ج / 23 ص -139- الناضح سبعون ذراعا واستدلا بحديث الزهري أن النبي عليه الصلاة والسلام قال:"حريم العين خمسمائة ذراع وحريم بئر العطن أربعون ذراعا وحريم بئر الناضح ستون ذراعا"ولأن استحقاق الحريم باعتبار الحاجة وحاجة صاحب البئر الناضح إلى الحريم أكثر لأنه يحتاج إلى موضع يسير فيه الناضح ليستقي فيه الماء من البئر بذلك وفي بئر العطن إنما يستقى بيده فلا يحتاج إلى هذا الموضع واستحقاق الحريم بقدر الحاجة.
ألا ترى: أن صاحب العين يستحق من الحريم أكثر مما يستحق صاحب البئر لأن ماء العين يفيض على الأرض ويحتاج صاحبه إلى اتخاذ المزارع حول ذلك لينتفع بما يفيض من الماء وإلى أن ينبني غديرا يجتمع فيه الماء فاستحق لذلك زيادة الحريم.
واستدل أبو حنيفة رحمه الله بالحديث الأول فإنه عليه الصلاة والسلام قال:"من حفر بئرا فله ما حولها أربعون ذراعا"وليس فيه فصل بين بئر العطن والناضح ومن أصله أن العام المتفق على قبوله والعمل به يترجح على الخاص المختلف في قبوله والعمل به ولهذا رجح قوله عليه الصلاة والسلام:"ما أخرجت الأرض ففيه العشر"على قوله عليه الصلاة والسلام:"ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة"وعلى قوله عليه الصلاة والسلام:"ليس في الخضراوات صدقة"ورجح اصحابنا رحمهم الله قوله عليه الصلاة والسلام:"التمر بالتمر مثلا بمثل"على خبر العرايا ولأن استحقاق الحريم حكم ثبت بالنص بخلاف القياس لأن الاستحقاق باعتبار عمله وعمله في موضع البئر خاصة فكان ينبغي أن لا يستحق شيئا من الحريم ولكنا تركنا القياس بالنص فبقدر ما اتفق عليه الآثار ثبت الاستحقاق وما زاد على ذلك مما اختلف فيه الأثر لا يثبت استحقاقه بالشك هذا أصل أبي حنيفة رحمه الله في مسائل الحريم ولهذا لم يجعل للنهر حريما وكذلك في غير هذا الموضع فإنه قال لا يستحق الغازي لفرسه إلا سهما واحدا لأن استحقاقه ثبت بخلاف القياس بالنص فلا يثبت إلا القدر المتيقن به فأما حريم العين خمسمائة ذراع كما ورد به الحديث لأن الآثار اتفقت عليه ولكن عند بعضهم الخمسمائة في الجوانب الأربعة من كل جانب مائة وخمسة وعشرون ذراعا والأصح أن له خمسمائة ذراع من كل جانب وقد ذكر أبو يوسف في الأمالي هذا مفسرا في بئر الناضح قال يتقدر حريمه بستين ذراعا من كل جانب إلا أن يكون الرشا أطول من ذلك فهذا دليل على أن المذهب التقدير من كل جانب بما سمى من الذرعان ثم الاستحقاق من كل جانب في الموات من الأرض بما لا حق لأحد فيه أما فيما هو حق الغير فلا حتى لو حفر إنسان بئرا فجاء آخر وحفر على منتهى حد حريمه بئرا فإنه لا يستحق الحريم من الجانب الذي هو حريم صاحب البئر الأول وإنما يستحقه من الجوانب الأخر فيما لاحق فيه لأن في ذلك الجانب الأول قد سبق إليه وقد ثبت استحقاقه كما قال عليه الصلاة والسلام:"منا مباح من سبق"فلا يكون لأحد أن يبطل عليه حقه ويشاركه فيه.
وعن بن مسعود رضي الله عنه قال أسفل النهر آمر على أهل أعلاه حتى يرووا. وفيه