هو إبر الوريد وإبر العضل لأنه عن طريقهما يتناول المريض ما يحتاجه الجسم، أما الباقي فأكثرها حقن موضعية لا تصل إلى الجوف المعتبر فلا يقع بها الفطر، أما إبر التقيؤ التي تعطى تحت الجلد فلها حكم الاستقاءة عمدًا إذا حصلت الاستقاءة منها.
و سنحصر الكلام على إبر الوريد والعضل، فنقول:
اختلف المعاصرون فيها على أربعة اتجاهات:
الاتجاه الأول: عدم الإفطار بها مطلقا.
الاتجاه الثاني: الإفطار بها مطلقًا.
الاتجاه الثالث: التفريق بين الإبر المغذية والإبر غير المغذية.
الاتجاه الرابع: التفريق بين الإبر الوريدية والإبر غير الوريدية.
الاتجاه الأول: عدم الإفطار بها مطلقا:
وحجة هؤلاء:
1 -أن هذه الحقنة لا يصل منها شيء إلى الجوف من المنافذ المعتادة أصلًا.
2 -على فرض الوصول فإنها إنما تصل من المسام فقط.
3 -أن ما تصل إليه ليس جوفًا، ولا في حكم الجوف.
4 -أن الصيام عبادة غير معقولة المعنى تعبدية خالصة.
وهذا الاتجاه في الحقيقة:
هو امتداد للطريقة الظاهرية في تناول مفطرات الصيام، وقصرها على صورة الأكل والشرب، فهو ينتظم وأصولهم في هذا الباب، مع أن الآخذين بهذا القول من المعاصرين هم من أرباب المعاني، بل والمفرطين فيه، ونرى هذا كسرًا صريحًا لقانونهم.
أما القول بأن مفطرات الصيام أمور تعبدية لا يعقل معناها، فهذا لم أقف عليه إلا من كلام المعاصرين، ويبدو أن هذا إنما وقع لما أعياهم الخروج بأوصاف ظاهرة منضبطة في المفطرات، وإلا فكل الفقهاء عن بكرة أبيهم على اعتبار تعليل المفطرات، ولذا وقع نزاعهم فيما يفطر وفيما لا يفطر مما تنازعوا في وصوله إلى الجوف أو عدم وصوله.
أهل الظاهر في ظاهريتهم لم يدعو هذا، وإنما قصروا المفطرات على صورة الأكل والشرب بحسب رسومهم الظاهرية، فهو معنى واضح، وهو وصف الأكل والشرب، لكنه لا يتعدى.
ألم يشعر هؤلاء أن القول بأن المفطرات تعبدية معناه أنه لا يعقل معناها؟
ألا يعقل معنى الأكل والشرب والجماع؟
ليتهم أعطوا المفطرات حظها من النظر، أو أنهم كلفوا أنفسهم النظر في قواعد الفقهاء القدامى.
تجد كثيرًا منهم يتبنى مذهب ابن تيمية في تضييق المفطرات، لكن لا يدري ما هو، وعلى أي وصفٍ بناه، يؤكده عدم تحريرهم مذهبه، مع ما نسبوه إليه من عدم الإفطار بالحقن المغذية لقوله بعدم الفطر بحقن الشرج التي كانت على شكل فتائل تستدخل في الدبر لاستفراغ ما في الأمعاء!
فأين هذه من تلك؟
وتجد آخرين ينسبون إلى ابن تيمية أن مبنى الإفطار عنده على حصول القوة والنشاط!.
ونقول في الجواب عن هذا القول:
1 -إنه يلتقي تمامًا مع طريقة أهل الظاهر في حصر المفطرات على الصور المنصوصة.
2 -أما على الطريقة القياسية فنقول:
يكفي في رده فقه حديث لقيط بن صبرة، وأن عامة أهل العلم أفادوا منه إلغاء المنفذ المعتاد إذا تحقق الوصول إلى الجوف؛ لذا ذهب جمهور أهل العلم على وقوع الفطر بمداواة المأمومة والجائفة، وهو منفذ لا نقول: إنه غير معتاد، بل هو غير طبيعي، فالنافذ من المسام لا حكم له بشرط ألا يتحقق وصوله إلى الجوف، ثم إن الأئمة الأربعة على الإفطار بالسائل النافذ من الدبر والفرج، وأربعتهم كذلك على الإفطار بما ينفذ من الأذن، نعم قد نختلف معهم فيما يصل وفيما لا يصل، لكن كلمتهم واحدة أن ما يصل فله حكم الأكل والشرب.
الاتجاه الثاني: الإفطار بالحقن مطلقًا:
ومأخذ قولهم أمور:
1 -أن الجوف هو كل مجوف.
2 -أنها تؤدي وظيفة الدواء من الفم بل هي أبلغ وأسرع.
3 -أن مجرد امتصاص الأوعية الأدموية سبب للفطر.
4 -أنها لا تخلو من نوع غذاء.
5 -أن الإفطار يحصل بها معنى لا صورة، فهي سائل دخل إلى الجوف، وقد ذكروا من جملة المفطرات السعوط وعللوه بأنه مفطر معنى لا صورة، كما ذهب الجمهور إلى الإفطار مِنْ مداواة الجائفة، وهي صورة تشبه الإبر الوريدية.
6 -أن الصائم ينبغي أن يصان عن خرق دائرة الإمساك.
ونوقش هذا القول بما يلي:
1 -غلط اعتبار أن الجوف كل مجوف، أو أنه ما وراء البشرة، وقد نص على هذا الغلط الشافعية، وهم أوسع المذاهب في المفطرات ا لتي بابها الأكل والشرب.
2 -المنازعة بأن مجرد امتصاص الأوعية الدموية تكون سببًا للإفطار، وقد نص الفقهاء على أن مداواة الجراح في غير الجائفة والآمة لا تفطر ولو وصل إلى اللحم أو مخ الساق أو الفخذ.
3 -نعم، الصائم ينبغي أن يصان عن خرق دائرة الإمساك، ولكنه ليس إمساكًا مطلقًا، وإنما له متعلق، وهو الإمساك عن الطعام والشراب والجماع، فهو ليس إمساكا مطلقا، وإنما إمساك مقيد، وما كان مقيدا فلا ينبغي أن يستعمل مطلقا، ثم ننتقل في الكلام على ماهية الإمساك المقيد الممنوع منه الصائم، وما وصفه، وما مداه.
الاتجاه الثالث: التفريق بين الإبر المغذية والإبر غير المغذية: