على سبيل الإكراه بقوا مظهرين لهذا الكفر مدة فإنه يميل قلبهم إلى ذلك الكفر ويصيرون كافرين في الحقيقة، فهذا الاحتمال قائم، فكان خوفهم منه والله أعلم". [1] "
فضلا عن حرمانهم من شعائر الإيمان ومظاهره، وانخراطهم في المجتمع الكافر وذوبانهم واندماجهم فيه، كما حدث للمسلمين في بلاد الأندلس - الذين لم يتمكنوا من الفرار بعد استيلاء النصارى وهيمنتهم - من إكراهٍ على النصرانية حتى تلاشى الإسلام من تلك البلاد.
في المدينة بعد ثلاثة قرون
مئات السنين مرت على هذه المدينة حيث توالت العهود وتعاقبت الملوك وولت دولة الاستبداد والطغيان، وانحلت مملكة الشرك والأوثان، وحلت دولة العلم والإيمان، وتنسمت الأجيال عبير الحرية.
غريب في مدينته
خرج من وقع عليه الاختيار من الكهف إلى المدينة، فراعه ما وجده من وجوه جديدة ومعالم مختلفة حتى التبس الأمر عليه ولسان حاله يقول
أما الديارُ فإنها كديارِهِم ... وأرى رجالَ الحيِّ غيرَ رجالِهِمْ
عجبا! أليست هذه مدينته التي عاش في أحضانها، وسلك دروبها وعاش فيها طفولته وأحلامه، وشهدت فتوته وشبابه، كاد أن تتشعب به دروب الحيرة ويستبد به الهمُّ، لكن الوقتَ والمقامَ لم يسعفه كي يتحقق من الأمر؛ حتى لا يلفت الأنظار إليه فبادر إلى السوق، وهنا حدث ما لم يكن في حسبانه حيث كانت الدراهم التي ألقاها في يد البائع وراء انكشاف أمره، وانتَقَلَ الخبرُ بسرعة البرقِ، وظن البعضُ أن هذا الفتى الغريب قد وقع على كنز عجيب، فرفعوا أمره للملك الصالح، الذي وجد ضالته حين انكشف أمرُ الفتى، وجاءته الحجةُ الساطعةُ التي طالما انتظرها، ففرِح أيّما فرح أن ساق الله إليه الدليل الماديَّ على بعثِ الأبدان، وخرجت المدينة وراء الفتى وكأنها تشيّعُه حيا إلى مثواه، فيعودُ إلى رفاقه وينضمُّ إليهم في رحلةٍ إلى دار الخلود، بينما القوم ينتظرون أمام باب الكهف، فلما طال انتظارُهم أجمعوا أمرهم على دخول الكهف، فراعهم أن وجدوا الفتية قد أخذوا مضاجعهم في مشهدٍ مهيبٍ، بعد أن قدموا للبشريةِ قصةً من روائع القصصِ.
(1) - ... التفسير الكبير للرازي 21/ 102، 103