فإنك رجوت الخلد، فتمنيته من غير وجهه، فأنا الذي مننت عليك بخلقك ورحمتك، فمننت عليك بالتوبة، فأعطيتك الخلد، وأضعاف الخلد، وهو الدوام على الأبد حيًا باقيًا في حياتي وديمومتي، ملكًا في ملكي، نافذ المشيئة في داري، ولكن اقض العبودة التي خلقتك لها في دار الضيق، والضنك، والفقر، والبؤس، وقد كنت اخترت لك داري متعبدًا، فلم تستقر، ولم تدعك نفسك وعدوك حتى صرعاك وأرحلاك عنها، فالآن فاعبدني حتى تقضي هذه العبودة أنت وولدك، ثم أحضرك موقفي في يومي، فأحررك، ومن جاء بالعبودة من ذريتك، فأجعلكم ملوكًا في داري.
فالمستقيم: من رفع باله وهمته عن هذه الشجرة التي له في دنياه، وكان عظيم همته وباله في إقامة العبودة له، والكون له كما خلقه، فإن رزقه الله ملكًا، فهو عبد كما كان، وإن رزقه مالًا، فكذلك، وإن رزقه عزًا، فكذلك، وإن رزقه قضاء المنى والشهوات، فكذلك، خاشعًا له متذللًا، ملقيًا بيديه، سلمًا مراقبًا لأموره في السر والعلانية، منقادًا لحكمه، يعد نفسه عبدًا لا يملك شيئًا، وأحواله عواري يقلبها وليها ساعة فساعة كيف شاء، ليست فيها مشيةً، ويتوقى أن يفكر فيها، فتحدث له مشيئة، ناظرًا إلى ما يبرز له مشيئته في الغيب، فخوف الإقلال إنما يضمحل عن القلب من وجهين:
وجه: من حسن الظن بالله {فإن ربي غنيٌ كريمٌ} . قد استنار في صدره غناه وكرمه، فإذا أنفق، لم يخف الإقلال؛ لأنه يخلف، ولا يعوزه شيء، بمنزلة رجل في دار الدنيا عامل رجلًا معروفًا بالسخاء وحسن الخلق والغنى، فإن أهدى هدية، سمحت نفسه بذلك، رجاء الثواب بأضعاف