الصفحة 38 من 69

لتلك السطوة غلبة على النفوس، فتنساق حياتهم في أكثر وجوهها على غير شريعة الله تعالى حتى إن انتظمت فيها شعائر العبادة.

وكذلك يقتضي هذا الموجه أيضا أن يكون ملاحظا فيه بقدر كبير ما هو مترسب في أذهان الأوربيين وأذهان بعض المسلمين المتأثرين بهم من صورة للدين لا يدخل فيها إلا ما هو علاقة روحية بين العبد وربه، ويخرج منها ما هو تنظيم للحياة الاجتماعية وتنظيم لعلاقة الإنسان بالمقدرات الكونية، فتخلو بذلك من البعد الحضاري للتدين الذي يكاد يتمحض فيها للبعد الروحي من حياة الإنسان، وإذا ما لم يؤصل فقه الأقليات تأصيلا حضاريا واقتصر على أبعاده التعبدية الروحية والأخلاقية كرست في الأذهان تلك الصورة المنقوصة للتدين فلم يبق لها أثر ذو بال في التمكين للدين الذي هو مقصد أساسي لفقه الأقليات كما بينا آنفا" [1] ."

خلاصة القول: بعد هذه القراءة المقارنة في القضايا الكبرى الأربع -كما قدمها فكر ثلاثة من مؤسسي مدرسة"فقه الأقليات"- يمكن التوقف أمام مجموعة من الملاحظات النقدية التي تمهد للانتقال إلى الجزء الثاني من الدراسة:

1 -كان تركيز القرضاوي والنجار على الكليات (بمعنى الفقه الأكبر) أقل وضوحًا من تركيز العلواني. ومن ثم تظل إشكالية مستوى الرؤية الفقهية الجزئية والكلية مسألة هامة.

2 -بالمقارنة بين جملة التحديات وجملة الفرص في البيئةالغربية، واستحضارًا للموقف من تأصيل غاية الوجود المسلم وأسبابه، يبرز لنا التناقض -وخاصة لدى القرضاوي والنجار بين الحديث عن"حالة الضعف والاستضعاف التي تقتضي التيسير في الفقه (الجزئي) وبين الحديث عن"أهداف وجود المسلم"ودوره الحضاري في الغرب. وفي حين أن طرح العلواني يحل هذا التناقص، لأنه يرفض منطق الاستضعاف والضرورة، إلا أن تصور العلواني عن الإيجابية التي يجب أن يكون عليها المسلم هي الصورة المثلى، ولكن ما يعوق تحقيقها -أو على الأقل يزيد من صعوبة هذا التحقيق- المحددات الأوروبية والعالمية المحيطة."

بعبارة أخرى إذا كان التطور في التأصيل لفقه الأقليات من حيث ضروريته وأهدافه، قد جاء من باب الاستجابة للتطور في تجدد وعي المسلمين بهويتهم، إذن سيظل تطور هذا الفقه استجابة للمستجدات أكثر أهمية.

فكيف يستطيع مؤسسوه الحفاظ على زخم تطويره في خدمة الوجود المسلم مع هذا التصاعد المستمر في التحديات التي يواجهها الوجود المسلم منذ 2001 بصفة خاصة؟ وهو الوضع الذي يفرض إعادة طرح السؤال:"هل يجب أن يبقى المسلمون في أوروبا"

(1) النجار، مرجع سابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت