نتائج البحث عن (البيع الموقوف) 2 نتيجة

البيع الموقوف: بيعٌ يتعلق به حقُّ الغير كبيع الفضولي.

الْبَيْعُ الْمَوْقُوفُ

الموسوعة الفقهية الكويتية

التَّعْرِيفُ:
1 - الْبَيْعُ: مُبَادَلَةُ الْمَال بِالْمَال. (1)
وَأَمَّا الْمَوْقُوفُ فَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ " وَقَفَ " يُقَال: وَقَفَتِ الدَّابَّةُ وُقُوفًا سَكَنَتْ، وَوَقَفْتُهَا أَنَا وَقْفًا: جَعَلْتُهَا تَقِفُ. وَوَقَفْتُ الدَّارَ وَقْفًا حَبَسْتُهَا فِي سَبِيل اللَّهِ، وَوَقَفْتُ الأَْمْرَ عَلَى حُضُورِ زَيْدٍ: عَلَّقْتُ الْحُكْمَ عَلَى حُضُورِهِ، وَوَقَفْتُ قِسْمَةَ الْمِيرَاثِ إِلَى الْوَضْعِ: أَخَّرْتُهَا حَتَّى تَضَعَ الْحُبْلَى. (2)
وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِهَذَا اللَّفْظِ عَنْ مَعَانِيهِ اللُّغَوِيَّةِ.
وَأَمَّا الْبَيْعُ الْمَوْقُوفُ، فَقَدْ عَرَّفَهُ الْفُقَهَاءُ الَّذِينَ أَجَازُوهُ بِأَنَّهُ: الْبَيْعُ الْمَشْرُوعُ بِأَصْلِهِ وَوَصْفِهِ، وَيُفِيدُ الْمِلْكَ عَلَى وَجْهِ التَّوَقُّفِ، وَلاَ يُفِيدُ تَمَامَهُ
__________
(1) القاموس المحيط ولسان العرب مادة: " بيع "، ومجلة الأحكام مادة: (105) ، والبحر الرائق 5 / 277.
(2) المصباح المنير مادة: " وقف ".

لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ بِهِ، وَهُوَ مِنَ الْبَيْعِ الصَّحِيحِ. (1)
وَيُقَابِلُهُ الْبَيْعُ النَّافِذُ، وَهُوَ: الْبَيْعُ الصَّحِيحُ الَّذِي لاَ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ. وَيُفِيدُ الْحُكْمَ فِي الْحَال. فَالنَّافِذُ هُوَ ضِدُّ الْمَوْقُوفِ، فَمَتَى قِيل: بَيْعٌ نَافِذٌ أُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ بَيْعٌ غَيْرُ مَوْقُوفٍ (2) .

مَشْرُوعِيَّةُ الْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ:
2 - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيَّةِ فِي الْمَذْهَبِ الْقَدِيمِ - كَمَا حُكِيَ عَنِ الْجَدِيدِ أَيْضًا - مَشْرُوعِيَّةَ الْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ وَاعْتِبَارَهُ قِسْمًا مِنْ أَقْسَامِ الْبَيْعِ الصَّحِيحِ، لِعُمُومَاتِ الْبَيْعِ نَحْوِ قَوْله تَعَالَى {وَأَحَل اللَّهُ الْبَيْعَ} (3) وَقَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِل إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} (4)
وَجْهُ الدَّلاَلَةِ مِنْ هَذِهِ الآْيَاتِ: أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى شَرَعَ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ وَالتِّجَارَةَ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ، بَيْنَ مَا إِذَا وُجِدَ مِنَ الْمَالِكِ بِطَرِيقِ الأَْصَالَةِ، وَبَيْنَ مَا إِذَا وُجِدَ مِنَ الْوَكِيل فِي الاِبْتِدَاءِ، أَوْ بَيْنَ مَا إِذَا وُجِدَتِ الإِْجَازَةُ مِنَ
__________
(1) مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر 2 / 47، ودرر الحكام شرح مجلة الأحكام 1 / 94، وحاشية ابن عابدين 4 / 100 ط بولاق.
(2) درر الحكام 1 / 95، 340.
(3) سورة البقرة / 275.
(4) سورة النساء / 29.

الْمَالِكِ فِي الاِنْتِهَاءِ وَبَيْنَ وُجُودِ الرِّضَا فِي التِّجَارَةِ عِنْدَ الْعَقْدِ أَوْ بَعْدَهُ، فَيَجِبُ الْعَمَل بِعُمُومِهَا إِلاَّ مَا خُصَّ بِدَلِيلٍ.
وَلِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ دَفَعَ دِينَارًا إِلَى عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ أُضْحِيَّةً، فَاشْتَرَى شَاتَيْنِ، ثُمَّ بَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ، وَجَاءَ بِدِينَارٍ وَشَاةٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ، وَقَال عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: بَارَكَ اللَّهُ فِي صَفْقَةِ يَمِينِكَ (1) وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِبَيْعِ الشَّاةِ، فَلَوْ لَمْ يَنْعَقِدِ الْبَيْعُ الْمَوْقُوفُ، لَمَا بَاعَ وَلَمَا دَعَا لَهُ بِالْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ عَلَى مَا فَعَل، وَلأََنْكَرَ عَلَيْهِ، لأَِنَّ الْبَاطِل يُنْكَرُ.
كَمَا أَنَّ الْبَيْعَ الْمَوْقُوفَ تَصَرُّفٌ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ فَلاَ يَلْغُو، كَمَا لَوْ حَصَل مِنَ الْمَالِكِ، وَكَالْوَصِيَّةِ بِالْمَال مِمَّنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ، وَالْوَصِيَّةِ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ مِمَّنْ لاَ دَيْنَ عَلَيْهِ.
وَالتَّصَرُّفُ إِذَا صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ تَحَقَّقَ بِهِ وُجُودُهُ، ثُمَّ قَدْ يَمْتَنِعُ نَفَاذُهُ شَرْعًا لِمَانِعٍ، فَيَتَوَقَّفُ عَلَى زَوَال ذَلِكَ الْمَانِعِ، وَبِالإِْجَازَةِ يَزُول الْمَانِعُ، وَهُوَ عَدَمُ رِضَا الْمَالِكِ بِهِ.
وَلأَِنَّ الْبَيْعَ الْمَوْقُوفَ يُفِيدُ الْمِلْكِيَّةَ بِدُونِ قَبْضٍ تَمَامًا، كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي الْبَيْعِ الصَّحِيحِ، فَالْبَيْعُ
__________
(1) حديث: " بارك الله في صفقة يمينك. . . " أخرجه الترمذي (3 / 550 ط الحلبي) وأعله ابن حجر بجهالة أحد رواته. (التلخيص 3 / 5 ط شركة الطباعة الفنية) .

الْمَوْقُوفُ هُوَ بَيْعٌ صَحِيحٌ لِصِدْقِ تَعْرِيفِهِ وَحُكْمِهِ عَلَيْهِ. وَانْعِقَادُ هَذَا الْبَيْعِ مَوْقُوفًا عَلَى الإِْجَازَةِ لاَ يُنَافِي كَوْنَهُ صَحِيحًا. (1)
3 - وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنَ الْمَذْهَبِ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَهُوَ قَوْل أَبِي ثَوْرٍ وَابْنِ الْمُنْذِرِ إِلَى بُطْلاَنِ الْعَقْدِ الْمَوْقُوفِ. وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: سَأَلْتُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: يَأْتِينِي الرَّجُل يَسْأَلُنِي مِنَ الْبَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدِي، أَأَبْتَاعُ لَهُ مِنَ السُّوقِ ثُمَّ أَبِيعُهُ مِنْهُ؟ قَال: لاَ تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ. (2)
كَمَا احْتَجُّوا بِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ بَيْعَ وَلاَ طَلاَقَ وَلاَ عَتَاقَ فِيمَا لاَ يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ (3)
__________
(1) بدائع الصنائع 5 / 148 - 149 ط الجمالية، والمبسوط للسرخسي 13 / 154، ومجمع الأنهر 2 / 47، ودرر الحكام 1 / 94 - 95 نشر مكتبة النهضة، وحاشية ابن عابدين 4 / 100 ط بولاق، والقوانين الفقهية لابن جزي ص 162 ط دار القلم، وحاشية الدسوقي 3 / 10 - 11 نشر دار الفكر، ومواهب الجليل 4 / 346 ط مكتبة النجاح - ليبيا، ومغني المحتاج 2 / 15 نشر دار إحياء التراث العربي، والمجموع 9 / 259 ط مطبعة التضامن الأخوي بمصر، والمغني مع الشرح الكبير 4 / 274، والإنصاف 4 / 267، 283 ط دار إحياء التراث العربي.
(2) حديث: " لا تبع ما ليس عندك. . . " أخرجه أبو داود (3 / 769 ط عزت عبيد دعاس) ، والترمذي (3 / 525 ط الحلبي) ، وقال: حديث حسن.
(3) حديث: " لا بيع ولا طلاق ولا عتاق. . . " أخرجه أبو داود (2 / 640 ط عزت عبيد دعاس) ، والترمذي (3 / 477 ط الحلبي) . وقال: حديث حسن. واللفظ لأبي داود.

وَلأَِنَّ وُجُودَ السَّبَبِ بِكَمَالِهِ بِدُونِ آثَارِهِ يَدُل عَلَى فَسَادِهِ.
وَيَقِيسُونَ الْبَيْعَ الْمَوْقُوفَ عَلَى الطَّلاَقِ وَالْعَتَاقِ (1)

أَنْوَاعُ الْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ:
4 - عَقْدُ الْبَيْعِ يَكُونُ مَوْقُوفًا إِذَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مِلْكَ الْغَيْرِ أَوْ يَكُونَ لِغَيْرِ الْمَالِكِ حَقٌّ فِي الْمَبِيعِ. (2)
وَقَدْ حَصَرَ صَاحِبُ " الْخُلاَصَةِ " أَنْوَاعَ الْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ نَوْعًا، وَأَوْصَلَهَا صَاحِبُ " النَّهْرِ " إِلَى ثَمَانِيَةٍ وَثَلاَثِينَ نَوْعًا، وَذَكَرَ ابْنُ نُجَيْمٍ فِي " الْبَحْرِ الرَّائِقِ " تِسْعًا وَعِشْرِينَ صُورَةً لِلْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ أَهَمُّهَا:
- بَيْعُ الصَّبِيِّ الْمَحْجُورِ مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَازَةِ الأَْبِ أَوِ الْوَصِيِّ.
- بَيْعُ غَيْرِ الرَّشِيدِ مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَازَةِ الْقَاضِي.
- بَيْعُ الْمَرْهُونِ مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَازَةِ الْمُرْتَهِنِ.
- بَيْعُ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَازَةِ الْمُسْتَأْجِرِ.
__________
(1) تهذيب الفروق والقواعد السنية 3 / 241 ط دار المعرفة، والمجموع 9 / 155، 258 ط مطبعة التضامن الأخوي، والمغني مع الشرح الكبير 4 / 274، والإنصاف 4 / 267، 283 ط دار إحياء التراث العربي.
(2) البحر الرائق 6 / 75.

- بَيْعُ مَا فِي مُزَارَعَةِ الْغَيْرِ مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَازَةِ الْمَزَارِعِ.
- بَيْعُ الْبَائِعِ لِلشَّيْءِ الْمَبِيعِ بَعْدَ الْقَبْضِ مِنْ غَيْرِ الْمُشْتَرِي مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَازَةِ الْمُشْتَرِي الأَْوَّل.
- بَيْعُ الْمُرْتَدِّ عِنْدَ الإِْمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ مَوْقُوفٌ عَلَى تَوْبَتِهِ مِنَ الرِّدَّةِ.
- بَيْعُ الشَّيْءِ بِرَقْمِهِ مَوْقُوفٌ عَلَى تَبَيُّنِ الثَّمَنِ.
- الْبَيْعُ بِمَا بَاعَ بِهِ فُلاَنٌ وَالْمُشْتَرِي لاَ يَعْلَمُ، فَهُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى الْعِلْمِ فِي الْمَجْلِسِ.
- الْبَيْعُ بِمِثْل مَا يَبِيعُ النَّاسُ مَوْقُوفٌ عَلَى تَبَيُّنِ الثَّمَنِ.
- الْبَيْعُ بِمِثْل مَا أَخَذَ بِهِ فُلاَنٌ مَوْقُوفٌ عَلَى تَبَيُّنِ الثَّمَنِ.
- بَيْعُ الْمَالِكِ الْعَيْنَ الْمَغْصُوبَةَ مَوْقُوفٌ عَلَى إِقْرَارِ الْغَاصِبِ، أَوِ الْبُرْهَانِ بَعْدَ إِنْكَارِهِ.
- بَيْعُ مَال الْغَيْرِ مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَازَتِهِ (وَهُوَ بَيْعُ الْفُضُولِيِّ) .
- بَيْعُ الشَّرِيكِ نَصِيبَهُ مِنْ مُشْتَرَكٍ بِالْخَلْطِ الاِخْتِيَارِيِّ، أَوِ الاِخْتِلاَطِ بِغَيْرِ فِعْل الْمَالِكِينَ مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَازَةِ شَرِيكِهِ.
- بَيْعُ الْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ عَيْنًا مِنْ أَعْيَانِ مَالِهِ لِبَعْضِ وَرَثَتِهِ، مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَازَةِ بَاقِي الْوَرَثَةِ وَلَوْ كَانَ بِمِثْل الْقِيمَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ.
- بَيْعُ الْوَارِثِ التَّرِكَةَ الْمُسْتَغْرَقَةَ بِالدَّيْنِ مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَازَةِ الْغُرَمَاءِ.

- أَحَدُ الْوَكِيلِينَ أَوِ الْوَصِيِّينَ أَوِ النَّاظِرِينَ إِذَا بَاعَ بِحَضْرَةِ صَاحِبِهِ يَتَوَقَّفُ عَلَى إِجَازَتِهِ (إِذَا كَانَ مَشْرُوطًا اجْتِمَاعُهُمَا عَلَى التَّصَرُّفِ) .
- بَيْعُ الْمَعْتُوهِ مَوْقُوفٌ. (1)

حُكْمُ الْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ:
5 - حُكْمُ الْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ هُوَ أَنَّهُ يَقْبَل الإِْجَازَةَ عِنْدَ تَوَافُرِ الشُّرُوطِ الآْتِيَةِ:
أ - وُجُودُ الْبَائِعِ حَيًّا، لأَِنَّهُ يَلْزَمُهُ حُقُوقُ الْعَقْدِ بِالإِْجَازَةِ، وَلاَ تَلْزَمُ إِلاَّ حَيًّا.
ب - وُجُودُ الْمُشْتَرِي حَيًّا لِيَلْزَمَهُ الثَّمَنُ، وَبَعْدَ الْمَوْتِ لاَ يَلْزَمُهُ، مَا لَمْ يَكُنْ لَزِمَهُ حَال أَهْلِيَّتِهِ.
ج - وُجُودُ الْمَبِيعِ؛ لأَِنَّ الْمِلْكَ لَمْ يَنْتَقِل فِيهِ، وَإِنَّمَا يَنْتَقِل بَعْدَ الإِْجَازَةِ، وَلاَ يُمْكِنُ أَنْ يَنْتَقِل بَعْدَ الْهَلاَكِ.
وَالْمُرَادُ بِكَوْنِ الْمَبِيعِ قَائِمًا، أَنْ لاَ يَكُونَ مُتَغَيِّرًا بِحَيْثُ يُعَدُّ شَيْئًا آخَرَ، فَإِنَّهُ لَوْ بَاعَ ثَوْبَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، فَصَبَغَهُ الْمُشْتَرِي، فَأَجَازَ الْمَالِكُ الْبَيْعَ
__________
(1) البحر الرائق 6 / 75، 76، وانظر: حاشية ابن عابدين 4 / 139 ط بولاق، وحاشية الطحطاوي على الدر 3 / 63، وحاشية أبي السعود على شرح الكنز لمنلا مسكين 2 / 565، ودرر الحكام في شرح غرر الأحكام 2 / 176، 177 ط مطبعة أحمد كامل 1330 هـ، والفتاوى الخانية بهامش الهندية 2 / 172 وما بعدها، وحاشية الدسوقي 3 / 11، 12 ط الحلبي، والخرشي 5 / 17، 18، والأشباه والنظائر للسيوطي ص 285، 286 ط دار الكتب العلمية.

جَازَ، وَلَوْ قَطَعَهُ وَخَاطَهُ ثُمَّ أَجَازَ الْبَيْعَ لاَ يَجُوزُ، لأَِنَّهُ صَارَ شَيْئًا آخَرَ.
د - وُجُودُ الثَّمَنِ فِي يَدِ الْبَائِعِ إِذَا كَانَ عَيْنًا كَالْعُرُوضِ، أَمَّا إِذَا كَانَ الثَّمَنُ دَيْنًا كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَالْفُلُوسِ فَوُجُودُ الثَّمَنِ فِي يَدِ الْبَائِعِ لَيْسَ بِشَرْطٍ.
هـ - وُجُودُ الْمَالِكِ؛ لأَِنَّ الإِْجَازَةَ تَكُونُ مِنْهُ، حَتَّى لَوْ مَاتَ الْمَالِكُ قَبْل إِجَازَتِهِ الْبَيْعَ لاَ يَجُوزُ بِإِجَازَةِ وَرَثَتِهِ كَمَا يَقُول الْحَنَفِيَّةُ.
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ انْتِقَال حَقِّ إِجَازَةِ الْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ إِلَى الْوَارِثِ. (1)
هَذَا، وَلِلتَّوَسُّعِ فِيمَا تَثْبُتُ بِهِ الإِْجَازَةُ وَسَائِرُ الْمَسَائِل الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَا (ر: إِجَازَة)
وَإِذَا أُجِيزَ الْبَيْعُ الْمَوْقُوفُ يَسْتَنِدُ أَثَرُهُ (أَيْ يَسْرِي مُنْذُ الْعَقْدِ) عَلَى مَا سَيَأْتِي.

أَثَرُ الْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ:
6 - الْبَيْعُ النَّافِذُ يُفِيدُ الْحُكْمَ فِي الْحَال، وَهُوَ مَلَكِيَّةُ الْبَائِعِ لِلثَّمَنِ وَالْمُشْتَرِي لِلْمَبِيعِ، وَتَصَرُّفُ كُلٍّ مِنْهُمَا فِيمَا فِي يَدِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ فِي ذَلِكَ إِلَى شَيْءٍ آخَرَ، سَوَاءٌ أَذُكِرَ فِي الْعَقْدِ تَمَلُّكُ الْبَائِعِ لِلثَّمَنِ وَالْمُشْتَرِي لِلْمَبِيعِ أَمْ لَمْ يُذْكَرْ؛ لأَِنَّ النَّصَّ
__________
(1) درر الحكام في شرح غرر الأحكام 2 / 177 ط مطبعة أحمد كامل، وانظر: فتح القدير 6 / 191 ط دار إحياء التراث العربي، وبدائع الصنائع 5 / 151، 152، والخرشي 5 / 17.

عَلَى الْمُقْتَضَى بَعْدَ حُصُول الْمُوجِبِ لَيْسَ بِشَرْطٍ. (1)
وَيُشْتَرَطُ لِنَفَاذِ الْبَيْعِ أَنْ يَكُونَ الْبَائِعُ مَالِكًا لِلْمَبِيعِ، أَوْ وَكِيلاً لِمَالِكِهِ أَوْ وَصِيِّهِ، وَأَنْ لاَ يَكُونَ فِي الْمَبِيعِ حَقٌّ آخَرُ.
وَإِذَا تَخَلَّفَ شَرْطٌ مِنْهَا فَإِنَّ الْعَقْدَ يَكُونُ مَوْقُوفًا فَلاَ يُفِيدُ الْحُكْمَ إِلاَّ عِنْدَ إِجَازَةِ صَاحِبِ الشَّأْنِ، فَإِنْ أَجَازَ نَفَذَ وَإِلاَّ بَطَل. (2)
فَقَبْل أَنْ تَصْدُرَ الإِْجَازَةُ مِمَّنْ يَمْلِكُهَا لاَ يَظْهَرُ أَثَرُ الْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ، وَيَكُونُ ظُهُورُ أَثَرِهِ مَوْقُوفًا عَلَى الإِْجَازَةِ، فَبَيْعُ الْفُضُولِيِّ مَثَلاً لاَ يَنْفُذُ ابْتِدَاءً لاِنْعِدَامِ الْمِلْكِ وَالْوِلاَيَةِ، لَكِنَّهُ يَنْعَقِدُ مَوْقُوفًا عَلَى إِجَازَةِ الْمَالِكِ، فَإِنْ أَجَازَ يَنْفُذْ وَإِلاَّ يَبْطُل. (3) (ر: بَيْعُ الْفُضُولِيِّ)
وَكَذَلِكَ إِذَا بَاعَ الرَّاهِنُ الرَّهْنَ بِلاَ إِذْنِ الْمُرْتَهِنِ، فَالْبَيْعُ مَوْقُوفٌ - فِي أَصَحِّ الرِّوَايَاتِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ - لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ بِهِ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى إِجَازَتِهِ، إِنْ أَجَازَ الْمُرْتَهِنُ أَوْ قَضَى الرَّاهِنُ دَيْنَهُ نَفَذَ، وَإِذَا نَفَذَ الْبَيْعُ بِإِجَازَةِ الْمُرْتَهِنِ انْتَقَل حَقُّهُ إِلَى بَدَلِهِ. (4)
وَلِلتَّفْصِيل (ر: رَهْن) .
__________
(1) فتح القدير 6 / 191 ط دار إحياء التراث العربي، وجامع الفصولين 1 / 231 ط بولاق 1300 هـ.
(2) الفتاوى الهندية 3 / 112.
(3) الجوهرة النيرة 1 / 196 ط المطبعة الخيرية 1322 هـ.
(4) الكفاية شرح الهداية 6 / 191 ط دار إحياء التراث العربي.

هَذَا، وَيَنْبَغِي التَّنْوِيهُ إِلَى أَنَّ الْبَيْعَ الْمَوْقُوفَ لاَ يَتَوَقَّفُ دَائِمًا نَفَاذُهُ، وَظُهُورُ أَثَرِهِ عَلَى إِجَازَةِ شَخْصٍ غَيْرِ الْعَاقِدِ، بَل هَذَا هُوَ الأَْغْلَبُ، فَقَدْ يَكُونُ مُتَوَقِّفَ النَّفَاذِ لاَ عَلَى إِجَازَةِ أَحَدٍ، بَل عَلَى زَوَال حَالَةٍ أَوْجَبَتْ عَدَمَ النَّفَاذِ، كَمَا فِي بَيْعِ الْمُرْتَدِّ عَنِ الإِْسْلاَمِ، فَإِنَّ نَفَاذَ بَيْعِهِ يَتَوَقَّفُ عَلَى عَوْدَتِهِ إِلَى الإِْسْلاَمِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ (1) .

التَّصَرُّفَاتُ الْوَاقِعَةُ عَلَى الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ أَثْنَاءَ التَّوَقُّفِ:
7 - التَّصَرُّفَاتُ الْوَاقِعَةُ عَلَى الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فِي الْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ أَثْنَاءَ التَّوَقُّفِ مِنْهَا مَا يَسْتَنِدُ أَثَرُهُ إِلَى وَقْتِ إِنْشَاءِ الْعَقْدِ، وَمِنْهَا مَا يَبْدَأُ أَثَرُهُ مِنْ حِينِ الإِْجَازَةِ. فَالإِْجَازَةُ تَارَةً تَكُونُ إِنْشَاءً، وَتَارَةً تَكُونُ إِظْهَارًا.
وَفِيمَا يَلِي أَمْثِلَةٌ لِهَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ.

أَوَّلاً: التَّصَرُّفَاتُ الَّتِي تَسْتَنِدُ إِلَى وَقْتِ إِنْشَاءِ الْعَقْدِ:
أ - إِذَا أُجِيزَ بَيْعُ الْفُضُولِيِّ لِمَال الْغَيْرِ فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ نَافِذًا مُسْتَنِدًا حُكْمُهُ إِلَى وَقْتِ إِنْشَاءِ الْعَقْدِ، فَيَصِيرُ الْمَبِيعُ مِلْكًا لِلْمُشْتَرِي، وَالثَّمَنُ مِلْكًا لِلْمَالِكِ أَمَانَةً فِي يَدِ الْفُضُولِيِّ، لأَِنَّ الإِْجَازَةَ اللاَّحِقَةَ بِمَنْزِلَةِ الْوَكَالَةِ السَّابِقَةِ. فَإِذَا هَلَكَ الثَّمَنُ فِي يَدِ الْفُضُولِيِّ قَبْل الإِْجَازَةِ، ثُمَّ أُجِيزَ
__________
(1) الفتاوى الخانية بهامش الهندية 2 / 185.

الْعَقْدُ لَمْ يَضْمَنْهُ كَالْوَكِيل، وَكَذَلِكَ إِذَا حَطَّ الْبَائِعُ الْفُضُولِيَّ مِنَ الثَّمَنِ ثُمَّ أَجَازَ الْمَالِكُ الْبَيْعَ يَثْبُتُ الْبَيْعُ وَالْحَطُّ، سَوَاءٌ أَعَلِمَ الْبَائِعُ بِالْحَطِّ أَمْ لَمْ يَعْلَمْ، إِلاَّ أَنَّهُ إِذَا عَلِمَ بِالْحَطِّ بَعْدَ الإِْجَازَةِ يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْفُضُولِيَّ يَصِيرُ بِالإِْجَازَةِ كَوَكِيلٍ، وَلَوْ حَطَّهُ الْوَكِيل لاَ يَتَمَكَّنُ الْمُوَكِّل مِنْ مُطَالَبَةِ الْمُشْتَرِي بِهِ، كَذَا هَذَا. (1)
ب - إِذَا أَجَازَ الْمَالِكُ الْبَيْعَ الْمَوْقُوفَ، فَإِنْ مَلَكَ الْمَبِيعَ يَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِي مِنْ وَقْتِ الشِّرَاءِ، وَيَثْبُتُ لَهُ بِالتَّالِي الْحَقُّ فِي كُل مَا يَحْدُثُ بِالْمَبِيعِ قَبْل الإِْجَازَةِ مِنْ نَمَاءٍ أَوْ زِيَادَةٍ، كَالْكَسْبِ وَالْوَلَدِ وَالأَْرْشِ وَمَا إِلَى ذَلِكَ. (2)

ثَانِيًا: التَّصَرُّفَاتُ الَّتِي يَقْتَصِرُ حُكْمُهَا عَلَى وَقْتِ صُدُورِ الإِْجَازَةِ:
أ - لاَ يَجُوزُ لِلْمُشْتَرِي مِنَ الْفُضُولِيِّ التَّصَرُّفُ فِي الْمَبِيعِ قَبْل صُدُورِ الإِْجَازَةِ، سَوَاءٌ أَقَبَضَهُ أَمْ لَمْ يَقْبِضْهُ. (3) فَإِذَا بَاعَ الْمُشْتَرِي مِنَ الْفُضُولِيِّ الْمَبِيعَ مِنْ غَيْرِهِ، ثُمَّ أَجَازَ الْمَالِكُ بَيْعَ الْفُضُولِيِّ لاَ يَنْفُذُ بَيْعُ الْمُشْتَرِي مِنَ الْفُضُولِيِّ، كَمَا يَقُول الْحَنَفِيَّةُ، (4) لأَِنَّ الْمُشْتَرِيَ مِنَ الْفُضُولِيِّ لَمْ يَمْلِكْ
__________
(1) درر الحكام شرح مجلة الأحكام 1 / 333، 340.
(2) درر الحكام شرح مجلة الأحكام 1 / 328، 341، ومنحة الخالق بهامش البحر الرائق 5 / 281.
(3) بدائع الصنائع 5 / 148، والخرشي 5 / 18.
(4) درر الحكام في شرح غرر الأحكام 2 / 256، والفتاوى الخانية بهامش الهندية 2 / 177.

مَا اشْتَرَاهُ إِلاَّ بَعْدَ الإِْجَازَةِ، فَبَيْعُهُ وَقَعَ عَلَى مَا لَمْ يَمْلِكْ.
ب - إِذَا بَاعَ الْفُضُولِيُّ شَيْئًا مَمْلُوكًا لِغَيْرِهِ، فَإِنَّ طَلَبَ الشُّفْعَةِ فِي الشَّيْءِ الَّذِي بَاعَهُ يَكُونُ وَقْتَ الإِْجَازَةِ. (1)
__________
(1) حاشية الطحطاوي على الدر 2 / 486، وحاشية ابن عابدين 3 / 300.

بَيْعٌ وَشَرْطٌ
1 - وَرَدَتْ فِي الشَّرِيعَةِ الإِْسْلاَمِيَّةِ نُصُوصٌ شَرْعِيَّةٌ تُقَرِّرُ لِلْعُقُودِ آثَارَهَا، وَوَرَدَتْ فِيهَا نُصُوصٌ أُخْرَى، بَعْضُهَا عَامٌّ، وَبَعْضُهَا خَاصٌّ، فِيمَا يَتَّصِل بِمَبْلَغِ حَقِّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي تَعْدِيل آثَارِ الْعُقُودِ، بِالإِْضَافَةِ عَلَيْهَا، أَوِ النَّقْصِ مِنْهَا، وَذَلِكَ بِشُرُوطٍ يَشْتَرِطَانِهَا فِي عُقُودِهِمَا.
فَفِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَرَدَ قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} (1) ، وقَوْله تَعَالَى: {لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِل إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} . (2)
وَفِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ وَرَدَ حَدِيثُ:. . . الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إِلاَّ شَرْطًا حَرَّمَ حَلاَلاً وَفِي رِوَايَةٍ: عِنْدَ شُرُوطِهِمْ، (3)
__________
(1) سورة المائدة / 1.
(2) سورة النساء / 29.
(3) حديث: " المسلمون على شروطهم، إلا شرطا حرم حلالا. . . " وفي رواية: " عند شروطهم " أخرجه الترمذي (3 / 625 ط عيسى الحلبي) ، وهو صحيح لطرقه. (التلخيص الحبير لابن حجر 3 / 23 ط شركة الطباعة الفنية) .

وَحَدِيثُ: مَقَاطِعُ الْحُقُوقِ عِنْدَ الشُّرُوطِ، (1) وَحَدِيثُ: مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَهُوَ بَاطِلٌ (2) أَيْ لَيْسَ فِيمَا كَتَبَهُ اللَّهُ وَأَوْجَبَهُ فِي شَرِيعَتِهِ الَّتِي شَرَعَهَا. وَحَدِيثُ: عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ: نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ. (3)
فَهَذِهِ النُّصُوصُ - فِي مَجْمُوعِهَا - تُشِيرُ إِلَى أَنَّ هُنَاكَ: شُرُوطًا مُبَاحَةً لِلْمُتَعَاقِدِينَ، يَتَخَيَّرُونَ مِنْهَا مَا يَشَاءُونَ لِلاِلْتِزَامِ بِهَا فِي عُقُودِهِمَا، وَشُرُوطًا مَحْظُورَةً، لاَ حَقَّ لأَِحَدٍ مِنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي اشْتِرَاطِهَا فِي عُقُودِهِمَا، لِمَا أَنَّهَا تُنَاقِضُ الْمَقْصُودَ، أَوْ تُخَالِفُ الْقَوَاعِدَ الْعَامَّةَ الشَّرْعِيَّةَ، أَوْ تُصَادِمُ مَقْصِدًا مِنْ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ.
وَفِيمَا يَلِي تَفْصِيل مَذَاهِبِ الْفُقَهَاءِ فِي الْبَيْعِ وَالشَّرْطِ، كُل مَذْهَبٍ عَلَى حِدَةٍ لِلاِخْتِلاَفِ الشَّدِيدِ بَيْنَهَا فِي ذَلِكَ.
__________
(1) حديث: " مقاطع الحقوق عند الشروط. . . " هذا من قول عمر. علقه البخاري (فتح الباري 90 / 217 ط السلفية) ووصله سعيد بن منصور في سننه (3 / 662) وإسناده صحيح. (تغليق التعليق لابن حجر 4 / 419 ط المكتب الإسلامي) .
(2) حديث: " ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل. . . . " أخرجه البخاري (5 / 326 فتح الباري ط السلفية) .
(3) حديث: " نهى عن بيع وشرط. . . " أخرجه الطبراني في الأوسط، ونقل الزيلعي عن ابن القطان أنه ضعفه (نصب الراية 4 / 18 ط المجلس العلمي) وانظر العناية 6 / 78، وبدائع الصنائع 5 / 175، وفتح القدير 6 / 76، وشرح المحلي على المنهاج 2 / 177.

أَوَّلاً: مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ:
2 - وَضَعَ الْحَنَفِيَّةُ هَذَا الضَّابِطَ لِلشَّرْطِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، الَّذِي يُفْسِدُ الْعَقْدَ، وَهُوَ: كُل شَرْطٍ لاَ يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ، وَلاَ يُلاَئِمُهُ وَفِيهِ نَفْعٌ لأَِحَدِهِمَا، أَوْ لأَِجْنَبِيٍّ، أَوْ لِمَبِيعٍ هُوَ مِنْ أَهْل الاِسْتِحْقَاقِ، وَلَمْ يَجْرِ الْعُرْفُ بِهِ. وَلَمْ يَرِدِ الشَّرْعُ بِجَوَازِهِ (1) .
3 - أَمَّا إِذَا كَانَ الشَّرْطُ مِمَّا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ، أَيْ يَجِبُ بِالْعَقْدِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، فَإِنَّهُ يَقَعُ صَحِيحًا، وَلاَ يُوجِبُ فَسَادَ الْبَيْعِ. (2) كَمَا إِذَا اشْتَرَى بِشَرْطِ أَنْ يَتَمَلَّكَ الْمَبِيعَ، أَوْ بَاعَ بِشَرْطِ أَنْ يَتَمَلَّكَ الثَّمَنَ، أَوْ بَاعَ بِشَرْطِ أَنْ يَحْبِسَ الْمَبِيعَ لاِسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ، أَوِ اشْتَرَى عَلَى أَنْ يُسَلَّمَ إِلَيْهِ الْمَبِيعُ، أَوِ اشْتَرَى دَابَّةً عَلَى أَنْ يَرْكَبَهَا، أَوْ ثَوْبًا عَلَى أَنْ يَلْبَسَهُ، أَوْ حِنْطَةً فِي سُنْبُلِهَا وَشَرَطَ الْحَصَادَ عَلَى الْبَائِعِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَالْبَيْعُ جَائِزٌ لأَِنَّ الْبَيْعَ يَقْتَضِي هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، فَكَانَ ذِكْرُهَا فِي مَعْرِضِ الشَّرْطِ تَقْرِيرًا لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ، فَلاَ تُوجِبُ فَسَادَ الْعَقْدِ. (3)
__________
(1) رد المحتار 4 / 121، وانظر بدائع الصنائع 5 / 169، والهداية وشروحها 6 / 77، وتبيين الحقائق 4 / 57.
(2) رد المحتار 4 / 21 نقلا عن البحر، وانظر الهداية بشروحها 6 / 77.
(3) بدائع الصنائع 5 / 171، وانظر في بعض هذه الأمثلة أيضا الهداية بشروحها 6 / 77، وتبيين الحقائق 4 / 57، والدر المختار 4 / 122.

4 - وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ الشَّرْطُ مُلاَئِمًا لِلْعَقْدِ، بِأَنْ يُؤَكِّدَ مُوجَبَهُ، فَإِنَّهُ لاَ يُفْسِدُ الْعَقْدَ، وَلَوْ كَانَ لاَ يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ، لأَِنَّهُ يُقَرِّرُ حُكْمَهُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى وَيُؤَكِّدُهُ، فَيُلْتَحَقُ بِالشَّرْطِ الَّذِي هُوَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْعَقْدِ، كَشَرْطِ رَهْنٍ مَعْلُومٍ بِالإِْشَارَةِ أَوِ التَّسْمِيَةِ، وَشَرْطِ كَفِيلٍ حَاضِرٍ قَبْل الْكَفَالَةِ، أَوْ غَائِبٍ فَحَضَرَ وَقَبِلَهَا قَبْل التَّفَرُّقِ. (1)
وَاشْتِرَاطُ الْحَوَالَةِ كَالْكَفَالَةِ، فَلَوْ بَاعَ عَلَى أَنْ يُحِيل الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ عَلَى غَيْرِهِ بِالثَّمَنِ، قَالُوا: فَسَدَ قِيَاسًا، وَجَازَ اسْتِحْسَانًا (2) .
لَكِنَّ الْكَاسَانِيَّ اعْتَبَرَ شَرْطَ الْحَوَالَةِ مُفْسِدًا، لأَِنَّهُ لاَ يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ، وَلاَ يُقَرِّرُ مُوجَبَهُ؛ لأَِنَّ الْحَوَالَةَ إِبْرَاءٌ عَنِ الثَّمَنِ وَإِسْقَاطٌ لَهُ، فَلَمْ يَكُنْ مُلاَئِمًا لِلْعَقْدِ، بِخِلاَفِ الْكَفَالَةِ وَالرَّهْنِ (3) .
5 - وَيَشْمَل شَرْطُ الْمَنْفَعَةِ عِنْدَهُمْ مَا يَأْتِي:
أ - أَنْ يَكُونَ شَرْطُ الْمَنْفَعَةِ لأَِحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ: كَمَا إِذَا بَاعَ دَارًا عَلَى أَنْ يَسْكُنَهَا الْبَائِعُ شَهْرًا، ثُمَّ يُسَلِّمَهَا إِلَيْهِ، أَوْ أَرْضًا عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا سَنَةً، أَوْ دَابَّةً عَلَى أَنْ يَرْكَبَهَا شَهْرًا، أَوْ ثَوْبًا عَلَى أَنْ يَلْبَسَهُ أُسْبُوعًا، أَوْ عَلَى أَنْ يُقْرِضَهُ الْمُشْتَرِي قَرْضًا، أَوْ عَلَى أَنْ يَهَبَهُ هِبَةً، أَوْ يُزَوِّجَهُ ابْنَتَهُ، أَوْ يَبِيعَ مِنْهُ كَذَا، وَنَحْوَ ذَلِكَ، أَوِ اشْتَرَى ثَوْبًا عَلَى أَنْ يَخِيطَهُ
__________
(1) رد المحتار 4 / 121، 122، وبدائع الصنائع 5 / 171، 172، وانظر تبيين الحقائق 4 / 57.
(2) رد المحتار 4 / 122، 123.
(3) بدائع الصنائع 5 / 172.

الْبَائِعُ قَمِيصًا، أَوْ حِنْطَةً عَلَى أَنْ يَطْحَنَهَا، أَوْ ثَمَرَةً عَلَى أَنْ يَجُذَّهَا، أَوْ شَيْئًا لَهُ حَمْلٌ وَمُؤْنَةٌ عَلَى أَنْ يَحْمِلَهُ الْبَائِعُ إِلَى مَنْزِلِهِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ.
فَالْبَيْعُ فِي هَذَا كُلِّهِ فَاسِدٌ؛ لأَِنَّ زِيَادَةَ مَنْفَعَةٍ مَشْرُوطَةٍ فِي الْبَيْعِ تَكُونُ رِبًا، لأَِنَّهَا زِيَادَةٌ لاَ يُقَابِلُهَا عِوَضٌ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ، وَهُوَ تَفْسِيرُ الرِّبَا، وَالْبَيْعُ الَّذِي فِيهِ الرِّبَا فَاسِدٌ، أَوْ فِيهِ شُبْهَةُ الرِّبَا، وَإِنَّهَا مُفْسِدَةٌ لِلْبَيْعِ، كَحَقِيقَةِ الرِّبَا (1) . (2)
ب - وَيَشْمَل مَا إِذَا كَانَتِ الْمَنْفَعَةُ لأَِجْنَبِيٍّ، كَمَا إِذَا بَاعَ سَاحَةً عَلَى أَنْ يَبْنِيَ فِيهَا مَسْجِدًا، أَوْ طَعَامًا عَلَى أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ، فَهُوَ فَاسِدٌ، وَإِنْ يَكُنْ فِي مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ قَوْلاَنِ فِي اشْتِرَاطِ الْقَرْضِ وَنَحْوِهِ مِنَ الْمَنْفَعَةِ لأَِجْنَبِيٍّ (3) .
ج - وَيَشْمَل مَا إِذَا كَانَتِ الْمَنْفَعَةُ لِلْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ بَاعَ جَارِيَةً عَلَى أَنْ يُوصِيَ الْمُشْتَرِي بِعِتْقِهَا، فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ، لأَِنَّهُ شَرَطَ فِيهِ مَنْفَعَةً لِلْمَبِيعِ، وَإِنَّهُ مُفْسِدٌ. وَكَذَا لَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يُعْتِقَهَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. وَكَذَا لَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لاَ يَبِيعَهَا أَوْ لاَ يَهَبَهَا، لأَِنَّ الْمَمْلُوكَ يَسُرُّهُ أَنْ لاَ تَتَدَاوَلَهُ الأَْيْدِي (4) . وَرَوَى الْحَسَنُ عَنِ الإِْمَامِ
__________
(1) بدائع الصنائع 5 / 169، 170 وانظر أيضا الهداية وشروحها 6 / 78 وما بعدها والدر المختار 4 / 121،122.
(2) الدر المختار ورد المحتار 4 / 122.
(3) الدر المختار ورد المحتار 4 / 122.
(4) بدائع الصنائع 5 / 170، وانظر فيه توجيه رواية الحسن المذكورة عن الإمام أبي حنيفة.

أَبِي حَنِيفَةَ جَوَازَ اشْتِرَاطِ الإِْعْتَاقِ عَلَى الْمُشْتَرِي.
أَمَّا مَا لاَ مَنْفَعَةَ فِيهِ لأَِحَدٍ فَلاَ يَتَنَاوَلُهُ الشَّرْطُ الْمَذْكُورُ، وَلاَ يُوجِبُ الْفَسَادَ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ ثَوْبًا وَشَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لاَ يَبِيعَهُ، أَوْ لاَ يَهَبَهُ، أَوْ بَاعَهُ دَابَّةً عَلَى أَنْ لاَ يَبِيعَهَا، أَوْ طَعَامًا عَلَى أَنْ يَأْكُلَهُ وَلاَ يَبِيعَهُ، فَهَذَا شَرْطٌ لاَ مَنْفَعَةَ فِيهِ لأَِحَدٍ، فَلاَ يُوجِبُ فِي الصَّحِيحِ الْفَسَادَ؛ لأَِنَّ الْفَسَادَ فِي مِثْل هَذِهِ الشُّرُوطِ - كَمَا يَقُول الْكَاسَانِيُّ - لِتَضَمُّنِهَا الرِّبَا بِزِيَادَةِ مَنْفَعَةٍ مَشْرُوطَةٍ لاَ يُقَابِلُهَا عِوَضٌ، وَلَمْ يُوجَدْ فِي هَذَا الشَّرْطِ، لأَِنَّهُ لاَ مَنْفَعَةَ فِيهِ لأَِحَدٍ، وَلاَ مَطَالِبَ لَهُ بِهِ، فَلاَ يُؤَدِّي إِلَى الرِّبَا، وَلاَ إِلَى الْمُنَازَعَةِ، فَالْعَقْدُ جَائِزٌ، وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ (1) .
6 - أَمَّا مَا فِيهِ مَضَرَّةٌ لأَِحَدِهِمَا، كَمَا لَوْ بَاعَ الثَّوْبَ بِشَرْطِ أَنْ يَخْرِقَهُ الْمُشْتَرِي، أَوِ الدَّارَ عَلَى أَنْ يُخَرِّبَهَا، فَالْبَيْعُ جَائِزٌ، وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ؛ لأَِنَّ شَرْطَ الْمَضَرَّةِ لاَ يُؤَثِّرُ فِي الْبَيْعِ. وَنَقَل ابْنُ عَابِدِينَ أَنَّ هَذَا مَذْهَبُ مُحَمَّدٍ. وَمَذْهَبُ أَبِي يُوسُفَ هُوَ فَسَادُ الْبَيْعِ (2) .
__________
(1) بدائع الصنائع 5 / 170، والعناية شرح الهداية 6 / 78. وقارن بما نقله ابن عابدين في رد المحتار (4 / 122) أن البيع بمثل هذا الشرط - عدم البيع والهبة - فيه مضرة لأحدهما، والبيع بمثله جائز عند الطرفين، خلافا لأبي يوسف.
(2) بدائع الصنائع 5 / 170، ورد المحتار 4 / 122 نقلا عن الجوهرة.

وَمَا لاَ مَضَرَّةَ وَلاَ مَنْفَعَةَ فِيهِ لأَِحَدٍ، فَهُوَ جَائِزٌ، كَمَا لَوِ اشْتَرَى طَعَامًا بِشَرْطِ أَكْلِهِ، أَوْ ثَوْبًا بِشَرْطِ لُبْسِهِ.
7 - وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ مِنْ شَرْطِ الْمَنْفَعَةِ الْمُفْسِدِ، مَا جَرَى بِهِ الْعُرْفُ، وَتَعَامَل بِهِ النَّاسُ مِنْ غَيْرِ إِنْكَارٍ، وَمَثَّلُوا لَهُ بِشِرَاءِ حِذَاءٍ بِشَرْطِ أَنْ يَضَعَ لَهُ الْبَائِعُ نَعْلاً (أَوْ كَعْبًا) أَوِ الْقَبْقَابَ بِشَرْطِ أَنْ يُسَمِّرَ لَهُ الْبَائِعُ سَيْرًا، أَوْ صُوفًا مَنْسُوجًا لِيَجْعَلَهُ لَهُ الْبَائِعُ قَلَنْسُوَةً (أَوْ مِعْطَفًا) أَوِ اشْتَرَى قَلَنْسُوَةً بِشَرْطِ أَنْ يَجْعَل لَهَا الْبَائِعُ بِطَانَةً مِنْ عِنْدِهِ، أَوْ خُفًّا أَوْ ثَوْبًا خَلَقًا عَلَى أَنْ يُرَقِّعَهُ أَوْ يَرْفُوَهُ لَهُ الْبَائِعُ.
فَهَذَا وَنَحْوُهُ مِنَ الشُّرُوطِ الْجَائِزَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، فَيَصِحُّ الْبَيْعُ بِهَا، وَيَلْزَمُ الشَّرْطُ اسْتِحْسَانًا، لِلتَّعَامُل الَّذِي جَرَى بِهِ عُرْفُ النَّاسِ.
وَالْقِيَاسُ فَسَادُهُ - كَمَا يَقُول زُفَرُ - لأَِنَّ هَذِهِ الشُّرُوطَ لاَ يَقْتَضِيهَا الْعَقْدُ، وَفِيهَا نَفْعٌ لأَِحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، وَهُوَ الْمُشْتَرِي هُنَا، لَكِنَّ النَّاسَ تَعَامَلُوهَا، وَبِمِثْلِهِ يُتْرَكُ الْقِيَاسُ (1) .
8 - وَنَصَّ ابْنُ عَابِدِينَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى اعْتِبَارِ الْعُرْفِ الْحَادِثِ. فَلَوْ حَدَثَ عُرْفٌ فِي غَيْرِ الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ فِي بَيْعِ الثَّوْبِ بِشَرْطِ رَفْوِهِ، وَالنَّعْل بِشَرْطِ حَذْوِهِ، يَكُونُ مُعْتَبَرًا، إِذَا لَمْ يُؤَدِّ إِلَى الْمُنَازَعَةِ.
وَنَقَل ابْنُ عَابِدِينَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَنِ الْمِنَحِ، أَنَّهُ
__________
(1) نفس المراجع السابقة.

لاَ يَلْزَمُ مِنَ اعْتِبَارِ الْعُرْفِ فِي هَذِهِ الْحَال أَنْ يَكُونَ قَاضِيًا عَلَى حَدِيثِ: نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ لأَِنَّ الْحَدِيثَ مُعَلَّلٌ بِوُقُوعِ النِّزَاعِ الْمُخْرِجِ لِلْعَقْدِ عَنِ الْمَقْصُودِ بِهِ، وَهُوَ قَطْعُ الْمُنَازَعَةِ، وَالْعُرْفُ يَنْفِي النِّزَاعَ، فَكَانَ مُوَافِقًا لِمَعْنَى الْحَدِيثِ، فَلَمْ يَبْقَ مِنَ الْمَوَانِعِ إِلاَّ الْقِيَاسُ، وَالْعُرْفُ قَاضٍ عَلَيْهِ (1) .
9 - كَمَا يُسْتَثْنَى مِنْ شَرْطِ مُخَالَفَةِ اقْتِضَاءِ الْعَقْدِ، مَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ، وَهَذَا كَشَرْطِ الأَْجَل فِي دَفْعِ الثَّمَنِ، لِحَاجَةِ النَّاسِ إِلَى ذَلِكَ، لَكِنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا لِئَلاَّ يُفْضِيَ إِلَى النِّزَاعِ (2) . وَكَذَا شَرْطُ الْخِيَارِ فِي الْبَيْعِ، لأَِنَّهُ ثَبَتَ فِي حَدِيثِ حِبَّانَ بْنِ مُنْقِذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْمَعْرُوفِ: إِذَا بَايَعْتَ فَقُل لاَ خِلاَبَةَ (3) ثُمَّ أَنْتَ بِالْخِيَارِ فِي كُل سِلْعَةٍ ابْتَعْتَهَا ثَلاَثَ لَيَالٍ، فَإِنْ رَضِيتَ فَأَمْسِكْ، وَإِنْ سَخِطْتَ فَارْدُدْ.
وَقَدْ عَدَّدَ الْحَنَفِيَّةُ اثْنَيْنِ وَثَلاَثِينَ مَوْضِعًا لاَ يَفْسُدُ فِيهَا الْبَيْعُ بِالشَّرْطِ. (4)
__________
(1) رد المحتار 4 / 123.
(2) الدر المختار 4 / 22.
(3) حديث: " إذا بايعت فقل لا خلابة. . . " أخرجه بهذا اللفظ البيهقي (5 / 273 ط دائرة المعارف العثمانية - حيدر آباد) . وأصله في البخاري (فتح الباري 4 / 337 ط السلفية) .
(4) تبيين الحقائق 4 / 57، والدر المختار 4 / 121، ورد المحتار 4 / 62.

10 - وَهَل يُشْتَرَطُ اقْتِرَانُ الشَّرْطِ الْفَاسِدِ بِالْعَقْدِ؟ وَمَا حُكْمُ التَّنْصِيصِ عَلَى الشَّرْطِ بَعْدَ الْعَقْدِ، وَمَا حُكْمُ ابْتِنَاءِ الْعَقْدِ عَلَيْهِ؟
أ - أَمَّا الْتِحَاقُهُ بِالْعَقْدِ بَعْدَ الاِفْتِرَاقِ عَنِ الْمَجْلِسِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ مُصَحَّحَتَانِ فِي الْمَذْهَبِ: إِحْدَاهُمَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ يُلْتَحَقُ بِأَصْل الْعَقْدِ، وَالأُْخْرَى عَنِ الصَّاحِبِينَ - وَهِيَ الأَْصَحُّ - أَنَّهُ لاَ يُلْتَحَقُ.
وَأُيِّدَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ: بِمَا لَوْ بَاعَ مُطْلَقًا، ثُمَّ أَجَّل الثَّمَنَ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ التَّأْجِيل، لأَِنَّهُ فِي حُكْمِ الشَّرْطِ الْفَاسِدِ، وَبِمَا لَوْ بَاعَا بِلاَ شَرْطٍ، ثُمَّ ذَكَرَا الشَّرْطَ عَلَى وَجْهِ الْوَعْدِ، جَازَ الْبَيْعُ، وَلَزِمَ الْوَفَاءُ بِالْوَعْدِ، إِذِ الْمَوَاعِيدُ قَدْ تَكُونُ لاَزِمَةً، فَيُجْعَل لاَزِمًا لِحَاجَةِ النَّاسِ. وَبِمَا لَوْ تَبَايَعَا بِلاَ ذِكْرِ شَرْطِ (الْوَفَاءِ) ثُمَّ شَرَطَاهُ، يَكُونُ مِنْ قَبِيل بَيْعِ الْوَفَاءِ، إِذِ الشَّرْطُ اللاَّحِقُ يُلْتَحَقُ بِأَصْل الْعَقْدِ، عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لاَ عِنْدَ صَاحِبَيْهِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ لاِلْتِحَاقِهِ مَجْلِسَ الْعَقْدِ.
ب - وَأَمَّا ابْتِنَاءُ الْعَقْدِ عَلَى الشَّرْطِ الْفَاسِدِ، كَمَا لَوْ شَرَطَا شَرْطًا فَاسِدًا قَبْل الْعَقْدِ، ثُمَّ عَقَدَا الْعَقْدَ، فَقَدْ نَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنْ جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ عَدَمَ فَسَادِ الْعَقْدِ، لَكِنَّهُ حَقَّقَ ابْتِنَاءَ الْفَسَادِ لَوِ اتَّفَقَا عَلَى بِنَاءِ الْعَقْدِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ: بِالْقِيَاسِ عَلَى مَا صَرَّحُوا بِهِ فِي بَيْعِ الْهَزْل.
وَبِالْقِيَاسِ عَلَى مَا أَفْتَى بِهِ الرَّمْلِيُّ - نَقْلاً عَنْ كُتُبِ الْمَذْهَبِ - فِي رَجُلَيْنِ تَوَاضَعَا عَلَى بَيْعِ

الْوَفَاءِ قَبْل عَقْدِهِ، وَعَقَدَا الْبَيْعَ خَالِيًا عَنْ الشَّرْطِ: بِأَنَّهُ يَكُونُ عَلَى مَا تَوَاضَعَا عَلَيْهِ. (1)

ثَانِيًا: مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ:
11 - فَصَّل الْمَالِكِيَّةُ فِي الشَّرْطِ الَّذِي يُتَصَوَّرُ حُصُولُهُ عِنْدَ الْبَيْعِ، فَقَالُوا: إِنَّهُ إِمَّا أَنْ لاَ يَقْتَضِيَهُ الْعَقْدُ وَيُنَافِيَ الْمَقْصُودَ مِنْهُ. وَإِمَّا أَنْ يُخِل بِالثَّمَنِ.
وَإِمَّا أَنْ يَقْتَضِيَهُ الْعَقْدُ، وَإِمَّا أَنْ لاَ يَقْتَضِيَهُ وَلاَ يُنَافِيَهُ.
فَالَّذِي يَضُرُّ بِالْعَقْدِ وَيُبْطِلُهُ هُوَ الشَّرْطُ الَّذِي فِيهِ مُنَاقَضَةُ الْمَقْصُودِ مِنَ الْبَيْعِ، أَوْ إِخْلاَلٌ بِالثَّمَنِ، وَهَذَا عِنْدَهُمْ مَحْمَل حَدِيثِ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ، دُونَ الأَْخِيرَيْنِ (2) .
فَمِثَال الأَْوَّل، وَهُوَ الَّذِي لاَ يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ وَيُنَافِي الْمَقْصُودَ مِنْهُ - وَوَصَفَهُ ابْنُ جُزَيٍّ: بِاَلَّذِي يَقْتَضِي التَّحْجِيرَ عَلَى الْمُشْتَرِي - أَنْ يَشْتَرِطَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ لاَ يَبِيعَ السِّلْعَةَ لأَِحَدٍ أَصْلاً، أَوْ إِلاَّ مِنْ نَفَرٍ قَلِيلٍ، أَوْ لاَ يَهَبَهَا، أَوْ لاَ يَرْكَبَهَا، أَوْ لاَ يَلْبَسَهَا، أَوْ لاَ يَسْكُنَهَا، أَوْ لاَ يُؤَاجِرَهَا، أَوْ عَلَى أَنَّهُ إِنْ بَاعَهَا مِنْ أَحَدٍ فَهُوَ أَحَقُّ بِالثَّمَنِ. أَوْ يَشْتَرِطَ الْخِيَارَ إِلَى أَمَدٍ بَعِيدٍ.
__________
(1) رد المحتار 4 / 121 بتصرف.
(2) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 3 / 65، وشرح الخرشي 5 / 80.

فَفِي هَذِهِ الأَْحْوَل كُلِّهَا يَبْطُل الشَّرْطُ وَالْبَيْعُ. (1)
12 - وَاسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ مِنْ مُنَافَاةِ الشَّرْطِ مُقْتَضَى الْعَقْدِ بَعْضَ الصُّوَرِ:
الأُْولَى: أَنَّهُ لَوْ طَلَبَ الْبَائِعُ مِنَ الْمُشْتَرِي الإِْقَالَةَ، فَقَال لَهُ الْمُشْتَرِي: عَلَى شَرْطٍ إِنْ بِعْتَهَا غَيْرِي فَأَنَا أَحَقُّ بِهَا بِالثَّمَنِ. فَهَذِهِ الصُّورَةُ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ عَدَمِ الْبَيْعِ مِنْ أَحَدٍ، وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ جَائِزَةٌ عِنْدَهُمْ، لأَِنَّهُ يُغْتَفَرُ فِي الإِْقَالَةِ مَا لاَ يُغْتَفَرُ فِي غَيْرِهَا (2)
الثَّانِيَةُ: أَنْ يَشْتَرِطَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ يَقِفَ الْمَبِيعَ، أَوْ أَنْ يَهَبَهُ، أَوْ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى الْفُقَرَاءِ، فَهَذِهِ مِنَ الْجَائِزَاتِ، لأَِنَّهَا مِنْ أَلْوَانِ الْبِرِّ الَّذِي يَدْعُو إِلَيْهِ الشَّرْعُ.
الثَّالِثَةُ: أَنْ يَبِيعَ أَمَةً بِشَرْطِ تَنْجِيزِ عِتْقِهَا، فَإِنَّهُ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَ مُنَافِيًا لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ، وَهَذَا لِتَشَوُّفِ الشَّارِعِ إِلَى الْحُرِّيَّةِ، بِخِلاَفِ اشْتِرَاطِ التَّدْبِيرِ وَالْكِتَابَةِ، وَاتِّخَاذِ الأَْمَةِ أُمَّ وَلَدٍ، فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ، لِمَا فِيهِ مِنَ التَّضْيِيقِ عَلَى الْمُشْتَرِي.
13 - أَمَّا الشَّرْطُ الثَّانِي، وَهُوَ الإِْخْلاَل بِالثَّمَنِ، فَهُوَ مُصَوَّرٌ بِأَمْرَيْنِ:
الأَْوَّل: الْجَهْل بِالثَّمَنِ، وَهَذَا يَتَمَثَّل بِالْبَيْعِ
__________
(1) القوانين الفقهية (171) ، والشرح الكبير وحاشية الدردير عليه 3 / 66، وشرح الخرشي 5 / 80.
(2) الشرح الكبير 3 / 66.

بِشَرْطِ السَّلَفِ، أَيِ الْقَرْضِ مِنْ أَحَدِهِمَا لِلآْخَرِ.
فَإِنْ كَانَ شَرْطُ السَّلَفِ صَادِرًا مِنَ الْمُشْتَرِي، أَخَل ذَلِكَ بِالثَّمَنِ، لأَِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى جَهْلٍ فِي الثَّمَنِ، بِسَبَبِ الزِّيَادَةِ؛ لأَِنَّ انْتِفَاعَهُ بِالسَّلَفِ مِنْ جُمْلَةِ الثَّمَنِ، وَهُوَ مَجْهُولٌ. وَإِنْ كَانَ شَرْطُ السَّلَفِ صَادِرًا مِنَ الْبَائِعِ، أَخَل ذَلِكَ بِالثَّمَنِ، لأَِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى جَهْلٍ فِي الثَّمَنِ، بِسَبَبِ النَّقْصِ؛ لأَِنَّ انْتِفَاعَهُ بِالسَّلَفِ مِنْ جُمْلَةِ الْمُثَمَّنِ، وَهُوَ مَجْهُولٌ. (1)
الآْخَرُ: شُبْهَةُ الرِّبَا؛ لأَِنَّ الْبَيْعَ بِشَرْطِ السَّلَفِ، يُعْتَبَرُ قَرْضًا جَرَّ نَفْعًا:
فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي هُوَ الْمُقْتَرِضَ، صَارَ الْمُقْرِضُ لَهُ هُوَ الْبَائِعَ، فَيَنْتَفِعُ الْبَائِعُ بِزِيَادَةِ الثَّمَنِ - وَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ هُوَ الْمُقْتَرِضَ، صَارَ الْمُقْرِضُ لَهُ هُوَ الْمُشْتَرِيَ، فَيَنْتَفِعُ الْمُشْتَرِي بِنَقْصِ الثَّمَنِ. (2)
وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ جُزَيٍّ فِي هَذَا الصَّدَدِ بِأَنَّ اشْتِرَاطَ السَّلَفِ مِنْ أَحَدِ الْمُتَبَايِعَيْنِ لاَ يَجُوزُ بِإِجْمَاعٍ (3) .
14 - أَمَّا الشَّرْطُ الثَّالِثُ، وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ، فَهُوَ كَشَرْطِ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ إِلَى الْمُشْتَرِي،
__________
(1) الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي عليه 3 / 66 بتصرف، وانظر أيضا شرح الخرشي 5 / 81.
(2) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه 3 / 67.
(3) القوانين الفقهية (172) .

وَالْقِيَامِ بِالْعَيْبِ، وَرَدِّ الْعِوَضِ عِنْدَ انْتِقَاضِ الْبَيْعِ، فَهَذِهِ الأُْمُورُ لاَزِمَةٌ دُونَ شَرْطٍ، لاِقْتِضَاءِ الْعَقْدِ إِيَّاهَا، فَشَرْطُهَا تَأْكِيدٌ - كَمَا يَقُول الدُّسُوقِيُّ (1) .
15 - وَأَمَّا الرَّابِعُ مِنَ الشُّرُوطِ، فَهُوَ كَشَرْطِ الأَْجَل الْمَعْلُومِ، وَالرَّهْنِ، وَالْخِيَارِ، وَالْحَمِيل (أَيِ الْكَفِيل) فَهَذِهِ الشُّرُوطُ لاَ تُنَافِي الْعَقْدَ، وَلاَ يَقْتَضِيهَا، بَل هِيَ مِمَّا تَعُودُ عَلَيْهِ بِمَصْلَحَةٍ، فَإِنْ شُرِطَتْ عُمِل بِهَا، وَإِلاَّ فَلاَ.
وَصَحَّحُوا اشْتِرَاطَ الرَّهْنِ، وَلَوْ كَانَ غَائِبًا، وَتَوَقُّفَ السِّلْعَةِ حَتَّى يُقْبَضَ الرَّهْنُ الْغَائِبُ.
أَمَّا اشْتِرَاطُ الْكَفِيل الْغَائِبِ فَجَائِزٌ إِنْ قَرُبَتْ غَيْبَتُهُ، لاَ إِنْ بَعُدَتْ، لأَِنَّهُ قَدْ يَرْضَى وَقَدْ يَأْبَى، فَاشْتُرِطَ فِيهِ الْقُرْبُ.
16 - وَقَدْ عَرَضَ ابْنُ جُزَيٍّ لِصُوَرٍ مِنَ الشَّرْطِ، تُعْتَبَرُ اسْتِثْنَاءً، أَوْ ذَاتَ حُكْمٍ خَاصٍّ، مِنْهَا هَذِهِ الصُّورَةُ، وَهِيَ: مَا إِذَا شَرَطَ الْبَائِعُ مَنْفَعَةً لِنَفْسِهِ، كَرُكُوبِ الدَّابَّةِ أَوْ سُكْنَى الدَّارِ مُدَّةً مَعْلُومَةً، فَإِنَّ الْبَيْعَ جَائِزٌ، وَالشَّرْطَ صَحِيحٌ. (2)
فَيَبْدُو أَنَّ هَذَا كَالاِسْتِثْنَاءِ مِنَ التَّفْصِيل الرُّبَاعِيِّ الْمُتَقَدِّمِ. (3) وَدَلِيلُهُ حَدِيثُ جَابِرٍ
__________
(1) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 3 / 65.
(2) الشرح الكبير 3 / 67، وحاشية الدسوقي عليه 3 / 65، والقوانين الفقهية (172) .
(3) راجع (ف 11) من هذا البحث.

الْمَعْرُوفُ وَهُوَ: أَنَّهُ كَانَ يَسِيرُ عَلَى جَمَلٍ لَهُ، قَدْ أَعْيَا، فَأَرَادَ أَنْ يُسَيِّبَهُ. قَال: وَلَحِقَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَعَا لِي، وَضَرَبَهُ، فَسَارَ سَيْرًا لَمْ يَسِرْ مِثْلَهُ، فَقَال: بِعْنِيهِ، فَقُلْتُ: لاَ. ثُمَّ قَال: بِعْنِيهِ، فَبِعْتُهُ، وَاسْتَثْنَيْتُ حُمْلاَنَهُ إِلَى أَهْلِي وَفِي رِوَايَةٍ: وَشَرَطْتُ ظَهْرَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ. (1)
وَيَبْدُو أَنَّ هَذَا شَرْطٌ جَائِزٌ عِنْدَ كَثِيرِينَ، فَقَدْ عَلَّقَ الشَّوْكَانِيُّ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ: وَهُوَ يَدُل عَلَى جَوَازِ الْبَيْعِ مَعَ اسْتِثْنَاءِ الرُّكُوبِ، وَبِهِ قَال الْجُمْهُورُ، وَجَوَّزَهُ مَالِكٌ إِذَا كَانَتْ مَسَافَةُ السَّفَرِ قَرِيبَةً، وَحَدَّهَا بِثَلاَثَةِ أَيَّامٍ. وَقَال الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَآخَرُونَ: لاَ يَجُوزُ ذَلِكَ، سَوَاءٌ أَقَلَّتِ الْمَسَافَةُ أَمْ كَثُرَتْ (2) .
وَالْحَدِيثُ - وَإِنْ كَانَ فِي الاِنْتِفَاعِ الْيَسِيرِ بِالْمَبِيعِ إِذَا كَانَ مِمَّا يُرْكَبُ مِنَ الْحَيَوَانِ - لَكِنَّ الْمَالِكِيَّةَ قَاسُوا عَلَيْهِ الاِنْتِفَاعَ الْيَسِيرَ بِكُل مَبِيعٍ بَعْدَ بَيْعِهِ، عَلَى سَبِيل الاِسْتِمْرَارِ، تَيْسِيرًا، نَظَرًا لِحَاجَةِ الْبَائِعِينَ.
17 - وَالْجَدِيرُ بِالذِّكْرِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، هُوَ أَنَّهُ: إِنْ أُسْقِطَ الشَّرْطُ الْمُخِل بِالْعَقْدِ، سَوَاءٌ أَكَانَ شَرْطًا يُنَاقِضُ الْمَقْصُودَ مِنَ الْبَيْعِ كَاشْتِرَاطِ عَدَمِ بَيْعِ الْمَبِيعِ، أَمْ كَانَ شَرْطًا يُخِل بِالثَّمَنِ كَاشْتِرَاطِ
__________
(1) حديث جابر " في اشتراطه الحمل على الجمل. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري 5 / 314 ط السلفية) ، ومسلم (3 / 221 ط عيسى الحلبي) .
(2) نيل الأوطار 5 / 178، 179.

السَّلَفِ مِنْ أَحَدِ الْمُتَبَايِعَيْنِ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ الْبَيْعُ.
وَلاَ يُشْتَرَطُ فِي هَذِهِ الْحَال سِوَى أَنْ يَكُونَ الإِْسْقَاطُ مَعَ قِيَامِ السِّلْعَةِ.
فَقَدْ عَلَّل الْخَرَشِيُّ صِحَّةَ الْبَيْعِ هُنَا، بِحَذْفِ شَرْطِ السَّلَفِ، بِقَوْلِهِ: لِزَوَال الْمَانِعِ. (1)
18 - وَهَل يَسْتَوِي الْحُكْمُ فِي الإِْسْقَاطِ، فِي مِثْل شَرْطِ الْقَرْضِ، بَيْنَ أَنْ يَكُونَ قَبْل التَّمَكُّنِ مِنَ الاِنْتِفَاعِ بِهِ، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ التَّمَكُّنِ؟ قَوْلاَنِ لَهُمْ فِي الْمَسْأَلَةِ:
أ - فَمَشْهُورُ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ قَوْل ابْنِ الْقَاسِمِ، أَنَّهُ: إِذَا رُدَّ الْقَرْضُ عَلَى الْمُقْرِضِ، وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ، صَحَّ الْبَيْعُ، وَلَوْ بَعْدَ غَيْبَةِ الْمُقْتَرِضِ عَلَى الْقَرْضِ غَيْبَةً يُمْكِنُهُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ.
ب - وَقَوْل سَحْنُونٍ وَابْنِ حَبِيبٍ، هُوَ: أَنَّ الْبَيْعَ يُنْقَضُ مَعَ الْغَيْبَةِ عَلَى الْقَرْضِ، وَلَوْ أُسْقِطَ شَرْطُ الْقَرْضِ، لِوُجُودِ مُوجِبِ الرِّبَا بَيْنَهُمَا، أَوْ لِتَمَامِ الرِّبَا بَيْنَهُمَا - كَمَا عَبَّرَ الشَّيْخُ الدَّرْدِيرُ - فَلاَ يَنْفَعُ الإِْسْقَاطُ.
وَالْمُعْتَمَدُ الأَْوَّل عِنْدَ الدَّرْدِيرِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ، وَمَال الدُّسُوقِيُّ إِلَى الآْخَرِ، كَمَا يَبْدُو مِنْ كَلاَمِهِ
__________
(1) انظر في هذا القوانين الفقهية (172) فقد صرح ابن جزي هنا بقوله: خلافا لهم، وانظر الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي عليه 3 / 67، وشرح الخرشي 5 / 81.

وَنَقَلَهُ الآْخَرُ، فَقَدْ حَكَى تَشْهِيرَهُ، وَكَذَا الَّذِي يَبْدُو مِنْ كَلاَمِ الْعَدَوِيِّ (1) .
وَهُنَا سُؤَالاَنِ يُطْرَحَانِ:

19 - السُّؤَال الأَْوَّل: مَا الَّذِي يَلْزَمُ لَوْ وَقَعَ الْبَيْعُ بِشَرْطِ الْقَرْضِ، وَهُوَ الشَّرْطُ الْمُخِل بِالثَّمَنِ، وَفَاتَتِ السِّلْعَةُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، بِمُفَوِّتِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ (كَمَا لَوْ هَلَكَتْ) سَوَاءٌ أَسْقَطَ مُشْتَرِطُ الشَّرْطِ شَرْطَهُ، أَمْ لَمْ يُسْقِطْهُ؟ وَفِي الْجَوَابِ أَقْوَالٌ:

الأَْوَّل: وَهَذَا فِي الْمُدَوَّنَةِ - إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُقْرِضُ هُوَ الْمُشْتَرِيَ أَوِ الْبَائِعَ:
أ - فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي هُوَ الَّذِي أَقْرَضَ الْبَائِعَ، فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ يَلْزَمُهُ الأَْكْثَرُ مِنَ الثَّمَنِ الَّذِي وَقَعَ بِهِ الْبَيْعُ، وَمِنَ الْقِيمَةِ يَوْمَ الْقَبْضِ. فَإِذَا اشْتَرَاهَا بِعِشْرِينَ وَالْقِيمَةُ ثَلاَثُونَ، لَزِمَهُ ثَلاَثُونَ.
ب - وَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ هُوَ الَّذِي أَقْرَضَ الْمُشْتَرِيَ، فَعَلَى الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ الأَْقَل مِنَ الثَّمَنِ وَمِنَ الْقِيمَةِ، فَيَلْزَمُهُ فِي الْمِثَال الْمَذْكُورِ عِشْرُونَ، لأَِنَّهُ أَقْرَضَ لِيَزْدَادَ، فَعُومِل بِنَقِيضِ قَصْدِهِ.

الثَّانِي: يُقَابِل الَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَهُوَ لُزُومُ
__________
(1) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه 3 / 67 مع بعض التصرف. وحاشية العدوي على شرح الخرشي 5 / 82.

الْقِيمَةِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ أَكَانَ الْمُسَلِّفُ هُوَ الْبَائِعَ أَمِ الْمُشْتَرِيَ.

الثَّالِثُ: أَنَّ تَغْرِيمَ الْمُشْتَرِي الأَْقَل، إِذَا اقْتَرَضَ مِنَ الْبَائِعِ مَحَلُّهُ إِذَا لَمْ يَغِبْ عَلَى مَا اقْتَرَضَهُ، وَإِلاَّ لَزِمَهُ الْقِيمَةُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ. (1)
وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا كَانَ الْمَبِيعُ قِيَمِيًّا، فَإِنْ كَانَ مِثْلِيًّا، فَإِنَّمَا يَجِبُ فِيهِ الْمِثْل، لأَِنَّهُ كَعَيْنِهِ، فَلاَ كَلاَمَ لِوَاحِدٍ، فَهُوَ بِمَثَابَةِ مَا لَوْ كَانَ قَائِمًا، وَرُدَّ. بِعَيْنِهِ. (2)
السُّؤَال الثَّانِي:
20 - مَا الَّذِي يَلْزَمُ، لَوْ وَقَعَ الْبَيْعُ بِشَرْطٍ مُنَاقِضٍ لِلْمَقْصُودِ، وَفَاتَتِ السِّلْعَةُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، سَوَاءٌ أَأُسْقِطَ ذَلِكَ الشَّرْطُ، أَمْ لَمْ يُسْقَطْ؟
قَالُوا: الْحُكْمُ هُوَ: أَنَّ لِلْبَائِعِ الأَْكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا يَوْمَ الْقَبْضِ وَمِنَ الثَّمَنِ، لِوُقُوعِ الْبَيْعِ بِأَنْقَصَ مِنَ الثَّمَنِ الْمُعْتَادِ، لأَِجْل الشَّرْطِ. (3)
ثَالِثًا: مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ:
21 - الْتَزَمَ الشَّافِعِيَّةُ نَهْيَ الشَّارِعِ عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ. وَالْتَزَمُوا حَدِيثَ ابْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: لاَ يَحِل سَلَفٌ وَبَيْعٌ، وَلاَ شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ، وَلاَ رِبْحُ مَا لَمْ
__________
(1) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه 3 / 67.
(2) حاشية الدسوقي في الموضع نفسه.
(3) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه 3 / 67.

يُضْمَنْ، وَلاَ بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ (1) وَلَمْ يَسْتَثْنُوا إِلاَّ مَا ثَبَتَ اسْتِثْنَاؤُهُ بِالشَّرْعِ، وَقَلِيلاً مِمَّا رَأَوْا أَنَّهُ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْعَقْدِ أَوْ مَصَالِحِهِ، فَكَانَ مَذْهَبُهُمْ بِذَلِكَ أَضْيَقَ الْمَذَاهِبِ الثَّلاَثَةِ.
وَمَعَ ذَلِكَ، فَقَدْ قَسَّمَ بَعْضُهُمُ الشَّرْطَ، فَقَال:
الشَّرْطُ إِمَّا أَنْ يَقْتَضِيَهُ مُطْلَقُ الْعَقْدِ، كَالْقَبْضِ وَالاِنْتِفَاعِ وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ، أَوْ لاَ.
فَالأَْوَّل: لاَ يَضُرُّ بِالْعَقْدِ.
وَالثَّانِي - وَهُوَ الَّذِي لاَ يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ - إِمَّا أَنْ يَتَعَلَّقَ بِمَصْلَحَةِ الْعَقْدِ، كَشَرْطِ الرَّهْنِ، وَالإِْشْهَادِ وَالأَْوْصَافِ الْمَقْصُودَةِ - مِنَ الْكِتَابَةِ وَالْخِيَاطَةِ وَالْخِيَارِ (2) وَنَحْوِ ذَلِكَ - أَوْ لاَ.
فَالأَْوَّل: لاَ يُفْسِدُهُ، وَيَصِحُّ الشَّرْطُ نَفْسُهُ.
وَالثَّانِي: - وَهُوَ الَّذِي لاَ يَتَعَلَّقُ بِمَصْلَحَةِ الْعَقْدِ - إِمَّا أَنْ لاَ يَكُونَ فِيهِ غَرَضٌ يُورِثُ تَنَازُعًا، كَشَرْطِ أَنْ لاَ تَأْكُل الدَّابَّةُ الْمَبِيعَةُ إِلاَّ كَذَا، فَهُوَ لاَغٍ، وَالْعَقْدُ صَحِيحٌ. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ غَرَضٌ يُورِثُ تَنَازُعًا، فَهَذَا هُوَ الْفَاسِدُ الْمُفْسِدُ، كَالأُْمُورِ الَّتِي تُنَافِي مُقْتَضَاهُ، نَحْوِ عَدَمِ الْقَبْضِ، وَعَدَمِ
__________
(1) حديث: " لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع. . . ". أخرجه الترمذي (3 / 535 ط مصطفى الحلبي) . وقال: حسن صحيح.
(2) هكذا في الأصل، وهل الصواب: والخبازة؟ .

التَّصَرُّفِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. (1)
وَخُلاَصَةُ هَذَا التَّقْسِيمِ:
(1) أَنَّ اشْتِرَاطَ مَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ، أَوْ يَتَعَلَّقُ بِمَصْلَحَتِهِ أَوْ بِصِحَّتِهِ، صَحِيحٌ.
(2) وَأَنَّ اشْتِرَاطَ مَا لاَ غَرَضَ فِيهِ لاَغٍ، وَلاَ يُفْسِدُ الْعَقْدَ.
(3) وَأَمَّا اشْتِرَاطُ مَا فِيهِ غَرَضٌ يُورِثُ تَنَازُعًا، فَهُوَ الشَّرْطُ الْمُفْسِدُ، وَذَلِكَ كَاشْتِرَاطِ مَا يُخَالِفُ مُقْتَضَاهُ. (2)
22 - وَمِنْ أَهَمِّ مَا نَصُّوا عَلَيْهِ تَطْبِيقًا لِلْحَدِيثَيْنِ وَلِهَذَا التَّقْسِيمِ:
(1) الْبَيْعُ بِشَرْطِ بَيْعٍ، كَأَنْ يَقُول: بِعْتُكَ هَذِهِ الأَْرْضَ بِأَلْفٍ، عَلَى أَنْ تَبِيعَنِي دَارَكَ بِكَذَا، أَوْ تَشْتَرِيَ مِنِّي دَارِي بِكَذَا، فَهَذَا شَرْطٌ فَاسِدٌ مُفْسِدٌ، لاَ يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ.
(2) الْبَيْعُ بِشَرْطِ الْقَرْضِ، كَأَنْ يَبِيعَهُ أَرْضَهُ بِأَلْفٍ، بِشَرْطِ أَنْ يُقْرِضَهُ مِائَةً، وَمِثْل الْقَرْضِ الإِْجَارَةُ، وَالتَّزْوِيجُ، وَالإِْعَارَةُ. (3)
(3) شِرَاءُ زَرْعٍ بِشَرْطِ أَنْ يَحْصُدَهُ الْبَائِعُ، أَوْ ثَوْبٍ بِشَرْطِ أَنْ يَخِيطَهُ، وَمِنْهُ كَمَا يَقُول عَمِيرَةُ الْبُرُلُّسِيُّ: شِرَاءُ حَطَبٍ بِشَرْطِ أَنْ يَحْمِلَهُ إِلَى بَيْتِهِ، فَالْمَذْهَبُ فِي هَذَا وَأَمْثَالِهِ بُطْلاَنُ الشِّرَاءِ،
__________
(1) حاشية الجمل على شرح المنهج 3 / 74، 75.
(2) حاشية الجمل على شرح المنهج 3 / 75 بتصرف.
(3) تحفة المحتاج بشرح المنهاج، بحاشيتي الشرواني والعبادي 4 / 294، 295، وشرح المحلي بحاشيتي القليوبي وعميرة، وحاشية الجمل 3 / 74.

لاِشْتِمَالِهِ عَلَى شَرْطِ عَمَلٍ فِيمَا لَمْ يَمْلِكْهُ بَعْدُ، وَذَلِكَ فَاسِدٌ، وَلأَِنَّهُ - كَمَا قَال الإِْسْنَوِيُّ - شَرْطٌ يُخَالِفُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ، فَيَبْطُل الْبَيْعُ وَالشَّرْطُ فِي الأَْصَحِّ. وَإِنْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ قَوْلاَنِ آخَرَانِ فِي هَذِهِ الْجُزْئِيَّةِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَصِحُّ الْبَيْعُ، وَيَلْزَمُ الشَّرْطُ، وَهُوَ فِي الْمَعْنَى بَيْعٌ وَإِجَارَةٌ، وَيُوَزَّعُ الْمُسَمَّى عَلَيْهِمَا بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ.
وَثَانِيهِمَا: يَبْطُل الشَّرْطُ، وَيَصِحُّ الْبَيْعُ بِمَا يُقَابِل الْمَبِيعَ مِنَ الْمُسَمَّى. (1)
23 - وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيَّةُ مَسَائِل مَعْدُودَةً مِنَ النَّهْيِ (2) صَحَّحُوهَا مَعَ الشَّرْطِ وَهِيَ:
أ - الْبَيْعُ بِشَرْطِ الأَْجَل الْمُعَيَّنِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} (3)
ب - الْبَيْعُ بِشَرْطِ الرَّهْنِ، وَقَيَّدُوهُ بِالْمَعْلُومِيَّةِ.
ج - الْبَيْعُ بِشَرْطِ الْكَفِيل الْمَعْلُومِ أَيْضًا، لِعِوَضٍ مَا، مِنْ مَبِيعٍ أَوْ ثَمَنٍ ثَابِتٍ فِي الذِّمَّةِ، وَذَلِكَ لِلْحَاجَةِ إِلَيْهِمَا فِي مُعَامَلَةِ مَنْ لاَ يَرْضَى إِلاَّ بِهِمَا.
د - الإِْشْهَادُ عَلَى جَرَيَانِ الْبَيْعِ، لِلأَْمْرِ بِهِ فِي
__________
(1) حاشية عميرة على شرح المحلي على المنهاج 2 / 177، وشرح المنهج بحاشية الجمل 3 / 74، 75.
(2) حاشية الجمل على شرح المنهج 3 / 75، 76 نقلها الشيخ الجمل عن شرح القسطلاني على البخاري نصا.
(3) سورة البقرة 282.

الآْيَةِ قَال تَعَالَى: {وَأُشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} . (1)
هـ - الْبَيْعُ بِشَرْطِ الْخِيَارِ، لِثُبُوتِهِ بِحَدِيثِ حِبَّانَ بْنِ مُنْقِذٍ، الْمَعْرُوفِ (2) .
24 - الْبَيْعُ بِشَرْطِ عِتْقِ الْمَبِيعِ، وَفِيهِ أَقْوَالٌ عِنْدَ
هُمْ:

الْقَوْل الأَْوَّل: وَهُوَ أَصَحُّهَا، أَنَّ الشَّرْطَ صَحِيحٌ، وَالْبَيْعَ صَحِيحٌ، وَذَلِكَ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ لِلْعِتْقِ، فَاشْتَرَطُوا وَلاَءَهَا، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَال: اشْتَرِيهَا وَأَعْتِقِيهَا، فَإِنَّمَا الْوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ (3) وَلَمْ يُنْكِرِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ شَرْطَ الْوَلاَءِ لَهُمْ، إِذْ قَال: مَا بَال أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ (4)
وَلأَِنَّ اسْتِعْقَابَ الْبَيْعِ الْعِتْقَ عَهْدٌ فِي شِرَاءِ الْقَرِيبِ، فَاحْتُمِل شَرْطُهُ. وَلِتَشَوُّفِ الشَّارِعِ لِلْعِتْقِ.
عَلَى أَنَّ فِيهِ مَنْفَعَةً لِلْمُشْتَرِي، دُنْيَا بِالْوَلاَءِ،
__________
(1) سورة البقرة / 282.
(2) الحديث (سبق تخريجه ف 9) .
(3) حديث: " إنما الولاء لمن أعتق. . . " أخرجه البخاري. (فتح الباري 4 / 376 ط السلفية) ، ومسلم (3 / 1145 ط عيسى الحلبي) .
(4) حديث: " من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل. . . " سبق تخريجه (ف 1) .

وَأُخْرَى بِالثَّوَابِ، وَلِلْبَائِعِ بِالتَّسَبُّبِ فِيهِ. (1)

الْقَوْل الثَّانِي: أَنَّ الشَّرْطَ بَاطِلٌ وَالْبَيْعَ بَاطِلٌ، كَمَا لَوْ شَرَطَ بَيْعَهُ أَوْ هِبَتَهُ.

وَالْقَوْل الثَّالِثُ: أَنَّهُ يَصِحُّ الْبَيْعُ، وَيَبْطُل الشَّرْطُ. (2)
25 - وَمِمَّا اسْتَثْنَاهُ الشَّافِعِيَّةُ أَيْضًا مِنَ النَّهْيِ: شَرْطُ الْوَلاَءِ لِغَيْرِ الْمُشْتَرِي مَعَ الْعِتْقِ، فِي أَضْعَفِ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَهُمْ، فَيَصِحُّ الْبَيْعُ وَيَبْطُل الشَّرْطُ، لِظَاهِرِ حَدِيثِ بَرِيرَةَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ، وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلاَءَ. (3)
لَكِنَّ الأَْصَحَّ بُطْلاَنُ الشَّرْطِ وَالْبَيْعِ فِي هَذِهِ الْحَال، لِمَا تَقَرَّرَ فِي الشَّرْعِ، مِنْ أَنَّ الْوَلاَءَ لِمَنْ أَعْتَقَ.
فَأَجَابَ هَؤُلاَءِ عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلاَءَ بِأَنَّ الشَّرْطَ لَمْ يَقَعْ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ، وَبِأَنَّهُ خَاصٌّ بِقَضِيَّةِ عَائِشَةَ، وَبِأَنَّ قَوْلَهُ: لَهُمْ بِمَعْنَى: عَلَيْهِمْ (4)
26 - وَمِمَّا اسْتَثْنَوْهُ أَيْضًا: شَرْطُ الْبَرَاءَةِ مِنَ الْعُيُوبِ فِي الْمَبِيعِ، لأَِنَّهُ يَحْتَاجُ الْبَائِعُ فِيهِ إِلَى
__________
(1) تحفة المحتاج 4 / 300.
(2) حاشية الجمل 3 / 75، 76 وانظر أيضا شرح المنهج فيه 3 / 76.
(3) حديث: " الولاء لمن أعتق. . . " سبق تخريجه (ف 24) .
(4) حاشية الجمل على شرح المنهج 3 / 76، وانظر شرح المحلي على المنهاج 2 / 180.

شَرْطِ الْبَرَاءَةِ، لِيَثِقَ بِلُزُومِ الْبَيْعِ فِيمَا لاَ يَعْلَمُهُ مِنَ الْخَفِيِّ، دُونَ مَا يَعْلَمُهُ، مُطْلَقًا فِي حَيَوَانٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَالْبَيْعُ مَعَ الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ صَحِيحٌ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ أَصَحَّ الشَّرْطُ أَمْ لَمْ يَصِحَّ، لأَِنَّهُ شَرْطٌ يُؤَكِّدُ الْعَقْدَ، وَيُوَافِقُ ظَاهِرَ الْحَال، وَهُوَ السَّلاَمَةُ مِنَ الْعُيُوبِ. (1)
وَتَأَيَّدَ هَذَا بِمَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: بَاعَ عَبْدًا لَهُ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ، بِالْبَرَاءَةِ فَقَال لَهُ الْمُشْتَرِي: بِهِ دَاءٌ لَمْ تُسَمِّهِ لِي. فَاخْتَصَمَا إِلَى عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَضَى عَلَى ابْنِ عُمَرَ أَنْ يَحْلِفَ: لَقَدْ بَاعَهُ الْعَبْدَ وَمَا بِهِ دَاءٌ يَعْلَمُهُ، فَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ، وَارْتَجَعَ الْعَبْدَ، فَبَاعَهُ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ. (2)
قَالُوا: فَدَل قَضَاءُ عُثْمَانَ الْمَشْهُورُ بَيْنَ الصَّحَابَةِ عَلَى جَوَازِ اشْتِرَاطِ الْبَرَاءَةِ مِنَ الْعَيْبِ، وَهُوَ مَشْهُورٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ، فَصَارَ مِنَ الإِْجْمَاعِ السُّكُوتِيِّ. (3)
27 - وَمِمَّا اسْتَثْنَوْهُ أَيْضًا:
أ - شَرْطُ نَقْل الْمَبِيعِ مِنْ مَكَانِ الْبَائِعِ، قَالُوا:
__________
(1) شرح المنهج 3 / 132، 133.
(2) أثر ابن عمر " أنه باع عبدا. . . إلخ " ذكره شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في شرح المنهج (3 / 132 ط الميمنية) ، وعزاه إلى البيهقي، ونقل عنه أنه صححه، ولم نجده في كتاب السنن للبيهقي، فلعله في أحد كتبه الأخرى.
(3) انظر شرح المنهج، وحاشية الجمل عليه 3 / 132، وشرح المحلي على المنهاج 2 / 178.

لأَِنَّهُ تَصْرِيحٌ بِمُقْتَضَى الْعَقْدِ. (1)
ب - شَرْطُ قَطْعِ الثِّمَارِ أَوْ تَبْقِيَتِهَا بَعْدَ صَلاَحِهَا وَنُضْجِهَا، فَهُوَ جَائِزٌ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ، كَمَا أَنَّهُ جَائِزٌ بَيْعُهَا بَعْدَ النُّضْجِ مُطْلَقًا مِنَ الشَّرْطِ. لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُهَا. (2) وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: قَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ تَتَبَايَعُوا الثِّمَارَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُهَا (3)
فَالْحَدِيثُ يَدُل عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الثَّمَرِ بَعْدَ بَدْوِ صَلاَحِهِ، وَهُوَ صَادِقٌ بِكُل الأَْحْوَال الثَّلاَثَةِ: بَيْعُهُ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، وَبِشَرْطِ قَطْعِهِ، وَبِشَرْطِ إِبْقَائِهِ. (4)
ج - شَرْطُ أَنْ يَعْمَل الْبَائِعُ عَمَلاً مَعْلُومًا فِي الْمَبِيعِ، كَمَا لَوِ اشْتَرَى ثَوْبًا بِشَرْطِ أَنْ يَخِيطَهُ الْبَائِعُ، فِي أَضْعَفِ أَقْوَالٍ ثَلاَثَةٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ. (5)
د - اشْتِرَاطُ وَصْفٍ مَقْصُودٍ فِي الْمَبِيعِ عُرْفًا، كَكَوْنِ الدَّابَّةِ حَامِلاً أَوْ ذَاتَ لَبَنٍ، فَالشَّرْطُ
__________
(1) حاشية الجمل على شرح المنهج 3 / 76.
(2) حديث: " نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري 4 / 394 ط السلفية) ، ومسلم (3 / 1167 ط الحلبي) ، واللفظ للبخاري.
(3) حديث: " لا تتبايعوا الثمار حتى يبدو صلاحها. . . " أخرجه مسلم (3 / 1167 ط الحلبي) .
(4) شرح المحلي على المنهاج 2 / 233.
(5) راجع (ف 22) من هذا البحث.

صَحِيحٌ، وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ إِنْ تَخَلَّفَ الشَّرْطُ. قَالُوا: وَوَجْهُ الصِّحَّةِ: أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ يَتَعَلَّقُ بِمَصْلَحَةِ الْعَقْدِ. (1)
وَلأَِنَّهُ الْتِزَامٌ مَوْجُودٌ عِنْدَ الْعَقْدِ وَلاَ يَتَوَقَّفُ الْتِزَامُهُ عَلَى إِنْشَاءِ أَمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ، ذَاكَ الَّذِي هُوَ حَقِيقَةُ الشَّرْطِ، فَلَمْ يَشْمَلْهُ النَّهْيُ عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ. (2)
هـ - اشْتِرَاطُ أَنْ لاَ يُسَلِّمَ الْمَبِيعَ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الثَّمَنَ.
و شَرْطُ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ، لأَِنَّهُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ. (3)
ز - خِيَارُ الرُّؤْيَةِ فِيمَا إِذَا بَاعَ مَا لَمْ يَرَهُ، عَلَى الْقَوْل بِصِحَّتِهِ، لِلْحَاجَةِ إِلَى ذَلِكَ. (4)
رَابِعًا: مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ:
28 - قَسَّمَ الْحَنَابِلَةُ الشُّرُوطَ فِي الْبَيْعِ إِلَى قِسْمَيْنِ:
الأَْوَّل: صَحِيحٌ لاَزِمٌ، لَيْسَ لِمَنِ اشْتُرِطَ عَلَيْهِ فَكُّهُ.
الآْخَرُ: فَاسِدٌ يَحْرُمُ اشْتِرَاطُهُ.

(1) فَالأَْوَّل: وَهُوَ الشَّرْطُ الصَّحِيحُ اللاَّزِمُ، ثَلاَثَةُ أَنْوَاعٍ:
__________
(1) شرح المنهج بحاشية الجمل 3 / 78 - 80، وشرح المحلي وحاشية القليوبي عليه 2 / 180، 181.
(2) تحفة المحتاج 4 / 305، والواو الزائدة في النص من حاشية الشرواني عليها.
(3) شرح المحلي على المنهاج 2 / 180.
(4) حاشية الجمل 3 / 76.

أَحَدُهَا: مَا هُوَ مُقْتَضَى الْعَقْدِ بِحُكْمِ الشَّرْعِ، كَالتَّقَابُضِ، وَحُلُول الثَّمَنِ، وَتَصَرُّفِ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيمَا يَصِيرُ إِلَيْهِ، وَخِيَارِ الْمَجْلِسِ، وَالرَّدِّ بِعَيْبٍ قَدِيمٍ.
فَهَذَا الشَّرْطُ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، لاَ يُفِيدُ حُكْمًا، وَلاَ يُؤَثِّرُ فِي الْعَقْدِ، لأَِنَّهُ بَيَانٌ وَتَأْكِيدٌ لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ. (1)
الثَّانِي: شَرْطٌ مِنْ مَصْلَحَةِ الْعَقْدِ، أَيْ تَتَعَلَّقُ بِهِ مَصْلَحَةٌ تَعُودُ عَلَى الْمُشْتَرِطِ مِنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ: الْخِيَارُ، وَالشَّهَادَةُ، أَوِ اشْتِرَاطُ صِفَةٍ فِي الثَّمَنِ، كَتَأْجِيلِهِ كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ، أَوْ رَهْنِ مُعَيَّنٍ بِهِ، أَوْ كَفِيلٍ مُعَيَّنٍ بِهِ، أَوِ اشْتِرَاطِ صِفَةٍ مَقْصُودَةٍ فِي الْمَبِيعِ، كَالصِّنَاعَةِ وَالْكِتَابَةِ، أَوِ اشْتِرَاطِ كَوْنِ الدَّابَّةِ ذَاتَ لَبَنٍ، أَوْ غَزِيرَةَ اللَّبَنِ، أَوِ الْفَهْدِ صَيُودًا، أَوِ الطَّيْرِ مُصَوِّتًا، أَوْ يَبِيضُ، أَوْ يَجِيءُ مِنْ مَسَافَةٍ مَعْلُومَةٍ، أَوْ كَوْنِ خَرَاجِ الأَْرْضِ كَذَا. . فَيَصِحُّ الشَّرْطُ فِي كُل مَا ذُكِرَ، وَيَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ، (2) وَذَلِكَ لِحَدِيثِ: الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ إِلاَّ شَرْطًا أَحَل حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلاَلاً، (3) وَلأَِنَّ الرَّغَبَاتِ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ ذَلِكَ، فَلَوْ لَمْ يَصِحَّ اشْتِرَاطُ ذَلِكَ لَفَاتَتِ الْحِكْمَةُ الَّتِي لأَِجْلِهَا شُرِعَ الْبَيْعُ.
__________
(1) كشاف القناع 3 / 189، والمغني 4 / 285.
(2) كشاف القناع 3 / 189، 190، والمغني 4 / 285، 286.
(3) حديث: " المسلمون على شروطهم. . . " سبق تخريجه (ف 1) .

فَهَذَا الشَّرْطُ إِنْ وَفَّى بِهِ لَزِمَ، وَإِلاَّ فَلِلْمُشْتَرَطِ لَهُ الْفَسْخُ لِفَوَاتِهِ، أَوْ أَرْشُ فَقْدِ الصِّفَةِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ الرَّدُّ تَعَيَّنَ أَرْشُ فَقْدِ الصِّفَةِ، كَالْمَعِيبِ إِذَا تَلِفَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي. (1)

الثَّالِثُ: شَرْطٌ لَيْسَ مِنْ مُقْتَضَى الْعَقْدِ، وَلاَ مِنْ مَصْلَحَتِهِ، وَلاَ يُنَافِي مُقْتَضَاهُ، لَكِنْ فِيهِ نَفْعًا مَعْلُومًا لِلْبَائِعِ أَوْ لِلْمُشْتَرِي.
أ - كَمَا لَوْ شَرَطَ الْبَائِعُ سُكْنَى الدَّارِ الْمَبِيعَةِ شَهْرًا، أَوْ أَنْ تَحْمِلَهُ الدَّابَّةُ (أَوِ السَّيَّارَةُ) إِلَى مَوْضِعٍ مَعْلُومٍ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ لِحَدِيثِ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حِينَ بَاعَ جَمَلَهُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ قَال فَبِعْتُهُ وَاسْتَثْنَيْتُ حُمْلاَنَهُ إِلَى أَهْلِي (2)
وَحَدِيثِ: جَابِرٍ أَيْضًا، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ الْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَةِ، وَالثُّنْيَا إِلاَّ أَنْ تُعْلَمَ (3) وَالْمُرَادُ بِالثُّنْيَا الاِسْتِثْنَاءُ.
وَقِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ بَاعَهُ دَارًا مُؤَجَّرَةً.
وَمِثْل مَا تَقَدَّمَ أَيْضًا: اشْتِرَاطُ الْبَائِعِ أَنْ يَحْبِسَ الْمَبِيعَ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ ثَمَنَهُ، وَكَذَا اشْتِرَاطُهُ
__________
(1) كشاف القناع 3 / 189، 190.
(2) حديث جابر: أخرجه البخاري (فتح الباري 5 / 314 ط السلفية) ، ومسلم (3 / 1221 ط عيسى الحلبي) .
(3) حديث: " نهى عن المحاقلة والمزابنة والثنيا إلا أن تعلم. . . " أخرجه مسلم (3 / 1175 ط عيسى الحلبي) ، والبخاري (فتح الباري 5 / 50 ط السلفية) ، دون قوله " والثنيا إلا أن تعلم " وأخرج الترمذي (3 / 85 ط الحلبي) الشطر المذكور " والثنيا إلا أن تعلم ".

الْمَنْفَعَةَ لِغَيْرِهِ مُدَّةً مَعْلُومَةً، فَلَوْ تَلِفَتِ الْعَيْنُ الْمُشْتَرَطِ اسْتِثْنَاءُ نَفْعِهَا، قَبْل اسْتِيفَاءِ الْبَائِعِ النَّفْعَ:
فَإِنْ كَانَ التَّلَفُ بِفِعْل الْمُشْتَرِي وَتَفْرِيطِهِ، لَزِمَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ، لِتَفْوِيتِهِ الْمَنْفَعَةَ الْمُسْتَحَقَّةَ عَلَى مُسْتَحِقِّهَا. وَإِنْ تَلِفَتْ بِغَيْرِ ذَلِكَ، لَمْ يَلْزَمْهُ الْعِوَضُ. (1)
ب - وَكَمَا لَوْ شَرَطَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ حَمْل الْحَطَبِ، أَوْ تَكْسِيرَهُ، أَوْ خِيَاطَةَ ثَوْبٍ، أَوْ تَفْصِيلَهُ، أَوْ حَصَادَ زَرْعٍ، أَوْ جَزَّ رُطَبِهِ، فَيَصِحُّ إِنْ كَانَ النَّفْعُ مَعْلُومًا، وَيَلْزَمُ الْبَائِعَ فِعْلُهُ. وَلَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَحْمِل مَتَاعَهُ إِلَى مَنْزِلِهِ، وَالْبَائِعُ لاَ يَعْرِفُهُ، فَلَهُمْ فِيهِ وَجْهَانِ. (2)
ثُمَّ إِنْ تَعَذَّرَ الْعَمَل الْمَشْرُوطُ بِتَلَفِ الْمَبِيعِ، أَوِ اسْتَحَقَّ النَّفْعَ بِالإِْجَارَةِ الْخَاصَّةِ، أَوْ تَعَذَّرَ بِمَوْتِ الْبَائِعِ، رَجَعَ الْمُشْتَرِي بِعِوَضِ ذَلِكَ النَّفْعِ، كَمَا لَوِ انْفَسَخَتِ الإِْجَارَةُ بَعْدَ قَبْضِ عِوَضِهَا، رَجَعَ الْمُسْتَأْجِرُ بِعِوَضِ الْمَنْفَعَةِ.
وَإِنْ تَعَذَّرَ الْعَمَل عَلَى الْبَائِعِ بِمَرَضٍ، أُقِيمَ مَقَامَهُ مَنْ يَعْمَل، وَالأُْجْرَةُ عَلَى الْبَائِعِ، كَمَا فِي الإِْجَارَةِ. (3)
29 - اسْتَثْنَى الْحَنَابِلَةُ مِنْ جَوَازِ اشْتِرَاطِ النَّفْعِ
__________
(1) كشاف القناع 3 / 191.
(2) نفس المرجع.
(3) كشاف القناع 3 / 192.

الْمَعْلُومِ، مَا لَوْ جَمَعَ فِي الاِسْتِثْنَاءِ بَيْنَ شَرْطَيْنِ، وَكَانَا صَحِيحَيْنِ: كَحَمْل الْحَطَبِ وَتَكْسِيرِهِ، أَوْ خِيَاطَةِ الثَّوْبِ وَتَفْصِيلِهِ، فَإِنَّ الْبَيْعَ لاَ يَصِحُّ، لِحَدِيثِ: عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: لاَ يَحِل سَلَفٌ وَبَيْعٌ، وَلاَ شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ، وَلاَ رِبْحُ مَا لَمْ يُضْمَنْ، وَلاَ بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ. (1)
أَمَّا إِنْ كَانَ الشَّرْطَانِ الْمَجْمُوعَانِ مِنْ مُقْتَضَى الْعَقْدِ، كَاشْتِرَاطِ حُلُول الثَّمَنِ مَعَ تَصَرُّفِ كُلٍّ مِنْهُمَا فِيمَا يَصِيرُ إِلَيْهِ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ بِلاَ خِلاَفٍ. أَوْ يَكُونَا مِنْ مَصْلَحَةِ الْبَيْعِ، كَاشْتِرَاطِ رَهْنٍ وَكَفِيلٍ مُعَيَّنَيْنِ بِالثَّمَنِ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ، كَمَا لَوْ كَانَا مِنْ مُقْتَضَاهُ. (2)
(2) وَالآْخَرُ: وَهُوَ الشَّرْطُ الْفَاسِدُ الْمُحَرَّمُ، تَحْتَهُ أَيْضًا ثَلاَثَةُ أَنْوَاعٍ:

النَّوْعُ الأَْوَّل:
30 - أَنْ يَشْتَرِطَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ عَقْدًا آخَرَ: كَعَقْدِ سَلَمٍ، أَوْ قَرْضٍ، أَوْ بَيْعٍ، أَوْ إِجَارَةٍ، أَوْ شَرِكَةٍ، فَهَذَا شَرْطٌ فَاسِدٌ، يَفْسُدُ بِهِ الْبَيْعُ، سَوَاءٌ اشْتَرَطَهُ الْبَائِعُ أَمِ الْمُشْتَرِي.
وَهَذَا مَشْهُورُ الْمَذْهَبِ، وَإِنْ كَانَ بُطْلاَنُ
__________
(1) حديث: " لا يحل سلف وبيع. . . . " سبق تخريجه (ف 21) .
(2) كشاف القناع 3 / 191، 192. وانظر أيضا المغني 4 / 285، والشرح الكبير في ذيله 4 / 52، 53.

الشَّرْطِ وَحْدَهُ احْتِمَالاً عِنْدَهُمْ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ. (1)
وَدَلِيل الْمَشْهُورِ:
أ - أَنَّهُ بَيْعَتَانِ فِي بَيْعَةٍ، وَأَنَّ النَّبِيَّ نَهَى عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ. (2) وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ.
ب - وَقَوْل ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: صَفْقَتَانِ فِي صَفْقَةٍ رِبًا.
ج - وَلأَِنَّهُ شَرَطَ عَقْدًا فِي آخَرَ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَنِكَاحِ الشِّغَارِ.
وَكَذَلِكَ كُل مَا كَانَ فِي مَعْنَى ذَلِكَ، مِثْل أَنْ يَقُول: بِعْتُكَ دَارِي بِكَذَا عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِي ابْنَتَكَ، أَوْ عَلَى أَنْ تُنْفِقَ عَلَى دَابَّتِي، أَوْ عَلَى حِصَّتِي مِنْ ذَلِكَ، قَرْضًا أَوْ مَجَّانًا. (3)

النَّوْعُ الثَّانِي:
31 - أَنْ يُشْتَرَطَ فِي الْعَقْدِ مَا يُنَافِي مُقْتَضَاهُ. مِثْل: أَنْ يَشْتَرِطَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ لاَ يَبِيعَ الْمَبِيعَ، وَلاَ يَهَبَهُ، وَلاَ يُعْتِقَهُ، أَوْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ أَنْ يَبِيعَهُ، أَوْ يَقِفَهُ، أَوْ أَنَّهُ مَتَى نَفَقَ (هَلَكَ) الْمَبِيعُ فَبِهَا، وَإِلاَّ رَدَّهُ، أَوْ إِنْ غَصَبَهُ غَاصِبٌ رَجَعَ
__________
(1) راجع الإنصاف 4 / 349، 350.
(2) حديث: " نهى عن بيعتين. . . " أخرجه أحمد (2 / 432 ط الميمنية) ، والترمذي (3 / 533 ط مصطفى الحلبي) . وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(3) كشاف القناع 3 / 193، وانظر أيضا المغني 4 / 286، والشرح الكبير في ذيله 4 / 53.

عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ، وَإِنْ أَعْتَقَهُ فَالْوَلاَءُ لَهُ، فَهَذِهِ وَمَا أَشْبَهَهَا شُرُوطٌ فَاسِدَةٌ.
وَفِي فَسَادِ الْبَيْعِ بِهَا رِوَايَتَانِ فِي الْمَذْهَبِ. وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ، وَلاَ يُبْطِلُهُ الشَّرْطُ، بَل يَبْطُل الشَّرْطُ فَقَطْ، لأَِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبْطَل الشَّرْطَ فِي حَدِيثِ بَرِيرَةَ الْمَعْرُوفِ، وَلَمْ يُبْطِل الْعَقْدَ. (1)
32 - وَقَدِ اسْتَثْنَى الْحَنَابِلَةُ مِنْ هَذَا الشَّرْطِ الْبَاطِل الْعِتْقَ، فَيَصِحُّ أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي، لِحَدِيثِ بَرِيرَةَ الْمَذْكُورِ، وَيُجْبَرُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْعِتْقِ إِنْ أَبَاهُ، لأَِنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى كَالنَّذْرِ، فَإِنِ امْتَنَعَ الْمُشْتَرِي مِنْ عِتْقِهِ أَعْتَقَهُ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ، لأَِنَّهُ عِتْقٌ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ، لِكَوْنِهِ قُرْبَةً الْتَزَمَهَا، كَالنَّذْرِ. (2)
33 - وَبِنَاءً عَلَى الْحُكْمِ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ فِيمَا تَقَدَّمَ، وَبِفَسَادِ الشَّرْطِ فَقَطْ بِنَاءً عَلَى مَذْهَبِهِمْ - فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِلَّذِي فَاتَ غَرَضُهُ بِفَسَادِ الشَّرْطِ، مِنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي، سَوَاءٌ أَعَلِمَ بِفَسَادِ الشَّرْطِ أَمْ لَمْ يَعْلَمْ - مَا يَلِي:
أ - فَسْخُ الْبَيْعِ، لأَِنَّهُ لَمْ يَسْلَمْ لَهُ مَا دَخَل عَلَيْهِ مِنَ الشَّرْطِ.
ب - لِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ بِمَا نَقَصَهُ الشَّرْطُ مِنَ الثَّمَنِ بِإِلْغَاءِ الشَّرْطِ، لأَِنَّهُ إِنَّمَا بَاعَ بِنَقْصٍ، لِمَا
__________
(1) حديث بريرة سبق تخريجه (ف 24) .
(2) كشاف القناع 3 / 194.

يَحْصُل لَهُ مِنَ الْغَرَضِ الَّذِي اشْتَرَطَهُ، فَإِذَا لَمْ يَحْصُل لَهُ غَرَضُهُ رَجَعَ بِالنَّقْصِ.
ج - وَلِلْمُشْتَرِي الرُّجُوعُ بِزِيَادَةِ الثَّمَنِ بِإِلْغَاءِ الشَّرْطِ، لأَِنَّهُ إِنَّمَا اشْتَرَى بِزِيَادَةِ الثَّمَنِ، لِمَا يَحْصُل لَهُ مِنَ الْغَرَضِ الَّذِي اشْتَرَطَهُ، فَإِذَا لَمْ يَحْصُل لَهُ غَرَضُهُ رَجَعَ بِالزِّيَادَةِ الَّتِي سَمَحَ بِهَا، كَمَا لَوْ وَجَدَهُ مَعِيبًا.
فَلِلْبَائِعِ الْخِيَارُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَبَيْنَ أَخْذِ أَرْشِ النَّقْصِ.
وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَبَيْنَ أَخْذِ مَا زَادَهُ عَلَى الثَّمَنِ. (1)
وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ ذَكَرَ الْحَنَابِلَةُ أَيْضًا احْتِمَال ثُبُوتِ الْخِيَارِ، بِدُونِ الرُّجُوعِ بِشَيْءٍ، وَذَلِكَ: قِيَاسًا عَلَى مَنْ شَرَطَ رَهْنًا أَوْ ضَمِينًا، فَامْتَنَعَ الرَّاهِنُ وَالضَّمِينُ. وَلأَِنَّهُ مَا يَنْقُصُهُ الشَّرْطُ مِنَ الثَّمَنِ مَجْهُولٌ، فَيَصِيرُ الثَّمَنُ مَجْهُولاً. وَلأَِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَحْكُمْ لأَِرْبَابِ بَرِيرَةَ بِشَيْءٍ، مَعَ فَسَادِ الشَّرْطِ، وَصِحَّةِ الْبَيْعِ. (2)

النَّوْعُ الثَّالِثُ:
34 - أَنْ يَشْتَرِطَ الْبَائِعُ أَوِ الْمُشْتَرِي شَرْطًا يُعَلِّقُ عَلَيْهِ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ، كَقَوْل الْبَائِعِ: بِعْتُكَ إِنْ جِئْتَنِي بِكَذَا، أَوْ بِعْتُكَ إِنْ رَضِيَ فُلاَنٌ، وَكَقَوْل
__________
(1) المرجع نفسه، وانظر المغني 4 / 287، والشرح الكبير في ذيله 4 / 54.
(2) الشرح الكبير في ذيل المغني 4 / 54، 55.

الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيْتُ إِنْ جَاءَ زَيْدٌ، فَلاَ يَصِحُّ الْبَيْعُ، وَذَلِكَ لأَِنَّ مُقْتَضَى الْبَيْعِ نَقْل الْمِلْكِ حَال التَّبَايُعِ، وَالشَّرْطُ هُنَا يَمْنَعُهُ. وَلأَِنَّهُ عَلَّقَ الْبَيْعَ عَلَى شَرْطٍ مُسْتَقْبَلٍ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا إِذَا قَال: بِعْتُكَ إِذَا جَاءَ آخِرُ الشَّهْرِ. وَاسْتَثْنَوْا مِنْ ذَلِكَ قَوْل الْبَائِعِ: بِعْتُكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَقَوْل الْمُشْتَرِي: قَبِلْتُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَبَيْعَ الْعُرْبُونِ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ، لأَِنَّ نَافِعَ بْنَ الْحَارِثِ اشْتَرَى لِعُمَرَ دَارَ السِّجْنِ مِنْ صَفْوَانَ، فَإِنْ رَضِيَ عُمَرُ، وَإِلاَّ لَهُ كَذَا وَكَذَا. (1) (ر: مُصْطَلَحُ عُرْبُون)

بَيْعَتَانِ فِي بَيْعَةٍ:
35 - وَرَدَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ. (2)
وَوَرَدَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. قَال: نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَفْقَتَيْنِ فِي صَفْقَةٍ. (3)
وَالْمُرَادُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: جَمْعُ بَيْعَتَيْنِ فِي عَقْدٍ
__________
(1) كشاف القناع 3 / 195، والشرح الكبير في ذيل المغني 4 / 58.
(2) سبق تخريجه.
(3) حديث: " نهى عن صفقتين. . . " أخرجه أحمد (1 / 398 ط الميمنية) ، وصححه أحمد شاكر في تعليقه على المسند (2 / 295 ط دار المعارف) .

وَاحِدٍ. وَتَسْمِيَةُ ذَلِكَ الْعَقْدِ بَيْعَتَيْنِ بِاعْتِبَارِ تَعَدُّدِ الثَّمَنِ. (1)
وَأَشَارَ الْكَمَال بْنُ الْهُمَامِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى تَوَهُّمِ مَنْ يَتَكَلَّمُ فِي الْحَدِيثِ: أَنَّ الْحَدِيثَيْنِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَل حَدِيثُ الْبَيْعَتَيْنِ أَخَصُّ مِنْ حَدِيثِ الصَّفْقَتَيْنِ؛ لأَِنَّ الأَْوَّل خُصُوصُ صَفْقَةٍ مِنَ الصَّفَقَاتِ، وَهِيَ الْبَيْعُ، (2) وَأَمَّا حَدِيثُ الصَّفْقَتَيْنِ فَهُوَ أَعَمُّ لِشُمُولِهِ الْبَيْعَ وَغَيْرَهُ، كَالإِْجَارَةِ. وَاخْتَلَفَتِ الصُّوَرُ الَّتِي أَلْقَاهَا الْفُقَهَاءُ لِتَصَوُّرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ.
عَلَى تَفْصِيلٍ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (بَيْعَتَانِ فِي بَيْعَةٍ) .

شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت