سير أعلام النبلاء
|
4312- ابن زيرك 1:
العَلاَّمَةُ شَيْخُ هَمَذَانَ أَبُو الفَضْلِ مُحَمَّدُ بنِ عُثْمَانَ بنِ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عَلِيِّ بنِ مَزْدِين القُوْمَسَانِيُّ ثُمَّ الهَمَذَانِيُّ. عُرف بِابْنِ زِيْرك. وُلِدَ سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِيْنَ وَثَلاَثِ مائَة. وَحَدَّثَ عَنْ: أَبِيْهِ وَعَمِّه أَبِي مَنْصُوْرٍ مُحَمَّد وَعَلِيِّ بن أَحْمَدَ بنِ عَبْدَان وَيُوْسُف بن كجّ الفَقِيْه وَالحُسَين بن فَنْجُويه وَعِدَّة. وَبَالإِجَازَة عَنْ أَبِي الحَسَنِ بن رَزْقُوَيْه وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ. قَالَ شِيْرَوَيْه: أَكْثَرتُ عَنْهُ وَكَانَ ثِقَةً صَدُوْقاً لَهُ شَأْنٌ وَحِشْمَة وَيدٌ فِي التَّفْسِيْر فَقِيْهاً أَديباً مُتَعَبِّداً. مَاتَ فِي رَبِيْعٍ الآخِرِ سَنَةَ إِحْدَى وَسَبْعِيْنَ. وَقَبرُهُ يُزَار وَيُتَبَرَّكُ بِهِ2. سَمِعْتُهُ يَقُوْلُ: مَرِضْتُ وَاشتدَّ الأَمْرُ فَكَانَ أَبِي يَقُوْلُ: يَا بنِيَّ! أَكْثَر ذِكْرَ الله. فَأَشْهَدتُه عليَّ أَنَّنِي عَلَى الإِسْلاَمِ وَالسُّنَّة فَرَأَيْتُ وَأَنَا فِي تِلْكَ الحَالِ كَانَ هيبَةً دَخَلتْنِي فَإِذَا أَنَا بِرَجُلٍ ذِي هيبَةٍ وَجمَال كَأَنَّهُ يَسْبَحُ فِي الهوَاء فَقَالَ لِي: قل. فَقُلْتُ: نَعم. فَكرَّر عليّ ثُمَّ قَالَ لِي: قُل: الإِيْمَان يزيد وينقص والقرآن غير مخلوق بجميع جهَاته وَإِنَّ اللهَ يُرَى فِي الآخِرَةِ. قُلْتُ: لَسْتُ أُطِيْقُ أَنْ أَقُوْلَ مِنَ الهَيبَة. فَقَالَ: قُل مَعِي. فَأَعَاد الكَلِمَات فَقلتُهَا مَعَهُ فَتَبَسَّم وَقَالَ: أَنَا أَشْهَدُ لَكَ عِنْد الْعَرْش. فَأَردتُ أَنْ أَسأَلَه: هَلْ أَنَا ميت فَبدَرَ وَقَالَ: أَنَا لاَ أَدْرِي. فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: هَذَا مَلَكٌ وَعُوفِيت. وَسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ فِي قَوْله عَلَيْهِ السلام: متعني بسمع: ي وَبَصَرِي وَاجْعَلْهُمَا الوَارِثَ مِنِّي"3 عَنَى أَبَا بَكْرٍ وَعُمَر4، لأَنَّه رَآهُمَا فَقَالَ: "هُمَا مِنَ الدِّيْن بمنزلة السمع والبصر"5. فورثا خلافة النبوة. __________ 1 ترجمته في العبر "3/ 277"، وتذكرة الحفاظ "3/ص 1177"، وشذرات الذهب "3/ 341". 2 التبرك بالقبور من البدع المنكرة التي انتشرت بين الجهلة من العوام، وهو ذريعة إلى الشرك لأنه يعتقد فيه جلب النفع، وذلك على عكس ما شرعت له زيارة القبور، من الاعتبار وتذكر الآخرة والدعاء للميت، وليس الدعاء عندها، والتبرك بأهلها وقد كانوا لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا في حياتهم، فكيف يملكونه لغيرهم بعد مماتهم؟! . فالتبرك بأهل هذه القبور بدعة منكرة وضلال في الدين، وذريعة إلى الشرك نسأل الله العافية. 3 صحيح: أخرجه الترمذي "3502"، والحاكم "1/ 528"، وصححه، ووافقه الذهبي، وابن السني في "اليوم والليلة" "440" من حديث ابن عمر، به مرفوعا في دعاء طويل. 4 هذا التفسير غريب جدا، لم يتابعه عليه أحد من أهل العلم، قال البغوي في "شرح السنة" "5/ 175": قيل أراد بالسمع: وعي ما يسمع والعمل به، وبالبصر الاعتبار بما يرى، وقيل: يجوز أن يكون أراد بقاء السمع والبصر بعد الكبر وانحلال القوى، فيكون السمع والبصر وارثي سائر القوى، والباقين بعدها، ورد الهاء إلى الامتناع، فلذلك وحده، فقال: "واجعله الوارث منا". 5 حسن: ورد عن جابر بن عبد الله مرفوعا بلفظ: "أبو بكر وعمر من هذا الدين، كمنزلة السمع والبصر من الرأس". أخرجه الطبراني والخطيب في "تاريخ بغداد" "8/ 459 - 460"، من طريق عبد الله بن محمد ابن عقيل، عن جابر بن عبد الله، به مرفوعًا. قلت: إسناده حسن، رجاله ثقات خلا ابن عقيل فإنه صدوق في حديثه لين، ويقال تغير بآخره. وله شاهد من حديث عبد الله بن حنطب أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رأى أبا بكر وعمر فقال: "هذان السمع والبصر" أخرجه الترمذي "3671"، والحاكم "3/ 69"، وإسناده ضعيف، لإرساله، فإن عبد الله بن حنطب لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
29 - محمد بن عثمان بن أحمد بن محمد بن علي بن مردين، أبو الفضل القومساني، ثمّ الهَمَذانيّ، ويُعرف بابن زيرَك. [المتوفى: 471 هـ]
قال شيرُوَيْه: هو شيخ عصره، ووحيد وقته في فنون العلم، روى عن أبيه، وعمّه أبي منصور محمد، وخاله أبي سعد عبد الغفار، وابن جانجان، وعلي بن أحمد بن عبدان، ويوسف بن كج، والحسين بن فنجويه الثقفي، وعبد الله بن الأفشين، وجماعة. وروى بالإجازة عن أبي عبد الرحمن السُّلميّ، وأبي الحَسَن بن رزقوَيْه. وسمعتُ منه عامة ما مرَّ له. وكان صدوقًا ثقة، له شأن وحشمة. وله يد في التفسير، حَسَن العبارة والخطّ، فقيهًا، أديبًا، متعّبدًا. تُوُفّي في سَلْخ ربيع الآخر. وقبره يُزار ويتبرَّك به، وسمعته يقول: ولدت سنة تسعٍ وتسعين وثلاثمائة. قَالَ شِيرُوَيْهِ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَكِّيٍّ يقول: سَمِعْتُ أَبَا الْفَضْلِ الْقُومَسَانِيَّ يَقُولُ فِي مَرَضِهِ: رَأَيْتُ رَجُلا دَفَعَ إليَّ كِتَابًا، فَأَخْذُتُه، فَإِذَا فِيهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ الْقُومَسَانِيِّ، سلامٌ عَلَيْكُمْ. وسمعتُ إبراهيم بن محمد القزّاز الشّيخ الصّالح يقول: رأيتُ ابن عَبَدان ليلة مات أبو الفضل القُومَسَانّي، فأخذ بيدي ساعة، ثمّ قرأ: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا. يريد موته. سَمِعْتُ أَبَا الْفَضْلِ الْقُومَسَانِيّ يَقُولُ: رَوَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: -[336]- " اللَّهُمَّ أَمْتِعْنِي بِسَمْعِي وَبَصَرِي، وَاجْعَلْهُمَا الْوَارِثَ مِنِّي " مَعْنَاهُ مشكلٌ، فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ قَالُوا: كَيْفَ يَكُونُ سَمْعُهُ وَبَصَرُهُ يَرِثَانِهِ بَعْدَهُ دُونَ سَائِرِ أَعْضَائِهِ؟ فَتَأَوَّلُوهُ أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ الدُّعَاءَ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: "إِنِّي لَا غِنَى بِي عَنْهُمَا، فَإِنَّهُمَا مِنَ الدِّينِ بِمَنْزِلَةِ السَّمع وَالْبَصَرِ مِنَ الرَّأْسِ". فَكَأَنَّهُ دَعَا بِأَنْ يُمَتَّعَ بِهِمَا فِي حَيَاتِهِ، وَأَنْ يَرِثَاهُ خِلَافَةَ النُّبوَّة بَعْدَ وَفَاتِهِ. وَلَا يَجِدُ الْعُلَمَاءُ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَجْهًا وَلَا تَأْوِيلًا غَيْرَ هَذَا. فرأيتُ أبا هريرة في المنام، وكنت مارّاً في مقبرة سراسكبهر، فقال لي: أتعرفني؟ فقلت: لا. قال: أنا أبو هريرة. أصبتَ ما قلتَ، أنا رويتُ هذا الحديث وكذا أراد به النّبيّ صلى الله عليه وسلم ما فسرتَ. سمعتُ أبا الفضل يقول: مرضتُ حتّى غلب علي ظنّي أنّي سأموت، فأشتدّ الأمرُ وعندي أبي وعمر خادم لنا، فكان أبي يقول: يا بُنَيّ أَكْثِر من ذِكْر الله. فأشهدته وعمر على نفسي، أنّي على دين الإسلام، وعلى السُّنّة. فرأيتُ وأنا على تلك الحال كأنّ هَيْبةً دخلت قلبي، فنظرتُ فإذا أنا برجلٍ يأتي من جهة القِبْلة، ذو هَيْبة وجمال، كأنّه يسبح في الهواء، فازدَدْتُ له هيبة. فلمّا قرُب مني قال لي: قلْ. قلت: نعم. وهبته أن أقول له: ماذا أقول. فكرَّر عليّ وقال: قلْ. قلت: نعم، أقول. فقال: قل الإيمان يزيد وينقُص، والقرآن كلام الله غير مخلوق بجميع جهاته، وأنّ الله تعالى يُري في الآخرة، وقُلْ بفضل الصّحابة، فإنّهم خيرٌ من الملائكة بعد الأنبياء. قلتُ: لست أطيق أن أقول ذلك من الهيبة. فقال: قل معي. فأعاد الكلمات فقلتها معه، فتبسَّم، وقال: أنا أشهد لك عند العرش. فلمّا تبسَّم سكن قلبي، وذهبت عنّي الهَيبة، فأردت أن -[337]- أسأله: هل أنا ميت؟ فكأنه عرف، فقال: أنا لا أدري. أو قال: من أين أدري؟ فقلت في نفسي: هذا ملك، وعُوفيتُ من المرض. وسمعته يقول: أصابني وجعٌ شديد، فرأيتُ في المنام كأنّ قائلًا يَقُولُ لي: أقرأ على وَجَعِك الآيات التي فيها اسمُ الله الأعظم. فقلت: ما هي؟ قال: بَدِيعُ السَّماوات والأرض إلى قوله: اللَّطيف الخبير. فقرأته فعُوفيت. وسمعته يقول: أتاني رجلٌ من خُراسان فَقَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أتاني في منامي وأنا في مسجد المدينة، فقال لي: إذا أتيتَ هَمَذان فاقرأ على أبي الفضل بن زيرَك منّي السَّلام. قلت: يا رسول الله، لماذا؟ قال: لأنه يُصلّى عليَّ في كلّ يومٍ مائة مرّة. فقال: أسألك أن تعلّمنيها. فقلتُ: إنّي أقولُ كل يوم مائة مرّة أو أكثر: اللهمَّ صلَّ على محمد النّبيّ الأُمّيّ، وعلى آل محمد، جزى الله محمدًا صلَّى الله عليه وسلّم عنّا ما هو أهله. فأخذها عنّي، وحلف لي: إنّي ما كنتُ عرفتك ولا اسمك حتّى عرَّفك لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فعرضت عليه بِرًّا لأنّي ظنَنْتُه متزيِّداً في قوله، فما قبِل منّي وقال: ما كنتُ لأبيع رِسَالَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعرضٍ من الدّنيا. ومضى فما رأيته بعد ذلك. |