عمل الجرجاني ليتوّج مجهودات النقّاد والبلاغيين في بحث تجليات المعنى ومحاولة القبض عليه وتحديد قنواته من خلال النصوص الإبداعية.
وهنا تكمن أهمية الجرجاني في عمله لإخضاع آراء النقاد وعلماء البلاغة السابقين له لعملية التنظير وإعادة البناء لمقولاتهم وأفكارهم وصياغتها في نظرية متماسكة.
وهنا نأتي إلى بيت القصيد حيث يقول أبو ديب:"الدلالة أو المعنى لا تنتج من الكلمات أو المورفيمات ولكن من العلاقات القائمة بين الكلمات والمورفيمات" (ص 27) وهكذا نرى أن المعنى حسب رأي كمال أبو ديب يصبح مساويًا للعلاقات ويصير القول بعلاقات نصّ معين بدل دلالته.
وأرى أن هذا قد يكون مبالغ فيه بعض الشيء إلاّ إذا قرنا العلاقة بالدلالة، فنقول على سبيل المثال دلالة هذه العلاقة أو تلك العلاقات داخل جملة معينة أو نصّ محدّد.
ولكن إذا أخضعنا هذه الفكرة للنقاش الجادّ فسنلاحظ أن الكلمة لوحدها منفردة لا تعنى شيئًا كما أكّد ذلك الجرجاني عندما قال:"وإنك لتجد اللفظة الواحدة قد اكتسبت فيها فوائد حتى تراها مقررة في مواضع، ولها في كل واحد من تلك المواضع شأن مفرد أو شرف مفرد وفضيلة مرموقة وخلابة مرموقة ومن خصائصها التي تذكر بها وهي عنوان مناقبها أنها تعطيك الكثير من المعاني باليسير من اللفظ" (أسرار البلاغة ص 33) .
هذه الفقرة المأخوذة عن الجرجاني تدعّم تمام التدعيم ملاحظة كمال أبو ديب التي لا ترى الكلمة مفردة ومنعزلة عن سياق محدّد، بل أن الكلمة لا تأخذ معناها إلاّ إذا كانت داخل شبكة من العلاقات التي تقيمها مع المحيط اللغوي الذي تتحرك فيه. وهكذا حسب الجرجاني ثم كمال أبو ديب نستطيع أن نحصل على العديد من المعاني بالعدد القليل من الألفاظ وذلك عن طريق نظمها في كل مرة بطريقة مخصوصة (المخطط التشجيري: تشومسكي) .
هذه الفكرة تلتقي مع فكرة تشومسكي التي جاءت في كتابه البنى التركيبية Structures Syntaxiques عندما يؤكد بأننا نستطيع أن نكوّن عددًا لا يحصى من الجمل انطلاقًا من عناصر قليلة وثابتة في كل جملة نصنعها، وانتهى به ذلك إلى اقتراح المخططات التشجيرية لتحليل الجمل المركبة.
وفكرة الجرجاني تلتقي أيضًا مع فكرة سوسير عندما لاحظ بأننا أثناء تحليلنا