فهرس الكتاب

الصفحة 125 من 148

(فصل)

ومن الأدب: ترك الدنيا، والذي ذكره سهل هو معنى ما قال عمر على المنبر: إن الرجل ليشيب عارضاه في الإسلام وما أكمل لله صلاة، قيل: وكيف ذلك؟ قال: لا يتم خشوعها وتواضعها وإقباله على الله فيها. وقد ورد في الأخبار إن العبد إذا قام إلى الصلاة رفع الله الحجاب بينه وبينه وواجهه بوجهه الكريم، وقامت الملائكة من لدن منكبيه إلى الهواء يصلون بصلاته ويؤمنون على دعائه، وإن المصلي لينشر عليه البر من عنان السماء إلى مفرق رأسه، ويناديه مناد: «لو علم المصلي من يناجي ما التفت» أو ما انفتل.

وقد جمع الله تعالى للمصلين في كل ركعة ما فرق على أهل السماوات، فللَّه ملائكة في الركوع منذ خلقهم الله لا يرفعون من الركوع إلى يوم القيامة، وهكذا في السجود والقيام والقعود، والعبد المتيقظ يتصف في ركوعه بصفة الراكعين منهم، وفي السجود بصفة الساجدين، وفي كل هيئة هكذا يكون كالواحد منهم وبينهم، وفي غير الفريضة ينبغي للمصلي أن يمكث في ركوعه متلذذًا بالركوع غير مهتم بالرفع منه، فإن طرقته سآمة بحكم الجبلة استغفر منها، ويستديم تلك الهيئة ويتطلع أن يذوق الخشوع اللائق بهذه الهيئة ليصير قلبه بلون الهيئة، وربما يتراءى للراكع المحق أنه إن سبق همه في حال الركوع أو السجود إلى الرفع منه ما وفى الهيئة حقها، فيكون همه الهيئة مستغرفًا فيها مشغولًا بها عن غيرها من الهيئات، فبذلك يتوفر حظه من بركة كل هيئة، فإنّ السرعة التي يتقاضى بها الطبع تسدّ باب الفتوح، ويقف في مهاب النفحات الإلهية حتى يتكامل حظ العبد، فتنمحي آثاره بحسن الاسترسال ويستقرّ في مقعد الوصال.

وقيل: في الصلاة أربع هيئات وستة أذكار؛ فالهيئات الأربع: القيام والقعود والركوع والسجود. والأذكار الستة: التلاوة، والتسبيح، والحمد، والاستغفار، والدعاء، والصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام. فصارت عشرة كاملة تفرق هذه العشرة على عشرة صفوف من الملائكة: كل صف عشرة آلاف؛ فيجتمع في الركعتين ما يفرق على مائة ألف من الملائكة.

وحكي عن الجنيد أنه قال: لكل شيء صفوة، وصفوة الصلاة التكبيرة الأولى. وإنما كانت التكبيرة صفوة لأنها موضع النية وأول الصلاة.

قال أبو نصر السراج: سمعت ابن سالم يقول: النية بالله ومن الله، والآفات التي تدخل في صلاة العبد بعد النية من العدو، ونصيب العدو وإن كثر لا يوازن بالنية التي هي لله بالله وإن قل.

وسئل أبو سعيد الخراز: كيف الدخول في الصلاة؟ فقال: هو أن تقبل على الله تعالى إقبالك عليه يوم القيامة ووقوفك بين يد الله ليس بينك وبينه ترجمان وهو مقبل عليك وأنت تناجيه وتعلم بين يدي من أنت واقف فإنه الملك العظيم.

وقيل لبعض العارفين: كيف تكبر التكبيرة الأولى؟ فقال: ينبغي إذا قلت الله أكبر أن يكون مصحوبك في الله: التعظيم مع الألف، والهيبة مع اللام، والمراقبة والقرب مع الهاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت