الله تعالى ولا تؤذوا موتاكم.

وفي خبر آخر: «إن أعمالكم تعرض على عشائركم وأقاربكم من الموتى، فإن كان حسنًا استبشروا، وإن كان غير ذلك قالوا: اللهم لا تمتهم حتى تهديهم كما هديتنا» .

وهذه الأخبار والأقوال تدل على أنها أعيان في الجسد، وليست بمعان وأعراض.

سئل الواسطي: لأي علة كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم أحلم الخلق؟ قال: لأنه خلق روحه أولًا فوقع له صحبة التمكين والاستقرار، ألا تراه يقول: «كُنْتُ نَبِيًّا وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالجَسَدِ» أي لم يكن روحًا ولا جسدًا وقال بعضهم: الروح خلق من نور العزة، وإبليس من نار العزة، ولهذا قال: {خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} (الأعراف: الآية 12) ولم يدر أن النور خير من النار، فقال بعضهم: قرن الله تعالى العلم بالروح، فهي للطافتها تنمو بالعلم كما ينمو البدن بالغذاء وهذا في علم الله، لأن علم الخلق قليل لا يبالغ فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت