للماء ليغسل، فقال هاهنا: {فاغسلوا وجوهكم وأيديكم} ، ولم يقل: اقصدوا ماء، واغسلوا وجوهكم وأيديكم؛ لأن الغسل كان متعارفًا في الأمم، وفي الجاهلية: أن الأقذار والنجاسات والأدناس إنما تغسل بالماء، فكان ذلك معروفًا عندهم، فلما جاء الله بالإسلام، وأمرهم بالانتصاب بين يديه مصلين، ولم يخل أحدهم من أدناس الخطايا، لم يرض لهم أن يقوموا بين يديه مصلين، مترضين له، معتذرين إليه، ومعهم غبار العدو وأدناسه، وإن لم يكن على أجسادهم في الظاهر أقذار ونجاسات، فأمرهم أن يغسلوا أطرافهم، وسماه وضوءًا، يعلمهم أن هذه الأطراف تصير وضيئة بهذا الغسل، ويذهب غبار العدو عنها، فيطهروا، وقد قال في تنزيله: {ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم} ، ثم قال: {لعلكم تشكرون} .
يطهركم بالماء حتى تزول الأدناس، وغبار العدو، فإذا زالت، حيي القلب، فتلك الحياة تمام النعمة، فقاموا لله منتصبين بحياة قلب، يعقلون ما يعبدون به، وأنهم بين يدي الله، فذلك منهم شكر، فلما جاءت هذه الأمة، وعطف الله عليهم بكرامته إياهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، كان التوضؤ بالتراب غير متعارف عندهم، ولم يكن عندهم أن التراب فيه طيب وطهارة، وإنما عرفوا الطهارة في الماء، فأمرهم بالقصد للتراب؛ ليتمسحوا به، فكانوا