{وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (24) }
نهاه عز وجل أن يقطع بشيء أو يعزم على فعل دون أن يستثني فيقول إن شاء الله؛ ذلك أنه - صلى الله عليه وسلم - لما سألوه عن الأسئلة الثلاثة وعد أن يجيبهم في الغد؛ ثقةً بمجيء أمين الوحي جبريل بالجواب الكافي من عند الله تعالى، ولم يقل - صلى الله عليه وسلم - إن شاء الله، فلبث الوحي مدة لا ينزل، حتى أشاع المشركون أنه هجره، وإنما كان ذلك درسا له - صلى الله عليه وسلم - أن يربط كلَّ ما هو متوقع الحصول بمشيئة الله تعالى، لما في ذلك من تفويض الأمر إلى علام الغيوب والتماس التوفيق والسداد، والبركة والتيسير منه تعالى.
قال ابن عطية:"أي عسى أن يرشدني فيما أستقبل من أمري وهذه الآية مخاطبة للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وهي بعد تعم أمته" [1] .
وقال ابن كثير رحمه الله:"هذا إرشاد من اللّه تعالى لرسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - إلى الأدب فيما إذا عزم على شيء ليفعله في المستقبل أن يرد إلى مشيئة اللّه عزَّ وجلَّ علام الغيوب، كما ثبت في الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - عَنِ النّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: (قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ نَبِيُّ اللّهِ: لأَطُوفَنّ اللّيْلَةَ عَلَىَ سَبْعِينَ امْرَأَةً، كُلّهُنّ تَأْتِي بِغُلاَمٍ يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ، أَوِ الْمَلَكُ: قُلْ: إنْ شَاءَ اللّهُ، فَلَمْ يَقُلْ، وَنَسِيَ، فَلَمْ تَأْتِ وَاحِدَةٌ مِنْ نِسَائِهِ، إلاّ وَاحِدَةٌ جَاءَتْ بِشِقّ غُلاَمٍ) ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم: (وَلَوْ قَالَ: إنْ شَاءَ اللّهُ، لَمْ يَحْنَثْ، وَكَانَ دَرَكًا لَهُ فِي حَاجَتِهِ) . [2] ."
".. وقد تقدم في أول السورة ذكرُ سبب نزول هذه الآية في قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لما سئل عن قصة أصحاب الكهف:"غدًا أجيبكم"، فتأخر الوحيُ، ولأن المرء معرَّضٌ للنسيان فلقد شرع الله لمن نسي أن يقول"إن شاء الله"أن يذكر ربه، قال تعالى {وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} ."
{وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا} : إشارة إلى نبأ أصحاب الكهف، والمعنى لعل الله يؤتيني من البينات والدلائل على صحة أني نبي من عند الله ما هو أعظم في الدلالة وأقرب رشدا من نبأ أصحاب الكهف، وقد كان: حيث أعطاه الله عز وجل من قصص الأنبياء والإخبار بالغيوب ما هو أعظم من ذلك،"أو لأقرب رشدا وأدنى خيرا من المنسي" [3] .
(1) - المحرر الوجيز لابن عطية 3/ 508
(2) - صحيح مسلم كتاب الأيمان والنذور - باب الاستثناء، الحديث رقم: 23 - (1654) .
(3) - التفسير الكبير للرازي 21/ 111