موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
تاريخ الصهيونية: مقدمة
History of Zionism: Introduchion يرى الصهاينة والمعادون لليهود أن الحركة الصهيونية بدأت مع التاريخ اليهودي نفسه وأنها لازمت اليهود عَبْر تاريخهم بعد تحطيم الهيكل، وذلك لسببين: واحد سلبي والآخر إيجابي. أما السلبي، فهو ظاهرة العداء لليهود والمذابح والاضطهاد اللذين تعرَّض لهما اليهود في كل مكان وكل زمان، وهي ظاهرة حتمية أزلية من المنظور الصهيوني. أما السبب الإيجابي، فهو الرغبة العارمة لدى اليهودي في العودة إلى فلسطين (أرض الوطن ـ أرض الأجداد والأسلاف ـ الوطن القومي ـ أرض الميعاد) حيث إنه يشعر بالاغتراب العميق في أرض المنفى (الأمر الذي أدَّى إلى إفساد الشخصية اليهودية) . وتعود هذه الرغبة إلى أن اليهود، من منظور صهيوني، يشكلون قومية رغم أنهم لا يوجدون في مكان واحد ولا يتحدثون لغة واحدة ولا يتسمون بسمات عرْقية أو نفسية واحدة ولا يخضعون لظروف اقتصادية واحدة. وقد بدأت المسألة اليهودية يوم أن ترك اليهود وطنهم قسراً. والصهيونية هي التي ستضع نهاية لهذا الوضع، وهي ستفعل ذلك عن طريقة آلية جديدة، فهي ترفض سلبية اليهودية الحاخامية وخنوع الشخصية اليهودية، وبالتالي سوف تحرِّض اليهود على العودة بأنفسهم إلى فلسطين ليحققوا تطلُّعهم القومي وستقوم بتنظيمهم لتحقيق هذا الهدف. ولكل هذا، تنظر الصهيونية إلى نفسها باعتبارها التعبير الحقيقي والوحيد عن مسار التاريخ اليهودي. لكن هذه الرؤية الصهيونية لتاريخ الصهيونية ليس ذات مقدرة تفسيرية عالية إذ أنها تفشل في أن تفسر سبب ظهور الصهيونية بين اليهود في أوربا في أواخر القرن التاسع عشر ولم تظهر قبل ذلك التاريخ في مكان آخر. ولو كان سبب ظهور الصهيونية هو عداء الأغيار لليهود ورغبتهم العارمة في العودة، لكان الأولى أن تظهر الصهيونية إبان حروب الفرنجة على سبيل المثال. وكيف نفسر ظهور الفكر الصهيوني في الأوساط الاستعمارية الغربية وهم لا يدينون باليهودية ولا يوجد عندهم أي تطلُّع للعودة ولم يتعرضوا لاضطهاد الأغيار؟ وفي تصوُّرنا أن الصهيونية تعود إلى مركب من الأسباب التاريخية والحضارية والفكرية (انظر: «السياق التاريخي والاقتصادي والحضاري للصهيونية» ـ «المصادر العلمانية للفكر الصهيوني» ) لعل أهمها طراً هو ظهور الإمبريالية كرؤية معرفية وحركة سياسية اكتسحت العالم بأسره وحولته نظرياً وفعلياً إلى مادة لا قداسة لها تُوظَّف في خدمة الشعوب الغربية. وقد واكب هذا ظهور معاداة اليهود الحديثة التي ارتبطت تماماً بتصاعُد معدلات العلمانية الشاملة والعنصرية. ومن هذه النقطة سنطرح تعريفاً للصهيونية، وسوف يتضمن هذا التعريف الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة التي تنظر إلى اليهود من الخارج، وسنضع بين قوسين الديباجات الصهيونية اليهودية التي هوَّدت الصيغة ومن ثم يسَّرت على المادة البشرية المستهدفة استبطانها. ويمكن تعريف الصهيونية بشكل مبدئي بأنها حركة داخل التشكيل السياسي والحضاري الغربي تنظر إلى اليهود من الخارج باعتبارهم فائضاً بشرياً، فهم بقايا الجماعات الوظيفية اليهودية التي فَقَدت وظيفتها ونفعها وتحوَّلت إلى شعب عضوي منبوذ وفائض بشري لا نفع له (ويتم تهويد هذا حيث ينظر اليهود إلى أنفسهم من الداخل باعتبارهم الشعب المختار أو الشعب العضوي أو الشعب الذي فقد وطنه ولذا فهو لا يمكنه تحقيق رسالته) . هذا الفائض (الشعب) يجب أن يُهجَّر (يعود) من أوطانهم (أرض المنفى) إلى خارج أوربا في أية بقعة في العالم. ثم تحدَّدت البقعة بفلسطين (صهيون أو إرتس يسرائيل أو أرض إسرائيل في المصطلح الصهيوني) . وسيتم نقلهم حتى يتم توظيفهم وتحويلهم إلى عنصر استيطاني قتالي يقوم على خدمة المصالح الغربية (واحة الديموقراطية الغربية ـ نور الأمم ـ مركز الثقافة اليهودية ـ وطن قومي يهودي ـ مكان تحقق فيه رسالة اليهود المقدَّسة) نظير أن يضمن الغرب بقاءه واستمراره داخل إطار الدولة الوظيفية. وحركة النقل السكاني هذه تتضمن حركة أخرى لا تذكرها الأدبيات الصهيونية إلا نادراً. فالعنصر السكاني الجديد لن يقوم باستبعاد السكان الأصليين أو استغلالهم عن طريق سرقة أرضهم وتحويلهم إلى عمالة رخيصة وإنما سيحل محلهم. فالمستوطن الصهيوني يريد الأرض خالية من السكان، وبالتالي لابد من التخلص منهم إما عن طريق الإبادة (على الطريقة الأمريكية) ، وهذا أمر أصبح مستحيلاً، أو عن طريق التهجير، ومن ثم فإن المشروع الصهيوني ليس مشروعاً استعمارياً غربياً وحسب، وليس مشروعاً استعمارياً استيطانياً وحسب، وإنما هو مشروع استعماري غربي، استيطاني إحلالي، له ديباجات يهودية فاقعة. ورغم هذه الديباجات، ومع أن هناك بعض ملامح خصوصية بل متفردة في الصهيونية، فإنها في تصوُّرنا ليست حركة عالمية، فهي ليست ثمرة تفاعل حركيات عالمية على مستوى التاريخ العالمي وإنما ثمرة قوى حضارية وسياسية واجتماعية داخل التشكيل الحضاري الغربي. بل نذهب إلى أن الصهيونية إشكالية كامنة داخل الحضارة الغربية ولا يمكن فهمها بمعزل عن سياق هذه الحضارة وتياراتها الفكرية والقوى السياسية والاجتماعية التي تعتمل فيها والإشكاليات الكبرى التي تواجهها. ولعل معظم الناس يسمونها «صهيونية عالمية» لأنها أطلقت على نفسها هذا الاسم، ولأنه حدث ترادف كامل في عقول معظم الناس بين ما هو غربي وما هو عالمي. ولكل هذا، فإن تاريخ الصهيونية هو بالدرجة الأولى جزء لا يتجزأ من تاريخ الحضارة الغربية، ولا يمكن فهمه خارج حركيات هذا التاريخ. وسنستخدم الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة كوحدة تحليلية تبسيطية أساسية نقدم من خلالها تاريخ الصهيونية. ولنا أن نلاحظ أن التاريخ الذي نقدمه من خلال الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة مرتبط تماماً بتاريخ تحوُّل الجماعات اليهودية في الغرب إلى جماعات وظيفية وبفقدانها هذا الدور في عصر النهضة. وهو الأمر الذي أدَّى إلى تصاعد حمى معاداة اليهود وتزايد وتيرة الدعوة الصهيونية بين غير اليهود ثم بين اليهود، فهو إطار تاريخي عام ينتظم تاريخ الغرب وتاريخ الصهيونية بين غير اليهود واليهود وتاريخ معاداة اليهود. ونحن نصر دائماً على ما نسميه «نظرية الصهيونيتين» ، أي أن هناك صهيونيتين، واحدة توطينية وأخرى استيطانية، لكلٍّ رؤيتها وتاريخها ومصالحها وجماهيرها، ولكنهما تحالفا بعد صدور وعد بلفور. ولكن، رغم هذا التحالف، فإن كل صهيونية لا تزال محتفظة بتوجُّهها ومقاصدها وجماهيرها. وفي مداخل هذا الباب سنقوم أولاً بتقديم السياق التاريخ والاقتصادي والحضاري للصهيونية، ثم نقدم تاريخاً موجزاً للفكر والحركة الصهيونية. وفي بقية مداخل الباب سنقدم تواريخ الحركة الصهيونية في مختلف بلاد العالم. السياق التاريخي والاقتصادي والحضاري للصهيونية Historical, Economic, and Cultural Contexts of Zionism ثمة مركب من الأسباب الحضارية والاقتصادية والتاريخية أدَّى إلى ظهور الصهيونية (بين غير اليهود واليهود) سنحاول أن نوجزها في هذا المدخل، وبإمكان القارئ العودة للمداخل الخاصة بكل عنصر. ويُلاحَظ أننا استبعدنا مفهوم "التسامح مع اليهود" (انظر: «التسامح مع اليهود» ) لأنه لا يصلح كمفهوم تفسيري، كما أن مضمونه السياسي والتاريخي يختلف من مرحلة لأخرى، كما أن ما يبدو تسامحاً قد يكون بغضاً، وما يبدو وكأنه بُغض قد يكون تسامحاً. ومن المعروف أن بلفور الذي أصدر الوعد الشهير كان يكن بُغضاً عميقاً لليهود، على حين أننا نجد أن سير إدوين مونتاجو الذي وقف ضده وضد المشروع الصهيوني برمته كان يهودياً يكن الاحترام لبني ملته. وإذا كانت الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة تتضمن الإيمان بضرورة نقل الشعب العضوي المنبوذ النافع ثم توظيفه لصالح الحضارة الغربية، فهل هذا يعبِّر عن البُغض أو يدل على التسامح والمحبة؟ كما يجب ملاحظة أن تاريخ الصهيونية تاريخ مركب لأقصى حد ويتضمن ساحات ثلاثاً هي: أ) أوربا: باعتبارها مصدر المادة البشرية والقوى الإمبريالية الراعية. ب) فلسطين: باعتبارها المكان الذي تُنقَل إليه المادة البشرية. جـ) العالم: باعتبار أن أعضاء الجماعات اليهودية يوجدون في العالم بأسره. ورغم تعدُّد الساحات، إلا أن سياق الحركة والفكر الصهيونيين يظل سياقاً غربياً تماماً، إذ أن حركيات الصهيونية مرتبطة تماماً بالتاريخ العام للغرب،،وخصوصاً أن الغالبية الساحقة من يهود العالم موجودة في الغرب. فتاريخ الصهيونية جزء لا يتجزأ من تاريخ الحضارة الغربية وما صاحبه من ظواهر مرضية أو صحية (مثل معاداة اليهود وتصاعُد معدلات العلمنة والثورة الصناعية) ، وليس ذا علاقة كبيرة بالتوراة والتلمود أو «حب صهيون» أو حركيات ما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» . ويمكننا أن نُورد الأسباب التالية لظهور الصهيونية: 1 ـ فشل المسيحية الغربية في التوصل إلى رؤية واضحة لوضع الأقليات على وجه العموم، ورؤيتها لليهود على وجه الخصوص؛ باعتبارهم قتلة المسيح ثم الشعب الشاهد (في الرؤية الكاثوليكية) وأداة الخلاص (في الرؤية البروتستانتية) ـ (انظر الباب المعنون «الإقطاع الغربي» (. 2 ـ انتشار الرؤية الألفية الاسترجاعية والتفسيرات الحرفية للعهد القديم التي تعبِّر عن تزايد معدلات العلمنة (انظر: «الأحلام والعقائد الألفية» ـ «العقيدة الاسترجاعية» (. 3 ـ وضع اليهود كجماعة وظيفية داخل المجتمع الغربي (كأقنان بلاط ـ يهود بلاط ـ يهود أرندا ـ صغار تجار ومرابين) وهو وضع كان مستقراً إلى حدٍّ ما إلى أن ظهرت البورجوازيات المحلية والدولة القومية العلمانية (المطلقة والمركزية) فاهتز وضعهم وكان عليهم البحث عن وظيفة جديدة (انظر الباب المعنون «الجماعات اليهودية الوظيفية» (. 4 ـ مناقشة قضية إعتاق اليهود في إطار فكرة المنفعة، ومدى نفع اليهود للمجتمعات الغربية (انظر: «نفع اليهود» (. 5 ـ ظهور الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية التي ترى العالم بأسره مادة نافعة تُوظَّف وتُحوسَل (انظر: «الرؤية المعرفية الإمبريالية والصهيونية» (. 6 ـ تَزايُد عدد أعضاء الجماعات اليهودية زيادة ملحوظة بشكل لم يسبق له مثيل في التاريخ، وخصوصاًً في شرق أوربا، ابتداءً من القرن التاسع عشر (انظر الباب المعنون «إشكالية التعداد» (. 7 ـ وجود اليهود في مناطق حدودية مُتنازَع عليها بين الدول الغربية (انظر: «الحدودية» ) . 8 ـ تعثُّر التحديث في شرق أوربا الأمر الذي دفع بالألوف إلى أوربا الغربية، وهو ما ولَّد الفزع في قلوب حكومات غرب أوربا وأعضاء الجماعات اليهودية فيها. ونحن نذهب إلى أن عام 1882 (تاريخ صدور قوانين مايو التي كرَّست تعثُّر التحديث في الإمبراطورية القيصرية الروسية) هو تاريخ ظهور الصهيونية بين اليهود (انظر: «المسألة اليهودية» (. 9 ـ عزلة يهود اليديشية ثقافياً وبخاصة في منطقة الاستيطان وفشل قطاعات كبيرة منهم في التكيف مع الأوضاع الجديدة. 10 ـ أزمة اليهودية الحاخامية وظهور حركات الإصلاح والدمج (انظر: «أزمة اليهودية» (. 11 ـ سقوط القيادات التقليدية للجماعات اليهودية (الحاخامات وأثرياء اليهود) وظهور المثقف اليهودي الذي فقد هويته اليهودية ولم يكتسب هوية غربية جديدة، فهو يهودي غير يهودي يصر عالم الأغيار على تصنيفه يهودياً، ومثل هؤلاء المثقفين هم الذين أخذوا بالتدريج يحلون محل القيادات التقليدية (انظر: «قيادات الجماعات اليهودية» (. 12 ـ ظهور الفكر العنصري وهيمنته على قطاعات كبيرة في المجتمعات الغربية (انظر الباب المعنون «العنصرية الصهيونية» (. 13 ـ ولكن أهم العناصر على الإطلاق هو ظهور الإمبريالية الغربية كقوة عسكرية وسياسية عالمية (بمعنى أن ساحتها العالم بأسره) تُجيِّش الجيوش وتنقل السكان وتقسم العالم. وقد وجدت الإمبريالية الغربية في أعضاء الجماعات اليهودية ضالتها باعتبارهم مادة استيطانية تسبب مشاكل أمنية إن بقيت داخل العالم الغربي، ولكنها تستطيع أن تزيد نفوذه إن نُقلت خارجه وتحولت إلى مادة قتالية تحوسل لحساب الغرب داخل نطاق الدولة الوظيفية. ووجدت القيادات الصهيونية بدورها أن ثمة إمكانية لوضع المشروع الصهيوني موضع التنفيذ من خلال تَقبُّل الوظيفة القتالية المطروحة. ويجب ملاحظة أن الصهيونية التوطينية ظهرت في غرب أوربا حيث كان عدد اليهود صغيراً وحيث حقق أعضاء الجماعات اليهودية قدراً عالياً من الاندماج والعلمنة في مجتمعات كانت تحل مشاكلها الاجتماعية عن طريق الاستعمار وغير ذلك من الآليات. أما الصهيونية الاستيطانية فقد ظهرت أساساً في شرق أوربا حيث توجد كثافة سكانية يهودية ضخمة، وحيث تفاقمت القضايا الاجتماعية دون حل حتى عام 1917. ثم ظهرت الصهيونية النفعية (صهيونية المرتزقة) بعد ذلك بين يهود الدول العربية منذ عام 1948، وبين يهود الاتحاد السوفيتي بعد عام 1917، وتصاعدت وتيرتها بعد عام 1970. والسياق التاريخي للصهيونية النفعية يتفاوت من بلد لآخر، ومن جماعة يهودية إلى أخرى. الفكر الصهيوني والحركة الصهيونية: تاريخ موجز Zionist Thought and Movement: Brief History تاريخ الصهيونية مركب لأقصى حد بسبب تداخل مستوياته وساحاته. وسنحاول تقديم هذا التاريخ الموجز من خلال ثلاث عناصر: الساحة ـ الخلفية ـ المادة البشرية المستهدفة، وسنقسم تاريخ الصهيونية إلى أربعة مراحل أساسية: أولاً: المرحلة التكوينية. ثانياً: مرحلة الولادة في مطلع القرن العشرين. ثالثاً: الاستيطان فى فلسطين. رابعاً: أزمة الصهيونية. وسنقسِّم كل مرحلة إلى فترات مختلفة. أولا: المرحلة التكوينية. 1 ـ الصهيونية ذات الديباجة المسيحية) حتى نهاية القرن السابع عشر (: شهدت هذه المرحلة من ناحية الخلفية العامة البدايات الحقيقية للانقلاب التجاري في الغرب. إذ هيمن الجيب التجاري (الذي كان منعزلاً في المدن في أوربا الإقطاعية) على الاقتصاد الزراعي الإقطاعي عام 1500 تقريباً، وأعاد صياغة الإنتاج وتوجيهه بحيث خرج به عن نطاق الاكتفاء الذاتي وسد الحاجة. وبدأ التجار يلعبون دوراً مهماً في توجيه سياسات الحكومات، وهذا ما يُعبَّر عنه باصطلاح «الانقلاب التجاري» . وقد شجع هذا الانقلاب حركة الاكتشافات الجغرافية، وهي حركة استعمارية ضخمة كانت تأخذ شكل استيطان في مراكز تجارية على الساحل. وفي أواخر القرن السادس عشر وبداية القرن السابع عشر، أصبحت إنجلترا، بعد أن تحوَّلت عن الكاثوليكية ونفضت النفوذ الإسباني عنها، أهم قوة استعمارية، فراكمت الثروات وسيطرت على رقعة كبيرة من الأرض. وواكب كل هذا حركة الإصلاح الديني التي أعادت تعريف علاقة الإنسان بالخالق وبالكتاب المقدَّس بحيث أصبح في إمكان الفرد أن يحقق الخلاص بنفسه لنفسه خارج الإطار الكنسي الجمعي، ودون حاجة إلى رجال الدين، وأصبح من واجبه أن يفسر الكتاب المقدَّس لنفسه. وإذا ما تركنا الخلفية جانباً وانتقلنا إلى الساحة، فلسطين، وجدنا أن الإمبراطورية العثمانية في هذه المرحلة كانت لا تزال تقف شامخة تحمي كل رعاياها، مسلمين ومسيحيين ويهوداً، وتُشكِّل كتلة بشرية ضخمة متماسكة، ولم يكن الاستعمار الغربي يجرؤ على مواجهتها، وكان يفضل الالتفاف من حولها. ومع هذا يجب أن نسجل أن هذه الفترة شهدت بداية جمود الدولة العثمانية وظهور علامات ضعفها (في الوقت الذي كانت فيه الدول القومية الأوربية تزداد قوة بتأثير الانقلاب التجاري) . ظهرت الصيغة الصهيونية الأساسية في أواخر القرن السادس عشر على شكل الأحلام الاسترجاعية في الأوساط البروتستانتية الاستعمارية، وخصوصاً في إنجلترا، وقد وُلدت كفكرة وحسب، كإمكانية تبغي التحقق لا في أوربا وإنما خارجها، وليس من خلال الإنسان الأوربي ككل، وإنما من خلال الجماعات الوظيفية اليهودية. وكانت الصيغة الصهيونية الأساسية متدثرة بديباجات مسيحية بروتستانتية. وقد كانت هذه الصهيونية ترى اليهود باعتبارهم مادة بشرية يمكن حوسلتها. ولذا، فلم يُتصوَّر أن يكون لهم دولة وظيفية مستقلة (فمركز الحلول هو المسيحيون البروتستانت) والمكان الذي سيُنقَلون إليه كان يختلف من مفكر لآخر. والهدف من نقلهم هو الإعداد للخلاص المسيحي. ويُلاحَظ أن هذا الضرب من الصهيونية ا (شأنه شأن أية صهيونية توطينية) ينظر إلى اليهود من الخارج كعنصر يُستخدَم ومادة تُوظَّف. وإن كان يجدر ملاحظة أن الصهيونية هي بالدرجة الأولى حركة غير يهودية، لم يشترك فيها أعضاء الجماعة اليهودية من قريب أو بعيد. كما يُلاحَظ أن الخطاب الصهيوني كان هامشياً جداً، مقصوراً على الأصوليين البروتستانت. 2 ـ صهيونية غير اليهود (العلمانية) (حتى منتصف القرن التاسع عشر) : شهدت هذه المرحلة تراكم رؤوس الأموال وهيمنة الملكيات المطلقة (بتوجهها المركنتالي) على معظم أوربا، غربها ووسطها، وإلى حدٍّ ما شرقها. ورغم أن القوى السياسية التقليدية كانت لا تزال مسيطرة على دفة الحكم فإن الطبقات البورجوازية ازدادت قوة وثقة بنفسها وبدأت تطالب بنصيب من الحكم، بل بدأت تؤثر فيه. وقد عبَّر هذا عن نفسه من خلال الفلسفات الثورية المختلفة والنظريات الكثيرة عن الدولة والفكر العقلاني، وأخيراً من خلال الثورة الفرنسية التي تُعدُّ ثمرة كل الإرهاصات السابقة وتشكِّل نقطة تحوُّل في تاريخ أوربا بأسرها. وقد أدَّى تراكم رؤوس الأموال والفتوحات العسكرية والاكتشافات الجغرافية وتقدُّم العلم والتكنولوجيا إلى حدوث النقلة النوعية التي يُطلَق عليها «الثورة الصناعية» ، ويرى بعض المؤرخين أن بدايتها تعود إلى هذه الفترة. وكانت إنجلترا في المقدمة في هذا التحول، فقد كانت أول دولة في العالم تتحول من دولة تجارية إلى دولة رأسمالية صناعية، ثم تحوَّلت إلى قوة عظمى بعد انتصارها على فرنسا في حرب السنوات السبع، وبعد توقيع معاهدة أوترخت عام 1713. وفي نهاية القرن الثامن عشر كانت إنجلترا أكبر قوة استعمارية في العالم. ومع تصاعُد المشروع الاستعماري انزوى دعاة الديباجات الدينية وتدثرت الصياغة الصهيونية الأساسية بالديباجات العلمانية الرومانسية والعضوية والنفعية والعقلانية. وقد دعا نابليون (أول غاز في الشرق الإسلامي وعدو اليهود) إلى إقامة دولة يهودية في فلسطين مستخدماً خليطاً من الديباجات الرومانسية والدينية والنفعية. وكان الوهن الذي دب في أوصال الدولة العثمانية (رجل أوربا المريض) قد بدأ يظهر ويتضح، وكانت كل القوى الغربية تفكر في طريقة للاستفادة من هذا الضعف لتحقق لنفسها بعض المكاسب. وقد أخذ هذا شكل الهجوم المباشر من روسيا التي ضمت بعض الإمارات التركية على البحر الأسود، ثم هجوم نابليون على مصر، بينما قررت إنجلترا، ومن بعدها ألمانيا (في مراحل مختلفة) الحفاظ على هذه الإمبراطورية مع تحقيق المكاسب من خلال التدخل في شئونها و"إصلاحها" حتى تقف حاجزاً ضد أي زحف روسي محتمل. ولعل أهم حقيقة سياسية في هذه المرحلة هي ظهور محمد علي المفاجئ وقيامه بتكوين إمبراطوريته الصغيرة. فقد قلب موازين القوى وهدد المشروع الاستعماري الغربي الذي كان يفترض أن العالم كله إن هو إلا ساحة لنشاطه وسوق لسلعه، ووضع حداً لآمال الدول الغربية التي كانت تترقب اللحظة المواتية لاقتسام تركة الرجل المريض المحتضر. ولذا تحالفت الدول الغربية كلها، ومنها فرنسا، وعقدت مؤتمر لندن عام 1840 وقررت فيه الإجهاز عليه، فاضطرته إلى التوقيع على معاهدة لندن لتهدئة المشرق. وعند هذه النقطة تبلورت الفكرة الصهيونية بين غير اليهود، وتحوَّلت من مجرد فكرة إلى مشروع استعماري محدد، إذ بدأت تُطرَح فكرة تقسيم الدولة العثمانية ومن ثم اكتسبت الصيغة الصهيونية الأساسية مضموناً تاريخياً وبُعْداً سياسياً، وأصبح بالإمكان دمج المسألة اليهودية (مسألة الشعب العضوي المنبوذ) مع المسألة الشرقية (تقسيم الدولة العثمانية) وطُرحت إمكانية توظيف الشعب المنبوذ وبدأ التفكير في حل المسألة اليهودية عن طريق نَقْل اليهود إلى فلسطين وإيجاد قاعدة للاستعمار الغربي (أي أن تتم حوسلة اليهود باسم الحضارة الغربية ومصالحها التي هي مركز الحلول) . ويمكن القول بأن الفكرة الصهيونية قد بدأت تتحول إلى فكرة مركزية في الوجدان السياسي الغربي. وهذه المرحلة هي مرحلة صهيونية غير اليهود (العلمانية) ، وهي صهيونية توطينية. وظهر أهم مفكر صهيوني (إيرل أوف شافتسبري السابع) ، كما ظهر لورانس أوليفانت. ولكن، حتى هذه المرحلة، لم تكن فكرة الدولة اليهودية قد ظهرت، إذ كان التصور لا يزال أن يكون التجمُّع اليهودي محمية تابعة لدولة غربية. وحتى فلسطين نفسها كمكان للتجمُّع كان لا يزال أمراً غير مقرر. وكانت النظرة لليهود لا تزال خارجية، فقد كان يُنظَر إليهم كمادة استعمالية لا قيمة لها في حد ذاتها تكتسب قيمتها من نفعها. وكانت ديباجات الصهيونية في هذه المرحلة عقلانية مادية ورومانسية (لاعقلانية مادية (. 3 ـ صهيونية أثرياء اليهود المندمجين في مجتمعاتهم الغربية (النصف الثاني من القرن التاسع عشر (: في النصف الثاني من القرن التاسع عشر لم تَعُد الحروب ضد دول آسيا وأفريقيا، بعد التطورات الصناعية المذهلة في أوربا، أمراً يبهظ خزائن الدول الاستعمارية، بل إن العائد أصبح يفوق التكاليف (وكانت إحدى مقولات أعداء المشروع الاستعماري أن تكاليف الإمبراطورية تفوق عائدها) . ومما تجدر ملاحظته كذلك أن الضغوط السكانية والأزمة الاقتصادية داخل المجتمعات الغربية جعلتها تبحث عن حل لمشاكلها خارج أوربا. ولكل هذا طرحت الإمبريالية نفسها باعتبارها المخرج من المأزق التاريخي. ولكن المشروع الإمبريالي لم يكن يتم في ظل نظريات التجارة الحرة، إذ سيطر فكر احتكاري جديد يُسمَّى «نيو ـ مركنتالي neo-mercantile» (أي «المركنتالي الجديد» ) بحيث تم تقسيم العالم إلى مناطق نفوذ واحتكارات، كل منطقة منها مقصورة على الدولة التي استعمرتها (ومن هنا المؤتمرات الدولية المختلفة في هذه الفترة لتقسيم العالم إلى مناطق نفوذ) . ومع منتصف القرن التاسع عشر كانت إنجلترا ورشة العالم بلا منازع. فإنتاجها الصناعي كان قد وصل إلى مستوى لم تعرفه البشرية من قبل، وإمبراطوريتها كانت مترامية الأطراف تحميها قوة عسكرية ضخمة وأسطول يُسيطر على كل بحار العالم. وقد اتخذت السياسة البريطانية شكلاً إمبريالياً أكثر حدة، ولا سيما بعد تحطيم مطامع روسيا في حرب القرم، وبعد أن تحوَّل مشروعها الاستعماري إلى أواسط آسيا وغيرها من المناطق البعيدة عن أفريقيا والشرق الأوسط اللذين تزايد الاهتمام الإمبريالي البريطاني بهما. فاشترت بريطانيا أسهم شركة قناة السويس عام 1876، واستولت على قبرص عام 1878، واحتلت مصر (الطريق إلى الهند) عام 1882. ونتيجة كل هذا أصبح مصير فلسطين جزءاً من المخطط الاستعماري البريطاني، الأمر الذي حدا بكتشنر أن يطالب بتأمين ضم فلسطين للإمبراطورية. ومع هذا كانت بريطانيا لا تزال ملتزمة بضمان ممتلكات الدولة العثمانية "من النيل إلى الفرات" التي "وعد الرب بها إبراهيم" ومن ثم أصبحت منطقة نفوذ بريطانية. ولكن في عام 1885 قرَّرت حكومة المحافظين أن من الخير الموافقة على اقتراح القيصر بتقسيم الإمبراطورية (العثمانية) . ومع هزيمة فرنسا على يد ألمانيا عام 1871 نشط المشروع الإمبريالي الألماني، وبالتالي العلاقة مع الدولة العثمانية، فزاد حجم القروض الألمانية لها، وزار القيصر وليام الثاني القسطنطينية عام 1898 وزار بعدها فلسطين، ولذا ظل المشروع الصهيوني متأرجحاً بين أعظم قوتين إمبرياليتين في ذلك الحين، البريطانية والألمانية. كانت الصيغة الصهيونية حتى هذه المرحلة مجرد فكرة غربية تبحث عن المادة البشرية اليهودية المُستهدَفة التي ستُوظَّف. ومع تعثُّر التحديث في شرق أوربا في أواخر القرن التاسع عشر، تدفَّق المهاجرون اليهود من شرق أوربا إلى غربها، الأمر الذي هدَّد أمن هذه الدول كما هدَّد مكانة أعضاء الجماعات اليهودية فيها، وقد أدَّى هذا إلى تشابك مصير يهود غرب أوربا ومصير يهود اليديشية. وحلاًّ لهذه المشكلة، اكتشف يهود الغرب الحل الصهيوني دون أية ديباجات قومية أو سياسية (ومن هنا رفض فكرة الدولة اليهودية والابتعاد عن فلسطين كمكان للتوطين وعدم الاهتمام بالدولة الراعية إذ لا حاجة لها) وظهرت الصهيونية التوطينية بين أعضاء الجماعات اليهودية في غرب أوربا، وخصوصاً بين الأثرياء منهم المندمجين في مجتمعاتهم. وعلى هذا، فهو يعتبر أول اتجاه صهيوني يظهر بين اليهود، ومع هذا فهو يشبه صهيونية غير اليهود في أنه ينظر لليهود من الخارج. ويمكننا أن نقول إن تاريخ صهيونية غير اليهود يبدأ مع ظهور حركة الاستعمار الاستيطاني وتتبلور ديباجاته وتكتسب بُعْداً أساسياً مع ظهور محمد عليّ وسقوطه (ويُلاحَظ أن أعضاء الجماعات اليهودية لا علاقة لهم بتطور الفكرة الصهيونية) . ولا يبدأ تاريخ الصهيونية عند اليهود إلا مع تعثُّر التحديث وتعاظم الإمبريالية، كرؤية وكممارسة. ومن أهم الصهاينة التوطينيين في هذه المرحلة إدموند دي روتشيلد وهيرش ومونتفيوري. 4 ـ إرهاصات التيارات الصهيونية المختلفة بين اليهود (العقود الأخيرة في القرن التاسع عشر) : لا تختلف الخلفية التاريخية لهذه المرحلة كثيراً عن سابقتها، فالإمبريالية الغربية كانت قد قسَّمت العالم بينها. وكانت ألمانيا تحاول أن تُعيد التقسيم لتوسيع الرقعة التي تهيمن عليها. ومن هنا استمرار تذبذب الصهاينة بين بريطانيا وألمانيا. ورغم أن سياسة بريطانيا الرسمية كانت الحفاظ على الإمبراطورية العثمانية وأملاكها إلا أن القرار بتقسيمها كان قد تم اتخاذه بالفعل. وكان التعبير عن كل هذه الصراعات هو الحرب العالمية الأولى التي انتهت بضم فلسطين (الساحة) إلى الإمبراطورية البريطانية واختفاء الدولة العثمانية كقوة سياسية. أ) الصهيونية التسللية: اكتشف يهود شرق أوربا الصهيونية كحركة استيطانية، ولكنهم لم يدركوا حتمية الحل الإمبريالي. ونظراً لقصور رؤيتهم، حاولوا الاستيطان دون دعم إمبريالي، وحاولوا تجنيد أثرياء يهود الغرب المندمجين ليرعوا مشروعهم ويدعموه، وهذا ما سميناه «الصهيونية التسللية» (التي يقال لها «عملية» ) وهي أول صهيونية استيطانية وتتسم بأنها نابعة من المادة البشرية المُستهدَفة. ويظل مفهوم الدولة شاحباً بين دعاة الصهيونية التسللية، كما أن فلسطين ليست بالضرورة ساحة الاستيطان. ومن أهم دعاة الصهيونية التسللية ليلينبلوم وبنسكر، ثم ظهرت جماعات البيلو وأحباء صهيون. ويمكن النظر إليها باعتبارها إرهاصات لهرتزل وللصيغة الصهيونية الأساسية بعد تهويدها. ب) إرهاصات الصهيونية الإثنية الدينية والعلمانية: وظهرت كتابات كاليشر والقلعي التي تُعتبر إرهاصات الصهيونية الإثنية الدينية، ونشر آحاد هعام كتاباته الصهيونية التي ترى أهمية تأسيس دولة يهودية في فلسطين، ولكن وظيفتها لم تكن الإسراع بعملية دمج اليهود بل الحفاظ على هويتهم. جـ) إرهاصات الصهيونية العمالية: وقد ظهرت كذلك كتابات هس في منتصف القرن التاسع عشر التي ساعدت مفكري الصهيونية العمالية على صياغة أفكارهم. 5 ـ مرحلة هرتزل (العقود الأخيرة في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين (: ظهر هرتزل بين صفوف يهود الغرب المندمجين التوطينيين فاكتشف حاجة الغرب ويهود الغرب للتخلص وبسرعة من يهود شرق أوربا. ولكنه اكتشف الحقيقة البدهية الغائبة عن الجميع: حتمية التحرك داخل إطار الإمبريالية الغربية التي يمكنها وحدها أن تنقل اليهود خارج أوربا وأن توظفهم لصالحها نظير أن تزودهم بالدعم والحماية. وقد اكتشف هرتزل أيضاً فكرة القومية العضوية والشعب العضوي (فولك) التي تستطيع أوربا العلمانية الإمبريالية أن تدرك اليهود من خلالها. وقد نجح هرتزل في التوصُّل إلى خطاب مراوغ وهو ما جعل وضع نصوص العقد الصامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية بشأن يهود العالم ممكناً. وهو عقد يُرضي يهود الشرق ولا يُفزع يهود الغرب، ويجعل بإمكان الإمبريالية أن تضع المشروع الصهيوني موضع التنفيذ. كما أنه فتح الباب أمام عملية تهويد الصيغة الصهيونية الأساسية من خلال الديباجات اليهودية المختلفة. ويتميز هرتزل عن كل من شافتسبري وأوليفانت في أنه هو نفسه يهودي ينظر إلى المادة البشرية المُستهدَفة من الداخل. ولكنه مع هذا يهودي غير يهودي، ولذا فهو ينظر إلى هذه المادة من الخارج ويراها باعتبارها مشكلة تبغي حلاًّ لا قيمة إنسانية تبغي التحقق. وبسبب ازدواجيته هذه، نجح هرتزل في أن يكون جسراً بين التوطينيين والاستيطانيين وبين اليهود والغرب، ولذا يمكن القول بأن الصهيونية تحوَّلت من فكرة إلى مشروع استيطاني استعماري على يد هرتزل في مؤتمر بال الذي وُلدت فيه الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة. وقد فزع أثرياء الغرب اليهود من دعوة هرتزل في بادئ الأمر، كما رفضها معظم الجماعات والمنظمات اليهودية في العالم. 6 ـ تبلور الفكرة الصهيونية بين اليهود: أ) حتمية الحل الإمبريالي: أدرك قادة يهود شرق أوربا حتمية الحل الإمبريالي من خلال هرتزل. ب) استقرار الصيغة الصهيونية الشاملة: تم قبول الدولة اليهودية الوظيفية باعتبارها الهدف الأساسي للحركة الصهيونية والإطار الذي يتم توظيف اليهود من خلاله. وأدَّى تقسيم الدولة العثمانية إلى حسم الأمور تماماً لصالح دعاة الاستيطان في فلسطين. جـ) تهويد الصيغة الصهيونية: أحس قادة يهود شرق أوربا أن الصيغة الصهيونية الأساسية، وصيغة هرتزل الاستعمارية، لا يمكن أن تُجنِّد يهود اليديشية، ولذا فقد أثاروا قضية المعنى والوعي اليهودي وأضافوا ديباجات إثنية دينية وعلمانية أدَّت إلى تهويد الصيغة الصهيونية وجعلت الشعب اليهودي مرة أخرى مركزاً للحلول وجماعةً لها قيمة في حد ذاتها، الأمر الذي جعل بإمكان يهود شرق أوربا استبطان الصيغة الصهيونية الأساسية. ويُلاحَظ أن الصهيونية الإثنية الدينية والعلمانية لا هي بالتوطينية ولا هي بالاستيطانية لأنها تتوجه لمستوى الهوية والوعي الذي يتجاوز ثنائية الاستيطان والتوطين وإن كان لها ثنائيتها الخاصة (ديني/علماني) ، وهي صهيونية تنظر إلى اليهود من الداخل. د) الديباجات والتيارات السياسية: أدخل بعض الصهاينة العلمانيين ديباجات ليبرالية (الصهيونية العامة) أو اشتراكية (صهيونية عمالية) أو فاشية (الصهيونية التصحيحية) لتحديد شكل الدولة المزمع إقامتها، أي أنهم حددوا شكل الاستيطان، وبذا تكون الفكرة الصهيونية قد اكتملت وتحدَّدت ملامحها وصيغت كل الديباجات اللازمة لتسويقها أمام قطاعات وطبقات الجماعات اليهودية في شرق أوربا وغربها. وحتى ذلك التاريخ، كانت هناك صراعات كثيرة داخل الحركة الصهيونية: أ) صراع بين التسلليين والدبلوماسيين. ب) بين الدينيين والعلمانيين. جـ) بين دعاة الاعتماد على ألمانيا في مواجهة دعاة الاعتماد على إنجلترا. د) صراعات أيديولوجية بين دعاة الليبرالية ودعاة الاشتراكية. هـ) صراع بين دعاة الصهيونية الإقليمية ودعاة الصهيونية التوطينية، أي بين دعاة الاستيطان في أي مكان ودعاة ما يُسمَّى «صهيونية صهيون» أي الاستيطان في فلسطين وحدها. 7 ـ تأسيس المنظمة الصهيونية: لم تكن بلورة الفكرة الصهيونية كافية، بل كان ضرورياً أن يوجد إطار تنظيمي. وقد وضع هرتزل التصور الأساسي في كتابه دولة اليهود، ثم دعا للمؤتمر الصهيوني الأول (1897) وتم تأسيس المنظمة الصهيونية. ثانياً: مرحلة الولادة فى مطلع القرن العشرين. تختلف خريطة العالم السياسية التي ظهرت بعد الحرب العالمية الأولى عن التي سادت قبلها اختلافاً بيِّناً. فقد انتصر الاستعمار البريطاني على الاستعمار الألماني والتهم النصيب الأكبر من الإمبراطورية العثمانية، ثم ظهرت إرهاصات القومية العربية (ولكن حركة القومية العربية وحركة المقاومة العربية الفلسطينية، وبخاصة في العقود الأولى من هذه الفترة كانت ضعيفة غير قادرة على تعبئة الجماهير وتنظيمها ضد الاستعمارين الإنجليزي والصهيوني بتنظيمهما الحديث وعلاقاتهما العالمية وتعاونهما الوثيق داخل فلسطين وخارجها) . وقد تصاعدت المقاومة في الثلاثينيات، ولكن المؤسستين الاستعماريتين نجحتا في قمعها وانتهى الأمر بطرد غالبية الفلسطينيين من ديارهم وأُعلنت الدولة عام 1948 بموافقة الدول الغربية العظمى كلها وموافقة الاتحاد السوفيتي (ولم تظهر المقاومة الفلسطينية مرة أخرى بشكل منظم إلا عام 1965 بقيادة فتح وبمشاركة الفصائل الفلسطينية الأخرى رغم أنها لم تتوقف إذ أخذت أشكالاً تلقائية غير منظمة طيلة الفترة السابقة) . وفي بداية هذه المرحلة ظهرت الولايات المتحدة كقوة كبرى لها ثقل يُعتدُّ به على الصعيد العالمي. أما الاتحاد السوفيتي فقد دخل مرحلة البناء والتحديث الاشتراكي التي فرضت عليه نوعاً من العزلة. ومع ثلاثينيات القرن بدأ مركز الإمبريالية في الانتقال من لندن إلى واشنطن، وهي عملية يمكن القول بأنها اكتملت بعد الحرب العالمية الثانية التي خرجت منها الولايات المتحدة قائداً للمعسكر الإمبريالي بلا منازع. كما يُلاحَظ تَركُّز معظم يهود العالم في الولايات المتحدة وقد كان لهذين العنصرين أعمق الأثر في تعميق توجُّه الحركة الصهيونية ثم الدولة الصهيونية نحو أمريكا. مع وعد بلفور، حُسمت كل الأمور. فبعد ظهور الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة وقبول القيادات الصهيونية لها، يظهر بلفور (ممثل الإمبراطورية البريطانية والحضارة الغربية ككل) ويوقع عقد بلفور باعتباره ممثلاً للحضارة الغربية (ويوقعه عن الطرف الآخر الصهاينة التوطينيون من يهود الغرب المندمجين والصهاينة الاستيطانيين اليهود ممثلي المادة البشرية اليهودية من شرق أوربا) فتصبح الحركة الصهيونية مشروعاً استعمارياً استيطانياً إحلالياً متكاملاً. ويجب ألا نخلق انطباعاً خاطئاً بأن هناك تعاقباً زمنياً صارماً، فالصهيونية ذات الديباجة المسيحية لا تزال مزدهرة رغم أن الحضارة الغربية قد تطوَّرت بطريقة همشت المسيحية ككل، كما أن صهيونية غير اليهود) العلمانية) لا تزال قائمة والصهيونية التوطينية لا تزال هي الصهيونية المنتشرة بين معظم يهود العالم (ويُطلَق عليها صهيونية الدياسبورا (. وبعد إعلان وعد بلفور، وبعد اكتساب المنظمات الصهيونية الشرعية الاستعمارية التي كانت تسعى اليها، تغيَّرت الصورة تماماً، فلم تَعُد القضية قضية بعض قيادات الفائض اليهودي من شرق أوربا، ولم تَعُد المسألة متصلة بإغاثة بضعة آلاف من اليهود، وإنما أصبحت المنظمة تابعة لأكبر قوة استعمارية على وجه الأرض آنذاك، وأصبحت ذات وظيفة محددة هي نَقْل المادة البشرية اليهودية إلى فلسطين لتأسيس قاعدة لهذه القوة. ولذا فلم يَعُد هناك مجال للاختلافات الصغيرة بين دعاة الاستيطان العمليين مقابل دعاة بذل الجهود الدبلوماسية مع الدولة الراعية. كما لم يَعُد هناك أي مبرر لوجود دعاة الصهيونية الإقليمية (أي توطين اليهود خارج فلسطين) ، وتساقطت بالتالي كثير من التقسيمات الفرعية أو أصبحت غير ذات موضوع، وتم تقسيم العمل على أساس جديد يقبله الجميع، وظهر ما يمكن تسميته «الصهيونية التوفيقية» . كما أن الرفض اليهودي للصهيونية فقد دعامته الأساسية: الخوف من ازدواج الولاء إذ أصبح تأييد الصهيونية أمراً لا يتناقض مع ولاء الإنسان الغربي لوطنه وحضارته. ثالثاً: الاستيطان في فلسطين. تاريخ الحركة الصهيونية بعد ذلك هو تاريخ الاستيطان الصهيوني في فلسطين تحت رعاية حكومة الانتداب ومقاومة العرب لهذا الاستيطان. وقد ظهرت بعض التوترات بين القوة الاستعمارية الراعية والمستوطنين (وهو توتر يسم علاقة أية دولة راعية بالمستوطنين التابعين لها، وهو لا يعود إلى تناقض المصالح وإنما إلى اختلاف نطاقها، فمصالح الدولة الراعية أكثر اتساعاً وعالمية من مصالح المستوطنين) . ولذا، فقد أصدرت الحكومة البريطانية الراعية مجموعة من الكتب البيضاء لتوضِّح موقفها من المستوطنين الصهاينة ومن العرب. وقد انتقل دور الدولة الراعية من إنجلترا إلى الولايات المتحدة. ولكن كل هذه العناصر لا تغيِّر بنية الفكر الصهيوني ولا اتجاه الحركة ولا تؤثر في المنظمة الصهيونية. أما بالنسبة للمنظمة الصهيونية، فبعد صدور وعد بلفور كان ضرورياً أن يكون لها ذراعها الاستيطاني الذي يتعامل مع حقائق الموقف في فلسطين. وقد أسَّست المنظمة الصهيونية ساعدها التنفيذي المعروف باسم الوكالة اليهودية عام 1922، إذ نص صك الانتداب البريطاني على فلسطين على الاعتراف بوكالة يهودية مناسبة لإسداء المشورة إلى سلطات الانتداب في جميع الأمور المتعلقة بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين. وفي عام 1929، نجح وايزمان ـ رئيس المنظمة الصهيونية آنذاك ـ في إقناع أعضاء المؤتمر الصهيوني السادس عشر بضرورة توسيع الوكالة اليهودية بحيث يتشكل مجلسها من عدد من أعضاء المنظمة وعدد مثله من غير أعضائها. وكان الغرض من ذلك استمالة أثرياء اليهود التوطينيين لتمويل المشروع الصهيوني دون إلزامهم بالانخراط في صفوف المنظمة، والإيحاء في الوقت نفسه بأن الوكالة تمثل جميع يهود العالم ولا تقتصر على أعضاء المنظمة. وكان من شأن هذه الخطوة أن تعطي دفعة قوية للحركة الصهيونية وتدعم الموقف التفاوضي للمنظمة الصهيونية مع الحكومة البريطانية التي كان يقلقها تصاعد الأصوات الرافضة للصهيونية في أوساط يهود بريطانيا (وقد ظلت المنظمتان تُعرَفان بالاسم نفسه على النحو التالي: المنظمة الصهيونية/الوكالة اليهودية حتى عام 1971 حين جرت عملية مزعومة وشكلية لإعادة التنظيم بحيث أصبحت المنظمتان منفصلتين قانونياً ولكل منهما قيادة مختلفة) . ولم يهدأ الصراع تماماً بين التوطينيين والاستيطانيين. فحتى عام 1948، كان الصراع يدور حول من يتحكم في المنظمة وحول تحديد أهداف المشروع الصهيوني. أما بعد عام 1948، فإن مجال الصراع أصبح تعريف اليهودي (الديني والعلماني) إذ حُسمت قضية التحكم في المنظمة لصالح المستوطنين تماماً، ولم يعد الصهاينة التوطينيون يهتمون به. رغم عدم اشتراك يهود البلاد العربية في إفراز الفكر الصهيوني أو الحركة الصهيونية، ورغم أن الصهيونية (بشقيها الشرقي والغربي) لم تتوجه إليهم بشكل خاص ولم تحاول تجنيدهم بشكل عام وواسع قبل عام 1948، إلا أن إنشاء الدولة قد خلق حركيات تتخطى إرادتهم. كما أن حاجة الدولة الصهيونية إلى طاقة بشرية (بعد عزل يهود الشرق أو اختفائهم وبعد رفض يهود الغرب الهجرة) جعلها تهتم بهم وتجندهم وتفرض عليهم في نهاية الأمر «مصيراً صهيونياً» ، أي الخروج من أوطانهم. وقد استقرت أعداد كبيرة منهم في الدولة الصهيونية، وإن كان من الملحوظ أن أعداداً أكبر استقرت خارجها. وقد ظهرت صراعات بين دعاة الديموقراطية ودعاة الشمولية، وبين دعاة المشروع الرأسمالي الحر والنهج الاشتراكي، ولكنها صراعات لا علاقة لها بالفكر الصهيوني ولا الحركة الصهيونية فهي صراعات داخلية بين المستوطنين، وإذا شارك فيها الصهاينة التوطينيون فإن مساهمتهم تظل ثانوية. وتعود هامشية هذه الصراعات إلى أن الولايات المتحدة تمول التجمُّع الصهيوني بأسره، بمن فيه من رأسماليين وإرهابيين وعقلاء ومجانين واشتراكيين وقتلة. فالحقيقة الأساسية هي وظيفية الدولة الصهيونية، ولذا فإن الصراعات ذات المضمون الأيديولوجي العميق أو السياسي المسطح ليست ذات أهمية كبيرة. أما الصراع بين الإشكناز والشرقيين فهو صراع عميق ومهم ولكنه لا يؤثر في الفكر الصهيوني أو الحركة الصهيونية، فهو قضية إسرائيلية داخلية تماماً. وخاضت الدولة الصهيونية حروبها المتعددة ضد العرب، من حرب 1948 إلى حرب 1956 إلى حرب 1967 إلى حرب 1973 إلى اجتياح لبنان عام 1982 وما تبعه من توسُّع ومزيد من القمع. وتزايد الرفض الفلسطينى للدولة الاستيطانية الصهيونية والمقاومة لها. رابعاً: أزمة الصهيونية. تواجه الصهيونية، كفكرة وحركة ومنظمة ودولة، أزمة عميقة لعدة أسباب من بينها انصراف يهود العالم عنها. فالصهيونية لا تعني لهم الكثير، فهم يفضلون إما الاندماج في مجتمعاتهم أو الهجرة إلى الولايات المتحدة، وقد تدهورت صورة المُستوطَن الصهيوني إعلامياً بعد الانتفاضة إذ أن هذه الدولة الشرسة أصبحت تسبب لهم الحرج الشديد. وقد أدَّى هذا إلى أن المادة البشرية المُستهدَفة ترفض الهجرة، الأمر الذي يسبب مشكلة سكانية استيطانية للمُستوطَن الصهيوني. ويُلاحَظ تزايد حركات رفض الصهيونية والتملص منها وعدم الاكتراث بها بين يهود العالم. وعلى المستوى الأيديولوجي، يُلاحَظ، في عصر نهاية الأيديولوجيا وما بعد الحداثة، أن كل النظريات تتقلص ويختفي المركز، والشيء نفسه يسري على الصهيونية إذ أن إيمان يهود العالم بها قد تقلَّص تماماً، ولذا فإن من يهاجر إلى إسرائيل إنما يفعل ذلك لأسباب نفعية مادية مباشرة. وفي داخل إسرائيل، تظهر أجيال جديدة تنظر إلى الصهيونية بكثير من السخرية. وعلى المستوى التنظيمي، تفقد المنظمة كثيراً من حيويتها وتصبح أداة في يد الدولة الصهيونية، وتُقابَل اجتماعاتها بالازدراء من قبَل يهود العالم والمستوطنين في فلسطين. ولم تغيِّر اتفاقية أوسلو من الأمر كثيراً، بل لعلها تُسرع بتفاقم أزمة الصهيونية، باعتبار أن الدولة ستصبح أكثر ثباتاً واستقراراً وستتحدد هويتها كدولة لها مصالحها الاقتصادية والإستراتيجية المتشعبة التي ليس لها بالضرورة علاقة كبيرة بأعضاء الجماعات اليهودية في العالم. وهذه المرحلة شهدت تحول الفكرة الصهيونية، الاستيطانية الإحلالية، إلى واقع إستيطانى إحلالى، إذ نجحت الدولة الصهيونية فى طرد معظم العرب من فلسطين واستبعاد من تبقى منهم. وأصبحت الدولة الصهيونية هى الدولة/ الشتتل أو الدولة/ الجيتو، المرفوضة من السكان الأصليين، أصحاب الأرض. ولكن فى عام 1967، مع ضم المزيد من الأراضى العربية بمن عليها من بشر، تحولت الدولة الصهيونية من دولة استيطانية إحلالية إلى دولة استيطانية مبنية على التفرقة اللونية (الأبا رتهايد) الأمر الذى يتبدى فى المعازل والطرق الالتفافية. وشهدت هذه الفترة مولد المقاومة الفلسطينية المنظمة وتصاعدها، واندلاع الانتفاضة المباركة، التى استمرت ما يزيد عن ستة أعوام، ولم تنطفأ جذوتها بعد، وهى بذلك تكون أطول حركة عصيان مدنى فى التاريخ. المؤتمرات الصهيونية Zionist Congresses المؤتمر الصهيوني هو الهيئة العليا للمنظمة الصهيونية العالمية، وقراراته هي التي ترسم الخطوط العامة لسياسات المنظمة (انظر: «الهيكل التنظيمي للمنظمة الصهيونية العالمية» ) . ولذا، فإن رَصْد ما يحدث داخل هذه المؤتمرات، وتعاقُبها، يكون في واقع الأمر بمنزلة رَصْد لبعض أهم جوانب تاريخ الحركة الصهيونية. وفيما يلي عرض موجز للمؤتمرات الصهيونية التي انعقدت حتى وقت صدور الموسوعة (1997) : المؤتمر الأول: بازل، أغسطس 1897. وكان مزمعاً عقده في ميونيخ، بيد أن المعارضة الشديدة من قبَل التجمُّع اليهودي هناك والحاخامية في ميونيخ حالت دون ذلك. وقد عُقد في أغسطس 1897 برئاسة تيودور هرتزل الذي حدد في خطاب الافتتاح أن هدف المؤتمر هو وضع حجر الأساس لوطن قومي لليهود، وأكد أن المسألة اليهودية لا يمكن حلها من خلال التوطن البطيء أو التسلل بدون مفاوضات سياسية أو ضمانات دولية أو اعتراف قانوني بالمشروع الاستيطاني من قبَل الدول الكبرى. وقد حدد المؤتمر ثلاثة أساليب مترابطة لتحقيق الهدف الصهيوني، وهي: تنمية استيطان فلسطين بالعمال الزراعيين، وتقوية وتنمية الوعي القومي اليهودي والثقافة اليهودية، ثم أخيراً اتخاذ إجراءات تمهيدية للحصول على الموافقة الدولية على تنفيذ المشروع الصهيوني. والأساليب الثلاثة تعكس مضمون التيارات الصهيونية الثلاثة: العملية (التسللية) ، والثقافية (الإثنية) ، والسياسية (الدبلوماسية الاستعمارية) . وقد تعرَّض المؤتمر بالدراسة لأوضاع اليهود الذين كانوا قد شرعوا في الهجرة الاستيطانية التسللية إلى فلسطين منذ 1882، واقترح شابيرا إنشاء صندوق لشراء الأرض الفلسطينية لتحقيق الاستيطان اليهودي، وهو الاقتراح الذي تجسَّد بعدئذ فيما يُسمَّى الصندوق القومي اليهودي. وقد اعترض هرتزل على هذا الاقتراح رغم أنه لم ينكر الحاجة إلى مثل هذا المشروع، ويبدو أن تحفظاته كانت تنْصبُّ على توقيت المشروع وليس جوهره. وفي هذا المؤتمر أيضاً، تم وضع مسودة البرنامج الصهيوني الذي عُرف ببرنامج بازل، كما ارتفعت الدعوة إلى إحياء اللغة العبرية وتكثيف دراستها بين اليهود والمستوطنين. وشهد المؤتمر ظهور الأشكال الجنينية للتيار الذي عُرف بعد ذلك باسم «الصهيونية العملية» التي قادها زعماء أحباء صهيون واصطدمت في كثير من الجوانب المرحلية بتيار هرتزل الذي يُطلَق عليه اسم «الصهيونية السياسية» ؟ وكانت اللغة المستخدمة في المؤتمر هي الألمانية واليديشية. المؤتمر الثاني: بازل، أغسطس 1898. عُقد برئاسة هرتزل الذي ركَّز على ضرورة تنمية النزعة الصهيونية لدى اليهود، وذلك بعد أن أعلن معظم قيادات الجماعات اليهودية في أوربا الغربية عن معارضتهم للحل الصهيوني للمسألة اليهودية. وكانت أهم أساليب القيادة الصهيونية لمواجهة هذه المعارضة، هو التركيز على ظاهرة معاداة اليهود، والزعم بأنها خصيصة لصيقة بكل أشكال المجتمعات التي يتواجد فيها اليهود كأقلية. وقد ألقى ماكس نوردو تقريراً أمام المؤتمر عن مسألة دريفوس باعتبارها نموذجاً لظاهرة كراهية اليهود وتعرُّضهم الدائم للاضطهاد حتى في أوربا الغربية وفي ظل النظم الليبرالية بعد انهيار أسوار الجيتو. كما لجأت قيادة المؤتمر إلى تنمية روح التعصب الجماعي والتضامن مع المستوطنين اليهود في فلسطين بالمبالغة في تصوير سوء أحوالهم، وهو ما بدا واضحاً في تقرير موتزكين الذي كان قد أُوفد إلى فلسطين لاستقصاء أحوال مستوطنيها من اليهود، فأشار في تقريره إلى أنهم يواجهون ظروفاً شديدة الصعوبة تستدعي المساعدة من يهود العالم كافة لضمان استمرار الاستيطان اليهودي في فلسطين. ولهذا الغرض، فقد تم انتخاب لجنة خاصة للإشراف على تأسيس مصرف يهودي لتمويل مشاريع الاستيطان الصهيوني في فلسطين. المؤتمر الثالث: بازل، أغسطس 1899. عُقد برئاسة هرتزل الذي عرض تقريراً عن نتائج اتصالاته مع القيصر الألماني في إستنبول وفلسطين، وهي الاتصالات التي عرض فيها هرتزل خدمات الحركة الصهيونية الاقتصادية والسياسية على الإمبريالية الألمانية الصاعدة في ذلك الوقت مقابل أن يتبنى الإمبراطور المشروع الصهيوني. وطالب المؤتمر بتأسيس المصرف اليهودي تحت اسم «صندوق الائتمان اليهودي للاستعمار» ، وذلك لتمويل الأنشطة الاستيطانية الصهيونية وتوفير الدعم المالي للحركة الصهيونية. كما ناقش المؤتمر قضية النشاط الثقافي اليهودي في العالم، كما تناول المؤتمر مسألة إعادة بناء الجهاز الإداري الدائم للحركة الصهيونية ليحل محلها الجهاز المؤقت. المؤتمر الرابع: لندن، أغسطس 1900. عُقد برئاسة هرتزل، وجرى اختيار العاصمة البريطانية مقراً لانعقاد المؤتمر نظراً لإدراك قادة الحركة الصهيونية في ذلك الوقت تعاظُم مصالح بريطانيا في المنطقة، ومن ثم فقد استهدفوا الحصول على تأييد بريطانيا لأهداف الصهيونية، وتعريف الرأي العام البريطاني بأهداف حركتهم. وبالفعل، طُرحت مسألة بث الدعاية الصهيونية كإحدى المسائل الأساسية في جدول أعمال المؤتمر. وشهد هذا المؤتمر ـ الذي حضره ما يزيد على 400 مندوب ـ اشتداد حدة النزاع بين التيارات الدينية والتيارات العلمانية، وذلك عندما طُرحت المسائل الثقافية والروحية للمناقشة، إذ طالب بعض الحاخامات بألا تتعرض المنظمة الصهيونية للخوض في القضايا الدينية والثقافية اليهودية، وأن تقصر عملها على النشاط السياسي وخدمة الاستيطان اليهودي في فلسطين. وإزاء ذلك، دعا هرتزل الجميع إلى نبذ الخلافات جانباً والتركيز على الأهداف المشتركة. وخلال المؤتمر، تم وَضْع مخطط المشروع المتعلق بإنشاء الصندوق القومي اليهودي. وقد وُوجه المؤتمر بمعارضة أعضاء الجماعة اليهودية في إنجلترا، وتجاهله أثرياء اليهود، ولذا توجَّه المؤتمر لغير اليهود ونجح في اجتذاب اهتمامهم إلى حدٍّ ما، وخصوصاً أن الصهيونية كانت تطرح حلاًّ لمشكلة المهاجرين من يهود اليديشية الذين كانوا يثيرون القلق في أوساط النخبة الحاكمة الإنجليزية وأثرياء اليهود. ولذا، حرص هرتزل على أن يدلي بشهادته أمام اللجان المختصة بمناقشة موضوع الهجرة اليهودية إلى إنجلترا. المؤتمر الخامس: بازل، ديسمبر 1901. عُقد برئاسة هرتزل الذي قدَّم تقريراً عن مقابلته مع السلطان العثماني عبد الحميد الثاني ومحاولاته إقناعه بالسماح بموجات هجرة يهودية واسعة إلى فلسطين التي كانت وقتئذ إحدى ولايات الإمبراطورية العثمانية، وذلك مقابل اشتراك الخبرات اليهودية في تنظيم مالية الإمبراطورية العثمانية التي كانت تعاني ضائقة مالية آخذة في التفاقم. وقد وافق المؤتمر على الاقتراح الذي تقدَّم به جوهان كريمينكس لتأسيس «الصندوق القومي اليهودي» بوصفه مصرفاً للشعب اليهودي يمكن استخدامه على نطاق واسع لشراء الأراضي في فلسطين وسوريا. وشهد المؤتمر بروز تيار صهيوني، بزعامة مارتن بوبر وحاييم وايزمان وليو موتزكين وفيكتور جاكوبسون، ينتقد أساليب هرتزل غير الديموقراطية في القيادة ويدعو إلى أن تتحلى قيادة الحركة الصهيونية بقدر أكبر من الديموقراطية. كما انتقد هذا التيار عدم حرص قيادة المنظمة على القيام بنشاط فعال لبعث الثقافة اليهودية. وفي المقابل، ظلت التيارات الدينية على موقفها المعارض لقيام المنظمة بأية أنشطة ثقافية. وأدَّى احتدام الجدل بين هذه التيارات إلى انسحاب المتدينين بزعامة الحاخام إسحق راينز، وقد أسسوا فيما بعد حركة مزراحي الصهيونية التي آثرت ممارسة نشاطها في إطار الحركة الأم. المؤتمر السادس: بازل، أغسطس 1903عُقد برئاسة هرتزل، وكان آخر المؤتمرات الصهيونية التي حضرها. وقد ركز هرتزل في خطابه الافتتاحي، كالعادة، على تقديم تقرير إجمالي عن مباحثاته. وقد كانت مباحثاته هذه المرة مع السياسي البريطاني جوزيف تشمبرلين بشأن مشروع الاستيطان اليهودي في شبه جزيرة سيناء. وكان هرتزل قد ألمح لبريطانيا بهذا المشروع كوسيلة لمواجهة الثورة الشعبية المصرية التي رآها هو وشيكة الحدوث، وهو ما يستدعي وجود كيان سياسي حليف لبريطانيا على حدود مصر الشرقية. إلا أن بريطانيا لم تقبل هذه الفكرة وعرضت مشروعاً للاستيطان اليهودي في أوغندا عرف باسم «مشروع شرق أفريقيا» . وقد نصح هرتزل المؤتمر بقبول هذا العرض، إلا أنه ووُجه بمعارضة من أطلقوا على أنفسهم اسم «صهاينة صهيون» بزعامة مناحم أوسيشكين رئيس اللجنة الروسية والذين رفضوا القبول ببديل لاستيطان اليهود في فلسطين. وقد نجح هرتزل رغم ذلك في الحصول على موافقة أغلبية المؤتمر على اقتراحاته وهو ما حدا بالمعارضين إلى الانسحاب من المؤتمر. وقد تقرَّر إيفاد لجنة للمنطقة المقترحة للاستيطان اليهودي للاطلاع على أحوالها ودراسة مدى ملاءمتها لهذا الغرض. كما تقرَّر إنشاء «الشركة البريطانية الفلسطينية» في يافا لتعمل كفرع لـ «صندوق الائتمان اليهودي للاستعمار» . وقد شهد هذا المؤتمر نمواً عددياً ملحوظاً في أعضائه إذ حضره 570 عضواً يمثلون 1572 جمعية صهيونية في أنحاء العالم. المؤتمر السابع: بازل، أغسطس 1905. انتقلت رئاسة المؤتمر إلى ماكس نوردو بعد وفاة هرتزل، وكانت القضية الأساسية التي طُرحت للنقاش هي مسألة الاستيطان اليهودي خارج فلسطين، وخصوصاً في شرق أفريقيا. وجاء تقرير اللجنة التي أُوفدت إلى هناك ليفيد بعدم صلاحية المنطقة لهجرة يهودية واسعة. إلا أن بعض أعضاء المؤتمر دافع عن ضرورة قبول العرض البريطاني بدون أن تفقد الحركة أطماعها في فلسطين، وسُمِّي أنصار هذا الرأي الذي عبَّر عنه زانجويل باسم «الصهاينة الإقليميون» . غير أن من المُلاحَظ أن غياب هرتزل، واعتراض المستوطنين البريطانيين في شرق أفريقيا على توطين أجانب في إحدى المستعمرات البريطانية، وكذا اعتراض اليهود المندمجين على المشروع، رجَّح إلى حدٍّ بعيد وجهة النظر الرافضة للاستيطان اليهودي خارج فلسطين، الأمر الذي جعل أغلبية المؤتمر تُصوِّت ضد هذا المشروع، وهو ما أدَّى إلى انسحاب الإقليميين وتأسيسهم المنظمة الإقليمية العالمية. واستمرت الأغلبية في تأكيد ضرورة الاستيطان في فلسطين. واكتسب أنصار الصهيونية العملية (الاستيطانية) قوة جديدة من هذا الموقف فتضمنت قرارات المؤتمر أهمية البدء بالاستيطان الزراعي واسع النطاق في فلسطين عن طريق شراء الأراضي من العرب وبناء اقتصاد مستقل لليشوف الاستيطاني داخل فلسطين، وهو أمر يكتسب أهمية خاصة في تاريخ الحركة الصهيونية على ضوء حقيقة أنه جاء عقب بداية وصول موجة الهجرة اليهودية الثانية (1904) إلى فلسطين، وهي الهجرة التي وضعت الأُسس الحقيقية للاستيطان الصهيوني وأسهمت إلى حدٍّ كبير بالاشتراك مع الهجرة الثالثة في تحديد معالمه، وامتد تأثيرهما معاً إلى فلسفة وأبنية الكيان الإسرائيلي عقب تأسيس الدولة. وقد أدخل المؤتمر تعديلاً مهماً على قانون «صندوق الائتمان اليهودي للاستعمار» بحيث ينص على تنفيذ المشاريع الصهيونية في فلسطين وسورريا وأي قسم آخر من تركيا الآسيوية وفي شبه جزيرة سيناء وجزيرة قبرص. كما جرى انتخاب دافيد ولفسون لرئاسة المنظمة الصهيونية العالمية خلفاً لهرتزل. وقد انتقلت قيادة الحركة الصهيونية من فيينا إلى كولونيا بألمانيا حيث يعيش ولفسون. المؤتمر الثامن: لاهاي، أغسطس 1907. عُقد برئاسة ماكس نوردو، وتركزت المناقشات فيه على برامج الاستيطان وإنشاء المستعمرات الزراعية في فلسطين. ولما كانت المنظمة الصهيونية تفتقر إلى مركز في فلسطين للإشراف على الأنشطة الاستيطانية، قرر المؤتمر تأسيس «مكتب فلسطين» ليتولى شراء الأراضي ومساعدة المهاجرين اليهود ودعم الاستيطان الزراعي. كما وافق المؤتمر على تأسيس شركة لشراء واستثمار الأراضي وهي التي سُجلت ـ فيما بعد ـ في بريطانيا باسم «شركة تنمية الأراضي في فلسطين» . وقد ظهر في هذا المؤتمر التيار الصهيوني المسمَّى «الصهيونية التوفيقية» . وقد جدَّد المؤتمر انتخاب ولفسون رئيساً للمنظمة الصهيونية العالمية. وكان سبب عقد المؤتمر في لاهاي بهولندا هو تزامنه مع مؤتمر السلام الدولي الثاني حتى تُوضَع الحركة الصهيونية في بؤرة الاهتمام الدولي. المؤتمر التاسع: هامبورج، ديسمبر 1909. عُقد برئاسة كل من مناحيم أوسيشكين وحاييم وايزمان وناحوم سوكولوف، وهو أول مؤتمر يُعقَد في ألمانيا، وقد أولى اهتماماً واضحاً لبحث النتائج المترتبة على الثورة التركية بالنسبة لمشاريع الاستيطان اليهودي في فلسطين. وشهد المؤتمر زيادة ثقل الصهاينة العمليين ورغبتهم في ابتلاع فلسطين دون انتظار توافر الظروف السياسية الدولية المناسبة. ولهذا، قرر المؤتمر إنشاء مستوطنات تعاونية مثل الكيبوتس والموشاف، كما تصاعدت الأصوات المعارضة لزعامة ولفسون بسبب نظرته التجارية للنشاطات الاستيطانية إذ كان ينظر إلى أهمية هذه الأنشطة طبقاً لقيمتها الاقتصادية، إلا أنه نجح مع ذلك في الاحتفاظ بمنصبه كرئيس للمنظمة الصهيونية. المؤتمر العاشر: بازل، أغسطس 1911. عُقد برئاسة مناحم أوسيشكين، وقد اتضح فيه تماماً أن المؤتمرات الصهيونية إطار يتسع لوجود الاتجاهات والتيارات الصهيونية كافة، برغم ما يبدو عليها ظاهرياً من تناقضات. ففي الوقت الذي أكد فيه المؤتمر أن المسألة اليهودية لا يمكن أن تحل إلا بالهجرة إلى فلسطين، وأن المهمة الملحة للمنظمة الصهيونية العالمية هي تشجيع وتنظيم الهجرة إلى فلسطين، فقد نوقشت أيضاً مسألة إحياء وتدعيم الثقافة العبرية. كما سجل الصهاينة العمليون خلال هذا المؤتمر انتصاراً جديداً، حيث اضطر ولفسون أمام المعارضة المتنامية للاستقالة من منصبه وتم اختيار أوتو واربورج (أحد زعماء الصهيونية العملية) رئيساً للمنظمة الصهيونية. كما أن هذا المؤتمر كان بداية صعود نجم ناحوم سوكولوف حيث اختير لعضوية اللجنة التنفيذية للمنظمة. وكل هذا يعني استيلاء يهود شرق أوربا على المنظمة وأفول نجم يهود وسط أوربا (الألمان) الذين طوَّروا الأطروحات الصهيونية وأسسوا المنظمة وأداروها. المؤتمر الحادي عشر: فيينا، سبتمبر 1913. عُقد برئاسة ديفيد ولفسون. وهو آخر المؤتمرات الصهيونية قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى. وقد تمت فيه الموافقة بشكل مبدئي على إنشاء جامعة عبرية في القدس، وجاء ذلك تأكيداً لنفوذ وايزمان المتزايد حيث كان هو وأوسيشكين وبوبر من أبرز دعاة المشروع. كما أعلن المؤتمر تشجيعه للجهود الرامية لشراء وتنمية الأراضي في فلسطين. كما أصدر المؤتمر قراراً يتناول الهجرة اليهودية إلى فلسطين كواجب والتزام صهيوني على كل من يملك القدرة المادية على خلق مصالح اقتصادية ملموسة في فلسطين. وأشار القرار إلى أن كل يهودي يجب عليه أن يضع مسألة الاستيطان في فلسطين كجزء من برنامج حياته وسعيه لتحقيق مثاليته وكماله الخلقي. المؤتمر الثاني عشر: كارلسباد، سبتمبر 1921. عُقد برئاسة ناحوم سوكولوف وهو أول مؤتمر تعقده الحركة الصهيونية بعد نجاحها في استصدار وعد بلفور من بريطانيا عام 1917 واحتلال الجيوش البريطانية لفلسطين، الأمر الذي كان موضع ترحيب شديد من المؤتمر باعتباره خطوة في طريق تحقيق المشروع الصهيوني. كما تمت أيضاً مناقشة نشاطات الصندوق التأسيسي اليهودي الذي أنشئ عام 1920 خلال مؤتمر استثنائي للمجلس الصهيوني العام في لندن. كما قرَّر المؤتمر تأسيس المجلس الاقتصادي المالي ليعمل كهيئة استشارية وليشرف على المؤسسات الاقتصادية والمالية للحركة الصهيونية. ومن الغريب أن المؤتمر، برغم هذا التخطيط الصهيوني، قد أعلن أن الصهاينة يكافحون من أجل العيش في ظل علاقات انسجام واحترام متبادل مع الشعب العربي، كما أن المجلس التنفيذي للمنظمة ناشد المنظمة أن تحقق تفاهماً صادقاً مع الشعب العربي. ونظراً لازدياد أهمية الدور البريطاني بالنسبة للحركة الصهيونية، فقد قرر المؤتمر أن يكون للمجلس التنفيذي للمنظمة الصهيونية العالمية مقران؛ أحدهما في لندن والآخر في القدس. واختير ممثل العمال اليهود في فلسطين جوزيف سبرنزاك رئيساً للجنة التنفيذية في القدس بينما اختير سوكولوف رئيساً للجنة التنفيذية بأكملها. وقد صدَّق المؤتمر على قرارات مؤتمر لندن الاستثنائي عام 1920 بانتخاب وايزمان رئيساً للمنظمة الصهيونية. وهكذا حُسم الصراع الذي دار في المؤتمر حول أساليب الاستيطان بين صهاينة الولايات المتحدة بزعامة لويس برانديز وصهاينة أوربا بزعامة وايزمان لصالح وايزمان. المؤتمر الثالث عشر: كارلسباد، أغسطس 1923. عُقد بعد موافقة عصبة الأمم على فرض الانتداب البريطاني على فلسطين. وقد أعلن المؤتمر ترحيبه بهذه الخطوة على ضوء التزام بريطانيا (في البند الرابع من صك الانتداب) بالاعتراف بوكالة يهودية تتمتع بالصفة الاستشارية إلى جانب حكومة الانتداب لها سلطة القيام بتنفيذ المشاريع الاقتصادية والاستيطانية، وبذلك التزمت بريطانيا بالتعاون مع تلك الوكالة في كل الأمور المتعلقة بإقامة الوطن القومي اليهودي في فلسطين. وقد ناقش المؤتمر اقتراح وايزمان الرامي إلى توسيع الوكالة اليهودية بحيث تضم في مجلسها الأعلى ولجانها عدداً من المموِّلين اليهود في العالم، وخصوصاً غير الصهاينة منهم. وكان الغرض من ذلك تعزيز المصادر المالية للمنظمة الصهيونية وضمان سرعة تنفيذ المشاريع الصهيونية اعتماداً على المراكز الرسمية الحساسة التي يشغلها هؤلاء المموِّلون بالإضافة إلى تدعيم المركز التفاوضي للمنظمة مع الحكومات الأوربية، والوقوف في وجه الرفض اليهودي للصهيونية وسياستها بادعاء أن المنظمة تمثل يهود العالم كافة دون تمييز. وقد لقي الاقتراح معارضة شديدة كان أبرز ممثليها جابوتنسكي. ولهذا، اكتفى المؤتمر باتخاذ قرار بتوجيه الدعوة إلى اجتماع لبحث توسيع الوكالة اليهودية عملاً بنص المادة الرابعة من صك الانتداب. المؤتمر الرابع عشر: فيينا، أغسطس 1925. حضر المؤتمر وفد من الصهاينة التصحيحيين برئاسة جابوتنسكي الذي طالب بتبني سياسة صهيونية أكثر إيجابية، وهو يعني في الواقع سياسة أكثر عنفاً ونشاطاً في تنفيذ مشروعات الاستيطان، كما عارض السماح لغير الصهاينة من اليهود بالانضمام إلى الوكالة اليهودية. وقد تناول المؤتمر بالتقييم تجربة السنوات الخمس الأولى من الانتداب، ومدى نجاح مشاريع الاستيطان المرتبطة بموجة الهجرة الرابعة القادمة من بولندا. كما أدخل المؤتمر تعديلاً على رسم العضوية (الشيقل) إذ أبطل الأساس الحزبي للشيقل وأحل محله الشيقل الموحد، كما رفع عدد دافعي الشيقل الذين يحق لهم انتخاب مندوب عنهم في المؤتمر، إلا أن ذلك لم يؤد إلى تخفيف حدة المعارضة. المؤتمر الخامس عشر: بازل، أغسطس/سبتمبر 1927. عُني المؤتمر بقضية أساسية هي بحث الأوضاع الاقتصادية السيئة التي برزت في المقام الأول في شكل تفشِّي ظاهرة البطالة في التجمع الاستيطاني الصهيوني في تلك الفترة، وهو ما أدَّى إلى تصاعُد موجة الهجرة من فلسطين إلى خارجها. وقد نظرت قيادة الحركة الصهيونية إلى هذه الظاهرة بانزعاج شديد، وجعلت هذا المؤتمر ميداناً لبحث الوسائل الكفيلة بمنع تفاقمه. المؤتمر السادس عشر: زيورخ، يوليه/أغسطس 1929. كان الإنجاز الأساسي لهذا المؤتمر هو إعداد دستور الوكالة اليهودية التي نص عليها صك الانتداب البريطاني على فلسطين، وتحقَّق في هذا الصدد ما نادى به وايزمان من ضرورة توسيع هذه الوكالة لتشمل اليهود غير الصهاينة، وهو الأمر الذي عارضه جابوتنسكي بشدة. كما كان المؤتمر بداية لبروز شخص ديفيد بن جوريون. وفي نهاية المؤتمر تجدَّد انتخاب وايزمان رئيساً للمنظمة الصهيونية العالمية، وسوكولوف رئيساً لمجلسها التنفيذي. المؤتمر السابع عشر: بازل، يونيه/يوليه 1931. عُقد برئاسة ليو موتزكين، وقد أعلن المؤتمر احتجاجه على مقترحات اللورد البريطاني باسفيلد، الذي أوصى عقب المظاهرات العربية في فلسطين سنة 1929 بوضع بعض القيود على الهجرة اليهودية وعلى عمليات شراء الأراضي العربية. وقد اضطر وايزمان إلى الاستقالة من رئاسة المنظمة الصهيونية أمام ضغوط المعارضة التي احتجت على سياسته الرامية إلى التحالف غير المشروط مع بريطانيا. وقد انتُخب سوكولوف رئيساً للمنظمة خلفاً لوايزمان. وأثار التصحيحيون بقيادة جابوتنسكي أزمة حينما طالبوا المؤتمر بأن يعلن في قرار واضح لا لبس فيه أن إقامة دولة يهودية في فلسطين هو الهدف النهائي للحركة الصهيونية، إلا أن الأحزاب الصهيونية العمالية قد رفضت أن يُطرَح مثل هذا القرار للتصويت لخطورة النتائج المترتبة على مثل هذا الإعلان المبكر عن الأهداف الصهيونية. وقد أيَّدت الأغلبية هذا الرأي، وهو ما أدَّى إلى انسحاب جابوتنسكي وأنصاره وتكوين المنظمة الصهيونية الجديدة. المؤتمر الثامن عشر: براغ، أغسطس/سبتمبر 1933. تكمن أهمية هذا المؤتمر في أنه جاء عقب وصول هتلر إلى الحكم في ألمانيا. وقد درس المؤتمر برنامجاً واسعاً لتوطين اليهود الألمان في فلسطين. وقد حضر المؤتمر بعض التصحيحيين بزعامة ماير جروسمان، الذين انشقوا على قيادة جابوتنسكي وألفوا حزب الدولة اليهودية وأكدوا اعترافهم بسيادة المنظمة الأم في كل الأحوال. كما شهد المؤتمر صراعاً واضحاً بين حزب الماباي الذي تأسس سنة 1930 وبين التصحيحيين، وهو الأمر الذي يُعَد الأساس التاريخي للصراع بين الماباي وحزب حيروت بعد إنشاء دولة إسرائيل (ثم بين المعراخ وليكود) . وقد جدَّد المؤتمر انتخاب سوكولوف رئيساً للمنظمة الصهيونية العالمية. وفي هذا المؤتمر نجح الصهاينة العماليون (الاستيطانيون) في تمرير اتفاقية الهعفراه التي كان يفكر قادة المستوطنين في توقيعها مع النازي. المؤتمر التاسع عشر: لوسيرن (سويسرا) ، أغسطس/سبتمبر 1935. عُقد برئاسة وايزمان، وكان ناحوم جولدمان أحد نواب الرئيس. وقد قاطع التصحيحيون هذا المؤتمر الذي انصب اهتمامه على أوضاع اليهود في ألمانيا وكيفية ترتيب إجراءات هجرتهم إلى فلسطين، وكذلك تنمية نشاطات الصندوق القومي اليهودي. وقد رفض المؤتمر الاقتراح الذي تقدَّمت به بريطانيا لإنشاء المجلس التشريعي في فلسطين. كما تقرر إعادة وايزمان لرئاسة المنظمة الصهيونية بينما انتُخب سوكولوف رئيساً فخرياً للمنظمة الصهيونية والوكالة اليهودية، كما أُعيد انتخاب بن جوريون لعضوية اللجنة التنفيذية. المؤتمر العشرون: زيوريخ، أغسطس 1937. عُقد برئاسة مناحم أوسيشكين. وقد تناول المؤتمر تقرير لجنة حول تقسيم فلسطين والذي كان قد أُعلن قبل شهر من انعقاد المؤتمر. وقد انقسمت الآراء حول التقرير ودارت المناقشة حول المقارنة بين المزايا النسبية لإقامة الدولة الصهيونية المستقلة وبين ما تصوَّرت بعض قيادات الحركة الصهيونية أنه تضحية من جانبها بالأقاليم المخصصة للعرب وفقاً لهذا المشروع وخسارة للجزء الأعظم من فلسطين. فمن جانبهما، أعلن وايزمان وبن جوريون تأييدهما لإجراء مفاوضات مع الحكومة البريطانية بهدف التوصل إلى خطة تُمكِّن يهود فلسطين من تكوين دولة يهودية مستقلة ومن تحسين أحوال اليهود في البلاد الأخرى في آن واحد. وعلى الجانب الآخر، قاد كاتزنلسون وأوسيشكين المعارضة الصارمة، ورفضا مبدأ التقسيم أصلاً، انطلاقاً من أن الشعب اليهودي لا يملك أن يتنازل عن حقه في أي جزء من وطنه التاريخي، ولذا فإن الدولة اليهودية (أي الصهيونية) لابد أن تشمل فلسطين كلها. وقد توصَّل المؤتمر إلى حل وسط تمثَّل في اعتبار مشروع التقسيم غير مقبول، إلا أنه فوَّض المجلس التنفيذي في التفاوض مع الحكومة البريطانية لاستيضاح بعض عبارات الاقتراح البريطاني التي اعتُبرت غامضة في ظاهرها، وكان الهدف الحقيقي هو ممارسة الضغط على بريطانيا لتبنِّي موقف أكثر تعبيراً عن المصالح الصهيونية مع استغلال نشوء ظرف تاريخي جديد هو اشتعال الثورة الفلسطينية الكبرى (1936 ـ 1939) . المؤتمر الحادي والعشرون: جنيف، أغسطس 1939. عُقد برئاسة أوسيشكين. وكانت القضية الأساسية المطروحة للمناقشة أمامه هي الموقف من الكتاب الأبيض البريطاني الذي كانت بريطانيا قد أصدرته لتوها لاسترضاء العرب بوضع بعض القيود على حجم الهجرة اليهودية ومساحات الأرض التي يجوز شراؤها من جانب اليهود، وذلك بعد أن نجحت في قمع الثورة الفلسطينية الكبرى (1936 ـ 1939) بالتعاون مع الحركة الصهيونية ومنظماتها الاستيطانية في فلسطين. وقد استند هذا الرفض الصهيوني إلى مناخ الحرب العالمية الثانية التي بدأت نذرها تلوح في الأفق بما يعنيه هذا من شدة احتياج بريطانيا لمساعدة الحركة الصهيونية. المؤتمر الثاني والعشرون: بازل، ديسمبر 1946. عُقد برئاسة وايزمان، وقد حضر التصحيحيون هذا المؤتمر. وكان المناخ الذي انعقد في ظله المؤتمر هو محاولة الضغط على بريطانيا لخلق الدولة الصهيونية، ولذا فقد تزعَّم التصحيحيون الاتجاه الداعي إلى تبنِّي سياسة متشددة إزاء بريطانيا انطلاقاً من الاعتقاد بأنها لم تنفذ ما تعهدت به وفق نص الانتداب. كما طالبوا بتدعيم حركة المقاومة العبرية التي هاجمت بعض المنشآت البريطانية. وفي مواجهة هذا الموقف، تبنَّى وايزمان رأياً يدعو إلى الدخول في حوار مع بريطانيا حرصاً على استمرار علاقات طيبة مع الدولة التي تملك إمكانية فتح أبواب فلسطين لهجرة يهودية واسعة. وإزاء هذا الصراع قدَّم وايزمان استقالته من رئاسة المنظمة الصهيونية، وأخفق المؤتمر في اختيار بديل له. وقد اختير ناحوم جولدمان رئيساً للجنة التنفيذية في نيويورك، وبيرل لوكر رئيساً لهذه اللجنة في القدس. المؤتمر الثالث والعشرون: القدس، أغسطس 1951. أول مؤتمر صهيوني يُعقَد في القدس بعد قيام الدولة الصهيونية، وكان برئاسة ناحوم جولدمان. ولذا، فقد كان من الطبيعي أن تكون إحدى المسائل الأساسية موضوع الدراسة في المؤتمر هي العلاقة بين الدولة الصهيونية الناشئة والحركة الصهيونية التي خلقتها متمثلة في المنظمة الصهيونية العالمية، وكيفية تحديد اختصاصات كل منهما تفادياً للتضارب أو الازدواج. وقد ترتَّب على توصية المؤتمر بتنظيم هذه العلاقة حيث أصدرت الحكومة الإسرائيلية قانوناً بهذا الشأن في نوفمبر 1952 أعطت للمنظمة بموجبه وضعاً قانونياً فريداً يخوِّل لها حق جَمْع الأموال من يهود العالم وتمويل الهجرة إلى إسرائيل بل حتى الإشراف على توطين واستيعاب المهاجرين داخل المجتمع الإسرائيلي والمساعدة في تطوير الاقتصاد وما تستدعيه ممارسة هذه الصلاحيات جميعاً من التمتع بحقوق التعاقد والملكية والتقاضي، وهو ما دفع بعض الفقهاء إلى اعتبار هذا الوضع نموذجاً شاذاً لمنظمة خاصة ذات صفة دولية تمارس صلاحيات واسعة على إقليم دولة معينة بموافقتها وعلى أراضي الدولة الأخرى نيابة عنها. وقد أدخل المؤتمر تعديلات جوهرية على برنامج بازل لمواجهة الأوضاع الجديدة التي ترتبت على تحقيق الهدف الرئيسي لهذا البرنامج أي تأسيس الدولة الصهيونية، وعرف هذا البرنامج الجديد باسم «برنامج القدس» . المؤتمر الرابع والعشرون: القدس، أبريل/مايو 1956. عُقد برئاسة سير نيزاك. وقد كان هذا المؤتمر بمنزلة مظاهرة دعائية تمهد للعدوان الإسرائيلي على مصر والذي أعقب انفضاض جلسات المؤتمر بخمسة شهور، فقد أشار المؤتمر في بيانه السياسي الختامي إلى أنه يدرك تماماً المخاطر التي تهدِّد دولة إسرائيل بسب النوايا العدوانية للدول العربية التي تتلقَّى السلاح من الشرق والغرب. وناشد المؤتمر يهود العالم جميعاً الإسراع بتحمُّل مسئولياتهم التاريخية تجاه إسرائيل، وتعبئة كل الإمكانيات لضمان قوتها وأمنها ورخائها، وضمنه تدفُّق الهجرات اليهودية واسعة النطاق إلى إسرائيل، وضمان توفُّر نظام متكامل وحديث لاستيعاب المهاجرين الجدد في إسرائيل، وهو ما يعني في النهاية تكريس المشروع الاستيطاني الصهيوني على حساب الشعب الفلسطيني. وفي نهاية المؤتمر، تم انتخاب جولدمان رئيساً للمنظمة الصهيونية ورئيساً للمجلس التنفيذي للوكالة اليهودية بعد أن ظل هذا المنصب شاغراً منذ استقالة وايزمان عام 1946. المؤتمر الخامس والعشرون: القدس، ديسمبر 1960/يناير 1961. عُقد برئاسة ناحوم جولدمان، وقد اتسم هذا المؤتمر بانفجار خلاف واضح بين بن جوريون (رئيس الوزراء وقتئذ) وجولدمان حول تكييف العلاقة بين إسرائيل والمنظمة الصهيونية. وهنا تبدو محاولة الصفوة السياسية الإسرائيلية وضع قبضتها على المنظمة الصهيونية، فقد أشار بن جوريون إلى ضرورة أن تكون المنظمة إحدى أدوات السياسة الخارجية الإسرائيلية في تحقيق الإشراف على يهود العالم وتعبئة إمكاناتهم لتدعيم الكيان الصهيوني، بينما كان جولدمان يرى أن المنظمة هي المسئولة دائماً عن الحركة الصهيونية، سواء داخل حدود إسرائيل (الكيان الذي خلقته المنظمة) أو خارجها. وبالإضافة إلى هذا، كانت قضية الهجرة اليهودية إلى إسرائيل هي ميدان الخلاف الثاني، خصوصاً بعد أن كادت الهجرة اليهودية من أوربا الغربية وأمريكا لإسرائيل أن تتوقف نتيجة تصاعُد إمكانات اندماج اليهود في مجتمعاتهم. وإزاء هذا الوضع، أكد بن جوريون أن الهجرة إلى إسرائيل واجب ديني وقومي على كل اليهود، ذلك لأن اليهودي لا يكتسب كماله الخلقي ومثاليته ولا يعبِّر عن إيمانه بالصهيونية إلا بالوجود على أرض الدولة اليهودية، أي الدولة الصهيونية، على حين رأى جولدمان أن بمقدور اليهودي أن يكون صهيونياً مخلصاً مع استمراره في الإقامة في بلده الأصلي. وقد انتهى المؤتمر إلى حل وسط يتمثل في ضرورة تدعيم التعليم اليهودي في أنحاء العالم وتنمية الثقافة اليهودية لدى يهود المجتمعات الغربية للحيلولة دون انصهارهم في مجتمعاتهم الأصلية. كما أعاد المؤتمر انتخاب جولدمان رئيساً للمنظمة الصهيونية العالمية. المؤتمر السادس والعشرون: القدس، ديسمبر 1964/يناير 1965. عُقد برئاسة جولدمان الذي أشار في خطاب الافتتاح إلى ضرورة بدء عهد جديد من التعاون بين إسرائيل والجماعات اليهودية في العالم (الدياسبورا) ، كما أكد مسئولية دولة إسرائيل في مكافحة خطر اندماج يهود الدياسبورا فكرياً وثقافياً واجتماعياً في المجتمعات التي يقيمون فيها، وهو الخطر الذي اتسمت الحركة الصهيونية دائماً بحساسية دائمة ومفرطة تجاهه والذي رأت فيه تهديداً لها لا يقل عن ظاهرة العداء لليهود. ولمواجهة هذا الخطر، أوصى المؤتمر بأن تُولي المنظمة الصهيونية بالتعاون مع الحكومة الإسرائيلية قضية تدعيم اللغة العبرية والقيم القومية التقليدية لدى يهود العالم اهتماماً متزايداً. ونظراً لهبوط معدلات الهجرة إلى إسرائيل في تلك الفترة هبوطاً شديداً، شهد هذا المؤتمر بداية الضغوط الصهيونية بشأن ما عُرف بقضية اليهود السوفييت. وقد جدَّد المؤتمر انتخاب جولدمان رئيساً للمنظمة الصهيونية العالمية. المؤتمر السابع والعشرون: القدس، يوليه 1968. أول مؤتمر صهيوني يتم عقده بعد أن دخلت التوسعية الإسرائيلية مرحلة متقدمة من مراحل التعبير عن نفسها في حرب يونيه 1967. وقد طُرحت قضية الهجرة اليهودية إلى إسرائيل كقضية محورية في هذا المؤتمر للدفاع عما استطاعت إسرائيل تحقيقه من تَوسُّع بالقوة المسلحة في حرب يونيه 1967، ولتشجيع سياسة الاستيطان في الأراضي المحتلة، ولتطبيق السياسة التي أعلن عنها ديان باسم «سياسة خَلْق الحقائق الجديدة» . والواقع أن هذا يؤكد ما اعتبره جولدمان المهام الأساسية التي تواجه الحركة الصهيونية والتي كانت مسألة الهجرة في طليعتها. وفي هذا الصدد، صدَّق المؤتمر على قرار الحكومة الإسرائيلية بإنشاء وزارة لاستيعاب المهاجرين. وهنا يبدو أن تَوسُّع سنة 1967 قد اختصر المسافة بين جولدمان وبين بن جوريون وتلامذته ديان وبيريز، وجعل القضية المطروحة عليهم جميعاً بإلحاح هي كيفية خلق واقع سكاني جديد في الأراضي العربية المحتلة. ومن المثير للدهشة بعد هذا أن يناشد المؤتمر الشعوب العربية والقادة العرب التعجيل بإحلال السلام في الشرق العربي، وأن يدعو بيانه الختامي الدول المحبة للسلام أن تقدِّم لإسرائيل أسلحة دفاعية ضد العرب الذين يهددونها بخطر الإبادة. وفي نهاية المؤتمر، قدَّم جولدمان استقالته من رئاسة المنظمة الصهيونية ولم يتم اختيار خلف له. المؤتمر الثامن والعشرون: القدس، يناير 1972. عُقد برئاسة أرييه بينكوس الذي انتُخب أيضاً رئيساً للجنة التنفيذية. وقد كان واضحاً منذ البداية تصاعد النفوذ الإسرائيلي الرسمي في المؤتمر. وقد أعلن جولدمان اعتراضه على الحملة الإسرائيلية على الاتحاد السوفيتي حول قضية هجرة اليهود السوفييت إلى إسرائيل. ويمكن القول بأن السمة الأساسية للمناخ الذي انعقد في ظله المؤتمر هي الإحساس بتفاقم التناقضات العرْقية والاجتماعية في إسرائيل، ولعلها المرة الأولى التي يتطرق فيها مؤتمر صهيوني إلى الناحية الاجتماعية داخل الكيان الصهيوني، بحيث خصص إحدى لجانه لدراستها، وخصوصاً بعد ظهور حركة الفهود السود، كأحد مظاهر احتدام التناقض بين اليهود الشرقيين واليهود الغربيين. ولعل هذا هو السبب في رفض قيادات المؤتمر الصهيوني إعطاء الفرصة للفهود السود كي يتحدثوا أمام المؤتمر وذلك خشية ما يمكن أن يحدث من آثار سلبية على قضية الهجرة اليهودية إلى إسرائيل، وهي القضية التي استمر المؤتمر في تأكيد محوريتها وتأكيد ضرورة كفالة الظروف الملائمة لتشجيعها مثل الاستيعاب والاستيطان والحيلولة دون احتدام التناقضات الاجتماعية والسلالية داخل إسرائيل. وقد دعا المؤتمر إلى ضرورة دعم التعليم اليهودي والثقافة الصهيونية لدى الجماعات اليهودية في العالم. وقد استغلت بعض القيادات الإسرائيلية (بنحاس سابير ـ إيجال آلون) المؤتمر لتأكيد أهمية الهجرة للمطالبة بمزيد من المساعدات المالية من الجماعات اليهودية، وذلك لتأمين استيعاب موجات الهجرة إلى إسرائيل عن طريق مشروعات الاستيطان في الأراضي العربية المحتلة، وهي المشروعات التي أشار إيجال آلون إلى أنها تسهم في تجديد روح الريادة في أوساط الشباب، وهو ما يعني تحقيق المزيد من إضفاء الطابع الصهيوني على الصابرا والمهاجرين الجدد، وخصوصاً بعد أن لاحظ المؤتمر عزوف الشباب عن الصهيونية ومُثُلها. المؤتمر التاسع والعشرون: القدس، فبراير/مارس 1978. عُقد برئاسة أرييه دولزين الذي انتُخب رئيساً للجنة التنفيذية للمنظمة الصهيونية. وشارك في هذا المؤتمر ـ لأول مرة ـ ممثلون ومراقبون من خمس منظمات يهودية عالمية هي: الاتحاد العالمي لليهود الشرقيين ـ منظمة مكابي العالمية ـ الرابطة العالمية لليهود التقدميين ـ المجلس العالمي للمعابد المحافظة ـ المؤتمر العالمي للمعابد الأرثوذكسية. وجاء المؤتمر عقب صعود ليكود إلى الحكم، ففقد التجمع العمالي «المعراخ» مكانته كقوة أولى في الحركة الصهيونية، كما تغيَّرت التحالفات داخل المؤتمر لصالح الليكود حيث انفرط الحلف التقليدي بين العمل ومزراحي نتيجة انضمام الأخير إلى تحالف الليكود. وأبدت الكونفدرالية العالمية للصهيونية العمومية استعدادها للانضمام للائتلاف الجديد. وفي المقابل، نشأ تحالف بين المعراخ وممثلي اليهود الإصلاحيين. وقد انعكس هذا التحول على مناقشات المؤتمر، فشهدت مداولات تشكيل اللجنة التنفيذية خلافات حادة بين الكتلتين على توزيع مقاعد اللجنة، كما تفجرت الخلافات بينهما عند مناقشة مسألة تمثيل اليهود الشرقيين بشكل مناسب في أجهزة المنظمة الصهيونية. وعكست مناقشات المؤتمر جو الأزمة العامة التي تعيشها الحركة الصهيونية والتي تجسَّدت في عدد من الظواهر البارزة لعل أهمها تَراجُع معدلات الهجرة إلى الكيان الصهيوني وتزايد معدلات النزوح والتساقط، بالإضافة إلى الإخفاقات المستمرة في مجال التعليم اليهودي وانفصال الشباب اليهودي بشكل متزايد عما يُسمَّى «التراث اليهودي» وارتفاع نسبة الزواج المُختلَط، وهو ما اعتبره أعضاء المؤتمر كارثة سكانية تزداد حدتها يوماً بعد يوم. وأولى المؤتمر التوسع في إقامة مستوطنات جديدة اهتماماً بالغاً، وكذا العمل على سرعة استيعاب المهاجرين في المستوطنات القائمة. وبشكل عام، تميَّزت المناقشات بالتكرار والصخب والتهديد بالانسحاب من جانب هذا التيار أو ذاك، ولهذا فقد أُحيلت القرارات إلى محكمة المؤتمر للبت فيها ولم يتمكن المؤتمر من إعلان مقرراته في جلسته الختامية. المؤتمر الثلاثون: القدس، ديسمبر 1982. عُقد برئاسة آرييه دولزين، وهو المؤتمر الأول بعد توقيع معاهدة السلام بين الحكومتين المصرية والإسرائيلية، وقد جاء بعد أشهر قليلة من الغزو الصهيوني للبنان وما أسفرت عنه الحرب اللبنانية من تغيُّرات جوهرية في خريطة الصراع العربي الصهيوني. كما صاحب المؤتمر تصاعُد الرفض داخل إسرائيل وخارجها لسياسات حكومة الليكود. وقد تركزت مناقشات المؤتمر حول المشاكل التقليدية للحركة الصهيونية وأهمها مشكلة النزوح والتساقط وإخفاق جهود الدولة والمنظمة الصهيونية في جَلْب المهاجرين اليهود إلى إسرائيل، بالإضافة إلى عدم إقبال الشباب على التعليم اليهودي. وكالعادة، لم يتوصل المؤتمر إلى تعريف اليهودي ولا تعريف الصهيوني، وهو ما دفع الكثيرين من أعضاء المؤتمر إلى التعبير عن خيبة أملهم إزاء فشل المؤتمرات الصهيونية المتوالية في مواجهة أيٍّ من المشاكل الملحة للحركة الصهيونية. وبالنسبة للاستيطان، تقدَّم مندوبو الليكود ومزراحي وهتحيا بمشروع قرار ينص على حق الشعب اليهودي في أرض إسرائيل كحق أبدي غير قابل للاعتراض. واختلف معهم مندوبو المعراخ في تحديد أفضلية مناطق الاستيطان، حيث يرى هؤلاء ضرورة إعطاء الأولوية للتطور الاستيطاني الواسع في المناطق التي لا توجد بها كثافة سكانية كبيرة وفي المناطق التي تشكل أهمية حيوية لأمن إسرائيل. وكاد المؤتمر أن يسفر عن انشقاق في الحركة الصهيونية عندما حاول الليكود تشكيل اللجنة التنفيذية بدون حركة العمل وهو ما أدَّى إلى تشابك المندوبين بالأيدي والكراسي وتهديد حركة العمل بتعطيل المؤتمر. وتعرَّض المؤتمر لهزة أخرى حين قدَّم المراقب المالي للمنظمة تقريراً اتهم فيه كبار المسئولين بإساءة استخدام الأموال التي يتبرع بها يهود العالم. وتعرَّض المؤتمر لقضية الفجوة الطائفية بين اليهود الشرقيين واليهود الغربيين في إسرائيل، واتهم اتحاد اليهود الشرقيين كلاًّ من وزير الخارجية ورئيس اللجنة التنفيذية للمنظمة الصهيونية بتجاهل ممثلي الاتحاد عمداً. وقد أعاد المؤتمر انتخاب دولزين رئيساً للجنة التنفيذية للمنظمة. المؤتمر الحادي والثلاثون: القدس، ديسمبر 1987. وقد ناقش المؤتمر كالعادة قضية «تعريف اليهودي» وأصدر قراراً في هذا الصدد بمنح تيارات الديانة اليهودية كافة حقوقاً متساوية وهو قرار بلا معنى. وناقش المؤتمر أيضاً قضية حدود الدولة ولم يصل إلى أية قرارات في هذا الصدد كالعادة أيضاً. ولم يتم الموافقة على مشروع القرار الذي قدمته حركة العمل الداعي لإنهاء السيطرة على 1.3 مليون عربي. وحتى بعد تعديله وفوزه بالأغلبية، لم يَصدُر القرار لأن اليمين هدد بالانسحاب. ومن الواضح أن قادة يهود العالم لم يَعُد لهم أي تأثير على سياسة الحكومة الإسرائيلية. وأشارت قرارات المؤتمر إلى تدنِّي الهجرة إلى إسرائيل وازدياد النزوح منها. وطرح البعض مبدأ ثنائية المركزية (أي أن يكون ليهود العالم مركزان، واحد في إسرائيل والثاني في الدياسبورا) بعد فشل برنامج القدس في تحقيق أهدافه. والدلالة العملية لهذا المبدأ هو أن إسرائيل لم تَعُد مركزاً روحياً لليهود كما تدَّعي الحركة الصهيونية بل إن فكرة المركز الروحي نفسها قد اشهرت إفلاسها. وناقش المؤتمر موضوع الفلاشاه ويهود سوريا. وكان التركيز في القرارات على التربية اليهودية والصهيونية رغم أن القرارات عكست أيضاً تمزقاً شديداً، حتى أن البعض ناقش مرة أخرى مبرر استمرار بقاء المنظمة الصهيونية بعد إنجاز هدف إقامة الدولة العبرية. وقد عكس المؤتمر الانحسار الأيديولوجي للصهيونية خصوصاً أنه جاء بعد نشوب انتفاضة الشعب الفلسطيني في الأرض العربية المحتلة وانكشاف الأزمة العميقة في الدولة الصهيونية. ومما يجدر ذكره أنه، خلال المؤتمر الحادي والثلاثين، لم تَعُد القوة المهيمنة على حكومة المستوطنين هي نفسها القوة المهيمنة على المنظمة، إذ انتقل ميزان القوى ولأول مرة منذ عام 1948 إلى كتلة تمثل التحالف بين بعض الصهاينة الاستيطانيين وحركة العمل الصهيونية (حزب العمل وحزب مابام وراتس وياحد) من جهة، والحركات الصهيونية العالمية (التوطينية) مثل الكونفدرالية العالمية للصهيونيين المتحدين والحركة الصهيونية الإصلاحية وحركة المحافظين من جهة أخرى، حيث استحوذ هذا التحالف على 308 مندوبين من مجموع 530 مندوباً. وقد حدث هذا الانقلاب بعد أن شعر الإصلاحيون والمحافظون بأن اليمين الصهيوني (الليكود وغيره) ، المتحالف مع الأحزاب الدينية، سيعمل على تمرير قانون «من هو اليهودي» ، ذلك إلى جانب الاستياء المتراكم من ممارسات حكومة الليكود الإسرائيلية نتيجة سياستها الداخلية والخارجية. وقد انتُخب سيمحا دينيتز رئيساً للجنة التنفيذية للمنظمة خلفاً لآرييه دولزين. المؤتمر الثاني والثلاثون: القدس، يوليه 1992 خيَّم على المؤتمر إحساس عميق بأن "المولد الصهيوني" قد أوشك على الانفضاض، وأن المنظمة الصهيونية أصبحت، "عظاماً جافة" و"هيكلاً بدون وظيفة" (ميزانية المنظمة 49 مليون دولار مقابل ميزانية الوكالة اليهودية التي بلغت 450 مليون دولار) . وقد تساءل مراسل الإذاعة الإسرائيلية: "هل ما زالت هذه المؤسسة قائمة؟ " وقد استُنفد معظم الوقت في تدبير التعيينات في المناصب والصراع على الوظائف رغم أنه كان قد وُوفق على معظمها قبل المؤتمر. وقد لوحظ أن معظم التعيينات تمت على أساس سياسي وليس على أساس الكفاءة، كما لوحظ أن أعضاء المؤتمر لم يتم انتخابهم إذ تم تعيينهم عن طريق عقد الصفقات. وقد أجمع المراقبون على أن المنظمة تعاني تضخُّم البيروقراطية والإسراف والابتعاد عن الأيديولوجية الصهيونية. وقد فُسِّر ذلك على أساس تعاظم دور المؤسسات الصهيونية غير السياسية في الحركة الصهيونية، وخصوصاً تلك التي تنتمي إلى التيارات الدينية المختلفة. ورغم الحديث عن ضرورة تشجيع الهجرة، إلا أن ميخائيل تشلينوف (رئيس المنظمة العليا لمهاجري الاتحاد السوفيتي سابقاً "فاعد") لم يُسمَح له بأن يلقي كلمته، وذلك لأن أعضاء الوفد السوفيتي حضروا باعتبارهم مراقبين ليس لهم حق الانتخاب، وقد انسحب أعضاء الوفد لهذا السبب. المؤتمر الثالث والثلاثون: القدس: ديسمبر 1997 -اجتمع هذا المؤتمر متأخرا عن موعده وقد كان المفروض أن يعقد في 1996. وقد تم تأخيره حتى يتزامن مع الذكرى المئوية للمؤتمر الصهيونى الأول! حضر المؤتمر 750 مندوبًا من يهود العالم (حوالى ثلاثة أربعهم من اليهود الإصلاحيين أو المحافظين) و 190 مندوبًا عن المستوطنين الصهاينة. وقد وصل عيزر وايزمان، رئيس الدولة، وبنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء، متأخرين عن موعدهما. ولم تعر الصحف الإسرائيلية المؤتمر اهتماما كبيرا، ونشرت أخباره فى مقابل صفحة الوفيات! وكالمعتاد كان هناك كثيرمن الاقتراحات (فصل الدين عن الدولة ـ تقوية الديموقراطية الإسرائيلية ـ حذف مفهوم «نفى الدياسبورا على أن يحل محله مفهوم «مركزية إسرائيل فى الحياة اليهودية» ـ مفهوم التعددية يحل محل مفهوم «أتون الصهر» أو «مزج المنفيين» ، بمعنى أن تحتفظ كل جماعة يهودية مهاجرة إلى فلسطين المحتلة بملامحها الإثنية والدينية الأساسية التى أتت بها من بلدان المهجر ـ تغيير الموقف من النازحين (يوريديم) ـ الاهتمام بالمواطنين غيراليهود الذين هاجروا إلى إسرائيل ـ الاهتمام بأسلوب الحياة والبيئة فى إسرائيل ـ إنشاء «بعثات سلام اسرائيلية» ، أى أن يقوم الشباب اليهودى فى العالم بأداء نوع من الخدمة «القومية» فى إسرائيل نيابة عن الشعب اليهودى (. كما نشبت المعارك المعتادة: فحينما قال يوسى ساريد (عضو الكنيست ورئيس حزب ميرتس) أن أى شخص يساهم فى تسمين المستوطنات يرتكب فعلا معاد للصهوينة لأنه يعرض عملية السلام للخطر، وحين قام بالهجوم على نتنياهو، قاطعته أصوات عالية، تتهمه بأنه ليس يهوديا، بل وطالبه البعض بالذهاب إلى وطنه! وقد هاجمت شوشانا كاردين، رئيسه النداء الإسرائيلى الموحد، الطبيعة السياسية للحركة الصهيونية وطالبت بإعادة تعريفها بحيث تصبح مشاركة حقيقية بين الدولة الصهيونية والجماعات اليهودية فى العالم، وأن تقوى أواصر العلاقة بينها. وقد حذر الحاخام نورمان رام، رئيس جامعة يشيفا، من إعطاء ثقل غير حقيقى للحركتين الإصلاحيه والمحافظة داخل الحركة الصهيونية. وهذه كلها موضوعات «قديمة» سبق نقاشها من قبل. وكانت قرارات المؤتمر الصهيونى كلها ذات طابع إدارى إجرائى، وتنبع معظمها من إحساس أعضاء المنظمة الصهيونية والقائمين عليها بأن المنظمة أصبحت لا قيمة لها وأنه أصبح من الممكن الاستغناء عنها (على أن تقوم الحكومة بالوصول مباشرة إلى أعضاء الجماعات اليهودية فى العالم) . وكان من ضمن القرارات إقامة مشاركة حقيقيه بين إسرائيل ويهود العالم ينعكس على اختيار المندوبين، بحيث يكون نصفهم من إسرائيل والنصف الآخر من يهود العالم، وهو قرار يعكس المحاولة اليائسة من جانب المنظمة الصهيونية أن تصبح لها دور، ولكنه فى ذات الوقت تعبير عن تآكل دورها. والملاحَظ، من متابعة سير المؤتمرات الصهيونية المختلفة، أن الاختلافات والصراعات التي قامت بين أنصار التيارات الصهيونية المختلفة، من صهيونية سياسية وصهيونية عمالية أو عملية أو ثقافية أو دينية أو توفيقية، لا تعدو أن تكون خلافات داخل "الأسرة الواحدة" حول أفضل الأساليب وأكثرها فاعلية دون أن تتجاوز هذا إلى الأهداف النهائية التي هي موضع اتفاق عام بين هذه التيارات. وقد أُثيرت في الآونة الأخيرة شكوك قوية ـ من جانب كثير من القيادات والتيارات الصهيونية ـ حول جدوى المؤتمرات الصهيونية ومدى فاعليتها. إذ يرى الكثيرون أن المؤتمرات تحوَّلت إلى منتديات كلامية وأصبحت عاجزة عن مواجهة المظاهر المتفاقمة للأزمة الشاملة للحركة الصهيونية ودولتها، التي تتمثل في مشاكل النزوح والتساقط واندماج اليهود في مجتمعاتهم والزواج المُختلَط والتمايز بين اليهود الشرقيين واليهود الغربيين، بالإضافة إلى انفضاض يهود العالم عن حركة الصهيونية بما يكرس عزلتها. ومن أبرز الدلائل على تلك الأزمة أن المؤتمرات الصهيونية المتتالية لم تفلح حتى الآن في الاتفاق على حلٍّ لمشكلة من هو اليهودي ومن هو الصهيوني رغم أنها تأتي دائماً في مقدمة الموضوعات المطروحة على جدول الأعمال في المؤتمرات المختلفة. ورغم أن البعض يحاول أن يُرجع هذا العجز إلى أسباب فنية وتنظيمية إلا أنه بات واضحاً أن مظاهر الأزمة ذات طبيعة تاريخية وحتمية تتجاوز الحدود التنظيمية لتصل إلى جذور المشروع الصهيوني نفسه وإلى طابع نشأته وتطوره. ولهذا، فليس من قبيل المبالغة أن يُضاف عجز المنظمة الصهيونية العالمية بهيئاتها المختلفة، ومنها المؤتمر، إلى مجمل المظاهر العامة لأزمة الحركة الصهيونية. برنامج القدس 5728 (1968 ( Jerusalem Program أقر المؤتمر الصهيوني الثالث والعشرون، المنعقد في القدس عام 1951، "برنامج القدس" والذي تُعَدُّ الموافقة عليه شرطاً أساسياً لعضوية المنظمة الصهيونية. ويحدد البرنامج الأهداف الرئيسية للحركة الصهيونية معتبراً أن "تجميع الشعب اليهودي في وطنه التاريخي ـ أرض إسرائيل ـ عن طريق الهجرة من جميع البلدان" هو هدف الصهيونية الأول. وقد أقر المؤتمر الصهيوني السابع والعشرون، الذي عُقد في القدس عام 1968، إضافة الفقرة التالية إلى "برنامج القدس" الجديد الذي سُمِّي "برنامج القدس 5728 (1968) "، وهي تُوضِّح أهداف الصهيونية بالتفصيل كما يلي: وحدة الشعب اليهودي ومركزية إسرائيل في حياته؛ تجميع الشعب اليهودي في وطنه التاريخي ـ أرض إسرائيل ـ عن طريق الهجرة من مختلف البلدان؛ تدعيم دولة إسرائيل التي قامت على أساس الرؤيا النبوئية للعدل والسلام؛ الحفاظ على هوية الشعب اليهودي من خلال تعزيز التربية اليهودية والعبرية والقيم الثقافية والروحية اليهودية، وحماية الحقوق اليهودية أينما كانت. وصياغة برنامج القدس صياغة مراوغة إلى أقصى حد (انظر: «الخطاب الصهيوني المراوغ» ) وهو ما جعل عملية تبنيه مسألة سهلة جداً. ورغم الموافقة الأولية على «برنامج القدس» من جانب الاتحادات الصهيونية والتجمعات اليهودية المختلفة، باعتباره شرطاً لانضمامها إلى المنظمة الصهيونية، فقد أثار منذ إقراره (وحتى الآن) نقاشات وخلافات حادة بين الاتجاهات المتعددة في الحركة الصهيونية، وخصوصاً فيما يتعلق بتأكيده محورية الهجرة إلى إسرائيل كأساس لتحقيق الصهيونية، وبالتالي إعطاء إسرائيل دور المركز بالنسبة ليهود العالم، وما يترتب على ذلك من اعتبار من لا يعتزم الهجرة إلى إسرائيل غير صهيوني. وتمثل التجمعات الصهيونية خارج إسرائيل عموماً، والتجمعات الصهيونية في أمريكا بشكل خاص، المعارضة الأساسية لهذه النصوص التي تؤدي ـ في نظرهم ـ إلى زيادة ثقل دولة إسرائيل داخل الحركة الصهيونية مع تقليص دور التجمعات في الخارج وتهميشها. وترفض المنظمات المؤيدة لهذا الاتجاه اعتبار اليهود «أمة» مرتبطة بوطن وتكتفي بالحديث عن «شعب يهودي» دون الارتباط بوطن واحد. كما تطالب بتأكيد المشاركة بين الدولة ويهود «الشتات» في الخارج على قدم المساواة، وبالنظر إلى الهجرة نحو إسرائيل لا كأساس لتحقيق الصهيونية وإنما كمثل أعلى. هاتيكفاه Hatikva «هاتيكفاه» كلمة عبرية معناها «الأمل» ، وهو اسم نشيد الحركة الصهيونية الذي أصبح النشيد القومي لإسرائيل، وفيما يلي مقطوعتان من النشيد: ما دامت روح اليهودي في أعماق القلب تتوق. ونحو الشرق تتطلع العيون لصهيون. أملنا لم يُفقَد أبداً. أمل ألفي عام: أن نصبح شعباً حراً في وطننا. أرض صهيون وأورشليم. والمقطوعة الثانية في النشيد لازمةٌ تتكرر. والنشيد يشبه من بعض الوجوه الخطاب الصهيوني المراوغ؛ فهو نشيد مليء بالفراغات، يتحدث عن التطلع إلى صهيون، وعن أمل لم يُفقَد بعد، وعن شعب واحد، وعن أرض صهيون، ولكنه يلتزم الصمت تجاه غالبية اليهود الذين يرفضون أن يكونوا جزءاً من الشعب اليهودي وإن قبلوا ذلك اسماً (فهم يرفضون الهجرة) . وبطبيعة الحال، يلتزم النشيد الصمت تجاه آلية العودة إلى الأرض وآلية التخلص من أهلها. ورغم حديث النشيد عن تطلعات هذا الشعب الواحد، فإن ملابسات تأليفه وتلحينه تبيِّن عكس ذلك على طول الخط، فالقصيدة وضعها بالعبرية الشاعر نفتالي هرز إمبر المولود في جاليشيا عام 1856 والمتوفي في نيويورك عام 1909 والذي تنصَّر بعض الوقت وانتقل من شرق أوربا إلى غربها. وبعد استيطانه في فلسطين لم يُطق العيش فيها وانتقل منها إلى الولايات المتحدة (حيث استقر مع الملايين من المهاجرين اليهود) . وكان نفتالي إمبر يكتب بالعبرية واليديشية والإنجليزية. والقصيدة متأثرة ببعض الموضوعات التي ترد في بعض الأغاني الألمانية، كما أنها متأثرة بأنشودة وطنية بولندية أصبحت نشيد بولندا القومي ("بولندا لم تضع بعد، ما دمنا على قيد الحياة") . أما فيما يتصل باللحن، فقد وضع موسيقاه صمويل كوهين الذي اقتبسها من موسيقى أغنية شعبية رومانية من مولدافيا (مسقط رأسه) تُسمَّى «العربة والثور» ، وهو لحن شعبي شائع جداً في وسط أوربا، ولذا فهو موجود أيضاً في تشيكوسلوفاكيا، وقد استخدمه الموسيقار سميتنا في إحدى سيمفونياته. وقام الصهاينة بمحاولات عدة لإعداد نشيد قومي ليس له أصول غربية (غير يهودية) ، فأعلنوا عدة مسابقات، ولكن النتيجة جاءت دائماً مخيبة للآمال. وتم تبنِّي الهاتيكفاه كنشيد رسمي للحركة الصهيونية في المؤتمر الصهيوني الثامن عشر (1933) ، وهو المؤتمر الذي تم فيه أيضاً الموافقة على اتفاقية الهعفراه (الترانسفير) مع النازي. وقد أثيرت مؤخراً في إسرائيل قضية بشأن مضمون النشيد القومي، فإذا كان نشيد الهاتيكفاه يتحدث عن أحلام اليهود، فكيف يمكن أن يعتبره العرب من مواطني الدولة الصهيونية نشيدهم الوطني؟ نفتالي إمبر (1851-1909 ( Naftali Imber شاعر يكتب بالعبرية واليديشية وأحياناً بالإنجليزية. وُلد في جاليشا لأسرة حسيدية، وتلقَّى تعليماً دينياً. ومع هذا، كانت أول جائزة أدبية حصل عليها عن قصيدة وطنية نمساوية (1870) . وقد تجوَّل إمبر بعد موت أبيه من بلد لآخر. وفي إستنبول، قابل لورانس أوليفانت الصهيوني غير اليهودي الذي كان يحاول أن يبدأ حركة استيطانية بين اليهود، فعمل إمبر سكرتيراً له وذهب معه إلى فلسطين عام 1882 حيث عاش لمدة ستة أعوام وكتب مقالات للمجلات العبرية. ونشر إمبر عام 1886 مجموعة من القصائد العبرية بعنوان نجمة الصباح، وهي المجموعة التي تضم قصيدة «هاتيكفاه (الأمل) » التي كان عنوانها في البداية «تيكفاتينو» (أملنا) . وقد أصبحت هذه القصيدة نشيد الحركة الصهيونية ثم أصبحت النشيد القومي لإسرائيل. ومما له دلالته أن مجموعة نجمة الصباح مهداة إلى أوليفانت، وهو أهم الشخصيات في تاريخ الصهيونية بين غير اليهود. ومن قصائد إمبر الأخرى التي أحرزت شعبية بين المستوطنين، قصيدة «حراسة على نهر الأردن» . وبعد موت أوليفانت، ذهب إمبر إلى إنجلترا حيث تعرَّف إلى إسرائيل زانجويل الذي رسم صورة كاريكاتيرية له (الشاعر الشحاذ) في رواية أطفال الجيتو. وقد انتقل إمبر بعد ذلك إلى الشرق وتجوَّل فيه حتى وصل إلى بومباي حيث يُقال إنه تنصَّر (ويُقال إنه تنصَّر أيضاً بعض الوقت في فلسطين، وهذه رواية يرويها صديقه إسرائيل زانجويل) . وانتقل إمبر بعد ذلك إلى الولايات المتحدة حيث عاش حياة بؤس وفقر وإدمان. وقد تعرَّف إلى امرأة مسيحية بروتستانتية تهوَّدت بعد أن تزوجها، ولكن الزواج انتهى بالفشل. ونشر شقيق إمبر مجموعته الشعرية الأخرى نجمة الصباح الجديدة (1902) ، ولكن معظم نسخها احترق. ثم نشر ديوان شعر ثالثاً له في نيويورك عام 1905 بعد مذابح كيشينيف، وقد أهدى المجموعة لإمبراطور اليابان التي كانت في حالة حرب مع روسيا. وقد كتب إمبر كذلك عدة كتيبات بالإنجليزية عن القبَّالاه، وحرَّر مجلة أورييل وهي مجلة ثيو صوفية كانت تَصدُر في بوسطن. كما قام بترجمة رباعيات عمر الخيام إلى العبرية. والواقع أن سيرة حياة إمبر ذات دلالات رمزية وواقعية عديدة: 1 ـ فهو يهودي من شرق أوربا ويذهب إلى فلسطين مع صهيوني استيطاني غير يهودي، ويرحل عنها بعد وفاة الصهيوني غير اليهودي. 2 ـ رغم أن إمبر تلقَّى تعليماً دينياً، إلا أن إيمانه الديني تزعزع تماماً ويتضح هذا في تَنصُّره بعض الوقت ثم رجوعه عن ذلك ثم زواجه من امرأة مسيحية ثم انشغاله بالقبَّالاه. لكن تهوُّد هذه المرأة يبين مدى تَداخُل المسيحية واليهودية بعد أن تمت علمنتها من الداخل. تاريخ الصهيونية في روسيا History of Zionism in Russia لعبت روسيا دوراً مهماً في تاريخ الحركة الصهيونية الاستيطانية، فقد كانت أوضاع اليهود في روسيا تربة خصبة لنمو أية أفكار تبشر بالخلاص، سواء الفردي مثل الحسيدية أو القومي مثل الصهيونية. ومثلها مثل العديد من دول شرق أوربا، بدأ التوجه الصهيوني فيها بنشأة حركة أحباء صهيون في ثمانينيات القرن التاسع عشر. وحينما نشر هرتزل كتابه دولة اليهود، التف حوله صهاينة روسيا، وقد انعكس هذا في التمثيل الروسي في المؤتمر الصهيوني الأول (1897) الذي وصل إلى الثلث، فمن بين 197 مندوباً كان هناك 66 مندوباً روسياً. ومن هؤلاء شخصيات احتلت مراكز مهمة في الحركة الصهيونية فيما بعد مثل ليو موتزكين وفلاديمير تيومكين وهرمان شابيرا وغيرهم. وقبل المؤتمر الصهيوني الثاني (1898) ، اجتمع القادة الصهاينة الروس، ومنهم صهاينة الجزء الروسي من بولندا في وارسو، وظهر في هذا الاجتماع أن ثمة خلافاً في الرأي بينهم وبين القيادة العامة للمنظمة الصهيونية العالمية. وقد كان هذا الخلاف يعبِّر عن اختلاف في التوجه، فبينما اتجهت القيادة العامة ذات المنحى التوطيني إلى التفاوض مع الأتراك للحصول على وثيقة تتيح لليهود استيطان فلسطين، طالب الصهاينة الروس ذوو الاتجاهات الاستيطانية بالقيام بمشاريع استيطان فعلية في فلسطين وتنظيم برامج ثقافية تمهيداً لتوطين اليهود في فلسطين. ورغم هذا، لم يصل الخلاف إلى حد القطيعة أو الانفصال، فقد كان كل فريق بحاجة للآخر، فالروس (الاستيطانيون) كانوا في حاجة إلى الغربيين (التوطينيين) لإمدادهم بالدعم المادي والسياسي اللازم، والغربيون كانوا بحاجة للروس لأنهم يمثلون المادة البشرية الخام. وعلى هذا، حضر الصهاينة الروس المؤتمر الثاني بينهم ياحيل تشيلينوف وحاييم وايزمان وناحوم سوكولوف وشماريا ليفين وموتزكين الذي قدَّم تقريراً مفصلاً عن رحلته التي قام بها بتكليف من المؤتمر الصهيوني الأول (1897) إلى فلسطين. وازدادت قوة الصهيونية الروسية وسط المنظمة العالمية بمرور الوقت، فقد حضر المؤتمر الرابع في لندن عام 1900 أكثر من 200 مندوب روسي، وقاموا في المؤتمر الخامس في بازل عام 1901 بتشكيل "العصبة الديموقراطية" برئاسة وايزمان وموتزكين التي عبَّرت عن تطلعات الروس الاستيطانية مقابل المسعى التوطيني الذي التزم الغربيون به عن طريق العمل الدبلوماسي والضغط السياسي. وشكَّل الجناح الأرثوذكسي المتدين بقيادة الحاخام إسحق رينز حركة المزراحي للتعبير عن مخاوف المتدينين من سيطرة العلمانيين. وفي عام 1902، عُقد المؤتمر الصهيوني الأول لعموم روسيا في مدينة منسك. وقام أحاد هعام وناحوم سوكولوف بطرح فكر العلمانيين فيما يخص الثقافة والتربية "اليهوديتين". وقد عارضت حركة المزراحي هذا الفكر بشدة تحت قيادة رينزو شمويل ياكوف. ووصلت الحركة الصهيونية إلى حل توفيقي يقبل جود اتجاهين متعارضين في الصهيونية فيما يخص التربية والثقافة اليهودية. والواقع أن هذا الحل وتلك الطريقة التوفيقية التلفيقية المستمرة حتى اليوم إنما تكشف عن جانب مهم وخاصية أساسية في الصهيونية الاستيطانية ألا وهي محورية فكرة الاستيطان نفسها التي تتلاشى معها الفروق الأخرى. وقد أثارت زيارة هرتزل لروسيا في صيف 1903 ومحاولته مقابلة وزير الداخلية فون بليفيه ضجة استنكارية واسعة في صفوف الصهاينة الروس الذين عبَّروا عن رفضهم أسلوب التعامل مع من كانوا يعتبرونه جلاد اليهود والمسئول عن المذابح اليهودية. وفي المؤتمر الصهيوني السادس (1902) ، اتُخذت تلك المسألة تكئة لمعارضة هرتزل في مسألة أهم هي اقتراحه الرامي إلى وضع خطة التوطين في شرق أفريقيا. وقد كانت الحركة الصهيونية الروسية بشُعبها التي تعدَّت 1572 جمعية محلية (عام 1903) تمثل القوة الأولى في المنظمة وتمثل المادة الخام البشرية الأهم. ومن ثم، لم يكن بالإمكان الاستهانة بمعارضة الصهاينة الروس لهذا المشروع. ويمكننا أن نقول إن هذه المعارضة قد تصاعدت حتى بلغت ذروتها في أكتوبر عام 1903 وتجلَّت في شكل مؤتمر كراكوف الذي حضرته القيادات الصهيونية الروسية كافة وقُدِّم في هذا المؤتمر تهديد صريح لهرتزل بضرورة ترك مشروع شرق أفريقيا أو مواجهة انسحاب شامل من المنظمة. وفي مؤتمر بازل عام 1905، حدث الصدام الحاد بين التوطينيين بقيادة إسرائيل زانجويل وبين الصهاينة الاستيطانيين الروس، وخصوصاً بعد موت هرتزل. وانتصر الاستيطانيون وانفصل زانجويل مكوِّناً المنظمة الصهيونية الإقليمية. بيد أن التأثير الأعظم للإقليميين كان على الحركة العمالية الصهيونية التي كانت لا تزال وليدة عام 1905 ولم تكن ذات شأن بين الحركات العمالية في روسيا في هذا الوقت، حيث رأى القادة العماليون أن أية هجرة يهودية إلى أي مكان ستشكل في النهاية حركة استيطان ذات طابع عمالي ومن ثم تنحل المشكلة اليهودية حلاًّ اشتراكياً. وكان الداعية الأساسي لهذه الحركة هو الزعيم الصهيوني بير بوروخوف. وقد تعرضت الحركة الصهيونية في هذا الوقت إلى معارضة قوية في صفوف أعضاء الجماعات اليهودية من حزب البوند الذي كان يدعو إلى نبذ فكرة الهجرة وإلى الاستقلال الذاتي في إطار روسيا الكبرى. وقد ساهمت الحركة العمالية الصهيونية في حركة الهجرة الروسية الثانية التي استمرت بين عامي 1904 و1914 والتي أقامت مستوطنات مثل داجانيا. وقد أيَّدت الحكومة الروسية الاتجاهات الاستيطانية ورحبت بالهجرة، إلا أن مقررات مؤتمر هلسنجفورس عام 1906، التي دعت إلى تقوية الحركة داخلياً والدفاع عن حقوق اليهود القومية، أثارت شكوك الحكومة القيصرية، وهو ما حدا بها إلى منع الحركة عام 1907. وفي عام 1908، زار ديفيد ولفسون رئيس المنظمة الصهيونية العالمية سان بطرسبورج وحصل ثانيةً على وعد بالاعتراف بالنشاطات الصهيونية الخاصة بالصندوق القومي والصندوق الاستعماري. بيد أن الحكومة القيصرية رفضت التصريح بإعادة المنظمة للمجال الشرعي. ورغم هذا، استمر تأثير المنظمة الروسية عالمياً، فحصل الصهاينة الروس على مقاعد أساسية في اللجنة التنفيذية للمنظمة العالمية في المؤتمر العاشر عام 1911 وفي المؤتمر الحادي عشر في فيينا عام 1913. ومع اندلاع ثورة فبراير عام 1917 في روسيا، انتهت كل المعوقات التي كانت تضعها الحكومة القيصرية أمام الحركة الصهيونية، فاجتذبت أعداداً ضخمة من اليهود الذين شردتهم الحرب وأضرت بهم. وعُقد مؤتمر صهيوني لعموم روسيا في بتروجراد في 24 مايو عام 1917 حضره 552 مندوباً يمثلون 140 ألف شيقل بالمقارنة بعام 1913 حيث كان عدد دافعي الشيقل 26 ألفاً فقط. وقد أقر هذا المؤتمر مقررات مؤتمر هلسنجفورس وصاغ برنامجاً موحداً لكل الجماعات الصهيونية للمشاركة في انتخابات الجمعية التأسيسية لعموم يهود روسيا. ودُعيت اللجنة التنفيذية الجديدة للعمل على إعداد مؤتمر عام. وحينما عُقد المؤتمر، حضره جوزيف ترومبلدور من فلسطين ودعا إلى إنشاء جيش من اليهود الروس لاحتلال فلسطين مروراً بالقوقاز، وأيَّد حوالي 20 مندوباً أفكار جابوتنسكي حول التعاون مع بريطانيا من أجل تكوين الفيلق اليهودي. بيد أن الغالبية العظمى كانت تؤيد فكرة حياد اليهود التي تبنتها المنظمة الصهيونية العالمية. وقد انتهى هذا الحياد مع صدور وعد بلفور عام 1917. ومع قيام الثورة البلشفية في 24 أكتوبر 1917، لم تتأثر الحركة الصهيونية في البداية، بل أُقيم أسبوع لفلسطين في ربيع عام 1918. وسيطر الصهاينة على الاجتماعات اليهودية التي قاطعتها الأحزاب الاندماجية، ففي مؤتمر موسكو الذي حضره 149 مندوباً من أربعة تجمعات يهودية محلية في روسيا كان الصهاينة هم الوحيدون المُمثَّلون، وحصل الصهاينة في أوكرانيا على 55% من مقاعد المجالس اليهودية. ولكن، مع ازدياد قوة الحكم السوفيتي واستتباب الأمر للشيوعيين، أصبحت الصهيونية هدفاً للاتهامات الحكومية، وتم إلغاء الأحزاب والمنظمات الصهيونية وألُقي القبض على بعض القادة. وقد قام القسم اليهودي في الحزب الشيوعي السوفيتي الجديد بمحاربة الروح (الانعزالية والكهنوتية) الصهيونية بين الجماعات اليهودية. وفي العشرينيات، قامت الحركة الصهيونية بعدة محاولات للحصول على حق القيام بنشاط صهيوني علني، وخصوصاً في المجال الثقافي، وفي مجال تشجيع الهجرة لفلسطين (مثلما حدث في المفاوضات شبه الرسمية التي أجراها عضو اللجنة التنفيذية للمنظمة الصهيونية العالمية م. د. إدر أثناء زيارته لموسكو عام 1921) . بيد أن هذه المحاولات باءت بالفشل. وقد استؤنف النشاط الصهيوني العلني في روسيا وأوكرانيا بعد سقوط الاتحاد السوفيتي. تاريخ الصهيونية في بولندا History of Zionism in Poland لا يمكن الحديث عن تاريخ متجانس للصهيونية في عموم بولندا. فقد ارتبطت الحركة في كل قطاع من قطاعات بولندا بتاريخ البلد الذي ينتمي إليه هذا القطاع، بمعنى أن يهود بولندا في القطاع الألماني تأثروا بنظرة اليهود الاندماجية الألمان ومن ثم كانوا يرفضون الصهيونية. لذا، سينقسم الحديث عن تاريخ الصهيونية في بولندا إلى مرحلتين: المرحلة الأولى تشمل تاريخ الصهيونية في بولندا المقسَّمة والمحتلة، والمرحلة الثانية تشمل تاريخ الصهيونية في بولندا المستقلة. وتنقسم المرحلة الأولى بدورها إلى ثلاثة أقسام حيث يعالج كل قسم تاريخ الصهيونية في قطاع بعينه من قطاعات بولندا: المرحلة الأولى: بولندا المحتلة المقسَّمة: أ) الصهيونية في القطاع الألماني: كان عدد اليهود في القسم الألماني من بولندا لا يتعدى 50 ألف نسمة في بداية القرن العشرين، وقد تأثروا جميعاً بالفكر الاندماجي السائد بين اليهود الألمان حتى أن اهتمامهم باليهودية في ذاتها لم يكن كبيراً. ومن ثم، كان موقفهم من الصهيونية معادياً وبشدة لخطورة تلك الأفكار على وضعهم الاجتماعي في ألمانيا. ورغم وجود داعيين صهيونيين مهمين، هما زفي هيرش كاليشر وإليا جوتيماخر، في هذا القطاع، وإقامة أول مؤتمر لحركة أحباء صهيون في كاتوفيتش عام 1884، إلا أن تأثير هذا على الجماعة اليهودية في القطاع الألماني كان ضئيلاً جداً (بل يمكن القول بأنه كان منعدماً) . ب (الصهيونية في القطاع الروسي: بلغ تعداد السكان اليهود في القطاع الروسي من بولندا، في نهاية القرن التاسع عشر، حوالي 2 مليون نسمة. وكان هذا القطاع قطاعاً متقدماً اقتصادياً، بل من أغنى مناطق بولندا وروسيا كلها، وكان مركزاً للصناعة والتجارة ومحطة مهمة بين روسيا القيصرية وباقي أوربا. ولم يكن يهود هذا القطاع متعاطفين في البداية مع الصهيونية بل كان موقفهم، على حد تعبير الموسوعة اليهودية، "معادياً ومضاداً للصهيونية". وذلك فضلاً عن أن المذهب الأرثوذكسي المنتشر بين يهود هذه المنطقة كان معادياً بشدة لفكرة الصهيونية. وكان حَمَلة لواء الصهيونية الأساسيون في تلك المنطقة هم الليتفاك، أي اليهود القادمون من ليتوانيا وأستونيا ولاتفيا وفنلندا، أي دول البلطيق الروسية في ذلك الوقت، والذين كانت الصهيونية بالنسبة لهم وسيلة للخلاص من القمع المزدوج من قبَل الروس وأهالي البلطيق. بيد أن الوضع كان مختلفاً في مناطق أخرى من القطاع الروسي في بولندا حيث استُقبلت الأفكار الصهيونية منذ البداية بترحاب شديد لأنها كانت تمثل طريقاً للخلاص، وخصوصاً وسط القطاعات الهامشية من يهود بولندا الروسية الذين كانوا يعيشون بعيداً عن منطقة الوسط الصناعية المتقدمة. وكانت السلطات الروسية ترحب بالأفكار الصهيونية على أساس أنها وسيلة ناجعة لمكافحة الأفكار الاشتراكية والثورية، وللتخلص من الفائض البشري اليهودي. وتقول الموسوعة الصهيونية في هذا الصدد: "كان رد فعل الأغيار البولنديين إيجابياً تجاه الحركة الصهيونية حيث إنهم نظروا للاستيطان في فلسطين باعتباره السبيل الأمثل للإسراع بطرد اليهود من بولندا". وقد أدَّى إقرار برنامج هلسنجفورس (1906) ، الذي تبنَّى مطلب الدفاع عن المصالح الآنية و"الحقوق المشروعة" للقومية اليهودية إلى وضع الجماعة اليهودية المؤيدة للصهيونية في موقف عداء مباشر مع غيرها من الأقليات والقوميات وكذلك مع السلطات القيصرية التي كانت تنادي بالقومية الروسية السلافية كقومية فوق القوميات. وقد اتخذ هذا العداء أحياناً شكل القمع السياسي ومصادرة الصحف، واتخذ أحياناً أخرى شكل مقاطعة اليهود اقتصادياً، وخصوصاً في الأوساط الشعبية. وقد شهدت تلك الأعوام أيضاً مجموعة يهودية معادية للصهيونية هم اليهود الذين عملوا من خلال البرلمان البولندي أو «السييم» . وقد سُمِّيت تلك المجموعة «السييميون» أو «مؤيدو الانضمام للسييم» ، وكانت الحركة الصهيونية تقاطع البرلمانات سواء الروسية (الدوما) أو البولندية (السييم) . ولكن، مع التطورات السياسية وظهور تلك الجماعة المنافسة، نجح الصهاينة في انتخاب أحد ممثلي الحركة في لودز. ورغم هذا النشاط السياسي والدعائي، لم تنجح الحركة الصهيونية في تهجير عدد كبير من اليهود إلى فلسطين في هذه الفترة. ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى، توقفت النشاطات الصهيونية في بولندا، وبعد قيام دول الوسط باحتلال بولندا المؤتمر، بدأت حركة عمال صهيون في الحركة تحت رعاية قوى الوسط التي كانت تبغي توظيف النشاط الصهيوني في مواجهة الأطماع البريطانية في الشرق العربي. جـ) الصهيونية في جاليشيا (القطاع النمساوي من بولندا) : اختلف نمو وتطوُّر الحركة الصهيونية في جاليشيا، عنها في القطاعات الأخرى من بولندا، اختلافاً بيَّناً. فعلى جانب كانت الحكومة النمساوية أكثر ليبرالية من الحكومة القيصرية في روسيا، وكانت الحركة الصهيونية من جانب آخر تطلب عون النمساويين والألمان من أجل تحقيق فكرة الوطن القومي اليهودي. وقد تطوَّرت الحركة الصهيونية في جاليشيا في صفوف دعاة حركة التنوير اليهودية. وبمعنى آخر، تأثرت الحركة الصهيونية في جاليشيا منذ البداية بالرؤية المعرفية الإمبريالية الكامنة في التنوير وبالبُعْد القومي الرومانسي الذي نشأ في دول الوسط في أوربا. وكانت إمبراطورية النمسا/المجر تعتبر اليهود جماعة دينية لا جماعة قومية. وفي خضم الصراع بين القوميات داخل الإمبراطورية، حاول البولنديون ضم أعضاء الجماعة اليهودية لصفوفهم من أجل التفوق على الأوكرانيين عددياً، كما حاول الأوكرانيون فعل الشيء نفسه. بيد أن هذا الاتجاه لاقى معارضة كبيرة من جانب الصهاينة الاستيطانيين الذين نظروا لهذا الاتجاه على أنه تكريس للاندماج، وأصروا على أن هدف الصهيونية هو الهجرة إلى فلسطين ومن ثم أصروا على أن يقتصر دورها في البلاد الأخرى على الجانب التثقيفي والمالي اللازم لتحقيق الهدف الأساسي، أي الاستيطان في فلسطين. من ثم، فقد وصل مؤتمر كراكوف عام 1906 إلى نوع من الحل التوفيقي في هذا المضمار حيث أنيط بالحزب القومي اليهودي الذي كان حديث النشأة مسئولية الدفاع عن حقوق اليهود (المدنية والسياسية) ، بينما أنيط بالمنظمة الصهيونية مهمة جَمْع المال والتثقيف الصهيوني. وقد كان مؤتمر كراكوف هذا حلبة خاصة لصهاينة جاليشيا رغم أنه كان، من الناحية النظرية، يمثل سائر الاتجاهات الصهيونية في النمسا. وفي عام 1907، نجح الحزب القومي اليهودي الذي كان مجرد واجهة في إرسال أربعة من ممثليه إلى أول برلمان نمساوي، كان ثلاثة منهم من جاليشيا والرابع من بوكوفينا. وفي خضم هذا الصراع السياسي، نجح الصهاينة في إحكام قبضتهم على التجمعات اليهودية في جاليشيا من خلال العديد من المطبوعات اليديشية والبولندية، بل نجح الصهاينة في جاليشيا في إقامة مستوطنة خاصة بهم في فلسطين ونشروا سلسلة من المدارس العبرية وسيطروا على مدارس البارون دي هيرش اليهودية وطردوا الاندماجيين منها. والجدير بالذكر في هذا الصدد أن أعداداً كبيرة من يهود جاليشيا كانوا من الفرانكيين (أتباع فرانك الذي تأثر بالتنوير والفكر القومي الرومانسي) . ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى، أصيبت الحركة الصهيونية في بولندا النمساوية بالشلل حيث احتلت القوات الروسية (في بداية الحرب) جاليشيا لمدة سنة، وأدَّى هذا إلى فرار ما يزيد على نصف السكان اليهود إلى داخل النمسا وخصوصاً لاتفيا. ومع تغيُّر مجريات الأمور في الحرب، استعادت الحركة الصهيونية نشاطها ولكن في حذر، وذلك تحسباً لما ستسفر عنه الحرب. المرحلة الثانية: بولندا المستقلة: وتتميَّز تلك المرحلة بما يلي: 1 ـ زيادة عضوية المنظمة الصهيونية. وكانت منافستها الوحيدة للسيطرة على يهود بولندا هي منظمة أجودات إسرائيل الأرثوذكسية. 2 ـ نجاح جميع الحركات الصهيونية في مختلف قطاعات بولندا في الاندماج وسط الحركات العمالية (عمال صهيون) والدينية (مزراحي) ولكنهم أخفقوا في الاندماج في الحركات الأخرى. 3 ـ أدَّى هذا الفشل إلى ظهور صراعات حزبية هي في الواقع تعبير عن الصراع حول الرؤية بين الاستيطانيين والتوطينيين. فقد حاول التوطينيون دائماً إبعاد الصهيونية عن دخول مواجهات مع الحكومات، بيد أن الاستيطانيين كانوا يرون أن المواجهة مع الحكومة تدفع إلى هجرة اليهود إلى فلسطين وهو الهدف الأساسي. وقد أدَّى هذا في النهاية إلى هزيمة التوطينيين (الصهاينة العموميين) . 4 ـ ازدادت أهمية الجماعة اليهودية في بولندا وازدادت أهمية الهجرة اليهودية من بولندا إلى فلسطين. ورغم الانقسامات التي حدثت في صفوف الحركة، فإن كل الأحزاب الصهيونية استمرت داخل نطاق المنظمة الصهيونية العالمية عدا حركة اليسار العمالي المتطرف، عمال صهيون والصهاينة التصحيحيين. وقد ارتبطت الحركة الأولى بالحركات الاشتراكية والعمالية في العالم، وساعد نجاح البلاشفة في الاستيلاء على السلطة على تدعيم موقفها الرافض للتعاون مع البورجوازية. وبينما اعتمد العماليون على نجاح البلاشفة لتدعيم حركتهم وسط العمال اليهود، اعتمد التصحيحيون على عدوانيتهم وطابعهم القومي الاستيطاني المتطرف لاجتذاب الشباب. وقد نجح التصحيحيون في أن يحركوا الشباب اليهودي في بولندا فأعلنوا عام 1930 عن خطة ضخمة لتهجير اليهود من بولندا إلى فلسطين. وقد قوبلت الخطة برفض شديد من قبَل أعضاء الجماعات اليهودية لأنها ترسخ الموقف البولندي المعادي لليهود، ولكنها نجحت في دعم موقف التصحيحيين وسط الحركة الصهيونية ذلك أن الحكومة البولندية التي كانت تضم عناصر معادية لليهود استقبلت الخطة بترحاب شديد، وقامت بدعم التصحيحيين باعتبارهم العنصر الصهيوني الذي يعبِّر بشكل متبلور عن الروح الاستيطانية وعن رفض أي شكل من أشكال الاندماج أو الانتماء لغير "القومية اليهودية". وقد تركزت المعارضة اليهودية للصهيونية، أساساً، في الحركات التي كانت تنادي باندماج اليهود وسط المجتمع البولندي مثل البونديين والسييميين (أي البرلمانيين) . بيد أن النواة الأساسية للمعارضة في الأوساط اليهودية كانت من صفوف اليهود الأرثوذكس في حركة أجودات إسرائيل وغيرهم من حاخامات الحسيديين (رغم أن بعض الحسيديين كانوا مؤيدين للصهيونية ( وكان الاندماجيون من البونديين والسييميين يعارضون العبرية ويدعون لاستخدام اليديشية بوصفها لغة قومية. وقد تميزت علاقة هؤلاء بالحكومة البولندية بالتوتر نظراً لطابعهم الذي كان قومياً واندماجياً في آن واحد، وكذلك بسبب الأيديولوجيا الثورية التي كانوا ينادون بها. وقد لعبت الحركة الصهيونية في بولندا دوراً مهماً في تهجير اليهود البولنديين بين الحربين، حتى أن بولندا صارت المصدر الأول للمادة الاستيطانية البشرية في فلسطين بعد أن منع الشيوعيون اليهود من الهجرة من روسيا، وكان معظم المهاجرين من الشباب من الصهاينة العماليين ذوي التوجه الاستيطاني. وقد جُرِّم النشاط الصهيوني بعد أن وصل الشيوعيون إلى الحكم. تاريخ الصهيونية في ألمانيا History of Zionism in Germany كانت ألمانيا في بداية الحركة الصهيونية محط أنظار القادة الصهاينة ومحور اهتمامهم لأسباب عديدة نوجزها فيما يلي: 1 ـ كانت ألمانيا مهد الفكر القومي الأوربي العضوي وهو الفكر الذي انطلقت منه الصهيونية والإطار الذي تحركت من خلاله. 2 ـ لم تكن ألمانيا قد كوَّنت مستعمراتها بعد، ومن ثم كانت التطلعات الإمبريالية الألمانية محتاجة إلى طلائع استعمارية استكشافية، وقد عرضت الحركة الصهيونية نفسها على الحكومة الألمانية للقيام بهذا الدور. 3 ـ كانت علاقة ألمانيا بالشرق وبالإمبراطورية العثمانية علاقة قوية. ومن ثم، نظر الصهاينة إلى ألمانيا على أنها المعْبَر الأساسي لهم نحو فلسطين. لكل هذا، يمكننا أن نقول إن ثمة اعتبارات معرفية وسياسية وعملية جعلت العلاقة بين الصهيونية وألمانيا علاقة خاصة على مدى تاريخها. وقد كانت الحركة الصهيونية في ألمانيا ذات توجُّه توطيني، وكان موقف معظم اليهود الألمان من الصهيونية معادياً وبشدة. وقد كانت خطة هرتزل الأصلية هي إقامة المؤتمر الصهيوني الأول (1897) في ميونيخ، ولكن محاولته باءت بالفشل بسبب العداء الشديد الذي واجهه من الجماعة اليهودية. ورغم أن عدد المندوبين الألمان في المؤتمر الصهيوني الأول كان 40 مندوباً، إلا أن معظمهم لم يكن ألمانياً، فبعضهم كان قادماً من فلسطين والبعض الآخر كان مهاجراً من دول أوربا الشرقية. أُسِّست في ألمانيا أكثر من حركة صهيونية المنحى، والطابع المميِّز لهذه الحركات جميعاً هو استخدامها ديباجة علمية مثل جمعية الإسرائيليين ذات الطابع التاريخي التي تأسست في برلين عام 1883، والجمعية العلمية ليهود روسيا في برلين وتأسست عام 1889 وكان أعضاؤها من يهود شرق أوربا، وجمعية تنمية الزراعة والحرف في فلسطين والتي أسَّسها ماكس بودنهايمر وديفيد ولفسون في كولونيا عام 1892، وقد تحوَّلت عام 1897 إلى الجمعية اليهودية القومية وطالبت بإيجاد دولة يهودية. والطابع العلمي لهذه الجمعيات يدل على أنها جمعيات نخبوية ثقافية كما يشير إلى طرق التفكير المنطقية المنظمة الصارمة التي تتسم بها الصهيونية في ألمانيا. وقد تأسَّست في أكتوبر 1897 الجمعية الصهيونية الألمانية لتنضم إلى الجمعيات الصهيونية في ألمانيا. وقد نمت تلك الجمعية ببطء. ففي عام 1912، كان عدد أعضائها 8.400، ووصل هذا الرقم عام 1927 إلى 20.000، ثم زاد إلى أقصى عدد عام 1934 بعد استيلاء النازيين على السلطة وصار 35.000. وكانت الجمعية تُصدر صحيفة اليوديشر روندشاو، كما كانت تمتلك مؤسسة دار النشر اليهودية، وشهد عام 1912 انعقاد المؤتمر الإقليمي الصهيوني الذي أصدر قرار بوزن والذي نص على أن: "الهجرة هي البرنامج الأساسي للصهيوني في حياته" وعلى الصهيوني أن يربط بين قدره الشخصي وبين مصير الوطن القومي عن طريق الوسائل الاقتصادية والمصالح المادية. وكما نرى، فإن هذا البرنامج التوطيني في الأساس يتيح الفرصة للقادة الصهاينة الألمان من أمثال المالي الكبير ولفسون والعالم البيولوجي واربورج للارتباط المزدوج، وهو ما يتيح لهم إمكانية أكبر داخل المجتمع الألماني حيث تصير الصهيونية بالنسبة لهم نوعاً من تأكيد الانتماء لألمانيا. وقد كان تأثير الاتحاد الصهيوني الألماني قوياً، وبخاصة في الأعوام الخمسة عشر التي بقيت خلالها رئاسة المنظمة الصهيونية العالمية في ألمانيا سواء في كولونيا أثناء فترة رئاسة ديفيد ولفسون أو في برلين أثناء فترة رئاسة أوتو واربورج. ولقد ساعد وجود المنظمة في ألمانيا على إحجام الأتراك (حلفاء الألمان) عن اعتقال اليهود في فلسطين. ومن ثم، لعبت الحرب العالمية الأولى في ألمانيا دوراً حاسماً في تاريخ الصهيونية لا يقل أهمية عن الدور الذي لعبته بريطانيا بعدها بإصدارها وعد بلفور. وقد كان النفوذ الصهيوني لدى الحكومة الألمانية والضغط الذي مارسته ألمانيا على تركيا العثمانية هو الذي حمى الاستيطانيين في فلسطين. بل إن بعض الاستيطانيين من أمثال ديفيد بن جوريون جرى اعتقالهم على يد الإنجليز بوصفهم رعايا دولة معادية. وحتى بعد انتقال المنظمة العالمية من ألمانيا، احتل قادة صهاينة ألمانيا مواقع مهمة في المنظمة العالمية وإن كانت أقل مما كانوا يحتلون بالطبع، ومن هؤلاء فليكس روزنبلوت وريتشارد لختهايم وكورت بلومنفيلد. وقد احتفظت الحركة الصهيونية في فترة جمهورية فايمار (1918 ـ 1933) بطابعها التوطيني، فكانت حركة نخبوية ولم تكن حركة جماهيرية. وكان ظهور النازية فرصة هائلة لازدهار الحركة الصهيونية، فزادت العضوية زيادة هائلة، كما تعاونت الحكومة النازية مع الحركة الصهيونية في ترحيل اليهود من ألمانيا داخل إطار ما عُرف باتفاق الهعفراه أو اتفاق التهجير الذي أصبح بمنزلة بوابة الخروج الوحيدة ليهود ألمانيا حيث أُجبروا على الذهاب إلى فلسطين، أي أن الحركة الصهيونية التوطينية تحوَّلت إلى حركة استيطانية وتم توفير المادة الخام البشرية نتيجة الأزمة التي خلقتها النازية ونتيجة تعاون الحكومة النازية مع المنظمة الصهيونية. ولقد استمرت الحركة الصهيونية في العمل الشرعي في ألمانيا حتى عام 1938، أي أن التعاون بين النازية والصهيونية ظل قائماً طالما ظلت المصالح المشتركة قائمة، ثم انفض الرباط مع إحساس كل منهما بعدم حاجته للآخر. وقد أُقيم اتحاد صهيوني جديد بعد الحرب العالمية الثانية مباشرةً وأُعيد تكوين الحركة الصهيونية في ألمانيا عام 1954 واعترفت بها المنظمة العالمية عام 1956. وهي تلعب دوراً مهماً في جمع المال ودق ناقوس الجرائم النازية، أي أنها استعادت الطابع التوطيني السالف للحركة. تاريخ الصهيونية في فرنسا History of Zionism in France لم تكن الصهيونية غير اليهودية قوية في فرنسا، فهي بلد كاثوليكي (والصهيونية غير اليهودية ظهرت وترعرت داخل التشكيل البروتستانتي بالأساس) . ومع هذا، ظهرت شخصيات صهيونية غير يهودية داخل التشكيل الاستعماري الفرنسي من أهمها نابليون بونابرت وإرنست لاهاران. أما بالنسبة للصهيونية بين يهود فرنسا، فيمكن أن نلخص مراحل تطورها فيما يلي: 1 ـ المرحلة الأولى 1880 ـ 1919 (مرحلة النشأة) : كانت الغالبية العظمى من اليهود المولودين في فرنسا لا مبالية إن لم تكن معادية للبرنامج الصهيوني. وحينما بدأ النشاط الصهيوني في فرنسا على يد البارون إدموند دي روتشيلد والتحالف الإسرائيلي العالمي، كان نشاطاً توطينياً، فقد قاما بإنشاء شبكة من المدارس في فلسطين لتدريب اليهود المستوطنين (الذين أتوا أساساً من شرق أوربا) على الزراعة. وقد كان اليهود في فرنسا يمثلون في الأغلب الأعم الشرائح المتوسطة في الطبقة الوسطى، وبذا كان الاتجاه الغالب هو رفض الحل الصهيوني الذي يطلب منهم التخلي عن الوضع المستقر الذي يعيشونه والذهاب إلى أرض يجهلونها تماماً. وكان التوجه السياسي العام لليهود في فرنسا محافظاً ومسايراً لحكومة فرنسا بوجه عام. ولأن الحكومة الفرنسية (في المراحل الأولى من الصهيونية) لم تكن مهتمة بفلسطين، فإن يهود فرنسا تبنوا موقفها. كما أن القيادات الصهيونية الأولى نفسها لم تكن مهتمة بالتوجه للحكومة الفرنسية بحكم نشأتها في ألمانيا. ومع هذا، لاقت الصهيونية في فرنسا ترحيباً كبيراً من قبَل المهاجرين اليهود من شرق ووسط أوربا الذين بدأوا في الوصول إلى فرنسا مع ثمانينيات القرن التاسع عشر، وهكذا كان قادة الحركة الصهيونية في فرنسا هم على التوالي: إسرائيل يفرويكين ومارك ياربلوم وجوزيف فيشر، وكلهم من شرق أوربا. ويمثل هؤلاء المادة البشرية المطلوبة للفكر التوطيني. وكان أول تجمُّع يشكله هؤلاء في فرنسا هو تجمُّع اليهودي الأبدي الذي شكَّلته جماعة من المهاجرين الروس على شاكلة التجمعات الطلابية المماثلة في روسيا عام 1881. وأسست هذا التجمع جماعة استيطانية اسمها "بني صهيون" عام 1886، وقامت هذه الجمعية بشراء 120 دونماً من الأرض في وادي حنين في فلسطين. وعلى المنوال نفسه، نشأت جمعيات طلابية صهيونية في مختلف أنحاء فرنسا. وحاول الطلاب الفرنسيون اليهود ذوو الأصل الروسي أن يكون التجمع في شكل لجنة مركزية تمثل جمعيات أحباء صهيون كافة من بقاع الأرض كافة. بيد أن هذه المحاولة باءت بالفشل. وقد كان عدد المندوبين الفرنسيين في المؤتمر الصهيوني الأول (1897) 12 مندوباً، ولم يكن معظمهم من يهود فرنسا. وتذكر المصادر الصهيونية أن كبير حاخامات فرنسا، الحاخام زادوك كاهن، قد أثَّر كثيراً في الحركة الصهيونية رغم رفضه المُعلَن لها. ونجد أن أبرز الصهاينة الفرنسيين في تلك الفترة هو البيولوجي ألكسندر مارموريك الذي ترأس الاتحاد الصهيوني الفرنسي منذ إنشائه عام 1901 وحتى وفاته عام 1923، والكاتب برنار لازار الذي كان من بين المدافعين عن دريفوس، والنحات فردريش بير، والكاتبة ميريام شاخ. وجميعهم باختصار من مثقفي باريس المعارضين الذين وجدوا في الفكر الصهيوني التوطيني وسيلة للتعبير عن الذات والتميز داخل المجتمع الثقافي في فرنسا. وطوال الفترة الممتدة بين المؤتمر الصهيوني الأول وحتى نهاية الحرب العالمية الأولى عام 1918، لم يزد اليهود المنضمون للحركة الصهيونية ومنظماتها العديدة في فرنسا عن بضع مئات من المثقفين ممن لا تأثير لهم في الجماعة اليهودية التي ظلت ترفض الصهيونية. 2 ـ المرحلة الثانية: 1914 ـ 1939 (مرحلة التطور (: تميَّزت هذه المرحلة بازدياد الاهتمام المُتبادَل بين الحكومة الفرنسية والحركة الصهيونية ونمو العلاقة بين الصهاينة والحركات المعارضة. وكانت المادة البشرية في هذه المرحلة من يهود الألزاس واللورين أساساً ثم من الفارين من ألمانيا النازية. وتميَّز الموقف العام للجماعة اليهودية بالاهتمام والترقب دون التأييد الكبير. ومع الحرب العالمية الأولى وازدياد الاهتمام الإمبريالي الفرنسي بالمشرق العربي بعد أن كان مقصوراً على المغرب، ومع انتصار الحلفاء على دول الوسط وتفتُّت الإمبراطورية العثمانية وسَلْخ الألزاس واللورين من ألمانيا وضمهما لفرنسا، بدأت الحكومة الفرنسية تُظهر اهتماماً خاصاً بالحركة الصهيونية وبدأت أسماء السياسيين تظهر في قائمة مؤيدي الصهيونية. وقد تَوافَق مع هذا الاتجاه التغير في قيادة الحركة الصهيونية وتوجُّهها نحو بريطانيا وفرنسا بدلاً من ألمانيا والنمسا لتكونا القوتين الإمبرياليتين الراعيتين للحركة. ومن ثم، فقد شهدت فترة ما بين الحربين العالميتين نمواً مطرداً في صفوف الحركة الصهيونية في فرنسا حيث وجد يهود الطبقة المتوسطة أن هذا التأييد يضمن لهم مكانتهم في المجتمع نظراً لأنه موقف الحكومة الرسمي، ووجد يهود الألزاس واللورين ذوو الارتباطات الثقافية الألمانية في الحركة الصهيونية نوعاً من التحقق القومي الرومانسي الذي يمثل استمراراً لتلك الارتباطات الثقافية ولا يتعارض في الوقت نفسه مع انتماءاتهم الألمانية الرومانسية التي تغيَّرت. وقد شكَّل هؤلاء في ستراسبورج (عام 1917) حركة صهيونية شبابية عُرفت باسم «هاتيكفاه» ، ومن هذه المنطقة أتى معظم المهاجرين اليهود إلى إسرائيل. وفي عام 1921 تأسست في ستراسبورج أيضاً جماعة مزراحي. وفي إطار هذه الجماعة، أكدت الجمعية الفرنسية للحاخامات (عام 1923) أهمية الاستيطان اليهودي في الأراضي المقدَّسة وضرورة خلق مجتمع صهيوني. وشهدت الأعوام 1919 ـ 1939 نشاطاً محموماً في الحركة الصهيونية، وعلى مستويات عدة. فتحْت قيادة جوزيف فيشر (الذي صار سفيراً لإسرائيل في بلجيكا عام 1949) قام الصندوق القومي اليهودي بفتح فروع له في الجزائر، واشتركت الحركة الصهيونية الفرنسية في الوكالة اليهودية الموحَّدة عام 1929. وكان ممثل فرنسا في مجلس الوكالة هو السياسي الفرنسي الشهير ليون بلوم. وعلى أية حال، كان هذا مؤشراً على ازدياد أهمية الحركة الصهيونية سياسياً داخل فرنسا، كما كان مؤشراً على ضعفها النسبي فلم يكن هذا الممثل صهيونياً قحاً بل كان يهودياً غير صهيوني أو مجرد واجهة ملائمة. وفي عام 1937، شُكِّلت لجنة التنسيق بين المنظمات الصهيونية التي شملت عضويتها كل الفصائل والتنظيمات الصهيونية حتى أنها ضمت منظمة صهيونية سفاردية بلغت عضويتها 250 فرداً. ورغم كل هذا النشاط، أو بالأحرى لأن كل هذا النشاط كان تعبيراً عن آراء توطينية لا عن آراء استيطانية، لم تكن الهجرة من فرنسا هدفاً حقيقياً، ولم يتعد عدد المهاجرين بضع مئات. وحتى عندما وصل العدد إلى بضعة آلاف من المهاجرين، كان 90% منهم من لاجئي ألمانيا النازية، وبالتالي يمكننا أن نقول إن الحركة الصهيونية الفرنسية وجدت في هؤلاء ضالتها المنشودة ومادتها البشرية التي تسعى إلى توطينها. 3 ـ المرحلة الثالثة1939 ـ 1967 (مرحلة الاستقرار) : وتميَّزت هذه المرحلة بغلبة الطابع السياسي التحريضي وشهدت دعماً مالياً معنوياً ضخماً للحركات الصهيونية في فلسطين ثم لدولة إسرائيل، وازدادت العلاقة توثُّقاً مع الحكومة الفرنسية (ويرجع هذا أيضاً لوصول الاشتراكيين للحكم) . وكانت المادة البشرية في هذه المرحلة أساساً من الفارين من مناطق الاحتلال النازي في أوربا ثم بعد الحرب من يهود شمال أفريقيا بعد حرب تحرير الجزائر واستقلال تونس والمغرب. وتميَّز الموقف العام للجماعة اليهودية في هذه المرحلة بالتأييد الضخم والمبالغ فيه أحياناً حتى صارت التفرقة بين المنظمات اليهودية والصهيونية عسيرة جداً. وقد ازداد هذا الدور التوطيني مع الغزو النازي لفرنسا وازدياد عدد اللاجئين من بولندا وهولندا وغيرها من المناطق الواقعة تحت الاحتلال النازي. ولقد استقر النشاط الصهيوني في منطقة جنوب فرنسا في جمهورية فيشى. وفي عام 1941 أُنشئت في فيشى حركة الشباب الصهيوني بقيادة سيمون ليفيت وجول جفروكن (وهو حفيد إسرائيل يفرويكين الذي تفرنس) . وهنا نلاحظ أن نزعات الجد الاستيطانية تحوَّلت إلى نزعات توطينية لدى الحفيد مع استقرار الأسرة في فرنسا ومع إحساسها بالأمان، ومن ثم تغيَّر محتوى الخطاب وكذلك أهدافه (بل تغيَّر الاسم ذو الطابع السلافي إلى اسم لاتيني النبرة) . وقد لعبت حركة الشباب الصهيوني دوراً بارزاً في تهريب اليهود اللاجئين عبر الحدود إلى إسبانيا وسويسرا ومنها إلى فلسطين، بل شاركت في المقاومة المسلحة. وفي عام 1942، ساهم الشباب الصهيوني في تولوز في تشكيل ما عرف بالجيش اليهودي الذي لعب أيضاً دوراً مهماً في توطين اللاجئين اليهود الفارين في فلسطين وشارك بعدئذ في وحدات فرنسا الحرة تحت قيادة ديجول. وقد كان لهذا الدور، وكذلك لفكرة المذابح اليهودية على يد النازي، أثر جديد مهم في التحول الذي طرأ على الحركة الصهيونية في فرنسا بعد الحرب. فقد قدَّرت الحكومة الفرنسية المساعدات الصهيونية واعتبر يهود فرنسا الصهاينة أبطالاً منقذين. وتشكَّلت في عام 1947 منظمة الاتحاد الصهيوني الفرنسي التي رأسها أندريه بلوميل وهو اشتراكي من أتباع ليون بلوم كما أنه قانوني شهير، ولعبت تلك المنظمة دوراً بالغ الأهمية في عمليات الهجرة غير الشرعية عَبْر الموانئ الفرنسية إلى فلسطين. كما قدَّمت مساعدات مالية هائلة للاستيطان الصهيوني في فلسطين، وخصوصاً بعد صدور قرار التقسيم، حتى أن الهاجاناه وحدها تلقت ما يزيد على 2 مليون من الفرنكات. وفي عام 1950، كان هناك 63.248 دافع شيقل فرنسي في المؤتمر الصهيوني الثالث والعشرين. وتشكلت لجان تبرع عديدة لإسرائيل في فرنسا تحت اسم «مساعدة إسرائيل» ، و «النداء الموحَّد» وغير ذلك. ومع اندلاع حرب تحرير الجزائر عام 1954، وجدت الحركة الصهيونية في فرنسا فرصة جديدة، فقد جاء تيار المهاجرين اليهود القادم من شمال أفريقيا إلى فرنسا بمادة بشرية جديدة يمكن توجيهها إلى إسرائيل التي كانت في حاجة ماسة للأفراد ذوي التخصصات الدقيقة والأكاديمية. ويمكننا أن نقول إن كل الحركات اليهودية في فرنسا بحلول الستينيات كانت مؤيدة للصهيونية وإسرائيل حتى أن الحاخام الأكبر يعقوب قبلان كان الرئيس الفخري لحركة مزراحي (عمال مزراحي في إسرائيل) ، وشاركت مشاركة فعالة في كل الجهود الصهيونية في فرنسا. وقد ظهر هذا التأييد الواسع في المساعدات الهائلة التي قدمتها الحركة الصهيونية والمؤسسات اليهودية في فرنسا إلى إسرائيل قبل حرب 1967 مباشرةً، وأثناءها وبعدها، حتى أن حملة التبرعات التي حدثت بعد الحرب مباشرةً أرسلت 4000.000 جنيه إسترليني إلى إسرائيل تحت اسم «تبرعات التضامن مع إسرائيل» . وقد عارضت الحركة الصهيونية الموقف الرسمي الفرنسي الديجولي بعد الحرب وتشكلت جماعة تحت اسم «لجنة التنسيق بين المنظمات اليهودية في فرنسا» لتشكيل رأي عام ضاغط على الحكومة ومساندة إسرائيل. تاريخ الصهيونية في إنجلترا History of Zionism in England ارتبطت حركة أعضاء الجماعات اليهودية وهجرتهم بالتشكيل الاستعماري الاستيطاني الغربي (وخصوصاً الإنجليزي) . ويُلاحَظ أن الفكر الصهيوني قد وُلد في البداية في الأوساط الإنجليزية البروتستانتية قبل أن يصل إلى أعضاء الجماعات اليهودية. فمفكرون مثل شافتسبري وأوليفانت، كانوا قد توصلوا إلى كل الأطروحات الصهيونية قبل بنسكر وهرتزل بعشرات السنين. كما أن أوليفانت وغيره كانوا قد بدأوا بوضع مشروعهم الصهيوني موضع التنفيذ. ومقابل ذلك، كان هناك معارضة للصهيونية بين يهود إنجلترا المندمجين. ولم تبدأ الأفكار الصهيونية في الظهور إلا مع هجرة يهود اليديشية في أواخر القرن التاسع عشر. ويمكن تقسيم تاريخ الحركة الصهيونية في إنجلترا إلى أربع مراحل: المرحلة الأولى: منذ نشأة الحركة حتى 1914: اتسمت علاقة الحركة الصهيونية باليهود البريطانيين بالمعاداة أو اللامبالاة حيث اعتبرها معظم الرموز اليهودية في إنجلترا حركة خرافية خيالية تضر بمصالح اليهود، وكان الأنصار الأساسيون للحركة الصهيونية في بريطانيا هم الساسة غير اليهود الذين وجدوا فيها وسيلة جيدة لتحقيق الأطماع البريطانية الاستعمارية في الشرق العربي. وكانت لندن أول العواصم الأوربية التي عبَّر فيها هرتزل عن فكرته الصهيونية في النادي المكابي في عام 1895 ونشر برنامجه الصهيوني لتوطين اليهود في فلسطين في جريدة جويش كرونيكل (يناير 1896) قبل نشره كتاب دولة اليهود. وكما هو متوقَّع أخذت الصهيونية في بريطانيا الشكل التوطيني. وعندما وصل هرتزل إلى لندن عام 1896، لم يُقابَل اقتراحه بحماس كبير بين اليهود الإنجليز المندمجين. وتخبرنا موسوعة إسرائيل والصهيونية بأن "موجة الحماس التي نتجت عن ظهور هرتزل لم تتعد المهاجرين قط" (بعبارة أخرى: المادة البشرية من شرق أوربا) . وقد أثارت كلمة هرتزل مخاوف جماعة أحباء صهيون اللندنية برئاسة الكولونيل ألبرت جولد سميد من أن تثير خطته السلطات التركية فتمنع إقامة المستوطنات اليهودية في فلسطين، وهو ما حدا بالجماعة إلى رفض دعوة هرتزل لها لحضور المؤتمر الصهيوني الأول (1897) الذى حضره ثمانية مندوبين بريطانيين (من بينهم إسرائيل زانجويل) معظمهم ليسوا من أصل بريطاني بل مهاجرون من أصول شرق ووسط أوربية. وقد تعرَّضت الحركة الصهيونية في بدايتها لانتقادات ومعارضة شديدة من قبَل اليهود البريطانيين حتى أن الحاخام الأعظم الدكتور هرمان أدلر أصدر مرسوماً يحذر فيه من "الأفكار الخرافية والخيالية حول الأمة اليهودية والدولة اليهودية". وقد تطلَّب الأمر من هرتزل، الذي كان يطمح إلى الحصول على تأييد بريطاني لمشروعه، أن يعمل جاهداً على ضم حركة أحباء صهيون. وبحلول المؤتمر الصهيوني الثاني (1898) ، كان عدد الجمعيات الصهيونية في بريطانيا 26 جمعية، ومَثل تلك الجمعيات في بازل 15 مندوباً. وفي عام 1899، تَشكَّل اتحاد صهيوني برئاسة السير فرانسيس مونتفيوري وهو ابن أخى السير موسى مونتفيوري (الداعية اليهودي الشهير) . وفي العام نفسه، نجح هرتزل في تسجيل الصندوق اليهودي الاستعماري، وهو أول أداة مالية صهيونية لتمويل المشروع التوطيني في لندن، كشركة بريطانية. وقد أدَّى هذا إلى القضاء تماماً على جمعية أحباء صهيون كجماعة مستقلة حيث اشترك أغلب أعضائها البارزين في الصندوق وبالتالي في الاتحاد الصهيوني. وقد عُقد في لندن المؤتمر الصهيوني الرابع (1900) وحضره 28 مندوباً يمثلون 38 جمعية أعضاء في الاتحاد الصهيوني الإنجليزي. وفي محاولة من المؤتمر لكسب الرأي العام السياسي البريطاني للفكرة الصهيونية، وزَّع المؤتمر على النواب البريطانيين في مجلس العموم دوريات تشرح أغراض الصهيونية وتدعوهم إلى الرد وإبداء آرائهم حول هذا الموضوع. وقد وصف هرتزل هذا الفعل بأنه "أذكى فعل قامت به حركتنا منذ فترة بعيدة". وقد أيَّد الصهاينة البريطانيون مشاريع الاستيطان الصهيونية خارج فلسطين، سواء مشروع أوغندا أو مشروع العريش أو غيرهما من المشاريع. المرحلة الثانية: 1904 ـ 1939: اتسمت تلك المرحلة بازدياد أهمية لندن كمركز للحركة الصهيونية وتلاشي دور برلين الصهيوني، وازدادت العلاقات بين الحكومة البريطانية وبين الصهاينة توثقاً، وشهدت مرحلة صدور وعد بلفور ومن ثم أصبح بإمكان الحركة أن تتغلغل سريعاً وسط اليهود البريطانيين. وقد مثَّل عام 1904 نقطة تحوُّل مهمة في تاريخ الحركة الصهيونية البريطانية والحركة الصهيونية ككل، إذ مات هرتزل وانتقلت القيادة إلى ولفسون. وعارضت جماعة من البريطانيين هذه القيادة الجديدة الموالية لألمانيا، كما أن موت هرتزل أضعف التوجهات الألمانية للحركة. كما ساعد على تقوية التوجهات البريطانية ظهور وايزمان وتشكُّل ما عُرف باسم «جماعة مانشستر» ، وهي جماعة من المثقفين اليهود الشبان من بينهم إسرائيل موسى سيف وسيمون ماركس وهاري ليون سيمون. وكانت تربط هذه الجماعة علاقة قوية بشخصيات إعلامية بريطانية مثل تشارلز سكوت رئيس تحرير وصاحب جريدة جارديان مانشستر. وعن طريق هذه الوسائل ازدادت أهمية جماعة مانشستر وزادت أهمية وايزمان كقائد جديد للحركة الصهيونية، وخصوصاً من خلال دعوته الملحة للتركيز على التأثير في بريطانيا العظمى والتخلي عن فكرة "الدبلوماسية التركية الألمانية" التي كان هرتزل يتبناها وكذلك فكرته حول العمل على زيادة عدد المهاجرين اليهود إلى فلسطين لخلق تجمُّع يهودي استيطاني قوي يُوظَّف لصالح بريطانيا. وقد أدَّت هذه العوامل إلى أن يُنتخب وايزمان عام 1914 نائباً لرئيس الاتحاد الصهيوني البريطاني. ومما زاد من أهمية الحركة الصهيونية في بريطانيا، ازدياد اهتمام حكومة بريطانيا بمنطقة الشرق العربي ليس فقط جغرافياً، بل اقتصادياً، مع ظهور البترول وازدياد أهميته كمصدر للطاقة. ومع نشوب الحرب العالمية الأولى، أصبح الاتحاد الصهيوني البريطاني الذي كان يضم في هذا الوقت حوالي 50 جمعية في موقع رئيسي حيث فقدت اللجنة التنفيذية دورها القيادي لأنها تقع في برلين وبالتالي انعزلت فعلاً وقولاً عن العالم كله. وقام ناحوم سوكولوف عضو اللجنة التنفيذية بالانضمام إلى وايزمان، ومن ثم أصبحت اتصالات وايزمان بالساسة البريطانيين أكثر رسمية. ومما ساعد على تقوية موقع وايزمان، تأييد لويس برانديز رئيس اللجنة التنفيذية المؤقتة في نيويورك. وفي الوقت نفسه، عمل هربرت صمويل، وهو عضو في الوزارة البريطانية، على أن يحصل على وعد من الحكومة بإقامة دولة يهودية في فلسطين. وفي يناير عام 1916، كُوِّنت لجنة استشارية من ناحوم سوكولوف وياحيل تشيلينوف وموسى جاستر وحاييم وايزمان وغيرهم. بيد أن عمل اللجنة انتهى عام 1917 بعد استقالة هربرت بنتويتش منها لإتاحة الفرصة لوايزمان ليصير رئيساً للاتحاد الصهيوني الذي كان يخوض معركة شرسة على جانبين: الأول مع اللجنة التنفيذية العالمية ذات الاتجاه الألماني، والثاني ضد قادة التجمع اليهودي البريطاني من غير الصهاينة الذين كانوا يرفضون الصهيونية بعنف، حتى أن مؤيدي الصهاينة وبرنامج بازل لم يتعدوا 5% من جملة يهود بريطانيا في هذا الوقت. ومع صدور وعد بلفور وتَواجُد العديد من القادة الصهاينة في لندن أثناء الحرب مثل أحاد هعام وجابوتنسكي، ازدادت قوة الاتحاد الصهيوني سواء عددياً أو من حيث تأثيره وسط الجماعة اليهودية. ومن الواضح أن الاعتراف الرسمي من قبَل الحكومة البريطانية بالحركة الصهيونية وتبنيها موقفاً صهيونياً حَسَم الموقف لصالح المنظمة الصهيونية وسط الجماعة اليهودية. ومع تبعية المشروع الاستيطاني الصهيوني للمشروع البريطاني الاستعماري، صار الفكر الصهيوني مكملاً للروح الاندماجية وغير متناقض معها، بمعنى أنه أصبح من السهل أن يكون المواطن الإنجليزي اليهودي يهودياً وصهيونياً في آن واحد، بعد أن كان الموقف مختلفاً قبل أشهر قليلة. وقد عُقد مؤتمر صهيوني في عام 1920 قام بانتخاب وايزمان رئيساً للمنظمة الصهيونية العالمية، وسوكولوف رئيساً للجنة التنفيذية. وبمعنى آخر، كرس هذا المؤتمر سيطرة الاتجاه البريطاني وأنهى تماماً الاتجاه الألماني. وحظي الاتحاد الصهيوني بتأييد سياسيين بريطانيين كبار من أمثال لويد جورج ولورد ملنر ونشرت الصحف البريطانية الصهيونية مقالات تؤيد وضع فلسطين تحت حكم الانتداب. وقد أنشأ المؤتمر الصهيوني في لندن (1920) الصندوق التأسيسي الفلسطيني (الكيرين هايسود) ، وأصبحت لندن مقره الرئيسي حتى عام 1926 عندما انتقل إلى فلسطين. وهي خطوة ارتبطت بتنامي قوة الاستيطانيين وتأسيس مؤسسات خاصة. ثم انتقلت اللجنة التنفيذية إلى لندن وبقيت بها حتى عام 1936، ومنها انتقلت إلى القدس. ويتبدَّى تنامي نفوذ الصهاينة وسط اليهود البريطانيين، وبكل وضوح، في تكوين الوكالة اليهودية الموسعة التي كانت تحت سيطرة الصهاينة تماماً. المرحلة الثالثة (1939 ـ 1948 (: اتسمت تلك المرحلة بسيطرة الحركة الصهيونية تماماً على حياة ومقدرات اليهود في بريطانيا وكذلك سياسة الشد والجذب بين الصهاينة والحكومة البريطانية، ويمكن أن نعزو هذا لازدياد أهمية الولايات المتحدة الأمريكية وسط القوى الإمبريالية العالمية وازدياد ارتباط الصهاينة بالولايات المتحدة. وكتعبير آخر عن محورية الدور البريطاني في الشئون الصهيونية في ذلك الوقت، استقر جابوتنسكي في لندن (منذ 1936) لإدارة أعمال المنظمة الصهيونية الجديدة التي أنشأها. وكالعادة، وفرت النازية للصهاينة التوطينيين البريطانيين المادة البشرية (الخام) الضرورية للعمل التوطيني. وتم تأسيس الصندوق البريطاني المركزي لمساعدة اليهود الألمان، وكان الغرض الأساسي منه هو تهجير اليهود من ألمانيا وتوطينهم في فلسطين. وكما ساعدت تلك المادة على تقوية الدور الصهيوني التوطيني، فقد ساعدت أيضاً الاستيطانيين على زيادة نفوذهم وسط الحركة الصهيونية العالمية بتزويدهم بمادة خام بشرية وأيضاً بإظهار قدرات الاستيطانيين الكبيرة على الاستيعاب، وبالتالي تخليص التوطينيين من مشاكل التعامل المباشر مع المادة البشرية. وقد ظهرت هذه الآثار في تحوَّل الاتحاد الصهيوني البريطاني إلى أقوى المنظمات تأثيراً وسط اليهود البريطانيين كما تخرَّج من تنظيمه الشبابي العديد من القيادات الإسرائيلية فيما بعد، مثل أبا إيبان وإفرام هرمان. وقد ساعدت النازية أيضاً على إثارة مخاوف بعض القطاعات بين الجماعة اليهودية في بريطانيا، وهو ما شجع على ذهاب بعض منهم إلى فلسطين. ونقل هؤلاء عند عودتهم آراء المستوطنين الصهاينة في فلسطين وكيفية التعامل مع العرب. ومع الانتفاضة العربية عام 1936، وقبل ذلك مع ثورات أعوام 1921 ـ 1929، كانت بريطانيا تلجأ لإصدار الكتب البيضاء من أجل إدخال الطمأنينة على قلوب العرب، وخصوصاً أعضاء النخب العربية المرتبطة بإنجلترا، وكان هذا يثير حفيظة الاستيطانيين الذين بدأوا في التفكير في أن الاعتماد الكامل على بريطانيا الإمبريالية غير ممكن، ومن هنا كانت زياراتهم المتكررة للندن بهدف الضغط على الدولة البريطانية عن طريق التأثير المباشر في الاتحاد الصهيوني. وقد خلقت الحرب العالمية الثانية وضعاً صعباً لليهود الإنجليز، فمع اشتداد الأزمة في بريطانيا، اعتبرت الحكومة البريطانية كل اليهود الألمان الموجودين في بريطانيا جواسيس ممثلين للعدو، أي أنها نظرت إليهم النظرة التقليدية على أساس أن اليهودي هو دائماً الخائن/الجاسوس/المرابي الأبدي، أي الجماعة الوظيفية التي تعمل دائماً في خدمة من يدفع لها أجرها، ولم تقم الجماعات الصهيونية في بريطانيا بمعارضة هذا العمل. وقد شهد عام 1942 تطوراً مهماً في تركيبة الاتحاد الصهيوني البريطاني، فقد انضمت إليه حركة عمال صهيون ذات الصلات القوية بحزب العمال البريطاني. وتجدر الإشارة إلى أن هذا يُعدُّ مؤشراً على ازدياد أهمية الاستيطانيين وغالبيتهم من حركة عمال صهيون وأيضاً على توثيق الصلة بين الصهاينة في بريطانيا وبين القوى السياسية المختلفة، فقد كانت حكومة كلمنت إتلي العمالية هي التي وصلت إلى الحكم عام 1945 قبل نهاية الحرب العالمية وانتهى في عهدها الصدام المسلح بين الاستيطانيين والبريطانيين على أرض فلسطين. وقبيل تقسيم فلسطين عام 1948، وأثناء انعقاد مؤتمر حزب العمال البريطاني عام 1947، طالب مندوب حركة عمال صهيون في كلمته الموجهة للمؤتمر (الذي حضره كمراقب زائر) باتخاذ قرار بصدد قضية فلسطين يراعي روح وعود الحزب قبل الانتخابات البرلمانية، أي الإقرار بحق اليهود في كامل فلسطين. المرحلة الرابعة (1948 ـ (: وتتسم المرحلة الحالية بضعف الحركة الصهيونية نسبياً وانشغالها بأمور ثقافية وشكلية طقوسية. ويعود هذا بالطبع لتضاؤل أهمية بريطانيا في السياسة الدولية وزيادة أهمية الولايات المتحدة بشكل ضخم واعتماد إسرائيل الكامل عليها. وبعد إنشاء دولة إسرائيل، استمر الصهاينة البريطانيون في عملهم الدعائي وفي خلق مؤسسات لرعاية مهاجري اليهود إلى فلسطين، وقد مثلت المنظمة الصهيونية جسراً بين إسرائيل وأوربا. وساهمت الحركة الصهيونية في دعم إسرائيل مادياً بمبلغ يزيد على 17000.000 جنيه إسترليني خلال الأيام الأولى لحرب 1967. وكل هذه المساعدات تأتي في الإطار التوطيني. ويتضح الطابع التوطيني للصهيونية البريطانية في المساهمة الفعلية في الهجرة لإسرائيل حيث نقرأ في موسوعة إسرائيل والصهيونية أن "عدد اليهود البريطانيين الذين استقروا فعلاً في إسرائيل كان عدداً قليلاً". لقد صارت إسرائيل بالنسبة للصهاينة البريطانيين مركزاً روحياً أو بقعة مقدَّسة يتطهر فيها يهود المنفى مما علق بهم من أدران. ويتبدَّى هذا فيما يُسمَّى برنامج "عام العمل" الذي تبنته منظمة اتحاد الشباب الصهيوني عام 1950 والقاضي بأن يسافر الشباب اليهودي من بريطانيا لقضاء سنة من العمل التطوعي في إسرائيل، وهو تعبير عن تقبُّل كامل لحالة الدياسبورا باعتبارها حالة نهائية. تاريخ الصهيونية في الولايات المتحدة History of Zionism in the U.S.A يبدأ تاريخ الحركة الصهيونية في الولايات المتحدة بالجماعات الصهيونية غير اليهودية التي طالبت بتوطين اليهود في فلسطين (أو خارجها) . وفي عام 1818 طالب جون آدامز رئيس الولايات المتحدة بأن يصبح اليهود أمة مستقلة، هذا في وقت لم يزد فيه عدد اليهود عن أربعة آلاف ولم يكن هناك لوبي يهودي أو صهيوني، وهو ما يدل على أن النزعة الصهيونية في الولايات المتحدة أصيلة متجذرة في المجتمع الأمريكي (وهو على كلٍّ مجتمع استيطاني يمكنه التعاطف مع التجربة الاستيطانية الصهيونية) . ومن أهم الشخصيات الصهيونية غير اليهودية وليام بلاكستون (الذي اشترك في مؤتمر اتحاد الصهاينة الأمريكيين في فيلادلفيا) وقد أعلن المؤتمر أن بلاكستون هو "أبو الصهيونية" وهو لقب تستخدمه بعض المراجع للإشارة إلى الرئيس وودرو ويلسون أيضاً (انظر الباب المعنون «صهيونية غير اليهود» ) . أما تاريخ الحركة الصهيونية بين أعضاء الجماعات اليهودية، فهو لا يبدأ إلا في مرحلة لاحقة، وقد بدأت الحركة الصهيونية في الولايات المتحدة مع وصول ألوف المهاجرين اليهود من شرق أوربا في بداية ثمانينيات القرن التاسع عشر حاملين معهم تقاليدهم وأفكارهم ومعتقداتهم وتنظيماتهم وجمعياتهم التي كان من بينها جمعية أحباء صهيون. وبحلول عام 1890، كان هناك فروع لجمعية أحباء صهيون في نيويورك وشيكاغو وبلتيمور وبوسطن وميلووكي وفلادلفيا وكليفلاند. وتكوَّنت جمعيات العودة لصهيون على يد آدم روزنبرج بغرض شراء أرض في فلسطين والإعداد لعودة اليهود إلى هناك. وفي عام 1896، طرح البروفسير بول هاوبت من جامعة جون هوبكنز خطة ترمي إلى توجيه المهاجرين اليهود القادمين من شرق أوربا إلى بلاد بين النهرين وسوريا. وأيده في هذه الخطة العديد من الشخصيات اليهودية البارزة مثل سيروس أدلر وماير سولزبرجر وأوسكار شتراوس. في هذه الأثناء، قام هرتزل بالإعداد لمؤتمره الصهيوني الأول (1897) وحضره أربعة من اليهود الأمريكيين. وفي 13 نوفمبر 1897، كوَّنت الجمعيات الصهيونية في نيويورك اتحاد صهاينة نيويورك بغرض تكوين منظمة على مستوى الأمة كلها. وقد عُقد مؤتمر لمندوبين من منظمات مماثلة في 4 يوليه 1898 في نيويورك ونتج عن المؤتمر تكوين اتحاد الصهاينة الأمريكيين. وقد رأس منظمة نيويورك ريتشارد جوتهيل. وتكوَّنت جمعية أخرى تحت اسم «عصبة الجمعيات الصهيونية في الولايات المتحدة الأمريكية الشمالية» ، ثم اتحدت المنظمات لتكوين اتحاد صهاينة نيويورك الكبرى وما حولها. وعندما تكوَّن الاتحاد الأمريكي، تولَّى رئاسته جوتهيل، وكان أمينه الأول هو ستيفن وايز. وقد عارض الصهيونيةَ (في البداية) اليهودُ من الطبقات العليا والحاخامات الإصلاحيون الذين أصدروا بياناً في يوليه 1897 أدانوا فيه المحاولات الرامية لإنشاء دولة يهودية. كما واجهت الحركة الصهيونية معارضة من قبَل اليهود الاشتراكيين الذين انخرطوا في الحركات النقابية الأمريكية التي كانت قوية في بداية القرن، وكان هؤلاء ينظرون للصهيونية على أنها أيديولوجيا رجعية تهدف إلى فرض سيطرة البورجوازية على الطبقة العاملة. ورفضوا أيضاً سيطرة من أسموهم بالألمان على المهاجرين من أوربا الشرقية. وقد أصدر الاتحاد عام 1901 جريدة المكابي برئاسة لويس ليبسكي، وشارك جوتهيل في المجلس الاستشاري الأول للصندوق الاستيطاني اليهودي. ودعا الاتحاد إلى شراء أسهم في الصندوق القومي اليهودي، كما قدَّم مساعدات مادية ضخمة للمستوطنات وساهم في إنشاء المدرسة العليا بهرتزليا وتخنيون حيفا ومدرسة بيزالال وغيرها. وقد ارتحل دي هاس موفَداً من قبَل اللجنة التنفيذية للمنظمة الصهيونية العالمية ليقوم بقيادة الاتحاد الصهيوني في الولايات المتحدة. فعلى ما يبدو لم يكن الأداء في تلك الآونة مرضياً للقيادة. واستقر دي هاس في بوسطن ليعمل بدءاً من 1902 كأول محترف صهيوني، يعمل أميناً للاتحاد، ونجح دي هاس في ضم شخصية يهودية مرموقة للحركة هو القاضي لويس برانديز. وقد أدَّى انتقال دي هاس إلى استقالة جوتهيل الذي عانت الحركة في عهده من صعوبات مالية ضخمة، وأُسندت رئاسة الحركة إلى هاري فردنفالد. وفي بداية 1905، استقال دي هاس من الأمانة وتَسلَّمها يهودا ماجنيس، وكان هذا إيذاناً بازدياد التوجه التوطيني قوة بحيث رأت القيادات الجديدة أن الصهيونية هي بعث ونهضة القيم اليهودية القديمة وضبط للاندماج. ولم يكن هؤلاء ينفون أهمية أرض إسرائيل بيد أنهم لم تكن عندهم أية نية للاستيطان فيها. والواقع أن القادة الصهاينة الاستيطانيين رأوا الأهمية المتزايدة للولايات المتحدة وبدأوا في توثيق علاقاتهم بها، فقام كلٌّ من شماريا ليفين وبن جوريون وسوكولوف وبن زفي بزيارات قصيرة وأحياناً طويلة للولايات المتحدة بغرض توطيد علاقاتهم مع أعضاء الجماعات اليهودية وإشاعة الأفكار الصهيونية بينهم. هذا، وقد وصل عدد أعضاء الاتحاد الصهيوني الأمريكي عشية الحرب العالمية الأولى إلى 21.000 عضو، وهو عدد صغير للغاية بالنسبة لعدد أعضاء الجماعات اليهودية في الولايات المتحدة البالغ عددهم حوالي ثلاثة ملايين، خصوصاً أن كثيراً من الأعضاء لا تتجاوز عضويتهم في المنظمة الصهيونية دفع رسوم العضوية (الشيقل) . وكانت توجد تحت مظلة الاتحاد 88 جمعية صهيونية محلية ومتخصصة، ومن هذه الجمعيات منظمة أبناء صهيون والشباب اليهودي وعصبة التحالف الصهيوني الجامعي، هذا غير منظمة الهاداساه أو منظمة النساء الصهيونيات الأمريكية عام 1912برئاسة هنرييتا سيزولد. ومن رؤساء المنظمات الصهيونية الشبابية والجامعية، نذكر فليكس فرانكفورتر وماكس هيلر وهوراس كالن. وقد تأسَّست أول جمعية عمالية صهيونية في أمريكا عام 1903، وكانت تهدف إلى إبعاد اليهود عن الأوساط الاشتراكية. وأُصدرت صحيفة باليديشية منذ عام 1905، ومن أهم وأبرز قياداتها حاييم جرينبرج. وقد أُجريت عام 1911 انتخابات الاتحاد الصهيوني الأمريكي، وقد فاز فيها اليهود المهاجرون من شرق أوربا بكل مقاعد اللجنة التنفيذية وترأس اللجنة لويس ليبسكي وكان هذا إيذاناً بسيطرة التوطينيين العماليين تماماً وإنهاء تواجد الألمان والصهاينة الثقافيين. وشهد عام 1911 أيضاً تكوين منظمة مزراحي أمريكا على يد مائير بار إيلان وهي المنظمة التي صارت بمرور الزمن الأساس المادي لمنظمة المزراحي العالمية نظراً لقوتها المالية والعددية والتنظيمية. وهذا دليل على تنامي أهمية الحركة الصهيونية الأمريكية في الحركة الصهيونية العالمية، كما أنه أيضاً دليل مهم على التوجه الديني لليهود الأمريكيين في الإطار التوطيني، أي أن المزراحي أتاحت للمتدين الأمريكي اليهودي حلاًًّ رائعاً يمكِّنه من البقاء في أرض الميعاد الحقيقية (أي الولايات المتحدة) وإرضاء تطلعاته الدينية والروحية نحو أرض الميعاد المُتخيَّلة في فلسطين والتي لا ينوي الذهاب إليها. ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914، حدثت تحولات مهمة في الحركة الصهيونية نتيجة إعلان ويلسون تأييده وعد بلفور وقبول برانديز رئاسة الحركة الصهيونية الأمريكية. وجذبت هذه الشخصية المرموقة العديد من الشخصيات اليهودية البارزة للحركة مثل برنارد فلكسنر ولويس كيرشكين. وأدَّى هذا إلى تَحسُّن الوضع المالي للاتحاد وزيادة العضوية فيه وازدياد قوة الضغط السياسي له. وقد كان برانديز مؤمناً بفكرة أن الولايات المتحدة الأمريكية هي تجسيد للتعددية الثقافية على الأرض وهي أمة الأمم، ومن ثم فلا تَعارُض بين الأمريكية والصهيونية، أي لا تعارُض بين الانتماء لأمريكا والانتماء لأرض الميعاد. وقد عبَّر برانديز بذلك عن الفكر التوطيني الأمريكي وبلوره وساعد على استمراره وكسب الأنصار له. وقد استقال برانديز من منصبه كرئيس للاتحاد عام 1916 بعد توليه منصب قاض في المحكمة الدستورية العليا، بيد أنه استمر في قيادة الاتحاد من خلال الشخصيات المؤثرة من حوله مثل دي هاس وكالن وفرانكفورتر وغيرهم. وفي عام 1917، أعاد الاتحاد تنظيم فروعه وجمعياته في المنظمة الصهيونية الأمريكية التي أُقيمت على أساس إقليمي. وكان القاضي برانديز رئيساً فخرياً، والقاضي جوليان ماك رئيساً للمنظمة، وكل من ستيفن وايز وهاري فردنفالد نائبين للرئيس. وقد مهد هذا التحول الطريق للاتصالات التي تمت على أعلى المستوىات بين الصهاينة (من خلال برانديز) وبين حكومة الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون، ومن ثم حظي وعد بلفور فور صدوره بموافقة وترحيب الحكومة الأمريكية. ورغم معارضة كثير من أعضاء الجماعات اليهودية، ونتيجة تنامي قوة الصهاينة (ارتفع عدد الصهاينة إلى 150 ألفاً) وإحساسهم بتأييد الحكومة الأمريكية لهم، اقترح القادة الأمريكيون الصهاينة إقامة مؤتمر يهودي أمريكي عن طريق الانتخاب الديموقراطي لمناقشة مشكلات اليهود فيما بعد الحرب وضمن ذلك إقامة وطن قومي في فلسطين وغيرها. وقد عُقد هذا المؤتمر في 15 ديسمبر 1918 في فيلادلفيا، وقد تبنَّى قراراً يطالب عصبة الأمم بتولية بريطانيا العظمى مهام الانتداب على فلسطين. وتَطوُّع عدة آلاف من الشباب الأمريكي اليهودي للسفر إلى فلسطين، بيد أن العدد الحقيقي لم يتعد 50 فرداً هم الذين استقروا هناك. وهذا مؤشر آخر على طبيعة الفكرة الصهيونية بالنسبة لليهودي الأمريكي، فالمواطن الأمريكي اليهودي يحس بأن ما يدفعه للصهاينة من تبرعات هو الضريبة التي على أساسها يكتسب انتماءه الروحي والفكري وإحساسه بالهوية. وبعد الحرب، قام برانديز بزيارة فلسطين وصاغ خططاً عديدة لإدارة الاستيطان الصهيوني على أسس رأسمالية رشيدة، ومن خلال لجان تكنوقراطية، أي أنه كان يحاول أن يفرغ الاستيطان الصهيوني من خصوصيته الإحلالية وبالتالي حاجته للدعم المالي والمعنوي الدائم، وهو الأمر الذي أدرك المستوطنون استحالته فحدث صراع بين برانديز ووايزمان. وقد اقترح وايزمان إنشاء صندوق قومي يهودي لتمويل الاستيطان اليهودي في فلسطين وتحسين الاقتصاد اليهودي هناك، وكذلك لإقامة مؤسسات تربوية وتعليمية وعلمية هناك تدار مركزياً من المقر الرئيسي للمنظمة الصهيونية، وقد رفض برانديز ومجموعته قبول هذه الرؤية. وقد قاد المعارضة هذه المرة لويس ليبسكي (تلميذ دي هاس) وصار رئيساً للمنظمة ومعه كل من أبراهام جولدبرج وإيمانويل نيومان وموريس روزنبرج، وأدَّى هذا إلى انسحاب برانديز وأتباعه الأقربين من المنظمة الأمريكية وركزوا جهودهم على تنمية المجتمع اليهودي في فلسطين اقتصادياً عن طريق مؤسسة فلسطين الاقتصادية التي أنشأوها. وبالمقابل، قام ليبسكي بإنشاء فرع للكيرين هايسود في أمريكا واختير نيومان مديراً له والمحامي صمويل أونترماير رئيساً له. لكن خروج برانديز شكَّل ضربة قوية للمنظمة الأمريكية رغم كل شيء حتى أن عضويتها انخفضت إلى 800 عضو بحلول عام 1929. وقد ارتبط هذا أيضاً بانخفاض التبرعات، وتَدهور الوضع المادي للطبقة الوسطى الأمريكية مع الكساد العظيم (ومعظم أعضاء الجماعات اليهودية في الولايات المتحدة من أبناء هذه الطبقة) . وقد أصبحت الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة، نظراً لحجمها وقدرتها المالية والاجتماعية، المساهم الأول في تطوير الخطط الاستيطانية في فلسطين. وقد بلغت التبرعات التي قدَّمتها المنظمة الصهيونية الأمريكية في الفترة بين عامي 1929 و1939 مبلغ 100 مليون دولار أمريكي. وساعد الصهاينة الأمريكيون في عملية التهجير غير الشرعي لليهود، وهو ما يعكس تنامي قوتهم في الحركة العالمية وتناقص قوة الأوربيين والبريطانيين على وجه الخصوص. وفي عام 1939 رفضت الولايات المتحدة الكتاب الأبيض الذي حدَّد هجرة اليهود إلى فلسطين وقامت بالضغط من أجل فتح أبواب فلسطين (في الوقت الذي أوقفت فيه الهجرة اليهودية إلى الولايات المتحدة) . ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية، شُكِّلت لجنة طوارئ برئاسة ناحوم جولد مان وصارت هذه اللجنة أهم منبر سياسي للصهيونية الأمريكية، وأُعيدت تسميتها باسم «لجنة الطوارئ الصهيونية الأمريكية» . وقد أصدرت بياناً نوهت فيه بأن الاحتجاج على الكتاب الأبيض البريطاني عام 1939 يجب ألا يقتصر على الاجتماعات والمؤتمرات بل يجب أن يكون هناك موقف إيجابي لبرنامج عملي لفلسطين في فترة ما بعد الحرب. ولهذا الغرض، أقام الصهاينة الأمريكيون مؤتمراً في فندق بيلتمور بنيويورك في الفترة بين 9 ـ 11 مايو 1942، وكانت نتيجة هذا المؤتمر المقررات التي عُرفت باسم مقررات أو برنامج بلتيمور القاضي بوجوب فتح فلسطين أمام الهجرة اليهودية والاستيطان اليهودي تحت رعاية وسلطة الوكالة اليهودية ووجوب تحويلها إلى كومنولث يهودي على أساس وجود أغلبية يهودية، ويجب دمج الكومنولث في بنية العالم الديموقراطي الجديد. وصار هذا البرنامج، الذي يستخدم مفردات لغة الخطاب الأمريكي حول العالم الديموقراطي الجديد والحرية، الحل الصهيوني الرسمي لمشكلة فلسطين. ويعطينا مؤتمر بلتيمور والبرنامج الذي نجم عنه دلالة قوية على ارتباط الحركة الصهيونية بالتشكيل الاستعماري الغربي، فمع تغيُّر مركز الثقل الإمبريالي من بريطانيا وانتقاله إلى أمريكا، ازدادت أهمية الولايات المتحدة وبالتالي الحركة الصهيونية التوطينية فيها. ومع اندلاع الحرب ووضوح أن الولايات المتحدة في سبيلها إلى وراثة كل القوى الإمبريالية الأوربية، كان هذا البرنامج بمنزلة تدشين للصداقة والعلاقة الوثيقة بين القوة الإمبريالية الصاعدة والحركة الصهيونية التي تبحث عن راع إمبريالي. وقد شهدت تلك الفترة أيضاً ازدياد أهمية رؤساء الحركة الصهيونية في أمريكا حتى أنهم صاروا يُعامَلون كرؤساء الدول ورؤساء الحكومات، وقد أعطاهم هذا انطباعاً موهوماً بأن هذا هو ما سيحدث لو أُنشئت الدولة. وقد دعا ستيفن وايز وناحوم جولدمان الجمعيات اليهودية الأمريكية إلى إرسال مندوبين إلى مؤتمر تمهيدي في بتسبرج في يناير 1943 لطرح خطة عمل مشتركة بصدد مصير فلسطين بعد الحرب. وطالب هؤلاء بتشكيل جيش يهودي يحارب إلى جانب قوات الحلفاء وأرسلوا عريضة إلى الرئيس روزفلت مطالبين إياه بالضغط على الحكومة البريطانية للعمل على إنشاء وطن قومي لليهود بعد الحرب بما في سلطتها من صلاحيات الانتداب. وفي 23 أغسطس عام 1943 عُقد المؤتمر الأمريكي اليهودي بحضور اللجنة الأمريكية اليهودية ولجنة العمل اليهودية وهما منظمتان غير صهيونيتين. ورأس لجنة فلسطين في المؤتمر الحاخام أبا هليل سيلفر. وقد استخدم سيلفر موهبته الخطابية لإثارة حماس الحضور، وتمت الموافقة بالإجماع تقريباً على قرار يطلب فتح أبواب الهجرة أمام اليهود إلى فلسطين للاستيطان هناك تحت إدارة الوكالة اليهودية (وذلك من أجل الوصول إلى أغلبية يهودية في فلسطين لخلق الكومنولث اليهودي المنشود) . وقامت لجنة الطوارئ بشن حملة مكثفة واسعة النطاق لجمع التأييد للمشروع الصهيوني في أنحاء الولايات المتحدة كافة وقد أحرزت تلك الحملة نجاحاً منقطع النظير. وظهر هذا النجاح في تشكيل لجنة رأي عام أمريكية تؤيد برنامج بلتيمور هي اللجنة الأمريكية المسيحية من أجل فلسطين التي شُكِّلت بمبادرة من الصهاينة عام 1946 عن طريق اندماج لجنة فلسطين الأمريكية والمجلس المسيحي من أجل فلسطين، وقد شملت هذه اللجنة في عضويتها 20 ألف فرد في كل مجال من مجالات الحياة. وفي المؤتمر الصهيوني الثاني والعشرين (1946) ، قام بن جوريون وأبا هليل سيلفر بمعارضة محاولات وايزمان الرامية إلى الرضوخ للسياسة البريطانية ونجحا في كسب تأييد المؤتمر، وهو ما أدَّى إلى استقالة وايزمان. وتبوأ بن جوريون رئاسة المجلس التنفيذي للوكالة اليهودية وأصبح سيلفر رئيساً للفرع الأمريكي للوكالة. وهكذا بدأت مرحلة جديدة في تاريخ الحركة الصهيونية استمرت حتى تكوين دولة إسرائيل عام 1948 وتميَّزت هذه المرحلة بالتعاون بين الصهاينة الاستيطانيين في فلسطين والصهاينة التوطينيين الأمريكيين. وقد استمرت مرحلة التعاون هذه فترة عامين، فبعد إعلان الدولة وجد التوطينيون أنفسهم بدون سلطة حقيقية. بل إن بن جوريون طالب بأن تتسع دائرة التأييد لتشمل كل اليهود ومنهم غير الصهاينة، الأمر الذي هدد المنظمة الصهيونية نفسها. وقد عارض أبا هليل سيلفر هذا بشدة وأصر على أن دور المنظمة بعد إنشاء الدولة لا يقل خطورة عن دورها قبله. ووصل هذا الخلاف إلى ذروته في فبراير عام 1949 عندما استقال إيمانويل نيومان وأبا هليل سيلفر من منصبيهما في الوكالة اليهودية والمنظمة الصهيونية الأمريكية. وهكذا أُحكمت قبضة الاستيطانيين بالكامل على المنظمة التي أصبحت مهمتها الوحيدة جَمْع المال لمصلحة دولة إسرائيل. ويجب أن نضع في الاعتبار دائماً أن الحركة الصهيونية واجهت معارضة شديدة في البداية من أعضاء الجماعات اليهودية، ولم تحقق نجاحها إلا بعد أن تأكد يهود أمريكا من أن الصهيونية والمصالح الأمريكية شيء واحد، أي أن صهيونية يهود أمريكا نابعة من أمريكيتهم لا من يهوديتهم. كما يمكن القول بأن الحركة الصهيونية في الولايات المتحدة، رغم تشنجها الواضح، هي من النوع التوطيني وحسب، إذ لا يهاجر إلا قلة قليلة. تاريخ الصهيونية في العالم العربي History of Zionism in the Arab World مرّ النشاط الصهيوني في البلدان العربية بثلاث مراحل تاريخية رئيسية تعكس في مجملها مراحل تَطوُّر المشروع الصهيوني بوجه عام والتيارات المختلفة التي تموج بها الحركة الصهيونية: المرحلة الأولى: وتمتد منذ نهاية القرن التاسع عشر وحتى بداية الحرب العالمية الأولى. وشهدت هذه الفترة بدايات هجرة جماعات من يهود أوربا إلى خارج فلسطين وتوطُّنهم هناك، وقد اتخذت في أول الأمر طابع موجات منظمة تشرف عليها جمعيات أحباء صهيون في روسيا وتحيطها بدعاية تستند إلى ديباجات دينية روحية من قبيل "الحنين إلى أرض الميعاد" و"العودة إلى صهيون". واكتسبت حركة الاستيطان اليهودي في فلسطين زخماً جديداً بنجاحها في الحصول على مساعدات مالية من بعض أقطاب الرأسماليين الأوربيين من أعضاء الجماعات اليهودية، أمثال البارون دي روتشيلد والبارون دي هيرش الذين رأوا في ذلك فرصة لتوسيع نطاق نفوذهم واستثماراتهم من جهة والتخلص من الفائض البشري اليهودي في أوربا من جهة أخرى. وانصرف النشاط الصهيوني التنظيمي في ذلك الوقت إلى إقامة مؤسسات اقتصادية لتمويل عملية الاستيطان في فلسطين؛ مثل شركة تنمية أراضي فلسطين وجمعية استعمار فلسطين، والصندوق القومي اليهودي. وذلك بالإضافة إلى مد نشاط المنظمة الصهيونية العالمية إلى فلسطين، من خلال تأسيس مكتب فلسطين للإشراف على عمليات الاستيطان وتوفير سبل الاستقرار والعمل للمهاجرين الجدد. ومن جهة أخرى، بُذلت مساع لتشكيل منظمات صهيونية في بلدان عربية أخرى بغرض تقديم الدعم المادي والمعنوي لمشاريع الاستيطان اليهودي في فلسطين. ومن أبرز هذه المنظمات فرع حركة أجودات صهيون في تونس، وفرع الفيدرالية الصهيونية الفرنسية في المغرب، وجمعية باركوخبا، وجمعيات أبناء صهيون، وأندية المكابي في مصر، وجمعيات الرواد (حالوتسيم) في سوريا ولبنان. كما شهدت هذه الفترة ظهور تيار الصهيونية الإقليمية الذي كان يرى ضرورة البحث، ولو مرحلياً، عن مناطق أخرى خارج فلسطين لتوطين يهود أوربا فيها، وذلك تمشياً مع مقتضيات المشاريع الاستعمارية الغربية وما تتطلبه مصالح القوى الاستعمارية الرئيسية آنذاك. وانعكس ذلك على تَوجُّه النشاط الصهيوني في المنطقة العربية حيث قامت عدة محاولات استيطانية خارج فلسطين، أبرزها مشروع العريش بمصر، وكوستي في السودان، وبرقة في ليبيا، والأحساء في شبه الجزيرة العربية. والمُلاحَظ أن يهود البلدان العربية ظلوا خلال هذه الفترة بعيدين عن حساب الدوافع الصهيونية للاستيطان اليهودي خارج أوربا. ولعل هذا يرجع إلى أن المشروع الصهيوني في بدايته كان يُعرِّف اليهودي باعتباره «الإشكنازي» فحسب، ومن ثم ظل يهود العالم العربي (من السفارد والشرقيين) بمنأى عن نطاق المخطط الصهيوني الرامي إلى تخليص أوربا من يهودها. يُضاف إلى ذلك أن أوضاع الجماعات اليهودية في العالم العربي لم تواجه آنئذ لحظات تأزم عميق على غرار تلك التي شهدتها الجماعات اليهودية في أوربا، والتي يُطلَق على سماتها عموماً اسم «المسألة اليهودية «. المرحلة الثانية: وتمتد منذ صدور وعد بلفور عام 1917 وحتى قيام دولة إسرائيل عام 1948. وشهدت هذه الفترة تكثيف أنشطة الاستيطان اليهودي في فلسطين، بدعم سياسي ومالي كامل من جانب بريطانيا التي كانت تمثِّل القوة الاستعمارية الرئيسية آنذاك. وتبع ذلك اتساع أنشطة المنظمات الصهيونية في البلدان العربية بتياريها الأساسيين: الاستيطاني الرامي إلى تشجيع هجرة يهود أوربا إلى فلسطين وبناء المؤسسات اللازمة لاستقرارهم هناك، والتوطيني الذي ينحصر دوره في تمويل عمليات الاستيطان ودعمها سياسياً ودعائياً. ففي فلسطين، اتسع نشاط مكتب فلسطين والصندوق القومي اليهودي، كما بُذلت محاولات لعقد لقاءات بين ممثلي الحركة الصهيونية والقادة العرب المحليين، بغرض امتصاص الغضب العربي على مخطط استعمار فلسطين ومن ثم توفير مناخ ملائم لمواصلة هذا المخطط. إلا أن هذه المحاولات قُوبلت برفض كامل من الجانب العربي الذي كان يدرك خطورة النشاط الصهيوني، وهو ما تمثَّل في مقررات المؤتمر العربي الأول (1913) الذي أكد عروبة فلسطين وكشف حقيقة الدعاية الصهيونية الزائفة عن المستوطنين اليهود باعتبارهم رواد تنوير وتحديث وعن إمكان التعايش بين المستعمرين وضحاياهم من العرب. وفي مصر، تمثَّلت أهم أنشطة المنظمات الصهيونية في تمويل وتدريب الفيلق اليهودي المعروف باسم «فرقة البغالة» ، والتي شُكِّلت إثر اندلاع الحرب العالمية الأولى كجزء من القوات البريطانية المقاتلة، حيث كانت الفرقة تتلقى تدريبات في معسكر القباري بالإسكندرية، وساهم في تمويلها عدد من كبار التجار اليهود في مصر؛ فيكتور النجار ورافائيل هراري ومنسَّى وجاتينيو وقطاوي، وغيرهم. ومن ناحية أخرى، اندمجت معظم المنظمات والجمعيات الصهيونية في مصر لتُشكِّل فرعاً للمنظمة الصهيونية العالمية يشرف عليه ليون كاسترو، وتفرعت عنها عدة جمعيات وبصفة خاصة في الإسكندرية. وفي العراق، ساعدت سلطات الانتداب البريطاني في إضفاء الصفة القانونية على المنظمات الصهيونية التي كانت تمارس عملها سراً في ظل حكم الدولة العثمانية، إذ أُشهرت في عام 1921 منظمة صهيونية باسم «اللجنة الصهيونية في بلاد الرافدين» أقامت لنفسها فروعاً في عدة مدن عراقية، إلا أن الاعتداءات الصهيونية على عرب فلسطين في عام 1929 (فيما عُرف باسم «حادث البراق» ) حدت بالحكومة العراقية إلى حظر نشاط جميع المنظمات الصهيونية هناك. وشهدت سنوات الحرب العالمية الثانية ظهور منحى جديد في النشاط الصهيوني داخل البلدان العربية إذ بدأت مساع لتهجير أعداد من اليهود العرب إلى فلسطين، ولا سيما من البلدان التي توجد بها جماعات يهودية كبيرة العدد نسبياً مثل العراق واليمن والمغرب. وكان الدافع الأساسي لهذا الاهتمام هو الحاجة إلى المادة الاستيطانية لتدعيم المخطط الصهيوني في فلسطين، إلا أن ثمة عوامل أخرى شجعت هذا الاتجاه من بينها الإجراءات التي اتخذتها بعض الحكومات العربية لكبح النشاط الصهيوني في بلدانها وما تبع ذلك من مصادمات من قبيل حوادث الفرهود في العراق عام 1941. وبالإضافة إلى عمليات تهجير اليهود العرب، اتجه النشاط الصهيوني في البلدان العربية إلى دعم جهود تهجير يهود أوربا إلى فلسطين عن طريق إقامة مراكز لتجمُّعهم تمهيداً لنقلهم إلى فلسطين. المرحلة الثالثة: وتمتد من قيام دولة إسرائيل عام 1948 وحتى اندلاع حرب عام 1967. واتسمت هذه الفترة بتنامي نشاط المنظمات الصهيونية في تهجير يهود البلدان العربية إلى فلسطين واتجاهها إلى انتهاج أساليب عنيفة لتحقيق المخطط الصهيوني استهدفت في كثير من الأحيان يهود البلدان العربية أنفسهم للإيعاز بأنهم ليس بمقدورهم العيش في المحيط العربي. ومن هذه الأساليب، مثلاً، إلقاء قنبلة على مقهى دار البدع في بغداد والذي كان ملتقى كثير من اليهود، وذلك عشية عيد الفصح عام 1950، وتفجير قنبلة في المركز الثقافي الأمريكي في العراق بعد فترة وجيزة. وحتى لا نخلق انطباعاً خاطئاً بأن معظم أعضاء الجماعات اليهودية في العالم العربي كانوا منخرطين في سلك النشاط الصهيوني، لابد أن نشير إلى وجود حركات يهودية معادية للصهيونية بين الجمهور من أعضاء الطبقات الثرية المرتبطين بمصر اقتصادياً وثقافياً، كما أن كثيراً من اليهود من أعضاء الطبقات الأقل ثراءً كانوا متشبعين بالثقافة المصرية والعربية والإسلامية ولم تكن الصهيونية تعنيهم من قريب أو بعيد (ويمكن أن يعود القارئ إلى الباب المعنون «العالم العربي منذ القرن التاسع عشر» ) |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
الصليبيون (الفرنجة)
The Crusaders «الصليبيون» ترجمة لكلمة «كروسيدرز Crusaders» المشتقة من كلمة «كروس cross» ، ومعناها «صليب» . وهي عبارة تُستخدَم في الخطاب السياسي والتاريخي في الغرب للإشارة إلى الفرنجة الذين شنوا عدة حملات على العالم العربي والإسلامي في القرن الثاني عشر، وقد تَبنَّى كثير من العرب المحدثين هذا المصطلح. ونحن نستخدم في هذه الموسوعة عبارة «حروب الفرنجة» للإشارة إلى الحملات الغربية التي جُرِّدت ضد الشرق الإسلامي لنهبه، ولم تكن المسيحية سوى ديباجة سطحية استخدمها الغزاة ولا علاقة لها برؤيتهم للكون، ونستخدم عبارة «حملة صليبية» للإشارة إلى الحملات التي كانت تُجرِّدها الكنيسة ضد فرق المهرطقين في جنوب فرنسا وغيرها من المناطق، فهذه حملات كانت تتم باسم المسيحية ولصالحها. ونحن نعتبر حملات الفرنجة تعبيراً عن الإرهاصات الصهيونية الأولى. حملات الفرنجة والجماعات اليهودية في غرب أوربا وفلسطين The Crusades and the Jewish Communities in Western Europe and Palestine تُسمَّى «حروب الفرنجة» في الخطاب الغربي «الحروب الصليبية» نسبة إلى الصليب. وهو مصطلح يُطلَق على الحروب التي شنها حكام أوربا المسيحية الإقطاعية لاحتلال فلسطين إبان العصور الوسطى. وهي حروب كانت تساندها حركة سياسية واجتماعية ضخمة قادتها النخبة الحاكمة (الكنيسة والنبلاء) ووجدت صدى عميقاً لدى الجماهير الشعبية التي انضمت إليها بأعداد ضخمة لم تضعها النخبة الحاكمة نفسها في الحسبان. ويرى د. سعيد عاشور أن الفرنجة أو من يقال لهم «الصليبيون» هم من جموع المسيحيين الغربيين الكاثوليك الذين خرجوا من بلادهم في شتى أنحاء الغرب الأوربي، واتخذوا الصليب شعاراً لهم لغزو ديار الإسلام، وبخاصة منطقة الشرق الأدنى وبلاد الشام حيث الأراضي المقدَّسة. ومعنى هذا أن المسيحيين الشرقيين من روم وأرمن وسريان وأقباط ونحوهم لا يدخلون في دائرة مصطلح «الصليبيين» لأن هؤلاء من أهل البلاد (وليسوا وافدين عليها من الخارج) ربطتهم بالأرض التي ينتمون إليها روابط أصيلة جذرية ترجع إلى ما قبل الإسلام. وعاش معظمهم قبل الحركة الصليبية تحت مظلة الإسلام يتمتعون بما كفلته لهم هذه الديانة من حقوق ويؤدون ما فرضته عليهم من واجبات. ومن ثم نفضل استخدام مصطلح «فرنجة» في هذه الموسوعة بدلاً من «الصليبيين» . ولكننا نستخدم مصطلح «صليبيين» أحياناً للإشارة إلى الحملات الصليبية التي جرَّدتها الكنيسة ضد الهرطقات المختلفة، أو للتعبير عن المنظور الغربي لحملات الفرنجة. وتشير المصادر المعاصرة إلى الصليبيين باعتبارهم «الفرنجة» أو «الفرنج» . وهذا يعود إلى أن المكون البشري لهذه الحركة الاستيطانية الغربية لم يكن متجانساً عرْقياً، ورغم هذا فإن الفرنجة سكان بلاد الغال (غاليا) التي عُرفت فيما بعد باسم «فرنسا» كانوا أكثر إقبالاً من غيرهم على المشاركة في الحركة الاستيطانية. وتشير بعض المصادر اليهودية إلى الفرنجة بكلمة «إشكناز» وهي الكلمة التي استُخدمت فيما بعد للإشارة إلى يهود أوربا، خصوصاً ألمانيا وبولندا. وحروب الفرنجة جزء من المواجهة التاريخية العامة بين الحضارة الغربية وحضارة الشرق الأدنى والتي تعود بجذورها إلى بداية ظهور الحضارة الغربية نفسها حين وصلت شعوب البحر (الفلستيون) من كريت وبحر إيجة إلى ساحل مصر، ثم استقروا في ساحل أرض كنعان بعد أن صدهم المصريون. وحينما هيمن الفرس على الشرق الأدنى، أخذت المواجهة شكل اشتباك عسكري بينهم وبين الدول المدن اليونانية التي صدت الغزو الفارسي. ثم قام الإسكندر الأكبر بغزو الشرق وأسس الإمبراطورية اليونانية التي انقسمت إلى ثلاث امبراطوريات بعد موته. كما هيمن الرومان بعد ذلك على معظم الشرق الأدنى القديم. وقد انقسمت الإمبراطورية الرومانية إلى قسمين: الإمبراطورية الشرقية (البيزنطية) ، والامبراطورية الغربية. ومع وصول الإسلام وقيامه بفتح المنطقة وتوحيدها، وتحويله البحر الأبيض المتوسط إلى بحيرة عربية إسلامية، انحسر نفوذ العالم الغربي وأصبح محصوراً داخل القارة الأوربية. بل إن الجيب البيزنطي المتبقي على أرض الشرق في آسيا الصغرى كان قد بدأ يقع تحت هجمات السلاجقة وهي الهجمات التي أدَّت في نهاية الأمر لسقوط الدولة البيزنطية، وكذلك القسطنطينية، على يد العثمانيين. وقد هُزم جيش بيزنطي بقيادة الإمبراطور رومانوس ديجينيس هزيمة ساحقة على يد السلاجقة بقيادة ألب أرسلان في مانزيكريت في أرمينيا. ثم استمر التوسع السلجوقي، فتم الاستيلاء على أنطاكية عام 1085، الأمر الذي اضطر الإمبراطور أليكسيوس كومنينوس إلى أن يطلب العون من الغرب حيث لم يجد آذاناً صاغية وحسب بل شهية مفتوحة. ويعود هذا إلى مركب من الأسباب المادية والمعنوية: 1 ـ يُلاحَظ أن الاقتصاد الغربي بمعظم مؤسساته تساقط على أثر سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية وتردَّى إلى حالة من الاقتصاد البدائي والطبيعي. ولكنه بدأ يصحو من كبوته ابتداءً من القرن التاسع الميلادي، فشهدت الفترة التي سبقت حروب الفرنجة شيئاً من الانتعاش الاقتصادي، وكانت هناك محاولات ترمي لزيادة الرقعة الزراعية عن طريق اجتثاث الأشجار وتسهيل حركة التجارة وتنظيم الأسواق الدولية والمحلية. وقد ساعدت تلك الحروب بدورها على هذا الانتعاش الاقتصادي، ذلك أن التاجر المسيحي تبع المقاتل الفرنجي بعد أن ترك كثيراً من خوفه من الطرق المجهولة وعاد بالسلع من الشرق بعد أن كان التاجر اليهودي يحتكر هذه العملية تقريباً من خلال شبكة الاتصالات الدولية اليهودية الخاصة به. كما أن الملوك والنبلاء والفرسان العائدين استعذبوا مذاق السلع الترفيهية الشرقية وهو ما كان يعني ظهور سوق لها في الغرب ونشاط للتجارة الدولية. 2 ـ تزايد نفوذ المدن الإيطالية التجارية بخاصة البندقية وجنوا وبيزا، وأصبح لها أساطيلها التجارية الضخمة التي فكت الهيمنة الإسلامية على البحر الأبيض المتوسط. وقام الجنويون والبيزيون بطرد المسلمين من قواعدهم في جنوب إيطاليا وجزيرة كورسيكا في القرن العاشر الميلادي، وهيمنوا على غربي المتوسط في القرن الحادي عشر الميلادي. بل حاولت المدن الإيطالية تأمين موطئ قدم لها على ساحل المتوسط ذاته، فعبأت كل من جنوة وبيزا أسطولاً هاجم تونس عام 1087، واضطر أمير تونس بعدها إلى أن يفرج عن الأسرى المسيحيين وأن يدفع تعويضاً ويعفي التجار الجنويين والبيزيين من ضرائب الاستيراد. وكان لمدينة البندقية نشاطها أيضاً، فقد هيمنت على البحرين الأدرياتيكي والإيجي في بداية القرن الحادي عشر الميلادي ووصلت إلى البحر الأسود. ولا شك في أن حروب الفرنجة ساهمت في العملية المتصاعدة الهادفة إلى فك الحصار الذي فرضه المسلمون على تجارة الشرق، وأعطت المدن الإيطالية موطئ قدم في مواقع مهمة من شرق المتوسط. وقد حصلت هذه المدن على امتيازات وتسهيلات تجارية ضخمة داخل الممالك الخاضعة للفرنجة في الشام وفلسطين. 3 ـ يُلاحَظ أن أوربا شهدت تزايداً في عدد السكان مع نهاية القرن العاشر الميلادي واستمر التزايد حتى القرن الثالث عشر الميلادي وهو تزايد لم تواكبه بالضرورة زيادة في الرقعة الزراعية، ومن هنا بدأت السلطات الدنيوية في تحريم امتلاك اليهود للأراضي الزراعية وهو حظر طُبِّق على الكنائس والأديرة. 4 ـ يدور النظام الإقطاعي الغربي حول نشاطين أساسيين: الزراعة والقتال. وكما بيَّنا، كان النظام الإقطاعي يواجه تَناقُص الرقعة المزروعة. ومن القواعد الأساسية في الإقطاع الغربي أن الابن الأكبر وحده هو الذي يرث الضيعة، أما بقية إخوته فلم يكن أمام أيٍّ منهم فرصة سوى محاولة البحث عن وريثة غنية يقترن بها، أو أن ينخرط في سلك الكنيسة أو يتوجه إلى المهن الأخرى مثل القتال. 5 ـ كان هناك ما يشبه المجاعة في غرب أوربا، وخصوصاً في فرنسا، من القرن العاشر حتى أواخر القرن الحادي عشر الميلاديين. وربما كانت هذه المجاعة وراء النشاط الاقتصادي الذي شهدته الفترة، وكذلك سوء حال الفلاحين والأقنان. وتُشكِّل الحروب والمشاريع الاستيطانية وسيلة تقليدية للتخلص من العناصر المشاغبة التي لا مكان لها في المجتمع (من نبلاء بلا أرض، إلى تجار يبحثون عن مزيد من الأرباح، وفلاحين جوعى ومجرمين ولصوص) وذلك حتى يحقق المجتمع الغازي استقراراً اجتماعياً داخلياً. ويبدو أن عدد الأطفال غير الشرعيين كان يتزايد في أوربا، وكانت حروب الفرنجة وسيلة للتخلص منهم، وقد أخذت إحدى الحملات التي خرجت من أراجون عام 1269 اسم «حملة الأطفال غير الشرعيين» . 6 ـ تمتعت أوربا بشيء من الاستقرار السياسي، وتزايدت إمكاناتها ومقدرتها على تجريد حملات ضخمة كما بدا بوضوح مع الفتح النورماندي لإنجلترا وإيطاليا وصقلية في بدايات القرن الحادي عشر، وقد تزايدت حدة حركة استرداد إسبانيا في القرن الحادي عشر الميلادي حين قام ألفونسو السادس (من ليون) بالاستيلاء على طليطلة عام 1085. وابتداءً من القرن العاشر الميلادي، بدأ التوسع الألماني نحو الشرق والشمال وهي حركة لم تتوقف إلا في القرن الثالث عشر الميلادي. 7 ـ حدث بَعْث ديني حقيقي في بداية القرن العاشر الميلادي. ويمكن القول بأن حروب الفرنجة تعود إلى ما يُسمَّى «الإصلاح الكلوني» وهي حركة إحياء دينية بدأت عام 910 في مدينة كلوني بفرنسا، وأكدت تَفوُّق سلطة الكنيسة على السلطة الدنيوية. وقد تزامنت حروب الفرنجة مع المجامع اللاترانية الأربعة في أعوام 1123، 1139، 1179، 1215 على التوالي. وهي المجامع التي بلورت موقف الكنيسة من عدة قضايا، منها تحريم الربا وتحديد وضع اليهود وكثير من علاقات الكنيسة بالسلطة الدنيوية. ولعبت الكنيسة دوراً أكثر نشاطاً في الحياة الدنيوية، وأخذت تؤكد نفسها بشكل أكثر جرأة. وقد أُعيدت صياغة البنية الكهنوتية وهو ما سمح للبابوات بأن يلعبوا دوراً أكثر فعالية. ووجدت الكنيسة في حروب الفرنجة فرصة مواتية لزيادة نفوذها وتسريب طاقة الأمراء والملوك القتالية إلى الشرق، ولتحقيق السلام والاستقرار في الغرب المسيحي. ومما له دلالته أن مجلس كليرمون (عام 1095) ، الذي اتخذ القرارات التي بدأت حملات الفرنجة على الشرق، جدد ما يُسمَّى «هدنة الرب» في الغرب! وقد وجدت الكنيسة الرومانية أن تجريد حملة تحت سلطتها، لمساعدة الدولة البيزنطية، قد يسرع بتحقيق حلم روما القديم بإخضاع الكنيسة البيزنطية. 8 ـ شهدت الفترة التي سبقت حروب الفرنجة تزايد حركة الحج. وكانت أهم المزارات روما حيث يُوجد ضريح لكلٍّ من بطرس وبولس، وكذلك ضريح سنتياجو دي كومبوستلا في شمال غربي إسبانيا. ولكن أهم المزارات جميعاً كانت هي القدس حيث تضم كنيسة القيامة. ولم يكن الحج عملاً من أعمال التقوى وحسب، وإنما أصبح وسيلة للتكفير عن الذنوب. بل كان القساوسة يوصون، في بعض الأحيان، بالحج لمن يرون أنه اقترف إثماً فاحشاً. وكان الحجاج يرجعون بقصص عن مدى ثراء الشرق، كما أنهم كانوا يتحدثون أيضاً عن المتاعب التي تجشموها والأهوال التي لاقوها. ولا شك في أن حديثهم هذا كان له أساس من الصحة حيث إن المنطقة لم تكن تنعم بالهدوء أو الاستقرار، وخصوصاً أن السلاجقة كانوا قد بدأوا في شن هجومهم على الدولة البيزنطية. ولكن مما لا شك فيه أنه كان هناك عنصر مبالغة، فالعائدون كانوا يريدون إبراز بطولتهم، وكان الوجدان الشعبي يتلقف هذه القصص ويضخمها، وخصوصاً أن المستوى الثقافي لجماهير أوربا آنذاك كان متدنياً إلى أقصى حد. 9 ـ يبدو أن حركة استرداد إسبانيا من المسلمين، وتَفاعُل المسيحيين مع المسلمين إبان حرب الاسترداد، قد تركا أثرهما في الرؤية المسيحية للحرب، إذ تأثر العالم المسيحي بفكرة الجهاد الإسلامي، فبدا أن الحرب للدفاع عن المجتمع المسيحي، ولاسترداد القدس، ليست حرباً عادلة وحسب وإنما حرب مقدَّسة أيضاً. ويبدو أن نشوء جماعات من الرهبان المحاربين مثل فرسان الهيكل وفرسان الإسعاف (الداوية والإسبتارية) هو صدى لفكرة المرابطين الإسلامية. 10 ـ من الأفكار المسيحية الشعبية الراسخة، ما يُطلَق عليه العقائد أو الأحلام الألفية، وتتمثل هذه الأفكار في الإيمان بأن الدورة الكونية أو التاريخية تستغرق ألف عام في العادة، وأن عام ألف أي بداية القرن الحادي عشر الميلادي سيشهد نهاية العالم والتاريخ، كما سيشهد عودة المسيح. وقد سادت هاتان الفكرتان أوربا في العصور الوسطى، وهما من الأفكار التي ازدادت شيوعاً إبان تفاقم الأزمات الاجتماعية وازدياد البؤس بين الجماهير. ويقول العلماء إن تاريخ نهاية العالم لم يكن محدداً بهذه الدقة، وأن الأحلام الألفية استمرت خلال القرن الحادي عشر الميلادي كله وحتى بعد ذلك التاريخ. ومن الأساطير الألفية التي شاعت أن الإمبراطور الأخير سيكون هو ملك الفرنجة خليفة شارلمان، وأنه هو الذي سيقود المؤمنين إلى القدس لينتظر العودة الثانية للمسيح ليؤسس مملكة السلام والعدل ويحكم العالم من صهيون، أي القدس، وما القدس الدنيوية سوى رمز للقدس الأخروية! 11 ـ واجهت الكنيسة، ابتداءً من القرن الحادي عشر الميلادي، ظهور هرطقات في جنوب فرنسا، فظهر الكاثاري في بداية الأمر ثم تبعهم أصحاب الهرطقة الألبيجينية. وهذه الجماعات كانت جماعات ثنوية تؤمن بوجود إلهين: إله الخير وإله الشر. وكان بعضهم يذهب، شأنه شأن الغنوصيين، إلى أن هذا العالم من خلق الإله الصانع (الشرير) ، كما كانوا ينزعون منزعاً واحدياً روحياً ينكر أية حقيقة للمادة. وقد جردت الكنيسة أول حملة صليبية ضدهم عام 1208، وتبع ذلك تأسيس محاكم التفتيش الرومانية (مقابل محاكم التفتيش الإسبانية) عام 1233. ولا شك في أن أحساس الكنيسة بأنها مهددة ساهم في تصعيد حمى الحرب. وقد استخدمنا كلمة «مركب» للإشارة إلى الأسباب التي أدَّت إلى حروب الفرنجة حتى لا نتوهم أن هناك بنية تحتية من الدوافع الاقتصادية والاجتماعية تغطيها قشرة من الأكاذيب أو التبريرات الدينية. فالنفس البشرية لا تتحرك بهذه الطريقة الآلية إذ تتداخل في عقل الإنسان أنبل الدوافع وأكثرها خسة في آن واحد، فالفلاح المسيحي الذي حمل صليبه وفأسه كان مدفوعاً برغبة دينية حقيقية، وإن كان هذا لا ينفي أيضاً وجود دوافع مادية. فهو حين كان يفعل ذلك، كان يهرب من الفاقة والدَّيْن ويحمل في وجدانه أحلام الثراء والخلاص. وحين دعا البابا إربان الثاني (1088 ـ 1118) ، وكان فرنسياً (أي من الفرنجة) لمجلس في كليرمون في 18 نوفمبر 1059، حضره أساقفة من جنوب فرنسا، كما حضره آخرون من شمالها ومن أماكن أخرى. وألقى البابا خطاباً أشار فيه إلى بؤس الكنيسة البيزنطية، وتهديد الحجاج المسيحيين، وتدنيس الأماكن المقدَّسة. وحث هؤلاء الذين يعكرون السلام في الغرب على أن يوجهوا قواهم القتالية لخدمة غرض مقدَّس، كما أشار إلى إمكانات الحصول على الثروة من أرض تفيض باللبن والعسل، فصاح الجميع باللاتينية «ديوس وولت deus volt» ، أي «الله يريد ذلك» . ثم تتالت الأحداث وجاء المتطوِّعون من كل أنحاء أوربا، ولكنهم جاءوا أساساً من الأراضي الفرنسية وشبه الفرنسية مثل اللورين وجنوب إيطاليا وصقلية. ولكن، لماذا كان أعضاء الجماعات اليهودية بالذات هدفاً أساسياً لهجمات الفرنجة؟ لا يمكن تفسير هذه الظاهرة إلا بالعودة لمركب آخر من الأسباب. وقد أسلفنا الإشارة إلى الطابع الشعبي لحملات الفرنجة وكيف انضم إليها المعدمون والفقراء. فهذه العناصر الشعبية لم يكن من الممكن التحكم فيها وضبطها كما هو الحال مع الجيوش النظامية. ولكن، وهذا هو الأهم، لابد أن نتذكر أن وجود الجماعات اليهودية داخل التشكيل الحضاري الغربي الوسيط كان يستند إلى مواثيق تمنحهم الكثير من المزايا باعتبارهم أقناناً تابعين للخزانة الملكية. فهم، إذن، كانوا جزءاً من الطبقة الحاكمة أو جماعة وظيفية وسيطة تابعة للحاكم تمتص الأموال الزائدة في المجتمع عن طريقها. ورغم أن اليهود لم يراكموا ثروات حقيقية إذ أن الأموال التي كانوا يجمعونها كانت تصب كلها في الخزانة الملكية (باعتبار أنهم وكل ما يملكون ملكية للملك) ، إلا أن آليات الاستغلال في المجتمع الوسيط لم تكن واضحة، على الأقل بالنسبة إلى الجماهير الشعبية، وكان اليهودي هو الجزء الواضح والمباشر والمتعيِّن في عملية الاستغلال. كما أن اليهودي، على عكس النبيل الإقطاعي أو الإمبراطور، كان قريباً من هذه الجماهير حيث يمكنها الوصول إليه في الجيتو رغم أنه كان موضوعاً تحت الحماية الملكية. كما أنه كان أحياناً مباحاً، بمعنى أن الحماية الملكية كانت تُرفَع عنه ويُلقَى به كبش فداء للجماهير. ويُلاحَظ أن اليهود كانوا يشكلون أحياناً عنصراً غريباً لا من الناحية الطبقية أو الدينية وحسب وإنما من الناحية الإثنية أيضاً. وكما أسلفنا، فقد سبقت حروب الفرنجة بعث اقتصادي، وظهور الجمهوريات الإيطالية وقوى بورجوازية مسيحية أخرى (دولية ومحلية) بدأت تُزاحم اليهود وتحاول الحد من قوتهم. فمنعت البندقية، قبل حروب الفرنجة، نَقْل التجار اليهود على سفنها، كما اتخذت العصبة الهانسية إجراء مماثلاً للحد من التجارة اليهودية. وقبل أن يحل القرن الثاني عشر الميلادي سُنَّت قوانين تحد من نشاط اليهود التجاري في الداخل. ومن الحقائق التي تستحق الذكر أن كبار المموِّلين اليهود قد اشتركوا في تمويل بعض حملات الفرنجة عن طريق إقراض الملوك أو النبلاء الإقطاعيين الذين اشتركوا في تلك الحملات أو قاموا بتجريدها. وقد اضطر هؤلاء إلى رهن ضياعهم لدى المرابين اليهود لتدبير الأموال اللازمة. كما أن كثيراً من صغار النبلاء بل بعض الحرفيين والتجار كانوا مدينين لليهود. لكل هذا، كان من مصلحة كثير من القطاعات الاقتصادية الهجوم على اليهود كوسيلة للتخلص من الأعباء المالية، ويرجع ذلك إلي أن الكنيسة كانت إما تجمد الفوائد على الديون أو تلغيها كليةً بالنسبة لمن يشترك في الحملة وذلك كنوع من المساهمة في عملية التعبئة. ومن هنا، كان الشعار الذي طرحه الفرنجة هو أن حملاتهم لابد أن تبدأ في أوربا ضد اليهود. وقد أشرنا إلى الصراع بين الكنيسة والسلطة الحاكمة الدنيوية من قبل. ورغم أن علاقة الكنيسة بالطبقة الحاكمة كانت وثيقة، ورغم أن الكنيسة كانت تُزوِّد اليهود بالحماية، فإن ثمة مسافة كانت تفصل بين السلطة الدينية والسلطة الدنيوية، وكثيراً ما كان اليهود يشكلون رقعة الصراع. فكانت الكنيسة، لتزيد من شرعيتها وتقوِّض شرعية السلطة الدنيوية، تهاجم اليهود برغم حمايتها لهم. وهذا لا يتناقض بتاتاً مع موقف الكنيسة الذي كان ينبع من مفهوم الشعب الشاهد الداعي إلى ضرورة حماية بقاء اليهود كجماعة دينية عاصرت منشأ الكنيسة وتحمل العهد القديم الذي يتنبأ بمقدم المسيح، وبذلك تقف شاهداً على صدق الكنيسة. ولكن أعضاء هذه الجماعة يجب أن يظلوا، مع ذلك، أو ربما بسبب ذلك، في حالة ضعة دائمة ليقفوا شاهداً على عظمة الكنيسة. لكن الهجوم المسيحي الحقيقي قاده صغار رجال الدين من رهبان فقراء ووعاظ جائلين، أي قادة المسيحية الشعبية الذين كانوا يتصرفون حسبما يمليه عليهم المنطق المطلق للخطاب الديني الذي صاغته المسيحية الحاكمة، ومن هنا سادت فكرة أنه إذا كان الهدف من الحملات هو استعادة القدس والقضاء على الكفرة في أقصى بلاد الأرض، فلم لا نبدأ بتنظيف منزلنا من قتلة المسيح؟ وثمة عنصر مهم مرتبط بسابقه لا تذكره الأدبيات الغربية في الموضوع، وهو ارتباط اليهود بالمسلمين في الوجدان الغربي آنذاك، فأكثر من نصف يهود العالم كانوا موجودين داخل التشكيل الحضاري الإسلامي. كما أن ثقافة الجماعات اليهودية داخل هذا التشكيل كانت ثقافة عربية إسلامية، وكان الفكر العقلاني الإسلامي قد ترك أثراً عميقاً في الفكر الديني اليهودي الذي وصل إلى قمته في أعمال موسى بن ميمون. وقد وجدت هذه الأفكار طريقها إلى كتابات اليهود في الغرب ومنها إلى الفكر الديني المسيحي، وقامت مناظرات بشأنها حتى قبل موسى بن ميمون. وقد اعتبرت الكنيسة أن هذه العقلانية تهدد الإيمان الديني من أساسه، وبالتالي كان يُنظَر إلى اليهود على أنهم أداة الفكر الإسلامي. كما أنه إبَّان عملية فَتْح الأندلس، ثم بعد ذلك إبَّان استردادها على يد الإسبان (وهي عملية بدأت قبل حروب الفرنجة واستمرت بعدها) ، كانت هناك قطاعات كبيرة من الجماعة اليهودية تقف إلى جوار المسلمين، سواء مع الفتح الإسلامي أو ضد الغزو المسيحي، وتعمل كجواسيس لصالح المسلمين (والعكس صحيح أيضاً) . كما أن من الثابت الآن أن بعض أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب كانوا يعملون جواسيس لصالح العالم الإسلامي، وكانوا يزودونه بالمعلومات عن حجم التجهيزات العسكرية الفرنجية. لكن الوجدان الشعبي يروِّج دائماً لجزء من الحقيقة. وانتشرت الاتهامات بأن اليهود يخونون المسيحيين لصالح المسلمين منذ القرن التاسع المبلادي. وبالإضافة إلى كل هذا، كان يُنظَر إلى كلٍّ من المسلم واليهودي، من منظور مسيحي مطلق، على أنهما كافران لأنهما يرفضان عقيدة التثليث. بل إن هناك كتابات مسيحية وسيطة تتهم المسلمين بصلب المسيح. وهناك رسوم لحادثة الصلب وقد وقف النبي محمد (عليه الصلاة والسلام) وهو يضرب المسيح. ويجب أن نضيف أن محاولة الكنيسة القضاء على الهرطقات في جنوب فرنسا زادت الحمية والغيرة ضد اليهود واليهودية. لكل هذا، كان من المتوقع أن تهاجم قوات الفرنجة الجماعات اليهودية في الغرب، وهذا ما حدث بالفعل في فرنسا واللورين وحوض الراين، ثم في بوهيميا وأخيراً إنجلترا. وقد جُرِّدت الحملة الأولي (1096 ـ 1099) التي دعا إليها إربان الثاني في مؤتمر كليرمون، وهي الحملة الوحيدة التي حققت بعض النجاح لأنها أخذت المسلمين على حين غرة. وقد بدأت الحملة بما يُسمَّى «حملة الفلاحين الشعبية» التي قادها بطرس الراهب والفارس ولتر المفلس، وقد ضمت في صفوفها حشداً كبيراً من الفلاحين وصغار الفرسان بلغ ما بين 15 و 20 ألفاً اتجهوا إلى القسطنطينية ومنها إلى الأراضي المقدَّسة. ولكن جيشاً تركياً تصدى لهم في آسيا الصغرى وسحقهم عام 1096 وقتل أعداداً كبيرة منهم وأسر أعداداً أخرى بيعت رقيقاً. وقد جُرِّدت بعد ذلك حملة الأمراء التي استفادت من حملة الفلاحين حيث تَوهَّم الأتراك، بناءً على تجربتهم مع جيش الفلاحين، أن قدرات أوربا القتالية متدنية. وقد نجحت الحملة الأولى في تأسيس أربع ممالك للفرنجة على النمط الإقطاعي الغربي. وقد قام الإقطاعيون والأساقفة بحماية يهود فرنسا. أما في ألمانيا، فقد شعر أعضاء الجماعة اليهودية بالخطر المحدق بهم وأرسلوا إلى الإمبراطور هنري الرابع الذي كان يزور روما آنذاك يستغيثون به، ولكن الغوث لم يصلهم. ووقع الهجوم عليهم في عدة أماكن من بينها مينز وورمز وكولونيا. ويُقال إنه قُتل اثنا عشر ألف يهودي، وهو رقم مبالغ فيه جداً، وأنه تم تحطيم كثير من مراكز تَجمُّعهم ونُهبَت ممتلكاتهم، كما فُرض على كثير منهم التنصر في ألمانيا وبوهيميا. ولكن، حينما عاد الإمبراطور، فرض عقوبات على المشتركين في أحداث الشغب وعلى المسئولين الذين لم يزوِّدوا اليهود بالحماية الكافية، وصرح لمن عُمِّد من اليهود قسراً بالعودة لدينه، وأعاد إليهم ممتلكاتهم. بل إنه اتخذ خطوة حاسمة عام 1103 حين أصدر قراراً بأن يتمتع اليهود بالحماية نفسها التي يتمتع بها القساوسة. أما في فلسطين، فقد قام الفرنجة بذبح اليهود الحاخاميين والقرائين (بل المسيحيين الشرقيين) بعد استيلائهم على القدس، وإن كان قد سُمح لليهود بعد ذلك بأن يعيشوا داخل حدود ممالك الفرنجة. أما الحملة الثانية (1146 ـ 1147) التي جُرِّدت لغوث ممالك الفرنجة واسترجاع ما استولى عليه عماد الدين زنكي عام 1044، والتي بشر بها القديس برنارد وقادها الإمبراطور كونراد الثالث، فقد بدأت بالهجوم على تجمعات يهود فرنسا. وأعلن البابا إيوجنياس الثالث إلغاء الفوائد على ديون المتطوعين للقتال، الأمر الذي أضر بالوضع المالي لأعضاء الجماعات اليهودية. ويمكن القول بأن الطبقة الحاكمة نجحت هذه المرة في تزويد الجماعات اليهودية بالحماية المطلوبة، ولم تقع سوى عدة مذابح قليلة راح ضحيتها أعداد صغيرة لا تُذكَر. وقد فشلت الحملة فيما كانت تهدف إليه. وبعد الحملة الثانية، شهدت المنطقة فترة توازن استمرت طوال أعوام 1131 ـ 1174. ولكن بعد ذلك التاريخ، أخذ المسلمون بزمام المبادرة إلى أن قضوا على جيوب الفرنجة. أما الحملة الثالثة (1189 ـ 1192) ، فكان على رأسها فريدريك الأول (بارباروسا) إمبراطور ألمانيا، وفيليب الثاني ملك فرنسا، وريتشارد قلب الأسد ملك انجلترا. وكان الحماس لها كبيراً في إنجلترا وأدَّت إلى هجمات على أعضاء الجماعة اليهودية فيها. أما بالنسبة إلى الحملات الأخرى التي تم تجريد آخرها عام 1250، فلم تُصب أعضاء الجماعات اليهودية بأذى كبير. ويعود هذا إلى تزايد سلطة الإمبراطورية الرومانية المقدَّسة، وخصوصاً في زمن فريدريك الثاني، فنجحت في فرض سلطتها وحماية أعضاء الجماعات اليهودية، وإن كانت حملة 1320 التي يُقال لها «حملة الرعاة» قد هاجمت اليهود في شمال إسبانيا وجنوب فرنسا. ولا يُعرَف عدد الضحايا من أعضاء الجماعات اليهودية على وجه الدقة لأن التقارير المعاصرة تميل إلى المبالغة والتهويل، ولكن يمكن القول بأنه كان بين خمسة آلاف واثنى عشر ألفاً، وهو ليس بالعدد الذي يُستهان به برغم صغر حجمه بمقاييس أيامنا هذه. ففي بعض التقديرات، لم يكن يزيد عدد يهود إنجلترا بأسرها على أربعة آلاف، ولم يكن يزيد عدد يهود أوربا المسيحية كلها على نصف مليون يهودي وربما أقل، وقد كانوا متمركزين أساساً في المدن أو في البقاع التي كانت تكتسب طابعاً حضرياً. وربما لم تكن المبالغة مقصودة وإنما راجعة إلى خلل في طريقة الرصد والملاحظة. فقد «اختفت» أعداد من اليهود بعض الوقت، فحُسبوا في عداد القتلى، بينما كان اختفاؤهم في واقع الأمر مؤقتاً، إذ أنهم كانوا قد تركوا أماكن إقامتهم أثناء الاضطرابات، ثم عادوا إليها بعد سكونها. وعاد أعضاء الجماعة اليهودية في سبير ومينز وكولونيا وغيرها من المدن الألمانية بعد أن كانوا قد تركوها. والوضع نفسه ينطبق على يهود إنجلترا. بل يُلاحَظ تزايد العدد الكلي ليهود أوربا خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين. ومع حلول القرن الثالث عشر الميلادي، كانت أغلبية يهود العالم تعيش في أوربا لأول مرة في التاريخ. وربما يعود هذا إلى أن نتائج المذابح لم تكن بالضخامة التي تنسبها إليها روايات المعاصرين (وإن كان آرثر كوستلر يُفسِّر ظاهرة تزايد أعداد اليهود بالإشارة إلى ما يسميه «الشتات الخزري» في أرجاء أوربا) . وتميل التواريخ الصهيونية إلى تسجيل المذابح التي تعرض لها أعضاء الجماعات اليهودية دون وضعها في سياقها التاريخي السليم، ودون ذكر المذابح الأخرى التي ارتُكبت ضد قطاعات إثنية وطبقية أخرى في المجتمع، فيبدو الأمر وكأن الشر مُوجَّه ضد اليهود وحدهم. وهذا ما فعلته التواريخ الصهيونية بالهولوكوست، أي إبادة اليهود على يد النازي، حيث تُغفل الدراسات إبادة الغجر والسلاف ويتم التركيز على اليهود وحدهم. ولكن من الثابت تاريخياً أن عُنْف حملات الفرنجة لم يكن قط مقصوراً على اليهود، فقد قتل الفرنجة سبعين ألف مسلم في الحملة الأولى وحدها. أما بالنسبة إلى المسيحيين الشرقيين الذين جاء الفرنجة لتحريرهم، فقد حوَّلهم الفرنجة إلى ما يشبه أرقاء أرض، وفرضوا عليهم سلطة إقطاعية أشد قسوة مما كان سائداً وقتئذ في أوربا، حتى أخذ سكان البلاد المسيحيون ينظرون بعين الحسرة إلى حكم المسلمين ويعدونه من العصور الذهبية التي مرَّت بالبلاد. وقد نهب الفرنجة القسطنطينية ثم استولوا عليها. بل يُقال إنهم أنهكوا قواها تماماً وهو ما سهَّل سقوطها في نهاية الأمر في يد العثمانيين. ولم تَسلَم مدن أوربا المسيحية ذاتها من هجماتهم ونهبهم وانتهاكاتهم. بل نجد أن الفرنجة أنفسهم وقعوا ضحية العنف السائد في تلك الحقبة الزمنية، ففي حملة الأطفال عام 1212 (بعد الحملة الرابعة) ، تجمَّع نحو ثلاثين ألف طفل في حملة للفرنجة، وتطوَّع تاجران من مارسيليا بنقلهم إلى الأرض المقدَّسة، ولكنهم بدلاً من ذلك باعوهم لتجار العبيد! ويجب أن نبحث عن الأثر الحقيقي لحروب الفرنجة في الجماعات اليهودية لا في المذابح التي ارتُكبت ضدهم، أياً كانت قسوتها، وإنما في بعض التطورات الأخرى ذات الطابع البنيوي التي لحقت بالمجتمع الغربي. والواقع أنها وإن لم تمس أعضاء الجماعات اليهودية مباشرة، فقد كان لها أعمق الأثر في السنوات والقرون التي أعقبت حملات الفرنجة. ومن أهم نتائج حملات الفرنجة، أنها زادت قوة السلطة الدنيوية، وخصوصاًَ قوة الملوك. فقد تم تحويل الطاقة العسكرية للبارونات والنبلاء إلى حملات الفرنجة الأمر الذي أنهك قواهم وأضعفهم داخل أوربا نفسها. كما أن السلطات الدنيوية نجحت في فرض ضرائب مباشرة على النبلاء ورجال الدين والطبقة الوسطى، واستمرت في ذلك بعد انتهاء الحملات الأمر الذي كان يُعَدُّ تعزيزاً لنفوذ الملك على حساب الكنيسة وعلى حساب النبلاء. ومن العوامل الأخرى التي زادت نفوذ السلطة الدنيوية، تزايد الحس القومي بين القطاعات البشرية المختلفة ممن يتحدثون اللغة نفسها ولهم الثقافة نفسها، وكان هذا يُعدُّ تطوراً جديداً في تاريخ مجتمعات القارة الأوربية. ومن النتائج المهمة الأخرى أن حملات الفرنجة أدَّت إلى تشجيع التجارة واتساع نطاقها، فقد أصبح لأوربا قواعد تجارية وموانئ جديدة في البحر الأبيض المتوسط تَصلُح نقطة انطلاق لتجارة دولية كبيرة. كما طورت أوربا مقدرتها على بناء سفن أكبر حجماً، فالطريق البحري هو الطريق الأساسي الذي كان يربط بين الفرنجة وأرض المعركة. ومن خلال حروب الفرنجة زاد التعامل بالأوراق والاعتمادات المالية، الأمر الذي شجع على نشوء نظام مصرفي دولي. ويمكن القول أيضاً بأن أفق الإنسان الغربي قد اتسع جغرافياً وتاريخياً نتيجة الانتقال من قارة إلى أخرى، وازدادت البورجوازيات المسيحية المحلية الوليدة جرأة، كما تزايد نشاط الجمهوريات المدن الإيطالية بشكل ملحوظ. وقد أدَّت كل هذه التطورات الاقتصادية المهمة إلى انسحاب أعضاء الجماعات اليهودية تدريجياً من التجارتين الدولية والمحلية اللتين كانتا مرتبطتين إلى حدٍّ كبير وإلى اتجاهها نحو الاشتغال بالربا، وهو الأمر الذي زاد من كراهية الطبقات الشعبية لهم وزاد من هامشيتهم داخل المجتمع الغربي الوسيط. ولكن السلطة الدنيوية كانت تزداد قوة كما بيَّنا، وأدَّى ذلك إلى تَزايُد اعتماد اليهود على النخبة الحاكمة، والملك بالذات، إذ أصبح وجودهم يستند إلى الحماية التي تدعمهم بها هذه الطبقة، فتحوَّلوا من جماعة وظيفية وسيطة تخدم معظم أعضاء المجتمع إلى جماعة وظيفية عميلة معزولة عن المجتمع تُستخدَم أداةً في يد الطبقة الحاكمة. وهذا الوضع يختلف عن وضع اليهود في الأعوام الألف الأولى بعد الميلاد، حيث كانت هناك درجة أعلى من الاختلاط بين اليهود والمسيحيين، وكان الجيتو مجرد مكان للإقامة، بل إنه كان يُعَدُّ إحدى المزايا التي كان يحصل اليهود عليها ضمن ما يحصلون عليه من حقوق ومزايا. ولكن، مع تغيُّر وضعهم، زادت العزلة بين الفريقين وأصبح الجيتو المكان الذي يُعزلون فيه. وقد كرست هذا الوضع قرارات مجمعي المجلس اللاتراني الثالث والرابع، وهي عزلة ظلت تتعمق حتى القرن الثامن عشر الميلادي ـ عصر الإعتاق. ويُقال إن صيحة «هب هب hep hep» التي كان يطلقها المعادون لليهود، في اضطرابات عام 1819 وبعدها، هي نفسها الصيحة التي كان يرددها الفرنجة وأن الكلمة اختصار للعبارة اللاتينية «يروشاليم إست برديتا Yerushal» أي: «لقد سقطت القدس» . ومن نتائج حروب الفرنجة على اليهود أيضاً، بداية الاستقرار اليهودي في شرق أوربا الذي ظل يتزايد إلى أن أصبحت الجماعة اليهودية هناك أضخم كتلة بشرية يهودية في العالم. ومن الحقائق الأخرى التي ينبغي الإشارة إليها ما نسميه تصاعُد الحمَّى المشيحانية، أي الرغبة في العودة إلى صهيون (أي فلسطين) والاستيلاء عليها وتحويلها إلى وطن قومي يهودي. إذ من المعروف أن الشريعة اليهودية تحرِّم على اليهود العودة إلى فلسطين وعلى اليهودي أن ينتظر بصبر وأناة إلى أن يشاء الإله ويرسل الماشيَّح، فيحق له حينئذ أن يعود. ويرى كثير من المؤرخين أن حمَّى العودة ورَفْض الانتظار بدأت بين اليهود بحملات الفرنجة ووصلت إلى قمتها مع الحركة الصهيونية التي حققت النجاح لأنها جندت النزعة الاستعمارية في المجتمع الغربي وتحالفت معها ووضعت نفسها تحت تصرفها. وما يهمنا هنا من الحركات المشيحانية حركة الماشيَّح الدجال (داود الرائي) المولود عام 1135 إذ يبدو أن هجمات الفرنجة على فلسطين، والفوضى التي أعقبتها، طرحت إمكانية العودة وتحرير القدس في مخيلة بعض أعضاء الجماعات اليهودية. وقد تركزت دعوة داود الرائي هذا في آمد (في جبال كردستان) على الطريق الإستراتيجي الموصل بين مملكة الخزر اليهودية التركية وممالك الفرنجة. ولعل شيئاً من ذكرى إمبراطورية الخزر وأمجادهم كان لا يزال عالقاً بذهن داود الرائي وأتباعه. وقد تصاعدت الحمَّى المشيحانية مرة أخرى في القرن السادس عشر الميلادي إذ يبدو أن البابا كليمنت السابع (1524) عاودته الأحلام الاستيطانية الاسترجاعية، وكان يتصوَّر أن بإمكانه دَعْم طريق الكنيسة مرة أخرى واستعادة شيء من نفوذها عن طريق تجريد حملة صليبية. وقد أدرك هذه الحقيقة ماشيَّح دجال آخر يُسمَّى ديفيد رءوبيني، فادَّعى أنه ابن ملك يُدعى سليمان وأخ لملك يُدعى يوسف يحكم بعض الجماعات والقبائل اليهودية في خيبر بالقرب من المدينة المنورة. وقد أخبر رءوبيني البابا أن أخاه يتبعه ثلاثمائة ألف جندي مدربين على الحرب وأنهم لسوء الحظ ينقصهم السلاح، وطلب إلى البابا تزويدهم بما ينقصهم حتى يمكنهم طَرْد المسلمين من فلسطين. وقد استقبله البابا استقبالاً حسناً في بادئ الأمر، بل نجح في مقابلة ملك البرتغال وفي التأثير عليه. وفي تصوُّرنا أن هذه هي أول مرة يتحول فيها المشروع الصليبي للفرنجة إلى مشروع صهيوني وتقبل فيها المؤسسات الغربية استخدام المادة البشرية اليهودية المقاتلة بدلاً من المادة المسيحية. وقد تركت حروب الفرنجة تأثيراً عميقاً في إدراك الوجدان الغربي لفلسطين أو العرب، فأصبحت فلسطين الأرض المقدَّسة التي لابد أن تُسترجَع ليُوطَّن فيها عنصر مسيحي غربي، وأصبح العرب (أهل فلسطين) هم الغرباء الذين يجب استبعادهم. وقد أصبحت هذه الصيغة هي الصيغة التي تمت علمنتها فيما بعد لتصبح الصهيونية. التشابه بين حملات الفرنجة والمشروع الصهيوني Similarity between the Crusades and the Zionist Project رغم أن حروب الفرنجة ظاهرة مرتبطة بالتشكيل الحضاري الغربي في العصر الوسيط، فقد ساهمت هذه الحروب وبعمق في صياغة الإدراك الغربي لفلسطين والعرب. ولا يملك الدارس إلا أن يُلاحظ عمق التشابه بين المشروع الفرنجي والمشروع الصهيوني الإسرائيلي، وهذا أمر متوقع لأن كليهما جزء من المواجهة المستمرة بين التشكيلين الحضاريين السائدين في الغرب والشرق العربي، كما أن حملات الفرنجة هي نقطة انطلاق أوربا نحو التوسع والإصرار على بسط سيطرتها على الخارج. والواقع أن حملات الفرنجة احتوت بذور كل أشكال الإمبريالية الأوربية التي حكمت فيما بعد حياة جميع شعوب العالم (على حد قول أحد مؤرخي حملات الفرنجة الغربيين) . ولهذا، أصبحت حملات الفرنجة صورة مجازية أساسية في الخطاب الاستعماري الغربي، وأصبحت ديباجاتها هي نفسها ديباجة المشروع الاستعماري الغربي. وقد رأى كثير من المدافعين عن المشروع الصهيوني، من اليهود وغير اليهود، أنه استمرار وإحياء للمشروع الصليبي أي الفرنجي ومحاولة وَضْعه موضع التنفيذ من جديد في العصر الحديث. فقد ألَّف سي. آر. كوندر عام 1897، وهو صهيوني غير يهودي ومؤسس صندوق استكشاف فلسطين، كتاباً عن تاريخ المملكة اللاتينية في القدس أشار فيه إلى أن الإمبريالية الغربية قد نجحت فيما أخفقت فيه الحملات الصليبية أي حملات الفرنجة. والواقع أن تصوُّره هذا يشبه في كثير من الوجوه تصوُّر الصحافة البريطانية وكذلك تصوُّر بعض أعضاء النخبة الحاكمة في بريطانيا بأن هجوم أللنبي على القدس يساوي حملة صليبية أخرى. وقد صرح لويد جورج رئيس الوزراء البريطاني آنذاك، والذي أصدرت وزارته وعد بلفور، أن أللنبي شن وربح آخر الحملات الصليبية وأعظمها انتصاراً. ويمكننا أن نقول إن المشروع الصهيوني هو نفسه المشروع الفرنجي بعد أن تمت علمنته، وبعد أن تم إحلال المادة البشرية اليهودية التي تم تحديثها وتطبيعها وتغريبها وعلمنتها محل المادة البشرية المسيحية. وقد لاحَظ روبرت برنارد سولومون، وهو ضابط إنجليزي رأس الاتحاد الصهيوني البريطاني، أوجه التشابه بين المشروعين الفرنجي والصهيوني في دراسة له نشرها في جويش ريفيو عام 1912 تحت عنوان "مستعمرات القرن الثاني عشر في فلسطين" حيث أكد أن المشكلات التي واجهها المستوطنون الفرنجة ونجحوا في التغلب عليها تشبه من نواح كثيرة تلك المشكلات التي تواجه المستوطنين الصهاينة في فلسطين ثم أخذ في تعداد هذه النواحي. كما أشار إلى العوامل التي أدَّت إلى انهيار ممالك الفرنجة بعبارة "المؤثرات الشرقية التي أدَّت إلى الانحلال" ليحذر المستوطنين الجدد منها. وسنحاول حَصْر جوانب الشبه بين التجربتين الفرنجية والصهيونية، وتصنيفها تحت رؤوس موضوعات قد تكون متداخلة ولكنها مع هذا تيسر لنا عملية تقسيم هذه الأوجه والتعامل معها. ولعل نقطة التشابه الأساسية ذات طابع جغراسي ففلسطين هي النقطة المستهدفة في كل من المشروعين الفرنجي والصهيوني. ويبدو أن فلسطين مستهدفة دائماً من صناع الإمبراطوريات إذ أنها تُعَدُّ مفتاحاً أساسياً لآسيا وأفريقيا، وتُعدُّ معبراً على البحرين الأحمر والأبيض، وتقف على مشارف الطرق البرية التي تؤدي إلى العراق وإيران، وهي أيضاً معبر أساسي لشطري العالم الإسلامي. وفلسطين في واقع الأمر ليست سوى جزء من ساحل طويل يضم سوريا ومصر، يشكل فاصلاً بين البحر المتوسط في الغرب والمحيط الهندي في الشرق. ويُعد هذا الموقع، بالتالي، فاصلاً بين مراكز النشاط في أوربا الغربية والشرق الأقصى. كل هذا يبين تشابك المصير بين سوريا ومصر من جهة وفلسطين من جهة أخرى، وخصوصاً أن كثافة مصر السكانية جعلتها دائماً المرشحة لقيادة المنطقة بأسرها في صراعها ضد الغزوات الغربية. ويلاحظ أن كلاًّ من المشروعين الفرنجي والصهيوني اكتشف أنه لحسم الصراع لصالحه، فلابد من ضرب مصر أو على الأقل تحييدها. والواقع أن الغزاة الاستيطانيين عادةً ما يسلكون طريق البحر، ثم تستقر الجيوب الاستيطانية على الساحل أو تحتفظ بركيزتها الأساسية فيه كما حدث في جنوب أفريقيا والجزائر. وكذلك، فإن الغزوتين الفرنجية والصهيونية سلكتا الطريق البحري نفسه واحتلتا أجزاء من نفس الشريط البحري، وإن كان الشريط الذي احتله الفرنجة أكثر طولاً من الشريط الذي احتله الصهاينة. أما من الناحية التاريخية، فيمكن القول بأن ثمة تشابهاً بين وَضْع العالمين العربي والإسلامي في القرن الحادي عشر ووضعهما في أواخر القرن التاسع عشر، فقد كانا في حالة انقسام وتراجع وتجزئة. فالخلافة الفاطمية في مصر كانت في حالة مواجهة مع الخلافة العباسية في العراق، وقد اقتسمتا فيما بينهما العالم الإسلامي. وكان النظامان العباسي والفاطمي يعانيان من الصراعات الداخلية والمؤامرات. وهما، في هذا، يشبهان النظام السياسي العربي المعاصر، المتجزئ، المنقسم على نفسه، المتصارع مع ذاته. والغزوتان الفرنجية والصهيونية تهدفان إلى حل بعض مشاكل المجتمع الغربي وتخفيف حدة تناقضاته. فالمجتمع الوسيط الغربي كان يخوض عملية بَعْث اقتصادي فتحت شهيته للاستيلاء على طرق التجارة المتجهة إلى الشرق. وهذا يشبه من بعض الوجوه، وإن كان بدرجة أقل، انفتاح شهية رجل أوربا الشره في القرن التاسع عشر الميلادي الذي لم يهدأ له بال إلا بعد أن وقع العالم كله في قبضته. وقد استخدمت أوربا كلا المشروعين، الفرنجي والصهيوني، في التخلص مما أطلق عليه في القرن التاسع عشر الميلادي «الفائض البشري» ، أي العناصر التي لم تستطع أن تحقق الحراك الاجتماعي داخل مجتمعاتها ولذا كانت تهدِّد السلام الاجتماعي ولم يكن هناك مفر من تصديرها للشرق حتى يحقق الغرب سلاماً اجتماعياً داخلياً. فالمشروع الفرنجي كان يهدف أيضاً إلى تخليص أوربا من فائضها البشري الذي كان يهدد سلامها الاجتماعي حسب تصوُّر البعض على الأقل. ومن نقط التشابه الأخرى أن المشروعين الفرنجي والصهيوني مشروعان استعماريان من النوع الاستيطاني الإحلالي. فالمشروع الفرنجي كان يهدف إلى تكوين جيوب بشرية غربية وممالك فرنجية تدين بالولاء الكامل للعالم الغربي. ولذا، لم تأت الجيوش وحسب، وإنما أتى معها العنصر البشري الغربي المسيحي ليحل محل العنصر البشري العربي الإسلامي. وهو في هذا لا يختلف عن المشروع الصهيوني إلا في بعض التفاصيل. فغزو فلسطين تم أولاً على يد القوات البريطانية، ثم حَضَر المستوطنون الصهاينة بعد ذلك بوصفهم عنصراً يقوم بالزراعة والقتال. وقد كانت المؤسسات الاقتصادية للفرنجة، مثلها مثل قرينتها الإسرائيلية، تتسم بطابع عسكري. كما أن التنظيم الاقتصادي التعاوني لم يكن مجهولاً لدى الفرنجة. ويمكن القول بأن دويلات الفرنجة، مثلها مثل الدولة الصهيونية، كانت ترسانات عسكرية في حالة تأهب دائم للدفاع عن النفس وللتوسع كلما سنحت لها الفرصة. ويُلاحَظ أن كلاًّ من ممالك الفرنجة والدولة الصهيونية، بسبب طبيعتها الإحلالية، خلقت مشكلة لاجئين. كما يُلاحَظ أن هؤلاء اللاجئين تحوَّلوا إلى وقود جنَّد سكان المنطقة ضد الدولة القلعة. ومن المعروف أن الكيانات الاستيطانية لا تفقد صلتها قط بالوطن الأم بل تعتمد عليه اعتماداً يكاد يكون كاملاً لأنها، بسبب تناقضها الجوهري مع البيئة المحلية التي تلفظها، تستمد مقومات الحياة من دعم عسكري ومالي وهوية ثقافية ومادة بشرية من وطنها الأصلي. وهذه سمة أساسية في الكيانين الفرنجي والصهيوني، مع تنويعات فرعية تنصرف إلى التفاصيل لا الجوهر. فمثلاً اعتمدت ممالك الفرنجة على كل أوربا كمصدر للدعم، ولكن اعتمادها كان على فرنسا بالدرجة الأولى. وكذلك، فإن الدولة الصهيونية التي اعتبرت أوربا قاعدتها الإستراتيجية واعتمدت على معظم دول العالم الغربي الرأسمالي مع التركيز على بلد واحد هو إنجلترا ثم فرنسا لفترة قصيرة وأخيراً الولايات المتحدة منذ منتصف الستينيات. ومع سقوط الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي تطرح الدولة الصهيونية نفسها باعتبارها قاعدة للحضارة الغربية كلها في مواجهة العالم الإسلامي. ويشير أحد الدارسين الإسرائيليين إلى أنه كان هناك جباية فرنجية موحدة تماماً مثل الجباية اليهودية الموحَّدة. وقد جاءت المادة البشرية لكلا المشروعين من العالم الغربي. ولكنهما، مع هذا، لم يحققا التجانس العرْقي المطلوب لتحقيق شيء من التوازن داخل التجمُّع الاستيطاني، فتولدت درجة عالية من التوتر. فممالك الفرنجة كانت تضم في بادئ الأمر عنصراً فرنسياً غالباً بالإضافة إلى عنصر إيطالي انقسم بدوره إلى جنوي وبندقي نسبة إلى جنوة والبندقية. ولكن عناصر أخرى انضمت إلى هذين العنصرين، مثل: الأرمن وبعض العناصر المسيحية المحلية والمسلمين الذين تنصروا. كما أن ممالك الفرنجة نفسها استوعبت، بمرور الزمن، العناصر الثقافية من البيئة المحلية. ولكن، ومع هذا، يمكن القول بأن ممالك الفرنجة احتفظت بقدر من التجانس أعلى كثيراً مما حققه الكيان الصهيوني. فهذه الممالك ظلت فرنجية (فرنسية) ، كما أن أعضاء النخبة الحاكمة التي كانت عناصرها الأساسية من الفرنجة ظلت متماسكة، وكذلك كانت الهوية الثقافية مستمدة من فرنسا. ويلاحظ أن أوربا في ذلك الوقت لم تكن قد انقسمت بعد إلى كيانات قومية لكل منها لغتها، وكانت اللاتينية لغة العبادة والفكر. وكان التشكيل الحضاري يتمتع بشيء من الوحدة الثقافية، على الأقل، بالقياس إلى فترة التفتت القومي التي بدأت بعصر النهضة. وقد حاول التجمع الصهيوني أن يحتفظ بهوية إشكنازية متجانسة تستند إلى تجربة شرق أوربا. ولكن أوربا، في القرن التاسع عشر الميلادي، كانت ذات تشكيل حضاري مقسم إلى كيانات قومية مختلفة تتحدث لغات مختلفة، فجاء يهود من المجر ورومانيا وألمانيا وإنجلترا وفرنسا، كلٌّ يتحدث لغته. وجاء من شرق أوربا نفسها أنواع غير متجانسة، فثمة يهود جاءوا من بولندا يتحدثون البولندية، وآخرون جاءوا من رومانيا يتحدثون الرومانية، ومن روسيا جاء من يتحدث الروسية إلى جانب الأغلبية التي تتحدث اليديشية. كما كان النسق الديني اليهودي في حالة تفتُّت وتراجُع ومن ثم نجد أن هناك يهوداً أرثوذكس ويهوداً إصلاحيين أو محافظين أو قرّاءين ... إلخ. ثم اجتاحت التجمع الصهيوني الكثافة السكانية الوافدة من العالمين العربي والإسلامي التي غيَّرت بنيته السكانية وتوجُّهه الثقافي بحيث أصبحت أغلبية العنصر اليهودي شرقية تحكمها أقلية إشكنازية. ولكن الدولة الصهيونية تحاول مع هذا أن تحتفظ بالتوجه الإشكنازي للمجتمع، إذ يتضح هذا في تشجيع الهجرة من الاتحاد السوفيتي وفي المناخ الثقافي الذي تفرضه المؤسسة الحاكمة، وهذا الوضع يُولِّد الكثير من التوتر. ويُلاحظ الصحفي الإسرائيلي يوري أفنيري أن كلاًّ من التجمعين الفرنجي والصهيوني تكوَّن من ثلاث طبقات ذات طابع عرْقي: الطبقة الحاكمة من المسيحيين الغربيين في دويلات الفرنجة يقابلها اليهود الإشكناز في الدولة الصهيونية. ثم يأتي في المرتبة الثانية مواطنو الدرجة الثانية من المسيحيين الشرقيين في دويلات الفرنجة يقابلهم اليهود الشرقيون في الدولة الصهيونية. وأخيراً يأتي مواطنو الدرجة الثالثة وهم المسلمون واليهود وبعض المسيحيين العرب في دويلات الفرنجة، والمسلمون والمسيحيون العرب في الدولة الصهيونية. والمجتمع الاستيطاني مجتمع مزروع أو مشتول في العادة، فهو يأخذ شكل الدولة الجيتو أو الدولة القلعة. ونشير له الآن بأنه الدولة الشتتل. والشتتل هي المدن الصغيرة التي أسسها النبلاء البولنديون (شلاختا) في أوكرانيا لأعضاء الجماعات اليهودية ليقوموا بدورهم الذي أوكل إليهم في جمع الضرائب والإيجارات والإشراف على إدارة ضياع هؤلاء النبلاء حيث كانت تحميهم القوة العسكرية البولندية. وهذا المجتمع منعزل عن بيئته وينصرف جزء كبير من نشاطه إلى عملية القتال ضد السكان المحليين. وهذه مسألة ليست عرضية وإنما هي مسألة جوهرية وتنبع من الوظيفة نفسها. والعالم الغربي يزود الجيوب الاستيطانية بالعون ومقومات الحياة حتى تظل ركيزة لنشاطاته الإمبريالية والتوسعية. وينطبق هذا الوضع على الجيبين الفرنجي والصهيوني، وإن كان يبدو أن الدعم الغربي للجيب الصهيوني يفوق الدعم الغربي للجيب الفرنجي. ولعل هذا يعود إلى أن الغرب أدرك وظيفة الجيب الصهيوني كاستثمار إستراتيجي يأتي بعائد اقتصادي غير مباشر عن طريق تهدئة المنطقة وليس كاستثمار اقتصادي يأتي بعائد اقتصادي مباشر. وربما لم تكن لدى أوربا في العصور الوسطى الرؤية الإستراتيجية الشاملة التي يمتلكها الغرب في الوقت الحاضر. ويبدو أن أزمة التجمُّع الفرنجي لا تختلف عن أزمة التجمع الصهيوني. فيُلاحَظ أن الكيان الفرنجي كان يعاني من أزمة سكانية لا تختلف كثيراً عن أزمة المستوطن الصهيوني، وذلك نظراً لانخفاض عدد سكان أوربا عام 1300 بعد انتهاء فترة تزايد السكان، الأمر الذي أدَّى إلى عدم مجيء المزيد من المادة البشرية، كما كان الكيان الفرنجي يعاني من تناقص نسبة المواليد. وكان كثير من الأراضي التي ضمها الفرنجة يزرعها سكانها الأصليون العرب. بل إن بعض الأقنان الذين جاءوا مع حملات الفرنجة اشتغلوا بأعمال أخرى غير الزراعة، نظراً لعدم درايتهم بالتربة وربما لتفتُّح فرص اقتصادية أخرى بحيث أمكنهم العمل في التجارة. ويشبه هذا زحف العرب التدريجي على الزراعة داخل المُستوطَن الصهيوني وضمن ذلك الكيبوتسات، وتحوُّل المستوطنين الصهاينة إلى مهام أخرى غير الزراعة. ولا تنحصر نقاط التشابه بين المشروعين الفرنجي والصهيوني في الظروف الاجتماعية والجغرافية المحيطة بكل منهما، ولا في بنية الكيانين فقط، وإنما تمتد نقاط التشابه هذه لتضم الديباجات والقصد. فقد قُدِّمت تبريرات للمشروعين وتم الدفاع عنهما عن طريق ديباجات دينية تستخدم الرموز الدينية وتوظفها في عملية التعبئة العسكرية. والرموز الدينية المستخدمة هي في واقع الأمر رموز عرْقية أو إثنية أو قومية رغم طلائها الديني اللامع. ويتبدَّى هذا في واقع أنه لا حملات الفرنجة ولا الحملة الصهيونية تحتكم إلى القيم الأخلاقية المسيحية أو اليهودية، ولا يوجد لدى أيٍّ منهما استعداد لأن يُقيِّم سلوك المقاتلين التابعين لها من منظور مسيحي أو يهودي. فلم يكن الصليب في الحروب التي يُقال لها «صليبية» رمزاً للنسق الديني المسيحي وإنما كان رمزاً للهوية الإثنية الغربية المغرقة في الدنيوية، كما أن نجمة داود كان يستخدمها الصهاينة الذين لا يعرفون إلا القليل عن الدين اليهودي والذين لا علاقة لهم بالنسق الديني اليهودي. فالحملات التي يُقال لها «صليبية» ، أو تلك التي يُقال لها «صهيونية» ، هي إذن تعبير عن قوى غير دينية استولت على الرموز الدينية ووظفتها مثلما استولت فيما بعد على الأراضي وقتلت أصحابها. ومن هنا كانت عنصرية الديباجات الصليبية والصهيونية. ومن هنا أيضاً كان تمييزها الحاد بين البشر وتقسيمهم إلى أدنى وأعلى، أو حاضر وغائب، أو فئة لها كل الحقوق وفئة لا حقوق لها على الإطلاق ... إلخ. وهذا مختلف تماماً عن إيمان الديانات التوحيدية الثلاث بالمساواة بين البشر والتي تصدُر عن الإيمان بأننا نولد جميعاً من آدم وآدم من تراب. ويُلاحَظ أن ديباجات الفرنجة والصهاينة ترى غزو فلسطين في إطار فكرة أن الغزاة شعب مقدَّس أو مختار. وكان يسيطر على كل من الفرنجة والصهاينة تفكير نخبوي يجعل زعماءهم ينظرون إلى أنفسهم على أنهم طلائع شعوبهم التي ستحمل السلام لتخلِّص الأرض المقدَّسة، وأن هذه الحملة العسكرية إن هي إلا خروج ثان يشبه خروج العبرانيين من مصر إلى كنعان. وقد ارتبطت الديباجات في كلا المشروعين بالأحلام الألفية في استرجاع فلسطين بعد عودة المسيح أو تمهيداً لعودته. مركزية حملات الفرنجة في الوجدان الصهيوني/الإسرائيلي Centrality of the Crusades in the Israeli Zionist Imagination نظراً للتشابه بين المشروعين الفرنجي والصهيوني، ونظراً لأن كليهما اتخذ فلسطين ساحة لتنفيذ أحلامه، نجد أن الوجدان الصهيوني منشغل إلى أقصى حد بالمشروع الفرنجي، وخصوصاً أن الفرنجة قد رحلوا ولم يتركوا شيئاً خلفهم سوى بعض القلاع التي يزورها السائحون ويدرسها علماء الآثار من الإسرائيليين والعرب. ويحاول الدارسون الصهاينة أن ينظروا إلى مشروع الفرنجة من منظور ما يسمونه «التاريخ اليهودي» وكأن حملات الفرنجة جُرِّدت بالدرجة الأولى ضد اليهود، تماماً مثلما يمنحون الجماعات اليهودية مركزية في كل الأحداث التاريخية. وتتحدث الكتابات الصهيونية الإسرائيلية عن ضحايا حملات الفرنجة وكأنهم الضحايا الوحيدون، بل تدَّعى بعضها دوراً يهودياً مستقلاًّ في صد الفرنجة، وهو الأمر الذي يتنافى تماماً مع حقائق التاريخ، ومع ما ورد في كتابات بعض الرحالة اليهود المعاصرين مثل بنيامين التويطلي، فإن مدينة صور كانت (في عام 1170) تضم خمسمائة يهودي على حين كانت كلٌّ من عكا وقيصرية تضم مائتين، وكانت عسقلان تضم مائتي يهودي حاخامي. وتشير موسوعة التاريخ اليهودي إلى أن هذه هي الجماعات اليهودية الكبيرة! ويذكر العالم اليهودي الإسباني موسى بن نحمان (نحمانيدس) أنه وجد في القدس عام 1267 يهوديين اثنين فقط. ولكن أهم جوانب الاهتمام الصهيوني الإسرائيلي بالكيان الفرنجي هو دراسته من منظور الصراع العربي الإسرائيلي، بمعنى عَقْد الدراسات المقارنة في مشاكل الاستيطان ومشاكل الموارد البشرية والعلاقات الدولية فضلاً عن محاولة فَهْم عوامل الإخفاق والفشل التي أودت بالكيان الفرنجي. وهناك من يهتم بدراسة المقومات البشرية والاقتصادية والعسكرية للكيان الفرنجي، ومن يهتم برصد العلاقة بين هذا الكيان والكيان الأوربي المساند له. وقد وجَّه فريق من الباحثين اليهود اهتمامه لدراسة مشكلات الاستيطان والهجرة. ولكن الاهتمام لا يقتصر على الدوائر الأكاديمية، فنجد أن شخصيات سياسية عامة مثل رابين وديان وأفنيري يهتمون بمشاكل الاستيطان والهجرة. ففي سبتمبر 1970، عقد إسحق رابين مقارنة بين ممالك الفرنجة والدولة الصهيونية حيث توصَّل إلى أن الخطر الأساسي الذي يهدد إسرائيل هو تجميد الهجرة، وأن هذا هو الذي سيؤدي إلى اضمحلال الدولة بسبب عدم سريان دم جديد فيها. ويعقد أفنيري في كتابه إسرائيل بدون صهيونية (1968) مقارنة مستفيضة بين ممالك الفرنجة والدولة الصهيونية لا تختلف كثيراً عن المقارنة التي عقدناها في الجزء الخاص بهذا الموضوع والذي استفدنا فيه بتحليله الذكي. ولكن أفنيري يخلص إلى أن المقارنة درس لابد أن يتعلم منه الصهاينة، فإسرائيل مثل ممالك الفرنجة مُحاصَرة عسكرياً لا لأن هذا هو المصير الموعود (الذي لا مفر منه) كما يتصور بعض الصهاينة، وإنما هي مُحاصَرة عسكرياً لأنها تجاهلت الوجود الفلسطيني ورفضت الاعتراف بأن أرض الميعاد يقطنها العرب منذ مئات السنين. وقد عاد أفنيري إلى الموضوع، عام 1983، بعد الغزو الصهيوني للبنان، في مقال نشر في هاعولام هزه بعنوان "ماذا ستكون النهاية" فأشار إلى أن ممالك الفرنجة احتلت رقعة من الأرض أوسع من تلك التي احتلتها الدولة الصهيونية، وأن الفرنجة كانوا قادرين على كل شيء إلا العيش في سلام، لأن الحلول الوسط والتعايش السلمي كانا غريبين على التكوين الأساسي للحركة. وحينما كان جيل جديد يطالب بالسلام كانت مجهوداتهم تضيع سدى مع قدوم تيارات جديدة من المستوطنين، الأمر الذي يعني أن ممالك الفرنجة لم تفقد قط طابعها الاستيطاني. كما أن المؤسسة العسكرية الاقتصادية للفرنجة قامت بدور فعال في القضاء على محاولات السلام، فاستمر التوسع الفرنجي على مدى جيل أو جيلين. ثم بدأ الإرهاق يحل بهم، وزاد التوتر بين المسيحيين الفرنجة من جهة وأبناء الطوائف الشرقية من جهة أخرى، الأمر الذي أضعف مجتمع الفرنجة الاستيطاني، كما ضعف الدعم المالي والسكاني من الغرب. وفي الوقت نفسه، بدأ بعث إسلامي جديد، وبدأت الحركة للإجهاز على ممالك الفرنجة، فأوجد المسلمون طرقاً تجارية بديلة عن تلك التي استولى عليها الفرنجة. وبعد موت الأجيال الأولى من أعضاء النخبة في الممالك، حل محلهم ورثة ضعفاء في وقت ظهرت فيه سلسلة من القادة المسلمين العظماء ابتداءً من صلاح الدين ذي الشخصية الأسطورية حتى الظاهر بيبرس. وظل ميزان القوى يميل لغير صالح الفرنجة، كما لم يكن هناك ما يوقف هزيمتهم النهائية. وقد ترك هذا الحدث التاريخي بصماته وآثاره في وعي شعوب المنطقة حتى اليوم. والواقع أن اهتمام المستوطنين الصهاينة بممالك الفرنجة تعبير عن إدراك أوَّلي لطبيعة دورهم في المنطقة كدولة وظيفية تكون مجرد أداة في يد قوى عظمى خارجية، وهو إحساس يشوبه قسط كبير من القدرية والعدمية الناجمة عن إحساس الأداة بأنها لا تمتلك ناصية أمورها ولا تسيطر على مصيرها أو قدرها. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
صهيونية غير اليهود العلمانية
Gentile Secular Zionism «صهيونية غير اليهود» اصطلاح نستخدمه للإشارة لما يُسمَّى «صهيونية الأغيار» ونضيف أحياناً كلمة «علمانية» حتى نميِّزها عن صهيونية غير اليهود ذات الديباجة المسيحية، وإن كنا عادةً لا نفعل ذلك ونكتفي بالحديث عن «صهيونية غير اليهود» من قبيل إطلاق العام والشائع على الخاص. وقد تدثرت الصيغة الصهيونية الأساسية بديباجات مسيحية عندما ظهرت في الغرب في القرن السابع عشر. ومع تزايد معدلات العلمنة، ابتداءً من القرن الثامن عشر، ومع انتشار الفلسفات النفعية والعقلانية، بدأت الديباجة المسيحية في الضمور والتواري وتم تسويغ الصهيونية انطلاقاً من الرؤية المعرفية الإمبريالية وأطروحاتها المادية. ومع هذا، فعادةً ما كانت الديباجات العلمانية والدينية تختلط، ولذا كانت تطرح ضرورة توطين اليهود في فلسطين لتحقيق الخلاص ولحماية الطريق إلى الهند. ويُلاحَظ أنه في الفترة الممتدة من القرن الثامن عشر حتى نهاية القرن التاسع عشر، بدأت صهينة الوجدان الغربي فبلور الفكر الألماني الرومانسي فكرة الشعب العضوي (الفولك) ، وأصبح هناك «شعب عضوي ألماني» و «شعب عضوي إنجليزي» و «شعب عضوي يهودي» . ويرد اليهود في كتابات هردر وكانط وفخته باعتبارهم شعباً عضوياً. كما تتواتر الفكرة نفسها في كتابات المؤلفين الرومانسيين الغربيين، وخصوصاً في بريطانيا (مثل بايرون وولتر سكوت مثلاً) . ولكن الشعب العضوي اليهودي لا ينتمي إلى أوربا ولا للحضارة الغربية، فهو شعب عضوي منبوذ لابد من نَقْله. وقد تبلورت في أوائل هذه المرحلة فكرة نَفْع اليهود وإمكانية إصلاحهم وتوظيفهم، أي أن الصيغة الصهيونية الأساسية زادت تبلوراً ووضوحاً. وقد عبَّر فلاسفة حركة الاستنارة، مثل جون لوك وإسحق نيوتن، عن نزعة صهيونية أساسية في كتاباتهم. وفي كتاب له صدر عام 1749 صنَّف الفيلسوف ديفيد هارتلي اليهود ضمن الهيئات السياسية باعتبارهم "كياناً سياسياً موحداً ذا مصير قومي مشترك رغم تَشتتُّهم الحالي". وقد تبنَّى الحجج الدينية النبوئية الشائعة وأضاف لها تفسيرات دنيوية. كما أن جوزيف بريستلي صوَّر فلسطين أرضاً "غير مأهولة بالسكان، أهملها مغتصبوها الأتراك ولكنها مشتاقة ومستعدة لاستقبال اليهود العائدين". ولم يكن الفكر الرومانسي أقل حماسة من الفكر الاستناري، بل يمكن القول بأن الفكر الرومانسي أعطى دفعة جديدة للصهيونية فتزايد الحديث عن العبقرية اليهودية والعرْق اليهودي. وقد نادى روسو (الذي ينحدر من أسرة بروتستانتية) بإعادة اليهود لدولتهم الحرة. وكان الفكر الألماني الرومانسي، الذي وُلدت في أحضانه فكرة الشعب العضوي، يتسم بنزعة صهيونية (معادية لليهود) كما يتضح في كتابات هردر وكانط وفخته. كما توجد أصداء صهيونية في أشعار بايرون وروايات وولترسكوت. ويُلاحَظ تزايد الاهتمام باللغة العبرية، كما بدأ الفنانون الغربيون يتناولون الموضوعات اليهودية والعبرية بكثير من الألفة لم تكن معروفة من قبل. وقد نشر دزرائيلي روايتيه ديفيد الراوي (1833) وتانكرد (1847) ، وهما روايتان لهما نزعة صهيونية واضحة. وقد ظهرت رواية جورج إليوت دانيل ديروندا (1876) أهم وثيقة أدبية صهيونية غير يهودية وهي التي تُعدُّ أهم وثيقة أدبية صهيونية غير يهودية والتي وُصفت بأنها مقدمة أدبية لوعد بلفور. ونُشر في الفترة بين 1840 و1880 ما يزيد على 1600 كتاب من كُتب أصحاب الرحلات إلى فلسطين، وقد ساهمت هذه الكتب في تدعيم صورة فلسطين كأرض مُهَملة، وصورت العرب (المسلمين أو البدو) كمسئولين عن هذا الخراب. وأُسِّس صندوق استكشاف فلسطين عام 1865 وكان مركزاً لمؤيدي الاستيطان الصهيوني. ومن أهم العلماء الأثريين فيه سير تشارلز وارن الذي قام بالعديد من الاكتشافات الأثرية وتنبأ بقيام حكم اليهود في فلسطين. كما قام كلود كوندر (1848 ـ 1910) بكتابة دراساته الجغرافية التي كانت تنشرها الصحافة الصادرة بالعبرية. وقد ظلت النزعة الصهيونية في القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر تأخذ طابعاً فكرياً تأملياً أو عاطفياً لأن أوربا كانت في حالة انتقال. كما أن المشاريع الاستعمارية المختلفة كانت متوقفة أو لا تزال في حالة التفاف حول الدولة العثمانية التي كانت قد بدأت في التآكل من الداخل، وإن كانت لا تزال قوية قادرة على حماية رعاياها. ويمكن القول بأن ظهور محمد علي وقَلْبه موازين القوى وتهديده للمشروع الاستعماري الغربي ووضعه حداً لآمال الدول الغربية التي كانت تترقب اللحظة المؤاتية لاقتسام تركة رجل أوربا المريض، أي الدولة العثمانية، يُشكِّل نقطة تحوُّل في تاريخ فلسطين وتاريخ الصيغة الصهيونية الأساسية، إذ تساقطت الأردية الدينية وظهر الواقع المادي النفعي. ويشرح الزعيم الصهيوني حاييم سوكولوف الموقف فيقول إن أوربا عام 1840 اضطرت محمد علي إلى التوقيع على «معاهدة لندن لتهدئة الشرق» ، وبعد ذلك أصبح المنطق السائد في أوربا آنذاك على النحو التالي: "إذا اتفقت الدول العظمى الخمس على تسوية المسألة الشرقية على أساس استقلال سوريا ... واسترجاع اليهود لها ... حاملين معهم عُدة الحضارة وأجهزتها، بحيث يكونون نواة لخلق مؤسسات أوربية ... تحت رعاية القوى الأوربية الخمس ... فإن ذلك سيساهم في أن تسترجع الدولة العثمانية قوتها ... ومما لا شك فيه أن حالة سوريا محفوفة بعديد من المصاعب نظراً لانقسام سكانها إلى قبائل منفصلة. ولكن هذا لا يُثبت سوى ضرورة إدخال «مادة جديدة» . حتى يتم صَهْر الطبقات كلها في جماعة مترابطة متوازنة. وإذا ما سلمنا بضرورة إدخال مادة جديدة في نسيج سوريا الاجتماعي، فإننا سنسلِّم بالتالي بأن هجرة اليهود إلى سوريا ستزودنا بأكثر المواد قبولاً. وسيتبع ذلك إقامة مؤسسات أوربية. وستجد إنجلترا حليفاً جديداً سيثبت أن الصداقة معه في نهاية الأمر ذات نفع لها في التعامل مع المسألة الشرقية". ويُلاحَظ أن البُعد الجغراسي (الجيوبوليتيكي) الكامن للفكر الصهيوني بين غير اليهود أخذ يزداد حدة وتحدداً، بل أصبح البُعْد الرئيسي. ولم يعد الحل الصهيوني مجرد فكرة فلسفية أو تطلُّع عام. "فالتطورات السياسية [على حد قول سوكولوف] أدَّت إلى ظهور خلفية جديدة للصهيونية. إن قضية استرجاع إسرائيل التي كانت قضية أثيرة لدى العاطفيين وكُتَّاب المقالات والأدباء ... وكل مؤمن بالإنجيل وكل صديق للحرية، أصبحت قضية حقيقية مطروحة [على المستوى السياسي] ". وكما قالت التايمز عام 1840، فإن المسألة أصبحت مطروحة بشكل جدي، بمعنى أن الصهيونية لم تَعُد فكرة هامشية تُتداوَل في الأوساط التبشيرية الإنجيلية وحسب، فعام 1840 هو عام ولادة المسألة الشرقية وهو أيضا عام ولادة الحل الصهيوني للمسألة اليهودية! وقد طُرحت مشاريع صهيونية عديدة في كل مكان في أوربا (في روسيا وبولندا وفرنسا وألمانيا وإنجلترا) ، فمع بدايات المشروع الاستعماري الألماني قام مولتكه (الضابط في الحرس الملكي البروسي) عام 1939 بنشر كتاب ألمانيا وفلسطين يقترح فيه إنشاء مملكة صليبية هناك لتشجيع اليهود والمسيحيين. وقد وضع بندتو موسولينو، الإيطالي الجنسية، خطة في عام 1851 لتأسيس دولة يهودية في فلسطين. وشهد منتصف القرن التاسع عشر بعثاً مؤقتاً للمشروع الاستعماري الفرنسي المستقل إبّان حكم نابليون الثالث. فقد حصلت فرنسا على امتياز شق قناة السويس عام 1854 ثم جردت حملة عسكرية فرنسية عام 1860 ـ 1861 إلى جبل لبنان عقب الحرب الأهلية بين الدروز والموارنة، وهي الحرب التي كانت في واقع الأمر حرباً على النفوذ بين الإنجليز والفرنسيين. ويُقال إن الهدف من الحملة كان الضغط على السلطان العثماني للموافقة على امتياز قناة السويس. وفي هذا الإطار، ظهرت عدة كتابات فرنسية في الموضوع، أهمها دعوة لاهارن (سكرتير نابليون الثالث) لليهود بالعودة إلى فلسطين حتى يكونوا بمنزلة الوسطاء الذين سيفتحون الشرق للغرب لتأسيس دولة يهودية في فلسطين. وكان هنري دوتان (1820 ـ 1910) ، مؤسس الصليب الأحمر الدولي، مهتماً بالمشروع الصهيوني، حيث حاول منذ عام 1863 حتى عام 1876 إثارة اهتمام الجماعات اليهودية باقتراحاته دون جدوى. وقد أسَّس جمعية الاستعمار الفلسطينية في لندن، واتصل بنابليون الثالث والحكومة العثمانية لعرض فكرته، كما حضر المؤتمرات الدولية للدفاع عنها واشترك في بعض المؤتمرات الصهيونية. ويُلاحظ سوكولوف أن الكتابات الفرنسية في موضوع الصهيونية تتسم بأنها مجردة أكثر من اللازم. وبدلاً من أن يبيِّن أصحاب هذه الكتابات بشكل محدد الإجراءات التي يجب اتخاذها، فإنهم يكتفون بالتعبير عن الآمال الفارغة ويصوغون اقتراحات ودعاوى غامضة. ولعل هذا يعود إلى أن الفكر الصهيوني في فرنسا لم يكن وراءه لا تاريخ طويل ولا مصالح محددة كما كان الحال مع الفكر الصهيوني في إنجلترا. كما أن فرنسا الكاثوليكية، برفضها التفسير الحرفي للعهد القديم، لم تكن متعاطفة مع هذه الرؤية لليهود. ويُلاحَظ أن صهيونية غير اليهود صهيونية غربية بمعنى الكلمة (روسي ـ بولندي ـ ألماني ـ فرنسي ـ هولندي ـ إنجليزي) وقد أصدرت معظم هذه الدول وعوداً بلفورية أو ما يشبه الوعود البلفورية، ولكن صهيونية غير اليهود تظل ظاهرة بريطانية وبروتستانتية بالدرجة الأولى. والواقع أن أكبر عدد من الصهاينة غير اليهود ظهر بين صفوفهم، مثل الكولونيل جورج جاولر وجيمس فين ووليام بلاكستون وجوزيف تشامبرلين وإيان سمطس وجوسيا ودجوود، ولكن لورد شافتسبري ولورانس أوليفانت يعتبران أهم هؤلاء. وفي محاولة تفسير ذلك، يمكن القول بأن إنجلترا كانت أكبر قوة استعمارية، وأنها البلد الذي انتشر فيه التفسير الحرفي للكتاب المقدَّس، وأنها أخيراً البلد الذي لم يكن فيه يهود حتى أواخر القرن السابع عشر، فكان من الممكن ـ لكل هذه الأسباب ـ تجريد اليهود وتحويلهم عقلياً (ثم فعلياً) إلى وسيلة. كما يُلاحَظ أن هجرة أعضاء الجماعات اليهودية كانت تتم في إطار الاستعمار الاستيطاني الغربي ككل، والأنجلو ساكسوني على وجه الخصوص، ولذا نجد أن معظم المهاجرين اليهود استوطنوا في بلاد مرتبطة بالمشروع الاستيطاني الأنجلو ساكسوني (الولايات المتحدة ـ نيوزيلندا ـ جنوب أفريقيا ـ إسرائيل) . وازدادت الفكرة الصهيونية مركزية في الوجدان السياسي الغربي، ولعل أكبر دليل على هذا أن المفكرين الصهاينة من غير اليهود أصبحوا قريبين من صانع القرار. ويمكن أن نذكر في هذا المضمار وزير البحرية البريطانية هنري إنس (الذي كتب مذكرة عام 1839 موجهة إلى كل دول شمال أوربا وأمريكا البروتستانتية، قام اللورد بالمرستون، رئيس الوزراء، برفعها إلى الملكة فيكتوريا) . كما يمكن أن نذكر في هذا المجال، جورج جولر حاكم جنوب أستراليا. وقد نشرت جريدة جلوب اللندنية (القريبة من وزارة الخارجية) مجموعة مقالات عام 1839/1840 تؤيد فيها مسألة تحييد سوريا (وضمنها فلسطين) وتوطين أعداد كبيرة من اليهود فيها. وقد حازت المقالات موافقة اللورد بالمرستون. وقد نوقش في مؤتمر القوى الخمس الذي عُقد في لندن عام 1840 مسألة تحديد مستقبل مصر. وفي ذلك العام، كتب بالمرستون خطابه إلى سفير إنجلترا في الأستانة يقترح فيه إنشاء دولة يهودية حماية للدولة العثمانية ضد محمد علي. وقدَّم الكولونيل تشرشل عام 1841 مذكرة لموسى مونتفيوري يقترح تأسيس حركة سياسية لدعم استرجاع اليهود لفلسطين لإقامة دولة محايدة (أي في خدمة الدول الغربية) . وفي عام 1845، ظهر كتاب جورج جولر تهدئة سوريا والشرق حيث طرح خطوات عملية لعملية توطين اليهود في فلسطين. كما أن جولد سميد صاحب موسى مونتفيوري في رحلته إلى فلسطين عام 1849، بل أسَّس عام 1852 واحدة من المنظمات الصهيونية الأولى وهي منظمة تشجيع الاستيطان اليهودي في فلسطين التي قدمت المساعدة للقنصل الإنجليزي في القدس في عملية تدريب اليهود المحليين على الزراعة. كما نشر أيضاً اقتراحات عملية تتصل بتأسيس صناعات ترمي إلى زيادة النفوذ الإنجليزي في سوريا. وبعد انتهاء حرب القرم (1853 ـ 1856) ، قُدِّمت إلى مؤتمر القوى العظمى الذي عُقد في باريس مذكرة بشأن توطين اليهود في فلسطين. وقدَّم بنجامين دزرائيلي (الذي تقلَّد رئاسة الوزارة عام 1874) مذكرة غفلاً من اسم واضعها موجهة إلى المندوبين في مؤتمر برلين 1878 تتضمن اقتراحاً ذا طابع صهيوني لحل المسألتين اليهودية والشرقية، ولكن لم يتم توزيعها بسبب معارضة بسمارك (وقد قام المفكر الصهيوني الروسي بيرتس سمولنسكين بترجمة المذكرة إلى العبرية ونشرها) . وفي عام 1887، قدم إدوارد كازالت اقتراحاً بتوطين اليهود تحت حماية إنجلترا، وقد دافع عن الفكرة في كتابه وخطبه أثناء حملته الانتخابية حينما رشَّح نفسه للبرلمان. ويمكن القول بأن المشروع الصهيوني كانت ملامحه وأجزاؤه قد تكاملت في عقل كازالت، ولذا نجده يتوجه للتفاصيل الدقيقة وإلى الطابع اليهودي الإثني للاستيطان اليهودي، وإلى قضية الوعي اليهودي ككل، فكان أول من فكَّر في إنشاء جامعة عبرية. وفي نهاية السبعينيات، قام هو وأوليفانت، وانضم إليهما ممثلون عن جماعة البيلو، بالتفاوض مع الدولة العثمانية بشأن مشروع الاستيطان الصهيوني في فلسطين. وفي ذلك الحين، كانت الولايات المتحدة (بتوجُّهها البروتستانتي الحرفي) تمور بالمفكرين الصهاينة غير اليهود مثل مانويل نواه (صاحب مشروع أرارات) ووليام بلاكستون. كما ظهرت فيها جماعات صهيونية مسيحية بعضها متعاطف مع اليهود والبعض الآخر يُكِّن له الحقد والاحتقار من أهمها جماعة شهود يهوه والمورمون. كما كانت توجد جماعة صهيونية مسيحية كان لها مشروعها الاستيطاني المستقل هي جماعة فرسان الهيكل الألمانية. ومن الأمور المهمة والجديرة بالذكر أن كل هؤلاء الصهاينة غير اليهود توصلوا إلى الصيغة الصهيونية الأساسية، وأضافوا لها الديباجات لتبريرها، وخططوا المشروعات لوضعها موضع التنفيذ دون أية مؤثرات يهودية (فكرية أو غيرها) . وفي كثير من الأحيان، كان ذلك يتم دون أيِّ احتكاك باليهود أو أية معرفة بهم، ففكرهم وُلد من داخل النموذج الحضاري الغربي، وهو ثمرة بنية الحضارة الغربية نفسها ونتاج حركياتها وتطوُّر مصالحها الإستراتيجية. وقد أعلن أحد المؤتمرات الصهيونية أن أبا الصهيونية (الحقيقي) هو الصهيوني غير اليهودي بلاكستون، وهو وصف دقيق ومباشر وليس فيه أية أبعاد مجازية. ولنا أن نلاحظ أن معظم المفكرين الصهاينة غير اليهود كانوا شخصيات غريبة الأطوار، إن لم تكن شاذة ومهزوزة، ومع هذا فإن أفكارهم كانت تجد صدى في الأوساط السياسية الغربية، وهو ما يدل على أن هذه الأفكار تعبِّر عن شيء أصيل وكامن في الحضارة الغربية آنذاك، يتجاوز شذوذ وغرابة أطوار حَمَلة هذا الفكر. ورغم كل هذه النشرات والمقالات والمذكرات، إلا أن هناك إشكالية أساسية كامنة في صهيونية غير اليهود وهي أنها مهما بلغت من تحدُّد وتبلور وحدّة فهي لا تكترث بيهودية اليهود، فما يهمها هو المصالح الإستراتيجية للعالم الغربي (المسيحي) والاعتبارات العملية والنتائج الملموسة. ولذا، كان الصهاينة من غير اليهود ينظرون إلى اليهود من الخارج كأداة تُستخدَم وحسب، وكانوا يتحركون في العالم الغربي لا داخل المحيط اليهودي، ولم يكن بوسعهم بالتالي الوصول إلى المادة البشرية المستهدفة التي كانت تنظر بكثير من الشك إلى عالم الأغيار الذي كان يحاول أن يقضي عليها في الماضي بالذبح، ويحاول الآن القضاء عليها بالإعتاق والعلمانية. وحديث هؤلاء الصهاينة غير اليهود عن عودة اليهود لم يلق صدىً لدى أعضاء المادة المُستهدَفة إذ أن اليهودية الحاخامية الأرثوذكسية قامت بتحويل فكرة العودة إلى أمر يتحقق في آخر الأيام، أي إلى ضرب من الحلم الديني الذي لا يتحقق إلا في مجال التاريخ المقدَّس لا على مستوى التاريخ الزمني. ولذا، كان اليهود ـ وبخاصة يهود العالم الغربي ـ يرفضون التورط في مشاريع العودة التي تطلق على نفسها اسم «مشاريع قومية» . ولم تلق دعوة نابليون إلى يهود الشرق بالاستيطان آذاناً صاغية. وقد رفض مجلس مندوبي يهود إنجلترا الاقتراح الذي تقدَّم به الكولونيل تشارلز تشرشل لتوطين اليهود في فلسطين والذي حمله السير موسى مونتفيوري إلى المجلس نيابة عنه. وقد شهد منتصف القرن التاسع عشر ظهور اليهودية الإصلاحية بتأكيدها المُثُل الاندماجية ورفضها فكرة العودة الفعلية إلى فلسطين رفضاً تاماً. وعُقد عام 1845 مؤتمر فرانكفورت الشهير الذي حذف من كتب الصلوات جميع التوسلات للعودة إلى أرض الآباء وإحياء دولة يهودية. وحينما عُقد المؤتمر اليهودي الأول عام 1872 لبحث مشكلة يهود رومانيا، لم يتطرق هذا المؤتمر إلى الهجرة اليهودية إلى فلسطين باعتبارها حلاًّ للمسألة اليهودية. ومن أطرف التعليقات اليهودية على المشاريع الصهيونية غير اليهودية ما نشرته مجلة يهودية ألمانية (ذات طابع اندماجي) إذ قارنت المشاريع الصهيونية الإنجليزية التي نُشرت في الجلوب والتايمز بالمشاريع الفرنسية، وبينت أن الشاعر لامارتين (1790 ـ 1869) الذي كان يشغل منصباً حكومياً آنذاك يقترح تأسيس مملكة مسيحية عند منابع نهر الأردن، وأنه ينوي، إذا ما وقعت القدس تحت الهيمنة الفرنسية، أن يترك العالم بأسره لإنجلترا. ولكن الغريب في الموضوع ـ كما تقول المجلة ـ أن اللورد بالمرستون قد اختار البقعة نفسها لإنشاء دولة يهودية، فبينما كان الشاعر الشهير يحلم بإقامة دولة مسيحية في القدس كان اللورد بالمرستون ينوي إقامة جمهورية يهودية فيها (وحولها) ، وقد حذَّرت المجلة الشباب اليهودي من مثل هذه الدعاوى الصهيونية. ويبدو أن الصهاينة غير اليهود أدركوا أن المادة البشرية المستهدفة لمشاريعهم ترفض مثل هذه المشاريع التي تهدف إلى اقتلاعهم من أوطانهم، ولذا فقد بذلوا جهداً في التوجه إلى الجماعات اليهودية وفي التقارب معها. فكتب الكولونيل كلود كوندر يشجع جهود أحباء صهيون على التسلل إلى فلسطين. ونشر هنري ونتورث مونك (كندي الجنسية) عدة مقالات صهيونية ظهرت في جويش كرونيكل بين عامي 1859 و 1896، وأسهم في تأسيس أولى المستوطنات اليهودية في فلسطين. وعقد مؤتمر للمسيحيين البارزين في مايو 1882 لمناقشة مسألة توطين المهاجرين اليهود من رومانيا وروسيا في فلسطين. وشهدت الفترة نفسها كتابات الأب إغناطيوس التي نُشرت على صفحات مجلة دي فيلت الصهيونية والتي ناشد فيها اليهود الانضمام إلى الحركة الصهيونية. وكان شافتسبري (أهم الصهاينة غير اليهود) صديقاً لمونتفيوري، أما أوليفانت (أكثرهم دينامية ونشاطاً) فقد اتصل ببعض الجمعيات اليهودية الاستيطانية لتشجيعها، وذهب بنفسه إلى فلسطين للاستيطان فيها بصحبة سكرتيره اليهودي نفتالي هرتز إمبر (مؤلف نشيد الهاتيكفاه) . وبدأت تظهر شخصيات تقف بين الجماعتين اليهودية والمسيحية: مثل دزرائيلي (اليهودي الذي تنصَّر ليدخل الحضارة الغربية) . ويمكننا الإشارة إلى الواعظ البروتستانتي هشلر الذي كان من أكثر الناس حماسة لإرجاع اليهود، فقدَّم العون لهرتزل وساهم في تقديمه للدوق بادن الذي قدَّمه بدوره إلى قيصر ألمانيا. ولكن، ومهما ازداد التقارب بين الصهاينة غير اليهود واليهود، فإن ذلك لم يكن له جدوى وكان ضرورياً أن يحدث شيء تاريخي ضخم يتجاوز حركات الأفراد، وقد كان هذا الشيء هو تعثُّر التحديث في شرق أوربا وتَوافُد الآلاف من يهود اليديشية على غرب أوربا، الأمر الذي أدَّى إلى ظهور هرتزل الذي طوَّر الخطاب الصهيوني المراوغ وجعل بإمكان يهود الغرب قبول العقد الصهيوني الصامت وهو الأمر الذي كُلِّل بإصدار وعد/عقد بلفور. ويمكن تلخيص إسهام صهيونية غير اليهود كما يلي: 1 ـ تمت صياغة الفكرة الصهيونية بمعظم أبعادها وديباجاتها. ولذا، فإن المفكرين الصهاينة من اليهود حينما ظهروا كانت الصياغات الأساسية جاهزة، وكذلك معظم الديباجات والمشاريع. 2 ـ صهيونية غير اليهود ذات الديباجة المسيحية والرومانسية حوَّلت فلسطين ومن عليها إلى مكان خارج التاريخ، فهي مجرد أرض ليس فيها أي أثر للتاريخ الحقيقي. وبالتالي، فقد أهدرت حقوق سكان فلسطين الفعليين، وأصبحت فلسطين في الوجدان الغربي مكاناً خاوياً ينتظر سكانه الأصليين. 3 ـ خلقت صهيونية غير اليهود (الدينية والعلمانية) المناخ السياسي الملائم لرؤية الأهمية الجغراسية لفلسطين. 4 ـ وضعت صهيونية غير اليهود الأساس للحل الاستعماري الغربي للمسألة اليهودية في شرق أوربا. 5 ـ طرحت صهيونية غير اليهود تفسيراً حرفياً لأحداث التاريخ وافترضت استمراراً حيث لا استمرار. وقد أثَّر ذلك في رؤية اليهود لفلسطين وأسهم في تحويل المفاهيم اليهودية الدينية التقليدية (المجازية) إلى مفاهيم استيطانية استعمارية. 6 ـ حينما ظهرت مشكلة المهاجرين اليهود من روسيا وبولندا ورومانيا في أواخر القرن التاسع عشر لم يُنظَر إليها باعتبارها مشكلة إنسانية تتطلب عملية التحديث السريعة، وإنما نُظر إليها باعتبارها مشكلة شعب عضوي مختار أو كتلة بشرية مستقلة أو مادة بشرية فعالة يمكن توظيفها في عملية الخلاص المسيحية أو المشاريع التجارية والاستعمارية الغربية المختلفة. 7 ـ ربطت صهيونية غير اليهود بين المسألتين الشرقية واليهودية وطرحت تصوراً مفاده أن إحدى المشكلتين يمكن حلها من خلال الأخرى. وأهم الصهاينة غير اليهود هو اللورد بلفور (صاحب الوعد المشهور) الذي كان يستخدم كلاًّ من الديباجات الدينية والديباجات العلمانية. ومن الأمور الجديرة بالذكر أن تيودور هرتزل، مؤسِّس الصهيونية، لم يكن يميِّز بين الصهاينة اليهود وغير اليهود، بل كان يرى الجميع جزءاً من التاريخ الغربي. ولذا، فهو يشير إلى دزرائيلي وجورج إليوت وموسى هس وليو بنسكر باعتبارهم صهاينة دون تمييز أو تفرقة بين اليهود منهم وغير اليهود. صندوق استكشاف فلسطين Palestine Exploration Fund جمعية أُسِّست عام 1864 تحت رعاية الملكة فكتوريا ملكة إنجلترا، وكان رئيس الجمعية أسقف يورك. وساهمت وزارة الحرب البريطانية بخدمات بعض الضباط، وخصوصاً من المهندسين مثل الكابتن كلود كوندر والكابتن تشارلز وارين (الذي اشتهر فيما بعد في جنوب أفريقيا) والملازم هـ. كتشنر (وهو اللورد كتشنر الذي عُيِّن فيما بعد معتمداً بريطانياً في مصر واشتهر في السودان) ، وت. إ. لورنس. وقد أعلن الصندوق أنه مؤسسة تهتم بالبحث الدقيق والمنظم في الآثار والطوبوجرافيا والجيولوجيا والجغرافية الطبيعية والتاريخ الطبيعي وعادات وتقاليد الأرض المقدَّسة بهدف «التوضيح التوراتي» ، والعبارة الأخيرة مبهمة إلى أقصى حد ولكنها تعني في نهاية الأمر أن البحث العلمي قد وُظِّف في خدمة الأهداف التوراتية، أي «الأهداف الإسترجاعية العسكرية» . وهذا ما وضحه كتاب المدنية والأرض الذي أصدره الصندوق، وهو يتألف من مجموعة من الدراسات كان من أهمها دراسة لوولتر بيسانت بيَّن فيها أن هدف الصندوق هو "الاستعادة": استعادة مجد فلسطين في عهد هيرود، واستعادة بلاد داود بحيث يمكن استعادة أسماء المدن التي دمرها القائد العظيم يوشع بن نون. وكذلك استعادة مكانة القدس ومجدها وأبهتها، واستعادة أسماء الأماكن المذكورة في التوراة (وكل هذا يبين مدى قوة العقيدة الاسترجاعية) . ويظهر تلاقي البُعْد التوراتي والبُعْد العسكري في الإشارة إلى يوشع بن نون وفي قول المؤلف: "عندما وُضعت الأسماء في أماكنها، أصبح في وسعنا تتبُّع سير الجيوش في زحفها" (ويمكن أن نضيف: وأصبح بإمكان جيوش الغزو الإمبريالي ـ البريطاني والصهيوني ـ أن تعرف طريقها) . وقد ساهم كوندر بمقال في الكتاب نفسه ذي طابع صهيوني ديني عسكري. وقد لَعب الصندوق بالفعل دوراً عظيم الأهمية في مجال تزويد الساسة والعسكريين البريطانيين بالمعلومات الجغرافية والتاريخية والسياسية التي كانوا يحتاجون إليها لمد نفوذهم الاستعماري في المنطقة ولدراسة جدوى المشروع الاستعماري في فلسطين. وقد اعتمد الصندوق في ذلك على العديد من خبراء الآثار والتاريخ والجغرافيا والجيولوجيا والمناخ. وكانت غالبية التقارير والدراسات الصادرة عن الصندوق ذات طابع صهيوني إذ كانت تشير إلى أهمية فلسطين وضرورة عودة اليهود إليها وإقامة كيان استيطاني لهم فيها تحت الحماية البريطانية. فالكابتن وارين نشر عدة مجلدات من أهمها إحياء القدس ومذكرات عملية مسح فلسطين، وذلك بالإضافة إلى كتاب أرض الوعد الذي دعا فيه إلى أن تتولَّى شركة الهند الشرقية تنمية موارد فلسطين، وخصوصاً مواردها الزراعية والتجارية، كما دعا إلى تدريب المستوطنين اليهود على إدارة شئونهم تمهيداً لتَسلُّمهم حكم فلسطين وإدارة شئونها (وهو المخطط الذي نُفِّذ فيما بعد من خلال حكومة الانتداب والوكالة اليهودية) . وشارك الكابتن ويلسون في عدة عمليات بَحْث وتنقيب في بعض المناطق السورية واللبنانية، ولكن جهود الصندوق تركزت في النهاية على مرج ابن عامر ونابلس والقدس والخليل باعتبارها الأماكن التي شهدت تنقلات واستقرار "شعب إسرائيل" (كما ورد في تقريره للصندوق) . وقد أصدر الصندوق، بالإضافة إلى العدد الكبير من الكتب والتقارير، خريطتين دقيقتين: إحداهما لفلسطين الغربية (1880) والثانية لفلسطين الشرقية (1884) . وقد حملت الخرائط الأسماء الحديثة والقديمة بالإضافة إلى إبراز تضاريس البلاد وطبيعتها المناخية. وقد بلغت الخريطتان من الدقة حداً كبيراً حتى سَهُل استعمالهما في عملية تحريك الجيوش البريطانية وانتقالها عبر تلك الأراضي في الحرب العالمية الأولى. وللصندوق متحف في لندن، وهو ينشر مجلة علمية ربع سنوية منذ عام 1869 (أصبحت سنوية منذ عام 1904) ، كما نشر مؤلفات كتشنر وكوندر وغيرهما. ولم يكن صندوق استكشاف فلسطين الوحيد من نوعه، فبعد خمس سنوات من تأسيسه أسَّس الأمريكيون الجمعية الأمريكية لاستكشاف فلسطين. وفي العام نفسه، أُسِّست جمعية الآثار التوراتية في إنجلترا. وأنشأ الألمان جمعيتين: الجمعية الألمانية للدراسات الشرقية (1897) والجمعية الألمانية للأبحاث الفلسطينية (1877) . وأسس الفرنسيون أيضاً مدرسة لدراسة الآثار. وقد كان الحافز وراء الدراسة في كل هذه الجمعيات توراتياً (صهيونياً) . هنري فينش (1558 ـ 1625 ( Herny Finch صهيوني غير يهودي استخدم ديباجات مسيحية. عضو في البرلمان البريطاني، وقانوني بارع. كان مهتماً جداً بالدراسات الدينية ودرس العبرية بتعمُّق. من كتاباته غير المتصلة بالقانون كتاب شرح نشيد الأنشاد (عام 1615) الذي ناقش فيه ما أسماه «أورشليم الجديدة» . وكتب في عام 1621 أحد كلاسيكيات الصهيونية المسيحية وهو كتابه المعنون بـ الاستعارة العظيمة للعالم أو دعوة لليهود حيث دعا اليهود إلى التمسك بحقهم في الأرض الموعودة وطالب الملوك المسيحيين بأن يصغوا إلى مطالبهم ويرسلوهم إليها. واشترط لتحقيق هذا أن يتحول اليهود إلى المسيحية. وقدَّم فنش تفسيراً حرفياً لنصوص العهد القديم وأعاد تعريف إسرائيل، فتخلى عن التفسير المسيحي بأن إسرائيل هي مفهوم روحي وطرح مفهوماً عرْقياً ("إسرائيل التي انحدرت من صلب يعقوب") . وقد أثارت تلك الآراء انتقاداً شديداً وأدَّت إلى سجنه مع ناشر الكتاب حتى تنصلا من هذه الآراء واعترفا بخطئهما. وقد اعتبر الملك جيمس الأول أن هذا الكتاب إهانة للذات الملكية. ولنا أن نلاحظ أن بنية أفكاره قبَّالية تماماً وتبحث في كيفية تخليص العالم من اليهود من أجل خلق العالم الجديد والتمهيد لعودة المسيح والعهد الألفي الثاني. فيليب دي لانجالري (1656-1717) Philippe De Langallerie صهيوني غير يهودي استخدم ديباجات مسيحية وعلمانية، وهو جنرال فرنسي مغامر كان يحلم بإقامة دولة يهودية. وقد تقلَّب دي لانجالري في الجيوش الأوربية فخدم تحت إمرة النمساويين ثم البولنديين بعد أن عمل في جيش فرنسا، ثم قدَّم عام 1716 عرضاً للأتراك (من خلال سفيرهم في لاهاي بهولندا) بأن يقود جيشاً من الحجاج المتنكرين إلى روما ثم يقتحم الفاتيكان ويلقي القبض على البابا ويسلم روما للأتراك. ومقابل ذلك، يأخذ أحد جزر البحر المتوسط التي كانت تحت سيطرة الأتراك (أو فلسطين الأرض المقدَّسة إن أمكن) من أجل توطين القبائل اليهودية المبعثرة والتائهة في هذه الأرض. وقد ناشد دي لانجالري التجمعات اليهودية في أمستردام وهامبورج والطونا وغيرها من المدن التجارية في أوربا تعبئة وتجهيز جيش من 10 آلاف رجل. وقد أُعجب القبَّالي ألكسندر سوسكند المتزي بهذا المشروع وعرض على دي لانجالري أن يصير أمين خزانة مشروعه المسمَّى «الحكومة الدينية للكلمة المقدَّسة» . وفي 1716، أُلقي القبض على دي لانجالري بالقرب من هامبورج، وحوكم في فيينا حيث مات في سجنه. وتوضح سيرة حياة هذا الرجل فكرة الارتباط بين الأفكار القبَّالية والمشيحانية من جهة والنزعات الاستعمارية والمادية التي كانت قد بدأت تسود أوربا في تلك الفترة من جهة أخرى. جوزيف سلفادور (1796-1873 ( Joseph Salvador طبيب ومفكر فرنسي ذي أب من أصل يهودي إسباني وأم كاثوليكية فرنسية. وُلد في مونبييه حيث درس الطب، لكنه استقر في باريس حيث اشتهر بدراساته في تاريخ الأديان. استخدم سلفادور المنهج النقدي التاريخي في دراساته الدينية الكثيرة، وخصوصاً في دراساته عن المسيح. وقد حاول سلفادور في دراسته المعنونة باريس وروما والقدس أو المسائل الدينية في القرن التاسع عشر أن يضع فكراً تصالحياً يجمع بين اليهودية والمسيحية في نسق ديني إصلاحي تقدُّمي. وقد حرَّمت الكنيسة الكاثوليكية كلا الكتابين. وكان سلفادور يحلم بأن تكون القدس مركز ديانته التجميعية الجديدة. وقد أدَّى تأكيده أهمية القدس ومركزيتها إلى أن يعتبره عدد من المؤرخين الصهاينة، مثل ناحوم سوكولوف وغيره، من أسلاف الصهيونية. بيد أن سلفادور كان يعتقد في قدس روحية سماوية تمثل مركزاً دينياً لحضارة كونية لا بؤرة استقطاب لشعب منبوذ/مختار في آن واحد. وقد تأثر سلفادور في أفكاره بأفكار سان سيمون. من بين كتبه الأخرى: شريعة موسى أو النسق الديني والسياسي للعبرانيين (1822) وتاريخ السيطرة الرومانية على يهوذا وتدمير القدس (1846 (. جورج جاولر (1796-1869) George Gawler صهيوني غير يهودي يستخدم ديباجات مسيحية وعلمانية. وهو قائد عسكري بريطاني أخذ على عاتقه نشر الأفكار المرتبطة باستقرار اليهود في فلسطين. شارك في معركة ووترلو وصار بعدها حاكماً لمستعمرة جنوب أستراليا (1838 ـ 1841) . وكان الخطاب الديني يختلط بالخطاب السياسي والعسكري في وجدانه، فقد كان يرى أن فلسطين ملك لرب إسرائيل وأن اليهود هم شعبه القومي، وكان يذهب إلى أن العناية الإلهية وضعت سوريا ومصر بين إنجلترا من جهة وبين أعظم مناطق إمبراطوريتها ومراكز تجارتها في الهند والصين، أي أن الوضع الجغراسي (الجغرافي السياسي) المتميز لسوريا ومصر والذي يُمكِّن الإمبراطورية الإنجليزية من توظيفه والاستفادة منه هو جزء من المخطط الإلهي، وكأن الإمبراطورية الإنجليزية امتداد للتاريخ التوراتي المقدَّس. والوضع نفسه ينطبق على الشعب المختار إذ سيتحول إلى مادة استيطانية أو حرس يهودي قومي "ثم يقف على جبال إسرائيل في مستوطنات زراعية عسكرية مزدهرة تحميها ضد المعتدين". وكان جاولر يعتقد أن توطين اليهود ("أبناء الأرض الحقيقيين") في فلسطين يمثل الحل الأمثل لمشكلة عدم الاستقرار في الشرق الإسلامي، وهو الأمر الذي تنبهت له بريطانيا بشدة بعد الحروب النابليونية، كما يمثل الحل الأمثل للمشكلة اليهودية في أوربا. وقد ربط جاولر بين هذه المستوطنات وبين المصالح البريطانية في المنطقة في كتيبه تهدئة سوريا والشرق: ملاحظات واقتراحات عملية للإسراع بإقامة مستعمرات يهودية في فلسطين وهو العلاج الناجع والمعقول لمآسي تركيا الآسيوية (1845) . وفي كتيبه الآخر تحرير اليهود ضرورة لحفظ الطبيعة البروتستانتية للإمبراطورية ومن أهم دعائم الأمة البريطانية (1847) . وكان جاولر يعتقد، بسبب تجربته الأسترالية، في إمكانية توطين فلسطين (التي كان يراها أرضاً بلا شعب) في غضون بضعة أعوام. وسافر مع السير موسى مونتفيوري إلى فلسطين عام 1849 ونجح في الحث على المشروع وفي بناء مستوطنات زراعية قرب يافا، وقد رفض معظم اليهود البريطانيين أفكار جاولر الاستيطانية. ويُعتبَر جاولر مثالاً كلاسيكياً للصهيونية غير اليهودية التي انتشرت في أوربا مع بداية عصر الاستعمار، وخصوصاً مع نهايات القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر. ومن الواضح أنه كان يهدف لحماية المصالح البريطانية في الهند وفي المستعمرات الجديدة عن طريق خَلْق منطقة دفاع من المستوطنين اليهود الموالين للإمبراطورية لمواجهة أعداء الإمبراطورية. واردر كريسون (1798-1860 ( Warder Cresson صهيوني مسيحي يهودي، وشخصية محورية في تاريخ الصهيونية. كان كريسون شخصية قلقة، فهو بالمولد من أتباع طائفة الكويكر ثم أصبح من المورمون، وانضم إلى فرق بروتستانتية أخرى، وبدأ اهتمامه باليهودية بعد أن قابل الحاخام الإصلاحي إسحق ليزر. بذل كريسون جهوداً كثيرة حتى عُيِّن أول قنصل للولايات المتحدة في فلسطين. ولكنه اتُهم بالجنون فأُلغي تعيينه. ولكن القرار لم يَصدُر إلا بعد أن كان كريسون قد رحل إلى فلسطين! كتب كريسون عدة مقالات ضد جماعة لندن لتنصير اليهود. وفي عام 1848، مع نهاية خدمته كقنصل، اعتنق اليهودية وغيَّر اسمه إلى ميخائيل بوعاز إسرائيل. وحينما عاد كريسون إلى الولايات المتحدة عام 1849 ليسوي أموره تمهيداً للاستيطان النهائي في فلسطين، حاولت أسرته أن تُوقفه بحجة أنه مجنون، ولكنه كسب القضية المرفوعة ضده. واستوطن فلسطين عام 1851 حيث حاول تأسيس مستوطنة في وادي رفائيم بمساعدة موسى مونتفيوري وآخرين ولكنه فشل في مسعاه. وقد كان كريسون يرتدي ملابس اليهود السفارد الشرقية وتزوج من يهودية سفاردية وعاش حسب التعاليم الأرثوذكسية. ومن مؤلفاته الشاهدان: موسى وإلياهو، وشجرة الزيتون الطيبة، والقدس مركز العالم بأسره ومصدر فرحه (وقد نُشرت جميعاً عام 1849) . كما نشر عام 1852 كتاباً بعنوان مفتاح داود: داود الماشيَّح الحق. وقد بيَّن في كل مؤلفاته أن الوجود اليهودي في فلسطين لابد أن يكون ذا طابع زراعي. وقد تنبأ كريسون بكثير من المشاكل التي واجهها الاستعمار الاستيطاني الصهيوني، ثم الدولة الصهيونية، مثل معارضة الحاخامات الأرثوذكس إنشاء دولة يهودية ومعارضة السكان الأصليين. وعلى هذا، اقترح إقامة مستوطنات زراعية مسلحة قادرة على القتال وعلى الدفاع عن نفسها (وهذا ما نفَّذه الصهاينة فيما بعد) . آدم مكيفتش (1798-1855) Adam Mickiewicz صهيوني نصف يهودي نصف مسيحي يستخدم ديباجات مسيحية. وهو شاعر بولندي من أصل يهودي (فرانكي) وُلد في ليتوانيا. انخرط في نشاط الحركات الطلابية القومية في جامعة فلنا، فطُرد من البلاد وأُبعد إلى روسيا. وفي عام 1829، سُمح له بالسفر إلى الخارج وبدأ في التنقُّل من بلد أوربي إلى آخر حتى وفاته. كتب كبرى مسرحياته دزيادي (3 أجزاء) عام 1832 حيث نُشرت بالإنجليزية تحت عنوان ليلة الأسلاف (1928) ، وقد رسم فيها صورة لمنقذ بولندا في المستقبل (ويُقال إنه كان يشير إلى نفسه) إذ رأت إحدى الشخصيات في المسرحية في الرؤيا أن المخلِّص سيكون ابن أم أجنبية ويجري في عروقه دم الأبطال القدامى، واسمه «أربع وأربعون» . وكانت أم مكيفتش من أسرة من أتباع جيكوب فرانك، والقيمة الرقمية لهذا الاسم (هي 44. وهذه جميعاً أفكار قبَّالية تعرَّف عليها مكيفتش لا من القبَّالاه اليهودية وإنما من القبَّالاه المسيحية (من أعمال المتصوف المسيحي لوي كلود دي سان مارتن ومن كتابات سويدنبورج ( ويرى مكيفتش في أحد أعماله كتب الأمة البولندية والحج البولندي (1842) أن اليهود والبولنديين شعب مختار. ولذا، فإن اليهودي المثالي في ملحمة مكيفتش بان تاديوس (1834) هو وطني بولندي مفعم بالحماس لبولندا. وقد عبَّر مكيفتش عن تعاطفه مع اليهود وعن تطلُّعهم للعودة في موعظة ألقاها في المعبد اليهودي في باريس. وكان مكيفتش يحلم بتنصير اليهود ولكنه لاحَظ أن يهود فرنسا يتركون اليهودية ويندمجون في المجتمع العلماني ولا يتنصَّرون. وحينما نشبت حرب القرم توجَّه مكيفتش إلى القسطنطينية ليساعد الفرق البولندية للحرب ضد الروس. وحاول تنظيم فرقة يهودية تُقيم الشعائر اليهودية، وكان مساعده الأساسي في ذلك طبيب فرنسي يهودي، وكان هو ومساعده يتصوران أن مثل هذه الفرقة اليهودية قد تكون بمنزلة الخطوة الأولى نحو بَعْث الأمة اليهودية. ولكن مكيفتش مات قبل أن يُكمل مهمته. والواقع أن مكيفتش مثل جيد لتداخل التراث القبَّالي اليهودي والتراث المسيحي بحيث تصبح التفرقة بين أيٍّ منهما مستحيلة، كما أنه يبين كيف أن النزعة الفرانكية المشيحانية العسكرية تحوَّلت إلى مشروع استيطاني. إرنست لاهاران (؟ -؟ ( Ernest Laharanne صهيوني غير يهودي يستخدم ديباجات علمانية. وكان محرراً لصحيفة جمهورية النزعة أيَّدت فكرة التجارة الحرة وعمل كأمين لنابليون الثالث. وقد انتعشت الصهيونية غير اليهودية أيام إمبراطورية نابليون الثالث (1852 ـ 1870) عندما تجددت النشاطات الاستعمارية على نطاق أشد. وكان لنابليون الثالث طموحات في الشرق الأوسط. وقد أقحم فرنسا في حرب القرم مع روسيا متذرعاً بحماية الرهبان الكاثوليك في الإمبراطورية العثمانية. وقد شاع أن نابليون الثالث كان يفكر في تنصيب أحد أفراد أسرة روتشيلد ملكاً على القدس (ولكن رد فعل صحافة أعضاء الجماعة اليهودية لهذه الشائعة كان سلبياً إلى أقصى حد) . كتب لاهاران كتيبه المعنون بـ المسألة الشرقية الجديدة ـ إمبراطورية مصر والعرب: إعادة تكوين القومية اليهودية عام 1860 يخبر فيه اليهود بأن فرنسا قد حررتهم وجعلتهم مواطنين وإخوة ويخبرهم أيضاً أنهم شعب ذو شخصية عبقرية مستقلة، فهو شعب عضوي لم يندمج في الحضارة الغربية لأنه مرتبط بالشرق حيث يجب أن يذهبوا حاملين "أنوار أوربا" ليكونوا بمنزلة الوسطاء الذين سيفتحون الشرق للغرب عن طريق تكوين دولة يهودية في الأرض الواقعة بين مصر وتركيا، تحت رعاية فرنسا، وبمؤازرة رجال البنوك والتجار اليهود في العالم، ويجرى اكتتاب مالي يهودي عام يتيح لليهود المجال "لشراء وطنهم القديم" من الدولة العثمانية. وقد بيَّن لاهاران الفوائد التي ستعود على الغرب من توطين اليهود في فلسطين: "طريق جديد ومُعبَّد للحضارة الغربية وأسواق جديدة للصناعة الغربية". وقد استمر لاهاران في الدعوة لهذه الفكرة بحماس شديد وربط بينها وبين الأفكار القومية التي كانت تلاقي إعجاب نابليون الثالث ورجال بلاطه الاستعماريين. ولاهاران، شأنه شأن كل دعاة المشروع الصهيوني، يهاجم العرب (سكان فلسطين الأصليين) ليبرر عملية الغزو (ومع هذا كان لاهاران أحد ضيوف الشرف لدى الخديوي إسماعيل في حفل افتتاح قناة السويس عام 1869) . ولاهاران نموذج للمفكر الاستعماري المليء بالمتناقضات الذي يحاول بشتى الطرق العملية الوصول لهدفه الأوحد وهو السيطرة والغزو وتحقيق أقصى منفعة مادية على حساب الآخرين وباستغلال الآخرين عرباً كانوا أم يهوداً. وهو أيضاً مثال للارتباط بين الفكر القومي الأوربي في القرن التاسع عشر والفكر الاستعماري، وللرؤية القومية في إطار التوسع والغزو والإمبراطورية العظمى التي كان يمثلها نابليون الثالث. وقد قرأ المفكر الصهيوني العمالي موسى هس كتاب لاهاران وأُعجب به. لورد شافتسبري (1801-1885 ( Lord Shaftesbury هو أنتوني أشلي كوبر، لورد شافتسبري السابع. واحد من أهم الشخصيات الإنجليزية في القرن التاسع عشر، ومن أهم المصلحين الاجتماعيين. يقول عنه المؤرخ الإنجليزي تريفليان إنه كان يُعَدُّ أحد أهم أربعة أبطال شعبيين في عصره. وقد كان شافتسبري، بالإضافة إلى هذا، شقيق زوجة رئيس الوزراء بالمرستون الذي كان يثق فيه تماماً ويأخذ بمشورته. وقد كان شافتسبري زعيم حزب الإنجيليين. ولذا، فإننا نجد أن اليهود كانوا أحد الموضوعات الأساسية في فكره كما كانوا محط اهتمامه الشديد. وكان خطاب شافتسبري خليطاً مدهشاً من العناصر الاجتماعية والأساطير الدينية حيث تَداخَل في عقله الوقت الحاضر والزمان الغابر والتاريخ المقدَّس، وقد كان هذا الخطاب يَصدُر عن فكرة الشعب العضوي المنبوذ بشكل لم يتحقق كثيراً في كتابات أي صهيوني آخر (يهودياً كان أم غير يهودي) . ينظر شافتسبري إلى اليهود من داخل نطاق العقيدة الألفية والاسترجاعية بعد علمنتها تماماً، فاليهود يكوِّنون بالنسبة إليه شعباً عضوياً مستقلاًّ وجنساً عبرياً يتمتع باستمرار لم ينقطع، ولكنهم لهذا السبب أصبحوا جنساً من الغرباء (المنبوذين) المتعجرفين سود القلوب المنغمسين في الانحطاط الخلقي والعناد والجهل بالإنجيل. وهم ليسوا سوى "خطأ جماعي". ولكل هذا، عارض شافتسبري مَنْح اليهود حقوقهم المدنية والسياسية في إنجلترا. ولكن ثمة علاقة عضوية بين هذا الشعب وبين بقعة جغرافية محددة هي فلسطين. ولهذا، فإن بَعْثهم لا يمكن أن يتم إلا هناك. كما أن عودتهم إلى هذه البقعة أمر ضروري حتى تبدأ سلسلة الأحداث التي ستؤدي إلى العودة الثانية للمسيح وخلاص البشر. وبرغم الديباجات الدينية فإن شافتسبري، شأنه شأن مسيحيي عصره العلمانيين، كان يؤمن بأن الوسيلة الإنسانية يمكن أن تحقق الأهداف الربانية (وهذا عكس الموقف المسيحي واليهودي التقليدي) . وقد عبَّر شافتسبري عن هذه الازدواجية في الخطاب في عبارته: "إن أي شعب لابد أن يكون له وطن، الأرض القديمة للشعب القديم"، وهي صيغة علمانية خافتة لشعار "الأرض الموعودة للشعب المختار". ثم طوَّر هذا الشعار ليصبح "وطن بلا شعب لشعب بلا وطن"، فهو إذن صاحب الشعار الصهيوني الشهير. وقد نشر شافتسبري عام 1838 في مجلة كوارترلي ريفيو (وهي من أكثر المجلات نفوذاً في ذلك العصر) عرضاً لكتب أحد الرحالة إلى فلسطين. وقد بدأ المقال بالديباجة الدينية المعتادة عن قضية اليهود ثم تناول بعد ذلك تربة فلسطين ومناخها باعتبارها مناسبة لنمو محصولات تتطلبها احتياجات إنجلترا مثل القطن والحرير وزيت الزيتون. ويبين شافتسبري أن كل المطلوب لإنجاز هذه العملية هو رأس المال والمهارة، وكلاهما سيأتي من إنجلترا، وخصوصاً بعد تعيين قنصل لإنجلترا في القدس إذ سيؤدى وجوده إلى زيادة أسعار الممتلكات. ثم يقترح عند هذه النقطة توظيف اليهود على أن يكون القنصل البريطاني الوسيط بينهم وبين الباشا العثماني، حتى يصبحوا، مرة أخرى، مزارعين في يهوذا والجليل. وهذا الاقتراح يحوي بعض عناصر الصيغة الصيهونية الأساسية (شعب عضوي منبوذ ـ نافع ـ ينقل خارج أوربا ـ لتوظيفه لصالحها ( ولكن أهم وثائق الصهيونية غير اليهودية وأكثرها شفافية (إذ تتضح فيها الصيغة الصهيونية الأساسية بكل وضوح وجلاء) هي الوثيقة التي قدَّمها شافتسبري إلى بالمرستون (25 سبتمبر 1840) لاسترجاع اليهود وحل المسألة الشرقية وتطوير المنطقة الممتدة من جهة الرافدين حتى البحر الأبيض المتوسط (وهي البلاد التي وعد الإله بها إبراهيم حسب أحد تفسيرات الرؤية التوراتية) . ويؤكد شافتسبري في مقدمة المذكرة أن المنطقة التي أشار إليها آخذة في الإقحال بسبب التناقص في الأيدي العاملة، ولذا فهي تتطلب رأس مال وعمالة. ولكن رأس المال لن يأتي إلا بعد توفير الأمن. ولهذا، فلابد أولاً من اتخاذ هذه الخطوة، ثم يشير بعد ذلك إلى أن حب اختزان المال والجشع والبخل ستتكفل بالباقي، فهي من أهم دوافع الإنسان (الوظيفي) ، ولذا فهي ستدفع به إلى أية بقعة يمكن أن يحقق فيها أرباحاً (ومثل هذه الضمانات ستشجع كل محب للمال عنده الحماس التجاري، أي أعضاء الجماعات الوظيفية ( كل هذه المقدمات العامة تقود شافتسبري إلى الحديث عن «العنصر العبري» أو الشعب العضوي المنبوذ (باعتباره جماعة وظيفية استيطانية) ثم يقترح أن القوة الحاكمة في الأقاليم السورية (دون تحديد هذه القوة) لابد أن تحاول وَضْع أساس الحضارة الغربية في فلسطين وأن تؤكد المساواة بين اليهود وغير اليهود فيها. وتحصل هذه القوة على ضمانات الدول العظمى الأربع عن طريق معاهدة ينص أحد بنودها على ذلك، وسوف يشجع هذا الوضع الشعب اليهودي العضوي المعروف بعاطفته العميقة نحو فلسطين حيث يحمل أعضاؤه ذكريات قديمة في قلوبهم نحوها. وهذا الشعب اليهودي العضوي "جنس معروف بمهاراته وثروته المختبئة ومثابرته الفائقة. وأعضاء هذا الجنس يمكنهم أن يعيشوا في غبطة وسعادة على أقل شيء، ذلك أنهم ألفوا العذاب عبر العصور الطويلة. وحيث إنهم لا يكترثون بالأمور السياسية، فإن آمالهم تقتصر على التمتع (بالأموال) التي يمكنهم مراكمتها ... إن عصوراً طويلة من العذاب قد غرست في هذا الشعب عادتي التحمل وإنكار الذات". ويضيف شافتسبري: "إذا رأينا عودتهم في ضوء استعمار فلسطين، فإن هذه الطريقة هي أرخص الطرق وأكثرها أمناً في الوفاء بحاجات هذه المناطق غير المأهولة بالسكان. وهم سيعودون على نفقتهم الخاصة دون أن يُعرِّضوا أحداً ـ سوى أنفسهم ـ للخطر"، أي أنهم أداة آمنة كفء وسيخضعون للشكل القائم للحكومة، فهم لم يصوغوا أية نظرية سياسية مُسبَقة يهدفون إلى تطبيقها. وقد تم ترويضهم في كل مكان تقريباً على الخضوع الضمني (الهادئ) للحكم المطلق ولا تربطهم رابطة بشعوب الأرض، ولذا لابد لهم من الاعتماد على قوة ما… وسيعترف اليهود بملكية الأرض لأصحابها الحقيقيين… حيث سيكتفون بالحصول على الفائدة من خلال الطرق المشروعة مثل الإيجار والشراء، ولن يتطلب المشروع أية اعتمادات مالية من القائمين على المشروع، ولهذا فإن ثمرتها ستعود على العالم المتحضر (أي الغربي) بأسره. ورغم أن هذه المذكرة قد كُتبت قبل عشرين عاماً من ميلاد هرتزل، فإن كل ملامح المشروع الصهيوني موجودة فيها، وخصوصاً فكرة توظيف وضع اليهود الشاذ داخل المجتمعات الغربية لخدمة هذه المجتمعات، وذلك عن طريق نَقْلهم ليصبحوا كتلة عضوية واحدة لا تخدم دولة غربية واحدة وإنما الغرب بأسره. وفي عام 1876، كتب شافتسبري مقالاً آخر يطرح فيه مرة أخرى أفكاره الصهيونية بدقة ووضوح بالغين، فقد أكد أن سوريا وفلسطين ستصبحان شديدتي الأهمية من الناحيتين الجغرافية والتجارية بعد فترة وجيزة. وبعد الحديث عن الأمجاد الغابرة القديمة، يتساءل شافتسبري فيقول: من تجار العالم بالدرجة الأولى؟ والسؤال مجرد سؤال خطابي، لكن الإجابة معروفة، ثم يستطرد: "إن فلسطين في حاجة إلى السكان ورأس المال، وبإمكان اليهود أن يعطوها الشيئين معاً، وإنجلترا لها مصلحة في استرجاعهم لأنها ستكون ضربة لإنجلترا إن وُضع منافسوها في سوريا. لكل هذا، يجب أن تحتفظ إنجلترا بسوريا لنفسها كما يجب أن تدافع عن قومية اليهود وتساعدهم حتى يعودوا فيكونوا بمنزلة الخميرة لأرضهم القديمة. إن إنجلترا أكبر قوة تجارية وبحرية في العالم، ولهذا فلابد لها أن تضطلع بدور توطين اليهود في فلسطين ... وهذه ليست تجربة مصطنعة ... إنها الطبيعة ... إنه التاريخ". ويُلاحَظ أن الديباجة الدينية هنا قد اختفت تماماً وأن الديباجة الجغراسية (موازين القوى ـ الإمبراطورية ـ الموقع الجغرافي ـ الأهمية التجارية العسكرية) هي الأهم. وقد قام شافتسبري بعدة محاولات لتحويل صهيونيته الفكرية إلى صهيونية سياسية، فتحدَّث مع بالمرستون عن استخدام اليهود كرأس حربة لبريطانيا في الشرق الأوسط. ففتح بالمرستون قنصلية في القدس (وهذه بداية الصهيونية الاستيطانية) بناءً على إلحاحه على ضرورة مقاومة مصالح الدول الأخرى وحتى تجد بريطانيا من تحميه (فقد كانت فرنسا تحمي الكاثوليك وكانت روسيا تحمي الأرثوذكس) . وعُيِّن وليام ينج قنصلاً لتقديم الحماية لليهود والطوائف المسيحية، وهكذا قُدِّمت الحماية (أي التبعية لإنجلترا) لأي يهودي دون التثبت من أصله. وقد وافق الروس بين عامي 1847 و 1849 على أن يقوم الإنجليز بحماية اليهود الروس، المادة البشرية التي ستستخدمها الصهيونية الغربية. وكما يقول سوكولوف، فإن حماية اليهود جزء من اهتمام إنجلترا السياسي بالمسألة الشرقية. كما أن شافتسبري حث بالمرستون على أن يكتب للسفير البريطاني في إستنبول عن فكرة الدولة اليهودية. وقد تحرَّك بالمرستون بناء على نصيحة شافتسبري وأرسل خطاباً بهذا المعنى. وحتى بعد أن ترك بالمرستون الوزارة، استمر شافتسبري في نشاطه. وبدأ في وَضْع الأساس العملي لتحقيق حلمه في استرجاع اليهود إلى فلسطين تحت رعاية إنجلترا البروتستانتية، فساهم في جهود تأسيس أسقفية ألمانية إنجليزية تهدف إلى استرجاع اليهود. وقد اختير حاخام يهودي مُتنصِّر أسقفاً لها. وكان شافتسبري يَعُدُّ هذا تتويجاً لجهود جمعية اليهود، ذلك أن تأسيس الأسقفية كان بمنزلة العلامة على ابتداء عودة اليهود. وقد أصبح شافتسبري رئيساً لصندوق استكشاف فلسطين. ورغم أنه يؤكد في كتاباته دائماً أن روح العودة موجودة عند اليهود منذ ثلاثة آلاف عام، وأن الأمة اليهودية أمة عضوية تحن إلى وطنها ولابد أن تحصل علىه، إلا أنه يُلاحَظ أن اليهود الحقيقيين الذين يقابلهم في الحياة تنقصهم الوحدة التي يفترض هو وجودها حسب رؤيته الإنجيلية الحرفية. وعلى كلٍّ، فإنه يذكر في أحد خطاباته إلى بالمرستون أن اليهود "غير متحمسين للمشروع الصهيوني، فالأغنياء سيرتابون فيه ويستسلمون لمخاوفهم، أما الفقراء فسيؤخرهم جَمْع المال في بلاد العالم، وسوف يفضل بعضهم مقعداً في مجلس العموم في بريطانيا على مقعد تحت أشجار العنب والتين في فلسطين. وقد تكون هذه أحاسيس بعض الإسرائيليين الفرنسيين، أما يهود ألمانيا الكفار فيُحتَمل أن يرفضوا الاقتراح". وعلى هذا، فإن شافتسبري قد اكتشف المشكلة الأساسية في الصيغة الصهيونية الأساسية وهي أن المادة البشرية المُستهدَفة لن تخضع بسهولة لأحلامه الإنجيلية الحرفية الاستيطانية ولن تقبل ببساطة أن يتم انتزاعها من أوطانها. جيمس فين (1806-1872 ( James Finn صهيوني غير يهودي كان يعمل قنصلاً بريطانياً في القدس من 1845 حتى 1862. كان من رواد الدعوة لتوطين اليهود في فلسطين واعتاد مصادقة اليهود ووَضْعَهم تحت الحماية البريطانية. ففي عام 1849 أقنع وزارة الخارجية البريطانية بأن تزود يهود روسيا (في فلسطين) بالحماية بعد أن رفضت الدولة الروسية أن تفعل ذلك. وقد انفق أموالاً كثيرة على تمويل مزارع ومشروعات استيطانية يهودية، ولكنه أفلس بعد فترة، كما اشترك في نشاطات تبشيرية وحاول توطين بعض اليهود المتنصرين في قرية بيت لحم لكنه تخلى عن هذا المشروع عام 1864 بسبب رفض اليهود المشاركة في أيٍّ من هذه المشاريع. وكانت زوجته هي الأخرى متحمسة للمشروع الصهيوني، ولذا أسست جمعية تشجيع العمل الزراعي اليهودي في الأرض المقدَّسة. ألَّف فين عدة كتب عن اليهود نشرتها زوجته منها تقليب الأزمنة (1876) ، ويهود الصين (1849) ، ومستعمرة اليهود اليتيمة في الصين (1872) ، والسفارد (1841 ( تشارلز تشرشل (1807-1869 ( Charles Churchill ضابط إنجليزي صهيوني من أوائل من دعوا إلى عودة اليهود إلى فلسطين. وهو من أسرة تشرشل الإنجليزية الشهيرة التي عملت في خدمة التاج البريطاني فترة طويلة، سواء في الجيش البريطاني أو في شركة الهند الشرقية. وُلد في مدراس بالهند عام 1807، والتحق بالجيش البريطاني منذ شبابه المبكر (1827) وخدم في البرتغال وإسبانيا في الفترة بين عامي 1827 و 1836 حيث شارك في الحروب الأهلية التي اندلعت في شبه جزيرة أيبريا، وترقَّى في سلك الجندية سريعاً. شهدت تلك الفترة صعود قوة مصر إبان عهد محمد علي حيث ساعدت القوات المصرية السلطان العثماني على إخماد ثورة اليونان رغم تَعرُّض الأسطول المصري حديث العهد للغرق في نافارين بعد هجوم أساطيل الدول الأوربية عليه. وبعد انتصار القوات المصرية على القوات العثمانية عام 1838 وتسليم فوزي باشا قائد الأسطول العثماني سفنه لمحمد علي، اجتمعت الدول الأوربية في لندن وأرسلت إنذاراً لمحمد علي للانسحاب من الأراضي العربية التي كانت تابعة لتركيا في سوريا والحجاز وكريت واليمن. وقد رفض محمد علي الإنذار، فأرسلت الدول الأوربية مجتمعة حملة على بيروت عام 1840. وفي 3 نوفمبر 1840، سقطت عكا، وكان تشارلز هنري تشرشل أحد الضباط المشاركين في الحملة. وقد تزامنت هذه الأحداث مع قضية داخلية صغيرة، إلا أن ما يدور في المنطقة نفسها جعلها قضية كبيرة ألا وهي الحادثة التي سُمِّيت بـ «قضية دمشق» . فقد اختفى راهب كاثوليكي وخادمه، وقام القنصل الفرنسي المعادي لليهود بإثارة حاكم دمشق ضد مجموعة من العائلات اليهودية على اعتبار أن اليهود قد قتلوا الراهب وخادمه، ووجهت لليهود تهمة الدم. وقام شريف باشا حاكم دمشق بسَجْن هؤلاء اليهود. وقد أرسلت بريطانيا بعثة برئاسة سير موسى مونتفيوري لمصر حيث نجحت تلك البعثة في تحرير السجناء بالضغط على محمد علي، وخصوصاً مع وصول القوات الأوربية إلى الشام. وفي هذه الأثناء أيضاً، قام روبرت بيل ولورد بالمرستون (عضوا البرلمان البريطاني) بالدعوة لإرسال اليهود إلى فلسطين، وخصوصاً بعد تحرير الأراضي المقدَّسة من أيدي المسلمين. وانتشرت في إنجلترا الدعوة إلى إعادة "شعب إسرائيل إلى أرض إسرائيل" سواء من منطلق استعماري أو من منطلق ديني أصولي (حرفي) حيث تُعتبر عودة اليهود بداية الخلاص. وقد لاقت تلك الدعاوى هوى في نفس تشرشل. ومع عودة مونتفيوري، تقابل الرجلان في مالطة. وأعرب تشرشل في هذه المقابلة عن إحساسه العميق بأن الأقدار قد رتبت هذا اللقاء في هذا المكان بالذات في إشارة واضحة لفرسان حملات الفرنجة وغزوهم فلسطين. وقد حمَّله مونتفيوري رسائل وخطابات أمان إلى يهود دمشق. وفي دمشق دعاه رئيس الجماعة اليهودية التاجر والمالي الكبير روفائيل فارحي إلى حفل استقبال كبير حيث ألقى تشرشل كلمة عبَّر فيها عن رغبته وأمله بل يقينه في أن "هذه الوديان والسهول الجميلة التي يقطنها الآن العرب الجوالون وبسببهم تعاني من الخراب بعد أن كانت مثالاً للوفرة والرخاء وتملأ أرجاءها أغاني بنات صهيون، ستعود لإسرائيل في ساعة قريبة حيث إن اقتراب الحضارة الغربية من هذه الأرض يمثل فجر نهضتها الجديدة. فلتستعد الأمة اليهودية مكانتها بين الشعوب، وليُثبت أحفاد المكابيين أنهم مثل أسلافهم العظماء". وقد كتب تشرشل خطاباً لمونتفيوري في الفترة نفسها يطلب فيه أن يأخذ اليهود زمام الموقف في أيديهم وأن يبادروا باتخاذ الخطوات الأولية نحو الاستيطان وأن على جميع اليهود تأييد مشروع الاستيطان، وخصوصاً أن القوى الأوربية ستساعدهم في مساعيهم. كما بيَّن تشرشل في خطابه أن مساندة إنجلترا للدولة العثمانية هو زيفٌ كبير وأنه يجب إنقاذ فلسطين من براثنهم. ويمكن القول بأن خطاب تشرشل يشبه إلى حدٍّ كبير خطاب نابليون بونابرت لليهود عام 1799، وهذا طبيعي فقد كان الكولونيل البريطاني الشاب معجباً للغاية بالكورسيكي المغامر وكان يرى في نفسه أحياناً المقدرة على تحقيق هذه الطموحات التي لم يحققها نابليون، وخصوصاً مع إحساسه بأن البريطانيين قد حققوا ما فشل فيه الفرنسيون ألا وهو غزو عكا. من ثم، فقد تكلَّم باسم حكومة جلالة الملكة مستخدماً خطاباً قريباً من خطاب نابليون. ومع هذا، يمكن القول بأن خطاب تشرشل أكثر علمانية من خطاب نابليون إذ يُلاحَظ أن الديباجات الدينية فيه خافتة وباهتة للغاية. وقد أثارت كلمة تشرشل ضجة كبيرة في الأوساط السياسية اليهودية الأوربية نشرتها جرائد يهودية ألمانية ووصفها البعض بأنها "بداية حقبة جديدة وخاتمة سعيدة لملحمة دمشق". وكثُر ظهور أفكار مشابهة في كل أنحاء أوربا داعية شعب صهيون للنهوض وإقامة الهيكل في شكل أفخم من ذي قبل. وبدأ تشرشل على الفور في اتخاذ خطوات عملية تتعلق بتنفيذ رؤيته، فنصَّب نفسه (وهو القائمقام البريطاني) حامياً لليهود في دمشق حيث بدأ يعاملهم بوصفهم نواة الأمة اليهودية المُتخيَلة. ولأنه لم يقابل نجاحاً وسط صفوف يهود سوريا والشام عامة، توجَّه إلى يهود أوربا فأرسل خطاباً للسير مونتفيوري طالباً منه المساعدة لإنقاذ اليهود من آلامهم وتعبئتهم للهجرة إلى فلسطين باعتبار هذا حلاًّ سعيداً للمسألة الشرقية. ووضع في هذا الخطاب خطة توطينية استيطانية كاملة حيث يساهم يهود أوربا الأغنياء في توطين أقرانهم الفقراء في فلسطين، وأوضح أنه في مثل هذه المشروعات الضخمة يضحي المرء بكل عزيز لديه من مال ونفس. كما أكد أن البدو والأعراب قاطني هذه المنطقة لن يشكلوا عقبة كبيرة في وجه المشروع، بل إن المشروع سيمثل قلعة تدرأ خطر هجمات البدو أو أطماع الطامحين أمثال محمد علي. ورغم أن مونتفيوري تحمَّس شخصياً للمشروع إلا أن مجلس ممثلي يهود بريطانيا تغاضى عنه. وفي هذه الأثناء، انعقد مؤتمر لندن لتقرير مصير الشرق حيث قرر قصر حكم محمد علي على مصر فقط، وعودة الشام وباقي الأراضي العربية للحكم التركي. وكانت قرارات مؤتمر لندن مخيبة جداً لآمال تشرشل الذي كان قد أصبح قنصل بريطانيا في دمشق. ورغم خيبة أمله وإحباطه، إلا أنه استمر في أداء دوره كحام لليهود ومدافع عنهم، الأمر الذي أثار حفيظة حاكم دمشق التركي، وظهر العداء بينهما بوضوح في خطاب أرسله تشرشل للقنصل البريطاني في بيروت أعرب فيه عن اعتقاده بأن عودة الترك لحكم دمشق والشام هو انتصار للرجعية المسلمة. وبالمقابل، اتهمه الحاكم التركي بسوء السلوك وإثارة الاضطرابات والتخابر مع الدروز، وقد أدَّى هذا إلى إعادته إلى إنجلترا. ولكن هذا أتاح له فرصة أخرى للقاء السير مونتفيوري الذي اعتذر بأن مؤتمر لندن عرْقل خطة عودة اليهود لفلسطين التي اقترحها تشرشل. لكن تشرشل أخبره بأن ثمة خطة بديلة لها. وأرسل تشرشل للسير مونتفيوري خطاباً مفصلاً يتضمن هذه الخطة اقترح فيه خَلْق منصب خاص لمعتمد بريطاني لشئون اليهود، كما طالب يهود أوربا وبريطانيا بالضغط لخلق مثل هذا المنصب، ودعا إلى تكوين منظمة يهودية خاصة تمثل الشعب اليهودي تمثيلاً دبلوماسياً وسياسياً. كما عبَّر تشرشل عن أمله في أن يؤدي هذا إلى الإسراع بخلاص الشعب اليهودي. وكان رد مونتفيوري على هذه المقترحات سلبياً جداً حتى أنه لم يذكرها في مذكراته بل لم يُشر إليها. في المقابل، عندما أبدى تشرشل رغبته في العودة إلى الشام، سلمه مونتفيوري، وهو المالي الكبير، مبلغاً من المال لمساعدة يهود الشرق. لكن هذا الرفض المؤدب من قبَل مونتفيوري الاندماجي لخطط تشرشل التوطينية كان نهاية المشاريع الصهيونية عند تشرشل. وعاد تشرشل إلى بيروت عام 1842 وتزوج سيدة لبنانية واستقر هناك حيث عمل بالتجارة والمضاربات العقارية. وكانت له علاقات طيبة مع الدروز والمارونيين وتزوجت بناته من أفراد من أسرة شهاب الشهيرة. وألَّف تشرشل كتاباً بعنوان جبل لبنان عام 1852 دعا فيه الحكومة البريطانية لمساعدة اللبنانيين على التخلص من الحكم التركي. وتَدخَّل تشرشل في السياسة الداخلية اللبنانية والصراعات بين الدروز والمارونيين مُتقلِّباً بين الفرقتين حسب قوة كل منهما. ومع مذابح عام 1860، أصدر تشرشل كتاباً آخر بعنوان الدروز والمارونيون تحت الحكم التركي من 1840 حتى 1860 اتهم فيه الدول الأوربية بالتقاعس عن أداء مهمتها لإنقاذ المنطقة من حكم الأتراك. وقد تعرَّف تشرشل في هذه الآونة إلى شخصية كان لها أثر كبير فيما بقى له من أيام هي الأمير عبد القادر الجزائري الذي ساهم بجهد كبير في إنهاء مذابح الشام عام 1860. وألَّف تشرشل عنه كتابه الأخير حياة عبد القادر الذي نُشر عام 1867 بإهداء للإمبراطور نابليون الثالث. وكان هذا الإهداء محيراً للجميع، فعبد القادر الجزائري كان عدو فرنسا اللدود كما كان تشرشل نفسه. ولكن يبدو أن خيبة أمل تشرشل في مشاريعه التوطينية والاستعمارية على يد البريطانيين هي التي دعته لهذا الإهداء. وتُوفي تشرشل عام 1869 في لبنان. وتُمثِّل شخصية تشرشل وحياته الصاخبة نموذج عصره أصدق تمثيل، حيث اختلطت الأحلام الاستعمارية بالرؤى المشيحانية. ولكن، لم يكن بإمكان تشرشل أن يحقِّق أحلامه وطموحاته المشيحانية الاستعمارية والدولة الإسلامية العثمانية ما زالت موجودة وقوية إلى حدٍّ ما. إلا أن هذا لم يمنعه من الاستقرار في الشرق ومواصلة محاولة لعب دور داخل في سياسته. والجدير بالذكر أن الصهاينة المحدثين يعتبرون تشرشل أحد الآباء الأوائل للحركة الصهيونية، وهو بالفعل كذلك، فخطبه وكتاباته تضم كل أبعاد الفكر الصهيوني، أما تحركاته الدبلوماسية فتحمل كل سمات التحركات الصهيونية فيما بعد، من إدراك ضرورة البحث عن راع استعماري للمشروع الصهيوني إلى ضرورة ضرب الدولة العثمانية. كما أنه أدرك الطبيعة الوظيفية للدولة الصهيونية، وضرورة محاولة الاستفادة من الأقليات في المنطقة، وأدرك أيضاً ضرورة أن يكون هناك صهيونيتان: صهيونية استيطانية وصهيونية توطينية. بنديتو موسولينو (1809-1885 (Benedetto Musolino صهيوني غير يهودي يستخدم ديباجات علمانية، وسياسي إيطالي ورجل دولة تنبأ بعودة اليهود إلى فلسطين. وُلد في بيزو، وعاش شبابه منفياً، ثم انضم لجيش غاريبالدي وخدم كعضو في برلمان إيطاليا منذ عام 1861. ألَّف سبعة كتب في الفلسفة والقانون والعدالة الاجتماعية. زار فلسطين أربع مرات وحرَّر كتاباً بعنوان القدس والشعب العبراني (1851) حث فيه بريطانيا على إقامة إمارة يهودية في فلسطين تحت التاج العثماني، وذلك كحل للمسألة اليهودية في أوربا. وقام موسولينو بصياغة دستور نظام حكم هذه الإمارة حيث العبرية لغتها الرسمية واليهودية ديانتها، وهو يمنح حق الانتخاب لأولئك المتكلمين بالعبرية فقط، كما تُمنَح الجنسية لليهود الذين يستوطنون هذه الإمارة، وكذلك لغير اليهود الذي يطلبون ذلك. وتضمن الإمارة حق العمل وحرية التعبير، وتشرف شركة قومية على توطين اليهود فيها. وقد حاول موسولينو أن يثير اهتمام عائلة روتشيلد بمشروعه دون جدوى. جورج إليوت (1819-1880 ( George Eliot صهيونية غير يهودية تستخدم ديباجات عضوية رومانسية، واسمها الحقيقي هو ماري آن إيفانس. تدل كتابات جورج إليوت الأولى على أنها، مثل معظم الصهاينة غير اليهود، بدأت حياتها الفكرية برفض اليهود وتراثهم، فهي ترى أن "كثيراً من أساطيرهم الأولى، وكذلك كل أحداث تاريخهم، تعاف النفس منها إلى أقصى مدى ... إن كل شيء يهودي هو شيء وضيع على وجه الخصوص" (من خطاب لها عام 1848) . ومن الواضح أن جورج إليوت تنطلق من مفهوم الشعب العضوي المنبوذ. ولذا، فقد نشرت رواية دانيل ديروندا (1876) وهي رواية ذات طابع صهيوني عن يهودي يكتشف هويته (أو بتعبير أدق ما يتصوره جذوره العرْقية اليهودية) ويرى أن لا خلاص له إلا من خلال الحل الصهيوني، أي من خلال الهجرة وتأسيس دولة يهودية. وتقدِّم الرواية صورة إدراكية جديدة لليهودي باعتباره بطلاً لتحل محل الصورة الإدراكية القديمة لليهودي باعتباره تاجراً أو مرابياً. وقد جاء في الرواية دعوة إلى مشروع صهيوني يموِّله أغنياء اليهود ويتم الإعلام عنه بكفاءة، بحيث ينظم اليهود أنفسهم بهدف "تأسيس كيان يهودي ... مركز عضوي للعرْق اليهودي". يتم ذلك عن طريق هجرة عظمى ثانية تتحرك من خلالها روح الإنجاز السامية، ليصبح اليهود أمة مثل كل الأمم. وهذا هو المشروع الصهيوني لإفراغ أوربا من اليهود عن طريق تهجيرهم خارجها، وهو، في جوهره، مشروع معاد لليهود. وبطل القصة قد تم ـ على ما يبدو ـ رسم شخصيته بوحي من شخصية الضابط البريطاني جولد سميد الذي اكتشف هويته اليهودية في العشرينيات من عمره وذهب إلى فلسطين "ليحيي المركز العضوي" لشعبه! والواقع أن دانيل ديروندا من أهم وثائق الصهيونية غير اليهودية، ربما لا يعادلها في الأهمية سوى مؤلف أوليفانت أرض جلعاد. ومن الأهمية بمكان أن نشير إلى أن كلاسيكيات الصهيونية غير اليهودية تسبق كلاسيكيات الصهيونية اليهودية بسنوات. وقد أثرت هذه الرواية تأثيراً عميقاً في رواد الفكر والأدب الصهيوني مثل بن يهودا وبيريتس وسمولنسكين وجوردن وليلينبلوم، وقد تُرجمت القصة إلى العبرية وانتشرت بين يهود ألمانيا وغيرهم من الجماعات اليهودية. ووُصفت بأنها "وعد بلفور الأدبي". لكن معظم النقاد يرون أن هذه الرواية ليست من أعظم روايات إليوت، وأن مضمونها الصهيوني متضخم إلى حدٍّ كبير. كما أن كثيراً من أعضاء الجماعة اليهودية في إنجلترا رفضوا فكرة العودة القومية، إذ كانوا يرون أنفسهم شعباً بالمعنى الروحي وحسب. جولدوين سميث (1823-1910 ( Goldwin Smith مؤرخ ومصلح تربوي بريطاني، وهو نموذج جيد لليبرالي الصهيوني غير اليهودي المعادي لليهود. كتب سميث مقالاً عام 1878 بيَّن فيها أن اليهودية دين قَبَلي منغلق، وأن تمسُّك اليهود باليهودية في شتاتهم زادهم تعصباً. وأضاف أن هذا الدين فَقَد مضمونه الأخلاقي ولم يبق منه سوى العنصر، أي أن تمسُّك اليهود بدينهم هو في واقع الأمر تعصُّب للعرْق. واليهود شعب عضوي متماسك، ولكنه شعب عضوي منبوذ فهو محط بُغض الشعوب. وليس بإمكان اليهود أن يصبحوا مواطنين صادقين في انتمائهم لأوطانهم في دول أوربا التي تستضيفهم. ولذا، يشكل وجودهم خطراً سياسياً على البلد الذي يحلون فيه (وهذه أطروحة أساسية في الأدبيات الصهيونية والمعادية لليهود ( وكمعظم صهاينة عصره (من اليهود وغير اليهود) كان سميث يرى أن المسألة الشرقية يمكن حلها من خلال رَبْطها بالمسألة اليهودية. فهو يرى إمكانية أن يعود بعض اليهود «شديدي العزلة» (أي يهود اليديشية) من شرق أوربا إلى فلسطين. وستنجز هذه العملية أمرين: 1 ـ سيساعد انسحاب الفائض البشري اليهودي المجتمعات الغربية على دَمْج العنصر اليهودي الأكثر اندماجية في المجتمع الأوربي. 2 ـ سيتحدد وضع اليهود كقومية منفصلة منعزلة (كما هو الحال في اليونان) تقوم بملء الفراغ الذي سيخلقه حل الدولة العثمانية. ولنا أن نلاحظ أن سميث قد اكتشف ظاهرة الصهيونيتين التوطينية والاستيطانية، وأنه وضع يده على كثير من الأطروحات الصهيونية الأساسية وذلك قبل أن ينشر هرتزل كتابه دولة اليهود. إدوارد كازالت (1827-1883 ( Edward Cazalet صهيوني غير يهودي يستخدم ديباجات علمانية وهو رجل صناعة بريطاني. كان يمتلك عدة مصانع في روسيا القيصرية، ولكنه كان على معرفة بمسألة يهود شرق أوربا اليهودية فألَّف كتيباً بعنوان سياسة إنجلترا في الشرق: علاقتنا مع روسيا ومستقبل سوريا (1879) بيَّن فيه كيف يمكن حل المسألة الشرقية والمسألة اليهودية من خلال الربط بينهما. وقد بيَّن كازالت أن السكان العرب غير صالحين من الناحية الحضارية والخلقية لأن يكونوا أسياد مصيرهم. وهذه هي الحجة الإمبريالية التقليدية لإثبات أن ثمة فراغاً في الشرق العربي، يمكن أن تملأه القوة الإمبريالية بمعرفتها. وبالفعل، اقترح كازالت أن تقوم الإمبراطورية الإنجليزية بتوطين اليهود في فلسطين وسوريا تحت الحماية البريطانية باعتبارهم مادة بشرية يمكن من خلالها تنمية المنطقة اقتصادياً. وقد أرسل كازالت عام 1881 يهودياً يُدعى جيمس ألكسندر للقسطنطينية ليتفاوض على إقامة خط سكك حديدية من سوريا إلى بلاد ما بين النهرين على أن تُخصَّص الأراضي المجاورة للخط الحديدي للاستيطان، وكانت خطته هي استقدام عمال يهود وتوطينهم في تلك الأراضي. وقد حصل كازالت على دعم دزرائيلي لمشروعه بهدف تفويت الفرصة على كلٍّ من الألمان والفرنسيين الذين كانوا يطمعون في القيام بهذه المهمة. واستمرت المباحثات عدة أعوام، ولكنها مع الاحتلال البريطاني لمصر عام 1882 انتهت إلى لا شيء حيث لم تَعُد هناك حاجة لمثل هذه الخطة مع استقرار الطريق للهند بعد احتلال مصر. لورانس أوليفانت (1829-1888 ( Laurence Oliphant صهيوني غير يهودي، ومفكر يستخدم ديباجات علمانية. وهو أحد أصدقاء لورد شافتسبري السابع. عمل في السلك الدبلوماسي البريطاني بعض الوقت (في الشئون الهندية) ، كما كان عضواً في البرلمان الإنجليزي. وينطلق أوليفانت، شأنه شأن معظم الصهاينة، من فكرة الشعب العضوي المنبوذ ليدور داخل نطاق الفكر الألفي الاسترجاعي، فاليهود جنس مستقل يتسم أعضاؤه بالذكاء في الأعمال التجارية وبالمقدرة على جَمْع المال، ولكن وجودهم داخل الحضارة الغربية أمر سلبي لأن جذورهم في فلسطين. وكان أوليفانت (منطلقاً من الصيغة الصهيونية الأساسية) يرى، مثل كثير من السياسيين البريطانيين في عصره، ضرورة إنقاذ الدولة العثمانية من مشاكلها المستعصية حتى تقف حاجزاً ضد التوسع الروسي. ويمكن أن يتم ذلك عن طريق إدخال عنصر اقتصادي نشيط في جسدها المتهاوي ووجد أن اليهود هم هذا العنصر. ولذلك، دعا أوليفانت بريطانيا إلى تأييد مشروع توطين اليهود لا في فلسطين وحسب وإنما في الضفة الشرقية للأردن كذلك. وكان المشروع يتلخص في إنشاء شركة استيطانية لتوطين اليهود برعاية بريطانية وبتمويل من الخارج على أن يكون مركزها إستنبول (وقد لاحَظ بن هالبرن ـ وهو أحد مؤرخي الصهيونية المُحدَثين وأحد المؤيدين لها ـ أوجه الشبه بين هذه الخطة واقتراحات هرتزل فيما بعد ( وكانت صهيونية أوليفانت تتسم بالعملية والحركية إذ لم يكتف بطَرْح أفكاره، بل اتجه إلى فلسطين للبحث عن موقع مناسب للمُستوطَن المُقتَرح، واختار منطقة شرق الأردن شمالي البحر الميت (وتُسمَّى هذه المنطقة «جلعاد» في العهد القديم) ثم اتجه إلى إستنبول مع إدوارد كازالت (المموِّل الإنجليزي) لعَرْض مشروع سكة حديد وادي الفرات، وقدما طلباً إلى السلطان بإعطاء اليهود قطعة من الأرض بعرض ثلاثة كيلومترات على حافتي الطريق المقترح. وكانت تربط أوليفانت علاقة بعدد من الزعماء الصهاينة من اليهود في شرق أوربا مثل بيرتس سمولنسكين وأهارون ديفيد جوردون. وقد حضر مؤتمر فوكساني في رومانيا، الذي عُقد في 30 ديسمبر 1881 لمناقشة هجرة اليهود واستيطانهم في فلسطين. وكان لظهوره فعل السحر، وانتشرت آراؤه بشأن توطين اليهود في فلسطين بدلاً من الولايات المتحدة حيث كان اليهود يتهددهم الاندماج. وقام أعضاء جماعة البيلو بالاتصال به، وكتب له بعض أحباء صهيون يخبرونه بأن الخالق وحده هو الذي وضع في يده صولجان قيادة اليهود، وسموه «المخلِّص الماشيَّح» أو «قورش الثاني» . ويبدو أنه لم يكن بعيداً عن تأسيس جماعة بيلو. وقد قام أوليفانت بطرح مشروع جماعة البيلو على السلطان العثماني للحصول على قطعة أرض في فلسطين، وحضر أحد مؤتمرات جماعة أحباء صهيون، كما عارض الجهود التي كانت تبذلها جماعة الأليانس لتهجير اليهود إلى الولايات المتحدة لإنقاذهم، وقام بجَمْع توقيعات من اليهود على عريضة يؤكدون فيها رغبتهم في الهجرة إلى فلسطين لا إلى غيرها من البلدان. وبالفعل، نجح أوليفانت في تهجير سبعين يهودياً من أصحاب الحرف إلى فلسطين. وفي عام 1880، نشر أوليفانت كتابه أرض جلعاد الذي نادى فيه بضرورة توطين اليهود في فلسطين، كما شرح أبعاد فكره الصهيوني الذي أسلفنا الإشارة إليه. ومن القضايا الأساسية في الكتاب، مشروعه الخاص بسكان البلاد من العرب. فبعد أن عبَّر أوليفانت عن عدم تعاطفه مع العرب باعتبارهم مسئولين عن إفقار فلسطين، قسَّمهم إلى قسمين: بدو وفلاحين. واقترح طرد البدو ووَضْع الفلاحين في معسكرات مثل معسكرات الهنود في كندا، على أن يتم استخدامهم كمصدر للعمالة الرخيصة تحت إشراف اليهود. وقد ترجم سوكولوف الكتاب إلى العبرية عام 1886 ووزع منه 12 ألف نسخة، وهو رقم قياسي بالنسبة إلى المنشورات العبرية في ذلك الوقت، بل يُقال إنه كان أكثر الكتب المكتوبة بالعبرية شيوعاً. وقد عاد أوليفانت إلى فلسطين واستقر فيها مع سكرتيره اليهودي نفتالي إمبر مؤلف نشيد «هاتيكفاه» ، أي «الأمل» (وهو نشيد الحركة الصهيونية الذي أصبح النشيد الوطني الإسرائيلي فيما بعد) . وكان أوليفانت يهدف إلى مساعدة المستوطنين الصهاينة وإلى كتابة مجموعة من المقالات عن المستوطنات الصهيونية. وقد ألَّف بالفعل كتاباً آخر بعنوان حيفا أو الحياة في فلسطين الحديثة، ومات في هذه المدينة الفلسطينية عام 1888 (أما سكرتيره الصهيوني اليهودي فلم ترق له الحياة في فلسطين وهاجر منها إلى الولايات المتحدة ( ولا يعبِّر أوليفانت عن كرهه للشعب العضوي المنبوذ ولا عن رغبته في التخلص منه عن طريق التشهير به أو التبشير بين أعضائه كما كان شافتسبري يفعل أحياناً، وإنما عن طريق طَرْح مشروع متكامل للتهجير يتبناه اليهود بأنفسهم. كما أنه عمل على تخليص صهيونية غير اليهود من ديباجتها الدينية وإعطائها ديباجاتها العملية العلمية العلمانية، بحيث أصبح بالإمكان تداولها بين أكبر عدد ممكن من المسيحيين واليهود والعلمانيين. كما أن أوليفانت نجح في التمييز بين النزعات الصهيونية التوطينية الخيرية التي قام بها يهود الغرب المندمجون لإنقاذ يهود الشرق والتخلص منهم وبين الرؤية الصهيونية الاستيطانية التي لا تحاول إنقاذ اليهود كبشر وأفراد وإنما تنطلق من فكرة الشعب العضوي المنبوذ الذي لا مكان له في العالم الغربي ويمكن توظيفه وحوسلته لصالح الغرب عن طريق توطينه في فلسطين (وقد مرّ على هرتزل عدة سنوات وعلى يهود شرق أوربا عدة عقود قبل إدراك هذه الحقائق ( وتتميَّز صهيونية أوليفانت عن صهيونية شافتسبري باقترابها من اليهود ومحاولة التوجه إليهم وتجنيدهم. ولعل ظروف المرحلة قد ساعدته على ذلك باعتبار أن محاولات التحديث في شرق أوربا كانت في أربعينيات القرن، حينما بدأ شافتسبري نشاطه، لا تزال في بدايتها الناجحة ولم تكن قد تعثَّرت بعد، بينما بدأ أوليفانت نشاطه الصهيوني مع بدايات التعثر. وتجدر ملاحظة أن أوليفانت يتحرك في صفوف اليهود بألفة شديدة لم نشهدها من قبل بين الصهاينة غير اليهود. دانييل موردوفتسيف (1830-1905 ( Daniel Mordovtsev كاتب روسي صهيوني غير يهودي بشَّر بعودة اليهود لفلسطين. وموردوفتسيف أحد قادة الحركة القومية الأوكرانية المعروفة بعدائها العميق لليهود لأسباب تاريخية من أهمها اشتغال اليهود بالأرندا. عمل حتى عام 1866 في وظائف حكومية مختلفة، وبعدئذ انخرط في كتابة الأعمال الأدبية. زار فلسطين عام 1881 وقابل عدداً من المهاجرين اليهود الذين هربوا من مذابح أوديسا وطالب دول العالم مراراً وتكراراً بإعادة اليهود إلى فلسطين، وقد ازدادت نشاطات موردوفتسيف في هذا الصدد بعد مذابح أوائل الثمانينيات وتعثُّر التحديث. وقد ألَّف موردوفتسيف عدة قصص عن اليهود منها لماذا؟ وبين المطرقة والسندان، وهيرود. وقد أبدى تأييداً شديداً للحركة الصهيونية عند ظهورها. فيليب نفلينسكي (1841-1899 ( Philippe Newlinski صهيوني غير يهودي، بولندي الجنسية. كان يعمل صحفياً (رغم أصوله الأرستقراطية) ودبلوماسياً. ومن خلال عمله في السفارة النمساوية المجرية في القسطنطينية تعرَّف إلى العثمانيين وعرف الوضع في تركيا ودول البلقان. عاد إلى عمله الصحفي عام 1880 وأسس في فيينا جريدته الخاصة رسالة الشرق. وقد تعرَّف إلىه هرتزل عام 1896 وجنده للدعوة إلى الأهداف الصهيونية، وكان يدفع له لقاء جهوده وتعبه، ولكنه بعدئذ تحمَّس للدعوة الصهيونية وأصبح مستشار هرتزل الموثوق به. حاول نفلينسكي أن ينظم لقاءً بين هرتزل والسلطان العثماني لكنه فشل، ونجح فقط في أن يجعل البلاط العثماني يُقلِّد هرتزل نيشاناً. ولكنه نجح في تنظيم لقاء بين ولي عهد بلغاريا وهرتزل، وكذلك نجح في مقابلة ملك صربيا وإقناعه بفكرة توطين اليهود في فلسطين. وحاول أن يكسب تأييد الفاتيكان وبسمارك للقضية الصهيونية. لم يحضر نفلينسكي المؤتمر الصهيوني الأول (1897) بسبب المرض، لكنه حضر المؤتمر الثاني (1898) وخصص عموداً في جريدته الأخبار الصهيونية. أرسله هرتزل عام 1899 لمقابلة السلطان العثماني ولكنه مات أثناء عودته من المهمة. ولم يلاق نفلينسكي أية صعوبة في مقابلة الشخصيات الأوربية المهمة وإقناعها بالمشروع الصهيوني، إذ كانت أوربا والغرب في أواخر القرن التاسع عشر وبداية التقسيم الإمبريالي للعالم على استعداد تام لتَقبُّل الأفكار الصهيونية. فالمشاكل الاجتماعية الداخلية كانت آخذة في التفاقم وأعداد اليهود كانت آخذة في التزايد، وكان الاستعمار آخذاً في التوسع والتوحش وكانت الدولة العثمانية على وشك السقوط. ويليام بلاكستون (1841-1935) William Blackstone صهيوني غير يهودي، يستخدم ديباجات مسيحية وعلمانية، وهو رجل أعمال أمريكي من شيكاغو. أنفق الملايين على التبشير، وتزَّعم حملة لعودة اليهود إلى فلسطين تمهيداً لعودة السيد المسيح وبداية العهد الألفي الذهبي. وكان لكتابه يسوع قادم (1878) أثر كبير في الأوساط الشعبية البروتستانتية الأمريكية الإنجيلية، وكان من أكثر الكتب رواجاً إذ بيع منه أكثر من مليون نسخة وترجم إلى 84 لغة منها العبرية. وكان عدد الزعماء المسيحيين الذين أثار الكتاب انتباههم يفوق عدد من أثَّر فيهم أي كتاب آخر نُشر طوال عشرات السنين. وتعود أهمية بلاكستون إلى أنه نقل الصهيونية ذات الديباجة المسيحية من عالم التبشير والعقيدة إلى عالم الممارسة السياسية. زار بلاكستون فلسطين عام 1888/1889 ونظم بعدئذ اجتماعاً يهودياً مسيحياً من أجل نشر الأفكار الصهيونية. وأرسل عام 1891 مذكرة (التماساً) إلى الرئيس هاريسون بعنوان "فلسطين لليهود" يحثه فيها على إعادة فلسطين لليهود باعتبار أن هذا هو الحل الرئيسي لمشكلة مذابح واضطهاد اليهود في روسيا القيصرية وتَزاحُم المهاجرين اليهود في البلاد الأوربية. وقد طلبت المذكرة من الرئيس الأمريكي أن يستخدم وساطته مع الدول الغربية والدولة العثمانية لعقد مؤتمر دولي لمناقشة حق اليهود في فلسطين. وقد وقع على الالتماس 413 شخصية يهودية ومسيحية مرموقة في الولايات المتحدة. ويُعَدُّ هذا بداية تشكيل جماعة الضغط الصهيونية في الولايات المتحدة، ومما له دلالته أن صهيونياً غير يهودي هو العقل المدبر وراءها. وقد احتج الحاخام الإصلاحي إميل هيرش على هذا الالتماس وأعلن أن اليهود المحدثين لا يودون أن يعودوا إلى فلسطين ليكونوا أمة يهودية. ويبدو أن بلاكستون كان يتوقع مثل هذا الاحتجاج، ولذا ضمَّن مذكرته (التماسه) تحذيراً من اليهود الاندماجيين الذين يدعون للاندماج في مجتمعاتهم. وقد أرسل بلاكستون (عام 1916) مذكرة مماثلة للرئيس ويلسون. واشترك عام 1918 في مؤتمر اتحاد الصهاينة الأمريكيين في فيلادلفيا، الذي أعلن أن بلاكستون هو "أبو الصهيونية". وقد كان أعضاء المؤتمر محقين تماماً في ذلك، فنشاطه الصهيوني يسبق نشاط هرتزل ومؤلفاته كثيراً. ويليام هشلر (1845-1931 ( William Hechler صهيوني مسيحي وُلد في الهند حيث كان أبوه يعمل مبشراً مسيحياً إنجيلياً. عمل عام 1871 مبشراً في نيجيريا، ثم عمل عام 1874معلماً لأطفال فريدريك دوق بادن الأعظم عم القيصر فيلهلم الثاني قيصر ألمانيا. اشترك هشلر عام 1882 في اجتماع عقده بعض المسيحيين المرموقين لمناقشة إمكانية توطين المهاجرين من يهود اليديشية في فلسطين ثم ارتحل إلى القسطنطينية حاملاً رسالة إلى السلطان العثماني من الملكة فيكتوريا تطلب فيها السماح بتوطين يهود روسيا في الأراضي المقدَّسة. تعرَّف إلى هرتزل من كتابه دولة اليهود وهو واعظ بالسفارة البريطانية في فيينا، فأرسل خطاباً إلى دوق بادن يوصيه فيه بهذا الكتاب قائلاً: "إنه أول محاولة عملية وموضوعية وجادة لتعليم اليهود كيف يتحدون من جديد لتكوين أمة في أرض الميعاد التي وعدهم الإله بها". وبعدئذ كرَّس هشلر جهوده لإقامة علاقة بين هرتزل وكلٍّ من دوق بادن والقيصر. وثمة بُعد آخر لصهيونية هشلر، فقد كان مولعاً بالحسابات الرامية إلى تحديد نهاية العالم وبداية العهد الذهبي الألفي وتحوُّل اليهود إلى المسيحية. وقد ضمَّن هذه الحسابات كتابه استرجاع اليهود لفلسطين حسب تعاليم الأنبياء (1884) . ومن خلال حسابات الأرقام وما تصوَّره من قوة الحروف الرقمية في بعض النبوءات التوراتية والقبَّالية، توصَّل إلى أن عودة اليهود ستكون بين عامي 1897 و 1898. وقد كتب مقالاً مطولاً في جريدة دي فيلت الصهيونية حول استنتاجاته النهائية والحاسمة عن الخلاص الأبدي الوشيك، وأكد اقتناعه بأن الصهيونية هي الحل النهائي للوصول إلى الخلاص. حضر هشلر المؤتمر الصهيوني الأول (1897) ، وشكره هرتزل علناً على هذا ثم سافرا سوياً إلى فلسطين عام 1898 حيث قابلا قيصر ألمانيا وقدم له هشلر ألبوماً مصوراً عن المستوطنات اليهودية. وقد فشلت جهود هشلر للوساطة بين هرتزل وألمانيا نظراً للعلاقة الوثيقة والتحالف القائم بين الإمبراطورية العثمانية والألمان. ومن ثم، فقد أراد إقامة جسر آخر بين الصهاينة وبين الحكومات الأوربية، فحاول تنظيم مقابلة لهرتزل مع قيصر روسيا (عدو العثمانيين اللدود) من خلال شقيق زوجة القيصر. كان هشلر يحتفظ في منزله بمتحف صهيوني من مقتنياته عربة مونتفيوري، وبعد موته أوصى بالمتحف لمتحف أرض إسرائيل. وقد تم نَقْل المتحف وعُرض في القدس. ونلاحظ أن هشلر هو التجسيد الكامل للفكر الصهيوني ذي الديباجة المسيحية، فتربيته المسيحية القبَّالية تجعله يعتقد في القدرة السحرية للأفكار، وضرورة التنفيذ الحرفي للنبوءة، فالعهد القديم لا يحوي صوراً مجازية أو مجاز، وإنما هو نص مقدَّس لابد من تنفيذه حرفياً، وكان اهتمامه باليهود من قبل الخطوات التمهيدية للتخلص منهم، فلابد من عودتهم إلى أرض الميعاد ليأتي المسيح ثانيةً ويخلِّصهم من الشر الكامن فيهم عضوياً. ونلاحظ أيضاً أن الجو العام في أوربا كان مهيئاً جداً لسماع الأفكار الغيبية المشيحانية (البلهاء) عند هشلر، وقد كان من السهل عليه مقابلة ملكة إنجلترا وقيصر ألمانيا وقيصر روسيا بل الحصول على وعود منهم. ومن ثم، فإننا نستطيع أن نرى بوضوح طبيعة هذه الفترة في تاريخ الحضارة الغربية التي سادها خليط من الأفكار العرْقية والعلمية والقبَّالية هيمنت فيها الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية التي تجعل الآخر أداة وضحية. تشارلز سكوت (1846-1932 ( Charles Scott صهيوني غير يهودي وصحفي بريطاني وُلد في اسكتلندا، وكان يمتلك صحيفة المانشستر جارديان ويعمل رئيساً لتحريرها، وكان عضواً ليبرالياً في البرلمان (1895 ـ 1906) . قابل ايزمان عام 1914 وقدمه للويد جورج وهربرت صمويل وعدد آخر من الساسة البريطانيين، ومن ثم فقد ساعد وايزمان وأصدقاءه في مداولاتهم مع الحكومة البريطانية التي أدَّت إلى صدور وعد بلفور. كتب سكوت خطاباً لهاري ساخر يشرح فيه موقفه من الصهيونية فقال: "يجب أن نجعل اليهودي يهودياً كاملاً [وهو ما يعني أن وجوده في أي بلد خارج فلسطين يجعله يهودياً ناقصاً، فهو عضو في شعب عضوي منبوذ] . ولا يمكن إنجاز هذا الأمر إلا بأن يُحسِّن صورته في عينيه وفي عيون العالم [وهو ما يعني أن صورته غير مرضية على الإطلاق بالنسبة للعالم وبالنسبة لنفسه، أي أنها غير مرضية بشكل موضوعي] ". ويرى سكوت أن الوقت قد حان لتنفيذ هذا المشروع. وبعد أن دخلت تركيا الحرب العالمية الأولى، أكد سكوت أهمية فلسطين بالنسبة للمصالح البريطانية (الدولة الوظيفية ( كلود كوندر (1848-1910) Calaude Conder ضابط بريطاني كان مسئولاً عن عملية مسح شمال فلسطين بالنيابة عن صندوق استكشاف فلسطين (وكان يُعَدُّ أحد مؤسسيه) مع تشارلز وارين. وقد ألَّفا معاً كتاباً من عدة أجزاء عنوانه مسح فلسطين الغربية. وقد قام العرب بالهجوم عليه وإصابته بالقرب من صفد عام 1875. وفي دراسته السابقة ركز كوندر على دراسة مصادر المياه فيها والتثبت من أماكن هذه المياه وحجمها، فقام هو والملازم كتشنر (اللورد كتشنر فيما بعد) بمَسْح منطقة الخليل. لم يكن نشاط كوندر (أو سير تشارلز وارين) علمياً محايداً، ولم يَقصُر نشاطه على التنقيب، بل كانت له ميول صهيونية واستعمارية واضحة. فقد أبدى اهتماماً بمشاريع السكك الحديدية المرتبطة تماماً بالمشروع الاستعماري. وكان يذهب إلى أن الهدف من تأسيس صندوق استكشاف فلسطين هو توضيح ما جاء في التوراة، وهي عبارة تعني عادةً التفسير الحرفي العسكري للتاريخ المقدَّس الذي ورد في التوراة. ومن أهداف الصندوق الأخرى ـ حسب تصوُّره ـ مساعدة اليهود الذين سيكونون سكان البلاد في المستقبل، إذ سيزودهم الصندوق بالحقائق الثابتة عن طاقات وإمكانيات البلاد. وقد تَعاوَن كوندر بالفعل مع أحباء صهيون ولورنس أوليفانت. وساهم في عملية بعث التسميات التوراتية القديمة وتحديد مواقعها الحديثة. وفي عام 1892 قام بحملة تأييد للاستيطان اليهودي في فلسطين وذلك لتخفيف أثر ازدياد هجرة يهود شرق أوربا إلى إنجلترا. أما سير تشارلز وارين فكان ينادي بأن فلسطين تصلح لاستيعاب عشرة ملايين مستوطن يهودي (من فائض أوربا اليهودي ولا شك) كَتب كوندر عدة كُتب، من أهمها كتاب عن تاريخ المملكة اللاتينية ُينوِّه فيه بأن الحملات الصليبية (أي حملات الفرنجة) حملات متحضرة وإلى أن مملكة القدس كانت نموذجاً للحكم العادل والمعتدل (تماماً مثل الحكم البريطاني في الهند) ، أي أنه وضع حملات الفرنجة في إطارها الاستعماري. وكان يذهب إلى أن الاستعمار الإنجليزي قد أكمل ما فشل فيه الفرنجة، فقد عادت قبرص إلى الأمة التي غزتها أيام ريتشارد قلب الأسد، ونجح الإنجليز فيما أخفق فيه الملك لويس باحتلالهم مصر، ولم يَعُد الشرق قادراً على صد الهجمات التجارية أو العسكرية الغربية، أي أن الوقت قد حان لعودة اليهود إلى فلسطين مع انتشار الاستعمار الغربي الأنجلو ساكسوني! وقد أصدر صندوق استكشاف فلسطين كتاباً بعنوان المدينة والأرض (1892) ساهم فيه كوندر بدراسة عنوانها «مستقبل فلسطين» يعرض فيها مشروعاً صهيونياً مؤكداً فيه أن العنصر الفعال الوحيد القادر على النهوض بفلسطين وبمدينة القدس هم اليهود. وأشار إلى أن نهضة يهودية قد بدأت في الأرض المقدَّسة، فبعد أن كان عدد اليهود لا يتجاوز المئات عام 1793 أصبح عددهم أربعين ألفاً عام 1892، ولم يعودوا أقلية مضطهدة جبانة وإنما أصبحوا يسيطرون على التجارة في القدس. وتنبأ كوندر بزيادة المستوطنات الزراعية اليهودية. وكلما ازداد رأس المال الأوربي والمستوطنون الأوربيون ازداد استقلال فلسطين عن الدولة العثمانية وسيعود اليهود باعتبارهم عرْقاً مستقلاً يعتمد على نفسه وهي عودة لا تعارضها الحكومات الغربية وإنما تنظمها. وإن أعاق أحد هذه العودة فينبغي حلها في قرقميش ومجدو (هرمجدون) ، أي بقوة السلاح. وهكذا تلتقي التوراة بالسيف، كما هو الحال دائماً في الخطاب الصهيوني ذي الديباجات المسيحية. إيان سمطس (1870-1970 ( Jan Smuts صهيوني غير يهودي وسياسي ومحارب ومفكر من جنوب أفريقيا. شارك في حرب البوير (1904 ـ 1905) ثم شارك في حكومة الحرب البريطانية في الحرب العالمية الأولى. كان صديقاً شخصياً لحاييم وايزمان وداعية صهيونياً كبيراً. عمل على استصدار وعد بلفور لتحويل فلسطين إلى وطن لليهود وعلى فرض الانتداب على فلسطين. وكان سمطس يَعتبر وعد بلفور أعظم ما خرجت به الحرب من إنجازات. وقد ساعد على إنشاء الفيلق اليهودي وقال لجابوتنسكي عام 1917: "إن أحسن فكرة سمعتها في حياتي هي أن على اليهود أن يحاربوا من أجل أرض إسرائيل". وكان سمطس يعتقد أن الحركة الصهيونية تجسيد جديد لدولة جنوب أفريقيا التي حارب من أجلها عام 1904. وكان سمطس عنصرياً عنيفاً شرساً حين تولَّى رئاسة الوزارة في جنوب أفريقيا (1919 ـ 1924، 1939 ـ 1948) ، فطبَّق أشد قوانين العزل العنصري قسوة وذُبح على يديه الآلاف من السود والملونين (فجنوب أفريقيا أرض بلا شعب، تماماً مثل فلسطين بالنسبة للصهاينة) . اعترف سمطس بدولة إسرائيل فور إعلانها. ولا نستطيع أن نقول إن ثمة فكراً محدداً لسمطس، ولكن يُلاحَظ أن عنصريته التي تترجم نفسها إلى رفض للآخر (الذي يقع خارج نطاق القداسة) تضرب بجذورها في نسق حلولي عضوي، فهو يأخذ بالتفسيرات الحرفية للعهد القديم ويوظفها في تبرير استيطان الرجل الأبيض في أفريقيا واليهودي في فلسطين. جوسيا ودجوود (1872-1943 ( Josiah Wedgwood سياسي بريطاني صهيوني غير يهودي، وهو أول بارون من أسرة ودجوود. كان عضواً في البرلمان عن حزب الأحرار منذ 1906 وحتى 1919، ومنذ 1919 عن حزب العمال، وكان صديقاً لجابوتنسكي. شارك في الجهود السياسية التي أدَّت إلى وعد بلفور، وكان يرى أن الصهيونية حركة ستعيد لليهود "تلك الثقة القومية الجماعية التي يبدو أنهم يفتقرون إليها". وأثَّر ودجوود في البعثة الأمريكية في مؤتمر السلام في فرساي وسافر بين الحربين في عدة مهمات صهيونية. ورأى ودجوود أنه ينبغي إقامة دولة يهودية حدودية على ضفتي الأردن.. تصير عضواً في الكومنولث البريطاني. وقال: لو تخلت الحكومة البريطانية عن الصهيونية لإرضاء العرب، فسوف يكون هذا ضد مصالحها الحقيقية، وعلى اليهود أن يحاربوا هذا بكل الطرق المتوافرة لديهم، مشروعة كانت أم غير مشروعة. في عام 1926، قام ودجوود بجولة في الولايات المتحدة من أجل الصندوق التأسيسي الفلسطيني، وقد نشر فيما بعد أحاديثه هناك في كتيب بعنوان فلسطين: الحرب من أجل الحرية والمجد اليهوديين. وفي عام 1928 نشر كتابه فلسطين: الحكم السابع دعا فيه إلى إقامة سلطة يهودية ذات إدارة ذاتية في فلسطين، على أن تكون جزءاً من الإمبراطورية البريطانية. وفي عام 1929، أسَّس لجنة الحكم السابع التي انضم إليها عدد من أعضاء البرلمان. عبَّر ودجوود الأفكار الصهيونية ودافع عنها في مجلسي العموم واللوردات، كما شجع الهجرة غير الشرعية إلى فلسطين من أجل توطين أبناء "موسى والأنبياء" فيها. ومن أغرب الجوانب في فكر ودجوود نظرته للصلة بين البريطانيين واليهود. فكلاهما ـ في رأيه ـ يعمل بالربا، وأعضاء الشعبين "يتجولون" بين الشعوب الأخرى تجاراً، ويكنون الاحتقار لمن يتعاملون معهم. ومن ثم، فهم لا يتمتعون بمحبة الآخرين، وعلى استعداد دائم لاستخدام كتبهم المقدَّسة لتبرير كل ما يحتاجون إلى تبريره في علاقتهم بالجنس البشري. ويُلاحَظ أن أفكار ودجوود رغم حماسها الشديد في تأييد الصهيونية لا تخلو من نظرة احتقار لليهود. هربرت سايدبوثام (1872-1940 ( Herbert Sidepotham صهيوني غير يهودي. توصَّل إلى الصيغة الصهيونية الأساسية دون معرفة سابقة بأي يهود، كان يعمل محرراً في المانسشتر جارديان مع تشارلز سكوت. نشر عدة مقالات في المجلة كانت أهمها في 22 نوفمبر 1915 حيث بيَّن أهمية فلسطين، وقد كتب هذه المقالات في وقت بدأ فيه التفكير في تقسيم الدولة العثمانية، فأبرز أهمية فلسطين. وقد اشترك في تأسيس مجلة فلسطين التي كانت تهدف إلى تعريف أعضاء النخبة في إنجلترا بفلسطين. وقد أثارت مقالاته في الجارديان انتباه وايزمان الذي التقى به عام 1916. ويدور فكر سايدبوثام في إطار فكرة الشعب العضوي المنبوذ، فهو يستخدم اصطلاحي «يهودا» و «السامرة» للإشارة إلى فلسطين. والواقع أن هذا ينبع من تصوُّره أن فلسطين ليس لها وجود قومي أو جغراسي مستقل عن اليهود. وبالنسبة إليه، فإن فلسطين ليست مهمة بالنسبة لليهود الذين يعيشون فيها وحسب، وإنما هي كذلك بالنسبة لكل يهود العالم ـ أي الشعب اليهودي ـ هذا الشعب القديم العريق صاحب الحضارة المرتبطة عضوياً بفلسطين. بل إن حضارة هذا الشعب هي الحضارة الطبيعية الوحيدة التي يمكن أن تنشأ هناك، الأمر الذي يعني هامشية الحضارة العربية غير اليهودية. ولذا، يذهب سايدبوثام إلى أن بلفور، حين أطلق مصطلح «وطن قومي» على فلسطين، فهو لم يكن يعطي اليهود شيئاً يخص شعباً آخر. هذا هو الشعب العضوي، ولكن الشعب العضوي المرتبط بفلسطين شعب منبوذ. فحضارته هي وحدها التي يمكن أن تحل محل الحضارة التركية، وهذا هو سر نَفْع اليهود إذ يمكن توطينهم داخل إطار الدولة الوظيفية في فلسطين ذات الأهمية الإستراتيجية والسياسية بالنسبة لإنجلترا. ولكل هذا، يلخص سايدبوثام مواقف صهيونية غير اليهود بشكل مدهش في قوله: "إن الحجة من أجل الصهيونية قوية جداً بالنسبة لأمتنا (الإنجليزية) حتى أن الواجب ليدعونا أن نوجدها لو لم تكن موجودة بيننا"، وهو يعني هنا أن اليهود كمادة استيطانية شيء يوجد في عقل أوربا وفي رؤيتها الإمبريالية للكون واليهود. وماذا عن السكان الأصليين، أي العرب؟ يُلاحَظ تغييب العرب تغييباً تدريجياً في مصطلح سايدبوثام. وفي حديثه عن علاقة الشعب العضوي بفلسطين تتقرر نهاية العرب المحتومة حينما يشير سايدبوثام إلى ما يسميه عرب فلسطين البدائيين ... فهم جنس أكثر ضعفاً وتنوعاً من "عرب اليمن والحجاز" (وكلمة «تنوع» هنا تعني «عدم التجانس» ، وعدم التجانس كان يُعدُّ عيباً أكيداً من منظور القومية العضوية ( رينهولد نيبور (1892-1971 ( Reinhold Niebuhr رجل دين بروتستانتي أمريكي له دراسات اجتماعية مهمة. صاغ نيبور أفكاره الأخلاقية والدينية في الفترة هي 1941 ـ 1943 في مجموعة مقالات ومحاضرات أهمها طبيعة ومصير الإنسان أو ما عُرف باسم» محاضرات جيفورد « وقد أعلن نيبور غير مرة أن واقعيته ذات الطبيعة المشيحانية قد غذتها قراءات أقوال الأنبياء العبرانيين، وقال: "لقد عملت كرجل دين مسيحي على تقوية المحتوى العبراني النبوءاتي للمنهج المسيحي". وعبَّر نيبور عن مفهومه لليهودية ورفضه الحاسم للنشاط التبشيري المسيحي بين اليهود في الفصل السابع من كتابه أمريكا التقية والعلمانية (1958) . وقد دعا، منذ عام 1941، لإقامة وطن قومي لليهود، وخصوصاً اللاجئين الأوربيين، وذلك رغم ترحيبه باللاجئين في أمريكا. وقد منحته الجامعة العبرية في القدس درجة الدكتوراه الفخرية عام 1967. ويطلق عليه تشومسكي "مُنظِّر العنصرية الأمريكية الأول". تشارلز وينجيت (1903-1944 ( Charles Wingate ضابط بريطاني صهيوني مسيحي، وُلد في الهند لعائلة ذات تاريخ في عمل الإرساليات المسيحية. بعد انضمامه للجيش في سن العشرين أُرسل عام 1927 إلى السودان حيث بقي حتى عام 1933، وتعلَّم أثناء ذلك اللغة العربية ولكنه لم يستطع قط التغلب على كراهيته العميقة للإسلام والقرآن، وكان جده مبشراً. وفي عام 1936، نُقل إلى فلسطين كضابط مخابرات، لدراسة الموقف السياسي والعسكري، وهناك ظهر حماسه الشديد للصهيونية، ولكنه كان كمعظم الصهاينة غير اليهود ممن يفسرون أحداث العهد القديم تفسيراً حرفياً عسكرياً كأنها حدثت بالأمس (على حد قول بن جوريون) . وقد أشرف على تنظيم وتدريب الفرق الليلية الخاصة التابعة للهاجاناه وكانت له دراية خاصة بأساليب التعذيب وحصل لقاء ذلك على وسام الخدمة المتميِّزة البريطاني. كما ساهم في تطوير عمل المخابرات الصهيونية حيث أمد مصلحة المعلومات ببيانات وافية عن أوضاع الفلسطينيين وأبرز قياداتهم المناهضة للاستيطان الصهيوني والاحتلال البريطاني. وقام وينجت بدور مهم في تطوير الأساليب التي استخدمها الصهاينة في حملاتهم الإرهابية ضد الفلاحين الفلسطينيين، وقد تركت أساليبه غير التقليدية بصمات واضحة على العمل العسكري الصهيوني فيما بعد. وبلغ اعتناقه الصهيونية درجة إعرابه عن ضيقه لعدم اتخاذ الحركة الصهيونية مواقف أكثر تحقيقاً لأهدافها، ولهذا أطلق عليه الصهاينة اسم «الصديق» و «لورانس يهودا» . وفي ربيع 1938، أدلى وينجت بشهادة أمام لجنة ودهيد في القدس فذكر أن أي تَقدُّم قام به العرب في فلسطين إنما يرجع لليهود، وأن دولة صهيونية صناعية حديثة تحت الحماية البريطانية سوف تحمي الوجود البريطاني في المنطقة، وستمثل خير أمل للعالم الغربي. وقد نُقل وينجت من فلسطين عام 1939، وعند عودته إلى بلاده التقى بعدد من كبار القادة العسكريين البريطانيين وعبَّر لهم عن رأيه بأن الطريقة الوحيدة أمام بريطانيا لاستعادة السلام في فلسطين هي أن تَتبنَّى سياسة ممالئة للصهيونية. ومع نشوب الحرب العالمية الثانية، رغب وينجت في تولِّي قيادة جيش يهودي وعرض تكوين جيش من 60.000 مقاتل يهودي يتولَّى طرد إيطاليا من شمال أفريقيا، إلا أن عرضه لم يلق موافقة. وقد عمل وينجت عامي 1940 و 1941 قائداً لقوات خاصة في إثيوبيا، ثم أُرسل إلى الهند لتنظيم فرقة تتولَّى القيام بعمليات خلف الخطوط اليابانية في بورما. وقد قُتل وينجت في حادث طائرة ببورما، ويُطلَق اسمه الآن على عدة أماكن في إسرائيل (قرية للأطفال ـ كلية التربية البدنية ـ ميدان في القدس ـ غابة أقامها الصندوق القومي اليهودي) . |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
الصهيونية التوطينية: تعريف
Settlement Zionism: Definition » الصهيونية التوطينية «هي صهيونية اليهودي الذي يرفض الهجرة إلى فلسطين والاستيطان فيها، ومع هذا يستمر في الادعاء بأنه صهيوني وتأخذ "صهيونيته" المزعومة شكل دَعْم الدولة الصهيونية مالياً وسياسياً والمساهمة في توطين اليهود الآخرين. ونحن نضع «الصهيونية التوطينية» مقابل «الصهيونية الاستيطانية» . وتاريخ الصهيونية التوطينية منفصل إلى حدٍّ كبير عن تاريخ الصهيونية الاستيطانية، كما أن جماهير الأولى مختلفون بشكل جوهري عن جماهير الثانية. وترجمة كلمة «توطينية» باللغة الإنجليزية صعبة بعض الشيء ويمكن أن تكون «ستلنج Settling» بمعنى «من يقوم بتوطين آخر» ، ولكننا ترجمناها بكلمة «ستلمنت Settlement» نظراً لسلاستها، ونظراً لأنها استُخدمت بهذا المعنى في أسماء المنظمات الصهيونية التوطينية على أن نترجم كلمة «صهيونية استيطانية» بـ «ستلركولونيال زايونيزم Settler Colonial Zionism» . الصهيونية التوطينية: تاريخ Settlement Zionism: History «الصهيونية التوطينية» مصطلح قمنا بسكه لنشير إلى الصهيوني الذي يؤمن بأن الصيغة الصهيونية الأساسية (َقْل بعض أو كل يهود أوربا خارجها) تنطبق على يهودي أو صهيوني آخر ولا تنطبق عليه هو شخصياً. وتقف صهيونية مثل هذا الصهيوني عند حد الدعم المالي والسياسي للمشروع الاستيطاني دون الهجرة بنفسه، أي أنه يتخلى عن التطبيق الفعلي لأحد أهم جوانب الصهيونية (الاستيطانية) دون التخلي عن تأييده ودعمه. ولذا، فإن الصهيونية التوطينية هي أهم أشكال التملص اليهودي من الصهيونية. والواقع أن تاريخ الصهيونية التوطينية مواز تماماً لتاريخ الصهيونية الاستيطانية وينقسم إلى مرحلتين أيضاً: مرحلة ما قبل هرتزل وبلفور وما بعدها. المرحلة الأولى: مرحلة ما قبل هرتزل وبلفور. 1 ـ صهيونية غير اليهود: وهي صهيونية توطينية بطبيعتها، إذ أن المادة البشرية المُستهدَفة هي اليهود وهم جماعة لا ينتمي إليها الصهيوني غير اليهودي. 2 ـ صهيونية الأثرياء اليهود المندمجين وتُسمَّى أيضاً الصهيونية الخيرية: تبنَّى بعض أثرياء الغرب الصيغة التوطينية بهدف إبعاد يهود اليديشية المهاجرين إلى بلدهم. وقد أُسِّست مؤسسات توطينية لهذا الهدف. ثم ظهر هرتزل وطوَّر الخطاب الصهيوني المراوغ وطرح صيغته الصهيونية والعقد الصهيوني الصامت الذي يسمح للصهاينة التوطينيين من الغرب والاستيطانيين من يهود اليديشية من الشرق بالانخراط في حركة سياسية واحدة (رغم تباين الأهداف) تحت مظلة الإمبريالية الغربية. ويتبنَّى الجميع (الصهاينة اليهود والصهاينة غير اليهود التوطينيون والاستيطانيون) الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة، ويُسقط عليها اليهود منهم الخطاب الحلولي الكموني العضوي. وقد أخذ وعد بلفور في الاعتبار هذا الانقسام حين أسقط كلمة «الجنس اليهودي» وحين أكد أن الوعد لم يخل بالحقوق والأوضاع القانونية التي يتمتع بها اليهود في أية دولة أخرى. المرحلة الثانية: مرحلة ما بعد هرتزل وبلفور. أصبحت الصهيونية التوطينية هي صهيونية الشتات أو الدياسبورا إذ تحوَّلت الصهيونية التوطينية من صهيونية الأثرياء إلى صهيونية كل صهاينة العالم الغربي، وأصبحت مهمتهم العمل من أجل دعم المُستوطَن الصهيوني (مالياً وسياسياً) . وقد كانت هناك توترات بين الاستيطانيين والتوطينيين في هذه المرحلة ولكنها ظلت تحت السطح بسبب حاجة المستوطنين للتوطينيين، وبسبب انشغالهم في قضية الاستيطان وطَرْد العرب وبسبب عجزهم عن الحركة بسهولة بين أعضاء الجماعات اليهودية في العالم وفي أروقة الحكومات الغربية. وبعد عام 1913 (المؤتمر الصهيوني الحادي عشر) ، تتغير الصورة بعض الشيء، إذ يصبح الاستيطانيون (من شرق أوربا) قادة الحركة الصهيونية بلا منازع وتكتسب صهيونية الدياسبورا مضموناً جديداً وهو قضية الهوية إذ يصبح تقسيم العمل كما يلي: يدعم الصهاينة التوطينيون المُستوطَن الصهيوني ويصبح هو مركزاً للهوية اليهودية وركيزة أساسية لها. وفي هذه الموسوعة، حينما تكون الإشارة للصهيونية التوطينية، فإن الإشارة تكون عادةً للمرحلة الثانية التي تتضمن الدعم المالي والضغط السياسي من أجل المُستوطَن الصهيوني وتدعيم هوية يهود الخارج. وينقسم الصهاينة التوطينيون إلى اثنيين دينيين وإثنيين علمانيين. الصهيوني اليهودي غير اليهودي Non-Jewish Jewish Zionist «الصهيوني اليهودي غير اليهودي» مصطلح قمنا بصياغته لوصف بعض زعماء الحركة الصهيونية في مرحلة تأسيسها، كما يمكن استخدامه لوصف كثير من جماهير الصهيونية في الوقت الحالي. و «اليهودي غير اليهودي» هو يهودي فقد الإيمان الديني، ومن ثم فإنه لا يمارس شعائر دينه، كما أنه اندمج تماماً في مجتمعه بحيث لم يَعُد يتسم بأية سمات إثنية يمكن أن يُطلَق عليها «يهودية» إذ لم يبق من هذه الهوية إلا قشرة رقيقة لا أهمية لها، ولكنه رغم ذلك يُصنَّف باعتباره يهودياً إما لأن الآخرين يقومون بتصنيفه كذلك رغماً عنه أو لأنه يدَّعي ذلك. ونحن نذهب إلى أن مؤسسي الحركة الصهيونية من ذوي الخلفية الألمانية (هرتزل ونوردو ونوسيج) هم يهود غير يهود فقدوا كل ما يربطهم باليهودية، ولكنهم وجدوا أنفسهم، بسبب هجرة يهود اليديشية، قد أُعيد تصنيفهم كيهود. وبدأ الهمس بشأن تهديد «اليهود» للأمن القومي، ولذا فقد بدأ هؤلاء في البحث عن حل لمسألتهم اليهودية التي فُرضت عليهم فرضاً. وقد كانت الصيغة الصهيونية الأساسية مطروحة في أوربا، فقام هرتزل باكتشافها واكتشاف الإمبريالية كآلية لتنفيذها وطوّر صياغته الهرتزلية المراوغة التي جعلت بإمكان يهود شرق أوربا قبول الصيغة الأساسية الشاملة وتهويدها. وكان بإمكان هرتزل اليهودي غير اليهودي أن يلعب هذا الدور لأنه كان يُعَد يهودياً في نظر عالم غير اليهود (بسبب القشرة اليهودية المتبقية) ، كما كان يُعَد غربياً من قِبل يهود شرق أوربا إذ لم يروا فيه شيئاً يهودياً. ولذا، أمكن هرتزل أن يقوم بدور الجسر الموصل بين هذين العالمين. ورغم الاختلاف بين هرتزل وأثرياء الغرب المندمجين، فإن هؤلاء أيضاً كانوا صهاينة يهوداً غير يهود وجدوا أنفسهم مشغولين بحل المسألة اليهودية رغم أنفهم ومتورطين في الحلول الصهيونية. ويُلاحَظ أن القيادة الصهيونية اليهودية غير اليهودية كانت دائماً مشغولة بإفراغ أوربا من اليهود وفي أسرع وقت وكانت لا تكترث إلا قليلاً بطبيعة الدولة الوظيفية المزمع إنشاؤها بتوجهها الإثني أو الديني أو العقائدي. ويمكن القول بأن صهيونية هؤلاء اليهود غير اليهود لا تختلف كثيراً عن صهيونية غير اليهود، فكلاهما ينظر للمادة البشرية المُستهدَفة من الخارج، وكلاهما يحاول تخليص أوربا منها وتوظيفها لصالحها ولا يرى لها أية قيمة في حد ذاتها. وحينما تم تهويد الصيغة الصهيونية الأساسية واستبطنتها المادة البشرية، استولت القيادات من يهود شرق أوربا على المنظمة الصهيونية وتخلَّى الصهاينة اليهود غير اليهود عن القيادة بالاستمرار في الدعم المالي والمعنوي، شأنهم في هذا شأن دول العالم الغربي. وبعد تأسيس الدولة، وبعد استيلاء الصهيونية على مقاليد الأمور بالنسبة للجماعات اليهودية والغرب، حَدَث تطوُّر من نوع آخر إذ ظهر في الغرب اليهودي غير اليهودي مدَّعي اليهودية. وقد انضمت أعداد كبيرة من هؤلاء للحركة الصهيونية للحفاظ على بقايا هويتهم. وقد قبلتهم الحركة الصهيونية حتى يمكنها الاستمرار في ابتزازهم مالياً وتوظيفهم في دعم المُستوطَن الصهيوني وفي الضغط السياسي من أجله. ومثل هؤلاء الصهاينة اليهود غير اليهود على استعداد تام للقيام بهذه المهمة ما دامت لا تؤدي إلى وضع ولائهم لأوطانهم موضع الشك وما دامت لا تضطرهم إلى الهجرة، وهو ما يعني أن نشاطهم الصهيوني يدور في نطاق المصالح الغربية والعقد الاجتماعي الغربي. ولذا، يمكن القول بأن صهيونية اليهود غير اليهود (رغم اختلاف جذور اليهودية المزعومة من القسر الخارجي إلى الادعاء الذاتي) لم تتغيَّر، وهي امتداد غربي داخل اليهود واليهودية وليست امتداداً يهودياً داخل الحضارة الغربية. صهيونية الصالونات Salon Zionism «صهيونية الصالونات» اصطلاح سكه المفكر الصهيوني العمالي بوروخوف، ويشير إلى صهيونية أعضاء الطبقة الوسطى اليهود الذين لا يوجد لديهم حافز قوي لتأسيس الدولة الصهيونية، ولذا فهم يتحدثون عنها ولكنهم، بسبب موقعهم الطبقي، لن يبحثوا بشكل جذري عن طريقة عملية لتأسيسها. ولم يجد المصطلح رواجاً ولم يستخدمه أحد في الأدبيات الصهيونية رغم أهميته، وهو يكاد يرادف مصطلح «الصهيونية التوطينية» . صهيونية أثرياء الغرب اليهود المندمجين (لتوطينية ( Settlement Zionism of the Assimilated Wealthy Jews of Western Europe «صهيونية أثرياء الغرب» شكل من أشكال الصهيونية التوطينية (بين اليهود في مرحلة ما قبل هرتزل وبلفور) ظهرت بين أثرياء الغرب اليهود المندمجين. وقد كان هؤلاء الأثرياء بمنزلة قيادة ليهود العالم بسبب نفوذهم المستمد من ثروتهم وتواجدهم في مواقع مهمة داخل التشكيل الحضاري الغربي، فهم كانوا لا يزالون يلعبون دور الوسيط (شتدلان) التقليدي، ويتشفعون لأعضاء الجماعات اليهودية عند الحكام والسلطات الرسمية. ولعل حادثة دمشق وتدخُّل موسى مونتفيوري من أهم الأمثلة على ذلك. ومع النصف الأخير من القرن التاسع عشر، تدفَّق يهود اليديشية من شرق أوربا على غربها وتحوَّلت القضية بالتدريج من مجرد تشفُّع لهذا اليهودي أو تلك الجماعة إلى قضية توطين اليهود في أماكن متفرقة من العالم، أي أنها أصبحت قضية الصهيونية التوطينية. والواقع أن تبنِّي أثرياء الغرب المندمجين أحد أشكال الصهيونية ينم عن تناقض عميق، إذ أن طبيعة وضعهم في مجتمعاتهم كان يستند إلى تصوُّر أنهم أعضاء أقلية دينية وحسب لا يربطهم بأعضاء الجماعات اليهودية الأخرى سوى رباط واه، وأن ولاءهم يتجه لأوطانهم بالدرجة الأولى والأخيرة، وأن هويتهم القومية (الإنجليزية أو الفرنسية مثلاً) لا علاقة لها بانتمائهم الديني ولا تتأثر به. وهم في اندماجهم هذا يُعدُّون مثلاً حياً لانتصار المُثُل الليبرالية وعلى مدى عظمة الحضارة الغربية. ولكنهم بتورُّطهم في مشروع صهيوني (حتى لو كان توطينياً) ، يقرون ضمناً بوحشية الحضارة الغربية التي تقتلع أعضاء الأقليات التي تعيش بين ظهرانيها وبفشل المُثُل الليبرالية ومُثُل الاندماج والتحديث. ولكن أثرياء الغرب المندمجون وقعوا في هذا المأزق لأسباب خارجة عن إرادتهم، فرغم عدم تَماثُل تجربة أثرياء الغرب مع التجربة اليديشية الحضارية والسياسية، ورغم أن مصير أعضاء كل جماعة كان مرتبطاً تماماً بالحركيات التاريخية لمجتمعهم، ومع تعثُّر التحديث في شرق أوربا (وهو تعثُّر صاحَبه انفجار سكاني حاد بين أعضاء الجماعات اليهودية) خرج مئات الألوف بل الملايين من اليهود الفائضين من شرق أوربا ووصلت جحافلهم إلى النمسا وفرنسا وشواطئ بريطانيا. وقد هدَّد هؤلاء اليهود المواقع الطبقية والمكانة المتميِّزة الجديدة التي كان يشغلها يهود الغرب المندمجون. بل يُقال إنهم كانوا يهددون الأمن الاجتماعي للدول التي يهاجرون إليها. وهنا حدث التشابك بين «مصير» يهود شرق أوروبا وأثرياء يهود الغرب (و «تشابك المصير» يختلف عن وحدة المصير التي يتحدث عنها الصهاينة) ، فيهود الغرب نظروا إلى القادمين على أنهم (على أسوأ تقدير) خطر يتهددهم أو على أنهم (على أحسن تقدير) إخوة في الدين سيئو الحظ يستحقون الإحسان. وقد عبَّر ذلك عن نفسه من خلال مشاريع صهيونية توطينية يمولها يهود الغرب لإغاثة يهود الشرق وللتخلص منهم في الوقت نفسه. وقد كان أثرياء اليهود في الغرب، مثل روتشيلد وهيرش ومونتفيوري، على استعداد لتمويل مشروعات لتوطين يهود شرق أوربا في أية بقعة خالية (أو يُتصوَّر أنها خالية) خارج أوربا (مثل الأرجنتين) وظهرت المؤسسات التوطينية اليهودية المختلفة التي كان يدعمها هؤلاء الأثرياء (مثل الأليانس وجمعية الإغاثة التي كانت تهدف إلى توطين اليهود في مختلف أنحاء العالم وإلى تحسين أحوال أعضاء الجماعات اليهودية، وخصوصاً في شرق أوربا في أوطانهم بما يكفُل عدم هجرتهم) . وكانت هذه المؤسسات تقوم بتدريب أعضاء الجماعات اليهودية حتى يمكنهم إما التكيف مع الأوضاع الاقتصادية الجديدة في أوطانهم الأصلية أو العمل في مهنة جديدة تحتاج إليها الأوطان الجديدة التي وُطِّنوا فيها. ويجب تأكيد أن هذه المشاريع والمساعدات التي يمكن أن نطلق عليها «الصهيونية الخيرية» أو «صهيونية الإغاثة والإنقاذ» كانت تتسم بما يلي: 1 ـ قلّصت الصهيونية التوطينية نطاق اهتمامها، فهي لا تهتم باليهود ككل، وإنما بيهود شرق أوربا وحسب، وخصوصاً الفقراء الذين يتم توجيه عملية الإنقاذ والإغاثة إليهم وحدهم (أما يهود الغرب أنفسهم فيتم إنقاذهم من يهود اليديشية. وقد لاحَظ هرتزل أن الصهيونية التوطينية تتضمن نزعة معادية لليهود ( 2 ـ تتم عملية الإنقاذ بشكل عملي برجماتي خارج أي مشروع قومي أو سياسي يهودي مستقل، فالصهيونية التوطينية معادية لما يُسمَّى «القومية اليهودية» ، ولذا فإن مشاريعها لم تكن مرتبطة بفلسطين أو أرض الميعاد ولا بالأفكار الدينية اليهودية التقليدية ولا باللغة العبرية، وكانت الأليانس (على سبيل المثال) تدافع عن استخدام الفرنسية. 3 ـ يُلاحَظ أن كل شخصية، وكل جمعية صهيونية خيرية، كانت تتبع في نشاطها الدولة الأوربية التي تنتمي إليها، فالأليانس كانت تتبع فرنسا وتحاول الدفاع عن المصالح والثقافة الفرنسية، على عكس جمعية الإغاثة التي كانت تحاول الدفاع عن المصالح والثقافة الألمانية، وبهذا يؤكد الصهاينة التوطينيون انتماءهم الكامل لأوطانهم. 4 ـ لا يمكن إنكار أن روتشيلد، أو غيره من أثرياء الغرب، استفادوا كأفراد من نفوذهم في العالم الغربي ومن علاقتهم مع الحكومات الاستعمارية المختلفة في عملية شراء الأرض لتوطين الفائض اليهودي من شرق أوربا. ولكن هذا لا يغيِّر بتاتاً التوجُّه الكلي ذا الطابع الخيري الإغاثي الذي ينفر من الإطار العقائدي الصهيوني. 5 ـ لما كانت عملية التوطين عملية إنقاذ وإغاثة بدون ديباجة قومية، فإنها ستتم في أية بقعة من العالم) لأرجنتين أو شرق أفريقيا أو فلسطين) ، وبشكل قانوني عن طريق شراء الأرض. ولم يول صهاينة الغرب المندمجون مشكلة السكان الأصليين أي اهتمام لأن الأمر لم يكن يعنيهم كثيراً، ولأن اهتمامهم كان ينصب بالدرجة الأولى على تخليص أوربا من فائضها اليهودي وتوطينه في أي مكان وبأية شرط (تجدُر الإشارة هنا إلى أنه، على مستوى الممارسة، كان مندوبو روتشيلد وجماعة أحباء صهيون يشترون الأرض في فلسطين ويطردون سكانها منها ويوطنون فيها اليهود ( ويمكننا أن نقول إن أولى الاتجاهات الصهيونية بين اليهود هي صهيونية الأثرياء المندمجين في غرب أوربا. وقد توجَّه إليهم صهاينة شرق أوربا التسلليون. ويمكن أن نضع داخل هذا الإطار محاولات السير موسى مونتفيوري، والبارون موريس دي هيرش المليونير اليهودي الذي ساهم بتبرعات سخية للأليانس وموَّل مشروعات توطين اليهود في الأرجنتين وغيرها من البلدان وأسَّس جمعية الاستيطان اليهودي (إيكا) لهذا الغرض، وإدموند جيمس دي روتشيلد، وجمعية الإغاثة اليهودية في ألمانيا، وجمعية الأليانس، والمحاولات المختلفة الرامية إلى توطين اليهود في الأرجنتين والبرازيل. وقد ظهرت عدة مؤسسات توطينية استمرت في نشاطها حتى الحرب العالمية الثانية. بل لا يزال بعضها يمارس نشاطه في الوقت الحالي رغم اعتراض المنظمة الصهيونية العالمية. ورغم أن يهود الغرب وأثرياءهم هم الذين مولوا عمليات التوطين الأولى، فإنهم لم يكونوا قط مرشحين لقيادة الحركة الصهيونية لعدة أسباب: 1 ـ لم يوافق هؤلاء اليهود قط على المضمون القومي للتوطين الذي كان يهود الشرق يحاولون فرضه. 2 ـ بعد أن أصبح المشروع الصهيوني جزءاً لا يتجزأ من المشروع الاستعماري الغربي، رضخ يهود الغرب للأمر الواقع. ولكنهم آثروا، مع هذا، الاحتفاظ بمسافة بينهم وبينه، فهم في نهاية الأمر مستفيدون من المُثُل الليبرالية السائدة في مجتمعاتهم، وهي مُثُل تتناقض مع المُثُل التي ينطلق منها المشروع الصهيوني. 3 ـ لم يكترث يهود الغرب بيهودية المشروع الصهيوني، فما كان يعنيهم أساساً هو إبعاد يهود شرق أوربا عنهم. وهم، في هذا، كانوا أقرب للصهاينة غير اليهود منهم للصهاينة من اليهود، ولذا فهم صهاينة يهود غير يهود. 4 ـ لم تكن هذه القيادات تعرف شيئاً عن المادة البشرية اليهودية المستهدفة التي كان يُراد نَقْلها إلى فلسطين، كما لم تكن تدرك لغتها ولا طموحاتها أو آلامها، ولذا فقد كانت تنظر إليها من الخارج شأنها في هذا شأن صهيونية غير اليهود. 5 ـ كانت قوة أثرياء الغرب في نهاية الأمر محدودة، فقد كانوا يملكون أن يتوسطوا لدى السلطان العثماني ليُحسِّن أحوال اليهود أو ليمنحهم قطعة أرض، ولكن لم يكن بوسعهم أن يطلبوا لليهود أرضاً ينشئون عليها دولة، كما أنهم لم يكن عندهم أي إدراك لحتمية الاستعانة بالإمبريالية في أية عملية توطينية. وحينما ظهرت الصهيونية التسللية، حاول الصهاينة التسلل إلى فلسطين لإنشاء دولة يهودية دون مظلة إمبريالية (أي أن التسلليين ـ رغم اختلاف مقاصدهم عن مقاصد أثرياء اليهود في الغرب ـ وقعوا في الخطأ نفسه، فقد نظروا إلى قضية الاستيطان دون إدراك حتمية الاستعانة بالإمبريالية) . ولذا، فقد توجَّهت الصهيونية التسللية إلى روتشيلد وغيره طالبة منهم العون. ولعل عدم إدراك حتمية الاستعانة بالإمبريالية في عملية الاستيطان والتوطين هي الرقعة المشتركة بين التسلليين وأثرياء الغرب المندمجين، وذلك رغم أن التسلليين استيطانيون والأثرياء توطينيون. ثم ظهر هرتزل الذي أدرك حتمية الاستعانة بالإمبريالية الغربية لإنشاء الدولة اليهودية، فتخطى يهود الغرب وأثرياءهم وتسلليي الشرق، وتوجَّه إلى الدول الاستعمارية مباشرةً فسقطت القيادة في يده منذ البداية. ويتفق هرتزل مع أثرياء الغرب التوطينيين في عدم اكتراثه بمشاكل الهوية والوعي، فهو ينظر إلى يهود اليديشية من الخارج تماماً كما ينظر إليهم أثرياء الغرب. ولكنه، مع هذا، طوَّر الصيغة المراوغة التي تركت الباب مفتوحاً أمامهم ليلقوا بالصدقات على الاستيطانيين دون أن تطأ أقدامهم أرض الميعاد نظير ألا يهاجمهم أحد أو يتهمهم بالتنكر ليهوديتهم. والواقع أن هذا جزء من العقد الصهيوني الصامت. ومع صدور وعد بلفور، دخلت الصهيونية التوطينية مرحلة جديدة تماماً، فقد سقطت تهمة ازدواج الولاء إذ تحولت الصهيونية نفسها إلى مشروع تابع للحضارة الإمبريالية الغربية، وتأييد مثل هذا المشروع يمكن أن ينبع من الولاء للوطن الأم ولا يتناقض مع وطنية المرء، وهذا ما كان يعنيه برانديز حين قال: "كي أصبح مواطناً أمريكياً صالحاً، يجب أن أصبح يهودياً أفضل، وكي أصبح يهودياً أفضل يجب أن أصبح صهيونياً"، ذلك أن الصهيونية واليهودية والوطنية الأمريكية أمور مترادفة بالنسبة له ولصهاينة الغرب التوطينيين، ومن ثم أصبح بالإمكان اندماج الصهيونية الدبلوماسية الاستعمارية وصهيونية الأثرياء المندمجين لتظهر صهيونية الشتات التوطينية. موسى مونتفيوري (1784-1885 ( Moses Montefiore ثري ومالي بريطاني يهودي، زعيم الجماعة اليهودية في إنجلترا، ومن كبار المدافعين عن الحقوق المدنية لليهود في إنجلترا والعالم. وُلد في بريطانيا لأسرة إنجليزية ذات أصول إيطالية سفاردية استقرت في إنجلترا في القرن الثامن عشر. وبدأ عمله كسمسار في بورصة لندن حيث حقق ثراءً سريعاً. وقد ارتبط بعائلة روتشيلد المالية الثرية من خلال المصاهرة، الأمر الذي ساعده في مجال أعماله. وقد كان مونتفيوري من أوائل المشاركين في تأسيس البنوك الصناعية بالتعاون مع المؤسسة الإنجليزية ـ الأمريكية العاملة في مجال الماس والمال والتي اشترك في تأسيسها إرنست أوبنهايمر اليهودي الثري رجل الصناعة والمال في جنوب أفريقيا. وقد حقق مونتفيوري ثروة طائلة من خلال أعماله، وهو ما مكَّنه من اعتزال العمل عام 1824. وقد كان مونتفيوري ثاني يهودي يتولى منصب عمدة لندن وأول يهودي يحصل على لقب «سير» . وقد كرَّس مونتفيوري جهوده بعد ذلك للقضايا المرتبطة بأوضاع الجماعات اليهودية في شرق أوربا والعالم الإسلامي، وزار فلسطين سبع مرات، وقدم لمحمد علي باشا عام 1838 خطة لتوطين اليهود في فلسطين تتضمن توفير وضع متميِّز لليهود وقدر كبير من الاستقلال الذاتي وتنمية المشاريع الزراعية والصناعية في فلسطين حتى يحقق اليهود الاعتماد على الذات. وفي المقابل، اقترح مونتفيوري تأسيس البنوك في المدن الرئيسية في المنطقة لتقدِّم التسهيلات الائتمانية للمنطقة بأكملها. وقد ساهم مونتفيوري في تأسيس بعض المستوطنات الزراعية في الجليل ويافا، وأسَّس أول حي يهودي خارج أسوار مدينة القدس القديمة، كما أسس بعض المشاريع الصناعية. وقد التقى بمحمد علي مرة أخرى في القاهرة عام 1840 لبحث قضية دمشق، إلا أن مشاريعه في فلسطين تعثرت بعد خروج محمد علي من فلسطين تحت ضغط القوى العظمى في تلك الفترة. ومع ذلك، نجح في إقناع السلطان العثماني بمنح الامتيازات التي كان يتمتع بها الأجانب لليهود في جميع أرجاء الإمبراطورية العثمانية، وهو ما ساهم بدون شك في تحويلهم إلى عنصر أجنبي منبتّ الصلة بالمنطقة وذي قابلية خاصة للتحول إلى جماعة وظيفية استيطانية. وقد اهتم مونتفيوري أيضاً بأوضاع الجماعات اليهودية في شرق أوربا، فزار روسيا عامي 1846 و1872 لبحث حالتهم مع الحكومة القيصرية، كما زار المغرب عام 1863 ورومانيا عام 1867 للغرض نفسه. وقد اكسبته جهوده لصالح الجماعات اليهودية، ومهاراته وحنكته الدبلوماسية، وقدرته على الوصول إلى الحكام المناسبين، مكانة واحتراماً كبيراً، خصوصاً لدى الحكومة البريطانية حيث كان كثير من نشاطاته متفقة مع السياسات الاستعمارية البريطانية. وكان تأييده للاستيطان اليهودي في فلسطين، شأنه شأن معظم الأثرياء اليهود المندمجين في الغرب، يهدف إلى تحويل تيار الهجرة المتدفق من شرق أوربا على غربها بعيداً عنها، لأن هذا التيار كان يهدد وضعه الطبقي والحضاري في إنجلترا. ولذلك، كان من أهم اهتماماته تحويل اليهود إلى قطاع اقتصادي منتج، عن طريق رَبْطهم بالأرض ومهنة الزراعة وإنشاء المستوطنات الزراعية وإدخال العلوم العصرية في المدارس اليهودية في شرق أوربا. وقد واصل ابن أخته يوسف سيباج مونتفيوري (1822 ـ 1903) نشاط خاله في فلسطين، وتولَّى منصب نائب رئيس حركة أحباء صهيون. وقد أُعيد دفن جثمان مونتفيوري وزوجته في إسرائيل عام 1973. موريس دي هيرش (1831-1896 ( Maurice de Hirsch ثري ألماني يهودي، ومؤسس جمعية الاستيطان اليهودي، وأول من فكر في إعادة توطين اليهود على نطاق واسع. وقد وُلد هيرش لعائلة يهودية ثرية ومرموقة وكان والده من يهود البلاط. وقد تلقى في صباه دراسة دينية وتعلَّم العبرية. وفي بروكسل، اشتغل في مؤسسة مصرفية كبيرة مملوكة لعائلة يهودية مالية ذات مكانة مرموقة في بلجيكا، هي عائلة بيسخوفشايم. وقد ارتبط هيرش بهذه العائلة من خلال الزواج، وهو ما سهَّل له البدء في مشاريع تمويل بناء السكك الحديدية في تركيا والنمسا ودول البلقان. وقد كان للمموِّلين اليهود بصفة عامة (في القرن التاسع عشر) دور مهم في تمويل بناء السكك الحديدية في أوربا وهو مجال كان لا يزال في بداياته، وبالتالي كان ينطوي على كثير من المجازفة. إلا أن تراث اليهود كجماعة وظيفية، وتَشعُّب خبراتهم وعلاقاتهم المالية، أهَّلهم لدخول هذه المجالات الجديدة وتحقيق قدر كبير من النجاح. وقد حقق هيرش من خلال نشاطه في هذا المجال، وأيضاً من خلال نشاطه في المضاربات على سلعتي السكر والنحاس، ثروة طائلة في عام 1890، وإن كانت الشبهات تحيط بمصادر الجانب الأعظم من هذه الثروة. وليس أدل على ذلك من الفضيحة المالية التي تفجرت عقب نجاح هيرش عام 1869 في إبرام صفقة مع الدولة العثمانية للحصول على امتياز إنشاء وتشغيل شبكة خطوط حديدية في البلقان، حيث كُشف النقاب آنذاك عن الأساليب الملتوية التي لجأ إليها هيرش للحصول على الصفقة، ثم أشكال التلاعب في تنفيذ المشروع نفسه. وقد كان هيرش واعياً بالمسألة اليهودية في شرق أوربا، فاهتم بنشاط الأليانس إسرائيليت يونيفرسل التعليمي، وتبرع لها بمبلغ مليون فرنك، ثم خصص لها صندوقاً يوفر لها عائداً سنوياً كبيراً. كما قدم للحكومة الروسية مبلغ مليونين من الجنيهات لإنشاء نظام تعليمي حديث، إلا أن تبرعه رُفض نظراً لإصراره على فرض الوصاية على هذا المشروع. فقام بتأسيس جمعية الاستيطان اليهودي (إيكا) برأسمال قدره مليونين من الجنيهات دفعها كلها تقريباً. وكانت الجمعية تهدف إلى تهجير وتوطين اليهود في كندا والولايات المتحدة والأرجنتين والبرازيل وتحويلهم إلى قطاع اقتصادي منتج عن طريق تعليمهم الزراعة والحرف المختلفة. ويمكن فَهْم اهتمام هيرش سواء بتعليم يهود شرق أوربا أو بإعادة توطينهم في ضوء حقيقتين: أن الهجرة من الشرق كانت تهدد وَضْع يهود الغرب المندمجين، وهو ما دفع هؤلاء إلى محاولة إبعاد هذه الهجرة من أوربا إما عن طريق إعادة توطين اليهود في دول أخرى، ومن ناحية أخرى عن طريق إعادة تعليمهم حتى يكتسبوا خبرات صناعية وزراعية تؤهلهم للانضمام للمجتمع الأم الذي لم يَعُد بحاجة إلى اليهودي بخبراته القديمة. كما أن حركة توطين اليهود كانت تتم في إطار اهتمام أوربا بإنشاء مجتمعات استيطانية في الدول المختلفة في آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية كجزء من سياسة التوسع الاستعماري. ـ وقد حاول أحباء صهيون وهرتزل أن يطلبوا من هيرش العون لمشاريعهم ولكنه اعتبر محاولة إنشاء دولة صهيونية في فلسطين مجرد وهم كبير. ومع ذلك، فقد ظل على إيمانه بإمكانية تحويل يهود أحياء الجيتو في شرق أوربا إلى شعب زراعي. وقد استمرت جمعية الاستيطان اليهودي في نشاطها بعد وفاته، لكن صندوقها تحوَّل لخدمة الاستيطان في فلسطين. وفي عام 1923، تم دَمْج مؤسستي روتشيلد وهيرش تحت اسم بيكا (هيئة الاستيطان اليهودي في فلسطين) وبلغ مجموع ما امتلكته هذه المؤسسة الموحَّدة خلال ربع قرن (1922 ـ 1948) ما مساحته 45 ألف دونم، أو ثلث ما كان بحوزة اليهود من أراض عند إعلان قيام إسرائيل. بنيامين بيشوتو (1834-1890 ( Benjaminn Peixotto محام ودبلوماسي أمريكي يهودي. وُلد في نيويورك لعائلة يهودية سفاردية هاجرت إلى الولايات المتحدة في أوائل القرن التاسع عشر قادمة من أمستردام. عاش في كليفلاند، واشتغل في تجارة الملابس، كما درس القانون ونشط في السياسة وساهم بالافتتاحيات السياسية في إحدى صحف كليفلاند المحلية. كما نشط في مجال شئون الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة، فانضم إلى منظمة أبناء العهد (بناي بريت) عام 1863 وانتُخب رئيساً للمحفل الأعلى في العام نفسه واحتفظ بهذا المنصب لمدة أربع دورات. وكان بيشوتو وراء جهود المحفل لإقامة ملجأ للأيتام اليهود في كليفلاند عام 1869. كما كان من مؤسسي اتحاد الطوائف الأمريكية العبرية وجريدة منوراه منثلي. وتعود أهمية بيشوتو إلى أنه اختير أول قنصل عام أمريكي لدى رومانيا بعد أن رشحه الرئيس الأمريكي يوليسس جرانت لهذا المنصب عام 1870 وذلك بإيعاز من بعض أثرياء اليهود الأمريكيين، وخصوصاً عائلة سليجمان المالية الثرية. وقد جاء ذلك بعد تدهور أوضاع الجماعة اليهودية في رومانيا وتزايد حدة الاضطهاد ضدهم، فكان الغرض من إرسال بيشوتو الضغط على الحكومة الرومانية لإعتاق اليهود وتحسين أوضاعهم. ونظراً لأن الحكومة الأمريكية لم توفر التكاليف المادية لهذا المنصب، فقد تكفَّلت بها مجموعة من الأثرياء اليهود الأمريكيين ومنظماتهم الإسرائيلية وعدد من الشخصيات اليهودية الفرنسية والإنجليزية البارزة وعلى رأسهم سير فرانسيس جولد سميد. وفي رومانيا، نجح بيشوتو في إقامة علاقة طيبة مع الأمير شارل حاكم البلاد. وبادر بتأسيس مدارس يهودية وجمعيات ثقافية. كما حاول بيشوتو توحيد يهود رومانيا داخل إطار واحد، فأسَّس منظمة «جماعة صهيون» التي ارتبطت فيما بعد بمنظمة أبناء العهد (بناي بريت) . وخلال السنوات الخمس التي أمضاها بيشوتو في رومانيا، تقلَّص عدد الهجمات ضد اليهود وكذلك القوانين المناهضة لهم. كما لعب بيشوتو دوراً مهماً بالتعاون مع بعض الشخصيات اليهودية الأوربية البارزة في الدعوة إلى انعقاد مؤتمر بروكسل عام 1872 الذي بحث أوضاع الجماعات اليهودية في دول البلقان. والواقع أن إرسال بيشوتو إلى رومانيا وجهوده فيها، والدعم المادي والسياسي الذي توافر له من قبَل كبار الشخصيات اليهودية الأمريكية والأوربية، لم يكن بدافع إنساني محض أو بدافع إنقاذ بني جلدتهم من يهود رومانيا ودول البلقان، فقد كان الدافع الأساسي والأهم تحسين أوضاع الجماعات اليهودية في رومانيا وفي شرق أوربا بشكل عام في ظل التدهور الاقتصادي والاجتماعي الذي كانت تشهده هذه المنطقة حتى لا تتدفق هجرتهم إلى غرب أوربا والولايات المتحدة بما قد يسفر عنه ذلك من تهديد للأوضاع الطبقية والمراكز الاجتماعية لأثرياء اليهود المندمجين. وتأكيداً لذلك، عندما اقترح بيشوتو فَتْح باب الهجرة أمام يهود رومانيا إلى الولايات المتحدة قوبل بهجوم شديد من المجموعات اليهودية الغربية التي كانت تدعمه ثم أعلنت رفضها التام والقاطع لهذه السياسة. كما أن يهود رومانيا أنفسهم عارضوا مثل هذا القرار الصهيوني لأنه يضع حقوقهم السياسية في وطنهم موضع التساؤل. وبطبيعة الحال، كانت القوة الوحيدة التي أيَّدت جهود بيشوتو هي الحكومة الرومانية المعادية لليهود. إدموند دي روتشيلد (1845-1934 ( Edmond de Rothschild أحد زعماء الفرع الفرنسي لعائلة روتشيلد المالية اليهودية، وهو أحد الأبناء الخمسة لجيمس ماير دي روتشيلد (1792 ـ 1868) مؤسس فرع العائلة في فرنسا. ترجع أهميته لمساهمته الكبيرة في المشاريع الاستيطانية اليهودية في فلسطين في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. بدأ اهتمام إدموند جيمس روتشيلد بقضية يهود اليديشية وبعملية توطين اليهود في فلسطين في الثمانينيات من القرن التاسع عشر، وهي الفترة التي شهدت هجرة أعداد كبيرة من يهود شرق أوربا إلى غربها وإلى الولايات المتحدة وغيرها من الدول الاستيطانية، عقب تعثُّر عملية التحديث في شرق أوربا ثم توقُّفها. وقد تحمَّس روتشيلد وغيره من أثرياء اليهود المندمجين في أوربا للمشروع الصهيوني نظراً لتخوفهم مما قد يخلقه تدفُّق هذه الأعداد الكبيرة من يهود شرق أوربا ذوي الثقافة اليديشية الشرق أوربية المتميِّزة (والمتخلفة في نظرهم) والتقاليد الدينية المحافظة ذات الطابع اليهودي الواضح على غرب ووسط أوربا. فوصول مثل هذه الجماعات من يهود اليديشية كان يمثل تهديداً لمكانتهم الاجتماعية ومواقعهم الطبقية، وبالتالي فقد تبنوا ما نسميه «الصهيونية التوطينية» ، أي محاولة يهود العالم الغربي المندمجين توطين يهود آخرين (عادةً من شرق أوربا) في فلسطين. وقد عبَّر روتشيلد نفسه عن هذه المفارقة في ملاحظة طريفة ذكية، إذ سُئل مرة عن الوظيفة التي يود أن يشغلها عند تأسيس الدولة الصهيونية فقال: "سفيرها في باريس بالطبع". ولم يكن روتشيلد مؤيداً أول الأمر لصهيونية هرتزل السياسية، وقد اتسمت أول مقابلة بينهما في باريس عام 1896 بالفتور الشديد، بل كان يرى أن هرتزل ليس إلا شنورر، أي متسول مثل آلاف المتسولين من شرق أوربا الذين كانوا يتدفقون على وسطها وغربها. كما أن روتشيلد كان يذهب إلى أن المشروع الصهيوني برمته مشروع غير عملي، وأن فلسطين لن تستطيع استيعاب هجرة جماعية ضخمة. وكان يرى أنه بالرغم من حاجة السلطان العثماني إلى النقود إلا أنه لن يمنح فلسطين للصهاينة لتأسيس دولة فيها، وأنه سيكتفي بإعطاء بعض الوعود الغامضة التي لا قيمة لها. كما كان يخشى من أن تثير إقامة دولة يهودية مشاعر معادية لليهود وتؤدي إلى المطالبة بطرد اليهود من البلاد التي يعيشون فيها. لكل هذا، كان روتشيلد يفضل أن تتم عملية الاستيطان في فلسطين بشكل هادئ وتدريجي. إلا أنه مع توسُّع الاستيطان اليهودي في فلسطين، والذي تم تحت رعايته، ونجاح المشاريع المختلفة التي أسسها هناك، توطدت علاقته بالمنظمة الصهيونية، وخصوصاً بعد الحرب العالمية الأولى، حيث استخدم نفوذه للحصول على موافقة فرنسا على وعد بلفور وعلى إدخال فلسطين تحت الانتداب البريطاني. كما أن عملية توطين اليهود في فلسطين كان لها بعدها السياسي، فروتشيلد كان مرتبطاً بالمصالح الرأسمالية الإمبريالية الفرنسية التي كانت تريد توسيع رقعة نفوذها في الشرق وكانت تفكر بحماس شديد في التركة التي سيتركها رجل أوربا المريض (الدولة العثمانية) . والمشروع الصهيوني هو في نهاية الأمر جزء من المخطط الإمبريالي لاقتسام الإمبراطورية العثمانية. وقد بدأ روتشيلد اهتمامه بأعمال الاستيطان اليهودي في فلسطين بعد أن توجهت إليه حركة أحباء صهيون التي كانت تتولى أعمال الاستيطان في فلسطين في تلك الفترة، كما توجَّه إليه زعماء مستوطنة ريشون لتسيون التي كانت تعاني أزمة مالية حادة مطالبين إياه بتقديم دعمه المالي لنشاطهم في فلسطين. وبالفعل، ما كان بوسع المستوطنات الأولى التي أقيمت في فلسطين الاستمرار لولا معونات روتشيلد. وقد وصل إنفاقه على المستوطنين خلال الفترة بين 1883 و 1899 نحو 1.600.000 جنيه إسترليني في حين كان إسهام حركة أحباء صهيون 87.000 جنيه إسترليني فقط. وقد اشترى روتشيلد أرضاً في فلسطين أواخر عام 1883 لإقامة مستوطنة زراعية نموذجية لحسابه الخاص أطلق عليها اسم والدته. كما أسس عدة صناعات للمستوطنين الصهاينة مثل صناعة الزجاج وزيت الزيتون، وعدداً من المطاحن في حيفا، وملاحات في عتليت، كما ساهم في تأسيس هيئة كهرباء فلسطين عام 1921. إلا أن أهم الصناعات التي أقامها وأوسعها نطاقاً كانت صناعة النبيذ التي كان يسعى روتشيلد إلى ربطها بصناعة النبيذ المملوكة لعائلة روتشيلد في فرنسا. وقد وصل حجم رعاية روتشيلد ودعمه للمستوطنات إلى الحد الذي أكسبه لقب «أبو اليشوف» أي أبو المُستوطَن الصهيوني. وحينما اختلف المستوطنون الصهاينة، حذَّرهم ليو بنسكر، أحد زعماء ومفكري حركة أحباء صهيون، قائلاً "إن مفاتيح المُستوطَن الصهيوني توجد في باريس". وكان روتشيلد يحكم المستوطنات من خلال جهاز بيروقراطي يشغله موظفون فرنسيون من اليهود وغير اليهود يراقب عمليات إنفاق أموال روتشيلد واستثمارها ويقدم الخبرات للمستوطنين في المجال الزراعي. وقد كانت هذه الرعاية البيروقراطية للمستوطنات مصدر مشاكل كثيرة ومثاراً للانتقادات الحادة نظراً لما كانت تثيره من خلافات بين المستوطنين من ناحية والموظفين الفرنسيين من ناحية أخرى. وقد دفع ذلك زعماء أحباء صهيون وزعماء المستوطنات إلى مطالبة روتشيلد بإنهاء هذا النظام عام 1901. وكان روتشيلد قد حوَّل إدارة مشاريعه في فلسطين عام 1899 إلى جمعية الاستيطان اليهودي وقدَّم لها منحة قدرها 4000.000 فرنك من أجل أن تموِّل نفسها ذاتياً. وفي عام 1924، أسس جمعية الاستيطان اليهودي في فلسطين والتي ترأسها ابنه جيمس أرماند (1878 ـ 1957) . وقد أسَّس روتشيلد من خلال هذه الهيئة أكثر من 30 مستوطنة في جميع أنحاء فلسطين، ووصل حجم إنفاقه على هذه المشاريع بعد عام 1900 نحو 7.000.000فرنك ذهبي. وإلى جانب المشاريع الاقتصادية، امتد نشاط روتشيلد إلى مجال التعليم حيث قدَّم دعماً مالياً عام 1923 للمدارس الصهيونية في المُستوطَن الصهيوني والتي كانت تواجه أزمة مالية، كما أمد حاييم وايزمان بالمعونة اللازمة لإنشاء الجامعة العبرية في القدس. وفي عام 1929، عُيِّن روتشيلد رئيساً فخرياً للوكالة اليهودية التي كانت قد أُنشئت قبل ذلك بسنوات قليلة. ولا شك في أن دعم روتشيلد وغيره من الأثرياء اليهود للحركة الصهيونية، بصرف النظر عن النوايا أو المصالح الذاتية، كانت مسألة أساسية، لولاها ما قامت للحركة قائمة ولما استطاعت أن تضرب بجذورها في أرض فلسطين. ويُعتبر روتشيلد نمطاً متكرراً له دلالة عميقة: 1 ـ فهو من يهود العالم الغربي الذين حققوا حراكاً اجتماعياً ووصلوا إلى قمة المجتمع، ثم جاءت أفواج يهود اليديشية من شرق أوربا فهددوا مواقعهم الطبقية، ومن ثم تحوَّل يهود العالم الغربي إلى صهاينة توطينيين. 2 ـ تأييد روتشيلد للمشروع الصهيوني لم يكن تعبيراً عن هويته اليهودية أو جوهره اليهودي وإنما هو تعبير عن انتمائه الكامل للحضارة الغربية وللتشكيل الاستعماري الغربي. كما أن صهيونيته هي تعبير عن انتمائه الغربي وعن اندماجه في الحضارة الغربية، فالمشروع الصهيوني لا يمثل أيَّ تحدٍّ للمشروع الاستعماري الغربي، فالأول هو الجزء الأصغر أما الثاني فهو الكل الأكبر. ويُلاحَظ أن روتشيلد كان يعارض المشروع الصهيوني في بادئ الأمر ثم أيده بعد ذلك. والواقع أنه، في معارضته ثم في تأييده، ينطلق من انتمائه للتشكيل الحضاري الغربي ومن محاولة خدمة المصالح الغربية. 3 ـ قام روتشيلد بدعم المشروع الصهيوني، ولكنه دعم لم يكن يهدف إلى تأكيد استقلالية هذا المشروع إذ ظلت المفاتيح في باريس ولندن، بل يُلاحَظ تزايد اعتماد المشروع على الغرب ثم انتقال مفاتيحه إلى واشنطن. صهيونية الشتات Diaspora Zionism «صهيونية الشتات» أو «صهيونية الدياسبورا» هي الصهيونية التوطينية في مرحلة ما بعد هرتزل وبلفور. الصهيونية التوطينية بعد بلفور Settlement Zionism after Balfour «الصهيونية التوطينية» مصطلح نستخدمه للإشارة لإيمان بعض الصهاينة أن الجانب الاستيطاني في الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة ينطبق على يهودي أو صهيوني آخر غيره وهي تشير إلى كلٍّ من صهيونية أثرياء الغرب المندمجين (ما قبل هرتزل) ودعاة الصهيونية الدبلوماسية الذين لا ينوون الاستيطان في فلسطين. كما تشير إلى ما يسمَّى «صهيونية الشتات» أو «صهيونية الدياسبورا» ، في مرحلة ما بعد هرتزل وبلفور. وحينما نستخدم المصطلح دون تخصيص، فإننا عادةً ما نشير إلى «الصهيونية التوطينية في مرحلة ما بعد بلفور» . ونحن نضع «الصهيونية التوطينية» مقابل «الصهيونية الاستيطانية» . ولم تكن هناك فلسفة واضحة وراء صهيونية أثرياء الغرب المندمجين، فقد تبنوا الحل الصهيوني لأسباب نفعية عملية واضحة (تحويل سيل الهجرة عن بلادهم لأية بقعة أخرى في العالم) وكان انتماؤهم لأوطانهم أمراً واضحاً تماماً، ولذا فإنهم لم يكونوا في حاجة إلى أية اعتذاريات أو أنساق فلسفية أو فكرية لتبرير التناقض الكامن في موقفهم كصهاينة توطينيين يعيشون في أوطانهم ويسعدون بحياتهم فيها. وينطبق الموقف نفسه على دعاة الصهيونية الدبلوماسية. ولكن الوضع مختلف تماماً بالنسبة إلى الصهاينة التوطينيين بعد هرتزل وبلفور، وازداد الأمر حدة بعد إعلان الدولة الصهيونية إذ كيف يتأتى لأحد أن يُسمِّي نفسه صهيونياً (متشدداً في بعض الأحيان) ثم يضرب خيامه في باريس ولندن ونيويورك. ولذا، فقد حاول بعض مفكري الصهيونية التوطينية تطوير رؤية متكاملة لوضعهم كصهاينة يرفضون الهجرة، فحاولوا المزاوجة بين المُثُل الصهيونية التي ترى اليهود شعباً عضوياً منبوذاً معرضاً لكراهية الأغيار الأزلية من جهة، وبين مُثُل حركة الاستنارة التي ترى أن كل الناس متشابهون ومتساوون من جهة أخرى. وهذه المحاولة هي محاولة لاكتشاف رقعة واسعة مشتركة بين المثل الأعلى الصهيوني الذي يؤمن به التوطينيون والمُثل العليا الليبرالية التي تسيطر على المجتمعات التي يعيشون فيها. ولذا، نجد أن المحاولة تتلخص في رفض الرؤية الحلولية الكمونية العضوية أو تقليص مجالها لتحل محلها أو تكملها رؤية نسبية تعددية ترى أن كل الأمور متساوية. ينطلق مفكرو الصهيونية التوطينية من أن الصهيونية لا تعادي حركة التنوير اليهودية وإنما هي امتداد لها، فالصهيونية تهدف إلى بعث الحياة اليهودية على أسس علمانية، أي على الأسس نفسها التي تُبنَى عليها المجتمعات الغربية. إن الصهيونية تؤيد الانعتاق الذي نادت به حركة التنوير الأوربية وتُطبِّقه على اليهود، والقومية اليهودية إن هي إلا قومية واحدة بين عديد من القوميات التي لها برنامج معيَّن يهدف إلى البعث القومي، واليهود إن هم إلا شعب تاريخي مثل بقية الشعوب، ليس أسوأ وليس أفضل منها. ويذهب هوارس ماير كالن، أحد أهم مفكري الصهيونية التوطينية، إلى أن مكان اليهودية ووظيفتها في الحياة اليهودية يشبهان مكان ووظيفة أي دين آخر في أية حياة قومية أخرى. ويطالب كالن بضرورة تحرير اليهودية من الحلولية الوثنية وضرورة اكتشاف الدوافع الأخلاقية والروحية الدائمة والكامنة وراء الطقوس اليهودية المختلفة، أي أنه يحاول اكتشاف الإنساني والعالمي وراء الطقوس الدينية الحلولية. وينظر كالن إلى التراث اليهودي نظرة تاريخية، كما يرى أن جوهر النمو هو في استمرار التغير، وذلك على عكس الصهاينة الذين يؤكدون الاستمرار أو حتى التكرار. ولذا، يجب أن يظل اليهود واعين بالتغيرات التي حدثت في معرفة العالم الطبيعي، وفي فكرة الإله، وفي القيم الأخلاقية التي تميِّز عالم الإنسان العصري عن عالم الإنسان القديم. والواقع أن تأكيد كالن العنصر التاريخي يتبدَّى في إصراره على أن البعث اليهودي يتطلب بحثاً في الخلفية التاريخية، وفي جميع جوانب العالم الفكري الذي وُجدت إسرائيل القديمة ضمنه، وفي ضرورة إعادة التركيب الاجتماعي للشعب اليهودي حتى يتسنى لليهود أن يحتلوا مكاناً (وليس مكانة خاصة) داخل إطار المجتمع العصري، أي أنه يُعلمن الشعب اليهودي ليصبح شعباً مثل كل الشعوب الأخرى. ويحاول الحاخام سيلفر أن يُعلمن أو يقلل من حرارة فكرة الماشيَّح والعودة في نهاية التاريخ التي تستند إليها الصهيونية الاستيطانية، فيصف اليهود بأنهم شعب يواجه المستقبل دون مركبات وهمية مشيحانية، ولكن ليس بدون أمل أبداً، أي أن توقعاتهم ستكون توقعات إنسانية محدَّدة. ويستطرد الحاخام سيلفر قائلاً: "إن اليهود سوف يستمرون في مقاومة قوى الظلام ... ولكننا سنفكر في ذلك بأمل يشبه فكرة الماشيَّح بين شعبنا الذي هو مزيج من الأمل والشك. سنتصرف كشعب نضج نهائياً ولا يحاول أن يهرب إلى الوهم أو الغرور الذاتي". وموقف الصهاينة التوطينيين من معاداة اليهودية يتسم بالعملية، وتحليلهم لهذه الظاهرة يبتعد عن المغالاة الصهيونية التي تضفي صفة الإطلاق عليها. فينقد الحاخام كابلان المفكرين التربويين اليهود الذين يتصورون أن معاداة اليهود ليست مجرد جنون عابر وإنما مرض مزمن. أما الحاخام هليل سيلفر فيميِّز بين نوعين من معاداة اليهود (وهذه ظاهرة جديدة أيضاً لأن المطلق لا يتحمل التصنيف) ، فهناك المعاداة الاستثنائية لليهود التي مارسها النازيون كما أن هناك معاداة اليهود العادية التي تُسمَّى «تَحامُل» (وهذه هرطقة من وجهة نظر صهيونية تقليدية) . ويرى الحاخام سيلفر، أن مثل هذا التحامل سيبقى عاملاً ثابتاً في الحياة اليهودية في أمريكا. ويمكن أن نضيف أن الحاخام سيلفر ساوى بين الضغوط التي يتعرض لها اليهود كأقلية في أمريكا والضغوط التي تتعرض لها أية أقلية عرْقية أو دينية أخرى في العالم، فيطالب اليهود بأن يعتادوا مواجهة مشاكلهم كأقلية بشكل واقعي، ومعنى هذا أن التقسيم الثنائي الصلب للعالم كيهود وأغيار قد خفتت حدته. ويرى مفكرو الصهيونية التوطينية أن حركة الاستنارة في الولايات المتحدة حققت نجاحاً كاملاً، وحقق اليهود اندماجاً واضحاً، وليس لديهم ما يدفعهم للعودة إلى أرض الميعاد. فظروفهم طيبة جداً، كما أنهم ليسوا ضحية للاضطهاد العنصري، وكذلك فإن أمريكا ليس لها تاريخ مسيحي طويل يلعب فيه اليهود دور الشرير وقاتل الرب (بل إن التجار اليهود أسهموا في حرب الاستقلال الأمريكية نفسها) . ويبحث الحاخام سيلفر تواريخ الجماعات اليهودية، ليجد بعض السوابق التاريخية التي يمكنه عن طريقها أن يُعدِّل ويهذِّب الأسطورة الصهيونية المطلقة وقراءتها المتحيزة للتاريخ. وهو يجد هذه الحقائق والوقائع بالفعل، فيبين أن اليهود منذ قديم الأزل عاشوا داخل وخارج فلسطين. ففي القرن الأول قبل الميلاد، وذلك قبل تحطيم الهيكل الثاني على يد الرومان، كانت أغلبية اليهود تعيش خارج فلسطين: خمسة ملايين ونصف يعيشون خارجها بينما كان تعداد يهود الدولة يبلغ مليونين ونصف فقط. ومع هذا، ظل اليهود الذين يعيشون خارج فلسطين يهوداً. والوضع نفسه يسري على يهود العالم الذين سيتخذون الموقف نفسه من دولة إسرائيل، فيهود إسرائيل سيظلون إسرائيليين، أما يهود الولايات المتحدة فسيظلون أمريكيين. وعلى كلٍّ، لا تستطيع إسرائيل أن تضم كل يهود العالم. بل إن الحاخام سيلفر يحاول أن يضفي طابعاً صوفياً على ظاهرة بقاء اليهود في الشتات (أنحاء العالم) بعد ظهور إسرائيل، وذلك بتأكيده أن المنفى ليس مصدر بلاء خالص بل هو حقيقة ينبغي الترحيب بها. ويهاجم كابلان الصهاينة الذين يحاولون فَرْض نظرية تربوية تهدف إلى تنمية الحنين لدى الطفل اليهودي للهجرة وإلى غَرْس الإحساس في وجدانه بأنه لا يمكنه أن يحيا حياة سوية في الدياسبورا ولا يمكنه الاحتفاظ بهوية مستقلة. والواقع أن هذه المفاهيم لها نتائج هدامة على سعادة الطفل وعلى شخصيته (كما يقول كابلان) ، فهي تطلب منه أن يحيا حياة غير عادية دون أن تفسر له الأسباب. ويشير كابلان إلى أن الافتراض الصهيوني بأن اليهودي من المستحيل أن يشعر وكأنه في وطنه ضمن بيئة غير يهودية هو افتراض مبني على اليأس أو على الاستسلام والقدرية. ولذا، فإن على اليهودي التوطيني أن يشعر (حينما يذهب لزيارة أرض إسرائيل لخدمة شعبها) تماماً مثل أي أمريكي يقوم بعمل تبشيري أو ثقافي خدمة لمختلف الشعوب في الشرق الأقصى. تدور الصهيونية التوطينية حتى الآن في إطار فكر حركة الاستنارة الليبرالي التعاقدي (وفي إطار صورة مجازية ذرية آلية) . ولكن الصورة المجازية العضوية تبدأ في الظهور، فالانعتاق ليس انعتاق أفراد وحسب وإنما ينبغي أن يتم بشكل جماعي قومي. فالانعتاق هو منح الحرية للفرد والجماعة في آن واحد، حتى يتسنَّى للفرد أن يعبِّر عن نفسه من خلال حياته المشتركة مع مجموعته القومية. والصهيونية ليست ضد الاندماج وإنما هي ضد الاندماج الذي يؤدي إلى فقدان الذات والانصهار الكلي للأقليات. ولذا، فإن الرؤية النهائية هي رؤية مبنية على التنوع تؤيد انسجام وتنظيم الجماعات العضوية المختلفة بشكل تعاوني لإيجاد حياة مشتركة، ولكنها لا تؤيد دَمْج الفوارق لتزول وتصبح ذاتاً واحدة. والتأرجح هنا، بين الرؤية التعاقدية الآلية والرؤية العضوية، هو محاولة للتوصل إلى عقد اجتماعي بين أقليات أو قوميات عضوية تود كل واحدة منها الاحتفاظ بإثنيتها مع انتمائها إلى المجتمع الأمريكي، فكأن الإثنية جزء من كل، وهي الرؤية التي يستند إليها العقد الاجتماعي الأمريكي. وتستمد كل أقلية في المجتمع الأمريكي إثنيتها من الوطن الأصلي، كما أن العقد الاجتماعي الأمريكي يسمح بالحفاظ بهذه الإثنية وتنميتها ما دامت لا تتعارض مع مصلحة الدولة (ولعل هذا هو ما يُفسِّر إصرار الزعماء الصهاينة على أن تكون المصالح الأمريكية والإسرائيلية متماثلة حتى يتسنى لهم استغلال الأغلبية العظمى من يهود العالم الموجودين في الولايات المتحدة) . وقد صرح برانديز، عام 1912، بأن تعددية الولاء مرفوضة إذا كانت الولاءات متعارضة، ولكنه أكد أن هذا الوضع لا ينطبق على الصهيونية. ثم ذهب إلى حد التصريح بأن الولاء لأمريكا يتطلب أن يعتنق كل يهودي أمريكي العقيدة الصهيونية، مع أنه يعلم تماماً أنه لا هو، ولا حتى نسله، يمكن أن يعيشوا في فلسطين، وهذا أمر مفهوم طبعاً في إطار تماثل المصالح بين الدولة الصهيونية والدولة الأمريكية، وهو في هذا لا يختلف عن أي مواطن أمريكي آخر. وقد نجح الصهاينة التوطينيون في أن يعيدوا صياغة رؤيتهم لإسرائيل وعلاقتهم بها، فقد أصبحوا أقلية يهودية عضوية تنتمي إلى أمريكا وتنظر إلى إسرائيل باعتبارها الوطن الأصلي وباعتبارها مركزاً روحياً وركيزة للهوية. ومعنى هذا أنه تم تبنِّي الصيغة الصهيونية الإثنية (العلمانية) ، ومن ثم فإن الصهاينة التوطينيين لهم مركزان: أحدهما سياسي في الولايات المتحدة، والآخر إثني في إسرائيل. ولهذا، فإنهم يطالبون بفصل الدين عن الدولة في الولايات المتحدة ولكن بعضهم يحتج على انتشار العلمنة في الدولة اليهودية. ولكن مشكلة مثل هذا الصيغة أن الوطن الأصلي هو الوطن الذي يهاجر الإنسان منه لا إليه، ولذا فالتوطينيون قد أعطوا أساساً فلسفياً تاريخياً لتوطينيتهم ولتملصهم من الصهيونية. وقد أدرك الصهاينة الاستيطانيون منذ البداية ضرورة تَقبُّل هذا النوع من الصهيونية حتى يستفيدوا من دعم يهود الغرب الأثرياء، وأصبح هذا القبول جزءاً من العقد الصامت بين الحضارة الغربية والمنظمة الصهيونية بخصوص يهود العالم. ولذا، نجد أن الفيدرالية الصهيونية في نيويورك تعلن (عام 1899) عن ولائها للولايات المتحدة وأن هدفها هو دَعْم الصهيونية، من قبيل التعاطف وحسب. وقد ساعدت الصياغة الهرتزلية المراوغة على إنجاز هذا. وبعد وعد بلفور، أصبح مجال نشاط الصهيونية التوطينية العالم كله (خارج فلسطين) ، مهمتها الأساسية دعم النشاط الاستيطاني سياسياً ومالياً، وضمان استمرار الدعم الإمبريالي عن طريق الترغيب والترهيب. وتقوم الصهيونية التوطينية بتجنيد يهود الغرب لهذا الغرض، كما تقوم بتحقيق المفهوم الصهيوني الخاص بغزو الجماعات والقضاء على أية معارضة قد تنشأ في صفوفها. وحيث إن الغرب لم يعد يواجه مشكلة فائض يهودي ينبغي التخلص منه (وخصوصاً بعد الحرب العالمية الثانية) ، وحيث إن المُستوطَن الصهيوني يواجه أزمة طاقة بشرية، فقد أصبحت إحدى مهام الصهيونية التوطينية البحث عن مهاجرين. وقد تحاول الصهيونية التوطينية قدر استطاعتها ألا تتدخل في الأمور السياسية والاقتصادية والدينية الخاصة بالمُستوطَن الصهيوني، وإن كانت تتدخل في الأمور التي تخصها مثل قضية الهوية اليهودية. كما يُلاحَظ أن الولايات المتحدة (الدولة الراعية والتي تضم أكبر جماعة يهودية في العالم وأكثرها نفوذاً) تستخدم الصهاينة التوطينيين في الضغط والتأثير على الدولة الصهيونية. وبوسع هذه الصهيونية التوطينية أن تستوعب أية ديباجات سياسية (اشتراكية ـ ليبرالية ـ فاشية) . وقد كانت الصهيونية العمومية الاتجاه الذي يقوم بتنظيم الصهاينة التوطينيين. ولا يزال هناك اتحاد الصهاينة العموميين، ولكن منظمات صهيونية أخرى تشاركه هذه المهمة في الوقت الحالي، من أهمها منظمة الهاداساه في الولايات المتحدة. كما أن فروع المنظمة الصهيونية في أنحاء العالم تسهم بشكل أساسي في نشاط الصهيونية الخارجية. وقد جعلت الصهيونية الإثنية الدينية والعلمانية كل يهود العالم داخل وخارج إسرائيل مجالاً لها، ولذا نجد أن الصهاينة التوطينيين ينقسمون إلى دينيين وعلمانيين، شأنهم في هذا شأن المستوطنين الصهاينة (وإن كانت الأغلبية الساحقة للصهاينة التوطينيين علمانية) وبطبيعة الحال، ورغم العقد الصامت، هناك لحظات من الصراع بسبب اختلاف أهداف كلٍّ من الصهيونية التوطينية والصهيونية الاستيطانية. ولعل أشرس هذه اللحظات هي التي شهدت الصراع بشأن معاهدة الهعفراه (النقل) ، حيث وجد الاستيطانيون أن من صالحهم توقيع معاهدة مع ألمانيا النازية لضمان تدفُّق رأس المال والمهاجرين، وهو ما كان يعني ضَرْب المقاطعة اليهودية للبضائع النازية، بينما رأى التوطينيون ضرورة الاستمرار في المقاطعة. وبعد إنشاء الدولة، ظن الصهاينة التوطينيون أنهم سيستمرون في إدارة دفة المنظمة الصهيونية العالمية وفي الإشراف على الدولة كما كانوا يفعلون حتى عام 1948. ولكن الصهاينة الاستيطانيين كانوا قد فرغوا من عملية الاستيلاء على الأرض وطَرْد سكانها، ولذا فقد دخلوا صراعاً مع الصهاينة التوطينيين واستولوا على المنظمة تماماً. وقد استمرت عملية التهميش حتى أصبحوا يقنعون بدور ثانوي لأقصى حد. والصهيونية الاستيطانية لا تهدف إلى إنقاذ اليهود وإنما تهدف إلى توظيفهم في خدمة الصهيونية، ولذا فكثيراً ما يحاول الصهاينة الاستيطانيون إفشال محاولات يهود العالم إنقاذ أنفسهم بالهجرة إلى أي مكان، وإغلاق الأبواب دونهم حتى يضطروا للهجرة إلى فلسطين. ولذا، يُلاحَظ أن الصهيونية التوطينية ظهرت مرة أخرى أثناء الاضطهاد النازي كقوة مستقلة إذ أن الصهيونية الاستيطانية ركزت على تهجير العناصر البشرية القادرة على المساهمة في بناء المُستوطَن الصهيوني إلى فلسطين وأهملت الآخرين. كما أن موقف الدولة الصهيونية من المهاجرين السوفييت وإغلاقها أبواب الولايات المتحدة دونهم هو تعبير عن التناقض نفسه. وتحاول الدولة الصهيونية أحياناً إحراج التوطينيين والتقليل من شأنهم، ولذا قُدِّم اقتراح في المؤتمر الصهيوني الثامن والعشرين في القدس (1972) بأن الزعيم الصهيوني الذي لا يهاجر إلى إسرائيل خلال أربع سنوات من انتخابه لا يُنتخَب مرة أخرى. وقد أثار هذا الاقتراح ما يشبه الثورة، وهددت منظمة الهاداساه بالانسحاب إذا تمت الموافقة علىه. ويمكن إيجاز السمات الأساسية للصهيونية التوطينية فيما يلي: 1 ـ يتبنَّى اليهودي الشعارات الصهيونية كافة ويدافع عنها (قولاً) بحماس شديد. 2 ـ على مستوى الممارسة، لا يُتوقَّع من هذا اليهودي أن يهاجر بنفسه ويستوطن في فلسطين. ويُطلَب منه أمران اثنان: أ) دَفْع بعض الأموال (المعفاة من الضرائب) لدعم الاستيطان الصهيوني وللمساعدة في توطين اليهود (يهود شرق أوربا بالأساس) : مثل شراء سندات إسرائيل ودفع التبرعات للجامعة العبرية. وكثيراً ما يرفض الصهاينة التوطينيون الدفع، وهنا تلجأ الصهيونية الاستيطانية إلى ابتزازهم عن طريق تصعيد إحساسهم بالذنب وتوليد الإحساس عندهم بالحاجة النفسية إلى الصهيونية. ومن المعروف أن الولايات المتحدة لا تمانع في تدفُّق هذه المعونات اليهودية على إسرائيل، قاعدتها الإستراتيجية الأساسية في الشرق العربي، دون أن تتكبد هي أي عناء أو تكاليف. ب) أن يقوم الصهيوني التوطيني بالضغط على حكومته من أجل إقرار مصالح الدولة الصهيونية، ولا يمنع الأمر من حضور بعض التظاهرات أو إرسال خطابات لممثله في الكونجرس تطالبه بالتصويت لصالح مشاريع القرارات التي تخدم مصلحة إسرائيل. ولكن كل هذا يتم في إطار التعبير عن الإثنية اليهودية الأمريكية التي لا تتعارض مع المصالح القومية الأمريكية، أي أنها لا تتم في إطار المصالح القومية اليهودية. وعلى كلٍّ هذه مسألة محسومة تماماً، فالدولة الصهيونية جزء أساسي من المشروع الإمبريالي الغربي. وإن حدث تَعارُض في المصالح، كما حدث في واقعة بولارد، فإن يهود الولايات المتحدة يحددون ولاءهم وبشكل واضح مع دولتهم. 3 ـ يستمد اليهودي هويته المتعينة من مجتمعه العلماني الاستهلاكي، فهو أمريكي يهودي. ولكن هذه الهوية لا تستبعد بعض عناصر إثنية غير أمريكية، والواقع أن العقد الاجتماعي في العالم الغربي لا يرفض مثل هذا التنوع السطحي. وتتحقق هذه الهوية اليهودية من خلال دَفْع التبرعات (ولهذا، فإنها تُسمَّى «يهودية دفتر الشيكات» ) ، وكذلك من خلال الاحتفاظ ببعض الزخارف اليهودية التي لا تسبِّب الحرج لليهودي المندمج ولا تفرض عليه أية التزامات. وهذه الهوية اليهودية ستتدعم من خلال النظر لإسرائيل باعتبارها مركز الثقافة اليهودية وركيزتها الأساسية. والصهاينة التوطينيون يحتاجون إلى مثل هذا المركز في مجتمعاتهم العلمانية حيث يجابه الإنسان تآكل هويته وافتقاد المعنى بسرعة. 4 ـ تتحول إسرائيل من صهيون (التي يدور حولها الحلم المشيحاني بالعودة) إلى مسقط رأس اليهود، تماماً مثل أيرلندا بالنسبة إلى الأمريكيين الأيرلنديين وإيطاليا بالنسبة إلى الأمريكيين الإيطاليين والعالم العربي بالنسبة إلى الأمريكيين العرب. فكأن إسرائيل أصبحت الدولة التي يهاجر اليهودي منها لا إليها، وهو ما يعني أن الأسطورة الكامنة في الصهيونية التوطينية تقف على النقيض من الصهيونية الاستيطانية. 5 ـ يستطيع الصهيوني التوطيني أن يتبنَّى أية عقيدة سياسية تروق له وأن يؤيد أي حزب داخل إسرائيل. ويمكننا أن نقول إن معظم الرأسماليين اليهود في العالم الغربي من أتباع الصهيونية التوطينية. ولعل أقصى تعبير عن هذا الاتجاه هو ظهور كتاب هوارد ساخار الدياسبورا الذي لا يتضمن أي فصل عن الولايات المتحدة وكندا، فهما وطنان قوميان لليهود أما إسرائيل فهي الوطن الأم. والصهيونية التوطينية شكل من أشكال التملص من الصهيونية الاستيطانية. ولعل أكبر أشكال التملص أن أقلية (فقط) من الشعب اليهودي هي التي تعيش في إسرائيل. فعدد سكانها لا يزيد على أربعة ملايين من مجموع يهود العالم البالغ عددهم 12 مليوناً. وإذا كانت نسبة يهود المُستوطَن تتزايد بالنسبة إلى يهود العالم، فإن هذا ليس بسبب الهجرة وإنما بسبب تناقص عدد يهود العالم، وكذلك بسبب تزايد نسبة التكاثر بين المستوطنين بالقياس إلى نسبتها بين أعضاء الجماعات. وكما قال أحد المثقفين الفرنسيين، فإن أقلية (فقط) من اليهود هي التي تختار، أو اختارت إسرائيل، وهو ما يكشف عن حقيقة مهمة، وهي أن الأغلبية قد اختارت الشتات. ولعل هذا يفسر سبب بقاء إسرائيل بدون الأعداد الكبيرة من المنفيين من أبنائها الذين من أجلهم أُنشئت الدولة. وقد تذمَّر أحد الزعماء الصهاينة البارزين من أن اليهود الأمريكيين ينظرون إلى إسرائيل كما لو كانت «ديزني لاند» ، أي كمدينة ملاه يهودية أو متحف يهودي، وسماه آخر «فندق صهيون» ، أي مجرد مكان يؤمه الجمهور من أجل الاستمتاع والإثارة والثرثرة. وكما قال المثقف الفرنسي (المشار إليه) ، مستخدماً صورة مجازية تشبه صورة ديزني لاند المجازية، فإن معظم اليهود لا يُظهرون حماساً كبيراً للذهاب إلى إسرائيل إلا لمجرد قضاء إجازة هناك. وتدل الإحصاءات على أن اليهود لا يجدون أن صهيون مكان مسلٍّ بالقدر الكافي. ولذا، فنسبة السياح اليهود التي تذهب إلى بلاد أخرى غير أرض الميعاد تفوق كثيراً نسبة الذين يذهبون إلى إسرائيل. وقد وصف أحدهم هذا الضرب من الصهيونية بأنه مثل فرَق الأنشاد العسكرية التي تقف على المسرح (أو في أي مكان) وتغني بأعلى صوتها "إلى الأمام، إلى الأمام"، دون أن تبرح مكانها. وهناك بعض النوادر التي تعبِّر عن موقف الصهاينة التوطينيين. فيقال، على سبيل المثال، يقال إن البارون إدموند دي روتشيلد، وهو كبير أثرياء اليهود التوطينيين، الذي كان وعد بلفور خطاباً موجهاً إليه، سُئل عن المنصب الذي يريد أن يتبوأه في الدولة اليهودية فقال: منصب سفير الدولة في باريس أو لندن. وقد عرَّف أحدهم الصهيوني التوطيني (مقابل الاستيطاني) بأنه يهودي يأخذ تبرعات من يهودي آخر ويرسل بيهودي ثالث إلى أرض الميعاد. واليهوديان الأول والثاني من يهود العالم الغربي، أما الثالث فهو من يهود اليديشية. ولا يزال هذا هو النمط السائد في العالم، فيهود الاتحاد السوفيتي هم الذين يهاجرون إلى إسرائيل، أما يهود العالم الغربي فيكتفون بالتصفيق والدعم المالي والسياسي ويلزمون بيوتهم مكيفة الهواء. وقد لاحَظ بن جوريون أن كثيراً من المفاهيم والمصطلحات يتم الحفاظ عليها واستخدامها حتى بعد أن تفقد دلالتها، كما أن مصطلح «صهيوني» لا يمثل أي استثناء من القاعدة. وقد وصف الزعيم الصهيوني سلوك بعض اليهود الذين يصرون على تسمية أنفسهم «صهاينة» في الوقت الذي يتجاهلون فيه المقولة الصهيونية الأساسية، أي الهجرة، بأنه نوع من أنواع التزييف. وأصدق مثل على ذلك (في تصوُّره) يهود الولايات المتحدة (أي الأغلبية العظمى من يهود العالم) الذين لا يبدون أي استعداد للهجرة. ومع ذلك، فإنهم يصرون على تسمية أنفسهم صهاينة. ولكن مثل هذا الموقف ـ على حد قوله ـ شيء سخيف. وقد وصف ليفي أشكول الصهيونية التوطينية الوصف الذي تستحقه، باعتبارها قولاً معادياً للقومية (أي الصهيونية) ترتدي ثوباً لفظياً قومياً (أي صهيونياً) . بل قد اكتشف بن جوريون أن هذه الصهيونية إن هي إلا غطاء كثيف يغطي به الصهاينة التوطينيون الاندماج المتزايد الذي يتم على مستوى الفعل، فكأن الصهاينة التوطينيين يطلقون الديباجات اللفظية الجهورية التي تخبئ النكوص الحقيقي المعادي للصهيونية الاستيطانية. وقد اقترح بن جوريون تسمية هؤلاء الصهاينة الذين لا ينوون، لا هم ولا نسلهم، الاستيطان في إسرائيل «أصدقاء إسرائيل» أو «أصدقاء صهيون» . ويبدو أن حركة الصهيونية التوطينية قد بدأت تجتاح المُستوطَن الصهيوني نفسه، إذ نزحت أعداد ضخمة منه مهاجرة إلى الولايات المتحدة وتشكل دياسبورا إسرائيلية تنخرط في النشاط الصهيوني! وسوف نجد أن معظم المفكرين والمؤلفين والكُتَّاب اليهود، الذين يعيشون في العالم الغربي، يُظهرون تعاطفاً مع الصهيونية التوطينية. ومن أهم مفكري الصهيونية التوطينية كالن وسيلفر وكابلان. ويمكن أن نعتبر ناحوم جولدمان واحداً منهم. ويُعتبر برانديز من أهم القيادات السياسية التوطينية. لويس برانديز (1856-1941 ( Louis Brandeis أحد زعماء الصهيونية التوطينية في الولايات المتحدة. وُلد في الولايات المتحدة لأبوين مهاجرين من تشيكوسلوفاكيا من أصل ألماني ومن أتباع اليهودية الإصلاحية (وكانت أمه من أسرة من أتباع يعقوب فرانك) . لم يتلق برانديز أي تعليم ديني تقليدي إذ دخل مدرسة ألمانية في الولايات المتحدة ثم التحق بجامعة هارفارد. وقد حقق برانديز، شأنه شأن معظم الأسر الأمريكية اليهودية من أصل ألماني، معدلات عالية من الاندماج. ورُشِّح للوزارة عام 1914، ولكن ترشيحه رُفض لا بسبب يهوديته وإنما لأن بعض القوى المالية التي كانت لا توافق على آرائه المعادية للاحتكار كانت تخشى تعيينه. ألف برانديز كتاباً بيَّن فيه كيف أن المصالح المالية تتحكم في السياسة، وفي عام 1916، رشحه الرئيس ويلسون لعضوية المحكمة العليا الأمريكية (وكانت هذه أول مرة يُرشَّح فيها يهودي لهذا المنصب) . وقد أثار ترشيحه عاصفة، لا لأنه يهودي وإنما بسبب أفكاره الراديكالية. وقد تم تعيينه في نهاية الأمر ليظل في منصبه حتى تقاعد عام 1939. ويُعَدُّ برانديز من المصلحين الاجتماعيين في الولايات المتحدة، فقد شن حرباً ضد الاحتكارات، وعمل من أجل تحديد ساعات عمل المرأة. وكان يرى ضرورة أن يكون النظام الرأسمالي مُكوَّناً من وحدات صغيرة متنافسة. وكان برانديز يؤمن بأن القانون يجب ألا يكون أمراً ثابتاً أو نهائياً، وإنما يجب أن يُعاد تفسيره دائماً حسب الملابسات التاريخية، ولا يختلف فكره في الواقع كثيراً عن الفلسفة التي استند إليها برنامج نيو ديل New Deal الذي تم تطبيقه بعد عام 1933. ويرجع اهتمام برانديز بالصهيونية إلى خبرته في نيويورك حيث شهد بعض آثار الاستغلال الموجه ضد عمال النسيج من يهود اليديشية، وهو استغلال تتعرض له عادةً جماعات المهاجرين الذي يتحولون إلى عمالة رخيصة. ولكن يبدو أن برانديز تصوَّر أن معاداة اليهود لعبت دوراً في عملية الاستغلال هذه. كما التقى برانديز بجيكوب دي هاس، سكرتير هرتزل الذي عرَّفه بالفكر الصهيوني. وقد كان برانديز من المؤمنين بأن هناك تماثلاً كاملاً بين المثل العليا الأمريكية والصهيونية وأن كلاً منهما يغذي الآخر، ولذا فلا يوجد مجال لازدواج الولاء بالنسبة ليهود أمريكا إن تبنَّوا العقيدة الصهيونية. فمُثُل أمريكا (على حد قوله) هي نفسها مُثُل اليهود عبر تاريخهم. وكي يصبح الأمريكي اليهودي أكثر يهودية عليه أن يصبح صهيونياً. ومن ثم فعلى كل يهودي أمريكي أن يساعد المُستوطَن الصهيوني رغم أنه يعرف أنه لا هو ولا نسله سيعيشون هناك قط. وقد طالب برانديز بإعادة صياغة فلسطين ( «أرض الأجداد» على حد قوله) لا باعتبارها مكاناً للاستيطان وإنما باعتبارها مركزاً تُشعُّ منه الروح اليهودية وتعطي اليهود المبعثرين في كل أنحاء العالم هذا الوحي الذي ينبع من ذكريات ماض عظيم وأمل مستقبل عظيم. وببساطة شديدة، فإن كل هذه العبارات الرنانة تعني أن يهود أمريكا أمريكيون حققوا الاندماج في مجتمعهم في وطنهم القومي أما فلسطين فهي الوطن الأم الذي يساعدهم على الحفاظ على هويتهم ولكنهم لن يهاجروا إليه قط، فهذا أمر مقصور على اليهود الآخرين، عادةً يهود اليديشية. انضم برانديز للمنظمة الصهيونية عام 1912 في لحظة حرجة، إذ أن الحرب العالمية كانت قد همَّشت المنظمة في أوربا تماماً فاضطلع صهاينة أمريكا بمهمة دعم المُستوطَن الصهيوني، وخصوصاً أن الولايات المتحدة بدأت تتبوأ مكان القيادة. فتم تنظيم لجنة تنفيذية مؤقتة لشئون الصهيونية العامة في الولايات المتحدة (1914 ـ 1918) وعُيِّن برانديز رئيساً لها، غير أنه رفض رئاسة المنظمة الصهيونية العالمية واكتفى بأن يكون رئيساً فخرياً لها في الفترة 1920 ـ 1921. وقد ساهم برانديز في تحديد اتجاه عملية دعم وغوث المُستوطَن الصهيوني، كما ساهم في توسيع المنظمة الصهيونية وزار فلسطين بين عامي 1917 و 1919. وترأس برانديز الوفد الأمريكي في مؤتمر لندن الصهيوني عام 1920، وهو أول اجتماع للمنظمة الصهيونية بعد الحرب العالمية الأولى. ساهمت اللجنة التنفيذية المؤقتة في إدارة المُستوطَن الصهيوني وفي إرسال العون للمستوطنين، وقامت البحرية الأمريكية أيضاً بالمساعدة في ذلك. وكان السفير الأمريكي في القسطنطينية على اتصال دائم بالمُستوطَن الصهيوني بإيعاز من برانديز. ويمكن القول بأنه حتى دخول الولايات المتحدة الحرب عام 1917 كانت اللجنة التنفيذية المؤقتة هي الدعامة الأساسية للمُستوطَن. وقد نجح برانديز في الاحتفاظ بحياد المنظمة الصهيونية أثناء الحرب متبعاً في ذلك السياسة الأمريكية. وكانت قيادة الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة آنذاك من أصل ألماني، ولذا كانت عواطفهم تتجه نحو ألمانيا وحاولوا دَفْع المنظمة نحو اتخاذ خط ممالئ للوطن الأصلي، ولكن برانديز نجح في وقف هذا الاتجاه. ولكن، مع انتصار الحلفاء، قرر برانديز تعديل السياسة الصهيونية واتصل بالرئيس ويلسون الذي عبَّر عن تعاطفه مع الصهيونية، ثم اتصل بالسفيرين الفرنسي والإنجليزي في واشنطن وعرض عليهما المشروع الصهيوني. وقد رتب الرئيس ويلسون لاجتماع بين بلفور وبرانديز. وفي هذه الآونة أيد برانديز إنشاء الفيلق اليهودي. ولعب دوراً في حث الحكومة الأمريكية على قبول وعد بلفور. قام برانديز بعد ذلك بإعداد ما يُسمَّى «برنامج بتسبرج» (1918) الذي دعا إلى الملكية العامة للأرض في فلسطين (لمنع السمسرة والمضاربة) وإلى الموارد الطبيعية والمرافق وإلى تشجيع الخطوات التعاونية في تطوير الزراعة والصناعة. وفي عام 1920، عشية مؤتمر سان ريمو الذي أعلن الوصاية البريطانية على فلسطين، نجح برانديز في التأثير على ويلسون لتعديل حدود فلسطين الشمالية بحيث اختلفت عن تلك التي نص عليها اتفاق سايكس بيكو. وبعد مؤتمر سان ريمو، ظهرت التناقضات بين برانديز بنزعته التوطينية واتجاهاته الاندماجية من جهة، ومن جهة أخرى ممثلي الصهيونية الاستيطانية التي تحاول أن تستفيد من كل يهود العالم ولا تتركهم وشأنهم، وكذلك ممثلي الصهيونية الإثنية (الدينية والعلمانية) التي تحاول أن تفرض على يهود العالم هوية يهودية محددة تتناقض مع طموحاتهم الأمريكية نحو الاندماج الكامل (وهو التناقض الذي سماه أحد الصهاينة «الصراع بين واشنطن ومنسك» ) وقد قدَّم برانديز عدة اقتراحات جوهرها فك الاشتباك تماماً بين صهاينة الخارج التوطينيين وصهاينة الداخل المستوطنين بحيث يصبح كل فريق فيهم حراً تماماً عن الآخر، على أن يتم التواصل بينهم من خلال حكومة الانتداب (الممثل الرسمي للاستعمار الغربي) . ويظهر مدى إلحاح رغبة برانديز في فك الاشتباك بين التوطينيين والاستيطانيين في تأييده مشروع نوردو الخاص بنقل عدد ضخم من اليهود إلى فلسطين لخلق أغلبية سكانية فورية تتمتع بعد قليل بالسيادة الكاملة على أن تتم العملية برمتها تحت إشراف حكومة الانتداب وداخل إطار المصالح الغربية. ويتلخص اقتراح برانديز في محاولة تحديد مهمة الصهاينة التوطينيين ونطاق عملهم على المستويين الدولي الخارجي والفلسطيني الداخلي: 1 ـ في المجال الدولي، كان برانديز يرى أن مهمة الصهيونية السياسية أو الدولية قد انتهت تماماً مع صدور وعد بلفور إذ أن حكومة الانتداب ستستوعب كل مهام الصهيونية السياسية الدولية. ولذا، يستطيع الصهاينة التوطينيون إسقاط هذا الجانب من نشاطهم. ويجب على كل قيادات الحركة الصهيونية (باستثناء سوكولوف ووايزمان) تَرْك النشاط الاستيطاني والدولي وأن يركزوا على محاولة تأسيس منظمة صهيونية قوية ليس لها طابع سياسي تضم اليهود غير الصهاينة الذين ينضمون إليها في إطار حكومة الانتداب بهدف جَمْع رأسمال يموِّل المشاريع التي ليس لها عائد. 2 ـ أما على الصعيد الفلسطيني، فقد اقترح برانديز أن تمثل المنظمة الصهيونية في فلسطين مجموعة تكنوقراطية بعيدة تماماً عن السياسة، متخصصة في المشاريع التي ليس لها عائد مثل الصحة العامة والزراعة (إصلاح الأراضي) والصناعة، وتتخذ قراراتها خارج أي إطار عقائدي ولا تلتزم إلا بالعمل داخل نطاق حكومة الانتداب. ويقوم المستوطنون من الناحية السياسية بتمثيل أنفسهم من خلال مجالس تمثيلية تشرف عليها حكومة الانتداب، وبذا تنتفي العلاقة المباشرة مع يهود وصهاينة العالم. ولا يختلف الأمر كثيراً من الناحية الاقتصادية إذ طالب برانديز بأن يصبح المستوطنون مستقلين تماماً يديرون شئونهم على أسس رأسمالية سليمة بهدف أن يصبحوا معتمدين على أنفسهم ومكتفين بذاتهم ويشجعوا الاستثمارات الفردية الرأسمالية. إن جوهر اقتراح برانديز هو إسقاط الخصوصية الصهيونية من المشروع الاستعماري الصهيوني وتحويله إلى مشروع استعماري غربي لا يختلف من قريب أو بعيد عن المشاريع الأخرى. ومن ثم لا يتحرك التوطينيون إلا في نطاق حكومة الانتداب ولا يتحرك الاستيطانيون إلا في النطاق نفسه ولا يلتقي الطرفان إلا داخله. ولم يوافق وايزمان وقيادات يهود اليديشية وممثلي الصهيونية الاستيطانية على اقتراحات برانديز للأسباب التالية: 1 ـ ذهب وايزمان إلى أن برانديز لا يعرف طبيعة الاستيطان الذي يتطلب الدعم الدائم، ومن ثم فإن إدارة المشروع الصهيوني الاستيطاني على أسس رأسمالية سيطيح به. 2 ـ ما بين مؤتمر سان ريمو وإعلان الدولة كان الاستيطانيون يعرفون أنهم يحتاجون إلى دعم الصهاينة التوطينيين سياسياً ومالياً، وهو ما يحاول برانديز وضع نهاية له. 3 ـ إسقاط الديباجات القومية اليهودية كان يُعَدُّ ضربة في الصميم لمحاولة تأكيد الصلة بين المستوطنين ويهود العالم، وهي صلة كان يحرص عليها المستوطنون لتوظيفها لصالحهم. ولذا أصر الاستيطانيون على أن تظل المنظمة الصهيونية العالمية منظمة للشعب اليهودي بأسره تعبِّر عن إرادة هذا الشعب ومن ثم يمكنها أن تبتز أمواله. وقد وُصف مشروع برانديز بأنه «صهيون بدون صهيونية» أي أنه مشروع استيطاني في فلسطين ليست له خصوصية يهودية (وهو خلاف «الصهيونية بدون صهيون» وهي الصهيونية الإقليمية) . ويمكن القول بأن الاستيطانيين أدركوا أن طبيعة المرحلة تتطلب استمرار التشابك بينهم وبين التوطينيين ويهود العالم. ولذا، فقد سمحوا بدخول العناصر غير الصهيونية إلى الوكالة اليهودية لكن داخل الإطار الصهيوني، وتم تأسيس الصندوق التأسيسي (كيرين هايسود) وأُنفقت بعض أمواله المخصصة للأعمال الخيرية والمشاريع التي لا عائد لها على مشاريع استثمارية، فاعترض برانديز فيما يُسمَّى «مذكرة زبلاند» التي قدِّمت للمنظمة الصهيونية في أمريكا (1921) . وقد رُفضت اقتراحات برانديز وأُخذ بوجهة نظر وايزمان، فاستقال برانديز (هو وبعض الصهاينة) وقطع علاقته بالمنظمة الصهيونية، ولكنه ظل يمارس ما سماه «النشاط التعاوني» وأسس شركة فلسطين الاقتصادية لتصب فيها الهبات والمنح (ومعنى ذلك أنه استمر في نشاطه الخيري التوطيني) . وقد أدلى برانديز ببعض التصريحات التي يُفهَم منها رفضه الرؤية الصهيونية بقضها وقضيضها. وقد سُمِّيت جامعة برانديز باسمه. ويمكن القول بأن برانديز أدرك طبيعة المشروع الصهيوني من البداية وأنه جزء من المشروع الاستعماري الغربي، كما أدرك طبيعة العلاقة بين الاستيطانيين والتوطينيين، وكل ما في الأمر أنه طرح رؤيته في مرحلة مبكرة للغاية. ولكن التطورات اللاحقة سواء في المُستوطَن الصهيوني أو بين الصهاينة التوطينيين أثبتت صدق رؤيته، إذ أن الدولة الصهيونية أصبحت جزءاً أساسياً من المشروع الاستعماري الغربي، مدينة له بوجودها واستمرارها، وهي لا تعتمد على مساعدات يهود العالم التي لا تشكل سوى نسبة مئوية ضئيلة من المساعدات التي تصلها من الولايات المتحدة. والعلاقة بين الصهاينة المستوطنين والصهاينة التوطينيين تتم في إطار المصالح والأولويات الإستراتيجية الغربية. فرانز أوبنهايمر (1864-1943 ( Franz Oppenheimer عالم اجتماع واقتصاد ألماني وصهيوني توطيني، ورائد فكرة إقامة مستوطنات زراعية تعاونية للمستوطنين اليهود في فلسطين. وُلد في برلين لأب كان يعمل حاخاماً إصلاحياً، ودرس الطب ومارسه حتى عام 1896 ثم تحوَّل اهتمامه إلى دراسة العلوم الاجتماعية فحصل عام 1908 على درجة الدكتوراه فيها وعمل محاضراً في جامعة برلين (1909 ـ 1917) ثم أستاذاً لعلم الاجتماع والنظرية الاقتصادية في جامعة فرانكفورت (1919 ـ 1929) . وقد استقر في الولايات المتحدة منذ عام 1938 وحتى وفاته. وقد عارض أوبنهايمر نظرية مالتوس السكانية، وكذلك مفاهيم ماركس الاقتصادية، وسعى إلى تقديم بديل يجمع بين الأفكار الاشتراكية الإصلاحية والأفكار الليبرالية الاجتماعية وهو ما أسماه «الاشتراكية الليبرالية» . ويرى أوبنهايمر أن السبيل إلى تلافي الصراع الاجتماعي الناجم عن التفاوتات الجائرة بين الناس يتمثل في القضاء على الملكية الاحتكارية للأرض الزراعية التي تؤدي إلى تَسارُع هجرة الريفيين إلى المناطق الحضرية ومن ثم إلى خَلْق جيش من العمال. ويقترح أوبنهايمر أن يُستبدَل بالملكية الاحتكارية نظام تعاوني يقوم على إعادة توزيع الأرض على عدد أكبر من الفلاحين المستقلين، وهو ما يؤدي إلى استعادة التنافس الحر وبالتالي تحقيق "الاشتراكية الليبرالية". أما اهتمام أوبنهايمر بالصهيونية وشئون اليهود، فيرجع إلى عام 1902 عندما التقى بهرتزل الذي طلب منه صياغة الجوانب الاقتصادية والزراعية في البرنامج الصهيوني. وقد نفَّذ أوبنهايمر تلك المهمة وتقدَّم باقتراحاته إلى المؤتمر الصهيوني السادس (1903) الذي أقرها. وفي عام 1911، قام مكتب فلسطين التابع للجنة التنفيذية للمنظمة الصهيونية بإنشاء مستوطنة تعاونية في يافا استناداً إلى أفكار أوبنهايمر. ورغم فشل المشروع، فإن مكتب فلسطين كان الأساس الذي قامت عليه المستوطنات الزراعية التعاونية التي أقامها المستوطنون اليهود في فلسطين والتي تُعرَف باسم «الموشاف» . إلا أن أوبنهايمر لم يكن متحمساً للدعاوى القومية للحركة الصهيونية فهو صهيوني توطيني يرى المشروع الصهيوني باعتباره وسيلة للتخلص من الفائض البشري اليهودي وحسب. وقد أدَّى هذا إلى ابتعاده عن أية مشاركة رسمية في الأنشطة الصهيونية منذ عام 1913. وقد وضع عدة مؤلفات تعرض أفكاره الاقتصادية والإصلاحية وأبرزها الدولة (1907) ، ومنهج علم الاجتماع (1922 ـ 1935) ليو موتزكين (1867-1933 ( Leo Motzkin قائد صهيوني روسي وُلد في قرية كييف ونشِّيء تنشئة يهودية تقليدية في أسرة ثرية. أرسلته أسرته ليدرس في برلين في سن الخامسة عشرة. وفي برلين، أسَّس عام 1889، مع فيكتور جيكوبسون وشماريا ليفين وغيرهما، الجمعية الأكاديمية اليهودية الروسية التي انضم إليها وايزمان فيما بعد. ساعد هرتزل في تنظيم المؤتمر الصهيوني الأول (1897) ، وساهم في صياغة برنامج بازل، وقد كلفه المؤتمر الأول بعمل بَحْث عن المستوطنات اليهودية في فلسطين قدمه للمؤتمر الثاني (1898) . غادر برلين مع اندلاع الحرب العالمية الأولى (لأنه كان يعتقد أن الحلفاء سينتصرون) ، وترأس مكتب كوبنهاجن. وقد استقر في باريس بعد الحرب إلى آخر أيامه. كان من أشد المتحمسين للغة العبرية ومن أوائل من تحدثوا بها في المؤتمرات الصهيونية وكان أيضاً ممن يعتقدون أن الكفاح من أجل حقوق اليهود في بلاد الشتات أو الدياسبورا من أهم واجبات الحركة الصهيونية. ولذا، فقد ساهم موتزكين مع كلٍّ من ستيفن وايز وناحوم جولدمان في تأسيس المؤتمر اليهودي العالمي. برنارد لازار (1870-1903) Bernard Lazare كاتب وصحفي فرنسي بدأ حياته مدافعاً عن الحركات الاشتراكية والفوضوية. وقد كتب عدة مقالات في مجلات دورية كانت فيما بعد أساساً لكتابه معاداة اليهود: تاريخها وأسبابها الذي صدر عام 1894. وقد تضمَّن هذا الكتاب فقرات من النقد الشديد لبعض القطاعات اليهودية واعتبر أن اليهود هم أنفسهم سبب العداء الذي يتعرضون له. وكان لازار يرى أن معاداة اليهود يمكنها أن تلعب دوراً بنَّاءً في الفكر الاشتراكي وأن كُره الناس للرأسمالية اليهودية سيؤدي إلى النفور من الرأسمالية في جميع أشكالها. لكن موقف لازار تغيَّر تماماً بالنسبة للمسألة اليهودية بعد قضية دريفوس. فهبَّ لنصرة الضابط الفرنسي وحارب من أجل رد اعتباره، ونشر عدة كتب محاولاً إظهار براءته. وقد انتُخب لازار نتيجة موقفه الجديد في لجنة العمل في المؤتمر الصهيوني الثاني، ولكن لم يكن لديه اقتراح بمكان معيَّن تُنشأ فيه الدولة الصهيونية المُقترَحة. كما أنه، من ناحية ثانية، هاجم بشدة الداعين للاندماج كنوع من الحل. وقد اختلف لازار بعد ذلك مع هرتزل بشأن إقامة الصندوق القومي اليهودي لتمويل الاستيطان اليهودي في فلسطين، معارضاً أن تتحول حركة البعث اليهودي إلى ما أسماه «العملية الرأسمالية» ، وأنهى علاقته بالحركة الصهيونية. وقد مات لازار شبه منسي، وكتب مرثيته الكاتب الكاثوليكي شارل بيجي. جيكوب دي هاس (1872-1937 ( Jacob de Haas كاتب وقائد صهيوني وُلد في لندن من أصل هولندي. انخرط في شبابه في الحركة الصهيونية. ومع صدور كتاب هرتزل دولة اليهود، بدأ في مراسلته، وكان واضحاً له منذ البداية أن هدف الحركة الصهيونية هو توطين اليهود في فلسطين من أجل إقامة دولة يهودية هناك. عمل أميناً للمؤتمر الصهيوني الأول (1897) ثم سافر عام 1902 إلى الولايات المتحدة بناء على طلب هرتزل حيث استقر هناك، وصار أميناً لاتحاد الصهاينة الأمريكيين حيث استمر في ذلك المنصب من 1902 إلى 1905. استقال بعدئذ لاختلافه مع القيادة الصهيونية في الولايات المتحدة وانتقل إلى بوسطن ليحرر مجلة جويش أدفوكيت. قابل برانديز ونجح في ضمه للحركة الصهيونية وإقناعه بتولي قيادة الاتحاد، وكانت علاقتهما بعد ذلك قوية جداً. ومع انتخاب برانديز عام 1916 كعضو في المحكمة الدستورية العليا بالولايات المتحدة، أصبح دي هاس المنفذ الرئيسي لأفكاره في الحركة الصهيونية في أمريكا، ومع تأسيس المنظمة الصهيونية الأمريكية عمل قائداً لها من عام 1918 وحتى عام 1921، ولكنه ترك قيادتها مع هزيمة الكتلة البرانديزية وتزعَّم حركة «العودة إلى هرتزل» ، وكان من مناصري الصهيونية العامة ومعجباً بفلاديمير جابوتنسكي، فانضم عام 1935 إلى المنظمة الصهيونية الجديدة. وتُوفي دي هاس في نيويورك عام 1937. ستيفن وايز (1874-1949 ( Stephen Wise حاخام أمريكي إصلاحي وقائد صهيوني توطيني. وُلد في بودابست وارتحل مع أسرته إلى الولايات المتحدة وعمره 17 شهراً. أصبح حاخاماً عام 1900، وحصل على الدكتوراه من جامعة كولومبيا عام 1902. وعُرض عليه عام 1906 منصب حاخام معبد عمانويل في نيويورك الذي كان يُعتبَر أهم الأبرشيات، ولكن ظهر نزاع بينه وبين لويس مارشال رئيس الأبرشية حول مدى حرية التعبير إذ أصر مارشال أن حاخام الجماعة لابد أن يخضع لقرارات مجلس أمنائها في الأمور الحيوية المهمة. وقد رفض وايز هذا الرأي وأسَّس المعبد الحر في نيويورك وظل يعمل حاخاماً لهذا المعبد حتى وفاته. والأساس الذي انبنى عليه هذا المعبد هو أن يعبر الحاخام عن آرائه بحريته الكاملة، وأن يكون نظام الجلوس في مقاعد المعبد حراً تماماً أيضاً غير مقيد بمقدار تبرع المصلي. فمن المعروف أن مقاعد المعابد كانت تُباع للمصلين وكانت قيمة المقاعد تزداد بمقدار مدى القرب أو البُعْد عن لفائف التوراة، وكلما ازداد المقعد قرباً من هذه النقطة ازدادت قيمته. وقد نجم عن ذلك أن المقاعد الأمامية كانت دائماً مخصَّصة للأثرياء وكانت المقاعد الخلفية مخصَّصة للمُعدَمين ومقاعد الوسط لمتوسطي الحال، أي أن طريقة الجلوس في المعبد كانت تعكس البناء الطبقي للجماعة اليهودية. وقد بدأ النشاط الصهيوني لوايز في تسعينيات القرن التاسع عشر. كان وثيق الصلة بتيودور هرتزل حيث التقيا في بازل في المؤتمر الصهيوني الثاني (1898) . وقد كان من قبل يشغل منصب أمين الحركة الصهيونية في أمريكا. وفي مؤتمر السلام في فرساي، تحدَّث وايز بلسان الحركة الصهيونية. وأسس، مع آخرين، المؤتمر اليهودي الأمريكي عام 1916، وكان نائباً لرئيسه في الفترة 1922 ـ 1925، ثم ترأسه بين عامي 1936 و1949. وفي هذه الفترة، عمل على إفشال المؤتمر اليهودي العالمي الثالث والمؤتمر الذي دعا إليه المموِّل الأمريكي اليهودي أُنترماير، وقد كانا يحاولان تنظيم حركة المقاطعة اليهودية للنازية في وقت كانت الحركة فيه آخذة في التنامي. وقد قام بذلك حتى تستطيع الحركة الصهيونية الاستمرار في التعاون مع النظام النازي من خلال اتفاقية الهعفراه. ورغم حربه الشرسة ضد يهود العالم لصالح المستوطنين، كان وايز صهيونياً توطينياً من الدرجة الأولى. فبعد إعلان الدولة لم يهاجر إليها، ولعله لو طال به العمر لاصطدم ببن جوريون ولتم القضاء على نفوذه كما حدث مع بقية القيادات الصهيونية التوطينية التي كانت تتصوَّر أن بوسعها التحكم في المُستوطَن الصهيوني من خلال المنظمة. إدموند فليج (1874-1963) Edmond Fleg شاعر وكاتب مسرحي وقاص فرنسي، لعب دوراً مهماً في الفكر الصهيوني، وقد وُلد في جينيف، وكان في سنوات تكوينه الأولى متباعداً عن اليهودية نفسياً وفكرياً إذ نشأ في أسرة مندمجة، وتعلَّم في مدارس وجامعات غير يهودية في أوربا ومن بينها السوربون. وفي عام 1914، انضم إلى الكتيبة العسكرية الفرنسية للأجانب، واشترك في الحرب العالمية الأولى، وحصل بعد عامين على الجنسية الفرنسية، ثم عاد إلى باريس والتحق بالخدمة المدنية وواصل دراسته. وكان فليج ـ بالاشتراك مع المؤرخ جول إسحق ـ من مؤسسي إحدى الحركات من أجل الإخاء المسيحي ـ اليهودي، وكتب في مستهل حياته عدة مسرحيات ناجحة شعبياً، لا علاقة لها باليهودية، مثل فاوست (1937) . ثم حدث التحول في حياته نتيجة هزة نفسية تعرَّض لها عقب قضية دريفوس، إذ شعر فجأة بيهوديته (على حد قوله) ، فانكب على دراسة جادة لما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» ، وقدَّم للقارئ الفرنسي على مدى أربعين سنة أعمالاً تدور حول موضوعات يهودية. بدأ اهتمام فليج بالصهيونية وشارك في بلورة فكرها والدعاية لها بعد حضوره المؤتمر الصهيوني الثالث (1899) . ومن أهم أعماله الأدبية لماذا أنا يهودي (1928) ، وهو تحليل لعودته إلى اليهودية وصف فيه التجربة التي مر بها، وإن كان التحليل في نهاية الأمر لا يجيب على أي تساؤل ولا يحل أي تناقض. وفي كتاب فلسطين أرض الميعاد يعبِّر فليج عن أمله في إحياء الروح اليهودية وإنشاء الدولة الجديدة وإن كان يتساءل عن جدوى إقامة وطن لليهود في فلسطين ما دام مصيرهم سيكون مهدداً فيها كما هو الحال في كل مكان، وهل يستطيع هذا الجيتو الجديد أن يحل مشكلة اليهود؟ أما المجموعة الشعرية اسمعي يا إسرائيل فهي ملحمة شعرية تقص تاريخ الشعب اليهودي حتى إعلان إسرائيل، بدأها عام 1906 واستمر في كتابتها والإضافة لها عبر حياته ولم تُنشر إلا عام 1954 وهي تُعتبَر صورة يهودية مطابقة لعمل فيكتور هيجو الأدبي أسطورة الأجيال. وقد كان لفليج تأثير في الأدب الفرنسي ذي الطابع اليهودي، كما حاول جاهداً في كتاباته إظهار التوافق بين الثقافة الغربية والقيم اليهودية. ورغم اهتمام فليج باليهودية والصهيونية، فإنه كان أساساً من الصهاينة التوطينيين الذين يدافعون عن الصهيونية كمثل أخلاقي أعلى وحركة لحل مشاكل اليهود الآخرين. فيلكس فرانكفورتر (1882-1965 ( Felix Frankurter صهيوني توطيني كان يعمل قاضياً بالمحكمة الدستورية العليا الأمريكية. وُلد في فيينا عام 1882، ثم هاجر مع أبويه إلى الولايات المتحدة عام 1894. تخرَّج في كلية الحقوق في جامعة هارفارد عام 1906 وأصبح مساعد المدعي العام الأمريكي في نيويورك. وأصبح مساعداً لوزير الحرب الأمريكي عام 1911. وكان أستاذاً للقانون الإداري بهارفارد حتى تم اختياره قاضياً بالمحكمة الدستورية العليا عام 1939. وأخيراً، كان المستشار القانوني للوفد الصهيوني الأمريكي لمؤتمر السلام في باريس، وشارك مشاركة فعالة في مفاوضات فيصل/ وايزمان. وقد ابتعد فرانكفورتر عن المشاركة في النشاطات الصهيونية بعد استقالة برانديز ولكنه استمر في النشاط الصهيوني التوطيني والإثني من خلال عضويته في مجلس مديري أصدقاء الجامعة العبرية في القدس. وكان فرانكفورتر صديقاً شخصياً لروزفلت. وتُوفي في نيويورك عام 1965. أبراهام جولدبرج (1883-1942 ( Abraham Goldberg قائد صهيوني وكاتب. وُلد في روسيا عام 1883 وشارك في النشاط الصهيوني منذ شبابه. هاجر إلى الولايات المتحدة عام 1918 واستقر هناك. وفي عام 1903، أسَّس مع آخرين أول جماعة لعمال صهيون في الولايات المتحدة. كان من مؤيدي خطة التوطين في شرق أفريقيا ومن الإقليميين الاشتراكيين. شارك في تأسيس عدة جرائد يديشية صهيونية واشترك في تنظيم المؤتمر اليهودي الأمريكي. وأصبح بعد الحرب عضواً في المكتب السياسي للمنظمة الصهيونية الأمريكية وحارب ضد مجموعة برانديز أثناء معركتهم مع حاييم وايزمان عام 1921. وعمل مراسلاً ومبعوثاً لحاييم وايزمان مرتحلاً بين عدة جماعات يهودية لشرح فكرة توسيع الوكالة اليهودية، وصار منذ عام 1937 عضواً في المكتب التنفيذي للوكالة. فريدريك كيش (1888-1943) Frederick Kisch مهندس عسكري بريطاني وقيادي صهيوني. وُلد في الهند حيث كان أبوه يعمل في الإدارة المدنية الهندية، وأتم دراسته في الأكاديمية العسكرية الملكية والتحق بالجيش الهندي. وقد خاض الحرب العالمية الأولى، وبعد إصابته عُيِّن في إدارة الاستخبارات العسكرية في مكتب شئون الحرب وكان مسئولاً عن الفرع المختص بروسيا وإيران والصين واليابان. وبعد انتهاء الحرب، اختير ضمن الوفد البريطاني إلى مؤتمر باريس للسلام (1919 ـ 1921) وقد استقال كيش من الخدمة العسكرية عام 1923 وقَبل دعوة حاييم وايزمان ـ زعيم المنظمة الصهيونية العالمية آنذاك ـ للانضمام إلى عضوية اللجنة التنفيذية الصهيونية في القدس وهي هيئة قيادية فرعية للمنظمة الصهيونية العالمية. ومن خلال موقعه هذا، قام كيش بدور بارز في دعم التعاون والتنسيق بين القادة الصهاينة وسلطات الانتداب البريطاني في فلسطين. كما تولَّى كيش الإشراف على المكتب السياسي التابع للجنة، وهو أداة جنينية لأنشطة الاستخبارات، حيث عمل على تنظيم شبكة تجسُّس من المستوطنين اليهود كانت تتستر وراء الهيئات العامة كالنوادي والجمعيات الخيرية. وفي عام 1931، ترك كيش منصبه القيادي في الحركة الصهيونية وتفرَّغ لإدارة مشروعات تجارية في حيفا، ولكنه واصل إمداد المستوطنين الصهاينة بنصائحه في شئون الأمن. وعند اندلاع الحرب العالمية الثانية، عاد كيش إلى الخدمة العسكرية في صفوف القوات البريطانية فتولى مسئولية مد خطوط الإمدادات المائية إلى المنشآت العسكرية في منطقة شمال أفريقيا، وقد لقي مصرعه في إحدى العلمليات العسكرية. وقد سجل كيش تفاصيل علاقته بالحركة الصهيونية وأنشطته على أرض فلسطين في كتاب يوميات فلسطين (1938) ومن الواضح أن كيش صهيوني توطيني يرى المشروع الصهيوني باعتباره مشروعاً استعمارياً غربياً، ولا يكترث بسماته اليهودية الخاصة. أبا هليل سيلفر (1893-1963) Abba Hillel Silver حاخام أمريكي وزعيم صهيوني وُلد في ليتوانيا وهاجر إلى أمريكا عام 1901 وانخرط في سلك الصهيونية منذ صباه حيث أسس نادياً لأحباء صهيون الصغار. وعلى هذا الأساس، شارك في الاتحاد الصهيوني الأمريكي. ويُعَدُّ من أوائل الحاخامات الإصلاحيين الذين انضموا للحركة الصهيونية وحاربوا الاتجاهات المعادية لها في صفوف أتباع اليهودية الإصلاحية. وقد انحاز إلى القاضي برانديز أثناء الخلاف بينه وبين وايزمان (1920 ـ 1921) ، لكنه ما لبث أن عاد إلى أحضان المنظمة الصهيونية ومثَّل الصهاينة الأمريكيين في عديد من المؤتمرات الصهيونية وساهم في تأسيس النداء اليهودي الموحَّد والنداء الفلسطيني الموحَّد. وقد كثَّف جهوده أثناء المناورات الصهيونية لإنشاء الدولة الصهيونية مستخدماً الوسائل الدبلوماسية والتقليدية والضغط عن طريق الرأي العام، وقد لجأ سيلفر للضغط المكشوف دون أي خوف من أن يُتهم بازدواج الولاء، وشارك منذ عام 1943 فيما عُرف بعدئذ باللوبي الصهيوني. وقد ترأس المنظمة الصهيونية الأمريكية بين عامي 1945 و1947 وظل رئيساً فخرياً لها حتى موته. ومما يُذكر أنه بعد قيام الدولة، اصطدم سيلفر وبن جوريون الذي كان يفضل دائماً أن ينظر إلى أعضاء الجماعات اليهودية في العالم على أنهم مجرد وسيلة لتحقيق أنبل غاية يهودية، أي الدولة الصهيونية: وهذا تعريف يرفضه سيلفر وزعماء صهيونية الدياسبورا التوطينيون الذين يصرون على ازدواجية ولاء اليهودي الأمريكي بحيث يكون ولاؤه السياسي لبلده وولاؤه العاطفي الثقافي لإسرائيل. ويمكننا أن نرى علاقته مع بن جوريون في إطار العلاقة العامة بين التوطينيين الذين يرسلون الدعم المالي والاستيطانيين الذين يؤدون المهمة الأساسية للاحتلال (أي الاستيطان) ، وهي علاقة تجمع بين الحب والكراهية في آن واحد. ومما صعد التناقض بينهما أن كليهما كان يطمع في الزعامة. لكن الاستيطانيين رفضوا بشدة أن يعطوا أي دور للتوطينيين. وقد كان سيلفر من دعاة تدعيم القطاع الخاص في الاقتصاد الإسرائيلي الأمر الذي كان يمثل تهديداً كبيراً للبيروقراطية العمالية الصهيونية الحاكمة. والحاخام سيلفر مشيحاني الاتجاه يجمع بين الفكر الإصلاحي الاندماجي والرؤية المشيحانية، وقد أعرب عن رأيه في أن الصهيونية ليست مجرد حل لمشكلة لاجئين وإنما هي قضية روحية لخلاص الشعب اليهودي. ومن أهم مؤلفاته تأملات حول الماشيَّح المنتظر في يسرائيل القديمة، ومواطن اختلاف اليهودية عن الديانات الأخرى. ناحوم جولدمان (1894-1982 ( Nahum Goldman زعيم صهيوني توطيني مؤسِّس المؤتمر اليهودي العالمي. وُلد في ليتوانيا ونشأ وتعلَّم في ألمانيا حيث حصل على الدكتوراه في القانون، وانخرط في سلك النشاط الصهيوني وهو بعد في سن الخامسة عشرة. وقد حاول أثناء الحرب العالمية الأولى وبعدها أن يثير اهتمام الحكومة الألمانية بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين تحت رعاية ألمانيا (وقد كان مثل هرتزل من كبار المعجبين بالروح العسكرية البروسية) . وأسس مع كلاتزكين في برلين دار إشكول لنشر الكتب العبرية، وكان من أعضاء جماعة العامل الفتي، ولكنه تركها وانضم إلى جماعة الصهاينة الراديكاليين وحضر جميع المؤتمرات الصهيونية منذ عام 1921، وساهم في تأسيس المؤتمر اليهودي العالمي عام 1936 (وهي فكرة باركها الزعيم الفاشيستي موسوليني في اجتماع بينه وبين جولدمان ساده الفهم المُتبادَل، وقد أبدى الدوتشي استعداده لدعم هذا المؤتمر) . وتولَّى جولدمان رئاسة المؤتمر اليهودي العالمي في الفترة بين عامي 1953 و1977، كما تولَّى رئاسة المنظمة الصهيونية العالمية منذ عام 1956 حتى عام 1968 وقد أصبح مواطناً إسرائيلياً عام 1964، ولكنه لم يلعب دوراً ذا بال في الحياة السياسية هناك. ومن أهم مساهمات جولدمان في دعم التجميع الاستيطاني في إسرائيل، إتمام اتفاقية التعويضات الألمانية التي دفعت الحكومة الألمانية بمقتضاها تعويضات لأسر اليهود الذين قُتل ذووهم في معسكرات الاعتقال. وقد ذهبت معظم التعويضات التي بلغت 822 مليون دولار إلى إسرائيل، هذا غير المبالغ التي دُفعت للأفراد (وقد اعترف جولدمان نفسه بأن مجموع التعويضات الفعلي قد بلغ 40 ألف مليون مارك، أي حوالي أربعة بلايين دولار) . وبعد عام 1967، تزايدت الانتقادات التي وجهها جولدمان إلى الحكومة الإسرائيلية بشأن قضية السلام، ولم يُعَد انتخابه رئيساً للمنظمة الصهيونية العالمية عام 1968 وأصبح بعد ذلك مواطناً في سويسرا. وحاول زيارة مصر عام 1969 ولكن جولدا مائير، رئيسة الوزراء آنذاك، رفضت المبادرة. وقد طلب جولدمان من كارتر أن يحطم اللوبي الموالي لإسرائيل في الولايات المتحدة. ويُلاحَظ أنه، على المستوى الفلسفي والفكري، يوجد تياران متصارعان في تفكير جولدمان، التيار الأول حلولي كموني صهيوني معاد للتاريخ من الناحية السياسية. فالتاريخ اليهودي، حسب جولدمان، يعبِّر عن تفرُّد الشعب اليهودي الذي بقى عبر التاريخ بسبب مقدراته الروحية ووحدتها، وهي مقدرات تخلع على تاريخ البشرية بأسره جلاله ومغزاه، فكأن الشعب اليهودي هو المطلق الكامن في مركز التاريخ وركيزته الأساسية. بل إن الشعب اليهودي في علاقته مع الأغيار يشبه علاقة المسيح مع من صلبوه. فالبشرية التي يعيش اليهود بينها هي المسئولة عن عذابهم. هذه الأمة ذات علاقة حلولية عضوية بالأرض الفلسطينية، ومن ثم تصبح الدولة الصهيونية حتمية وتصبح حقوق اليهود في الأرض مطلقة. وحتى لو سلمنا بأن العرب أصحاب حق في فلسطين فيجب إدراك أن هذه الحقوق لا تُقارَن بالحقوق اليهودية المطلقة فيها. ولكن جولدمان كصهيوني توطيني يكمل هذه الرؤية الحلولية بأخرى أقل حلولية وأكثر تفتحاً، فهو يؤمن بأن الإله لا يتجسد في كل تعرجات ونتوءات التاريخ اليهودي ولا يتدخل دائماً فيه، الأمر الذي يترك مساحة واسعة للحرية الإنسانية، ولا يوجد قَدَر محدَّد مرسوم لليهود خططه الإله خصيصاً لليهود منذ بدأ الكون، فإذا كان الإله مسئولاً عن انتصار عام 1967 فهو بلا شك مسئول عن أوشفيتس أيضاً، أي أن جولدمان يرى أن الإله منزَّه عن الطبيعة والتاريخ وأن الخالق لا يحلّ في المخلوق ولا يذوب فيه، ومن ثم فإن الإنسان مخيَّر وليس مسيَّراً. ولأن جولدمان قادر على رؤية التاريخ اليهودي بهذه الطريقة، فإنه قادر على تقييمه وعلى التهكم على الرؤية المشيحانية الميلودرامية، فهو يعقد مقارنة بين الإنجليز واليهود فيقول: "في القرن الماضي فَقَد الإنجليز إمبراطوريتهم ولكنهم تخطوا أحزانهم، أما اليهود فقد فَقَدوا الهيكل منذ ألفي عام ولم يَكفُّوا عن النواح عليه منذ ذلك الوقت بل خصصوا يوماً للنواح، لو فَقَد اليهود إمبراطوريتهم لصاموا يوماً من كل أسبوع"، أي أنه يرى أن المركزية التي يخلعها اليهود على أنفسهم أو تخلعها الحلولية اليهودية عليهم ترهقهم تماماً وتُفقدهم إنسانيتهم وتضع على كاهلهم عبئاً ثقيلاً. وإذا كان التاريخ ليس موضع الحلول الإلهي وإنما مجال حرية الإنسان، فلا حتميات إذن: لا حتمية في الصراع العربي الإسرائيلي، والأرض الفلسطينية ليست أرضاً بلا شعب كما ادعى الصهاينة. ومعاداة اليهود ليست خالدة ولا أزلية، كما أن يهود العالم لا يتمتعون بأية وحدة حلولية عضوية فيما بينهم أو بينهم وبين إسرائيل. هاتان الرؤيتان (الحلولية والإنسانية) تتبدَّيان في رؤيتين متناقضتين (كما هو الحال مع الصهاينة التوطينيين) . فمن حق اليهودي أن يحس بالولاء تجاه البلد الذي ينتمي إليه، ولكن من حقه أيضاً أن يشعر بالولاء تجاه إسرائيل، دون أن يشعر بأي تناقض، لأن جولدمان كان قد حرَّر يهود العالم من عبء الرؤية الحلولية فإنه قد ترك إسرائيل أسيرة دائرة القداسة، فهي تقبع داخلها. ومن ثم، فإن ولاء اليهودي ولاء سياسي تاريخي، أما ولاؤه لإسرائيل فهو ولاء ديني حلولي (ويحس جولدمان شخصياً بالولاء لجنيف العلمانية والقدس الحلولية) . لكل هذا، فإن العودة لصهيون ليست مسألة حتمية أو مرغوباً فيها، فبإمكان اليهود البقاء في أوطانهم والاحتفاظ بهويتهم والدفاع عن حقوقهم. ولذا، يجب ألا يتدخل المُستوطَن الصهيوني في شئونهم. وبدلاً من الدعاية من أجل هجرة اليهود السوفييت وإحراجهم، يجب النضال من أجل تحسين أحوالهم وضمان تمتُّعهم بحقوقهم كاملة. وبالطريقة نفسها، يجب ألا يتدخل يهود العالم في شئون إسرائيل. بل إن جولدمان يطالب بأن تكون مهمة المنظمة الصهيونية حماية اليهود في كل بلد وتأتي العلاقة مع إسرائيل في المرتبة الثانية. ما وظيفة إسرائيل إذن في حياة يهود العالم؟ هنا يظهر موضوع المركز الروحي (فكرة آحاد هعام) . فجولدمان يرى أن انفصال يهود العالم انفصالاً كاملاً عن اليهود واليهودية هو نوع من أنواع الموت من خلال القلب (مثل منفيي الروح عند بن جوريون) . وحتى يتمكن القلب والروح اليهوديان من أن ينعما بالحرية، يجب تخصيص دولة تكون مركزاً روحياً تُولَد فيها أفكار جديدة وتصبح مصدر إلهام للشعب اليهودي المشتت. ويُشكِّل تَضامُن يهود العالم مع إسرائيل، أو المركز الروحي، جزءاً أساسياً في حياة كل منهما، فإذا كان وجود يهود العالم مستحيلاً بدون الدولة (فهم مهددون بالاندماج والانصهار) فوجود الدولة الصغيرة مستحيل بدون الدياسبورا (يهود العالم) ، أي أن هناك مركزين لليهودية. ورغم أن جولدمان يُلقي عبء المطلقية على الدولة الصهيونية في علاقتها باليهود، فإنه ينظر لها بطريقة أكثر تركيباً في علاقتها بالدول العربية. فقد لاحظ جولدمان أن إسرائيل تعتمد اعتماداً شبه كامل على الدول الغربية، مع أنه يرى أن على إسرائيل أن تتعامل مع الواقع العربي المحيط بها، وخصوصاًً أن الزمن لا يعمل لصالحها، فكل الانتصارات الإسرائيلية لم تنجح حتى الآن في حسم المسألة. وفي العصر الحديث، نجد أن كل الشعوب، حتى أصغرها عدداً، تتمتع بحق تقرير المصير الذي يجب أن يشمل الفلسطينيين. ولذا، فقد طالب جولدمان بالاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية (بشروط صهيونية) . وعلى إسرائيل أن تقبل سلاماً رسمياً في إطار ضمانات دولية، وأن تتصرف كدولة في الشرق الأوسط، إذ لا يوجد أي مستقبل للدولة اليهودية دون تفاهُم كامل مع العرب. بل إنه طالب بأن تصبح إسرائيل (المركز الروحي لليهود) سويسرا الشرق: دولة محايدة تماماً وتتحرك خارج نطاق الصراعات والسياسات الدولية. ويبرر جولدمان حياد إسرائيل على أساسين: واحد حلولي مغلق والآخر إنساني منفتح. فدولة إسرائيل المحايدة تتويج لمعاناة اليهود التي استمرت ألف عام، وحيادها سيؤدي إلى تعاون هائل بين العرب وإسرائيل الأمر الذي يجعل المنطقة تقترب من شيء يشبه المرحلة المشيحانية. أما التبرير التاريخي السياسي فهو يَصدُر عن إدراك جولدمان لعنصرين أساسيين في إسرائيل: 1 ـ لا يسكن إسرائيل أكثر من عشرين بالمائة من يهود العالم، ومن غير الواقعي تصوُّر أن أكثرية اليهود ستتجمع في إسرائيل خلال العقود المقبلة. وعلى أية حال، فبدون تضامن يهود العالم ما كان ليتم تأسيس الدولة الصهيونية، وما كان بمقدورها الاستمرار في الوجود حتى الآن. والواقع أن حياد إسرائيل المقترح يمكن أن يوفر لجميع يهود العالم مركزاً ثقافياً أخلاقياً ودولة غير متورطة في مشكلات السياسة الدولية. وبذا، يتمكن يهود العالم من الخلاص من تهمة الولاء المزدوج. 2 ـ دولة إسرائيل تشبه الشوكة في حلق العالم العربي فهي دولة (وظيفية) تدور في إطار المصالح الغربية يمكنها عرْقلة السياسة المشتركة لهذا العالم، ولو كانت إسرائيل محايدة وغير ضالعة في مسائل السياسة الدولية الأساسية لاستطاع العالم العربي قبول الأمر الواقع (أي وجود إسرائيل) على نحو أسهل. وقبل موته بثلاثة أعوام، صرح جولدمان لمجلة ألمانية بأن إسرائيل تمثل فشل تجربة، وأنها كارثة أضخم من أوشفيتس. وقبل موته بشهر واحد، نشر إعلاناً في جريدة ليموند يدعو إلى مبادرة إسرائيلية فلسطينية للاعتراف المتبادل. نسيم جعون (-1922 ( Nessim Gaon رجل أعمال وُلد في السودان لعائلة يهودية سفاردية ذات أصول تركية هاجرت إلى مصر ثم انتقلت إلى السودان حيث عمل والده في الحكومة السودانية في الخرطوم في ظل وجود الاستعمار البريطاني في المنطقة. وتخرَّج جعون في مدرسة كومبوني في الخرطوم وانضم خلال الحرب العالمية الثانية إلى الجيش البريطاني حيث اشترك في القتال في سوريا والعراق وإيران وإيطاليا وشمال أفريقيا. وبعد تسريحه من الجيش، عاد إلى السودان حيث التحق بتجارة الأسرة. وفي عام 1957، بعد أن نالت السودان استقلالها، وبعد رحيل الاستعمار البريطاني عن المنطقة، انتقل جعون إلى جنيف حيث شيَّد مؤسسة تجارية عالمية متخصِّصة في مجالات الاستيراد والتصدير والاستثمارات والعقارات. ونشط جعون بشكل بارز في مجال الشئون اليهودية. ففي الخرطوم عمل سكرتيراً ونائباً لرئيس الجماعة اليهودية في السودان، وفي جنيف نجح في توحيد الجماعة الإشكنازية والجماعة السفاردية وأصبح رئيساً للجماعة المتحد ة التي أصبحت تمثل الجماعتين منذ عام 1966. واهتم جعون بالجماعة السفاردية بشكل خاص وعمل رئيساً للاتحاد السفاردي العالمي منذ عام 1971. كما احتل منصب نائب رئيس المؤتمر اليهودي العالمي منذ عام 1973. وقدَّم جعون تبرعات ومساهمات عديدة لإسرائيل، وأصبح عام 1971 عضواً في مجلس إدارة جامعة بارابلان الإسرائيلية. وفي عام 1973، أصبح رئيس مجلس إدارة جامعة بن جوريون في بئر سبع. ويأتي دعم جعون السخي لإسرائيل، مثل غيره من أثرياء يهود الغرب، في إطار ما يمكن تسميته «الصهيونية التوطينية» حيث يقوم هؤلاء بدعم وتأييد إسرائيل مادياً وسياسياً وبتمويل النشاط الاستيطاني بها دون أن يهاجروا هم بأنفسهم إليها. ولذلك، يتخذ هذا الدعم شكلاً حماسياً واستعراضياً ويتسم بنبرته العالية. إلا أن هذا الدعم يأتي في المقام الأول كتعبير عن مصالح الرأسمالية العالمية ومصالحها الإمبريالية التي يخضع أثرياء الغرب من اليهود لآلياتها، شأنهم شأن غير اليهود، ويشكلون جزءاً لا يتجزأ من نسيجها. ولكن هناك بُعداً آخر لدعم جعون للمُستوطَن الصهيوني، إذ يبدو أنه يقوم بدعم الأحزاب السفاردية في المُستوطَن الصهيوني (تامي مثلاً) بهدف أن تقوم هذه الأحزاب بتمثيل مصالحه والقيام بتسهيل أعماله والدفاع عنها. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
مؤسسات توطينية
Institutions Promoting the Settlement of Members of Jewish Communities مؤسسات ظهرت بين يهود العالم الغربي المندمجين، أساساً في الولايات المتحدة، ويعود تاريخها إلى أواخر القرن التاسع عشر، وظهور المسألة اليهودية في شرق أوربا بين يهود اليديشية وتدفُّق ملايين المهاجرين منهم على دول أوربا الغربية (إنجلترا وفرنسا) ووسطها (ألمانيا) ثم على الولايات المتحدة، الأمر الذي هدَّد المواقع الطبقية والمكانة الاجتماعية ليهود العالم الغربي بسبب تميُّز يهود اليديشية دينياً وإثنياً ووظيفياً واقتصادياً. وقد قام أثرياء يهود الغرب المندمجين بتمويل هذه الجمعيات التي حاولت توطين هؤلاء المهاجرين بعيداً عن أوربا. وقد تزامن ظهور المؤسسات التوطينية مع تنامي الحركة الصهيونية، كما أن هذه المؤسسات تتفق مع الحركة الصهيونية في بعض الأهداف وإن اختلفت الوسائل. وكلاهما يتفق على بعض عناصر الصيغة الصهيونية الشاملة، فكل من المؤسسات التوطينية والحركة الصهيونية تهدف إلى التخلص من يهود اليديشية (الفائض البشري اليهودي في المُصطلَح الصهيوني) . وكانت الصهيونية تحاول إنجاز هذا الهدف عن طريق الاستيلاء على أرض فلسطين وطَرْد سكانها وإحلال المستوطنين اليهود محلهم وتوظيفهم في خدمة الاستعمار الغربي. أما المؤسسات التوطينية، فكانت تهدف إلى إنجاز الهدف نفسه من خلال ما يلي: 1 ـ توطين المهاجرين اليهود في البلاد الاستيطانية التي تحتاج إلى مادة بشرية مثل أمريكا اللاتينية (الأرجنتين على وجه الخصوص) وأستراليا، على أن يذوبوا في المجتمعات الجديدة ويصبحوا جزءاً من أهلها وثقافتها. ويُلاحَظ أن عملية التوطين تتم في إطار التشكيل الاستعماري الاستيطاني الغربي بشكل عام، وليس لها مضمون يهودي محدد. ويُلاحَظ أن البلاد التي كان التوطين يتم فيها تتسم بأن عملية الإبادة والإحلال للسكان الأصليين فيها كانت قد اكتملت (ولذا، فإن التوطين هنا يتم بموافقة السلطة الجديدة والعنصر البشري المهيمن وليس رغماً عنه) ، وكانت المؤسسات التوطينية تشجع اليهود المهاجرين على التخلي عن ميراثهم الثقافي والديني والاقتصادي وعلى الاندماج بل الذوبان في مجتمعهم الجديد. 2 ـ مساعدة يهود اليديشية على الاندماج في بلادهم عن طريق تحديث مؤسساتهم التربوية والثقافية وعن طريق تحويلهم إلى عناصر منتجة (أي تحويلهم من جماعة وظيفية، تقع خارج بناء المجتمع الطبقي والثقافي إلى مواطنين عاديين، مندمجين في مؤسساته الثقافية والاجتماعية والاقتصادية) . وعادةً ما كان هذا يتم من خلال مشاريع توطينية تقوم بها الحكومات المختلفة في أرض زراعية بكر. ولعل أهم هذه المشاريع تلك المشاريع التي قامت بها روسيا القيصرية ثم السوفيتية وساهمت فيها الحركات التوطينية. 3 ـ مساعدة المهاجرين الذين وصلوا بالفعل إلى المجتمعات الغربية على الاندماج واكتساب هوية جديدة. ويمكن القول بأن التوطين من أهم أهداف معظم مؤسسات الغوث اليهودية (مثل الأليانس إسرائيليت يونيفرسل) إن لم يكن الهدف الوحيد. ولكن كانت هناك أيضاً مؤسسات توطينية خاصة مثل أجروجوينت وإميج ديركت وأورت وأوزت وإيكا وإيكور وكومزت وهياس وهيسم. وكما أسلفنا، فإن هذه المؤسسات لم تكن ذات توجُّه صهيوني استيطاني، بل كانت (في بعض الأحيان) معادية للصهيونية وللأهداف السياسية الكامنة في عملية التوطين في فلسطين. ومع هذا، فقد كان كثير من المؤسسات التوطينية يقوم بنشاط صهيوني توطيني إذ أنها كانت تساعد على توطين يهود اليديشية في فلسطين باعتبار أن هذا هو إحدى وسائل التخلص من اليهود، وهذا ما نطلق عليه اصطلاح «الصهيونية التوطينية» . وكثير من هذه الجمعيات تم استيعابه داخل الشبكة الصهيونية العامة بحيث أصبح يمارس نشاطه داخل إطار صهيوني. ولكن هذا هو النمط العام لكثير من النشاطات اليهودية في العالم الغربي، فقد تم استيعابها داخل النشاط الصهيوني بعد أن أصبحت الصهيونية جزءاً مستقراً في التشكيل الاستعماري الغربي. لجنة التوزيع المشتركة الأمريكية اليهودية American Jewish Joint Distribution Committee اختصارها «JDC» ويشار إليها أحياناً باسم «جوينت Joint» وحسب. وهي منظمة أمريكية يهودية تأسست عام 1914 تحت اسم «لجنة التوزيع المشتركة للأموال الأمريكية من أجل غوث ضحايا الحرب من اليهود» وتحت رئاسة فليكس واربورج. وقد قامت بتأسيسها ثلاث منظمات أمريكية يهودية (هي: اللجنة الأمريكية اليهودية للغوث، واللجنة المركزية للغوث، واللجنة الشعبية للغوث) بهدف تنسيق وتوحيد عمليات جمع التبرعات وغوث أعضاء الجماعات اليهودية في الخارج، وخصوصاً في أوربا حيث كان شبح الحرب يهدد باقتلاع مئات الآلاف من اليهود وغير اليهود من بلادهم. وقد كان من أبرز مؤسسيها أثرياء اليهود الأمريكيين ذوي الأصول الألمانية أمثال عائلات واربورج وليمان وروزنفالد وغيرها والتي كانت تخشى من تدفُّق موجات جديدة من يهود شرق أوربا إلى الولايات المتحدة. ولذلك، كانت المهمة الأساسية لهذه المنظمة تقديم الغوث ومجموعة من الخدمات الطبية والصحية والاجتماعية والاقتصادية، وإقامة برامج إعادة التأهيل لأعضاء الجماعات اليهودية، الأمر الذي يتيح لهم البقاء والاستمرار في أوطانهم الأصلية. كما كان دعمها للاستيطان اليهودي في فلسطين يهدف في المقام الأول إلى تحويل جزء من هجرة يهود أوربا المرتقبة إلى فلسطين. وقد شاركت المنظمة في عمليات الغوث في بولندا وألمانيا في خلال الحرب العالمية الأولى، وأنفقت 14.937.783 دولاراً لدعم التجمع اليهودي في فلسطين، كما أرسلت لهم عام 1915 سفينة محملة بأطنان من المواد الغذائية. أما بعد الحرب، فقد شاركت المنظمة في مواجهة المجاعة التي اجتاحت مناطق واسعة من أوربا الشرقية، وساعدت أعضاء الجماعات اليهودية في روسيا وبولندا ورومانيا والمجر، وأقامت مؤسسات صحية وجمعيات لرعاية الأطفال في هذه البلاد، وخصوصاً في بولندا حيث أقامت عام 1923 منظمة صحية هي «توز TOZ» (جمعية الرعاية الصحية لليهود في بولندا) وأخرى لرعاية الأطفال عام 1926 هي «كانتوس Cantos» ، كما عملت الجمعية على إعادة فتح ورعاية المدارس والمؤسسات الدينية التعليمية التي حطمتها الحرب. ولكن نشاطها الأكثر أهمية تَركَّز في مجال إعادة تأهيل أعضاء الجماعات اليهودية في شرق أوربا اقتصادياً، وتحويلهم إلى قطاع اقتصادي منتج من خلال تأسيس شبكة من جمعيات الإقراض وجمعيات الائتمان التعاونية، وإقامة المدارس الفنية والتجارية وإعادة توطين أعضاء الجماعات في الأراضي الزراعية. وقد وصل عدد جمعيات الإقراض بحلول عام 1939 نحو 915 جمعية، بلغ حجم معاملاتها السنوية أربعة ملايين دولار، وأصبح يعتمد عليها اقتصادياً حوالي مليون من يهود بولندا. وفي عام 1924، أقامت المنظمة، بالتعاون مع جمعية الاستيطان اليهودي (إيكا) ، «المؤسسة الأمريكية المشتركة لإعادة البناء» ، برأسمال قيمته خمسة ملايين دولار، لتكون الجهة المسئولة والمشرفة على جمعيات الائتمان التعاونية والتي بلغ عددها عام 1939 نحو 687 جمعية منتشرة في بولندا ورومانيا وليتوانيا ولاتفيا، قدمت حتى عام 1939 خمسة ملايين قرض قيمتها 581 مليون دولار. كما ساهمت المنظمة في عملية إعادة توطين اليهود في الأرضي الزراعية، وأسست عام 1924 منظمة أجرو ـ جوينت خصيصاً للإشراف على هذه العملية داخل الاتحاد السوفيتي. كما قامت لجنة التوزيع المشتركة بدعم بعض المنظمات اليهودية الأخرى، مثل منظمة «أورت» العاملة في مجال التأهيل المهني والفني ومنظمة «أوزيه OZE» العاملة في مجال الرعاية الصحية خارج بولندا. وفي فلسطين، قامت المنظمة بنشاط مهم في مجال الرعاية الصحية، وخصوصاً في مكافحة مرض الملاريا، وتعاونت عن كثب مع المنظمة الصهيونية الأمريكية ومنظمة هاساداه في هذا المجال. وفي عام 1926، قدَّمت المنظمة مبلغ 1.8 مليون دولار للمؤسسة الاقتصادية لفلسطين التي كانت قد تأسَّست حديثاً لدعم الاستثمار الاقتصادي في فلسطين وتنمية القاعدة الاقتصادية للتجمع اليهودي الاستيطاني بها. وفي عام 1931، أعادت المنظمة نفسها تحت اسمها الحالي. وفي عام 1939، كوَّنت مع النداء الفلسطيني الموحَّد منظمة النداء اليهودي الموحَّد لتوحيد عمليات جَمْع وتلقِّي التبرعات. ومع صعود النازية في ألمانيا، ثم اندلاع الحرب العالمية الثانية، ساهمت المنظمة في غوث وتهجير وإعادة تأهيل اليهود الألمان وغيرهم من يهود أوربا، وتعاونت في ذلك مع منظمة هيسم. وبعد الحرب، قامت المنظمة بغوث 250 ألفاً من اللاجئين اليهود، كما شاركت في نَقْل كثير منهم إلى فلسطين. وبعد إقامة الدولة الصهيونية، قامت المنظمة بتشغيل وتمويل مؤسسة مالبن للمسنين في إسرائيل، كما تقوم بدعم المؤسسات التعليمية اليهودية داخل إسرائيل وخارجها. وقد أقامت برامج تعليمية ومهنية وصحية للجماعات اليهودية في دول شمال أفريقيا وإيران كما قدَّمت مساعداتها للمهاجرين اليهود الذين استقروا في فرنسا والقادمين من دول شمال أفريقيا. وقد عاودت المنظمة نشاطها في الاتحاد السوفيتي وفي دول شرق أوربا بعد عام 1957، إلا أن هذا النشاط توقَّف في أعقاب حرب عام 1967 فيما عدا نشاطها مع رومانيا. الأليانس إسرائيليتش ذو فين (التحالف الإسرائيلي في فيينا ( Allianz Israelitische Zu Wien منظمة يهودية تأسَّست في فيينا عام 1873 بهدف الدفاع عن الحقوق المدنية والدينية للجماعات اليهودية وتنمية مجتمعاتهم من خلال التعليم. وكان مقرراً في بداية الأمر أن تعمل هذه المنظمة كفرع للأليانس إسرائيليت في باريس ولكنها تأسست كمنظمة مستقلة بسبب رفض السلطات النمساوية التي كانت ترتاب في نوايا الأليانس. من أبرز مؤسسيها وأول رئيس لها جوزيف فون فيرتهايمر. وقد اهتمت هذه المنظمة بمساعدة يهود رومانيا والصرب، واشتركت في إغاثة ضحايا الحرب الروسية التركية اليهود (1877) ، كما أيدت الأليانس إسرائيليت في جهودها للحصول على الحقوق المدنية ليهود البلقان وتبنت قضيتهم خلال مؤتمر برلين عام 1878. كذلك اشتركت المنظمة في تنظيم هجرة يهود روسيا بعد أحداث عامي 1881 و1882 وهجرة يهود رومانيا الكبرى في الفترة بين عامي 1900 و1902، ونظمت عمليات الإغاثة ليهود روسيا بعد أحداث كيشينيف عام 1903. وقد قامت المنظمة بهذه الأنشطة بالتعاون مع جمعية الاستيطان اليهودي (إيكا) . كذلك اهتمت المنظمة بمحاربة معاداة اليهود (خصوصاً تهمة الدم) ، كما أقامت مؤسسات تعليمية في جاليشيا وبوكوفينا. وخلال الحرب العالمية الأولى، اشتركت الأليانس إسرائيليتش في إغاثة ضحايا الحرب من اليهود (أكثر من 100 ألف لاجئ من جاليشيا على وجه الخصوص) . وبعد الحرب، شاركت المنظمة في تنظيم الهجرة اليهودية عبر الأراضي النمساوية. وقد تمت تصفية الأليانس إسرائيليتش عام 1938 بعد ضم ألمانيا النازية للنمسا. الأليانس إسرائيليت يونيفرسل (التحالف الإسرائيلي العالمي ( Alliance Israelite Universelle منظمة يهودية فرنسية توطينية تأسَّست عام 1860 في باريس بهدف الدفاع عن الحريات المدنية والدينية للجماعات اليهودية وتنمية المجتمعات اليهودية المختلفة عن طريق التعليم والتدريب المهني وإغاثة اليهود في الأزمات. والواقع أن وضع فرنسا، باعتبارها الدولة المهيمنة في أوربا آنذاك، قد أهَّل قيادات الجماعة اليهودية في فرنسا لتأسيس وقيادة أول منظمة يهودية في العصر الحديث تعمل في مجال الدفاع عن حقوق الجماعات اليهودية على المستوى العالمي. ومن ناحية أخرى، لعبت المنظمة دوراً مهماً في خدمة المصالح الاستعمارية الفرنسية، من خلال نشر الثقافة الفرنسية. وكان لآل روتشيلد في فرنسا دور بارز في هذا الاتجاه حيث عملوا على تحويل سياسات الأليانس وعلى التأثير عليها وربطها بالمصالح الاستعمارية الفرنسية آنئذ. كذلك عمل أدولف كريمييه رجل الدولة الفرنسي اليهودي الذي ترأس الأليانس في الفترة 1863 ـ 1880 على توثيق التعاون بين المنظمة وبين الخارجية الفرنسية والسلطات الفرنسية في مستعمراتها. وفي المجال السياسي، تدخلت الأليانس للدفاع عن حقوق يهود روسيا ورومانيا وبلجيكا والصرب. وكان أول إنجاز ناجح لها في ضمان الحقوق المدنية والدينية ليهود سويسرا عام 1867. وفي مؤتمر برلين عام 1878، عملت المنظمة بالتعاون مع بعض المنظمات الأخرى على الدفاع عن حقوق يهود البلقان كما أهتمت بأوضاع يهود المغرب وتدخلت لدى سلطان المغرب في مؤتمر مدريد عام 1880 لتحسين أوضاعهم. وبعد الحرب العالمية الأولى، نشطت المنظمة في مؤتمر فرساي للسلام عام 1919 من أجل حقوق يهود رومانيا وبولندا والمجر وغيرها من الدول المُوقِّعة على معاهدات السلام، كما تدخلت لصالح يهود المغرب العربي ويهود فارس. كذلك عملت الأليانس في مجال إغاثة ضحايا الحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية من أعضاء الجماعات اليهودية في مختلف أنحاء العالم. فساعدت ضحايا يهود شرق أوربا خلال مجاعة عام 1869، كما ساعدت ضحايا الهجمات في روسيا عام 1881 ثم في عامي 1903 و1905. كما اشتركت في إغاثة ضحايا الحرب العالمية الأولى وضحايا المجاعة في روسيا عام 1922، كذلك ساعدت ضحايا الكوارث والاضطرابات الطائفية في كلٍّ من رومانيا والمغرب وتركيا ودمشق. كما شاركت الأليانس في تنظيم ومساعدة هجرة الجماعات اليهودية من شرق أوربا منذ عام 1869، وخصوصاً خلال الهجرة اليهودية الكبرى بعد عام 1881، وأسست لجنة في مدينة كونيجسبرج لتنظيم عمليات الهجرة بالتنسيق مع منظمات يهودية أخرى. كذلك، اشتركت المنظمة في عدة مؤتمرات نظمتها المنظمات اليهودية لبحث إمكانات الهجرة والاستيطان في مناطق أخرى غير الولايات المتحدة. وقد تعاونت الأليانس في مسائل الهجرة بشكل خاص مع جمعية الاستيطان اليهودي (إيكا) . وبحلول عام 1891، كانت الأليانس قد قررت إيقاف مساعداتها للاجئين اليهود حتى لا تشجع مزيداً من الهجرة. ومن أهم مجالات نشاط الأليانس، المجالان الثقافي والتعليمي حيث أسَّست شبكة تعليمية واسعة في دول البلقان والشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وحققت تقدماً سريعاً في هذا المجال بفضل دعم البارون موريس دي هيرش الذي قدَّم للأليانس عام 1874 مليون فرنك ذهب ثم عشرة ملايين فرنك ذهب عام 1889. وقد تأسَّست أول مدرسة لها في مدينة تطوان بالمغرب عام 1862 لحقتها مدارس أخرى في طنجة (1869) ودمشق (1865) وبغداد (1865) وطهران (1898) وتونس (1878) وفلسطين. كما أسَّست مدرسة حاخامية في إستنبول عام 1897 ومدارس في اليونان وبلغاريا ورومانيا والصرب. وفي عام 1867، افتُتحت في باريس المدرسة الإسرائيلية الشرقية العليا لتدريب المعلمين، وقد وصل حجم الطلاب الملتحقين بمدارس الأليانس عام 1914 نحو 48 ألف طالب. كما أرسل الأليانس عدة بعثات لاستطلاع أوضاع يهود الفلاشاه في إثيوبيا عام 1868، وفي اليمن عام 1908. وقد أُغلقت أغلب مدارس الأليانس في دول البلقان عقب الحرب العالمية الأولى ثم تركَّز نشاطها التعليمي منذ ذلك الحين في شمال أفريقيا والشرق الأوسط. وقد واجهت هذه المدارس معارضة من الجماعات اليهودية في هذه البلاد التي كانت تخشى تأثير التعليم الغربي العلماني على الحياة اليهودية التقليدية. وبالفعل، لعبت هذه المدارس دوراً مهماً في نشر الثقافة الفرنسية بين أعضاء الجماعات اليهودية في العالم العربي والإسلامي، وخصوصاً في دول المغرب العربي التي خضعت للاستعمار الفرنسي والتي تم تحويل اليهود بها إلى جماعات وظيفية منفصلة ثقافياً ووجدانياً عن محيطها العربي تعمل لخدمة مصالح الاستعمار الفرنسي بالمنطقة. وفي المغرب، نجد أن إدارة الاحتلال الفرنسي، إدراكاً منها لأهمية مدارس الأليانس، عقدت معها اتفاقاً عام 1928 تم بموجبه وضع هذه المدارس تحت إشراف إدارة التعليم العام وضمان الدعم لها. وقد وصل حجم المدارس في المغرب وحدها نحو 46 مدرسة عام 1939تضم 15761 طالباً ارتفع عددهم إلى 28 ألف عام 1952. كما تم افتتاح المدرسة العبرية العليا في الدار البيضاء لتدريب المعلمين اليهود. وقد كان للأليانس نشاط مهم في فلسطين أيضاً بدأ منذ عام 1867 حيث بدأت في تأسيس سلسلة من المدارس الابتدائية في القدس وحيفا ويافا وصفد وطبرية تقدم تعليماً فرنسياً علمانياً ودينياً. وفي عام 1870، تم تشييد مدرسة مكفاه إسرائيل الزراعية بدعم من هيرش وإدموند دي روتشيلد كما فُتحت بعدها بعدة سنوات مدرسة في القدس لتدريب اليهود على المهن. وقد كان التدريس يتم باللغة الفرنسية بالإضافة إلى اللغة العبرية. ومما يُذكَر أن مدارس الأليانس في فلسطين هي التي أتاحت الفرصة أمام إليعازر بن يهودا، أبو اللغة العبرية الحديثة، لتطبيق أساليبه الجديدة في تدريس العبرية. وقد اهتمت الأليانس أيضاً بفتح المدارس الثانوية، وكانت أكبرها في حيفا وحملت اسمي إدموند وموريس دي روتشيلد. ومما يُذكَر أن مؤسسي وقادة الأليانس كانوا في بادئ الأمر معارضين للعقيدة الصهيونية، وذلك برغم رفضهم للاندماج "الذليل" الذي يُلغي تماماً أية هوية أو أي انتماء يهودي، ومن ثم تركيزهم على التعليم والتدريب للحفاظ على شخصية اليهود وتحسين أحوالهم. وقد اتهم ديفيد ولفسون رئيس المنظمة الصهيونية العالمية عام 1911 ممثلي الأليانس بالمشاركة في الحركات المناهضة للصهيونية بين الجماعات اليهودية في الدولة العثمانية، كما تبنَّى سيلفيان ليفي الذي أصبح رئيساً للأليانس عام 1920 موقفاً معادياً للصهيونية في مؤتمر فرساي للسلام عام 1919. وقد كانت الأليانس تتعاون في نشاطها مع المنظمات اليهودية الأخرى المعارضة للصهيونية مثل الجمعية الإنجليزية اليهودية. أما في أعقاب الحرب العالمية الثانية فقد اتخذت اللجنة المركزية للأليانس موقفاً مؤيداً للأهداف الصهيونية في فلسطين وطالب رئيسها رينيه كاسين (عام 1947) لجنة الأمم المتحدة الخاصة بفلسطين السماح لليهود بالهجرة الواسعة واستغلال وتنمية الوطن القومي اليهودي في فلسطين. وبرغم أن منظمة الأليانس لم تدخل في صراع مباشر ضد العرب الفلسطينيين لأن نشاطها لم يأخذ شكلاً سياسياً مباشراً إلا أنها ساعدت على تحقيق الأهداف السياسية للحركة الصهيونية وذلك بشراء الأراضي في فلسطين وتحويل عديد من صغار الملاك العرب إلى أجراء والإسهام في استيعاب المهاجرين اليهود من شرق أوربا في مستعمرات زراعية. ومع تنامي حركات التحرُّر الوطني في العالم العربي واشتداد الصراع حول فلسطين، أصبح وضع الأليانس في هذه البلاد حرجاً. ومع قيام إسرائيل عام 1948 ثم حصول دول المغرب العربي على استقلالها من فرنسا وما أعقب ذلك من هجرة أغلب أعضاء الجماعات اليهودية من المنطقة العربية خلال الخمسينيات متجهين سواء إلى إسرائيل أو إلى فرنسا أو غيرها من الدول، أُغلقت أغلب مدارس الأليانس في العراق وسوريا ومصر، كما تقلَّص عددها في دول المغرب العربي. ففي المغرب انخفض عدد تلاميذ مدارس الأليانس من 30123 عام 1959 إلى 13527 عام 1963 و8054 عام 1968، كما قامت الحكومة المغربية بدمج هذه المدارس في نظامها التعليمي. أما في إسرائيل، فقد أصبحت مدارس الأليانس خاضعة للنظام التعليمي الإسرائيلي وأصبحت لغة التدريس فيها العبرية. وقد زادت الأليانس من اهتمامها خلال الستينيات بالعمل داخل فرنسا، وخصوصاً أن جزءاً كبيراً من يهود المغرب العربي هاجروا واستقروا بها، كما تحتفظ بمكتبة مهمة في باريس تضم أكثر من 30 ألف مجلد وعدداً من المخطوطات النادرة. أجرو ـ جوينت (المؤسسة الأمريكية اليهودية المشتركة للزراعة ( (Agro-Joint (American Jewish Joint Agricultural Corporation أجرو ـ جوينت اختصار لاسم المؤسسة الأمريكية اليهودية الموحَّدة للزراعة. وهي منظمة أمريكية أسستها اللجنة اليهودية الأمريكية الموحَّدة للتوزيع عام 1924 لتكون بمنزلة وكالة لها في الاتحاد السوفيتي هدفها المساهمة في إعادة تأهيل أعضاء الجماعة اليهودية (أساساً من الناطقين باليديشية) الذين كانوا قد فقدوا وظائفهم الوسيطة والتجارية التقليدية، منذ نهايات القرن التاسع عشر، ثم مع قيام الدولة السوفيتية، وكذلك توجُّههم نحو العمل المنتج في القطاع الزراعي والصناعي، وهو ما يؤهلهم للانضمام بشكل فعال إلى المجتمع الجديد. وقد بدأت أجرو ـ جوينت نشاطها بمشروع تجريبي لتوطين عدة مئات من الأسر اليهودية في الأراضي الزراعية. وبعد نجاح التجربة، تم تطبيقها على نطاق واسع. واهتمت الحكومة السوفيتية بنشاط المنظمة، فقدَّمت لها مساحات من الأراضي بدون مقابل وفرت لها التسهيلات الائتمانية وقدَّمت لها أسعاراً مخفضة للسفر والانتقال. كما تلقت المنظمة دعماً مالياً في عام 1928 قدره 8 ملايين دولار من الجمعية الأمريكية للمستوطنات الزراعية اليهودية في روسيا، وهي منظمة تأسَّست خصيصاً لدعم برامج الاستيطان الزراعي لأجرو ـ جوينت في روسيا. كما قدمت الحكومة السوفيتية، من خلال منظمة كوزمت وبالاتفاق مع الجمعية وأجرو ـ جوينت، مبلغاً مماثلاً بالروبل. وقد نجحت المنظمة في توطين ما يقرب من 250 ألف شخص في مستوطنات زراعية في أوكرانيا والقرم بلغت مساحتها 3 ملايين إكر (الإكر يساوي فداناً مصرىاً واحداً تقريباً) . وفي عام 1937، ترسخت أوضاع هذه المستوطنات، بحيث أصبحت تتمتع بقدر كبير من الاستقلالية المادية والاعتماد على الذات أتاح لها القدرة على استيعاب أعضاء جدد دون أية مساعدات خارجية. وقد أسَّست أجرو ـ جوينت بالتعاون مع إيكا (جمعية الاستيطان اليهودي) ثلاثين جمعية للإقراض لتمويل المشاريع الحرفية التعاونية. وقد استفاد من هذه المشاريع حوالي 300 ألف شخص. وفي عام 1927 تم استيعاب هذه التعاونيات في نظام التعاونيات العام للدولة والمموَّل من قبَل بنك الحكومة السوفيتية، وهو ما أتاح لهم فرصة الاستمرار في نشاطهم على نطاق أوسع. كما نظَّمت أجرو ـ جوينت، بالتعاون مع إيكا وأورت، 42 مدرسة تجارية وزراعية، حيث قامت هذه المدارس بتدريب الآلاف من الشباب اليهودي الذين تم استيعابهم في الصناعات الحكومية. وقد استوعبت هذه المدارس في المؤسسات الحكومية السوفيتية. وفي نهاية عام 1937، كانت الحكومة هي التي تتولى تدريب آلاف من الرجال والنساء من اليهود في الأعمال المهنية والحرفية المختلفة. وقامت أجرو ـ جوينت بدعم نشاط جمعيات المعونة المتبادلة التي كانت تنظم الورش التعاونية لتدريب عشرات الآلاف من اليهود غير القادرين على العمل الزراعي. وقد تم استيعاب هذه الجمعيات، منذ عام 1935، في الاتحادات الصناعية الحكومية أو في نظام التعاونيات العام. كما لعبت أجرو ـ جوينت دوراً مهماً في مجال الطب والصحة العامة حيث أسست 63 جمعية طبية لتوفير الرعاية الصحية للفقراء من اليهود. وقد تم استيعاب الجزء الأكبر من هذه الجمعيات في وزارة الصحة والصليب الأحمر. وقد أنهت أجرو ـ جوينت نشاطها في الاتحاد السوفيتي عام 1938 بعد أن لعبت دوراً مهماً في استيعاب أعضاء الجماعة اليهودية في النسيج الاقتصادي للدولة السوفيتية الجديدة، وبعد أن تبيَّن أنهم أصبحوا في غير حاجة إلى مساعدة المنظمات الخارجية. إميج ديركت (اللجنة المتحدة للهجرة اليهودية ( (Emig Direkt (United Committee for Jewish Emigration اختصار لعبارة «إميجريشن دايركشن Emigration Direction» ، وهي عبارة إنجليزية تعني «اتجاه الهجرة» . ويُستخدَم الاختصار للإشارة إلى «اللجنة المتحدة للهجرة اليهودية» . وقد تأسَّست هذه المنظمة عام 1921 إثر المؤتمر الذي عُقد في براغ في العام نفسه لمناقشة مسألة الهجرة اليهودية ومحاولة دعم وتنسيق نشاط المنظمات والجمعيات المختلفة العاملة في مجال غوث ومساعدة المهاجرين اليهود القادمين من شرق أوربا. وقد كان من المهام الأساسية لهذه المنظمة، تأمين خروج المهاجرين اليهود من شرق أوربا عبر الدول المجاورة، ثم إيجاد مناطق جديدة لتوطينهم. وفي سبيل ذلك، أقامت المنظمة علاقات مع المنظمات اليهودية المختلفة في الأمريكتين وأستراليا. وبعد فَرْض حدود على الهجرة إلى الولايات المتحدة عام 1924، كثفت المنظمة اهتمامها لبحث الإمكانيات الاستيطانية في أمريكا اللاتينية وكندا وأستراليا وجنوب أفريقيا. وفي عام 1927، أسَّست، بالاشتراك مع إيكا وهياس، منظمة هيسم في محاولة لتوحيد وتنسيق الجهود الخاصة بالهجرة اليهودية. وقد انفصلت إميج ديركت عن هيسم عام 1934. أورت (منظمة إعادة التأهيل والتدريب ( (ORT (Organization for Rehabilitation and Training » أورت «هي الحروف الأولى لاسم «منظمة إعادة التأهيل والتدريب» ، وهي منظمة يهودية تأسست عام 1880 في روسيا القيصرية بهدف تنمية الخبرات والمهارات الزراعية والمهنية بين أعضاء الجماعة اليهودية في روسيا (أساساً من يهود اليديشية) الذين كانت أوضاعهم الاقتصادية قد تدهورت بشكل حاد نتيجة التحولات الهيكيلية العميقة التي شهدها الاقتصاد الروسي إثر محاولات التحديث والتنمية الاقتصادية التي كانت جارية منذ منتصف القرن التاسع عشر والتي شهدت ضياع الوظائف الوسيطة والتجارية والتقليدية لأعضاء الجماعة اليهودية. وقد تفاقمت أوضاعهم بشكل أكثر حدة بعد تعثُّر عملية التحديث في الثمانينيات من القرن التاسع عشر. وقد أسَّس هذه المنظمة مجموعة من المثقفين ورجال الصناعة من اليهود الذين كانت ثقافتهم ومصالحهم مرتبطة بشكل وثيق بالبورجوازية الروسية والدولة القيصرية. وبالتالي، اتجهت مجهوداتهم نحو محاولة دَمْج واستيعاب الجماهير اليهودية ثقافياً واقتصادياً في المجتمع الروسي، وخصوصاً أن تفاقم الأوضاع الاقتصادية كان يثير توترات حادة بين المجتمع والدولة الروسية من ناحية والأقليات غير السلافية من ناحية أخرى (ومن بينهم أعضاء الجماعة اليهودية) ، وهو ما كان يهدد مكانة ومصالح المثقفين والبورجوازية من اليهود. وقد مرّ نشاط أورت بعدة مراحل. ففي الفترة ما بين عامي 1880 و1920، تركَّز نشاطها أساساً داخل روسيا، فأقامت الورش الصغيرة لتعليم الحرف والمهن المختلفة، واهتمت بتدريب مدرسي المدارس التجارية، وقدمت المعونة للطلبة اليهود في المدارس الفنية. وفي عام 1912، كان لها 20 شعبة في المراكز المهمة في مختلف أنحاء البلاد. وبعد اندلاع الحرب العالمية الأولى، أقامت أورت برنامجاً واسع النطاق تحت اسم «المساعدة من خلال العمل» بهدف إعادة تأهيل وإيجاد فرص عمل جديدة للاجئين من اليهود في مناطق جديدة داخل روسيا. وبقيام الدولة السوفيتية، فَقَد 80% من أعضاء الجماعة اليهودية وظائفهم الوسيطة والتجارية التقليدية، وهو ما كان يستدعي إعادة تأهيلهم وإكسابهم الخبرات الصناعية والحرفية والزراعية حتى يتم استيعابهم في البنية الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع السوفيتي الجديد. وقد قدَّمت أورت مساعدتها للمزارعين من يهود أوكرانيا الذين أصابتهم خسائر كبيرة خلال الحرب العالمية الأولى والحرب الأهلية، كما تعاونت مع كوزمت في تحويل كثير من يهود روسيا البيضاء إلى الزراعة. وفي الفترة ما بين عامي 1920 و1945، وسَّعت أورت نطاق نشاطها ليشمل دول شرق أوربا، مثل: بولندا وليتوانيا ولاتفيا وبساربيا، والتي كانت جزءاً من الإمبراطورية الروسية، وأيضاً المجر وبلغاريا ورومانيا وألمانيا وفرنسا. وفي سبيل ذلك، تم تحويلها (في برلين) عام 1921 إلى منظمة دولية تحت اسم «اتحاد أورت العالمي» . وقد أشرف على نشاطها، في الفترة ما بين الحربين العالميتين، لجنة دولية أسست فروعاً لها في الولايات المتحدة وجنوب أفريقيا وكندا وأمريكا اللاتينية ومناطق أخرى. وقد أسَّست أورت خلال هذه الفترة، في شرق أوربا والاتحاد السوفيتي، المدارس التجارية والزراعية والمستوطنات الزراعية التعاونية والورش التعاونية. كما عملت على توفير العدَد والآلات لآلاف من المزارعين والحرفيين من اليهود، وذلك من خلال شركة أُسِّست خصيصاً لذلك الغرض، في لندن عام 1924، وكان لها أفرع في شرق أوربا والاتحاد السوفيتي. وساهمت، عام 1928، في إرسال آلات وأدوات إلى الاتحاد السوفيتي قيمتها مليون ونصف المليون دولار. ومع وصول النازية إلى السلطة في ألمانيا عام 1933، نشطت أورت في مجال مساعدة وإعادة تأهيل اليهود الألمان، سواء اللاجئون منهم أو الراغبون في الرحيل، وذلك من خلال إقامة مدارس صناعية وزراعية في ألمانيا وفي الدول التي لجأوا إليها بشكل مؤقت. وفي عام 1942، افتُتحت في الولايات المتحدة في نيويورك أول مدرسة لتدريب اللاجئين اليهود. وبعد الحرب العالمية الثانية، توسَّع نشاط أورت مع هجرة وانتقال أعداد كبيرة من أعضاء الجماعة اليهودية إلى الأمريكتين وأوربا الغربية. كما امتد نشاطها إلى الجماعات اليهودية في آسيا وأفريقيا والمغرب وإسرائيل. وقد بدأت أورت نشاطها في إسرائيل عام 1949 حيث بدأت برامج للتدريب المهني للمهاجرين الجدد في المستوطنات والمدن. وبحلول عام 1970، أصبح «أورت إسرائيل» أهم فرع للمنظمة. وقد عمل هذا الفرع منذ تأسيسه في إسرائيل على تدريب 70 ألفاً من العمال المهرة والفنيين وغيرهم من الأخصائيين. وفي عام 1970، كان فرع أورت الإسرائيلي يغطي نحو 40% من التدريب المهني في إسرائيل ويعمل عن كثب مع وزارتي التعليم والعمل. وقد استأنفت أورت نشاطها في بولندا عام 1957. وتم تدريب 16 ألف شخص حتى عام 1967 حينما تم إيقاف نشاطها. وقد بدأت أورت، منذ السبعينيات، تأكيد الاهتمام بالتعليم الفني أكثر من الاهتمام بالتعليم المهني والذي يتضمن الخبرات الخاصة بالكمبيوتر والأتمتة. ومنذ تأسيسها وحتى السبعينيات، استفاد من مدارس أورت أكثر من مليون يهودي. وإلى جانب خدمة أعضاء الجماعات اليهودية في العالم، تُقدِّم أورت أيضاً برامج تدريبية في الدول النامية في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، تلبية لطلب حكومات هذه الدول وبناء على طلب حكومات دول أخرى، وخصوصاً الولايات المتحدة وإسرائيل وسويسرا والدول الإسكندنافية، ولابد أنها تمارس شيئاً من الضغط السياسي لصالح إسرائيل. ويوجد المقر العالمي لاتحاد أورت في جنيف. إيكا (جمعية الاستيطان اليهودي ( ICA (Jewish Colonization Association) «إيكا» هو اختصار عبارة «جويش كولونيزيشان أسوسيشن Jewish Colonization Association» وحروفها الأولى هي JCA، فكان المفروض أن تكون «جكا» ، ولكن حرف «J» نُطق «ياء» ، فأصبحت «يكا» ثم «إيكا ICA» . وهي منظمة توطينية يهودية أسسها عام 1891 الثري الألماني اليهودي البارون موريس دي هيرش بهدف توطين المهاجرين من أعضاء الجماعات اليهودية في شرق أوربا من يهود اليديشية والولايات المتحدة الأمريكية وكندا، ودَمْجهم في مجتمعاتهم الجديدة. وينبع اهتمام هيرش، وغيره من أثرياء يهود الغرب المندمجين، بالمهاجرين اليهود ومحاولتهم توطينهم بعيداً عن أوربا، لأن وصول مثل هؤلاء المهاجرين إلى غرب أوربا كان يمكن أن يهدِّد مكانة يهود الغرب الاجتماعية والاقتصادية. ويمكن تسمية مثل هذه الجمعيات «جماعات إنقاذ» : إنقاذ الفائض البشري الأوربي من يهود اليديشية بتوطينه في أنحاء العالم، وإنقاذ يهود الغرب، وإنقاذ أوربا من هؤلاء اليهود بتصديرهم إلى أماكن أخرى. ولذا، فإن من الخطأ تصنيف مثل هذه الجمعيات على أنها صهيونية، فهي لا تهتم بمصير يهودي مستقل ولا تكترث بهوية يهودية ولا تبغي بعثاً يهودياً. ويمكن أن نضع هذه الجمعيات في سياق غربي عام، فهي جزء من التشكيل الاستعماري الاستيطاني الغربي الذي كان يرمي إلى إنشاء مجتمعات جديدة في دول أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية وأمريكا الشمالية كجزء من السياسة الكولونيالية، ومحاولة الهيمنة على العالم. لذا، فإن فلسطين، من منظور هذه الجمعيات، ليست سوى مكان للاستيطان يدخل ضمن الشبكة الاستعمارية الغربية وليست له أهمية خاصة. ومن ثم، فالجمعيات اليهودية التوطينية جمعيات استعمارية استيطانية بدون ديباجات صهيونية أو هي مجرد جمعيات رفاه اجتماعي تساعد المهاجرين في مجتمعاتهم الجديدة. وتُعَدُّ أمريكا اللاتينية، وخصوصاً الأرجنتين، المنطقة الرئيسية لنشاط إيكا الاستيطاني حيث أسَّست أول مستوطنة لها عام 1891. وقد تولَّت إيكا توفير الآلات الزراعية والتدريب اللازم للمستوطنين، والتسهيلات الائتمانية، إلى جانب توفير شبكة من المدارس. وقد وصل حجم المستوطنين من اليهود عام 1930، وهي فترة الذروة بالنسبة للاستيطان اليهودي في الأرجنتين إلى 20 ألف مستوطن يزرعون حوالي 500 ألف هكتار من الأراضي الزراعية. وفي نهاية عام 1938، كانت المستوطنات تضم حوالي 3215 أسرة يهودية أو 26.110 أشخاص، مع العلم بأن تعداد الجماعة اليهودية في الأرجنتين وصل عام 1940 إلى حوالي 280 ألفاً في حين لم يكن يوجد في العاصمة بيونس أيرس ومدينة روزاريو سوى ألف يهودي قبل تأسيس إيكا. إلا أن هذه المستوطنات الزراعية لم تزدهر، بل تضاءل حجم المستوطنين بها حتى وصل عام 1966 إلى ثمانية آلاف شخص. وفي الحقيقة، فإن السبب الأساسي وراء ذلك كان، من ناحية، ميراث يهود اليديشية كجماعات حضرية تجارية غير مؤهلة للعمل الزراعي، كما كان هدفهم الأساسي من الهجرة تحقيق قدر أكبر من الحراك الاجتماعي والتعليم، وهو ما لم يكن متوافراً إلا في المدن الكبرى. ومن ناحية أخرى، كانت المستوطنات تعاني من نَقْص مساحات الأراضي الزراعية الواسعة وتزايد أعباء الديون، ومن بيروقراطية ممثلي مؤسسة إيكا. وبالتالي، اتجهت أعداد كبيرة من المستوطنين إلى هجر المستوطنات الزراعية والانتقال إلى بيونس أيرس وغيرها من المدن الكبيرة. وقد أسست إيكا أيضاً مستوطنات زراعية في البرازيل كانت أولها عام 1904، إلا أن هذه المستوطنات لم تزدهر أيضاً وتم تصفية آخر مستوطنة عام 1965. إلا أن إيكا استمرت، بالتعاون مع اللجنة الأمريكية المشتركة للتوزيع، في رعاية المؤسسات التعليمية والائتمانية التي كانت قد أسستها في مناطق الاستيطان اليهودي. وساهمت إيكا أيضاً في توطين اليهود في الولايات المتحدة وكندا. ففي عام 1891، أسَّست مدرسة تجارية في نيويورك من أجل تدريب وإعادة تأهيل المهاجرين الجدد من اليهود على الحياة الجديدة. وفي العام نفسه، أسَّس البارون دي هيرش «صندوق بارون دي هيرش» بهدف مساعدة المهاجرين الجدد من اليهود وإقامة مراكز ريفية لهم. وقد أسس الصندوق مدرسة زراعية في نيو جرسي. وفي عام 1899، أسَّس الصندوق في نيويورك «جمعية المعونة الزراعية والصناعية اليهودية» التي أصبحت فيما بعد «الجمعية الزراعية اليهودية من أجل تنمية النشاط الزراعي بين يهود الولايات المتحدة» . وقد تم تأسيس 78 مزرعة. وبعد أن تزايدت الهجرة اليهودية إلى الولايات المتحدة، أسَّست إيكا، بالتعاون مع جمعية المعونة الزراعية والصناعية اليهودية ما يُسمَّى «لجنة النقل» (بالإنجليزية: ريموفال كوميتي Removal Committee) التي عملت في الفترة ما بين عامي 1901 و1907 على استقبال المهاجرين الجدد، وتوزيعهم في أنحاء البلاد، وإلحاقهم بذويهم الذين كانوا قد استقروا في الولايات المتحدة من قبل. وبحلول عام 1902، كانت اللجنة قد ساعدت حوالي 70 ألف مهاجر على الاستقرار في الولايات المتحدة. وقد تم تصفية اللجنة عام 1922، وتَركَّز النشاط الرئيسي لإيكا في الولايات المتحدة في توفير التسهيلات الائتمانية للمهاجرين الجدد من اليهود. وقد تَوقَّف نشاط إيكا في الولايات المتحدة تماماً مع بدء الحرب العالمية الثانية. وفي كندا، أسَّست إيكا أول مستوطنة لها عام 1892. وقد عملت هذه المنظمة في مونتريال، من خلال مؤسسة بارون دي هيرش، على دعم ومساعدة المستوطنات اليهودية التي كانت قد تأسَّست في كندا في نهايات القرن التاسع عشر. وقد أشرفت الجمعية الزراعية اليهودية على نشاط إيكا في كندا وتم تأسيس عدة مستوطنات. إلا أن الأوضاع الاقتصادية المتدهورة أدَّت إلى تصفية بعضها بعد الحرب العالمية الأولى. وفي عام 1960، كانت 120 أسرة يهودية تعمل في المستوطنات الزراعية تحت رعاية إيكا. وقد أشرفت إيكا أيضاً على عملية هجرة أعضاء الجماعات اليهودية من شرق أوربا، فأسست في روسيا القيصرية في الفترة 1904 ـ 1914 حوالي 507 لجان للهجرة، وأقامت مكتباً مركزياً لها في بطرسبرج بموافقة الحكومة الروسية. وبعد أن فرض كثير من بلدان العالم (وخصوصاً الولايات المتحدة) قيوداً على حجم الهجرة المسموح به بعد الحرب العالمية الأولى، اتجهت إيكا إلى عقد مؤتمر في بروكسل عام 1921 وآخر في باريس عام 1922 لمناقشة تنسيق وتوحيد الجهود في مجال الهجرة اليهودية، إلا أن المؤتمرين فشلا. وفي عام 1925، تم تأسيس «اللجنة الموحَّدة للإجلاء» بالتعاون بين إيكا ومنظمة إميج ديركت واللجنة الأمريكية اليهودية المشتركة للتوزيع. وفي عام 1927، أسَّست إيكا، بالتعاون مع هياس، وإميج ديركت منظمة هيسم، التي كان لها 57 لجنة في 21 دولة عام 1937، وذلك لمساعدة المهاجرين اليهود في جميع أنحاء العالم. وفي عام 1928، أسَّست إيكا في روسيا السوفيتية مكتباً للهجرة للإشراف على هجرة أعضاء الجماعة اليهودية من روسيا. وفي الفترة 1933 ـ 1939، أنفقت إيكا حوالي 800 ألف جنيه على هجرة يهود ألمانيا النازية. ولم يقتصر نشاط إيكا على هجرة وإعادة توطين يهود شرق أوربا، بل عملت أيضاً في مجال إعادة تأهيل أعضاء الجماعات اليهودية في شرق أوربا نفسها، وفي إكسابهم خبرات زراعية وصناعية تؤهلهم للانضمام والاستمرار في مجتمعاتهم الأصلية. فنشطت في مجال الاستيطان الزراعي اليهودي في روسيا، حيث عملت خلال العشرينيات على توطين عدة آلاف من الأسر اليهودية في 50 مستوطنة زراعية على أراض قدَّمتها الحكومة السوفيتية في أوكرانيا. كما اهتمت بتأسيس التعاونيات وإدخال الزراعات الجديدة. كما كانت قد أسَّست بحلول عام 1914 أربعين مدرسة زراعية وفنية. كما اهتمت بتعليم اليهود حيث دعمت المؤسسات التعليمية اليهودية في روسيا وبولندا ورومانيا وجاليشيا. ومن أهم أنشطتها تقديم التسهيلات الائتمانية لصغار التجار والحرفيين في شرق أوربا حيث أسَّست شبكة واسعة من البنوك التعاونية التي قدَّمت القروض للفلاحين والتجار والحرفيين. وقد وصل حجم هذه الشبكة، عام 1914، نحو 680 بنكاً تعاونياً. وقد تَوقَّف نشاط هذه المؤسسات خلال الحرب العالمية الأولى، إلا أنه استؤنف مرة أخرى بعد الحرب، حيث تعاونت إيكا مع اللجنة الأمريكية اليهودية الموحدة للتوزيع في تأسيس المؤسسة الأمريكية الموحَّدة لإعادة البناء عام 1924، والتي أصبحت تُشرف بعد عام 1930 على 760 بنكاً للتسليف برأسمال قدره 3.550.000 دولار. كما أقامت هذه المؤسسة بنوكاً تجارية لخدمة الطبقات الوسطى. وقد صفيت هذه المؤسسة عام 1951. وامتد نشاط إيكا إلى فلسطين أيضاً، إلا أنه لم يبدأ إلا عام 1896 بعد وفاة البارون دي هيرش الذي لم يكن متحمساً لفكرة إقامة دولة يهودية في فلسطين. وقد تولت إيكا الإشراف على بعض المستوطنات اليهودية. وفي عام 1900، تولَّت إدارة المستوطنات التي كان قد أسسها البارون إدموند دي روتشيلد، والتي كانت تحت رعايته. وفي عام 1923، تم بالتعاون بين إيكا ومؤسسة روتشيلد تأسيس منظمة بيكا (جمعية الاستيطان اليهودي في فلسطين) والتي بلغ مجموع ما امتلكته خلال ربع قرن (1923 ـ 1948) ما مساحته 45 ألف دونم، أي ثُلث ما كان بحوزة اليهود من أراض عند إعلان قيام إسرائيل. كما ساهمت إيكا عام 1933 في تأسيس جمعية «إميكا EMICA» (وهي اختصار إميرجنسي فند فور بالستين Emergency Fund for Palestine، أي صندوق الطوارئ لفلسطين) التي أشرفت على بناء العديد من المستوطنات اليهودية في فلسطين. وقد أصبحت إميكا عام 1955 «إيكا في إسرائيل» حيث أصبحت إسرائيل المركز الرئيسي لنشاط إيكا. وقد اشتركت مع الوكالة اليهودية في تطوير منطقة الجليل الأعلى في فلسطين المحتلة، وفي إقامة أكثر من 30 مستوطنة يهودية، وكذلك في تقديم تسهيلات ائتمانية في المجال الزراعي في إسرائيل. وهي تهتم بدعم المؤسسات التعليمية بها. وقد اهتمت إيكا أيضاً بعد الحرب العالمية الثانية بالجماعات اليهودية في المغرب العربي. فعملت، بالتعاون مع لجنة التوزيع المشترك، على توفير تسهيلات ائتمانية ليهود تونس والمغرب، وفي إقامة مراكز للتدريب الزراعي في المغرب. وفي عام 1952، قامت، بالتعاون مع الأليانس إسرائيليت يونيفرسل، بتأسيس «الجمعية الزراعية ليهود المغرب» . ومنذ عام 1965، وهي تعمل في تعاون مع «خدمة هياس المتحدة» في «برنامج الإنقاذ الخاص» من أجل نَقْل المهاجرين اليهود من شرق أوربا وشمال أفريقيا إلى أستراليا وكندا وفرنسا. وتولي إيكا اهتماماً خاصاً للمؤسسات اليهودية التعليمية والثقافية في مختلف بلدان أوربا وأمريكا اللاتينية. إيكور (الجمعية الأمريكية للتوطين اليهودي في الاتحاد السوفيتي ( ICOR- Jewish American Association for Jewish Colonization in the Soviet Union «إيكور» هي الحروف الأولى لاسم «الجمعية الأمريكية للاستيطان اليهودي في الاتحاد السوفيتي» باليديشية (وكلمة «إيكور» تعني أيضاً «فلاح» بالعبرية) . وهي جمعية أمريكية تأسَّست عام 1924 من أجل دعم الاستيطان الزراعي اليهودي في الاتحاد السوفيتي. وقد مارست إيكور أنشطتها، حتى عام 1928 في دعم المستوطنات اليهودية في القرم وأوكرانيا، إلا أنها وجَّهت جميع جهودها بعد ذلك إلى بيروبيجان بعد أن تم اختيارها كمنطقة للاستيطان الزراعي الصناعي اليهودي الواسع النطاق بهدف تحويلها إلى إقليم يهودي ذي حكم ذاتي. وقد أصبحت إيكور من أكثر الجهات المؤيدة لهذا المشروع في الولايات المتحدة. التي كانت تضم في تلك الفترة 12 ألف عضو، كما كان هناك 100 لجنة من لجانها منتشرة في أنحاء الولايات المتحدة. وقد قامت الجمعية بالاتفاق مع الحكومة السوفيتية باستكشاف إمكانيات المنطقة الجديدة، وساهمت في إقامة المستوطنات الزراعية والمصانع التعاونية. كما نظمت الجمعية عام 1929 بعثة علمية من الخبراء الأمريكيين في مجال الزراعة والاستيطان لزيارة بيروبيجان وبَحْث إمكانيات تطويرها كمنطقة لتوطين اليهود. وفي الفترة بين عامي 1933 و 1938 وجَّهت إيكور نشاطها الرئيسي إلى المجال الثقافي في بيروبيجان حيث أقامت مؤسسة للطباعة الحديثة لنشر الصحف والمجلات محلياً وأقامت معرضاً للفنون ومكتبة ودار حضانة. كما أصدرت عام 1935 مجلة شهرية باليديشية والإنجليزية هي الحياة الجديدة. وبعد عام 1939، ركَّزت إيكور نشاطها في نشر المعلومات حول الحياة اليهودية في الاتحاد السوفيتي وفي بيروبيجان. جمعية غوث اليهود الألمان Hilfsverein Der Deutschen Juden منظمة ألمانية يهودية أسَّسها عام 1901 جيمس سيمون تاجر الأقطان اليهودي الذي كان صديقاً شخصياً للقيصر بهدف غوث يهود شرق أوربا ويهود الشرق وتحسين أوضاعهم الاجتماعية والسياسية. وقد تأسَّست الجمعية على غرار الأليانس إسرائيليت يونيفرسل وكانت منافساً قوياً لها إذ قامت بنشاط ثقافي وتعليمي مهم إلى جانب تنظيم عمليات الهجرة والغوث. وقد تقدَّمت الجمعية بمذكرة للحصول على تصريح ونشرت عام 1898 برنامجها الذي جاء فيه أن الأليانس احتكرت التعليم بين اليهود وأنها مرتبطة بفرنسا رغم أن الصداقة الألمانية قد ثبتَّت أقدامها في الدول العثمانية، ولذا لم يَعُد للبعثة الثقافية للأليانس أي مبرر. وذكر أن اليهود الروس والبولنديين يتحدثون اليديشية ويفضلون اللغة والتجارة الألمانية وهو ما يعطي الجمعية فرصة لنشر النفوذ. وبالفعل، لم يكن نشاط الجمعية بعيداً عن أهداف السياسة الخارجية الألمانية إذ أسَّست الجمعية شبكة من المدارس في دول البلقان والدولة العثمانية يتم فيها تدريس اللغة الألمانية. كذلك لم يكن نشاطها في فلسطين بعيداً عن التقارب الصهيوني الألماني ومساعي الصهاينة الألمان لكسب تأييد الإمبريالية الألمانية لمشروعهم وإظهار نفع اليهود للمشروع الاستعماري الألماني. فالمشروع الصهيوني سيعمل من جهة على تحويل هجرة يهود شرق أوربا بعيداً عن ألمانيا، ومن جهة أخرى ستساهم هجرة اليهود الناطقين باليديشية إلى فلسطين في نشر الثقافة الألمانية وازدهار التجارة الألمانية وفتح أبواب الشرق أمامها. وقد نشطت الجمعية في فلسطين في الفترة بين عامي 1903 و1918، وكانت بحلول عام 1914 قد أسَّست أو ساعدت في تأسيس خمسين مدرسة تخدم 7000 طالب من بينها كلية لتدريب المعلمين، وكانت العبرية لغة التدريس. كما كانت الجمعية وراء تأسيس معهد التخنيون في حيفا واستثمرت فيه مبلغ 106.500مارك وتم افتتاحه برعاية القنصل الألماني. وقد فجَّرت الجمعية ما عُرف باسم «حرب اللغة» عندما قرَّرت عام 1913 تدريس العلوم في المعهد، وكذلك في المدرسة الملحقة به، باللغة الألمانية. وقد دفع ذلك كثيراً من الطلبة والمعلمين في مدارس الجمعية إلى تركها وتأسيس مدارسهم العبرية الخاصة. أما بعد الحرب العالمية الأولى وهزيمة ألمانيا وانتصار الاستعمار البريطاني، فقد انتهى نشاط الجمعية في فلسطين وتسلمت المنظمة الصهيونية العالمية جميع مؤسساتها. وقد عملت الجمعية أيضاً في مجال غوث ضحايا الحروب والكوارث الطبيعية من أعضاء الجماعات اليهودية في أوربا وتنظيم هجرتهم إلى الولايات المتحدة وغيرها من الدول الاستيطانية. وقد بدأت الجمعية نشاطها في هذا المجال بعد مذابح كيشينيف عام 1903 فنظَّمت مؤتمر فيينا في العام نفسه لتنظيم عملية غوث يهود روسيا، وكذلك مؤتمر لندن عام 1905، كما تدخلت الجمعية لدى حكومات رومانيا وروسيا وفنلندا وغيرها من الدول للمطالبة بالحد من التشريعات التي تميِّز ضد أعضاء الجماعات اليهودية في هذه البلاد. وقامت بإصدار جريدة أسبوعية في الفترة 1905 ـ 1914 باللغات الألمانية والإنجليزية والفرنسية لتعريف العالم الغربي بأوضاع اليهود في روسيا. وفي مجال الهجرة، أسست الجمعية عام 1904 المكتب المركزي للهجرة اليهودية بالتعاون مع المحفل الأكبر لأبناء العهد (البناي بريت) في ألمانيا ولجنة فرانكفورت لغوث يهود شرق أوربا المعذبين، وساعدت في الفترة 1904 ـ 1914 في تنظيم هجرة عدة مئات من الألوف من يهود شرق أوربا إلى الولايات المتحدة مروراً بالأراضي الألمانية، وتعاونت مع المالي الأمريكي اليهودي جيكوب شيف في مشروعه المعروف باسم «خطة جالفستون» لتهجير يهود روسيا إلى جنوب الولايات المتحدة. ومما يُذكَر أن الحكومة الألمانية كانت ترفض توطين أيٍّ من المهاجرين اليهود داخل ألمانيا. كما شاركت الجمعية في عمليات الغوث خلال الحرب العالمية الأولى في المناطق الواقعة تحت الاحتلال في شرق أوربا وقامت بتوزيع أموال الإغاثة الأمريكية، كما ساعدت ضحايا المجاعة من يهود روسيا عام 1921/1922. وإلى جانب عمليات الإغاثة والهجرة، اهتمت الجمعية بتنمية الأوضاع الاقتصادية للجماعات اليهودية في شرق أوربا، فساهمت في تطوير التعليم الحرفي وشاركت في المشاريع الزراعية الاستيطانية اليهودية في جنوب روسيا التي أشرفت عليها منظمة أجرو ـ جوينت وجمعية الاستيطان اليهودي (إيكا) . ونظراً لأن بعض هذه الأنشطة كانت تعمل من أجل دَمْج واستيعاب الجماعات اليهودية في أوطانهم الشرق أوربية، فقد دخلت الجمعية في خلافات حادة مع المنظمات الصهيونية والجماعات المعارضة لمسألة الاندماج. وإزاء ذلك، بدأت لجنة التوزيع المشترك الأمريكية تحل محل الجمعية في عمليات توزيع الموارد المالية. ومما يُذكَر أن كثيراً من أنشطة الجمعية كان يتم بالتنسيق والتعاون مع منظمات يهودية أخرى. وقد تقلَّص دور الجمعية بعد الحرب العالمية الأولى، لكنها استمرت في تنظيم عمليات الهجرة حيث ساعدت في الفترة 1921 ـ 1936 في تهجير حوالي 350 ألف شخص من ألمانيا أو عَبْر أراضيها. أما بعد مجيء النازي إلى الحكم، فقد تم تغيير اسم الجمعية إلى منظمة غوث اليهود في ألمانيا وأصبح دورها مقصوراً على مساعدة يهود ألمانيا، فاهتمت بتنظيم هجرتهم وقام سكرتير المنظمة عام 1933 باستطلاع إمكانيات الهجرة إلى جنوب أفريقيا وروديسيا وكينيا، كما ساعدت المنظمة على هجرة 90 ألف شخص إلى الولايات المتحدة وغيرها من الدول فيما عدا فلسطين في الفترة بين عامي 1933 و1941 وذلك بالتعاون مع بعض المنظمات الأخرى مثل إيكا ولجنة التوزيع المشترك وجيسيم وغيرها. وقد تم حل الجمعية عام 1939 وإن استمرت تعمل حتى عام 1941 باسم «قسم الهجرة التابع لمنظمة اتحاد اليهود في ألمانيا» . الجمعية الأمريكية للمستوطنات الزراعية اليهودية في روسيا American Society for Jewish Farm Settlement in Russia منظمة أمريكية تأسَّست عام 1928 بهدف تمويل برنامج الاستيطان الزراعي اليهودي في الاتحاد السوفيتي والذي كانت منظمة أجرو ـ جوينت قد بدأته منذ عام 1924. وقد نجحت الجمعية في تدبير قرض قدره ثمانية ملايين من الدولارات من مجموعة من الأفراد في الولايات المتحدة لتمويل نشاط أجرو ـ جوينت في الفترة بين عامي 1928 و1935 على أن تُقدِّم كوزمت مبلغاً مماثلاً بالروبل. وقد أنهت الجمعية نشاطها عام 1939 مع انتهاء نشاط أجرو ـ جوينت في الاتحاد السوفيتي. كوزمت (لجنة توطين اليهود الكادحين في أرض الاتحاد السوفيتي ( Kozmet (Committee for the Settlement of Toiling Jews on the Land of the Soviet Union) «كوزمت» هي الحروف الأولى لاسم «لجنة توطين اليهود الكادحين على الأرض» باللغة الروسية. وهي منظمة سوفيتية تأسَّست عام 1924، بقرار من اللجنة المركزية للحزب الشيوعي، كوكالة سوفيتية رسمية تعمل تحت رئاسة مجلس القوميات وتهدف إلى إعادة تأهيل أعضاء الجماعات اليهودية في الاتحاد السوفيتي (حيث كانوا قد فقدوا منذ نهايات القرن التاسع عشر، ثم قيام الدولة السوفيتية، وظائفهم كجماعة وسيطة وتجارية تقليدية) ، وكذلك إكسابهم خبرات زراعية وصناعية تؤهلهم للانضمام إلى البنية الاقتصادية الاجتماعية للمجتمع السوفيتي الجديد. وقد كانت مهمة كوزمت الأساسية هي إعادة توطين الأسر اليهودية على مساحات من الأراضي الزراعية المخصصة لتوطين اليهود. ولذا، فقد أسست لنفسها مكاتب في عدد من الجمهوريات السوفيتية، كما تلقت مساعدات مهمة من منظمات يهودية أجنبية مثل أجرو ـ جوينت وإيكا وأورت. فمن إجمالي 22.5 مليون روبل تم إنفاقها قبل عام 1929 على توطين اليهود في الأراضي الزراعية، جاء 16.7 مليون روبل أو 74.2% منهم من الخارج. وقد بدأت كوزمت عام 1924 في إقامة قرى يهودية جديدة في أوكرانيا، وتم توزيع الأراضي الجديدة بما يعمل على ربط ودمج المستوطنات الزراعية اليهودية التي كانت قد دُمرت خلال الحرب الأهلية، وبالتالي يعمل على خَلْق منطقة استيطانية يهودية متكاملة (وبالفعل، كان ثمة ثلاث مناطق قومية يهودية في أوكرانيا مع نهايات العشرينيات) . وفي عام 1936، كانت المزارع التعاونية اليهودية تحتل مساحة 175 ألف هكتار في أوكرانيا. وفي منتصف العشرينيات، دعت كوزمت إلى ضرورة إقامة استيطان زراعي يهودي واسع النطاق باعتباره الحل الوحيد للمشكلة اليهودية في الاتحاد السوفيتي والبديل الوحيد للصهيونية. وبالفعل، تم تحديد منطقة غير مأهولة شمال غربي القرم لهذا الغرض، كما تم تخصيص مساحة 342 ألف هكتار لتوطين أعضاء الجماعات اليهودية، وفي عام 1930، تم تخصيص 240 ألف هكتار للمنطقة القومية اليهودية في القرم. وفي عام 1927، تم تقديم خطة للاستيطان اليهودي واسع النطاق في منطقة آمور التي كانت تتمتع بأهمية إستراتيجية لدى الحكومة السوفيتية نظراً لقربها من الحدود مع كل من الصين واليابان. وبالتالي، كانت مسألة استيطان هذه المنطقة وزيادة الكثافة السكانية بها ذات أهمية كبرى للدولة. وبالفعل، أرسلت كوزمت بعثة علمية في العام نفسه إلى إقليم بيروبيجان لتَقصِّي إمكانيات المنطقة للاستيطان الواسع النطاق. وبرغم أن التقرير لم يكن مشجعاً، وبرغم اعتراض بعض قادة اليفسكتسيا (القسم اليهودي للحزب الشيوعي) ، قررت رئاسة اللجنة التنفيذية عام 1928 تكليف كوزمت بمسئولية توطين إقليم بيروبيجان، على أن تُمنَح المنطقة صفة دائرة قومية يهودية في حالة نجاح التجربة. ومنذ تلك اللحظة، أصبح الجزء الأكبر من نشاط كوزمت مرتبطاً بمشروع بيروبيجان. وقد نشطت كوزمت أيضاً، ولكن على نطاق أضيق، في مناطق روسيا البيضاء وسمولنسك، وكذلك بين الجماعات اليهودية في الجمهوريات الآسيوية، فأسَّست 30 مزرعة تعاونية ليهود بخارى في أوزباكستان و15 مزرعة تعاونية ليهود جورجيا، ومزارع تعاونية ليهود الجبال في داغستان وأذربيجان وشمال القوقاز والقرم. وقد تم توسيع نشاط كوزمت عام 1927 ليشمل إعادة تدريب العمال اليهود وتوزيعهم على المؤسسات والشركات الحكومية. وقد وُضعت خطة خمسية عام 1928 لإعادة تشكيل البنية الاقتصادية والاجتماعية للجماعة اليهودية في الاتحاد السوفيتي. واستهدفت هذه الخطة أن يصل عدد العاملين بالزراعة بحلول عام 1933 إلى 250 ألف يهودي، إلا أن العدد لم يزد بقليل على 200 ألف بحلول عام 1936. وقد بلغ عدد الطلبة الذين يتلقون الدراسة في المدارس الفنية 70 ألفاً. هذا، بالإضافة إلى تشكيل تعاونيات حرفية كانت تضم 200 ألف يهودي. إلا أن نشاط كوزمت تَوقَّف في منتصف الثلاثينيات وتمت تصفيتها عام 1938، وضُمَّت أنشطتها إلى قسم إعادة التوطين والاستيطان والدائرة الزراعية في الحكومة السوفيتية. هياس (خدمة هياس المتحدة ( Hias (United Hias Service) «هياس» هي الحروف الأولى لاسم جمعية «هبرو إميجرانت أيد سوسيتي Hebrew Immigrant Aid Soiety» (جمعية غوث المهاجرين العبرانيين) التي تأسَّست عام 1902 واندمجت مع الجمعية العبرية للإيواء التي تأسَّست عام 1884. وقد سُمِّيت الجمعية باسم «الجمعية العبرية لإيواء ومعونة المهاجرين» ، ولكن «هياس» ظلت اسماً مختصراً لها. وهياس هذه، منظمة أمريكية تأسَّست عام 1909 في نيويورك لمساعدة المهاجرين من اليهود القادمين إلى الولايات المتحدة الأمريكية وتسهيل استيعابهم في المجتمع الأمريكي. وقد تركزت مهام هياس في استقبال وتسهيل دخول المهاجرين اليهود إلى الولايات المتحدة، وفي توفير المأكل والمأوى لهم، والمساعدة في إيصالهم إلى ذويهم في الولايات المتحدة أو تشجيع استقرارهم في المناطق الأقل ازدحاماً. كما عملت هياس على مساعدة المهاجرين على التكيف الثقافي مع المجتمع الأمريكي من خلال تعليمهم اللغة الإنجليزية وإيجاد فرص عمل لهم. وقد أقامت الجمعية مكاتب لها في غرب وشرق أوربا. كما قامت عام 1920 بتحويل الموارد المالية من اليهود الأمريكيين إلى أقربائهم في أوربا إما بغرض الإعانة والغوث أو لتغطية مصاريف انتقالهم إلى الولايات المتحدة. ومع إصدار قانون الحد من الهجرة في الولايات المتحدة عام 1924، بدأت هياس في البحث عن مناطق أخرى لتوطين اليهود، فتعاونت عام 1927 مع إيكا وإميج ديركت في تأسيس منظمة هيسم كمحاولة لتوحيد وتنسيق الجهود في مجال الهجرة اليهودية. وفي الفترة بين عامي 1925و1939، هاجر حوالي 100 ألف يهودي من أوربا، حيث تم توطينهم بمساعدة هيسم في الولايات المتحدة وبعض مستعمرات الإمبراطورية البريطانية في الشرق الأقصى، وفي أمريكا اللاتينية وفلسطين. كما شاركت هياس في تهجير اليهود الألمان بعد وصول النازيين إلى السلطة في ألمانيا عام 1933، كما نشطت بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية في غوث وإنقاذ ضحايا الحرب. وفي عام 1945، أنهت هياس مشاركتها في هيسم. وقامت في عام 1949، بالتعاون مع اللجنة الأمريكية اليهودية المشتركة للتوزيع في تأسيس «اللجنة المنسقة للأشخاص المشردين من أوطانهم» . وقد نشطت هياس، بعد الحرب، في محاربة القيود المفروضة على الهجرة إلى الولايات المتحدة. وفي عام 1954، اندمجت هياس مع كل من «الخدمة المتحدة للأمريكيين الجدد» ، وقسم التهجير للجنة المشتركة للتوزيع، لتكوين خدمة هياس المتحدة. وقد عملت هذه المنظمة على مساعدة المهاجرين اليهود من شرق أوربا وشمال أفريقيا، وخصوصاً بعد أزمة المجر عام 1956 وحربي 1956 و1967 في الشرق الأوسط، وتوطينهم في دول أخرى ـ وخصوصاً غرب أوربا والولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية. وللمنظمة مكاتب في جنيف ونيويورك وريودي جانيرو، ويأتي الجزء الأكبر من ميزانيتها من النداء اليهودي الموحَّد. وقد ساهمت منظمة هياس في توطين المهاجرين اليهود السوفييت في الولايات المتحدة بل في تشجيعهم على تغيير اتجاههم والتوجه إلى الولايات المتحدة بدلاً من إسرائيل (وهو ما يُسمَّى في المعجم الصهيوني «التساقط» ) . ولذا، فتحت هياس مكتباً لها في فيينا لمساعدتهم في الحصول على تأشيرات دخول للولايات المتحدة وتقديم معونة مالية لهم. وقامت السلطات الأمريكية بإصدار قرار عام 1989 بعدم السماح لليهود بالهجرة إلى الولايات المتحدة إلا إذا تقدموا بطلب تأشيرة قبل أن يغادروا الاتحاد السوفيتي، وذلك لدعم الهجرة اليهودية الاستيطانية إلى إسرائيل وتحييد هياس. وفتحت الجمعية مكتباً لها في موسكو في فبراير 1990، وقد وصفها ميخائيل كلاينر (رئيس لجنة الهجرة في الكنيست) بأنها "نمو سرطاني يجب استئصاله" وذلك بعد نجاحها في استصدار ثمانية آلاف تأشيرة دخول للولايات المتحدة للمهاجرين السوفييت. وقد دافعت هياس عن موقفها بتأكيد ضرورة التضحية بمصلحة الصهيونية (ودولتها) في سبيل حماية اليهود، أي أنها تعطي أولوية لمصلحة اليهود على مصلحة الدولة الصهيونية. هيسم Hicem «هيسم» هي الحروف الأولى لأسماء ثلاث منظمات، هي هياس وإيكا وإميج ديركت، قامت بتأسيس هذه المنظمة في باريس عام 1927 في إطار المحاولات الرامية إلى توحيد وتنسيق الجهود الخاصة بهجرة أعضاء الجماعات اليهودية من شرق أوربا. وقد انسحبت منظمة إميج ديركت من هيسم عام 1934، إلا أن هيسم استمرت في نشاطها. وقد كان لها لجان منتشرة في 32 بلداً تقوم بتقديم المشورة القانونية والفنية للمهاجرين من اليهود، وتقديم برامج تدريب لإعادة تأهيلهم لحياتهم الجديدة، والمساعدة في إيجاد فرص عمل لهم في دول المهجر، وتقديم التسهيلات الائتمانية لهم، وكذلك تعليمهم اللغات الجديدة. كما اشتركت هيسم في مساعدة اللاجئين من اليهود الذين فروا من ألمانيا بعد مجيء النازي إلى السلطة عام 1933 حيث ساعدت 36.026 لاجئاً يهودياً ألمانياً في الهجرة إلى دول عديدة من بينها فلسطين في الفترة 1933 ـ 1940. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
الصهيونية السياسية
Political Zionism «الصهيونية السياسية» اصطلاح مرادف لما يُسمَّى «الصهيونية الدبلوماسية» الصهيونية الدبلوماسية (الاستعمارية) Diplomatic (Colonial) Zionism «الصهيونية الدبلوماسية» اصطلاح مرادف لاصطلاح «الصهيونية السياسية» ، ونحن نفضل الاصطلاح الأول لأنه أكثر تفسيرية وارتباطاً بالظاهرة موضع الدراسة. كما أن كلمة «سياسية» مصطلح شديد العمومية يفترض أن الصهيونيات الأخرى ليست سياسية. وكلمة «سياسية» ، في هذا المصطلح، تعني في واقع الأمر «المناورات السياسية» أي «الجهود الدبلوماسية» . ولذا، فإن الاصطلاح يشير إلى إجراءات تؤدي إلى تحقيق الهدف الصهيوني، وحيث إن هذه الإجراءات تتحد في السعي لدى القوى الاستعمارية لضمان تأييدها للمُستوطَن الصهيوني، فإن المصطلح يجب أن يكون «الصهيونية الدبلوماسية الاستعمارية» . ولكننا سنكتفي باستخدام المصطلح دون إضافة أية صفات، فهي أمر مفهوم، وخصوصاً أن كل الاتجاهات الصهيونية استعمارية. ويُستخدَم اصطلاح «الصهيونية السياسية» أو «الصهيونية الدبلوماسية» للتفرقة بين الإرهاصات الصهيونية الأولى التي سبقت ظهور هرتزل، مثل جماعات أحباء صهيون (ونضيف لها الصهيونية التوطينية لأثرياء اليهود في الغرب) ، والحركة الصهيونية التي نظَّمها هرتزل، وتعود بداياتها إلى عام 1896 (تاريخ نشر دولة اليهود) . ولم تكن قيادة التنظيمات الصهيونية في مرحلة ما قبل هرتزل تدرك ضرورة وحتمية الاعتماد على الإمبريالية لوضع المشروع الصهيوني موضع التنفيذ، وقد كانت تظن أن الاستيطان في فلسطين سيتم بالجهود الذاتية بالاعتماد على الصدقات التي يقدِّمها أثرياء اليهود دون حاجة إلى ضمانات استعمارية. أما هرتزل، فقد أدرك حتمية الاعتماد على الإمبريالية من البداية، ومن ثم ضرورة أن تسبق الجهود الاستيطانية التسللية جهود دبلوماسية تهدف إلى تأمين الدعم الغربي الاستعماري للمشروع الصهيوني. وقد عرَّف وايزمان الصهيونية السياسية (الدبلوماسية) بأنها تعني جَعْل المسألة اليهودية عالمية، أي جزءاً من المشروع الاستعماري الغربي. والصهيونية الدبلوماسية تختلف عن صهيونية غير اليهود في أن المؤمنين بها من أعضاء الجماعات اليهودية، ولكنها لا تختلف عنها في أنها تنظر لليهود من الخارج باعتبارهم فائضاً بشرياً يجب التخلص منه بإنشاء دولة وظيفية له. فالصهاينة الدبلوماسيون هم عادةً إما يهود جاءوا من ألمانيا أو يهود ذوو خلفية ألمانية أو غربية حديثة، ولذا فهم مبتعدون تماماً عن اليهودية بالمعنى الإثني الديني أو العلماني، فهم يهود غير يهود. ولكنهم، مع هذا، وجدوا أنفسهم متورطين في المشروع الصهيوني لأن أعداء اليهود صنفوهم يهوداً، ولأن وصول يهود اليديشية هدَّد مواقعهم وتطلَّب منهم تحركاً سريعاً أخذ شكل الصهيونية التوطينية. فالصهاينة الدبلوماسيون لا يهتمون بالمشروع الصهيوني إلا باعتباره مشروعاً لتخليص أوربا من الفائض البشري، ولذا فإنهم لم يعيروا التوجه السياسي أو الاقتصادي أو الثقافي أي اهتمام. وهم، بسبب معرفتهم بالعالم الغربي، كانوا قادرين على أن يقوموا بدور الجسر بين الغرب وبين المادة البشرية المُستهدَفة في شرق أوربا، يتحدثون مع كل عالم بلغته، ولذا فقد تمكنوا من صياغة العقد الصهيوني الصامت وبَذْل الجهود السياسية أو الدبلوماسية التي أدَّت إلى عقد أو وعد بلفور. وبعد إصدار وعد بلفور، لم تَعُد هناك ضرورة لبذل مثل هذه الجهود. ولذا، فقد اختفت الصهيونية السياسية أو الدبلوماسية وتبنَّى يهود العالم الغربي المندمجون صيغة توطينية أخرى هي «الصهيونية العمومية» و «الصهيونية التصحيحية» وما يُسمَّى «صهيونية الشتات» . وهرتزل هو المناور الصهيوني الأكبر بلا منازع، وواضع أُسس الصهيونية السياسية أو الدبلوماسية، ومن أهم أتباعه ماكس نوردو وجيكوب كلاتزكين. يوهان كريمنسكي (1850-1934 (Johan Kremenesky صهيوني توطيني وأول رئيس للصندوق القومي اليهودي، وهو مهندس ورجل صناعة روسي. وُلد في أوديسا واستقر في فيينا عام 1880. أسَّس مع بوريس جولدبرج مصنع السليكات في تل أبيب عام 1920، وكان قد أصبح من أهم رجال الصناعة الأوربيين في مجال الصناعات الكهربائية على وجه الخصوص. اشترك مع هرتزل في المنظمة الصهيونية، وأصبح عضواً في اللجنة التنفيذية منذ المؤتمر الأول (1897) وظل عضواً بها حتى عام 1905. وأسَّس كريمينسكي الصندوق القومي اليهودي بناءً على توصية منه للمؤتمر الصهيوني الخامس (1901) . ظل رئيساً للصندوق إلى أن انتقل من فيينا إلى كولونيا بألمانيا. جعله هرتزل أحد منفذي وصيته، فأسَّس أرشيف هرتزل. ديفيد ولفسون (1856-1914 (David Wolffson زعيم صهيوني، وثاني رؤساء المنظمة الصهيونية العالمية. وُلد في ليتوانيا وتلقى تعليماً تقليدياً وانتقل إلى ألمانيا عام 1872. شارك في تجارة الأخشاب عام 1888، واستقر في كولونيا بألمانيا حيث تخلَّى عن إيمانه باليهودية الأرثوذكسية. مارس نشاطه الصهيوني من خلال الجمعية الأدبية اليهودية في كولونيا حيث كان يحاضر عن التلمود والقبَّالاه. وفي هذه الجمعية، قابل ماكس بودنهايمر وأسسا سوياً (عام 1893) جمعية لتوطين اليهود في فلسطين على مبادئ أحباء صهيون. تعرَّف إلى أفكار هرتزل من خلال كتاب دولة اليهود. وبعد قراءة الكتاب، سافر فوراً إلى فيينا حيث قابل هرتزل وقامت بينهما صداقة قوية، وقد كان كل منهما يكمل الآخر فأحدهما ذو خلفية ليبرالية اندماجية وسط أوربية علمانية والآخر ذو خلفية محافظة أرثوذكسية شرق أوربية متدينة. وقد أخبره هرتزل بجهله التام بمن سبقه من المفكرين الصهاينة وبحال اليهود في شرق أوربا. وأكد ولفسون لهرتزل أهمية الجماهير اليهودية في شرق أوربا كمادة استيطانية لإنجاح الفكرة الصهيونية التي نادى بها هرتزل. أسَّس ولفسون صندوق الائتمان اليهودي، واختلف مع هرتزل في أسلوب إدارته حيث كان هرتزل يرى الصندوق أداة سياسية بينما كان ولفسون يراه مشروعاً مالياً. عمل ولفسون بشكل دءوب على توحيد الحركة الصهيونية بالعمل كوسيط بين هرتزل ومعارضيه. وبعد موت هرتزل، ورغم معارضة الصهاينة العمليين، تسنَّم ولفسون منصب رئيس المنظمة الصهيونية العالمية بعد امتناع، وحرص أثناء عمله على توحيد صفوفها. وقابل لفسون عدة شخصيات أوروبية حاكمة لتسهيل حركة الصهاينة في أوربا. لم يُجدَّد انتخابه عام 1911 رئيساً للمنظمة الصهيونية العالمية، لكنه ظل رئيساً لصندوق الائتمان اليهودي وهو ما يدل على نجاح سياسته المالية العملية. ناحوم سوكولوف (1859-1936 (Nahum Sokolov صحفي وكاتب بولندي، وأحد قادة الحركة الصهيونية والمؤرخ الرسمي لها. تلقَّى تعليماً تقليدياً، وأبدى اهتماماً بقضية إحياء اللغة العبرية، وكَتَب قصصاً وأشعاراً ومسرحيات بالعبرية (وكان مُلمَّاً بلغات أخرى مثل اليديشية والألمانية والفرنسية والإسبانية والإيطالية) . وكان سوكولوف يُعَدُّ أول كاتب عبري يقرؤه اليهود الدينيون والعلمانيون. لم يكن في البداية متحمساً لحركة أحباء صهيون، فكتب مهاجماً بنسكر وكراسته. وقد ظل على موقفه الرافض للصهيونية، فهاجم كتاب هرتزل دولة اليهود. ولكنه، بعد حضوره المؤتمر الصهيوني الأول (1897) ، تغيَّر مجرى حياته وأصبح من كبار المعجبين بهرتزل، وترجم أعماله إلى العبرية (1885) كما ترجم أعمال لورانس أوليفانت الصهيوني غير اليهودي. نشر سوكولوف كتاباً سنوياً بالعبرية طوَّر من خلاله أسلوباً عبرياً كان له أكبر الأثر في تطوير اللغة العبرية. ولسوكولوف عدة مؤلفات حاول أن يشرح فيها وجهة النظر الصهيونية أحدها بعنوان الكراهية الأزلية للشعب الخالد. وكما هو واضح من عنوان الكتاب، يطرح سوكولوف الرؤية الصهيونية لظاهرة معاداة اليهود باعتبارها ظاهرة لصيقة بالنفس البشرية. وله مُؤلَّف آخر بعنوان إلى سادتنا وأساتذتنا يحاول أن يشرح فيه لليهود المتدينين لماذا يجب عليهم أن يصبحوا صهاينة. ولكن أهم كتب سوكولوف كتابه الشهير تاريخ الصهيونية (1917) الذي يحلل فيه الجذور الغربية للفكرة الصهيونية، وهو يُعَد أول تاريخ للصهيونية وبمنزلة تاريخها الرسمي. والكتاب سرد نثري ممل يتسم بالتجميع المباشر دون تحليل أو تفسير، إذ قام سوكولوف بجمع كل الأقوال الغربية التي تدعو لإرجاع اليهود إلى فلسطين وتأسيس دولة مستقلة لهم فيها. ويتجلى ضعف مقدراته التحليلية في تعريفه أهداف الصهيونية على النحو التالي وبهذا الترتيب: 1 ـ وطن مادي لليهود الذين يعانون من الناحيتين المادية والمعنوية. 2 ـ وطن للتعليم اليهودي والعلم والأدب اليهودي. 3 ـ نموذج مثالي لليهود في كل العالم. 4 ـ مكان يستطيع اليهود أن يعيشوا فيه حياة يهودية صحية. 5 ـ بعث لغة الكتاب المقدَّس. 6 ـ بعث الوطن الذي أُهمل طويلاً ودُمِّر وذلك من خلال الحضارة والمثابرة. 7 ـ خلق طبقة زراعية يهودية صحيحة وقوية. وهو تعريف هلامي تماماً يضم كل شيء بدون أي ترتيب منطقي ويعطي لكل فرد ما يريد. وهذا التعريف لا يلقي الضوء على مضمون فكر سوكولوف المُشوَّش وحسب وإنما على شكله أيضاً، فتاريخ الصهيونية الذي كتبه عمل يدل على أن كاتبه لا يدرك دلالة كثير من المعطيات والحقائق التي يوردها، وكثيراً ما لا يفهم أبعاد ما يقول. وقد كتب سوكولوف كتاب أحباء صهيون (1934 ( غير أن اهتمامات سوكولوف الأدبية والفكرية لم تَحُل دون أن يصبح زعيماً صهيونياً بارزاً، ففي الفترة من عام 1907 حتى عام 1909 كان يشغل منصب السكرتير العام للمنظمة الصهيونية العالمية كما كان مسئولاً عن إصدار صحيفة دي فيلت الناطقة باسم الحركة الصهيونية بالألمانية. ولم يكن سوكولوف مقتنعاً بالأساليب الدبلوماسية وحدها وإنما كان من أنصار الصهيونية العملية (التسللية) . وعقب خلافه مع ولفسون، اعتزل عام 1909. إلا أنه سرعان ما عاد عام 1911 عضواً في المجلس التنفيذي الصهيوني واقترح تشجيع العرب على بيع أراضيهم في فلسطين وأن يتوطنوا في أماكن مجاورة. وبنشوب الحرب العالمية الأولى، أُوفد إلى إنجلترا مع وايزمان للحصول على تأييدها للحركة، كما قام بمهام مماثلة في إيطاليا وفرنسا. وبالفعل، حصل في مايو 1917 على تصريح رسمي فرنسي مؤيد للحركة الصهيونية، ثم على وعد بلفور من إنجلترا في نوفمبر من العام نفسه. وفي أعقاب الحرب، ترأس سوكولوف الوفد الصهيوني إلى مؤتمر السلام في باريس عام 1919. ومع صعود نجمه، اختاره المؤتمر الصهيوني الثاني عشر (1921) رئيساً للمجلس التنفيذي للمنظمة الصهيونية العالمية، كما عمل ممثلاً للصندوق التأسيسي اليهودي في عدد من البلدان ورئيساً للجنة التنفيذية للوكالة اليهودية الموسعة (1929) ورئيساً للمنظمة الصهيونية العالمية في الفترة بين عامي 1931 و1935. والتقى سوكولوف بموسوليني عام 1927 وعام 1933 حيث حصل على تصريح بتأسيس لجنة إيطالية لدعم المشروع الصهيوني في فلسطين. وفي عام 1935، تولَّى القسم الثقافي في المنظمة الصهيونية العالمية وساهم في تأسيس اتحاد الكتاب العبريين في إرتس يسرائيل. أبراهام أوسيشكين (1863-1941) Abraham Ussishkin زعيم صهيوني روسي، وُلد لأسرة حسيدية ونشأ نشأة تقليدية. وفي عام 1881، أسس في جامعة موسكو جماعة صهيونية للهجرة إلى فلسطين مع صديقه ياهيل تشيلنوف. زار فلسطين ووقف ضد آراء آحاد هعام المعارضة للمستوطنات التي تقيمها حركة أحباء صهيون والتي كان أوسيشكين عضواً في لجنتها التنفيذية منذ 1885. اتصل بزعماء اليهود الأتراك عقب ثورة تركيا الفتاة، وأثناء الحرب العالمية الأولى تبنَّى أوسيشكين فكرة حياد الصهيونية على أساس التعاون مع المنتصر. ومع وعد بلفور، تحمَّس للبريطانيين بشدة. وكان من أعضاء الوفد اليهودي في مؤتمر السلام بباريس. واستقر في فلسطين بعدئذ حيث ترأس اللجنة الصهيونية. ولم يُجدَّد انتخابه عام 1923 في اللجنة التنفيذية بسبب معارضته حاييم وايزمان، ولكنه انتخب في العام نفسه رئيساً للصندوق القومي اليهودي. وقد عارض أوسيشكين المشروع البريطاني لتقسيم فلسطين عام 1937، وتُوفي في القدس عام 1941. ماكس نوردو (1849-1923 (Max Nordau مفكر يهودي ألماني، وزعيم صهيوني سياسي. اسمه الأصلي سيمون ماكسيميليان سودفيلد، وقد غيَّر اسمه إلى ماكس نوردو أي ماكس النوردي. وُلد في المجر حيث تلقَّى دروساً في اللغة العبرية وفي اللادينو على يد أبيه الحاخام الأرثوذكسي السفاردي. ولكن نوردو، مع هذا، بدأ يبتعد عن التقاليد اليهودية وينغمس في الثقافة الألمانية مثل هرتزل. وفي عام 1875، بدأ نوردو في دراسة الطب في جامعة بودابست ثم في باريس. وفي عام 1883، ظهر كتابه أكاذيب حضارتنا التقليدية حيث حمل على الدين والحضارة باسم العلم والفلسفة الوضعية، ثم شن هجومه على مجموعة من الكُتاب (مثل إبسن وماتيرلنك) متهماً إياهم بالنفاق والانحطاط والمرض العقلي (وذلك في الكتب التالية: مفارقات ومرض العصر والانحطاط) . وقد اعتبر نوردو نفسه وهو في ذروة حياته الأدبية مواطناً أوربياً لا وطن له ولا قومية، وقد كان متأثراً في تفكيره بكل من نيتشه وفاجنر وزولا وإبسن، وبما نسميه «الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية» ، وقد دعا إلى حل مشاكل أوربا الاجتماعية بالعنف وعن طريق تصدير فائضها البشري إلى الشرق (وذلك قبل تبنِّيه العقيدة الصهيونية) . وفي عام 1892، تعرَّف هرتزل إلى نوردو وفاتحه في فكرة الدولة الصهيونية فوافق عليها ثم أصبح بعدها ساعد هرتزل الأيمن. وقد كان لاعتناق نوردو العقيدة الصهيونية فضل كبير في إظهارها بمظهر تقدُّمي أمام المثقفين اليهود في العالم الغربي. وقد ألقى نوردو الخطاب الافتتاحي عن وضع اليهود في العالم، وذلك خلال المؤتمر الصهيوني الأول (1897) ، واستمر على هذا المنوال حتى المؤتمر العاشر (1911) . وقد لعب نوردو دوراً بارزاً في صياغة برنامج بازل، كما أيد مشروع شرق أفريقيا، ولكنه وصف الوطن اليهودي الذي سينشأ هناك بأنه مجرد ملجأ "لمدة ليلة واحدة" قاصداً أنه نقطة عبور للأرض المقدَّسة (حاول شاب صهيونى اغتيال نوردو «الشرق أفريقى» (. وبعد موت هرتزل، عُرضت عليه رئاسة المنظمة الصهيونية العالمية، ولكنه رفض ذلك لأسباب عدة من بينها أنه كان متزوجاً من مسيحية وآثر أن يظل مستشاراً سياسياً لحلفاء هرتزل. وقد بدأ نجمه يخبو باستيلاء العناصر التي يُطلَق عليها «العناصر العملية» (من شرق أوربا) وهي العناصر المهتمة بالاستيطان التسللي أكثر من اهتمامها بالمفاوضات الدبلوماسية مع القوى الاستعمارية. وحينما اختار المؤتمر العاشر (1911) لجنة تنفيذية من أعضاء "عمليين"، كان هذا آخر مؤتمر يحضره. ولكنه في عام 1920، أي بعد وعد بلفور، حضر المؤتمر الصهيوني في لندن. كان نوردو يعتبر نفسه تلميذاً لهرتزل، ويصف كتابه دولة اليهود بأنه عمل عظيم ونبوءة وبأنه "كتاب سيحل محل العهد القديم"، ويمكن القول بأنه كان وريث هرتزل الحقيقي، أي وريث الصهيونية الدبلوماسية، وهو من أهم المساهمين في صياغتها. وقد كان نوردو صهيونياً دبلوماسياً متطرفاً لا يميل إلى الصياغة الإثنية (دينية كانت أو علمانية) ، ولا إلى الصياغة العمالية الاشتراكية، فقد كان صهيونياً يهودياً غير يهودي يؤمن بكفاية الصياغة الدبلوماسية. وكان يرى الصهيونية حركة لإخلاء أوربا من اليهود بنقلهم إلى أي مكان وفي أقصر وقت. وقد ظل طوال حياته يهاجم التيارات الصهيونية الأخرى، فهاجم بطبيعة الحال حركة أحباء صهيون الاستيطانية التسللية، كما هاجم دعاة الصهيونية الإثنية بشقيها الديني واللا ديني، وبيَّن أن إنشاء مركز روحي لن يحل مشكلة اليهود في العالم. وسَخر من العصبة الديموقراطية وشعاراتها ونشاطها. وأخيراً، فقد بيَّن أن العدالة تتحقق من داخل الصهيونية، ولا حاجة لها بالصهيونية الاشتراكية، وحذر اليهود من خيبة الأمل في الحركات الثورية. ينطلق فكر نوردو الصهيوني من القول بأن حركة الانعتاق هي حجر الزاوية الأساسي في تاريخ الجماعات اليهودية، فقد كانت نتاج الحركة العقلانية في الغرب. وقد منحت هذه الحركةُ اليهودَ حقوقاً سياسية، ولكنها لم تُغيِّر الواقع الاجتماعي. ولهذا، فقد ظهر تناقض حاد بين الانعتاق السياسي (الشكل الخارجي المجرد) والأحاسيس الشعبية (المتعينة) الرافضة لليهود. هذا هو الوضع في العالم كله، باستثناء إنجلترا، لأن الدستور الإنجليزي نابع من تطوُّر عضوي بطيء، ولم يُفرَض فرضاً من الخارج، أي أن الشكل السياسي يتطابق مع الوعي الاجتماعي في إنجلترا، ولهذا فلا يُوجَد أي أثر لمعاداة اليهود هناك. وانطلاقاً من رفضه للانعتاق، يرسم نوردو صورة إيجابية للجيتو الذي حمى الذات اليهودية خلال عهود الظلام بما يضم من عناصر تضامن بين اليهود. ثم جاء عصر الانعتاق، فتَحطَّم الجيتو ولم يبق هناك إطار للهوية اليهودية، وفقد اليهودي هويته ولم يكتسب الهوية الجديدة ولم تَعُد له مكانة في العالم. ومن هنا، استخدم نوردو اصطلاح «المارانو الجديد» : يهودي لا يمكنه أن يصبح ما يريد، أي يهودي يود ترك يهوديته ليصبح عضواً في أمة غير يهودية، فحتى التنصر لم يَعُد وسيلة مقبولة للتخلص من اليهودية. فدعاة القومية العضوية في أوربا كانوا يرون أن الإنسان يُولَد بهويته. وهكذا يكون اليهودي المندمج منافقاً ومارانو (مرائي) حينما يرى نفسه أوربياً. بل يرى نوردو أن اليهود المندمجين يبالغون في ادعاءاتهم الوطنية وفي الانتماء لبلادهم أكثر من بقية المواطنين. والواقع أن ما يسميه نوردو «المارانو الجديد» هو ما يسميه دويتشر «اليهودي غير اليهودي» . وقد طوَّر نوردو صورة المارانو المجازية واستخدم صورة مجازية بيولوجية عضوية إذ شبَّه اليهود بالبكتيريا: كائنات دقيقة لا تراها العين ولكنها في واقع الأمر تقوِّض المجتمع من الداخل وتَفُت في عضده، وذلك إن لم تُعرَّض للشمس (أي إن لم تُرحَّل إلى أرض الميعاد ( وكان نوردو من أكثر المفكرين الصهاينة إيماناً بعدالة معاداة اليهود ووجاهتها. وكان، مثل هرتزل، لا يعرف عن اليهودية إلا القليل، بل كان يرى أنها شيء مقزز وأنها هي المسئولة عن مصيبة اليهود. ولذا، فإن الحل هو الصهيونية التي ستريح أوربا من اليهود وتمنحهم هوية جماعية جديدة. والصهيونية تختلف تماماً عن الدين اليهودي والتطلعات المشيحانية، فهي نابعة من داخل المجتمع الغربي، أي من المسألة اليهودية ومن ظاهرة معاداة اليهود، وهي الحل الحديث لمشكلة حديثة لا علاقة لها بالأوهام الدينية. فالصهيونية تعرض حل المسألة اليهودية في إطار السياسة العالمية (أي الإمبريالية) عن طريق نقلهم إلى فلسطين حيث سيتخلصون من صفاتهم الطفيلية ويتحولون إلى شعب مثل كل الشعوب ويكتسبون هوية عادية، وبذا يتحول الشعب المنبوذ أو الطبقة المنبوذة إلى جزء لا يتجزأ من الحضارة الغربية (مادة استيطانية بيضاء) عن طريق إلحاقها بالمشروع الاستيطاني الغربي. وفي المجتمع الصهيوني، سيظهر الإنسان اليهودي الجديد الذي لا علاقة له بيهود المنفى، فهذا هو اليهودي، ذو العضلات، الذي كان يُبشر به هرتزل. ويُقسِّم نوردو اليهود إلى قسمين: أثرياء اليهود، والحاخامات، والفريقان يكوِّنان القيادة التقليدية التي يمكن أن تستغنى الصهيونية عنها وتحل محلها. أما فيما يتصل بالتمويل، فيمكن الاعتماد على الطبقات الوسطى والفقيرة اليهودية وكذلك على العالم المسيحي (أوربا الاستعمارية) . يبقى بعد ذلك، الطبقة العاملة اليهودية وهي التي لا يمكن أن تعاديها الصهيونية أو تتنازل عنها بأي شكل من الأشكال، فهم المادة البشرية التي ستستخدمها الصهيونية. ومعنى ذلك أن نوردو توصَّل إلى صيغة الصهيونيتين: الصهيونية الاستيطانية والصهيونية التوطينية. وقد كان نوردو من أكبر دعاة التخلص بشكل مباشر وسريع من يهود أوربا. فعرض خطة عام 1920 لنقل ستمائة ألف يهودي ويهودية لتوطينهم في فلسطين بأي ثمن "ليعملوا هناك، بل ليقاسوا إن كان ثمة حاجة ... فهذه هي الطريقة الوحيدة لإقامة أغلبية يهودية في فلسطين". وقد سبَّب الاقتراح صدمة للحاضرين في المؤتمر الصهيوني في لندن، لكن نوردو أصر على موقفه ثم عرضه مرة أخرى في عشر مقالات نشرت في مجلة لي بيبل جويف في باريس. وفي الواقع، فإن اقتراحه هذا تعبير عن صهيونيته النيتشوية التي تُعلي إرادة الإنسان الفرد على الحدود والأوضاع التاريخية. وقد خيَّب الواقع ظن نوردو. وكان الزعيم الصهيوني جوزيف ترومبلدور أكثر تواضعاً إذ اقترح تكوين جيش جرار قوامه 100 ألف يهودي، ثم خفض هذا العدد بعد ذلك إلى عشرة آلاف. ثم بعث جابوتنسكي الفكرة مرة أخرى عام 1936 وسماها «مشروع نوردو» وهي العمود الفقري لخطة السنوات العشر التي وضعها لإجلاء اليهود من أوربا وتوطينهم في فلسطين. وقد أدرك نوردو تماماً الطبيعة الاستعمارية العملية للدولة الوظيفية الصهيونية، ولذا فلم يكف عن الحديث عن فائدتها وجدواها بالنسبة للقوى الاستعمارية. وقد حاول في بداية القرن أن يعرض المشروع الصهيوني باعتبار أنه قادر على المحافظة على سيطرة السلطان العثماني على فلسطين لمواجهة حركة القومية العربية. وكانت هذه أول مرة يتعرض فيها للعرب (المؤتمر الصهيوني السابع ـ 1905) أدرك نوردو كذلك الطبيعة الإحلالية للمشروع الصهيوني، وتَوصَّل إلى أن إنجلترا هي القوة الاستعمارية الكبرى التي تستطيع أن تتبنَّى المشروع الصهيوني وتضعه موضع التنفيذ، والتي يمكنها أن تنقل اليهود وأن تشيِّد دولة وظيفية لهم. وكان متيقناً من أن العرب سيعارضون المشروع الصهيوني فبدأ على طريقة الصهاينة تفسير الثورة العربية تفسيراً يؤدي إلى تغييبها. فالثورة العربية في رأيه، تمت بقيادة المسيحيين وبعض المسلمين المتعصبين الذين أثاروا مشاعر الفلاحين الجهلة. والقومية العربية وهمٌ ولا توجد أمة عربية بمفهوم المدنية الأوربية، والعرب مجرد قبائل وفلاحين متنازعين، وبإمكان الصهاينة التفاهم مع العرب لو وجِّهت اهتماماتهم بعيداً عن فلسطين. وفي نهاية الأمر، لا يوجد مجال للتفاهم مع العرب، "وإذا حاولوا مقاومتنا، فسوف يتضح لهم بسرعة أن قوتنا لا تقل عن قوتهم". ورغم فهم نوردو كثيراً من جوانب المشروع الصهيوني، إلا أنه لم يلعب دوراً قيادياً في الحركة الصهيونية بعد موت هرتزل، وذلك للأسباب التالية: 1 ـ ظل نوردو يتحرك في إطار الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة قبل تهويدها، أي أنه صهيوني يهودي غير يهودي ينظر لليهود من الخارج تماماً مثل الصهاينة غير اليهود. ولم يدرك نوردو أن عمومية الصيغة الشاملة أدخلها طريقاً مسدوداً عقيماً وأن المادة البشرية المستهدفة لن تقبلها، وبالتالي فلابد من تهويدها. وهذا ما فعلته الصهيونية التوفيقية التي استوعبت الاتجاه الدبلوماسي التوطيني والاتجاه الاستيطاني وأدخلت عليهما الديباجات الصهيونية الإثنية، الدينية والعلمانية. 2 ـ لم يدرك نوردو أبداً أهمية الصمت وعدم الإفصاح. فهو من دعاة الحد الأقصى العلني والحل الفوري الشامل للمسألة اليهودية، ولعله كان في عجلة من أمره لأنه يهودي غير يهودي يود أن يُوطِّن الفائض البشري خارج أوربا ليستريح ويريح، ثم يعاود بعد ذلك حياته واندماجيته. ولذلك، فقد عارض المنظمة الصهيونية حين وافقت على سلخ شرق الأردن من المنطقة المخصصة للوطن القومي اليهودي، فقد كان يرى شرق الأردن مجالاً للتوسع السكاني يمكن أن تُوطِّن فيه ملايين اليهود. والواقع أن خطته لتغيير التركيب السكاني لفلسطين (بشكل جذري وفوري) هي أيضاً تعبير عن الموقف نفسه والعجلة نفسها. وهو، بهذا، يكون الأب الحقيقي للصهيونية التصحيحية ذات الديباجة اليمينية الصريحة، والتي تهدف إلى تخليص أوربا من اليهود وإلى تطبيع اليهود والدولة اليهودية، حتى يستريح الجميع، وضمنهم اليهود أنفسهم من وضع اليهود المتميِّز! عاد نوردو إلى باريس عام 1920، ومات عام 1923 بعد مرض طويل. وقد نُقلت رفاته بعد ثلاث سنوات إلى تل أبيب حيث أُطلق اسم «تلة نوردو» على قسم من المدينة. وفي عام 1943، نشرت ابنته سيرة حياته، كما نُشرت أعماله الكاملة بالعبرية. أوتو ووربورج (1871-1937 (Otto Warburg زعيم صهيوني ألماني الأصل من أسرة مندمجة، وهو ثالث رؤساء المنظمة الصهيونية العالمية. تلقَّى تعليماً علمانياً كاملاً وحصل على درجة الدكتوراه في علم النبات من برلين عام 1892. سافر أثناء دراسته إلى عدة مناطق في آسيا وأفريقيا ودرس إمكانية زراعتها واستيطانها من قبَل الألمان، أي أن اهتماماته الاستعمارية الاستيطانية كانت ألمانية قبل أن تصبح صهيونية. شارك في محاولات توطين اليهود في الأناضول بدءاً من عام 1900، وساهم في هذه المحاولات بماله الخاص. ثم درس إمكانية إقامة مستوطنات في قبرص، وخطط لتوطين ملايين اليهود في العراق، وأيَّد مشروع شرق أفريقيا. وقد ترأس ووربورج لجنة التوطين هناك ثم رأس منذ المؤتمر السادس (1899) لجنة فلسطين. أهم إنجازاته الصهيونية دفعه المشروع التوطيني بشكل كبير. وقد انتُخب عام 1911 رئيساً للمنظمة الصهيونية، ولكنه تنحَّى عن هذا المنصب عام 1920 مع تنامي سيطرة يهود شرق أوربا وعدم رغبة بريطانيا في وجود ألماني على رأس المنظمة. رأس منذ عام 1925 قسم النبات في الجامعة العبرية، ولكنه كان يعيش في ألمانيا ويزور فلسطين زيارات متقطعة. وقد عاش ووربورج أعوامه الأخيرة في برلين منعزلاً طريح الفراش، وتُوفي عام 1937. جيكوب كلاتزكين (1882-1948 (Jacob Klatzkin كاتب روسي صهيوني وابن حاخام وعالم تلمودي. وُلد في بولندا وحصل على الثقافة الدينية التقليدية، ثم تلقَّى تعليماً علمانياً في كلٍّ من سويسرا وألمانيا حيث درس الفلسفة على يد هيرمان كوهين، وحصل على الدكتوراه من جامعة برن. كان كلاتزكين نشيطاً ككاتب في الدوريات العبرية. وقد ترأس تحرير دي فيلت بين عامي 1909 و1911، واشترك مع ناحوم جولدمان في تأسيس دار إشكول لنشر الكتب العبرية، وساهم في تحرير الموسوعة اليهودية، كما عمل مديراً للمكتب الرئيسي للصندوق القومي اليهودي بين عامي 1915 و1919، ثم استقر في سويسرا بعد عام 1933. وبعد أن تسلَّم النازيون الحكم في ألمانيا، سافر إلى أمريكا (عام1941 (بعد نهاية الحرب) عاد إلى سويسرا حيث وافته المنية. ولعل كتابات كلاتزكين من أهم وثائق الفكر الصهيوني نظراً لوضوحها النسبي، وتظهر فيها معظم مقولات الصهيونية الدبلوماسية الاستعمارية بشكل واضح. وينطلق كلاتزكين من أسس بيولوجية مادية علمانية لا تَقْبل أي تجاوز للمادة أو التاريخ كظاهرة مادية، كما ينطلق من رفض عميق لليهود واليهودية يقترب من الكره. وهو يرى أن الجماعات اليهودية ليست جديرة بالبقاء، فهي مشوهة تشويهاً مرعباً جسداً وروحاً، فالمنفى يُفسد شخصية الإنسان وكرامته ويُحوِّل اليهود إلى كائنات بشرية مُمزَّقة ومُحطَّمة. ولعل الجماعات اليهودية كانت تستطيع التماسك قبل حركة التنوير نظراً لوجود الدين الذي كان بالنسبة إليهم بمنزلة «هيكل المنفى» ، ولكن هذا الهيكل المتنقل تَحطَّم مثلما تَحطَّم الهيكل الأول، ولذا فلابد من بدء تاريخ جديد. ويُلاحظ كلاتزكين أن ثمة حلولاً مطروحة لإعادة تعريف الهوية اليهودية ويبدأ برفض مقاييس الصهيونية الإثنية (الدينية والعلمانية) . فالمقياس الديني ـ في تصوُّره ـ عرَّف اليهودي بأنه المؤمن بالدين اليهودي، أما العلماني (الذي يُقال له الروحي) فقد عرَّف اليهودي بأنه من يتبنى القيم اليهودية، وكلا المقياسين ذاتي يستند إلى إيمان الفرد وليس إلى صفة موضوعية (أي مادية) فيه. والواقع أن هذا النوع من التعريف يذهب إلى أن تَحقُّق الهوية اليهودية يكمن في تحقيق المثل اليهودية المطلقة أو الأخلاق اليهودية أو الجوهر اليهودي من خلال مركز روحي في فلسطين أو في أي مكان في العالم. ولذا، فإن الدولة اليهودية ليست شيئاً جوهرياً أو أساسياً من منظور الصهيونية الإثنية. ويطرح كلاتزكين، بدلاً من ذلك، صيغته الهرتزلية التي يُسميها «التعريف العلماني» ، وهي أن اليهودي هو المشارك في التاريخ اليهودي (بالمعنى المادي) والذي يملك الرغبة في الاستمرار في ذلك التاريخ. وهو بذلك يكون قد طرح مقياساً موضوعياً وذاتياً. ثم إنه يضيف إلى ذلك عنصرين موضوعيين آخرين في طريقهما إلى التحقق: الأرض القومية واللغة القومية، فبدونهما لا معنى للقومية، وهذه القومية لا تحقق نفسها إلا من خلال الدولة اليهودية. ويؤكد كلاتزكين أن العنصر المهم هو إقامة الدولة أو الشكل أو الإطار، فهذا الإطار هو الذي سيضفي لوناً قومياً على المضامين الأخرى كافة. لكن مضمون حياة اليهود سيصبح قومياً عندما تصبح أشكالها قومية، ولذا فإن استعادة الأرض غاية في حد ذاتها وعن طريقها تتحقق الحياة القومية الحرة، ويصبح اليهود بذلك شعباً طبيعياً لا ينغمس بشكل متطرف في الفكر والروحانية وإنما يستمر في حياته القومية على أرضه، فما يحدد حياة الأمة هو الأرض واللغة وليس الأفكار الدينية أو الثقافية، فالاهتمام بهذه الأمور علامة من علامات المرض. ويتنبأ كلاتزكين بأن الانتماء اليهودي سيصبح في نهاية الأمر انتماءً عادياً طبيعياً قومياً صرفاً، وسيموت اليهود في سبيل الأرض واللغة على طريقة أعضاء القوميات العضوية التي ظهرت داخل التشكيل الحضاري والسياسي الغربي، وليس في سبيل المضمون الديني أو الأخلاقي لليهودية، أي على طريقة "أسلافنا" اليهود. ويري كلاتزكين أن الصهيونية ذات الديباجات الإثنية تُشكِّل عائقاً مؤثراً، إن شخصية النبي التي يمثلها آحاد هعام لا تزال تحجب النور القومي الذي يمثله هرتزل. إذن، ما مصير الجماعات اليهودية في العالم؟ هنا نجد أن كلاتزكين، مثل هرتزل (ونوردو وجابوتنسكي) ، كان يرى ضرورة إخلاء أوربا من يهودها وضرورة تصفية الدياسبورا (يهود العالم) تماماً، فحياة يهود المنفى مؤقتة وتستمد أهميتها بمقدار ما تخدم الحياة الدائمة في فلسطين. لكن حياة المنفى ليست جديرة بالبقاء كغاية في ذاتها وتستحق البقاء فقط إن كانت واسطة انتقال. والواقع أن الجهد القومي من أجل يهود المنفى يجب أن يركز على استخدامهم، وبالتالي فيجب إنشاء الحواجز بينهم وبين الشعوب الأخرى حتى يمكن الاستفادة منهم. ولكن هذه المرحلة مجرد مرحلة انتقالية مؤقتة يتم فيها بَعْث الحياة القومية من خلال الدولة الصهيونية، وسيَضعُف الوجود اليهودي في العالم بالتدريج ويظهر نمط يهودي جديد كل الجدة يختلف تماماً عن نمط يهود العالم، وهو ما سيؤدي إلى تقسيم اليهود إلى قسمين: داخلي وخارجي. بل إن كلاتزكين يذهب إلى أن يهود العالم سيختفون بعد انتهاء هذه المرحلة المؤقتة. وقد لاحَظ كلاتزكين أن عملية الاندماج في المجتمعات الغربية كانت قد بدأت وأخذت وتيرتها تتصاعد، كما أن عدوى الاندماج كانت قد بدأت تصيب قطاعات كبيرة وبدا تأثيرها أكثر عمقاً، وسوف تتكفل هذه العملية بتصفية يهود العالم (وهو ما يُطلق عليه الآن «موت الشعب اليهودي» ) . وقد بيَّن كلاتزكين بذلك، وبصورة دقيقة، علاقة المستوطنين الصهاينة في فلسطين بالجماعات اليهودية في العالم، وحدَّد ليهود العالم دورهم كأتباع للدولة الصهيونية، يمدونها بالعون ولا ينتظرون منها سوى التصفية النهائية. وقد أدرك كلاتزكين وجود صهيونيتين (توطينية غربية واستيطانية شرقية) . وفي نهاية إحدى المقالات في مجموعة الحدود (1914) ، يقول: "إن هرتزل لم يظهر نتيجة وعي قومي يهودي وإنما ظهر نتيجة وعي إنساني عالمي" (عبارة "إنساني عالمي" تعني في النصوص الصهيونية عادةً "غربي") . وقد عاد هرتزل إلى شعبه، ولكن الذي عاد ـ في رأي كلاتزين ـ لم يكن هرتزل اليهودي وإنما هرتزل الإنسان (فكأن ثمة تناقضاً بين إنسانية اليهودي ويهوديته) . فالصهيونية بين اليهود الغربيين تتغذى بعدد من العوامل الإنسانية العلمانية غير القومية، ولا تعتمد في غذائها على اليهودية وإنما على الحضارة بشكل عام. هذه هي صهيونية الغرب الخارجية (التوطينية) ، أما صهيونية يهود الشرق فهي ليست كذلك، فالصهيونية بالنسبة ليهود اليديشية ليست حركة عالمية مُدمِّرة من جهة ومُعمِّرة من جهة أخرى (مدمرة لليهودية التقليدية ومعمرة للانتماء القومي اليهودي) وإنما هي تعبير عن رغبتهم في الاستمرار فيما هم عليه، فقد جاءوا من وسط ثقافي منحط وبالتالي فإنهم لا يقدمون أياً من تلك القيم الأخلاقية أو الجمالية (الغربية) التي مهدت الطريق للنهضة في الغرب. إن صهيونية الغرب جاءت لتُخلِّص الإنسان داخل اليهود (وليس اليهود) وتعلق آمالها على التقدم العام للحضارة (وليس على تطوير الذات اليهودية) ، فإيمانها القومي ليس إيماناً باليهودية وإنما إيمان بالإنسان بشكل عام، إيمان بقوة الخير والجمال (أي بالقيم العلمانية التي لا علاقة لليهودية بها) وهنا، يصل تقسيم العمل إلى ذروته، فالصهيونية بالنسبة للغرب تعني مزيداً من التغريب والانتماء العام للحضارة الإنسانية (أي الغربية) . أما بالنسبة للشرق، فهي استمرار لما كان، ولذا فإن صهيونيتهم مرفوضة. ولعله، لهذا السبب، رغم كل حديثه عن تصفية المنفى ومرضه، مكث خارج فلسطين (في سويسرا والولايات المتحدة وألمانيا) ومات في سويسرا، عالم القيم العالمية (أي الغربية) التي كان يطمح إليها، وبعيداً عن القيم اليهودية التي كان يرفضها تماماً. وقد كتب كلاتزكين دراسة في أعمال هيرمان كوهين وإسبينوزا وترجم كتابه الأخلاق إلى العبرية. وجُمعت أهم كتاباته في كتابه تخوم، ومن أهم أعماله أيضاً معجم للمصطلحات الفلسفية العبرية، ومختارات من الفلاسفة الذين يكتبون بالعبرية والفلاسفة العرب في العصر الوسيط. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
الصهيونية العامة (أو الصهيونية العمومية)
General Zionism «الصهيونية العامة» أو «الصهيونية العمومية» تيار صهيوني يحاول قدر استطاعته الالتزام بالصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة (شعب عضوي منبوذ ـ يُنقَل خارج أوربا ليُوظَّف لصالحها في إطار دولة وظيفية) وبالتعريف الهرتزلي للصهيونية (الذي لا يختلف قط عن هذه الصيغة) . ويمكن القول بأن الصهيونية العامة هي «الصهيونية الدبلوماسية» و «صهيونية أثرياء الغرب المندمجين» بعد مرحلة هرتزل وبلفور (والتي تطوَّرت بعد ذلك لتصبح «صهيونية الدياسبورا» ) . ولأن الصهاينة العموميين يلتزمون بهذا الحد الأدنى، فإن أتباع هذا التيار يرفضون التيار الديني المتمثل في حركة مزراحي، بل عارضوا تطبيق التعاليم الدينية بقوة القانون وطالبوا بإلغاء القوانين الدينية التي تحد من الحريات الشخصية، وخصوصاً في مسائل الزواج والطلاق. وهم لا يتوجهون على الإطلاق لمشكلة ما يُسمَّى «الإثنية اليهودية» ، كما أنهم يرفضون الخوض في مناقشة التوجه الاقتصادي أو السياسي للمُستوطَن الصهيوني أو الخوض في البرامج التفصيلية حول مستقبل المشروع الصهيوني وشكل الملكية في الدولة الصهيونية أو الدخول في الصراعات السياسية الناجمة عن العملية الاستيطانية. كما أنهم لم يهتموا كثيراً بالمؤسسات الاستيطانية: الزراعية والعسكرية والثقافية والدينية. وبطبيعة الحال، فقد عارضوا أيضاً الاتجاه العمالي المتمثل في حركة عمال صهيون بشكل خاص. وتذهب التواريخ الصهيونية (أو المتأثرة بها) إلى أن الصهيونية العامة هي بمنزلة حزب الوسط، وأنها الصهيونية التي تعلو على الأحزاب، وأنها الصهيونية التي تركز على المصلحة القومية (بغض النظر عن الانتماء الطبقي ولا تكترث بالتفاصيل) لأن هذا سيكون على حساب الفكرة الأساسية، وكلها من قبيل محاولة تطبيع النسق الصهيوني وتصوير التيارات الصهيونية المختلفة كما لو أنها أحزاب تمثل اليمين والوسط واليسار. وفي تَصوُّرنا أن عمومية الصهيونية العامة تكمن في عدم اكتراثها بالجوانب الخصوصية، فهي لا تصر على خصوصية الهوية اليهودية ولا على خصوصية المشاكل التي يواجهها المستوطنون الصهاينة في فلسطين. وهذه العمومية هي جزء لا يتجزأ من توطينية أتباع الصهيونية العامة ورفضهم التورط الكامل في المشروع الصهيوني باعتباره مشروعاً يهودياً وإصرارهم على غربيته أو على أن تأييدهم له ينبع من انتمائهم للغرب. ولذا، يمكن القول بأن الصهيونية العامة (على الأقل بالنسبة إلى عدد كبير من أعضائها في الخارج) هي الصهيونية التوطينية بعد وعد بلفور، فالتوطينيون قبل بلفور كانوا يخافون من أن يُتهَموا بازدواج الولاء، ولذا فقد أصروا على أن تظل الحركة الصهيونية حركة إنقاذ وإغاثة خارج أي إطار قومي. ومع تَبنِّي الدول الغربية نفسها للمشروع الصهيوني لم يَعُد هناك أي خوف من تهمة ازدواج الولاء، بل أصبح واجبهم الوطني هو الانضمام للصهيونية، وأصبحت صهيونيتهم جزءاً من وطنيتهم والعكس بالعكس (ومن ثم، فإن كثيراً من الصهاينة العموميين في الخارج هم من يُطلَق عليهم «صهاينة الدياسبورا» ) . ومع هذا، كان انتماء أعضاء هذا التيار للعالم الغربي، حيث تسود الديموقراطية الليبرالية والمشروع الحر، له أكبر الأثر في نفورهم من بعض أشكال الاستيطان الصهيوني الاشتراكية. وقد أظهروا معارضتهم له، رغم محاولتهم الابتعاد عن السياسة، فمثل هذه الأشكال الاشتراكية قد تُسبِّب لهم الحرج في مجتمعاتهم الليبرالية. ولا تتطلب الصهيونية العامة من الصهيوني سوى الانتماء للمنظمة الصهيونية العالمية وسداد رسوم العضوية (الشيقل) وقبول برنامج بازل. وقد حاول هذا الاتجاه تثبيت أركان الاستيطان الصهيوني في فلسطين عن طريق جمع المال وتوظيف رؤوس الأموال لشراء الأراضي وتوطين المهاجرين في فلسطين، ثم اتّباع أسلوب المفاوضات الدبلوماسية لتحقيق مكاسب للحركة الصهيونية. وقد كان هذا التيار يضم في صفوفه كبار المموِّلين اليهود في الخارج. وبالتدريج، اتسع نطاقه ليضم قطاعات كبيرة من يهود الولايات المتحدة (أي معظم صهاينة العالم الغربي التوطينيين) . وظل هذا التيار مسيطراً على الحركة الصهيونية حتى عام 1929 حينما كانت الصهيونية لا تزال وليدة عاجزة، تحتاج لحضانة الاستعمار الغربي، فلم يكن قد تم تأسيس مؤسساتها الاستيطانية بعد. ومع منتصف العشرينيات، بدأ تيار الصهيونية العمومية يتراجع من حيث الوزن التنظيمي، فكانت نسبتهم في المؤتمر الصهيوني الثاني عشر (1921) 73% من مجموع المندوبين (مقابل 8% للتيار العمالي) ، ثم انخفضت تلك النسبة بعد عشر سنوات عام 1931 إلى 53% (مقابل 29% للتيار العمالي) ، واستمر التدهور بعد ذلك. وقبل انعقاد المؤتمر السابع عشر (1931) ، قرَّر الصهاينة العموميون تنظيم أنفسهم، وقد عُقد أول مؤتمر للاتحاد العالمي للصهاينة العموميين عام 1931 عشية المؤتمر، وكان يضم المجموعات التالية: ـ المجموعة (أ) التي تؤيد وايزمان وبرنامجه. ـ المجموعة (ب) التي تنتقد هذا البرنامج والسياسات الاقتصادية للمنظمة الاستيطانية. ـ المجموعة (جـ) الصهاينة الراديكاليون بقيادة ناحوم جولدمان ويتسحاق جرونباوم. ومما دعَّم نفوذ الصهاينة العموميين في المُستوطَن الصهيوني، هجرة بعض اليهود الموسرين من ألمانيا ابتداءً من عام 1933 حيث كانت لهم مصالح تتناقض مع مصالح البيروقراطية العمالية. ولكن، مع المؤتمر العالمي الثاني عام 1935، انشق الاتحاد إلى مجموعتين: المجموعة (أ) وكانت تستمد قوتها بشكل خاص من فرع الصهاينة العموميين في بريطانيا وجنوب أفريقيا وألمانيا ورومانيا (وجزء من المنظمة الصهيونية الأمريكية) ، وهم أساساً مهنيون ومثقفون كانوا يؤيدون سياسة وايزمان تجاه بريطانيا وكانوا لا يمانعون في وجود منظمات استيطانية ذات طابع جماعي. وقد أسَّست هذه المجموعة حركتها الاستيطانية الخاصة وتنظيمها الشبابي وأقامت عدداً من المستوطنات في فلسطين. أما المجموعة (ب) فقد استمدت قوتها من جاليشيا (التي تُعَدُّ الركيزة الأساسية) ، ولكن الأهم من هذا أن هذه المجموعة قد استمدت قوتها من غالبية أعضاء المنظمة الصهيونية في أمريكا، وخصوصاً بعد أن وصل أبا هليل سيلفر إلى رئاسة المنظمة الصهيونية في أمريكا (وكان متشدداً في مواقفه تجاه بريطانيا والانتداب البريطاني) . وقد كان هؤلاء، بسبب جذورهم الأمريكية، يعارضون الهستدروت بشدة وكذلك أية مؤسسات عمالية مهما كان شكلها. ورغم اختلاف المجموعتين، تقول الموسوعة الصهيونية إن جهدهم تركَّز على النشاطات الثلاثة التالية: 1 ـ تطوير الصهيونية في الخارج. 2 ـ الدفاع عن المستوطنين الصهاينة ("النضال السياسي من أجل الحقوق اليهودية في فلسطين") . 3 ـ ولكن أهم نشاطاتهم على الإطلاق هو جمع الأموال لدعم الاستيطان. وتضيف الموسوعة أن كلاًّ من الفريقين لم يهتم كثيراً بدعم التابعين له في فلسطين، أي أنه تنظيم خارجي (توطيني) أساساً. وقد تأسَّس عام 1946 اتحاد عام يضم كل الصهاينة العموميين سواء في إسرائيل أو خارجها. وتقول الموسوعة إن مواجهة الصهاينة العموميين داخل فلسطين للموقف الاستيطاني لم يحدث إلا بعد 1948، وحتى بعد ذلك كانت الأيديولوجيا الليبرالية شديدة الضعف. ولا يزال الصهاينة العموميون، لأنهم يمثلون الجماعات اليهودية، أكثر القطاعات قوة في الخارج. ففي المؤتمر الصهيوني السابع والعشرين (1968) ، كانت قوتهم 180 مندوباً أو حوالي ثلث المندوبين. كما أنهم يُشكِّلون القوة المسيطرة الأساسية في عملية جمع الأموال لدعم إسرائيل وعملية الدعم السياسي (وهذه هي مهمة صهيونية الخارج التوطينية) . ويسيطر اتحاد الصهيونيين العموميين سيطرة شبه كاملة على المنظمة الصهيونية الأمريكية. ويوجد حزب في إسرائيل يُسمَّى حزب الصهيونيين العموميين اندمج مع الحزب التقدمي وكونا معاً الحزب الليبرالي عام 1961 ولكن التقدميين انسحبوا عام 1965، وانضم العموميون لحزب حيروت مكوِّنين معه حزب جحال، ثم انضم الجميع لليكود. ولكن يمكن القول بأن الصهاينة العموميين في الخارج توطينيون، أما الصهاينة العموميون في إسرائيل فهم استيطانيون، ولكلٍّ توجهاته وأولوياته. ولعل الرقعة المشتركة بينهما يشكلها أمران؛ أولهما: التركيز على المشروع الحر، وثانيهما: تأكيد ضرورة علمنة الدولة الصهيونية. وتختلف ساحة نشاط التوطينيين عن ساحة الاستيطانيين، كما تختلف جماهير كل منهما. حاييم وايزمان (1864-1952 (Hayyim Weizmann زعيم صهيوني، عالم كيميائي، وأول رئيس لدولة إسرائيل. وُلد في روسيا في منطقة الاستيطان، وكان أبوه تاجر أخشاب من مؤيدي حركة الاستنارة اليهودية. ومع هذا، فقد تلقَّى وايزمان تعليماً دينياً تقليدياً حتى سن الحادية عشرة، فدرس العهد القديم والنحو العبري وما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» ، ولكنه تلقَّى بعد ذلك تعليماً علمانياً. ولكن العنصر الأساسي في طفولة وايزمان هو الشتتل الذي نشأ فيه، وبناء الشتتل العاطفي والاقتصادي يستبعد الأغيار من وعي اليهود، إن لم يكن من واقعهم أيضاً (على حد قول وايزمان نفسه) . بعد حصوله على الدكتوراه من ألمانيا عام 1899، قام وايزمان بالتدريس في سويسرا (1901) ثم ألمانيا (1904) . وقد كان من المطالبين بإدخال الديباجة الإثنية على الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة، كما كان من المعجبين بآحاد هعام وتأثر بأفكاره، وكان من الداعين لاستخدام العبرية في التخنيون (ضد دعاة الألمانية) . ساهم في تأسيس الجامعة العبرية، كما ساهم في تأسيس أحد أهم المعاهد العلمية في فلسطين الذي أصبح بعد ذلك معهد وايزمان للعلوم. وانطلاقاً من موقفه الإثني العلماني، وقف وايزمان ضد مشروع شرقي أفريقيا. كان من أوائل المفكرين والزعماء الصهاينة الذين أدركوا عبث الجهود الصهيونية الذاتية التسللية وحتمية الاعتماد على الدعم الإمبريالي لوضع المشروع الصهيوني موضع التنفيذ. وكان وايزمان مدركاً تماماً علمانية الحضارة الغربية ونفعيتها، فالمسألة ليست مسألة تلاق بين الأحلام اليهودية والأحلام المسيحية وإنما هو تلاقي مصالح الإمبريالية والصهيونية، فالدولة الصهيونية تحتاج إلى الدعم الإمبريالي وإنجلترا تحتاج إلى قاعدة، وبما أن الدولة اليهودية قاعدة رخيصة (على حد قول وايزمان) فلا تستطيع إنجلترا أن تجد صفقة أفضل من هذا (أي أنه أدرك أن الدولة الصهيونية دولة وظيفية ( غادر وايزمان سويسرا إلى إنجلترا عام 1904 وعُيِّن في جامعة مانشستر، وقد جمع حوله مجموعة من الصهاينة اليهود الذين كانوا قد بدأوا في تكثيف النشاط الصهيوني وكوَّنوا نواة الحركة الصهيونية في إنجلترا. وفي عام 1907، في المؤتمر الثامن، ألقى خطبته التي اقترح فيها تبنِّي ما سماه «الصهيونية التوفيقية» التي تجمع بين التوجه الدبلوماسي التوطيني (التفاوض مع الدول الاستعمارية من أجل الحصول على براءة الاستيطان في فلسطين) والجهد الاستيطاني وتطوير الإثنية اليهودية. وقد أصبحت الصهيونية التوفيقية منذ ذلك الوقت الإطار الذي تحركت من خلاله الحركة الصهيونية. وبعد نهاية المؤتمر قام وايزمان بأول زيارة لفلسطين. اندلعت الحرب العالمية الأولى بعد وصول وايزمان إلى سويسرا بيوم، فقطع رحلته وعاد إلى إنجلترا حيث قدمه س. ب. سكوت محرر المانشستر جارديان لبعض الشخصيات الإنجليزية المهمة من بينهم لويد جورج وهربرت صمويل الذي كان قد أعد مذكرة بمبادرة منه لإقامة دولة يهودية في فلسطين بعد تقسيم تركيا. وكان إسكويث (رئيس الوزراء) قد رفض المذكرة الأمر الذي وضع حداً لكل الجهود الصهيونية. ولكن تغييراً حدث في الوزارة، فأصبح لويد جورج رئيساً للوزراء، وكان من قبل زيراً للإمدادات (وكان وايزمان قد ترك انطباعاً جيداً عنده باكتشافه الأسيتون) وكان بلفور وزير الخارجية، كما أن عدداً كبيراً من المشاركين في الوزارة (مثل سير مارك سايكس) كانوا مؤيدين متحمسين للمشروع الصهيوني كمحاولة لتقليص النفوذ الفرنسي في الشام، أي أن الجو كان مهيئاً لصدور وعد بلفور قبل صول وايزمان وبدون أن يبذل أي جهد. ولكن معارضة اليهود الإنجليز، وخصوصاً معارضة إدوين مونتاجو وكلود مونتفيوري، جعلته يشعر بالإحباط لدرجة أنه فكر في الاستقالة من اتحاد الصهاينة الإنجليز، ولكن آحاد هعام نصحه بألا يفعل ذلك وذكَّره بأنه لم يعيَّن من قبَل أحد، ولذا فلا يمكنه أن يقدِّم استقالته لأحد. وكان وايزمان قد قطع علاقته بالمكتب المركزي للمنظمة الصهيونية العالمية في برلين التي كانت وثيقة الصلة بالألمان والأتراك وبمكتب الاتصال التابع لها في كوبنهاجن، ثم صدر وعد بلفور. كان وايزمان يتوقع أن يُقوِّي صدور وعد بلفور مركزه ومركز الصهيونية أمام اليهود، ويفرض المؤسسة الصهيونية عليهم من أعلى. وهذا ما حدث بالفعل، فقد عُيِّن عام 1918 رئيساً للبعثة الصهيونية التي أُرسلت إلى فلسطين لتحديد الطرق الممكن اتباعها لتطوير فلسطين بما يتفق مع ما جاء في وعد بلفور. وذهب وايزمان إلى القاهرة وقابل فيصل ابن الشريف حسين محاولاً الوصول معه إلى تفاهم. ثم رأس وايزمان الوفد الصهيوني لمؤتمر السلام في فرساي عام 1919 ليطالب بالموافقة الدولية على وعد بلفور وبأن يوكل لبريطانيا الانتداب على فلسطين. انتُخب وايزمان رئيساً للمنظمة الصهيونية العالمية عام 1921 في المؤتمر الصهيوني الثاني عشر، ونشب خلاف بينه وبين برانديز بشأن طريقة إدارة المُستوطَن الصهيوني وتمويل المستوطنات حيث طالب برانديز (الذي كان لا يعرف شيئاً عن طبيعة الاستعمار الاستيطاني وعن الظروف في فلسطين) بإدارتها على أُسس نظام الاقتصاد الحر، ورفض وايزمان الرضوخ لذلك لأن مثل هذا الإجراء كان يمكن أن يودي بالمشروع الصهيوني تماماًَ. ولذا، وقف وايزمان وراء أشكال الاستيطان العمالية مثل الموشاف والكيبوتس. وقد نجح وايزمان في عقد تحالف بين الصهاينة العموميين ومعظمهم من التوطينيين، والعماليين الاستيطانيين، وانضم لهم حزب مزراحي ممثل الصهيونية الإثنية الدينية. وهذا الائتلاف الثلاثي هو الذي قاد الحركة الصهيونية وأشرف على نشاطها خلال فترة الانتداب البريطاني. كان وايزمان على خلاف مع جابوتنسكي الذي كان يتبنى خط الحد الأقصى ويصر على الإفصاح عن الهدف الصهيوني النهائي، وهو الأمر الذي وجده وايزمان غير مجد أو مثمر. وكان جابوتنسكي يطرح تصورات مثل خطة نوردو لتغيير الواقع السكاني في فلسطين بين عشية وضحاها، كما كان يلجأ إلى إصدار تصريحات من شأنها إثارة قلق السكان الأصليين. وحينما وسَّع وايزمان الوكالة اليهودية، حتى تضم يهوداً غير صهاينة كجزء من السياسة الصهيونية لغزو الجماعات اليهودية، وعُقد أول اجتماع للوكالة الموسعة عام 1929، عارض جابوتنسكي هذا الإجراء. وكان قد تم تعيين السير هربرت صمويل مندوباً سامياً لبريطانيا في فلسطين (وكان يهودياً نشأ وترعرع داخل تقاليد صهيونية غير اليهود ذات الديباجات المسيحية والعلمانية) وكان من المتوقع أن يتعاون مع وايزمان، ولكن طبيعة علاقة الدولة الإمبريالية (بمصالحها العالمية) مع السكان الأصليين تختلف عادةً عن طبيعة علاقة المستوطنين بهم، ومن هنا نشأ الاختلاف في الرؤية وتولَّدت التوترات. وكان وايزمان يحاول حل هذه المشكلة عن طريق إطلاق التصريحات الأخلاقية عن حقوق العرب وضرورة ألا تُمس شعرة في رأسهم، وفي الوقت نفسه كان يضع الخطط التي تهدف إلى تغييبهم وإخلاء فلسطين منهم لوعيه التام بخطورة العنصر العربي على الدولة الصهيونية الاستيطانية الإحلالية، وكان يرى أن أي سلام مع العرب هو سلام القبور. وحينما عرف بطرد العرب من فلسطين عام 1948، تحدَّث عن هذه العملية على أنها معجزة أدَّت إلى تطهير أرض إسرائيل! ومن الواضح أنه يتحرك داخل إطار حلولي عضوي (حلولية بدون إله) في موقفه من الشعب اليهودي وعلاقته بالأرض. فحينما عُرض عليه أن يَقْبل اليهود وضع الأقلية في فلسطين وأن يتعايشوا مع العرب، انفجر متمتماً بكلمات ذات طابع حلولي واضح: "الرب سيضع يده مرة ثانية ليستعيد بقية شعبه ويرفع راية لكل الأمم، وسيجمع المشردين من إسرائيل وسيجمع المشتتين من يهودا من أركان الأرض الأربعة"! وهكذا. وكانت إدارة الانتداب والحكومة البريطانية تضطر من آونة لأخرى لإعادة تفسير وعد بلفور، كما حدث عام 1930 حيث أصدر سكرتير المستعمرات في وزارة العمال البريطانية كتاب باسفيلد الأبيض الذي اعتبره الصهاينة قضاء على المشروع الصهيوني بأكمله، فاستقال وايزمان من رئاسة المنظمة عام 1930 وتراجعت الحكومة البريطانية وأرسل رئيس الوزراء خطاباً لوايزمان يعبر له فيه عن تأكيده استمرار التزام حكومته بالمشروع الصهيوني. وتتبدَّى مرونة وايزمان العلنية ومقدرته على استخدام الخطاب الصهيوني المراوغ في تصريحه عام 1931 بأن وجود أغلبية يهودية في فلسطين ليست مسألة ضرورية، وقد صرح بهذا من قبيل تهدئة الخواطر ولكنه كان يؤمن بأنه ستكون هناك أغلبية يهودية في نهاية الأمر من خلال الجهد البطيء الذي يخلق حقائق جديدة، من خلال بناء منزل وراء منزل ودونم وراء دونم، ومستوطنة بعد مستوطنة. والواقع أن خلق الحقائق الجديدة أصبحت الإستراتيجية المستقرة للصهيونية، ولكن يبدو أن ذلك كان يتم هذه المرة عَبْر الخط الأحمر دون أن يدري، وأن حجم المراوغة كان أكبر مما يتحمل الصهاينة، ولذا فقد كلَّفه هذا التصريح رئاسة المنظمة. ولكن، مع هذا، تم اختيار صديقه الحميم سوكولوف خلفاً له، فالخلاف لم يكن جوهرياً وإنما كان خطأ خاصاً بطريقة التعبير. ومع صعود هتلر للسلطة، زاد عدد المهاجرين اليهود إلى فلسطين وزاد حجم رأس المال اليهودي فيها. وأعيد انتخاب وايزمان للرئاسة عام 1935. وكان وايزمان من المؤمنين بضرورة ترك يهود أوربا لمصيرهم على أن يتركز الجهد الصهيوني على تهجير بعض العناصر اليهودية التي ستساهم في بناء المُستوطَن الصهيوني. وتظهر مرونة وايزمان مرة أخرى عام 1937 حينما طُرحت فكرة تقسيم فلسطين إذ قبله رغم صغر حجم الجزء الممنوح للدولة اليهودية لأن قبول الحد الأدنى علنياً لا يعني عدم المقدرة على العمل في الخفاء للحصول على الحد الأقصى "وصحراء النقب" التي لم تكن جزءاً من الدولة اليهودية حسب خطة التقسيم "لن تفر"، حسب قوله، بل هي باقية يمكن الاستيلاء عليها فيما بعد. وظلت العلاقة بين الصهاينة والحكومة البريطانية متعثرة، إلى أن نشبت الحرب العالمية الثانية. وقد حاول وايزمان تجديد جهوده العلمية حتى يزداد نفوذه أمام الحكومة البريطانية، ولكن عرضه رُفض وتم تأييد طلب جابوتنسكي بالسماح بتشكيل اللواء اليهودي للاشتراك كقوة صهيونية مستقلة (إلى جانب الحلفاء) ولتدعيم مركز المستوطنين، لكنَّ هذا لم يَعُقه عن مقابلة موسوليني شخصياً عدة مرات ليحصل منه على تأييده للمشروع الصهيوني. وظلت علاقة الصهاينة ببريطانيا متعثرة حتى ظهور الولايات المتحدة كمركز للثقل الإمبريالي، فبدأوا في تحويل ولائهم. وقضى وايزمان وقتاً طويلاً (1941 ـ 1942) ورك حتى يمكنه تجنيد القيادة الأمريكية إلى جانب المشروع الصهيوني. وعُقد مؤتمر صهيوني في بلتيمور عام 1942 وأصدر برنامج بلتيمور الذي تنبع أهميته من أنه أفصح عن الهدف الصهيوني النهائي في إنشاء دولة. ومع نهاية الحرب، كان وضع وايزمان داخل المنظمة مخلخلاً. فقد كان ممثلاً للمرحلة البريطانية في تاريخ الصهيونية والاستيطان الصهيوني. كما أن مجال حركته كان في الساحة الدولية خارج ساحة الاستيطان. ومع ازدياد قوة المستوطنين وظهور الولايات المتحدة، لم يَعُد الشخص المناسب للمرحلة الجديدة، وخصوصاً أن حكومة العمال البريطانية رفضت السماح بالهجرة اليهودية غير المقيدة، وكانت القيادة الجديدة تفضل تبنِّي سياسة نشطة نوعاً ما ضد البريطانيين، لذا بدأ بن جوريون يتحدى قيادته، وخصوصاً أنه كان قد بلغ السبعين وبدأ تصحته تعتل. ولم يَجر انتخابه رئيساً للمنظمة عام 1946 لوجود إحساس عام بأنه فَقَد صلته بالواقع. ومع هذا، استمر وايزمان في جهوده وسافر إلى الولايات المتحدة للاتصال بالرئيس ترومان وغيره حتى تقف الولايات المتحدة وراء قرار التقسيم. وكان وايزمان من أنصار أن يُعلَن قيام الدولة الصهيونية فور انسحاب البريطانيين، بغض النظر عن قرار هيئة الأمم المتحدة، وأن تُعدُّ الدولة نفسها للحرب مع العرب. وبعد إعلان الدولة، قابل ايزمان الرئيس ترومان وحصل منه على وعد بأن تقوم الولايات المتحدة بتمويل مشاريع التنمية في إسرائيل. وحينما قامت الدولة وعُرضت عليه رئاستها هنأه القاضي فلكس فرانكفورتر وقال له إنه بإمكانه أن يقول ما لم يتمكن موسى من قوله (لأن هذا النبي الأخير قد مات قبل أن يصل إلى أرض الميعاد أما وايزمان فقد وصل بالفعل) . ولكنه، مع هذا، لم يضع اسمه ضمن الموقعين على قرار إعلان إسرائيل، كما أنه كان يضيق ذرعاً بوظيفة رئيس الدولة لأنها وظيفة شكلية شرفية محضة، ولم تكن تُرسَل له حتى محاضر مجلس الوزراء، وذلك بناءً على أوامر بن جوريون. ومن أهم مؤلفات وايزمان كتاب التجربة والخطأ (1949) ، كما أن رسائله قد جُمعت ونشرت تباعاً في سلسلة من المجلدات. الصهيونية التصحيحية Revisionist Zionism «الصهيونية التصحيحية» وتترجم أحيانا بالصهيونية «المراجعة» أو «التنقيحيه» تيار صهيوني نابع من فكر جابوتنسكي ظهر داخل المنظمة الصهيونية عام1923 بهدف تصحيح أو تنقيح أو مراجعة السياسة الصهيونية (ومن هنا يُشار إليها أحياناً باسم «الصهيونية التنقيحية» أو «الصهيونية المراجعة» ) . وهذا التيار تعبير عن محاولة بعض العناصر الصهيونية (من شرق أوربا أساساً) المتشبعة بالفكر الاقتصادي الليبرالي والفكر السياسي الفاشي طرح الهيمنة العمالية على عمليات الاستيطان وهيمنة صهاينة الخارج الليبراليين على النشاط الدبلوماسي جانباً. وقد حاول دعاة هذا التيار أن ينتهجوا خطاً وأسلوباً جديدين للعمل على الصعيد الدولي، حيث كانوا يرون أنهما في واقع الأمر استمرار لخط هرتزل ونوردو وفلسفتهما، وأن يصوغوا فكراً استيطانياً مستقلاًّ، وأن يُشيِّدوا مؤسسات استيطانية مستقلة. وقد كانت هذه المحاولة هي الأولى من نوعها داخل الحركة الصهيونية من جانب أعضاء الطبقة الوسطى. ولعل هذا يعود إلى الأصول الطبقية لموجات الهجرة الصهيونية المختلفة، فأعضاء الموجة الأولى والثانية أتوا أساساً من صفوف البورجوازية الصغيرة، ولم يكونوا يملكون شيئاً. ولكن فلسطين شهدت، ابتداءً من عشرينيات القرن وحتى بداية منتصف الأربعينيات، وصول الموجات الثالثة والرابعة والخامسة التي ضمت في صفوفها أعداداً كبيرة من صغار الرأسماليين وأصحاب العمل (هاجر في الموجة الخامسة وحدها حوالي 25 ألف يهودي يملك كل منهم أكثر من ألف جنيه إسترليني) . وفكر الصهاينة التصحيحيين هو، في نهاية الأمر، فكر جابوتنسكي الذي يقبل كل الأطروحات الصهيونية الأساسية عن الشعب العضوي المنبوذ الذي يُشكِّل جسماً غريباً في أوربا تلفظه كل المجتمعات، وعن الشعب اليهودي الرديء الذي يكرهه جيرانه عن حق. ويرى جابوتنسكي ـ شأنه شأن هرتزل وأستاذه نوردو ـ أن مصدر هوية اليهود ليس تراثهم الديني أو الإثني (فهذا التراث يمكن الاستغناء عنه تماماً) وإنما هو معاداة اليهود. ولذا، فإن المسألة اليهودية في نظره هي في الأساس مسألة رفض أوربا لليهود، أي مسألة الفائض اليهودي. ولكن جابوتنسكي يُقرِّر، مع هذا، أن اليهود، وضمن ذلك السفارد، شعب أوربي. وقد عرَّف جابوتنسكي الشعب انطلاقاً من أطروحات الفكر العرْقي الغربي بكل ما يتضمنه ذلك من إيمان بتفاوت بين الأجناس. وأرسلت الحركة التصحيحية أربعة مندوبين إلى المؤتمر الصهيوني الرابع عشر (1925) ، وسُمِّيت الجماعة باسم «اتحاد الصهاينة التصحيحيين» . وكان برنامجها ينادي بما يلي: إنشاء دولة صهيون على ضفتي الأردن ـ رفع أية قيود على الهجرة اليهودية إلى فلسطين ـ مصادرة جميع الأراضي المزروعة والعامة في فلسطين ووضعها تحت تصرُّف الحركة الصهيونية. عمل التصحيحيون على تفريغ أوربا من اليهود، وعلى تهجير أكبر عدد ممكن من اليهود في أقصر وقت ممكن. ولزيادة مقدرة فلسطين الاستيعابية، طالبوا بتوطين الطبقة الوسطى وتطوير القطاع الخاص، لأن دخول رأس المال الخاص سيخلق فرص عمل جديدة. ولذا، فقد طالبوا بالتركيز على تطوير القطاع الصناعي والزراعة المكثفة. ونادى التصحيحيون بتأجيل الصراع الطبقي وقبول التحكيم الإجباري لحسم الخلافات بين العمال والرأسماليين ولسحق التمرد العربي دون اللجوء إلى البريطانيين، وقد شدد التصحيحيون على ضرورة إنشاء وحدات عسكرية يهودية مستقلة. وقد وُضع هذا البرنامج في مجابهة كل التيارات الصهيونية الأخرى، وخصوصاً التيار العمالي الذي كان يؤيد طريقة الاستيطان التعاونية الملائمة لظروف فلسطين. وبهذا الشكل، فإن البرنامج التصحيحي ينم عن عدم فهم للمشروع الصهيوني وأبعاده الخاصة، أو على الأقل عدم فهم لطبيعة المرحلة التي كانت تتطلب التعاون والجماعية في الاستيطان، والبطء، والرضا بما تقبله الدولة الراعية، بالإضافة إلى السرية. كما أن ثمة تناقضاً أساسياً في هذا المشروع يكمن في المطالبة بالاستقلال الصهيوني في الحركة من ناحية وبالسرعة في تنفيذ المشروع الصهيوني اعتماداً على الدولة الراعية من ناحية أخرى. ولعل هذا يعود إلى إيمان هذا التيار بأن مشروعه استعماري تماماً، وبالتالي فإن ثمة تماثلاً كاملاً في المصالح يسمح برفع المطالب إلى الحد الأقصى. ولعل أهم الأطروحات التي أكدها التصحيحيون أنه مهما كان الاستيطان في فلسطين قوياً ويشكل 90% من النشاط الصهيوني، فإن الـ 10% السياسي (الاستعماري) يظل الشرط المسبق للنجاح وللبقاء. فالاستيطان في نهاية الأمر بطيء ولن يفي بالغرض، ولهذا فلا غنى عن النشاط السياسي أو الدبلوماسي الذي يتلخص ـ طبقاً لتصورهم ـ في الضغط على الدول الغربية ـ وخصوصاً إنجلترا ـ لإخلاء أوربا من اليهود بشكل جماعي وإلقائهم في فلسطين، وذلك على حساب أية اعتبارات خيالية أخرى، مثل الدين والبعد الثقافي والتربية وما شابه، لإنشاء نظام استعماري استيطاني. ولهذا الغرض، تم تأسيس رابطة الدومنيون السابع لتطوير فلسطين كجزء من الإمبراطورية البريطانية. جذبت الحركة التصحيحية عدة حركات ومنظمات صهيونية بين عامي 1925 و1935 وجدت في أفكار جابوتنسكي ضالتها المنشودة، ومنها: ـ عصبة جوزيف ترومبلدور (بيتار) . وقد احتفظت باستقلالها داخل معسكر اليمين، ثم أصبحت مع مرور الوقت التنظيم الأساسي الذي يزود ذلك المعسكر بالكوادر التي يحتاج إليها. ـ مجموعة ريتشارد ليشتهايم، وهو يهودي ألماني استقال من اللجنة التنفيذية للمنظمة الصهيونية (مع جابوتنسكي) عام 1923. ـ مجموعة روبرت شتريكر، وهو أحد قادة الصهيونيين العموميين. وقد عارض شتريكر سياسة وايزمان المهادنة لبريطانيا وطالب بتحديد هدف الصهيونية بإقامة الدولة اليهودية ثم انضم إلى الحركة التصحيحية. ـ مجموعة جوزيف شختار، وهو يهودي روسي ويُعتبَر من مؤسسي الحركة التصحيحية. أرسل التصحيحيون عشرة مندوبين للمؤتمر الصهيوني الخامس عشر (1927) وواحداً وعشرين مندوباً للمؤتمر السادس عشر (1929) واثنين وخمسين مندوباً للمؤتمرالسابع عشر (1931) . واتهموا القيادة العمالية بأنها توزع شهادات الهجرة بطريقة تخدم مصالح أتباعها وحسب وتتجاهل أتباع الحركة وبأن توزيع الأرض والأعمال يتم بالطريقة نفسها، كما اتهموا القيادة العمالية بتزييف انتخابات المؤتمرات الصهيونية عن طريق شراء الشيقل بالجملة. ولهذا السبب، انسحبوا من الصندوق القومي اليهودي ومن الهستدروت وكونوا اتحاد العمال القومي. كما عارضوا توسيع الوكالة اليهودية عام 1929 لأن هذا في تصوُّرهم سيؤدي إلى تمييع الصيغة الأساسية السياسية التي يدافعون عنها. وفي عام 1931، رُفض طلب التصحيحيين بإعلان أن إنشاء الدولة اليهودية هو هدف الصهيونية، وأدَّى مقتل الزعيم العمالي حاييم أرلوسوروف إلى زيادة حدة الخصومة، وخصوصاً أن بعض العناصر المعتدلة بمقاييس صهيونية (مثل شتريكر وليشتهايم) ابتعدوا عن جابوتنسكي وتركوا الحركة التصحيحية وكونوا حزب الدولة اليهودية. في أواخر عام 1934، تقابل جابوتنسكي وبن جوريون في لندن بعد تبرئة ساحة المتهمين بقتل أرلوسوروف، فتوصلا إلى اتفاق من ثلاثة بنود: 1 ـ الامتناع عن الصراع إلا من خلال النقاش السياسي دون اللجوء للهجوم. 2 ـ التوفيق بين الهستدروت وتنظيم التصحيحيين العمالي، وذلك فيما يتصل بقضايا مثل الإضرابات والتحكيم الإجباري. 3 ـ توقُّف التصحيحيين عن مقاطعة الصناديق اليهودية القومية وإرجاع حق أعضاء البيتار في الحصول على شهادات الهجرة. ولكن الاتفاق رفض من جانب أعضاء الهستدروت. بلغ عدد مندوبي التصحيحيين في المؤتمر الصهيوني الثامن عشر (1933) حوالي 45 مندوباً. وفي عام 1935، انفصل التصحيحيون وأسَّسوا المنظمة الصهيونية الجديدة وعقدوا أول مؤتمر لهم في فيينا في العام نفسه وانتُخب جابوتنسكي رئيساً لها. وكان مقرها كما هو مُتوقَّع في لندن بين عامي 1936 و1940. وكان برنامج المنظمة هو ثوابت الحركة التصحيحية مع تأكيد ضرورة تصفية الوجود اليهودي في العالم. كما بدأوا في سياسة التحالفات مع كل النظم الأوربية التي ستساعدهم في إجلاء اليهود، وطرح جابوتنسكي خطة السنوات العشر. ومن أهم الجماعات في الحركة التصحيحية جماعة عصبة الأشداء (بريت هابيريونيم) الموجودة في فلسطين والتي كانت تضم أشيمير وجرينبرج وغيرهما. وقد تبنت هذه الجماعات صيغة صهيونية نازية لا تُخفي إعجابها بالنازية (مع تحفُّظها على موقفها من اليهود وحسب) وقد طوَّر التصحيحيون، من خلال منظمة بيتار، شبكة ضخمة من مراكز التدريب العسكري في العالم، إذ ركزوا على الجانب العسكري من الممارسة الصهيونية الخاصة بالزراعة المسلحة. ويصف الصهاينة التقليديون كلاًّ من جابوتنسكي والتصحيحيين عامة بأنهم متطرفون، ولكن من يدرس فكرهم وتاريخهم يجدهم أكثر التيارات الصهيونية واقعية واتساقاً مع الواقع الصهيوني. فقد أكدوا من البداية القانون الأساسي الذي يتحكم في الحركة الصهيونية، أي مدى استعدادها للارتماء في أحضان الاستعمار والقيام على خدمته، حتى يُسهِّل لها تهجير اليهود وتوطينهم في فلسطين وإقامة الدولة. وهم أخيراً كانوا متيقنين من أن العنف وحده هو وسيلة التعامل مع الفلسطينيين، وأن أوهام بعض الصهاينة الخاصة بإقناع الفلسطينيين بترك أرضهم لليهود هي بمنزلة أحلام ليبرالية رخيصة. وفي الحقيقة، فإن استخدام العنف والارتماء في أحضان الإمبريالية والإيمان بالمُثُل الرأسمالية الحرة هي جميعاً موضوعات تتواتر في كتابات هرتزل والصهاينة الدبلوماسيين، ولكنها كانت مغلفة بغلاف ليبرالي رقيق، لأن الصهيونية كانت لا تزال في بداياتها ولم تكن قد أدركت هويتها تماماً بعد، كما أنها كانت لا تزال حركة ضعيفة غير قادرة على الكشف عن أهدافها. وكلما كانت الصهيونية تزداد قوة، كانت تعلن عن أهدافها وعن هويتها، فالفرق إذن بين هرتزل وجابوتنسكي يكمن في النبرة والمصطلح وليس في الرؤية ولا الفلسفة. وقد قال جابوتنسكي مرة إنه خليفة هرتزل ووريثه الحقيقي، وقد وافقه نوردو على هذا، ونحن نذهب أيضاً إلى أن ثمة خطاً ممتداً من هرتزل لشارون عبر جابوتنسكي وبيجين. المنظمة الصهيونية الجديدة New Zionist Organization بعد أن نشب الخلاف بين الصهاينة التصحيحيين والمنظمة الصهيونية العالمية حول فكرة الوكالة اليهودية الموسعة (وهي الفكرة التي عارضها الفريق الأول) ، وكذلك حول حدود الدولة الصهيونية المقترحة، وبعد أن رفض المؤتمر الصهيوني السابع عشر (1931) تعريف هدف الصهيونية بأنه تأسيس الدولة الصهيونية، ونظراً لافتقاد المنظمة الصهيونية العالمية الطابع العسكري، انشق التصحيحيون بزعامة جابوتنسكي عن المنظمة الأم مكوِّنين منظمة مستقلة تُعرَف باسم «المنظمة الصهيونية الجديدة» عام 1935. وكانت المنظمة الجديدة تنادي بعدم الاعتماد على حكومة الانتداب، وعلى منح اليهود حق الهجرة، كما طالبت بتصفية الجماعات اليهودية في العالم، وكذلك فإن المنظمة الجديدة كانت تنادي بضرورة تسوية المنازعات بين العمال ورأس المال عن طريق مجلس أعلى للتحكيم، وكان مقر المنظمة في لندن وترأسها جابوتنسكي. وقد لعبت المنظمة دوراً بارزاً في تنظيم الهجرة غير الشرعية، ومنحت تأييدها لمنظمة إتسل، كما كان لها تنظيماتها الاستيطانية المستقلة، ولعبت أفكارها دوراً مهماً في تأسيس المنظمات العسكرية الصهيونية الأخرى. وقد عارضت المنظمة الصهيونية الجديدة فكرة التقسيم. وفي عام 1946، عادت المنظمة الصهيونية الجديدة إلى صفوف المنظمة الصهيونية العالمية بعد أن أصبح موقفهما متفقاً بشأن معظم القضايا. وفي الحقيقة، فإن الانشقاق والاندماج بين المنظمتين كلاهما صهيوني نموذجي، فهو اختلاف حول التكتيك والحد الأقصى، ولا يمتد إلى الإستراتيجية أو الحد الأدنى الصهيوني بأية حال. الصهيونية الراديكالية Radical Zionism تيار صهيوني لا يختلف كثيراً في رؤيته ولا في أساسه الطبقي عن الصهيونية التصحيحية أو الصهيونية العمومية. وقد نشأ هذا التيار عام 1923 خلال المؤتمر الصهيوني الثالث عشر كنوع من الاحتجاج على مهادنة وايزمان للحكومة البريطانية واستعداده للتخلي عن حقوق اليهود في فلسطين. وقد ظهرت الصهيونية التصحيحية في الوقت نفسه، وكاد الفريقان أن يتحدا لولا اختلاف موقفهما من الطابع الجماعي العمالي للاستيطان الصهيوني. وقد كان الفريقان يتفقان في الاعتراض على الطابع الاشتراكي لهذا الاستيطان، لكن الراديكاليين كانوا يرون أن هذا هو الأسلوب الوحيد المتاح. وقد أسَّس الراديكاليون اتحاداً للصهاينة الراديكاليين لتحقيق الخلاص للشعب اليهودي عن طريق تغيير بنيان حياته. وكان الاتحاد ينادي بأن الاستيطان يجب أن يتم من خلال امتلاك الأرض ملكية قومية، كما حاول الاتحاد تقديم العون للاستثمارات الفردية. وفي عام 1930، حينما حدث انقسام في صفوف الصهيونيين العموميين، انضم الصهاينة الراديكاليون للجناح الليبرالي واتحدوا معه مكوِّنين الاتحاد العالمي للصهيونيين العموميين. بيتار (منظمة شبابية ( Betar » بيتار «اختصار العبارة العبرية «بريت يوسف ترومبلدور» ، أي «عهد ترومبلدور» أو «حلف ترومبلدور» . وهو تنظيم شبابي صهيوني تصحيحي أسَّسه يوسف ترومبلدور في ريجا (لاتفيا) عام 1923، لإعداد أعضائه للحياة في فلسطين بتدريبهم على العمل الاستيطاني الزراعي وتعليمهم، مع التركيز على العبرية بالإضافة إلى التدريب العسكري. وكان يتم تلقين أعضاء التنظيم مقولات تعكس التأثر الواضح بالنزعات الفاشية التي سادت أوربا آنذاك، فكانوا يتعلمون مثلاً أن الإنسان أمامه اختياران لا ثالث لهما "الغزو أو الموت" وأن كل الدول التي لها رسالة قامت على السيف وحده. وبشكل عام، تَمثَّل التنظيم أفكار جابوتنسكي زعيم الصهيونية التصحيحية. وكانت إحدى الهتافات الشائعة لشباب بيتار طوال فترة الثلاثينيات "إيطاليا لموسوليني وألمانيا لهتلر وفلسطين لجابوتنسكي"، كما كانوا يرتدون القمصان البنية اللون تَشبُّهاً بالمنظمات الشبابية الفاشية. وقد انشق تنظيم بيتار عن المنظمة الصهيونية العالمية إثر النزاعات التي نشبت بين جابوتنسكي وزعمائها والتي انتهت بانفصاله وتشكيل «المنظمة الصهيونية الجديدة» ثم «الاتحاد القومي» عام 1934. ولم يقتصر نشاط تنظيم بيتار على بولندا بل امتد إلى العديد من البلدان، فأقام التنظيم عام 1934 مركزاً للتدريب البحري في إيطاليا وآخر للتدريب على الطيران في باريس، كما أقام فروعاً في اللد (1938) وجنوب أفريقيا (1939) ونيويورك (1941) . وحتى بداية الحرب العالمية الثانية، ظلت القاعدة الأساسية للتنظيم وهيئته القيادية خارج فلسطين ثم انتقلت بعد ذلك إليها حيث كان بعض أتباع بيتار قد أسسوا عدة مستوطنات تعاونية. وقد تشكلت في صفوف بيتار القيادات الأساسية لمنظمة الإرجون الصهيونية الإرهابية وقيادة حركة حيروت. ومن هذه القيادات، على سبيل المثال، يسرائيل شيف (الداد) ومناحم بيجين. وقد أصبحت الدولة الصهيونية، بعد تأسيسها، مركزاً لتنظيم بيتار في العالم. وفي أواخر الستينيات. كان عدد أعضائه نحو ثمانية آلاف نصفهم في فلسطين المحتلة والباقي يتوزعون في 13 بلداً أخرى. فلاديمير جابوتنسكي (1880-1940 (Vladimir Jabotinsky مفكر صهيوني وقائد حركة الصهيونيين التصحيحيين. وُلد في أوديسا (روسيا) لعائلة من الطبقة الوسطى حل بها الفقر لموت العائل (الأب) . وكان اهتمامه باليهودية ضئيلاً للغاية، إذ كان ينظر إليها من الخارج، ولم تكن له معرفة بالعبرية وقد أتقنها فيما بعد وطالب بأن تُكتَب بحروف لاتينية. لم يهتم جابوتنسكي كثيراً بحركة أحباء صهيون عندما سمع بها. ومع هذا، يُقال إنه كانت لديه نزعات صهيونية منذ صباه. درس القانون في سويسرا وإيطاليا حيث تعلَّم الإيطالية واستوعب الرؤية المعرفية الإمبريالية تماماً؛ فتبنَّى رؤية توماس هوبز للواقع ورفض كل المُثُل الإنسانية، وأعلن أن العالم إن هو إلا ساحة لصراع الجميع ضد الجميع، كما تأثر بالفكر الدارويني والنيتشوي والفاشي وتأثر على وجه الخصوص بأفكار أنطونيو لابريولا عن الإرادة وعن قدرة الإنسان على صياغة المستقبل بإرادته. وكانت ثمرة هذا كله رؤية جابوتنسكي لما سماه «الأنانية المقدَّسة» (أي أن تصبح الذات مركز الحلول) ، فطالب أن يتعلم اليهودي الذبح (ذبح الآخرين) من الأغيار، أي أن جابوتنسكي كان يحاول دمج اليهودي في عالم أوربا الإمبريالي بحيث يكتسب اليهودي أخلاقياته ورؤيته وهويته من هذا العالم. وقد عمل جابوتنسكي أثناء إقامته في روما (1898 ـ 1901) مراسلاً لصحيفة ليبرالية تصدر في أوديسا وكان ينشر مقالاته باسمه المستعار «التالينا» . بدأ جابوتنسكي نشاطه الصهيوني عام 1903 بحضور المؤتمر الصهيوني السادس (1903) ، فاطَّلع على كتابات الصهاينة الأوائل، مثل بنسكر وهرتزل وليلينبلوم، وتعرَّف إلى أوسيشكين وبياليك، وحاول تنظيم بعض خلايا الدفاع اليهودية في روسيا، كما أيد زيارة هرتزل لفون بليفيه وزير داخلية روسيا الذي يُقال إنه دبر عدة مذابح ضد أعضاء الجماعة اليهودية. وكان جابوتنسكي من معارضي مشروع شرق أفريقيا، ربما لإدراكه القيمة التي سيكتسبها المشروع الصهيوني إن تم تأسيسه في منطقة إستراتيجية مهمة للغرب مثل فلسطين. انتقل جابوتنسكي إلى إستنبول حيث كان مسئولاً بصورة رسمية عن أجهزة الدعاية الصهيونية وعن الصحف الصهيونية هناك (التي كانت تَصدُر بالعبرية والفرنسية واللادينو) ، وذلك بعد سقوط الخلافة العثمانية. وانتُخب جابوتنسكي عضواً في اللجنة الصهيونية عام 1921. وأثناء المؤتمر الصهيوني الثاني عشر (1921) ، تَوصَّل بصفته هذه إلى اتفاق مع مندوب حكومة بتليورا الأوكرانية التي قامت بعدة مذابح ضد اليهود. وكان الاتفاق يقضي بأن تلحق قوة يهودية غير محاربة بقوات بتليورا أثناء زحفها ضد الحكومة البلشفية (وقد أثار ذلك احتجاج كثير من أعضاء الجماعات اليهودية) . ويرجع إعجاب جابوتنسكي بالقومية الأوكرانية إلى عام 1911 حيث كتب مقالاً ينوه فيه بهذه القومية وحيويتها وتفجُّرها باعتبارها قومية عضوية. قَبل جابوتنسكي الورقة البيضاء التي طرحها تشرشل عام 1922، إلا أنه استقال من اللجنة التنفيذية للمنظمة الصهيونية عام 1923 احتجاجاً على قبولها هذه الورقة، وأسس في العام نفسه منظمة بيتار، كما أسَّس عام 1925 الاتحاد العالمي للصهاينة التصحيحيين، وقد جاء الاسم تأكيداً لموقفهم الرامي إلى ضرورة تصحيح السياسة الصهيونية وتنقيحها، أي تصفيتها من أية شوائب، حتى تقترب من الصيغة الهرتزلية الأصلية، وهي الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة قبل تهويدها وقبل إدخال الديباجات عليها. وقد أعلن التصحيحيون في دستورهم أن "هدف الصهيونية هو تحويل أرض إسرائيل، وضمنها شرق الأردن، إلى كومنولث يهودي ... [يتمتع بـ] حكم محلي وأكثرية يهودية ثابتة"، على أن يسود الدولة الاقتصاد الحر ويتم تأجيل الصراع الطبقي وقبول التحكيم الإجباري لحسم الخلافات بين العمال والرأسماليين. وبعد أن قامت المنظمة الصهيونية بتوسيع الوكالة اليهودية عام 1929 وضم عناصر يهودية غير صهيونية (وكانت المنظمة قد رفضت لأسباب تكتيكية إعلان أن هدف الصهيونية هو إقامة الدولة اليهودية) ، وبعد اغتيال الزعيم الصهيوني العمالي أرلوسوروف ودفاع جابوتنسكي عن المتهمين باعتبارهم أبرياء، توترت العلاقة بين جابوتنسكي من جهة والمنظمة الصهيونية العمالية الواقعة آنذاك تحت هيمنة الصهاينة العماليين من جهة أخرى. وعلى صعيد الاستيطان، أسس جابوتنسكي في هذه الفترة منظمة عمالية صهيونية تنافس الهستدروت وتُسمَّى «الهستدروت القومي للعمال» ، كان مستعداً للتعاون مع مشاريع رؤوس الأموال الخاصة لإقامة مجتمع صهيوني طابعه العام رأسمالي. والواقع أن جابوتنسكي صهيوني دبلوماسي (يهودي غير يهودي) ، لا تختلف صهيونيته أبداً عن صهيونية الغرب الاستعماري التي تدور في إطار فكرة الشعب العضوي وتنظر لليهود باعتبارهم شعباً عضوياً منبوذاً. وينطلق جابوتنسكي من الفكر القومي العضوي، فالأمة كيان عضوي مستقل وقيمة مطلقة صافية لا تشوبها أية شوائب ولا تحتاج إلى أية نقط مرجعية خارجها، فهي مطلق مكتف بذاته يجب أن تُستبعَد كل العناصر الأخرى الدخيلة مثل الدين والاشتراكية (شأنها شأن القوميات في العالم الغربي آنذاك التي لا تحتاج إلى أي تبرير أو منطق خارجي، ووجودها العضوي هو المبرر الوحيد) . ولهذا، لجأ جابوتنسكي إلى ما سماه «الصهيونية بدون صفات إضافية» ، أي القومية اليهودية دون ديباجات أو تبريرات. ويرفض جابوتنسكي الدين اليهودي تماماً، فهو يدور في إطار الحلولية بدون إله، ولذا فقد صرح بأن الشعب اليهودي هو المعبد الذي يتعبد فيه. وهو على كلٍّ لم يكن يعرف اليهودية بقدر كاف، وكان يرى أن الصهيونية يجب أن تظل بمنأى عن اليهودية وألا تبتلع إلا أصغر جرعة منها. ولكنه، بطبيعة الحال، لم يمانع في مرحلة لاحقة (بعد عام 1932) في توظيف الدين في خدمة الصهيونية. كما رفض جابوتنسكي الموروث الإثني كمصدر للهوية على عكس دعاة الصهيونية الإثنية، ولذا فقد ذهب إلى إمكان الاستغناء عن هذا الموروث تماماً. بل إنه يذهب إلى أن الموروث الحضاري لليهود "هو الحضارة الغربية نفسها"، فاليهود مُستوعَبون تماماً في الحضارة الغربية. ولكن ما مصدر خصوصية اليهود؟ يرى جابوتنسكي أن ثمة مصدرين أساسيين: أ) أولهما وضع اليهود الشاذ في المجتمعات الغربية، فهم جسم غريب تلفظه هذه المجتمعات، ومن هنا فإن الشعب اليهودي شعب رديء يكرهه جيرانه (وهم على حق في ذلك) . ومعنى هذا أن جابوتنسكي يقبل مقولات معاداة اليهود ويجدها استجابة معقولة للشخصية اليهودية وصفة لصيقة بالحضارة الغربية، كما أنه يرى أن الجانب الإيجابي للعداء لليهودية هو أنها تُولِّد إحساس اليهودي بنفسه. ب) يرى جابوتنسكي أن العرْق هو المحور الأساسي للمجتمع، بحيث يمكن القول بأن القومية والعرْق كانا بالنسبة إليه شيئاً واحداً. بل يرى أن السمات العرْقية أكثر أهمية من الأرض والدين واللغة والقومية (أي أن المطلق هو العرْق والدم وليس الهوية الإثنية) . ولذا، فهو، في حديثه عن الصهيونية، يشير باستخفاف إلى جميع الأحلام الإثنية "مجتمع نموذجي وثقافة عبرية وربما طبعة ثانية من التوارة" مقابل ما يراه الضرورات الواقعية المادية، أي إنقاذ الشعب اليهودي العضوي المنبوذ من الخطر المحدق. تترجم هذه المنطلقات نفسها إلى حل وإجراءات، والحل هو إخلاء أوربا من اليهود تماماً، وتصفية الجماعات اليهودية في العالم ونَقْل ملايين اليهود إلى فلسطين ليفرضوا أنفسهم بالقوة كأغلبية سكانية داخل دولة يهودية. وكان جابوتنسكي يؤمن إيماناً قاطعاً بأن الجهود الذاتية للصهاينة لا جدوى من ورائها وأنه لا سبيل إلى النجاح دون الدعم الغربي للمشروع الصهيوني. وستقوم الحكومات الغربية، ومنها تلك التي تقوم باضطهاد اليهود، بالمساعدة في هذه الخطة (أشاد جابوتنسكي في شهادته عام 1937 أمام اللجنة الملكية لفلسطين بجهود الحكومة البولندية الرامية إلى لفت نظر عصبة الأمم والبشرية جمعاء إلى واجب البشرية أن تقدم لليهود منطقة يستطيعون أن يبنوا فيها كيانهم الاجتماعي. وهو يشعر أن مثل هذه الاقتراحات قد تثير الشكوك، ولكنه يرجو ألا توضع مثل هذه الاقتراحات موضع الشبهة بل يجب على العكس أن تُشكَر ويُعترَف لها بفضلها) . ولكن التحالف مع إنجلترا (أكبر قوة استعمارية) هو الحل الحقيقي، فهو «تحالف عضوي» ، وهناك تماثل كامل في المصالح. ولذا، ساهم جابوتنسكي عام 1928 في تأسيس جماعة بريطانية تطالب بجعل فلسطين دولة صهيونية وجزءاً من الكومنولث البريطاني وهي جماعة الدومنيون السابع (حُلَّت عام 1929 بناءً على نصيحة رئيسها الكولونيل ودجود بعد أن أخذت الحكومة البريطانية موقفاً متشدِّداً من المستوطنين) . بل لقد صرح في إحدى المرات بأن ثمة أساساً إلهياً لتحالف يُعقَد بين بريطانيا وفلسطين اليهودية. ورغم هذا الالتزام المبدئي تجاه بريطانيا، فإن الخطة التاكتيكية عند جابوتنسكي كانت تختلف عن خطة وايزمان الذي راهن على حسن نية بريطانيا فاتخذ سياسة تتسم بالذيلية الكاملة. أما جابوتنسكي، فكان يلجأ إلى ما يسميه الضغوط الدولية، وهذا يُفسِّر بحثه الدائم عن حليف غير بريطانيا، فاتصل بموسوليني الذي عبَّر عن إعجابه "بالفاشي جابوتنسكي"، كما اتصل بمعظم حكومات شرق أوربا، وعارض مشروع تقسيم فلسطين وسياسة بريطانيا فيما يخص مسألة الهجرة، وعمل على تشجيع الهجرة غير الشرعية إلى فلسطين. وكان الهدف من هذه التحالفات والمناورات هو الضغط على بريطانيا وليس استبدالها، وقد فشلت كل مساعيه فلم يحقق شيئاً. ولعل هذا استمرار لأسلوب هرتزل الدبلوماسي، أي البحث عن راع مع توضيح فائدة الدولة اليهودية له إن وُضعت في خدمته. إن نَقْل اليهود، كأغلبية سكانية، سيُحقِّق عدة أهداف من وجهة نظر جابوتنسكي: 1 ـ تحويل اليهود إلى أمة مثل كل الأمم، أو تطبيع الشخصية اليهودية الهامشية. 2 ـ تقوم هذه الأمة بخدمة المصالح الغربية في المنطقة وتصبح قاعدة لها. وعلى حد قول نوردو أستاذ جابوتنسكي "سنجيء إلى فلسطين لنوسع حدود أوربا ونصل بها إلى الفرات"، أي أن الدولة الصهيونية ستصبح دولة وظيفية. 3 ـ بهذه الطريقة سيصبح الشعب العضوي اليهودي جزءاً من الحضارة الغربية، أي أنه سيحقق من خلال التشكيل الإمبريالي الغربي ما فشل في تحقيقه من خلال التشكيل الحضاري الغربي. وماذا عن العرب؟ هنا يتضح الجانب الإحلالي من فكرة جابوتنسكي عن الشعب العضوي اليهودي الغربي، فهذا الشعب جزء من عرْق سيِّد، فالتفاوت بين الأجناس الراقية والمتخلفة هو التبرير الأساسي للعملية الاستعمارية. واليهود سيصلون إلى فلسطين باعتبارهم هذا الجنس المتفوق. ومن ثم، فلا حقوق للعرب، فهم متخلفون ولن يفهموا طبيعة المسألة اليهودية، ولذا فلا مفر من العنف العسكري لفرض أغلبية يهودية على العرب وإقامة دولة صهيونية على ضفتي نهر الأردن بالقوة. وقد استخدم جابوتنسكي صورة مجازية «الجدار الحديدي» ليصف الطريق الوحيد للاتفاق مع العرب؛ جدار حديدي من الحراب اليهودية. نادى جابوتنسكي، خلال الحرب العالمية الأولى، بتجنيد فرقة من الكتائب اليهودية العسكرية لكي تحارب على الجبهة الفلسطينية مع القوات الإنجليزية الغازية لفلسطين. ووصل جابوتنسكي إلى الإسكندرية في ديسمبر 1914، وأسَّس في العام التالي، مع جوزيف ترومبلدور، فرقة البغالة الصهيونية. وقد وافقت الحكومة الإنجليزية عام 1917 على إنشاء الفرقة 38 من الكتائب حملة البنادق الملكية وتَطوَّع فيها جابوتنسكي وأصبح قائدها، وكان يظن أن هذه الوحدة العسكرية الصهيونية هي من الدوافع الأساسية وراء صدور وعد بلفور، وهو ما يبيِّن مدى ضيق أفقه وافتقاره إلى معرفة الدوافع المركبة في السياسة، فالمُخطَّط الإمبريالي البريطاني بشأن فلسطين وُضع قبل الحرب، وكان جزءاً لا يتجزأ من السياسة الإمبريالية البريطانية في المنطقة بعد تقسيم الدولة العثمانية. وقد أصبح جابوتنسكي عضواً في البعثة الصهيونية إلى فلسطين كما أصبح رئيس القسم السياسي فيها. لعب جابوتنسكي دوراً أساسياً في تنظيم كتائب الهاجاناه لقمع المظاهرات العربية في القدس عام 1920، وتبنَّى سياسة «الردع النشيط» ضد العرب لإرغامهم على الاعتراف بالوجود اليهودي. ولذا، فقد قامت منظمة الأرجون، بوحي من أفكاره، بإلقاء القنابل على المدنيين دون تمييز لخلق ما سماه «الوقائع الجديدة» التي جاء ديان فيما بعد ليجعل منها محوراً لسياسة المؤسسة العسكرية الإسرائيلية. والهدف من هذه التنظيمات مزدوج، فهي تهدف إلى الدفاع عن المستوطنين ضد السكان الأصليين، ولكنها على حد قول جابوتنسكي خير دفاع عن المصالح الإمبريالية كما أنها حماية لطرق إمدادات الإمبراطورية لحماية المصالح الغربية ضد القومية العربية. وأطروحات جابوتنسكي لا تختلف كثيراً عن أطروحات الصهيونية. ومع هذا، كان جابوتنسكي يُعَدُّ متطرفاً بالمقاييس الصهيونية. فما مصدر هذا التطرف؟ يؤمن جابوتنسكي بما كان يسميه «الواحدية» وهي فكرة شمولية تعبر عن نفسها كما يلي: 1 ـ الإيمان بدور العقائد الصافية البسيطة الواضحة في دفع الجماهير. بل إنه كان يرى في خضوع الجماهير للقائد بعداً جمالياً (ففي روايته شمشون يعبِّر البطل عن إعجابه بنظام الفلستيين الوثني وخضوعهم الكامل للكهنة) 2 ـ الإيمان بفكرة اليهودي الخالص الذي لا تشوبه أية شائبة، فاليهود الذين يحاولون الاستيطان في فلسطين ليسوا بورجوازيين أو بروليتاريا وإنما هم مجرد رواد ليس لهم انتماء طبقي. وهذه الواحدية الصريحة هي ما يُميِّز جابوتنسكي عن كل المفكرين الصهاينة، فهو يرفض الديباجات، كل الديباجات، ليبرالية كانت أم عمالية، علمانية كانت أم دينية. فالصهيونية مكتفية بذاتها، ومن ثم فلا داعي للتاكتيكات والمناورات، ولا مبرر للمراوغة وعدم المجاهرة. وموقف جابوتنسكي هذا ينم عن السذاجة والجهل بطبيعة العمل السياسي، وخصوصاً إذا كان ثمة ساحات كثيرة (فلسطين ـ يهود العالم ـ الدولة الإمبريالية الزراعية) وكان في وسع الحركة الصهيونية امتصاص التيار التصحيحي وتوظيفه في المجالات التي يريدها وبالطريقة التي تروق لقادته، فالمجال كان دائماً مفتوحاً أمام الجميع. ولكن جابوتنسكي وأعوانه تَحدّوا المؤسسة الصهيونية لا عن طريق طرح فكر يميني متطرف، فالفكر الصهيوني ابتدأ فكراً استعمارياً استيطانياً، وإنما برفض بعض القواعد الخاصة بطريقة تناول الأمور، وهو تحدٍّ يدل في نهاية الأمر على قصر نظر جابوتنسكي وهو ما جعله يبدو متطرفاً من منظور صهيوني. وأول نقط الاختلاف رفضه الخطاب الصهيوني المراوغ، إذ كان يرفض الشعار الداعي إلى الصمت والعمل والابتعاد عن السياسة والتظاهر "بأننا نذهب إلى فلسطين لمجرد حرث الأرض". فقد كان يؤمن بضرورة الإيضاح والإعلان عن الأهداف دون مواربة، وهي مسألة غير عملية ولا واقعية ولا تعود على الصهاينة بأية فائدة. وحينما اكتفت سلطات الانتداب البريطاني مثلاً بنقش حرفيE.I. (وهما اختصار عبارة «إرتس يسرائيل Eretz Israel» ) على العملة في فلسطين بدلاً من نقش الكلمتين كاملتين (وهذا حل مراوغ) رفض جابوتنسكي الأمر وطالب بأن يُكتَب الاسم كاملاً أو أن لا يكتب على الإطلاق. كما طالب بأن تُعلن الحركة الصهيونية بكل وضوح أن هدفها هو إنشاء دولة يهودية، وهو هدف كان الجميع متفقين عليه منذ أيام بنسكر، وهم يتحدثون عنه ولكنهم يؤثرون عدم إعلانه، لأن الصياح والإفصاح لا يفيدان في رأيهم. أما العرب، فكان جابوتنسكي يطالب بأن تُوضَّح لهم الأمور (أي أنهم سيتم طردهم) ، إذ أن المشروع الصهيوني، سيتم بكل بساطة كما يتم أي مشروع استعماري كبير. وهو أمر كان مُتفَّقاً عليه تماماً، ولا ينصرف الاختلاف بين الصهاينة إلا إلى جدوى الإعلان عن الأهداف النهائية. وثاني أوجه الاختلاف بين جابوتنسكي والمنظمة هو إصراره على حل الحد الأقصى الذي يتسم بالشمول والفورية. ومرة أخرى، لم يكن ثمة اختلاف على الهدف، فالاختلاف كان على طبيعة المرحلة. وعلى سبيل المثال، كان جابوتنسكي يرى أن الدولة المزمع إنشاؤها يجب أن تتم دفعة واحدة عن طريق رفع قيود الهجرة إلى فلسطين ونقل اليهود وطرد العرب، ومن هنا كان لجوؤه إلى عقد اتفاق مع حكومة بولندا في نهاية الثلاثينيات (1938) يقضي بتهجير مليون ونصف مليون يهودي إلى فلسطين خلال عشر سنوات، وذلك بهدف خلق أغلبية يهودية فورية في فلسطين. وكان جابوتنسكي يتصوَّر أن هذا ممكن مع تفاقم ظاهرة العداء لليهود في بولندا التي كانت تضم آنذاك أكبر جماعة يهودية في العالم. والرؤية الطفولية الساذجة نفسها تكمن وراء أوهامه المتعددة في أن يصل الدعم الإمبريالي دفعة واحدة وأن تُقام الدولة على ضفتي نهر الأردن وأن تُصادَر جميع الأراضي العامة المنزرعة في فلسطين وأن تُوضَع تحت تَصرُّف الحركة الصهيونية. وكلها أهداف صهيونية كامنة. كما كان جابوتنسكي ينادي بضرورة تصفية الجماعات اليهودية في الخارج وعبرنة التعليم، أي جَعْله تعليماً قومياً عضوياً يعبِّر عن الذات القومية ويؤدي إلى تطبيع اليهود تطبيعاً كاملاً. وهذه موضوعات قديمة ومطروحة في أدبيات الصهاينة من كل الاتجاهات، ولكن الإصرار عليها في تلك المرحلة كان من الممكن أن يَنتُج عنه صدع في القيادة الصهيونية وانشقاقات في المنظمة. والواقع أن التحالف مع الاستعمار الغربي كان قائماً بالفعل، ولكن هناك صعوبات خاصة بسبب طبيعة المادة البشرية المُستهدَفة وطبيعة ساحة القتال في فلسطين. فالدولة الراعية التي يعتمدون عليها لها مصالح عالمية ليست بالضرورة متفقة تمام الاتفاق مع مصالح المستوطنين، من ذلك رغبة الإمبراطورية في عدم الدخول في صراع مع القومية العربية أثناء الحرب. ولذا، كان ضرورياً أن تُظهر القيادة الصهيونية تَفهُّماً لهذه الرغبة وأن تأخذ الحساسيات في الاعتبار، الأمر الذي لم يدركه جابوتنسكي حينذاك ولا أدركه أتباعه (وقد أدركه شتيرن وبيجين بدرجة أقل فيما بعد) . أما تصفية الدياسبورا، فهو تَجاهُل لحقيقة وجود صهيونيتين. وقد كان المستوطنون الصهاينة يعتمدون كل الاعتماد على الصهاينة التوطينيين في الخارج، وخصوصاً في مرحلة ما قبل إنشاء الدولة. أما الوجه الثالث من أوجه الاختلاف، فهو إصراره على الاقتصاد الحر وتقوية البورجوازية اليهودية في فلسطين (ومن هنا صُنِّف فكره خطأً باعتباره فكراً يمينياً) . ولم يكن العماليون يمانعون في التعاون معه حين يكون ثمة مجال للتعاون، فقد كانوا في نهاية الأمر يتعاونون مع السلطات الاستعمارية غير الاشتراكية ومع يهود الخارج البورجوازيين. ولكن طبيعة الاستعمار الصهيوني الاستيطانية الإحلالية هي التي فرضت عليهم أسلوباً جماعياً عمالياً، وهو أسلوب لا يرتبط بالضرورة بأي مضمون اشتراكي إنساني حتى لو استُخدمت ديباجة اشتراكية لتسويغه. فالمستوطنون الأوائل في الولايات المتحدة من طائفة البيوريتان، وفلسفتهم في الحياة فلسفة فردية متطرفة، وكان ماكس فيبر يعتبرها الأساس الفلسفي لعملية التراكم الرأسمالي، ومع هذا تبنوا أشكالاً جماعية في الاقتصاد والحياة كضرورة استيطانية، إذ هل يمكن حرث الأرض وقتل أصحابها الأصليين في إطارالمشروع الحر؟ وهكذا، لم يكن هناك مجال للتعاون بسبب طبيعة الموقف نفسه لا بسبب الاختلافات على التوجُّه السياسي. ولقد أطلق بن جوريون على جابوتنسكي اسم «تروتسكي الحركة الصهيونية» ، وهذا يعني أنه شخص يصر على الحد الأقصى والحلول الشاملة ويجاهر بذلك ولا يدرك طبيعة المرحلة متجاهلاً أن من الممكن تحقيق الشيء نفسه ببطء مع إطلاق شعارات هادئة جميلة عن الأخوة والتضامن. ولعل هذا يفسر نجاح العماليين فيما فشل فيه جابوتنسكي. فتاريخ الاستيطان (بشقيه الزراعي والعسكري) هو تاريخ الصهيونية العمالية. ولا يعني هذا أن أتباع جابوتنسكي لم يلعبوا دوراً في تأسيس الدولة، فقد استمروا في جهودهم الاستيطانية العسكرية التي كانت تستفيد منها المؤسسة العمالية في نهاية الأمر. ولم يَدُم انشقاقهم طويلاً على كل حال، فقد مات جابوتنسكي عام 1940 وحل محله بيجين في قيادة هذا الاتجاه. وفي منتصف الأربعينيات، بدأ التعاون مرة أخرى مع العماليين، وعادت المنظمة الصهيونية الجديدة إلى صفوف المنظمة الأم عام 1946 بعد أن أصبح موقفهما متفقاً تجاه كل القضايا، واشترك الجميع في المؤتمر الصهيوني الثاني والعشرين (1946) . وتُعَدُّ مذبحة دير ياسين، وهي من أكثر العمليات الإرهابية الصهيونية اتقاناً ونجاحاً، ثمرة هذا التعاون، إذ قام بها فريق من جماعة الأرجون ذات التوجه التصحيحي بالتعاون مع الهاجاناه التي يسيطر عليها العماليون. وقد استنكر الصهاينة العماليون هذه العملية الإرهابية، ولكن من الثابت تاريخياً أنه تم التنسيق المسبق بشأنها بين الاتجاهين الصهيونيين الاستيطانيين. وقد صدرت أعمال جابوتنسكي الكاملة بالعبرية في إسرائيل. ماكس بودنهايمر (1865-1940 (Max Bodenheimer زعيم صهيوني ألماني. درس القانون في جامعة شتوتجارت وعمل بالمحاماة بعض الوقت. وفي عام 1891 نشر كتيباً دعا فيه إلى إقامة مستعمرات في سوريا وفلسطين لليهود الروس المضطهدين. وبعد ذلك بعامين، أسَّس مع ديفيد ولفسون جمعية صهيونية في كولونيا تُدعَى «المنظمة اليهودية القومية» . وبعد صدور كتاب هرتزل دولة اليهود، أصبح من أشد مؤيديه، وكان عضواً في رئاسة المؤتمر الصهيوني الأول (1897) ، وساهم في صياغة الأهداف الصهيونية الواردة في برنامج بازل. ثم عمل نائباً للرئيس في المؤتمرات الصهيونية التالية، ووضع مسودة لوائح المنظمة الصهيونية العالمية. في عام 1898، كان بودنهايمر عضواً في الوفد المرافق لهرتزل في لقاءاته مع القيصر الألماني ولهلم الثاني، وزار فلسطين وإستنبول. شارك في تأسيس المنظمة الصهيونية الألمانية وتولَّى رئاستها بين عامي 1897 و1910، كما كان رئيساً للصندوق القومي اليهودي في الفترة من 1907 وحتى 1914 ووضع لائحته التأسيسية. وأثناء الحرب العالمية الأولى، أسَّس في برلين لجنة تحرير اليهود الروس (سُمِّيت فيما بعد «لجنة الشرق» ) . وكانت هذه اللجنة بمنزلة حلقة الاتصال بين يهود اليديشية وقوات الاحتلال الألمانية التي كانت تود تجنيد اليهود المتحدثين باليديشية باعتبارهم ألماناً، وذلك حتى تزيد من الكثافة السكانية الألمانية في المناطق السلافية المختلفة. تعاون مع التصحيحيين بين عامي 1929 و1934، ولكن لم ينشق معهم عن المنظمة الصهيونية العالمية. وقد استقر بودنهايمر عام 1935 في فلسطين حيث شارك بالكتابة في عدد من الدوريات الصهيونية، ونشرت مذكراته بالعبرية والإنجليزية والألمانية. كما كَتَب عام 1933 مسرحية عن حياة المسيح. يتسحاق جروبناوم (1879-1970 (Yizhak Gruenbaum أحد قادة الاستيطان الصهيوني، وقائد الجناح الرايكالي داخل تيار الصهيونية العامة، وأول وزير داخلية في إسرائيل. وُلد في بولندا وشارك بنشاط في الأنشطة الصهيونية في صدر شبابه، وصار عضواً في المؤتمرات الصهيونية منذ المؤتمر السابع (1905) ، وأصدر عدة صحف في روسيا وبولندا. كان نشيطاً في الحركة السياسية البولندية قبل بعد استقلالها عن روسيا، وقد انتُخب عضواً في السييم (البرلمان البولندي) منذ عام 1918 وحتى عام 1932 حين هاجر إلى باريس. وخلال هذه الفترة، نظَّم «كتلة الأقليات» في البرلمان، ودافع بشدة عن الحقوق الاجتماعية والسياسية للأقليات. وبعد هجرته إلى باريس، أصبح عضواً في المكتب التنفيذي للمنظمة الصهيونية ومسئولاً عن النشاط التوطيني والاستيطاني. كان من أشد معارضي عملية توسيع الوكالة اليهودية وضم غير الصهاينة لها. وكان من المدافعين بضراوة عن علمنة الحركة الصهيونية الأمر الذي جلب عليه عداء الأحزاب الدينية. وأثناء اضطهاد النازي للأقليات وإبادته لها، كان جرونباوم من أشد المعارضين لبذل أية جهود لإنقاذ يهود أوربا، فقد كان يرى أن الدياسبورا لا قيمة لها وأن حياة أية بقرة في فلسطين أكثر أهمية من حياة عشرات اليهود في الدياسبورا. عُيِّن عضواً في الحكومة الإسرائيلية المؤقتة في 1948 ـ 1949 (وهي الحكومة التي أجرت انتخابات الكنيست الأول) ، واشترك في الانتخابات، ولكنه فشل. تضاءل دوره بعد ذلك في الحياة السياسية، ولكنه ظل يكتب لفترة في جرائد حزب المابام. ومن أهم أعماله الأدبية إشرافه على تحرير موسوعة الدياسبورا (1953 ـ 1959) . ماير جروسمان (1888-1964 (Meir Grossman صحفي وقائد صهيوني من التصحيحيين، وُلد في بروسيا. انخرط في الحركة الصهيونية منذ شبابه المبكر، وعاش لفترة في وارسو حيث كتب في الصحافة اليديشية. درس في برلين، ورأس تحرير صحف الحركة الطلابية الصهيونية هناك. ومع بداية الحرب العالمية الأولى، دافع عن آراء فلاديمير جابوتنسكي الداعية لإنشاء فيلق يهودي يحارب مع الحلفاء وذهب إلى لندن حيث أصدر صحيفة يديشية تدعو لهذا. ورحل جروسمان بعد فترة بسبب متاعب مالية إلى كوبنهاجن. وبعد ثورة فبراير في روسيا (عام 1917) ، عاد إلىها. وبعد ثورة أكتوبر، سافر إلى أوكرانيا حيث شارك بنشاط في الحركة الصهيونية. وبعد انتصار البلاشفة على القوميين الأوكرانيين بقيادة بتليورا، رحل جروسمان إلى الولايات المتحدة ليدعو لنجدة اليهود من البلاشفة. وفي عام 1919، شاركه جيكوب لانداو في إنشاء مكتب الاتصالات اليهودي. وأسَّس عام 1925 نشرة كانت تَصدُر باللغة الإنجليزية في القدس بالستاين بوست، والتي تحوَّلت فيما بعد إلى جيروساليم بوست. اشترك مع جابوتنسكي في إنشاء الحزب الصهيوني التصحيحي، لكنه خالفه في مسألة الانفصال عن المنظمة الصهيونية الجديدة عام 1933 وانشق ليُكوِّن حزب الدولة اليهودية. استقر جروسمان في فلسطين منذ عام 1934 وأصبح مديراً في بنك. وقد ألقَى هناك خطاباً فَضَح فيه مباحثات وايزمان مع وزير المستعمرات البريطاني بشأن التقسيم، الأمر الذي أدَّى إلى تعليق عضويته في المنظمة الصهيونية. وهاجر جروسمان إلى الولايات المتحدة أثناء الحرب العالمية الثانية، ثم عاد إلى فلسطين وشارك في حزب الصهيونيين العموميين. واستمر في عمله الصحفي منهياً حياته السياسية بالانفصال عن الحزب الليبرالي الجديد، لكنه أبدى اهتماماً بقضايا اليهود السوفييت وأصدر عدة مطبوعات بالروسية في إسرائيل. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
الصهيونية الاشتراكية
Socialist Zionism «الصهيونية الاشتراكية» اصطلاح مرادف لاصطلاح «الصهيونية العمالية» . وقد أخذنا بالمصطلح الثاني لأنه أكثر حياداً. وقد أثبتت ممارسات الصهاينة العماليين أن انتماءهم الاشتراكي مجرد وهم، فقد قاموا باحتلال الأرض الفلسطينية وطردوا بعض أهلها بالتعاون مع قوى الاستعمار، ويُشكِّلون الآن الصفوة الحاكمة في إسرائيل، قاعدة الاستعمار الغربي في المنطقة العربية. أما اصطلاح «الصهيونية العمالية» فهو على الأقل يصف الانتماء الطبقي الفعلي لبعض قطاعات المستوطنين الصهاينة، كما أن كلمة «عمالي» لا تزال تُستخدَم للإشارة إلى مجموعة من الأحزاب الإسرائيلية. الصهيونية العمالية Labour Zionism «الصهيونية العمالية» تيار صهيوني يَقْبل الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة بعد تهويدها وإدخال ديباجات اشتراكية عليها، وهو تيار استيطاني بالدرجة الأولى. وقد نشأت الصهيونية العمالية في صفوف المثقفين اليهود في شرق أوربا ممن سقطوا ضحية تعثُّر التحديث في روسيا. ويتلخص إنجاز الصهيونية العمالية فيما يأتي: أولاً: نجاحها في التوصُّل إلى صيغة صهيونية مقبولة لدى الشباب اليهودي الثوري في أواخر القرن التاسع عشر. فقد شهد الشتتل ومنطقة الاستيطان اليهودي صراعاً طبقياً حاداً بين العمال والفقراء اليهود من جهة وأصحاب العمل (اليهود أساساً) من جهة أخرى. وكان 30% من جملة المقبوض عليهم لجرائم سياسية عام 1900 من اليهود. وكتب وايزمان في خطاب له يشكو من أن شباب اليهود ينخرطون في سلك الاشتراكية وكأن الحمى قد أصابتهم، ولعله كان يشير إلى أخيه الذي انخرط في صفوف الثوريين آنذاك. وقد نظمت اتحادات نقابات العمال اليهودية في الفترة 1895 ـ 1904 ما لا يقل عن 2276 إضراباً ضد أصحاب العمل، وانضم إليهم عمال غير يهود. ومن هنا كانت شعبية البوند وانتشاره. وقد تَأسَّس البوند في العام نفسه الذي أُسِّست فيه المنظمة الصهيونية (1897) . ومع هذا، نجحت الصهيونية العمالية في خداع بعض هؤلاء وأقنعتهم بإمكان تحسين مستواهم المعيشي في فلسطين. وساعد على ذلك وجود إحساس عام بين المستوطنين بأنهم سيصبحون ملاكاً للأرض لا مجرد أُجراء زراعيين أو عمال صناعيين، أي أن الاستيطان كان يشكل صعوداً أكيداً في السلم الطبقي وليس هبوطاً فيه. بل يمكننا أن نقول إنه لولا الصهيونية العمالية لما قُدِّر للمشروع الصهيوني أي نجاح، فهي التي نقلت جزءاً من الكتلة البشرية اليهودية اليديشية إلى فلسطين. ثانياً: نجحت الصهيونية العمالية (صهيونية ساحة القتال الاستيطانية) في التوصل إلى صيغة تَحُل إشكالية خصوصية الاستيطان الصهيوني وإحلاليته. وقد اكتشف الصهاينة العماليون أن الصيغة الجماعية (ذات الديباجة الاشتراكية) هي الصيغة المُثلى الكفيلة بتحقيق الاستعمار الصهيوني بجانبيه الاستيطاني والإحلالي. فالدولة الراعية لم يكن لديها استعداد لمد المشروع الصهيوني بما يحتاج إليه من تخطيط شامل وجهد بشري وتمويل كثيف لتوطين المهاجرين من أوربا وتهويد فلسطين سكانياً. والمادة البشرية المهاجرة من شرق أوربا لم تكن تملك رأس المال اللازم. ومن هنا، كان الشكل الجماعي (التعاوني الاشتراكي) حيث تقوم المنظمة الصهيونية والصهاينة التوطينيون في الخارج بجمع رأس المال القومي اللازم من أعضاء الجماعات اليهودية (ولا سيما الأثرياء) في الغرب، ثم تقوم بإعطائه للوكالة اليهودية في الداخل، التي تقوم بتوظيفه بشكل تعاوني على أرض مملوكة ملكية جماعية. ويقوم العنصر البشري الدخيل بتنظيم نفسه على هيئة وحدات جماعية تمارس الزراعة والقتال لأن المجهود الفردي لا يمكن أن يُكتَب له النجاح (وهو أمر اكتشفه المستوطنون البيض الأوائل في الولايات المتحدة أثناء حرب الإبادة ضد الهنود بدون مساعدة من أي فكر اشتراكي) . أما الشق الإحلالي من الاستعمار الصهيوني، فقد تكفلت به المفاهيم الاشتراكية الخاصة بنُبل العمل اليدوي. وقد نادت الصهيونية العمالية بأن يذهب يهودي المنفى إلى فلسطين ليعمل بنفسه ويزرع أرضها بيديه، فيزيل ما علق بذاته في الشتات، ويكون آخر اليهود وأول العبرانيين (كما قال جوردون) . وهكذا، فإن اليهودي إذا استأجر عاملاً عربياً فقد هدم الفكرة الصهيونية من أساسها. ومن هنا طرح جوردون فكرة اقتحام العمل، أي أن يعمل اليهودي بنفسه، ثم اقتحام الأرض، أي أن يزرعها بنفسه، وأخيراً اقتحام الحراسة، أي أن يحرسها بنفسه (وهذا ما نسميه «الزراعة المسلحة» ) . ورغم أن الديباجات المُستخدَمة ديباجات ثورية شعبوية تتسم بشيء من الجمال والجاذبية، فإنها في واقع الأمر تترجم نفسها إلى إحلالية. فهذه المفاهيم تعني في واقع الأمر تغييب العربي، والاستيلاء على الأرض بعد إخلائها من سكانها العرب مصدر العمالة الرخيصة التي كانت تتهدد المشروع الصهيوني من أساسه، وإحلال المستوطن الصهيوني محله. وبذلك تكون الصهيونية العمالية قد نجحت في التوصل إلى الصيغة التي تسمح بترجمة أهم عناصر الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة (أي توطين الفائض اليهودي في فلسطين بعد التخلص من العرب) إلى برنامج عملي وممارسة فعلية. ويبدو أن أعضاء البورجوازية اليهودية المندمجة أو شبه المندمجة في الغرب ووسط أوربا (والتي جاء من صفوفها كثير من زعماء الصهيونية السياسية مثل هرتزل ونوردو) كانوا واعين بحقائق الموقف وبصعوبات الاستيطان. كما أنهم لم يكن يعنيهم، من قريب أو بعيد، شكل الدولة الصهيونية ما دامت تؤدي الأغراض المطلوبة منها مثل إبعاد يهود شرق أوربا عنهم والقيام بدور المدافع عن المصالح الإمبريالية. ولذلك، لم تمانع هذه القيادات البورجوازية في اتخاذ قرارات «اشتراكية» ثورية عديدة. فالنقطة الأولى في برنامج بازل تدعو إلى توطين اليهود في فلسطين بالوسائل اللازمة دون تأكيد أي محتوى طبقي أو نمط إنتاجي معيَّن. وبمرور الزمن، اكتشف جميع الصهاينة بشكل برجماتي أن الاستيطان الجماعي والعمالي هو أهم أشكال الاستيطان، فعملية تمويل المشروع الصهيوني كان لابد أن تتم بشكل جماعي أو قومي، كما أن المستوطنين اضطروا إلى التجمع على هيئة جزر متماسكة في وجه الرفض العربي. لكل هذا، نجد أن المؤتمرات الصهيونية الأولى (التي سيطرت علىها الطبقات الوسطى والحاخامات) وافقت على مبدأ تأميم الأرض باعتباره أهم أُسس الدولة الصهيونية في المستقبل، كما اتخذت هذه المؤتمرات كثيراً من القرارات الثورية الأخرى. وكان وايزمان (الصهيوني العملي البورجوازي) يعطف كثيراً على النشاط الصهيوني العمالي ولم يكن يأبه باعتراضات المموِّلين اليهود اعتقاداً منه أن الصهيونية العمالية ستَخدم، في نهاية الأمر، المشروع الصهيوني. وتجدُر ملاحظة أن الصهيونية العمالية الاستيطانية لا ترفض اليهودية الحاخامية وحسب وإنما تقدم نقداً عميقاً للشخصية اليهودية في المنفى باعتبار أنها تود أن تُسبغ مركزية على المُستوطَن الصهيوني فتزيد من شرعيته وتضمن تَدفُّق الدعم المالي والسياسي عليه. وكان التصور أنه كلما زاد هذا النقد عمقاً زادت الشرعية وزاد الدعم، بل إن النقد العمالي الاستيطاني وصل إلى درجة رفض ما يُسمَّى «الهوية اليهودية» تماماً واعتبارها من مخلفات الماضي، ومن ثم نشأت الدعوة إلى أن يكون المستوطنون آخر اليهود وأول العبرانيين، وأصبحت الدعوة للهوية اليهودية من أمراض المنفى. وتؤمن الصهيونية العمالية بأزلية معاداة اليهود وإن كانت تعطي تفسيراً اجتماعياً مادياً لهذه الظاهرة. وتتلخص المشكلة، حسب التصور الصهيوني العمالي، في أن التركيب الاجتماعي والحضاري لليهود يختلف عن التركيب الاجتماعي والحضاري للشعوب التي يعيشون بين ظهرانيها، فاليهود الذين يُحرَّم عليهم ممارسة مهنة الزراعة كانوا يعيشون أساساً في المدن، أما العمال منهم فهم لا يشكلون بروليتاريا صناعية وإنما ينتمون إلى قطاع البروليتاريا الرثة ومُحرَّم عليهم ممارسة كثير من الحرف والأعمال، أما أثرياء اليهود فإنهم يشتغلون بالتجارة والربا أو ببعض الصناعات الاستهلاكية. وهذا كله دليل على تَشوُّه البناء الطبقي عند اليهود وعلى هامشيتهم. وقد عبَّر بوروخوف عن هذه الفكرة بصورة الهرم المقلوب: فكل شعب يتكون من فئات اجتماعية تأخذ شكل الهرم الذي يتكون من قاعدة عريضة تُسهم في العمليات الإنتاجية الأساسية، وكلما بَعُدت العمليات الاقتصادية عن هذه العمليات الأساسية قلَّ عدد العاملين حتى نصل إلى قمة الهرم. ويجد بوروخوف أن هذا الهرم مُشوَّه تماماً عند اليهود ففي صفوفهم عدد كبير، من المحامين والأطباء والمفكرين وغيرهم، يشاركون في العمليات الإنتاجية الهامشية وينتمون إلى الطبقة الوسطى وإلى قمة الهرم، مع قلة قليلة من الفلاحين، إن وُجدت، وبروليتاريا صغيرة الحجم نسبياً ممن ينتمون إلى قاعدته. وقد نتج عن هذا الوضع المتميز شيئان: أولاً: أن كل الطبقات اليهودية في المجتمع ـ رأسماليين كانوا أو عمالاً ـ كانت تشكل وحدة متميزة مرفوضة من بقية المجتمع بسبب هامشيتها (وبسبب تراثها الفكري الديني القومي) . وهذا يعني أن معاداة اليهود شيء موجه ضد كل اليهود بجميع طبقاتهم، وهي تكاد تكون مرضاً أزلياً لأن المجتمعات الاشتراكية اللا طبقية غير قادرة على حل هذه القضية لعدم إدراكها خصوصية وضع اليهود. ثانياً: أُصيبت الشخصية اليهودية بالذبول والطفيلية لأنها فقدت علاقتها بالأرض الزراعية وبأي عمل منتج. وقد ازداد هذا الوضع حدَّة وتفاقماً، بسبب ظهور طبقة رأسمالية محلية (في روسيا وبولندا) تُنافس الرأسماليين اليهود وترفض استئجار العمال اليهود وذلك بسبب التعصب الديني ولأن العامل اليهودي في معظم الأحيان كان لا يمتلك الخبرات. ولقد راحت هذه الرأسمالية المحلية الجديدة تؤلب الجماهير المسيحية المُستغَلة ضد كل من الرأسماليين والعمال اليهود، حتى لا تعرف هذه الجماهير مستغليها الحقيقيين، وتحليل أوضاع اليهود بعد سقوط الجيتو على هذا النحو فيه كثير من الجدة والصدق. ويشترك الصهاينة العماليون في الإيمان بأن اليهود فقدوا كثيراً من الصفات القومية وإن كانوا مع هذا يشكلون أمة مستقلة أو أمة لها سمات الطبقة، وبأنها منبوذة في الغرب للأسباب التي ذُكرت آنفاً. وبالتالي، فإن الحل الذي يطرح نفسه هو إخلاء أوربا من يهودها وتصفية الجماعات اليهودية (وإن كان بوروخوف يرى إمكان استثمار مثل هذه الجماعات وبالتالي وجوب الدفاع عن حقوقها السياسية) . وتتم عملية التصفية من خلال نقل الكتلة البشرية اليهودية إلى فلسطين، أي تحويل الهجرة التلقائية (إلى الولايات المتحدة وغيرها من البلدان) إلى استعمار استيطاني في فلسطين حيث ستُؤسَّس دولة صهيونية تُجسِّد القيم القومية اليهودية وتساهم في تطبيع الشخصية اليهودية وتُطهِّرها من أدران المنفى من خلال العمل اليدوي. وقد طالب العماليون بأن تُجسِّد هذه الدولة القيم الاشتراكية والثورية وكل القيم التقدمية المطروحة آنذاك في أوربا، ولا يخلو أي برنامج صهيوني عمالي من الحديث عن وحدة الطبقة العاملة. وفي الماضي، كان العماليون يتحدثون كذلك عن الأممية والتضامن البروليتاري العالمي وما شابه من شعارات. ولكن، داخل هذه الوحدة البنيوية الأساسية، توجد بنَى فرعية مختلفة. ولعل أهم هذه البنَى تيار بوروخوف الذي حاول توظيف المنهج الماركسي في خدمة رؤيته الصهيونية، فأكد الأساس الطبقي والاقتصادي للصهيونية، وخَلُص من تحليله إلى حتمية الحل الصهيوني كوسيلة لتزويد كل الطبقات اليهودية الهامشية بقاعدة للإنتاج. أما تيار سيركين، فقد ركز على العنصر الأخلاقي ووحدة الرؤية بين اليهود، ولذلك فهو يؤكد التعاون والأخوة ويُقلِّل أهمية الصراع الطبقي. وقد انصرف جل اهتمام جوردون إلى الجانب النفسي، ولذلك فقد ركز على فكرة اقتحام الأرض والعمل كوسيلة للتخلص من آفات المنفى وكوسيلة للولادة الجديدة وتحويل اليهود إلى قطاع اقتصادي منتج. وقد كُتب لأفكار جوردون وسيركين الشيوع في الأوساط العمالية الصهيونية. ويعود ظهور الاتجاه العمالي إلى المؤتمر الصهيوني الثاني عام 1898، لكنه قوبل برفض شديد من أغلبية المشاركين بزعامة هرتزل وكان الرافضون يقدِّمون الصهيونية آنذاك على أنها طريقة لتحويل الشباب اليهودي عن طريق الثورة. وبعد ذلك، عُقد مؤتمر في لاهاي عام 1907 لجماعات عمال صهيون بقيادة بوروخوف، ثم انضمت لهم جماعات أخرى، مثل العامل الفتي (هابوعيل هاتسعير) والفتي الحارس (هاشومير هاتسعير) واتحاد العمل (أحدوت هعفودا ( ويمكن القول بأن الموجة الثانية من الهجرة اليهودية (1905 ـ 1914) هي التي أتت بالمادة البشرية الاستيطانية العمالية. فالمهاجرون اليهود في الموجة الأولى من الهجرة كانوا في معظمهم من أبناء الطبقة الوسطى، ولذا فقد استقروا في المدن الفلسطينية، ولم يعمل منهم في الزراعة سوى 5% فقط. أما مهاجرو الموجة الثانية فكانوا ـ لاعتبارات تتعلق بانتماءاتهم الطبقية والأيديولوجية على حدٍّ سواء ـ مصرين على العمل الزراعي الذي رأوه مفتاحاً لحل المسأة اليهودية وإصلاح الهرم الاجتماعي المقلوب عند اليهود. لقد تمت هذه الموجة " الثانية " من الهجرة في سنوات الهجرة اليهودية الكبرى من روسيا وأوربا الشرقية إلى أمريكا، وحدثت نتيجة فشل ثورة 1905وازدياد معاداة اليهود في روسيا القيصرية نتيجة تعثُّر التحديث. ولقد كانت الأقلية العقائدية هي التي هاجرت إلى فلسطين بدلاً من أمريكا. كانت هذه الأقلية في معظمها من الشبان (77% كانوا في سن دون 25 عاماً) ، ولا يملكون أية مدخرات، ومتشبعون بالأفكار الشعبوية الروسية (المعادية للصناعة) وبالأفكار الثورية الاشتراكية. ولذا استخدموا هذه الديباجات في تبرير الاستيلاء على الأرض العربية وطَرْد سكانها، ولذا بدلاً من المنطق الاستعماري التقليدي الذي يقوم بطرد السكان الأصليين وإبادتهم لأنهم من أجناس مُلوَّثة لجأ هؤلاء المهاجرون إلى تبرير عمليات الطرد والإبادة من خلال ديباجات اشتراكية ملتهبة. فاستولوا على الأرض بحجة أن الأرض لمن يزرعها، وطردوا أصحابها منها بحجة أن إنتاجيتهم ضعيفة. وقد تحوَّلت الصهيونية العمالية في المؤتمر الصهيوني الثاني عشر (1933) إلى أكبر أجنحة المنظمة الصهيونية العالمية وأكثرها تأثيراً على الصعيدين السياسي والعملي. ويعود هذا إلى نجاحها في مجالين أساسيين: أولاً: نجحت الصهيونية العمالية فيما فشلت فيه كل الاتجاهات الصهيونية الأخرى، أي تجنيد المادة البشرية الأساسية للعملية الاستيطانية. ثانياً: نجحت الصهيونية العمالية في تنفيذ القسم الأكبر والأهم من عمليات الاستيطان الصهيوني في فلسطين المحتلة من خلال صيغ وأشكال مختلفة. والبناء الاقتصادي السياسي في المُستوطَن الصهيوني نتاج نشاطات الصهيونية العمالية بالدرجة الأولى. فالهستدروت والكيبوتس والهاجاناه والبالماخ هي الأدوات التي استخدمها الصهاينة لتحويل جزء من فلسطين إلى مُستوطَن صهيوني تحكمه دولة صهيونية وظيفية، وهي مؤسسات أوجدتها وسيطرت عليها الصهيونية العمالية التي لا تزال لها اليد الطولى في إسرائيل. إن الصندوق القومي اليهودي الذي أسسه الممولون من أعضاء الجماعات اليهودية كان سيصبح مؤسسة بلا هدف بدون المادة البشرية وبدون المؤسسات العمالية التي حققت لها البقاء والاستمرار. ولذا ليس من الغريب أن تعرف أن أموال الصندوق القومي اليهودي ما بين سنة 1921 وسنة 1945 كانت تذهب، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى الاقتصاد العمالي. فالبند الوحيد الذي كان لا يخضع لسيطرة شبكة الأحزاب والمؤسسات العمالية هو بند الإسكان في المدن البالغ 6.8% فقط من مجموع الإنفاق. أما باقي المصاريف، فكان يذهب مباشرةً إلى العمال، كمصاريف المستعمرات الزراعية والهجرة والتدريب والإسكان، كما كان يذهب بصورة غير مباشرة إلى مؤسسات يُشرف العمالي عليها، كالمصاريف المتعلقة بالثقافة والأمن والصحة. وقد تحوَّلت «الصهيونية العمالية» في المؤتمر الصهيوني الثاني عشر (1933) إلى أكبر أجنحة المنظمة الصهيونية العالمية وأكثرها تأثيراً على الصعيدين السياسي والعملي الخاصين بالمشروع الصهيوني. ويُلاحَظ أنه مع تزايد اعتماد الدولة الصهيونية على يهود العالم، ومع تزايد خفوت النبرة الاشتراكية في صفوف الصهاينة العماليين، اختفى النقد الراديكالي للهوية اليهودية، بل استوعبت الصهيونية العمالية ديباجات الصهيونية الإثنية العلمانية وأصبحت الهوية اليهودية الرقعة المشتركة بين يهود الدولة الصهيونية ويهود العالم. موسى هس (1812-1875) Moses Hess رائد الصهيونية العمالية. وُلد في ألمانيا من أب بقَّال وأم كان أبوها حاخاماً. وانتقل هس، وهو بعد في التاسعة، إلى منزل جده حيث تلقَّى على يديه تعليماً دينياً وتعلَّم العبرية. ورغم ذلك، لم يُبد هس أي اهتمام بالقضايا اليهودية إلا في مرحلة متقدمة من عمره. وقد اهتم هس بدراسة التاريخ وكان شديد الإعجاب بالفيزياء والأدب الفرنسي ودرس الفلسفة في الجامعة ولكنه لم يحصل على درجة علمية. وقد استقر هس معظم حياته في باريس حيث تزوج من فتاة أمية مسيحية تعمل بالدعارة، ولكنه أجَّل الزواج إلى ما بعد وفاة والده بعام واحد أي عام 1852 لكي يضمن حقه في الميراث. وكان لهس اتصال بالأوساط والمجالات الاشتراكية، كما كان صديقاً لكارل ماركس وفردريك إنجلز، ولكنه اختلف معهما بعد فترة قصيرة، كما كان عضواً في أحد المحافل الماسونية، وساهم بعدة مقالات في المجلات الماسونية. وقد أظهر إعجاباً شديداً في مقتبل حياته بالدين المسيحي والحضارة الغربية، وخصوصاً في ألمانيا، ولذلك فقد كان يؤكد أهمية ألمانيا مثل نوردو وجابوتنسكي، واشترك في الثورة الألمانية عام 1848 وحُكم عليه بالإعدام. وقد كان هس واقعاً تحت تأثير روسو وإسبينوزا وماتزيني، ولكن أهم مصادر تفكيره هي الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية. نشر هس عام 1862 كتاباً كان عنوانه الأصلي حياة إسرائيل، ولكنه عدَّل هذا الاسم وسماه روما والقدس. وتَردُّده بين الاسمين ذو دلالة، فالعنوان الأول ديني حلولي صريح وله بُعْد يهودي خالص، أما الثاني فهو حلولي غربي استعماري. وروما التي يشير إليها هس هي روما الثالثة التي كان يشير لها ماتزيني والتي ستُؤسَّس عن طريق بعث القومية الإيطالية، فهو يرى أن ثمة علاقة بين بعث روما في أوربا وبعث القدس في الشرق، ويرى أن ثمة علاقة بين الحركة القومية العضوية والحركة الصهيونية. ويتحدث الكتاب عن الثورة الفرنسية كمَعْلَم أساسي في تاريخ الغرب، فهي تشكل بعثاً اجتماعياً سيؤيد المشروع الاستعماري الصهيوني في الغرب، أي أن هس قام في البداية بتصنيف الصهيونية تصنيفاً صحيحاً لا باعتبارها حركة تنبع من داخل ما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» وإنما باعتبارها ظاهرة تنبع من حركيات التاريخ الغربي الاستعماري. والكتاب عبارة عن اثنتي عشرة رسالة إلى سيدة حزينة على فَقْد إنسان تحبه، ولعل هذا يفسر عدم ترابط الأفكار كما يفسر العاطفية الزائدة، وهو كتاب سطحي بشكل عام في أطروحاته ورؤيته السياسية. يتفق هس مع النقد المعادي لليهودية ولما يسمَّى «الشخصية اليهودية» . وقد صرَّح في بداية حياته بأن شريعة موسى ماتت وأن اليهود إذا كان عليهم أن يختاروا ديناً فهو المسيحية فهي أكثر ملاءمة للعصر الحاضر، فهي دين يهدف إلى توحيد كل الشعوب وليس توحيد شعب واحد (كما هو الحال في اليهودية) . ورغم أن هس لم يَتنصَّر إلا أنه لم يكن معارضاً تماماً لفكرة التعميد، فالدين اليهودي أصبح، على حد قول هايني، مصيبة أكثر منه ديناً خلال الألفي عام الماضية. بل إن كل الأديان إن هي إلا خطأ إنساني جماعي والدين إن هو إلا تعبير عن حالة مرضية. ولا يختلف موقف هس من اليهود عن موقفه من اليهودية. ففي أول كتاب له التاريخ المقدَّس للإنسانية، وهو كتاب ذو صبغة مسيحية رومنتيكية، يقول فيه إن اليهود قد أنجزوا مهمتهم الروحية بظهور المسيح برؤيته العالمية. وقد قدَّم تقسيماً لمراحل التاريخ يدور في إطار مسيحي: المرحلة الأولى هي مملكة الإله الأب (التي سادتها المسيحية) ، أما المرحلة الثانية والأخيرة فهي مملكة الروح القدس (وهي مرحلة نهاية التاريخ التي سيتحقَّق فيها خلاص الجنس البشري بأسره) ، وينشأ مجتمع اشتراكي كامل تُلغَى فيه الملكية الخاصة وحق الميراث وحكم مامون إله المال ويؤكد التضامن الإنساني نفسه دون أية عوائق، ومن ثم فهو مجتمع يحقق رسالة اليهودية القديمة ولكن في إطار علماني. وليس بإمكان اليهود الآن إلا أن ينضموا كأفراد إلى الحضارة العالمية، تماماً كما فعل إسبينوزا نبي اليهودية الحقيقي. بل إن اليهود سيعودون تحت راياته وسيُنفَخ في الشوفار اليهودي الذي نُفخ فيه حين طُرد إسبينوزا من حظيرة الدين. والقدس الجديدة بهذا المعنى ستبقى هنا في قلب أوربا وليس في فلسطين. وفي مخطوطة أخرى بعنوان البولنديون واليهود تنتمي للفترة نفسها (1840) ، يرى أن البولنديين لهم مستقبل أما اليهود فلا مستقبل لهم لأنهم يعانون من نقص مطلق في الوعي القومي، والبولنديون لن يستسلموا قط لحقيقة تقسيم بولندا على عكس اليهود الذين استسلموا لحقيقة طردهم من فلسطين. ويذهب هس إلى أن اليهود والصينيين حفرية تاريخية لها ماض وليس لها مستقبل، بحيث أصبح الصينيون جسداً بلا روح وأصبح اليهود روحاً بلا جسد. ولذا فهو يرى أن الشعب المختار لابد أن يختفي إلى الأبد، فمن اختفائه قد تظهر حياة جديدة ثمينة. وقد صدرت له كراسة عن رأس المال (1845) ، وهي تزخر بالإشارات المعادية لليهود (ويبدو أن ماركس قرأها قبل أن تُنشر وتأثر بها) . يقول هس في هذه الكراسة إن أعضاء جماعة يسرائيل كانوا شعباً من الوثنيين، ربهم الأساسي هو مولك الذي كان يطلب منهم دم الضحايا. ولكنهم، بمرور الزمن، عبروا من مرحلة قرابين الدم (بالعبرية: دم) إلى مرحلة قرابين النقود (بالعبرية: داميم أي «رسوم» ) وهذه هي أصول عبادة اليهود للنقود إذ حلَّت محل مولك. وفي هذه الكراسة، يشير هس لإله يسرائيل باعتباره يهوه ـ مولك. ويصف شلومو أفنيري هذه العبارات بأنها "فرية دم جماعية" لا نظير لها في أدبيات معاداة اليهود. ويُعَدُّ هذا الرفض المبدئي لكل من اليهودية واليهود إحدى المقولات الأساسية الصريحة في صهيونية اليهود وغير اليهود وبُعْداً أساسياً في الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة. ثم يذكر هس حقيقة ظهور القومية العضوية كإطار مرجعي في الغرب، فيقول: إن حركة التنوير دعوة للعالمية والإخاء ولكنها يصاحبها زيادة الوعي القومي (في أوربا) وزيادة الإحساس بأن الأمة كيان عضوي متماسك. ومصدر التماسك العضوي للشعوب العضوية هو العرْق، فهو القيمة الحاكمة الكبرى، وهو محرك التاريخ. فالتاريخ إن هو إلا ساحة للصراع العرْقي والطبقي، بل إن الصراع العرْقي هو الغالب. ولذا، تفشل كل محاولات الإصلاح لأنها تتجاهل عنصر العرْق. وهذا التركيز على العرْق أغلق أبواب الغرب تماماً أمام اليهود، إذ لم يَعُد بوسعهم الحصول على تأشيرة دخول الحضارة الغربية عن طريق التنصُّر (كما فعل هايني) . ثم يذكر هس الحقيقة الأساسية في أوربا في عصره وهي أن الشعوب الأوربية اعتبرت وجود اليهود بينها شذوذاً، ولذا سيبقى اليهود غرباء أبداً لا يمكنهم الالتحام العضوي بأوربا، شعباً منبوذاً ومُحتقَراً ومُشتَّتاً؛ شعباً هبط إلى مرتبة الطفيليات التي تعتمد في غذائها على الغير؛ شعباً ميتاً لا حياة له (والمُلاحَظ أن الصور المجازية العضوية تتواتر في كتابات هس كما هو الحال في معظم الأدبيات الصهيونية والنازية والمعادية لليهود) . المخْرَج من هذا الوضع هو الصيغة الصهيونية الأساسية التي تطرح فكرة الشعب العضوي المنبوذ، الذي يمكن حل مشكلته عن طريق توظيفه في خدمة الحضارة الغربية التي نبذته. ويبين هس أن اليهود عنصر حركي نافع، فمبدؤهم الرئيسي أن "موطن المرء حيث ينتفع". هذا هو دينهم، وهو أعظم من كل ذكرياتهم القومية إذ يرى أن اليهود متميزون باجتهادهم الصناعي والتجاري. ولذا، فقد أصبحوا مهمين للأمم المتحضرة التي يعيش فيها اليهود. وأصبحوا أمراً لا يمكن الاستغناء عنه لتقدُّم هذه الأمم (وهذا هو وَصفُنا للجماعة الوظيفية) . ولكن اليهود ليسوا جماعة وظيفية وحسب، إذ يجب أن يُعاد إنتاجهم على هيئة شعب عضوي حتى تتمكن أوربا من أن تجد لهم مكاناً في الأرض وتشرف على مشروعهم الاستعماري. ولذا، فهو يرى اليهود باعتبارهم قوماً ينقصهم الوعي القومي. وحيث إن القومية والعرْق أمران مترادفان في عقل هس وفي وجدان أوربا في القرن التاسع عشر (فالعرْق هو مصدر الوحدة العضوية وهو القيمة الحاكمة المرجعية) ، وحيث إن الانتماء القومي هو في جوهره انتماء عرْقي، نجد أن هس يشير إلى العرْق اليهودي باعتباره من العروق الرئيسية في الجنس البشري التي حافظت على وحدتها رغم التأثيرات المناخية عليها، كما حافظت السمة اليهودية على نقائها عَبْر العصور. وقد قسَّم هس العالم إلى جنسين أساسيين (السامي والآري) يهدف الأول إلى إضفاء الأخلاق على الحياة ويهدف الثاني إلى إضفاء الجمال عليها (وهو التقسيم الذي قبلته أوربا وقبله النازيون فيما بعد) . ولكن التعريف العرْقي ليس التعريف الوحيد وإن كان هو الأساس. والواقع أن ثمة إشارات في الكراسة تدل على أنه يرى أن الوحدة بين اليهود إثنية (ثقافية) أيضاً على طريقة القومية العضوية، فهو يقول إن هويته القومية ترتبط بتراث أسلافه وبالأرض المقدَّسة وبالمدينة الخالدة. ويرى هس أن ثمة ترابطاً عضوياً عميقاً بين الهوية اليهودية والدين اليهودي، فالدين أهم أشكال التعبير عن هذه الهوية، أي أنه يرى الدين مكوناً إثنياً وشكلاً من أشكال الفلكلور. ولذا، فقد اقترح هس عدم إدخال أية تغييرات عليه. واستنكر محاولات اليهود الإصلاحيين تحويل اليهودية إلى شيء عالمي أو إلى نسخة ثانية من المسيحية، فهي محاولة محكوم عليها بالفشل لأن اليهودية الإصلاحية لا تُبدي أي شكل من أشكال الاحترام للمقومات الأساسية للقومية الدينية التي تشكل جوهر الدين. فاليهودية دين عقيدة ودين عبادة قومية (على عكس المسيحية) ، ولذا فهو يشير دائماً إلى «دين اليهود التاريخي» ، أي دين يتبدَّى في الحياة القومية والتاريخية لليهود، والذي لا وجود له كمجموعة من القيم المطلقة المُتجاوزة لهذه الحياة المُنزَّهة عنها. ويَقرن هس بين الروح المقدَّسة والعبقرية الخلاقة للشعب ويُوحِّدهما، فالواحد هو الآخر. وقد نبعت منها كل من الحياة الإثنية والعقيدة اليهودية، أي أن القومية العضوية أو روح الشعب أسبق من الدين، وما الدين سوى تعبير عن الروح القومية، وهذا يعني أن هس يَصدُر عن صورة مجازية حلولية عضوية ترى ترادفاً بين الدين والقومية، وتجعل الشعب المركز الوحيد للحلول والكمون، ومن ثم فهي حلولية بدون إله. وهكذا تكون قد تمت إعادة إنتاج الجماعة اليهودية في الغرب على هيئة شعب عضوي لا تقبله أوربا، أي شعب عضوي منبوذ. وطرح المشكلة على هذا النحو يشير إلى الحل وهو نقل الشعب الذي نبذه العالم الغربي وتوطينه في الشرق ليقوم على خدمة الغرب ومن ثم يصبح اليهود جزءاً من التشكيل الاستعماري الغربي بعد أن فشلوا في الانتماء إلى التشكيل الحضاري الغربي. ويشير هس إلى أنه قد تم تعبيد طريق الحضارة في الصحراء بحفر قناة السويس ومد الخطوط الحديدية التي تصل أوربا وآسيا، أي أن طرق المواصلات جعلت الشرق مفتوحاً أمام الغرب. ثم يشير إلى أن الظروف السياسية في الشرق (أي المسألة الشرقية) بدأت تتهيأ لدرجة تسمح بتنظيم عودة الدولة اليهودية للحياة. ولذا، يمكن أن تقوم إحدى الدول الغربية الاستعمارية (فرنسا الحبيبة مثلاً، المُخلِّص الذي سيعيد لشعبنا مكانته في التاريخ العالمي) بتشييد مستعمرات في أرض الأجداد. "فالأمم المسيحية لا تعارض عودة الدولة اليهودية إلى الحياة لأنهم بهذه الطريقة سيتخلصون من شعب غريب يعيش بينهم بعد أن كان شوكة في جنبهم". والدولة اليهودية يجب أن تكون دولة مستقلة مُعترَفاً بها من القانون الدولي (أي القانون الاستعماري الغربي) كدولة متحضرة (أي كدولة استيطانية وظيفية تدور في فلك الغرب الذي يضمن بقاءها واستمرارها وتدافع هي عن مصالحه) ويَتوصَّل هس لفكرة الدولة الوظيفية، فاليهود سيذهبون إلى أرض الأجداد داخل إطار الحضارة الغربية الاستعمارية. لكل هذا، يرى هس أن اليهود ينبغي علىهم ألا يطالبوا الإله بأرض الأجداد من خلال الصلاة، وإنما يجب عليهم أن يتحلوا بالشجاعة ويطلبوا هذه الأرض من الإنسان الغربي، وأن ينسلخوا عن اليهودية وينخرطوا في التشكيل الاستعماري الغربي (ذلك أن هس صهيوني يهودي غير يهودي) . ويبين هس مدى نفع الدولة الوظيفية الجديدة، فاليهود يُكوِّنون "مركز اتصال بين القارات الثلاث ... [وهم] حملة الحضارة إلى شعوب لا تعرفها ... الوسيط بين أوربا وآسيا البعيدة، وذلك كي يمهدوا الطرق التي تقود إلى الهند والصين، لكل المناطق المعزولة التي يجب أن تُعرَّض للحضارة ". كما أنهم سيعطون الدولة العثمانية بعض المال الأمر الذي سيحد من تداعي الإمبراطورية (وهو ما كان يُهم فرنسا آنذاك) ويَتوصَّل هس إلى مفهوم الصهيونيتين، فيميز بين يهود الشرق ويهود الغرب، فالمشروع الصهيوني لا يعني أن يهاجر يهود الغرب كلهم إلى فلسطين، ذلك أن أغلبية اليهود الذين يعيشون في بلدان متمدنة في الغرب لابد أن يبقوا في بلادهم بعد تأسيس دولة يهودية، فقد نجحوا في شق طريقهم بجهد بالغ وحققوا لأنفسهم مركزاً اجتماعياً وسوف لن يتخلوا عن أي نجاح حققوه. ولكنهم، مع هذا، سيساندون الشعب اليهودي من شرق أوربا (أي يهود اليديشية) في مهمته التاريخية، أي أنه حدد لهم دورهم في الحركة الصهيونية باعتباره صهيونية توطينية. "أما في تلك البلاد التي تؤلف الخط الفاصل بين الغرب والشرق، أي روسيا وبولندا وبروسيا والنمسا وتركيا، فالملايين من إخواننا يتضرعون إلى الإله بحماس كي يعيد المملكة اليهودية. لقد حافظ هؤلاء اليهود على بذرة الحياة اليهودية [الحياة الجيتوية] بإخلاص أكثر من إخواننا في الغرب". لقد توجَّس هس خيفة من البداية من أن المادة البشرية المطلوبة للمشروع الاستعماري قد لا تكون طيعة وقد لا تهاجر، ولذا فهو يقول: "إن عدد اليهود الذين سيسكنون الدولة ليس أمراً مهماً، فاليهود عبر تاريخهم يعيشون في كل مكان، وكل دولة مستقلة لها مواطنون يعيشون في أرض أجنبية" أي أنه لا يطالب بتصفية الدياسبورا. هذه هي الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة. ولكن هس كان مدركاً أنها في حد ذاتها لا تكفي، ولذا فلابد من زيادة مقدرتها التعبوية بإضافة ديباجات وأبعاد مختلفة، يقول هس إن دولة اليهود الجديدة ستوفر لهم الكرامة والاحترام والشرف، وسيتم تطبيعهم إذ سيُحوِّلهم حصولهم على أرض إلى أفراد، عمال نافعين، وسيُسهم رأسمالهم وعملهم في إعادة الحياة للأرض القاحلة، أي أنهم سيتحولون إلى مادة استيطانية ناجحة بيضاء. ثم يستخدم هس ديباجات إثنية دينية، فيؤكد أن هذا البعث القومي سيؤدي لا إلى إصلاح اليهود وحسب وإنما إلى إصلاح اليهودية نفسها، فعبقرية اليهود الدينية لن يعيدها إلا نهضة قومية (والقومية على كلٍّ أسبق من الدين) . كما أن هذا الجفاف الديني سيختفي عندما تستيقظ الحياة الوطنية المنطفئة. وعندما يتغلغل تيار التطور الوطني القومي التاريخي الحر ثانيةً داخل تلك الشكليات الدينية المتزمتة. "فإذا حققنا هذه الخطوة الرئيسية لأمكننا التغلب على الصعوبات مهما بلغت.... ويمكننا بهذه الروح الوطنية تحرير الشعب اليهودي من الشكليات المميتة للروح". بل إن البعث القومي سيغير شكل التعبير الديني ذاته في المستقبل، فمن المؤكد أن اليهود سيختلفون في تعبيرهم الديني عما هو عليه في الحاضر وعما كان عليه في الماضي. بل إن هس يتنبأ بأنه بعد البعث القومي، وإنشاء دولة يهودية، سيقام سنهدرين منتخب يقوم بتعديل الشريعة اليهودية حسب احتياجات المجتمع الجديد (وهو الأمر الذي حَدَث بالفعل) وإلى جانب الديباجة الإثنية، هناك الديباجة العمالية الأممية الإنسانية، "واليهودية القومية لا تستبعد النظرة العالمية، بل العكس هو الصحيح، فالعالمية هي النتيجة المنطقية لصفات اليهود القومية". بل إنه "لا يوجد شعب غير اليهود له دين يربط العناصر القومية والعالمية والتاريخية معاً، فاليهود إذن هم وحدهم شعب الإله". ولقد أصبح تاريخ الإنسانية مقدَّساً من خلال اليهودية. فالتاريخ أصبح تطوراً عضوياً ومُوحَّداً يعود في أصله إلى حب الأسرة. وسوف لا يتم هذا التطور إلا إذا أصبحت الإنسانية كلها أسره واحدة يتحد أعضاؤها بالروح القدس وبإبداع التاريخ العبقري. والواقع أن هناك حتمية وراء اختيار اليهود لطريق العدالة في مجتمعهم، فهم طفيليون منبوذون يشعرون بالحاجة إلى ظروف عمل عادلة وصحيحة. ولذا، فهم بحاجة إلى أرض حتى يتحولوا من طفيليين هامشيين إلى عمال نافعين، ووجود مثل هذه الأرض التي ستشكل الوطن المشترك شرط أساسي لإدخال علاقة صحيحة بين رأس المال والعمل عند اليهود. وسيزداد تحقيق العدالة في المجتمع إن اعتمد على استغلال الإنسان للطبيعة بدلاً من استغلال الإنسان للإنسان، وسيتحقق هذا من خلال التقدم العلمي. ففي الماضي، كانت الندرة مصدر الصراع الطبقي والعرْقي. ولذا، ومع تحقيق الوفرة من خلال تَقدُّم وسائل الإنتاج والعلم، ستختفي هذه الصراعات وستزول الحاجة لاستغلال الإنسان لأخيه الإنسان، وسيختفي العداء بين الطبقة الرأسمالية والطبقة المنتجة، بل ستختفي الاختلافات بين النظرة الفلسفية والبحث العلمي، وسيتحد الذات والموضوع تماماً. وسيصبح الفاعل الفلسفي هو نفسه القانون العلمي، أي أن التاريخ والطبيعة سيتحدان وتتحقق الواحدية المادية الكونية في لحظة نهائية مطلقة في سبت التاريخ أي نهايته. ومن الواضح أن المشيحانية تحوَّلت هنا إلى عقيدة هيجلية علمانية. وفيما يتصل بالسكان الأصليين، فهناك ما يشبه الصمت بشأنهم، وحينما تحدَّث هس عن الأعراق في أوربا، فقد تحدَّث عن اختلافها لا عن تفاوتها، ولكنه حينما انتقل إلى الشرق فإنه يؤكد التفاوت فيما بينها حتى يُكسب مشروعه الصهيوني الشرعية الغربية الإمبريالية اللازمة. فاليهود سيجلبون الحضارة للمتخلفين وعليهم أن يعملوا على تثقيف القطعان العربية المتوحشة والشعوب الأفريقية وأن يجعلوا القرآن والإنجيل يتحلقان حول التوراة. وقد سمع هس، قبل نشر كراسته، عن كتابات كاليشر فنوَّه بها وبيَّن أنها علامة على البعث القومي الجديد، كما كان يرى ذلك في الحسيدية (فرَفْضُها الاندماج علامة على حيوية اليهودية الحديثة) . وقد وصف الزعيم الإصلاحي أبراهام جايجر كتابات هس بأنها "ليست الولادة لعصر جديد، بل القبر المفتوح لعهد مضى". وقد ساهم هس في بعض الأعمال التمهيدية للاستيطان، فاشترك في تحقيق مشروع المدرسة الزراعية قرب يافا والذي تبنته الأليانس. وقد تُوفي هس عام 1875، ونُقلت رفاته إلى إسرائيل. وإلى جانب الدراسات التي أسلفنا الإشارة إليها، كَتَب هس في الاشتراكية وله كتاب المادية الدينامية يضم آراءه العلمية المقتبسة عن النظرة الحيوية. أهارون جوردون (1856-1922) Aharon Gordon أحد مفكري الصهيونية العمالية وأحد أعمدة الاستيطان الصهيوني في فلسطين. وُلد في بودوليا (روسيا) في بيئة زراعية تركت أثرها العميق فيه، وقد تلقَّى تعليماً دينياً ثم علمانياً، وعمل محاسباً حتى عام 1903. وفي تلك الفترة، فَقَد إيمانه باليهودية وبحركة التنوير، وتأثر بأفكار تولستوي والحركة الشعبوية الروسية، وتبنَّى رؤية آحاد هعام الصهيونية ووثنيته اللادينية. وتعرَّف خلال ذلك إلى جماعة أحباء صهيون وأصبح من أتباعها المتحمسين. وحينما بيعت الضيعة التي كان يعيش ويعمل فيها عام 1904، هاجر إلى فلسطين حيث اشتغل عاملاً زراعياً يدوياً في المستوطنات اليهودية هناك (وكان عمره آنذاك 48 سنة على عكس الأكثرية الساحقة من مهاجري الهجرة الثانية) . أنجب جوردون سبعة أطفال لم يبق منهم سوى اثنين. وقد حاولت أسرته أن تُثنيه عن عزمه على الاستيطان ولكنه نجح في إحضارها إلى فلسطين إلا ابنه الأكبر الذي عاد إلى حظيرة الدين اليهودي وانفصل عن أبيه. وفي عام 1909، نشر جوردون في مجلة العامل الفتي مجموعة من المقالات يشرح فيها أفكاره وهي مجلة جماعة عمالية معارضة لجماعتي عمال صهيون واتحاد العمل. ينطلق جوردون من نقد عميق للجماعات اليهودية ولليهودية التي قضت تاريخها معزولة عن الطبيعة، مسجونةً داخل أسوار المدينة، ففقدت حب العمل. فالتلمود يقول إنه عندما ينفذ اليهود إرادة الإله سيقوم الآخرون بتنفيذ أعمالهم نيابةً عنهم، وهكذا تحوَّل اليهود إلى شعب طفيلي ميت. وإلى جانب هذا، فَقَد اليهود أيضاً مقومات الشخصية القومية المستقلة. فهم طفيليون لا في العمل المادي وحسب وإنما في المنتجات الثقافية كذلك، فهم يعتمدون على الآخرين مادياً وروحياً. إن الجماعات اليهودية في العالم سلبية في تَلقِّيها واستهلاكها حضارة الآخرين، فكل الشعوب تعيش من ثمرة عملها إلا اليهود. والحضارة كما يرى نتاج عملية تَطوُّر طبيعية لم يساهم فيها اليهود. ولذا، فإن اليهود المندمجين في حضارة غير يهودية سيكتسبون هوية غير يهودية جديدة ويتحولون بذلك إلى أشخاص غير طبيعيين ناقصين ومنشطرين داخلياً. والحل الذي يطرحه جوردون هو الحل الصهيوني، أي إسقاط اليهودية كدين وتحويل اليهود إلى مادة استيطانية، ولكنه يضيف إلى هذا المشروع ديباجته الخاصة. يذهب جوردون إلى أن اليهود يوجد أمامهم طريقان لا ثالث لهما: إما الاستمرار في حياة المنفى المريضة أو الخوض في طريق الحياة القومية الصحيحة، والواقع أن اختيار أحدهما يعني استبعاد الآخر. ولذا، يقترح جوردون على الرواد الصهاينة في فلسطين أن يكونوا آخر اليهود وأن يصبحوا رواد أمة عبرانية جديدة تتكون من رجال ونساء تربطهم علاقة جديدة بالطبيعة. وهو يدعو إلى تصفية الدياسبورا (الجماعات اليهودية) تماماً. وإن تم الاحتفاظ بهم، فيجب أن يكونوا بمنزلة المستعمرات في علاقتهم بالوطن الأم، يزودونه بالمادة البشرية المطلوبة والدعم المالي والسياسي. وينطلق جوردون من إيمان بالواحدية المادية الكونية، ولذا فهو يرى أن ثمة وحدة كونية بل تماثلاً كاملاً بين الإنسان والطبيعة. غير أنه إذا كان الإنسان مجرد جزء عضوي من الطبيعة، فإن العقل الإنساني يفقد أهميته (فالعقل مركز الذاكرة ووسيلتنا للوصول إلى المعرفة التاريخية) . بل إن العقل ـ حسب تصوُّر جوردون ـ يصبح حينئذ مصدر اغتراب الإنسان عن مصادر حياته، لأن المعرفة العقلية تقف على طرف النقيض من الحياة الكونية (وهنا يتضح تأثير نيتشه العميق) . وإذا كان العقل هو مصدر اغتراب الإنسان، فإن المعرفة الحدسية هي التي تقلِّل غربته، وهي التي تجعله قادراً على الامتزاج بالطبيعة وبالقوة الكونية. إن حياة الإنسان مرتبطة بالحياة الخفية للكون (كما كان يزعم القبَّاليون) . لكن الإنسان الذي ينبغي أن يعود جزءاً من الطبيعة عليه أن يتخلى عن العقل وعن أية حدود تفصل بينه وبين الطبيعة والقوة الكونية التي تسري فيها وفيه، وعليه أن ينغمس في تجربة دينية صوفية حلولية. وهنا نجد أن الدين لا يعلو على الطبيعة وإنما هو جزء لا يتجزأ منها. ونحن، هنا، نجد الثالوث الحلولي وقد تحوَّل إلى ثالوث عضوي: فمن الإله والإنسان والطبيعة ننتقل إلى قوة الكون التي تسري في كلٍّ من الإنسان والطبيعة وتُوحِّدهما. هذا الحديث الرومانسي عن الطبيعة والكون يُخفي كل المفاهيم الصهيونية الأساسية، فهو يعني أولاً رفض الدين اليهودي، فالحياة الطبيعية الجديدة هي بالنسبة لجوردون بمنزلة الدين لليهودي الورع المخلص، أي أنه سيُسقط المثل الدينية ويتبنَّى المثل الإثنية المطلقة المكتفية بذاتها، أي أنها حلولية موت الإله حيث تصبح الذات الإثنية هي العبد والمعبود والمعبد. ويقول في تعريفه العامل الكوني: إنه الانتماء العرْقي، وهو مجموعة من القوى العقلية والجسدية التي تؤثر في شخصية كل فرد من أفراد مجموعة هذا الجنس. والواقع أن هذا التعريف هو نفسه الفكرة الجرمانية والسلافية للشعب العضوي. ولذا، فهو يؤكد أن هذا العنصر الكوني لا يمكن أن يتحقق بالنسبة لليهود إلا في فلسطين حيث يرتبط الدم بالتربة، أما في المنفى "فالذات العرْقية تنكمش على نفسها بدون أي مصدر للحياة". ثم نأتي أخيراً للمفهوم المحوري، مفهوم دين العمل، وهي فكرة تستند إلى بعض أفكار الشعبويين الروس، كما أن لها جذوراً في الفكر الحسيدي وتراث القبَّالاه وبالوضع الاقتصادي في منطقة الاستيطان، وقد أضفى جوردون عليها غلالة عصرية لتصبح إطاراً جيداً للمشروع الصهيوني. إن دين العمل عند جوردون إن هو إلا وسيلة من وسائل العودة للطبيعة الكونية والاتحاد بها، فعن طريق العمل اليدوي يُنشئ الإنسان علاقة عضوية مع الطبيعة (مثل علاقة الرسام بالصورة وليس علاقة المشتري بها) ويصبح العمل الزراعي (وحَرْث الأرض بالذات) عملاً روحانياً وقيمة أخلاقية في حد ذاته. ولكن الأساسات الصهيونية توجد وراء الحديث الكوني، إذ يقول جوردون إن حياة الإنسان الإبداعية والأخلاقية لا يمكن أن تتم على نحو فردي، بل لابد أن تتم على نحو قومي. فالقومية هي العنصر الكوني فينا، والطبيعة خلقت الشعب كحلقة وصل بين الكون والفرد، إذ أن الشعب هو جماعة طبيعية تُجسِّد علاقات كونية حية. والبعث القومي، حسب تصوُّر جوردون، لا يمكن أن يتم عن طريق إعادة التنظيم الاجتماعي ولا من خلال الحركات الجماهيرية وإنما من خلال جماعة متحدة بشكل عضوي وذات علاقة عضوية بالطبيعة. فالصهاينة لم يأتوا للصراع الطبقي وكُره الطبقات ولا من أجل الاشتراكية أو باسمها وإنما أتوا باسم الشعب العضوي اليهودي. ولذا، فإن مضمون الصراع قومي صرف، بالمعنى العضوي للكلمة الذي يستبعد الآخرين تماماً. وإن كان ثمة اشتراكية، فهي اشتراكية عضوية (إن صح التعبير) مقصورة على اليهود وحدهم. لكل هذا، يرى جوردون أن البعث القومي اليهودي لن يتم إلا عن طريق دين العمل الجماعي على الأرض المملوكة ملكية جماعية حيث يعود الشباب اليهودي للأرض المقدَّسة ليحرثوها ويزرعوها بأنفسهم دون أن يسمحوا لأي عامل عربي بأن يدخلها لأن العامل اليهودي أو العبري سيعمل بشكل ذاتي في مزارعه أو مصانعه الخاصة. أما إذا عاد ليعمل في مصانع أو مزارع الآخرين دون استقلالية، فإنه سيفشل في تحقيق أهداف المشروع الصهيوني. والعمال اليهود، إلى جانب ذلك، لن يعيدوا بَعْث أنفسهم وتطبيعها وغَسْل أدران المنفى عنها إن لم يعملوا بأنفسهم، فالشخصية اليهودية التي أحضروها معهم لابد أن يتم التخلص منها. وإن لم يعمل اليهود بأنفسهم، فإنهم لن يحلوا محل الغريب. ولو حصل الصهاينة على كل سندات ملكية الأرض التي يطالب بها الصهاينة الدبلوماسيون (الاستعماريون) ، أو براءة الاستيطان الدولية التي يطالب بها الصهاينة السياسيون، فإن البلد مع هذا سيظل في يد من يعمل فيه، أي في يد العرب. ولذا، لا ينبغي الاكتفاء بشراء الأراضي من العرب وإنما يجب إحلال اليهود محلهم، فبدون العمل العبري سيظل المُستوطَن الصهيوني في أيديهم. ولهذا، يرى جوردون أن الطبقة العاملة اليهودية هي عماد المشروع الصهيوني. ولا شك في أن منطق جوردون الرومانسي في مجال تأليه العمل لعب دوراً كبيراً في تجنيد شباب اليهود الثائرين في أوربا، ولكن جوردون في مَعرض مواجهته مع العرب لا يكتفي بالمنطق الرومانسي وإنما يتحدث كذلك عن حق اليهود الأبدي في الأرض الفلسطينية، وهو حق ينسخ كل الحقوق الأخرى، ثم يضيف: وخصوصاً أن العرب لم يخلقوا أي شيء طوال فترة استيلائهم على الأرض المقدَّسة، أي أنه ينظر إلى العربي من خلال مقولة العربي المتخلف كي يبرر الاستيلاء الصهيوني على الأرض. وقد كان جوردون من أوائل من نظَّموا الإضرابات ضد المزارع اليهودية التي استأجرت عرباً، وكان من بين سكان مستوطنة داجانيا التي نظمت إضراباً وطلبت عزل المدير الذي عينته المنظمة الصهيونية. وقد استجابت المنظمة لمطالب المضربين وتمت إدارة المزرعة على أساس تعاوني وأخذت الحياة فيها شكلاً جماعياً، وكانت هذه بداية الحركة الكيبوتسية. وقد قضى جوردون آخر أيامه في داجانيا. وبرغم أنه لم يشغل أي منصب رسمي في الحركة الصهيونية، إلا أنه أثَّر فيها تأثيراً عميقاً. جُمعت آثار جوردون في عدة مجلدات تحت عنوان كتبي. وقد أُطلق اسمه على المتحف الإقليمي للطبيعة والزراعة في داجانيا، كما سُمِّيت باسمه حركة جوردونيا للشباب التي تنتمي لحركة العامل الفتي والتي نشطت بين الحربين العالميتين. نحمن سيركين (1868-1924 (Nachman Syrkin أحد مفكري الصهيونية العمالية. وُلد في روسيا لعائلة من الطبقة الوسطى عُرفت بالتدين، وتلقَّى تعليماً تقليدياً ثم دخل مدرسة روسية ودرس بعد ذلك الاقتصاد في ألمانيا. انضم في شبابه لجماعة أحباء صهيون، وحضر المؤتمر الصهيوني الأول (1897) ولكنه ظل من دعاة الصهيونية الإقليمية حتى عام 1909. رجع إلى أحضان المنظمة الصهيونية ممثلاً عن حزب عمال صهيون. وقد هاجر إلى الولايات المتحدة حيث استقر وكتب العديد من المقالات، كما أصدر مجلات باللغتين اليديشية والعبرية للدعوة للأفكار الصهيونية، ونشر رسالته للدكتوراه عام 1898 في كراس بعنوان المسألة اليهودية ودولة اليهود الاشتراكية. وقد ساهم سيركين خلال الحرب العالمية الأولى في تأسيس المؤتمر اليهودي الأمريكي وفي الدعوة له، وأيد فكرة الفيلق اليهودي وسافر كعضو في لجنة الوفود اليهودية إلى مؤتمر السلام في فرنسا عام 1917. تبنَّى سيركين الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة وأدخل عليها ديباجة اشتراكية، فطرح رؤية للتاريخ اليهودي تستند إلى افتراض أن اليهود كانوا يكوِّنون دولة مستقلة ذات تاريخ مستقل. ويبدأ التاريخ اليهودي سيرته الحزينة من المنفى حين وجد اليهود أنفسهم في الجيتو، ولكنهم مع هذا حافظوا على هويتهم القومية المستقلة داخله وهو ما أدَّى إلى ازدواج الشخصية اليهودية. فهناك شخصية للخارج يتعامل اليهودي من خلالها مع الأغيار، وأخرى للداخل يتعامل من خلالها مع اليهود (وازدواجية المعايير هي إحدى أهم سمات الجماعات الوظيفية ( ثم فُرض الانعتاق فجأة على اليهود، الأمر الذي أدَّى إلى اندماجهم وتنازلهم عن هويتهم القومية، وأصبح اليهود جزءاً من الحركة الليبرالية التي تدافع عن حقوقهم. ولكن البورجوازية خانت الُمُثل الليبرالية بعد ذلك وتراجعت عنها، وزادت حدة الصراع الطبقي، الأمر الذي أدَّى إلى زيادة حدة كُره اليهود، وخصوصاً بين الفلاحين والطبقات الوسطى. فالفلاحون مهددون بالاختفاء من المجتمع الإقطاعي ويرون اليهودي طليعة المجتمع الجديد الذي يتهددهم. أما الطبقات الوسطى، فهي مهددة بالهبوط في السلم الاجتماعي، كما أنها تنتمي إلى طبقات الملاك ولكنها لا تملك شيئاً ولا حتى عملها، وهي طبقة لا شخصية لها. ولذا، فإنها برغم عدائها للرأسمالية تناضل نضالاً ثورياً يأخذ شكل كُره عنصري لليهود. والطبقة الحاكمة والكنيسة ورأس المال على استعداد لاستخدام هذا الاتجاه بين الفلاحين وأعضاء الطبقة الوسطى ولصالحهم، ومن هنا فإن معاداة اليهود كانت موجهة على الدوام من قبَل معظم طبقات المجتمع ضد الفئات اليهودية كافة وبدرجة واحدة. وقد كان الحل الاشتراكي المنطقي يتمثل في أن ينضم اليهود للبروليتاريا التي ستُنهي الصراع الطبقي فتنتهي بالتالي ظاهرة معاداة اليهود. وهنا يطرح سيركين عدة أسباب صهيونية ذات ديباجة اشتراكية ليبيِّن استحالة هذا الحل: 1 ـ لاحَظ سيركين أن الأحزاب الاشتراكية لا تأخذ الظروف الخاصة بالمسألة اليهودية بعين الاعتبار ولذلك فهي عاجزة عن أن تطرح حلولاً لها. بل إن بعض الأحزاب الاشتراكية تتبنى مواقف معادية لليهود. 2 ـ يُورد سيركين أسبابه الأخرى لطرح الصهيونية (أو «الاشتراكية اليهودية» كما يسميها) كحل وحيد للمسألة اليهودية وكلها تدور حول فكرة الخصوصية أو التفرُّد اليهودي. 3 ـ ينتقد سيركين الاشتراكيين اليهود الذين تبنوا المُثُل الاندماجية أو الأممية كما ينتقد طرحهم لهويتهم القومية. ولكنه، حين يحاول تحديد هذه الهوية القومية اليهودية، يلاحظ أن اليهود سُلبَت منهم الخصائص القومية الظاهرية، فهم مشتتون يتحدثون جميع اللغات واللهجات ويعيشون بدون ملكية وطنية، ثم يضيف أنهم مع هذا كانوا (في الماضي) أمة مميَّزة "كان مجرد وجودها سبباً كافياً لأن تكون". 4 ـ يذهب سيركين إلى أن الوجود اليهودي هو رمز الضمير الإنساني، وبذا تصبح القومية اليهودية قيمة في ذاتها. 5 ـ يرى سيركين أن اليهودي هو البروليتاري الأزلي. ومن هنا، فإن الاشتراكية اليهودية ليست معادلة للاشتراكية المسيحية وإنما هي معادلة للاشتراكية البروليتارية، والخصوصية اليهودية هي في جوهرها اشتراكية. ولذا، فإن الصهيونية بطبيعتها هي حركة احتجاج يهودية ثورية كبرى يقوم بها كل اليهود، ولذا فهي ملك للجميع. ومن وجهة نظره، يؤكد سيركين أن الصهيونية لا تتعارض مع الصراع الطبقي وإنما تتجاوزه وحسب. فهي ستفيد الطبقة العاملة أساساً ولكنها تتبنَّى الطبقات الأخرى كافة، وخصوصاً أن التاريخ اليهودي يجسد كثيراً من القيم الثورية. ثم يتوجَّه سيركين إلى طبيعة المجتمع الصهيوني الاستيطاني ليبين أن ثمة ظروفاً خاصة تجعل من الضروري أن يتخذ هذا المجتمع شكلاً اشتراكياً: 1 ـ يُشير سيركين إلى وضع المهاجرين اليهود الطبقي فهم بقالون وباعة متجولون وحرفيون غير قادرين على التكيف مع الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية الجديدة في روسيا، ولذا فإن هذه الجماهير تفكر في الهجرة بحثاً عن عمل وعن بناء اقتصادي اجتماعي جديد. ولجذب هذه الجماهير، لا يمكن أن يُطرَح عليها مجتمع مَبني على التفاوت لأن هذا سيعني عقداً اجتماعياً للعبودية الاجتماعية الجديدة. وبالتالي، لابد أن يكون المجتمع الجديد الذي يطمحون إليه مبنياً على المساواة، وخصوصاً أن هذه الجماهير كانت متجهة إلى الولايات المتحدة حيث توجد الفرص الاقتصادية النادرة ونوع من الحراك الاجتماعي الأكيد. 2 ـ ستسود دولة اليهود الاشتراكية ثقافة لا دينية تنبع من الإثنية اليهودية، ولذا فستكون بمنزلة الحصن الذي يحمي القومية اليهودية المهددة بالتآكل في المجتمع الاشتراكي والغربي باتجاهاته الاندماجية. إن الثقافة البروليتارية اليهودية ستُمثِّل تحدياً لليهودية الإصلاحية (ومع هذا، لم يذكر سيركين شيئاً عن بعث اللغة العبرية) . وهذه الثقافة العمالية ستربط بين الطموح العالمي لدى العمال ورؤى الأنبياء اليهود في العهد القديم. 3 ـ يضيف سيركين إلى كل هذه الأسباب المؤدية إلى «حتمية» الصهيونية العمالية سبباً أخيراً هو أن اليهود المتأثرين برؤية الأنبياء لم يُصلُّوا طيلة حياتهم من أجل العودة ليؤسِّسوا دولة مثل كل الدول، أي أن حتمية الاشتراكية الصهيونية تضرب بجذورها في أحلام اليهود عبر التاريخ وتصبح مثل العهد مع الرب علامة تميُّز وانفصال. 4 ـ يبين سيركين أن طبيعة المشروع الاستيطاني الصهيوني تتطلب أن يتم هذا المشروع بالطريقة الاشتراكية الجماعية لأن مشروعاً ضخماً لتغيير اقتصاد فلسطين وتركيبها السكاني يتطلب وَضْع خطط بعيدة المدى، والمشروع الحر بطبيعته لا يمكنه أن يقوم بذلك. 5 ـ ويتطلَّب هذا المشروع الضخم تمويلاً كبيراً لا يستطيع رأس المال اليهودي الصغير أن يقوم به. ولذا نادى سيركين بما سماه «التراكم الاشتراكي» ، أي أن تقوم المنظمة الصهيونية بتمويل المشروع الاستيطاني عن طريق تجميع رأسمال قومي، وتظل ملكية الأراضي ملكية عامة وتُوظَّف الأموال لا للربح وإنما للاستثمار الاجتماعي وعلى أساس التعادل. 6 ـ ثم يقدم سيركين ديباجة اشتراكية أيضاً للطبيعة الإحلالية للمشروع الصهيوني باعتباره مشروعاً استيطانياً غربياً أبيض، فدولة يهودية رأسمالية تعني أن آليات السوق والعرض والطلب ستتحكم فيها، الأمر الذي سيؤدي إلى انخفاض الأجور " إلى درجة تجعل قبول أي يهودي أوربي لها مستحيلاً "، ولذلك سيقوم العمال من المواطنين الأصليين (أي العرب) بملء الفراغ، وسيقضي هذا على الجانب الإحلالي من المشروع الصهيوني. 7 ـ يربط سيركين بين حركة التحرر القومي والاشتراكية، وبالتالي بين الصهيونية والاشتراكية، ويرى أن الصهاينة سيشكلون حركة هجرة ذات طابع تقدُّمي وسيتصلون بالحركات القومية المماثلة بين الشعوب غير الإسلامية في الدولة العثمانية التي يجب تقسيمها على أسس قومية بحيث تكون فلسطين من نصيب اليهود. كما يرى أن "إرتس يسرائيل" قليلة السكان ويمكن تفريغها من سكانها حتى يتسنى توطين اليهود الذين تود الدول الغربية التخلص منهم. وإذا قاوم العرب عملية التفريغ فسيكون هذا أكبر علامات تخلُّفهم ورفضهم الوعي البروليتاري ورفضهم أيديولوجيا تقدمية اشتراكية، الأمر الذي يعني أحقية نقلهم. وبرنامج سيركين هو نفسه الصيغة الصهيونية الأساسية مع إضافة الديباجة الاشتراكية، ذلك أن قبول ظاهرة معاداة اليهود وحل المشكلة اليهودية عن طريق الاستعمار، وتفريغ أوربا من يهودها، وتفريغ فلسطين من عربها، والاعتماد على الأثرياء اليهود، والتحالف مع القوى الإمبريالية وضرورة اللجوء للعنف، وغير ذلك من الثوابت، موجود بعد إضافة ديباجات اشتراكية وإثنية. وقد قام سيركين بزيارة فلسطين في العشرينيات، وكانت المقاومة العربية للغزوة الصهيونية قد بدأت، وقبل موته في نيويورك سمع عن الإضرابات العنيفة التي وقعت عام 1924. وقد أثَّر فكر سيركين في كثير من الصهاينة الاشتراكيين والأحزاب الصهيونية العمالية. جوزيف ترومبلدور (1880-1924 (Joseph Trumpeldor زعيم صهيوني أصبح رمزاً للجيل القديم من الصهاينة الرواد المقاتلين الذين جاءوا إلى فلسطين. كان أبوه جندياً في الجيش الروسي وقد التحق جوزيف بمدرسة دينية قبل أن يدرس طب الأسنان. وأثَّرت فيه أفكار تولستوي، وامتزجت بالأفكار الصهيونية حيث بدأت تتبلور لديه فكرة المستعمرات الصهيونية المسلحة في فلسطين. وقد جُنِّد في الجيش الروسي عام 1902، وفَقَد ذراعه اليسرى في الحرب الروسية ـ اليابانية، ورُقِّي وحاز عدة أوسمة ثم أُعيد إلى الجبهة بناء على طلبه فأسره اليابانيون وفي الأسر قام بتنظيم مجموعة صهيونية من الأسرى. وقد درس ترومبلدور الزراعة ثم القانون، وأخذ في تنظيم مجموعة من الصهاينة في أوكرانيا عام 1911 حيث قرروا الهجرة إلى فلسطين. عمل في مستوطنة داجانيا ثم حضر المؤتمر الصهيوني الحادي عشر (1913) . وعند عودته إلى فلسطين، رحَّلته السلطات التركية إلى الإسكندرية حيث شارك في تكوين فرقة البغالة الصهيونية وأصبح نائباً لقائدها. وبعد اشتراك هذه الفرقة في القتال مع البريطانيين، سافر مع جابوتنسكي إلى لندن من أجل تكوين الفيلق اليهودي. وفي منتصف عام 1917، سافر إلى روسيا لإقناع السلطات هناك بتكوين قوة عسكرية يهودية تُرسَل للقوقاز وتقاتل هناك حتى تصل إلى فلسطين. وبعد نجاح مبدئي، فشلت هذه المهمة وأُلقي القبض عليه فتحوَّل إلى تكوين حركة الرائد في روسيا. وفي 1919، سافر إلى فلسطين حيث عرض على أللنبي إلحاق قوات يهودية قوامها 10 آلاف جندي بالقوات البريطانية، غير أن عرضه رُفض. وكان قد اقترح من قبل غزو فلسطين بجيش قوامه 100 ألف يهودي! وقد أسَّس مكتباً للاستعلامات لقاعدة اليهود القادمين من روسيا وشارك في الدفاع عن المستعمرات الصهيونية في الجليل الأعلى حيث قتله العرب عام 1920. وقد جاءت حركة بيتار المسماة باسمه (بريت ترومبلدور) بعد ذلك لتركز على النواحي العسكرية الصهيونية في فكره. ولا تزال منظمات الشباب الصهيونية ترفعه إلى مرتبة المثل الأعلى. دوف بوروخوف (1881-1917 (Dov Borochov أهم منظري الحركة الصهيونية العمالية ومؤسس حركة عمال صهيون وزعيمها. وُلد في روسيا وتلقى تعليماً علمانياً، وكانت نشأته في مدينة كان يُنفَى إليها الثوريون الروس، وكان أبوه عضواً في جمعية أحباء صهيون، الأمر الذي ترك أثراً عميقاً فيه، فقد ظل طوال حياته يحاول الجمع بين الصيغة الصهيونية الأساسية والديباجات الاشتراكية. وكان عضواً في الحزب الاشتراكي الديموقراطي، ولكنه استقال عام 1906 ليُكوِّن حزب عمال صهيون. وفي العام نفسه، نشر بوروخوف مقاله الشهير "برنامجنا". كما وضع برنامج الحزب بالاشتراك مع إسحق بن تسفي (وهذا الحزب هو أول حزب صهيوني يصل للصيغة الصهيونية التي تجعل الاشتراكية الأداة الوحيدة للاستيطان) . وقد قُبض عليه عام 1907، وحينما أُفرج عنه ذهب إلى لاهاي حيث أسَّس الاتحاد الدولي لأحزاب عمال صهيون، وشغل منصب الأمين العام للاتحاد حتى وفاته. وقد تَنقَّل في أنحاء أوربا داعياً لصهيونيته ذات الديباجة الاشتراكية، كما شرح معظم أفكاره في كتاب الحركة العمالية اليهودية في أرقام (1918) ، أجرى أبحاثاً في اللغة اليديشية ودراسات اجتماعية عديدة. وقد انتقل إلى الولايات المتحدة بعد اندلاع الحرب العالمية حيث قام بنشاط فعال لا في صفوف حزبه وحسب بل في صفوف المؤتمر الأمريكي اليهودي. وقد ساهم في تأسيس الفيلق اليهودي مع كلٍّ من بن جوريون (العمالي) وجابوتنسكي (اليميني) ، وظل طوال حياته يتعاون مع كل الصهاينة بغض النظر عن انتمائهم الطبقي أو العقائدي. وعندما قامت ثورة كيرنسكي، عاد بوروخوف ليشارك في مؤتمر الأقليات متخذاً موقفين متعارضين يعبِّران عن التناقض المبدئي في تفكيره. ففي أغسطس 1917، طالب في مؤتمر لحزب عمال صهيون في روسيا بتوطين اليهود في فلسطين على أُسس اشتراكية! ولكنه في سبتمبر من العام نفسه، قدَّم بحثاً أمام مؤتمر الشعوب في كييف عنوانه «روسيا: كومنولث الأمم» . ويتلخص إنجاز بوروخوف الفكري في أنه زاوج بين الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة وديباجات اشتراكية ثورية مُستمدة من الأفكار اليسارية السائدة في شرق أوروبا بين صفوف المثقفين والعمال. ويُقسِّم بوروخوف البشرية من وجهة النظر الاجتماعية والاقتصادية إلى أمم ثم طبقات، ويرى أن الأمم ككيانات حضارية عضوية تتسم بقدر عال من الثبات وتوجد قبل الطبقات. ولذا، فإن الأمم باقية أما الطبقات فتتغير. وقد تعرَّضت الأمم إلى تأثيرات وتغيرات شتى، والأمة العضوية هي النقطة المرجعية النهائية والقيمة الحاكمة الكبرى وهي تظل دون تغيُّر يُذكَر في أساسياتها الحضارية. ويفسر بوروخوف مسألة انقسام البشر إلى أمم وطبقات على أساس وجود علاقات إنتاج تُقسِّمهم إلى طبقات، وظروف إنتاج تُقسِّمهم إلى أمم. وظروف الإنتاج هي الاختلافات الجغرافية والأنثروبولوجية والتاريخية بين المجموعات البشرية المختلفة. كما أن عملية تطوُّر قوى الإنتاج نفسها يمكن أن تأخذ عدة أشكال تبعاً لاختلافات ظروف الإنتاج. يَنتُج عن هذا أن ثمة أمماً تخضع للاضطهاد، فهي لا تسيطر على ظروف الإنتاج الخاصة بها. وسيُلاحَظ في هذه الحالة أن الرموز القومية والجوانب الثقافية الخاصة بهذه الأمة ستكتسب، مستقلة، أهمية بالغة، ويُوجِّه جميع أعضاء هذه الأمة جهودهم نحو تقرير المصير (أي السيطرة على ظروف الإنتاج الخاصة بهم، وهذا طرح عمالي لإشكالية العجز بسبب انعدام السيادة) بدلاً من الصراع الطبقي (أي التناقضات داخل علاقات الإنتاج) . وكل طبقة، داخل الأمة، لها اهتمامها الخاص بظروف الإنتاج، وخصوصاً عنصر الأرض (فهي القاعدة الإستراتيجية للصراع الطبقي) . حينئذ تظهر حركة قومية ثورية تستوعب التركيب الطبقي للمجتمع ولكنها لا تَحجُب بالضرورة الوعي الطبقي، ويسميها بوروخوف «قومية الطبقة التقدمية الحقيقية» أو «قومية البروليتاريا الثورية المنظمة للشعوب المضطهدة» ، وتطرح برنامج الحد الأدنى الذي يهدف إلى ما يلي: 1 ـ تأكيد ظروف الإنتاج الطبيعية للأمة. 2 ـ تأمين قاعدة طبيعية لعمل البروليتاريا وللنضال الطبقي. وبالتالي يظهر تركيب طبقي صحيح وصراع طبقي سليم، وبعدها تقوم البروليتاريا بنضالها الثوري على أساس سليم داخل التشكيل القومي الجديد. ثم ينصرف بوروخوف لتعريف المسألة اليهودية داخل هذا الإطار، فيقرر أن ما يميِّز اليهود كشعب (أو نصف شعب أو شبه شعب) هو أنهم شعب «لا أرض له» . وكما يرى بوروخوف، فإن هذا الوضع الشاذ نتج عنه ما سماه بنظرية «الهرم المقلوب» ، فكل شعب يتكون من فئات اجتماعية وطبقات تأخذ شكل الهرم الذي يتكون من قاعدة عريضة تساهم في العمليات الإنتاجية الأساسية. وكلما بَعُدت العمليات الاقتصادية عن هذه العمليات الأساسية، قلَّ عدد العاملين فيها حتى نصل إلى قمة الهرم. ويجد بوروخوف أن هذا الهرم الاجتماعي مُشوَّه تماماً عند اليهود إذ يوجد في صفوفهم عدد كبير من المحامين والأطباء والمفكرين وغيرهم ممن ينتمون إلى الطبقة الوسطى والعمليات الإنتاجية الهامشية، مع قلة قليلة (إن وُجدت) من الفلاحين بالإضافة إلى بروليتاريا صغيرة الحجم نسبياً. وكل هذا يرجع إلى عدم وجود ظروف أو أحوال إنتاج خاصة باليهود، ولذا فهم يظلون بمعزل عن بعض قطاعات الإنتاج التي تظل حكراً على الأمة التي تستضيفهم. وبظهور الرأسمالية وازدياد التطور الصناعي والتنافس الرأسمالي، بدأت الجماهير اليهودية تتحول من حرفيين إلى بروليتاريا. ولكن، بسبب وجودهم المنعزل، وبسبب ظاهرة معاداة اليهود المنتشرة في صفوف البورجوازية والبروليتاريا المسيحية، كان العامل اليهودي لا يجد عملاً إلا عند الرأسمالي اليهودي الذي كان يستثمر رأسماله عادةً في الصناعات الاستهلاكية (لأسباب أوضحها بوروخوف ( ولكل ما تقدَّم، فإن تحوُّل الحرفيين اليدويين اليهود إلى بروليتاريا صناعية كان يتم ببطء شديد وأحياناً كان يتوقف كليةً. ونظراً لأن البروليتاريا اليهودية كانت تعمل في الصناعات الاستهلاكية فحسب، فلم يكن بإمكانها أن تشل الاقتصاد إن قامت بإضراب عن العمل. وبالتالي، لم يكن بإمكانها الدفاع عن نفسها أو المطالبة بحقوقها. واستجابة لهذا الوضع الشاذ، طُرحت حلول عديدة من بينها الاندماج والديموقراطية السياسية أو الثورة البورجوازية. ولكن بوروخوف بيَّن أنها عملية مركبة تؤدي إلى إعتاق اليهود في المرحلة الأولى، ثم تزيد من حدة المنافسة القومية في مرحلة لاحقة الأمر الذي يزيد حدة معاداة اليهود. ولهذا، رفض بوروخوف الاندماج كحل للمسألة اليهودية. ثم يقدم بوروخوف تحليله لاستجابة الطبقات اليهودية المختلفة للمسألة اليهودية وللحل الصهيوني: 1 ـ طبقة البورجوازية الكبيرة في الغرب: وهي طبقة لا تَحصُر نفسها في السوق المحلية، وليست لها أية مشاعر قومية، فهي ذات نظرة عالمية ويمكنها حل مشكلتها عن طريق الاندماج. ومع هذا، يُشكِّل تَدفُّق يهود شرق أوربا الفقراء على غرب أوربا مصدراً كبيراً لقلقهم، فهو يهدد عملية الاندماج التي يطمح إليها أعضاء هذه الطبقة بل يهدد مواقعهم الطبقية ومكانتهم الاجتماعية. وهذه الطبقات الغنية القوية تمقت الجماهير اليهودية الضعيفة ولكن معاداة اليهود تُذكِّرها بقرابتها لها، وهو ما حَوَّل المسألة اليهودية بالنسبة لها إلى عبء مفروض عليها. ولذا، فهي تبذل جهداً غير عادي لتَجد مخرجاً أميناً يبعد هذه الجماهير عنها. وتبحث عن حل يهودي للمسألة اليهودية كوسيلة للتخلص من الجماهير اليهودية. ولكل هذا، تكمن داخل صدر اليهودي الغربي المندمج نفسان: نفس الأوربي المعتز بنفسه، ونفس اخوانه اليهود الشرقيين (دون أن يكون هناك خيار في ذلك) . 2 ـ يهود أوربا الشرقية من البورجوازيين الكبار: وهؤلاء مختلفون عن أقرانهم من أثرياء الغرب لأنهم يتأثرون بشكل أكثر مباشرة بحالة اليهود الراهنة. 3 ـ الطبقة الوسطى: وهي طبقة أكثر ارتباطاً بالدعوة القومية لأن مصالحها تعتمد على السوق التي تستطيع الجماهير اليهودية ارتيادها امتداداً للغة القومية والمؤسسات الثقافية، وعلى هذا، فإن هذه الطبقة تُعتبَر سنداً للصهيونية الإثنية وهي لذلك لا تبحث عن حل جذري بل تَقْبل الحلول الليبرالية، وتدافع عن الثقافة اليهودية بل عن الدولة اليهودية. ولكنها، ما دامت تحافظ على مواقعها الطبقية، تبقى خارج الدائرة اليهودية. 4 ـ البورجوازية الصغيرة المنهارة والبروليتاريا: وهذه طبقة معزولة وتبحث عن سوق يحررها من عزلتها، ومشكلتها هي "مشكلة شعب منفي يبحث عن مكان يجد فيه أمناً اقتصادياً"، أي أن هذه الطبقة وحدها هي الشعب العضوي المنبوذ الذي يشكل جوهر المسألة اليهودية. من هنا كانت الهجرة اليهودية. وقد بدأت الجماهير اليهودية بالفعل تهاجر بأعداد كبيرة إلى الولايات المتحدة. ولكن الهجرة، كما قال هرتزل من قبل، لا تحل المسألة اليهودية، فهي تترك اليهود عاجزين في بلاد غريبة وهم يضطرون إلى التجمع لتسهيل عملية التكيف مع البيئة الجديدة. ولكن التجمع يعزلهم مرة أخرى ويعرْقل عملية التكيف ويفرض علىهم المحافظة على تقاليدهم الاقتصادية السابقة (ميراثهم الاقتصادي) ويتركزون فيها، ويتحولون بسبب ذلك إلى المراحل الأخيرة من الإنتاج وهو قطاع البضائع الاستهلاكية (أي أنهم يتحولون مرة أخرى إلى ما يشبه الجماعة الوظيفية) . ومن ثم، فإنهم يظلون عاجزين عن الهيمنة على ظروف الإنتاج ويكونون أول ضحايا الأزمة الرأسمالية، ولذا فإن حاجة اليهود لتنمية قواهم الإنتاجية المستقلة تظل مسألة قائمة تتطلب حلاًّ. ويقترح بوروخوف الحل، وهو في جوهره الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة حيث تتحول الهجرة إلى استعمار واستيلاء على الأرض. ولكن بوروخوف يضيف ديباجة اشتراكية إذ يصبح الاستيلاء على الأرض هو حصول الشعب اليهودي على قاعدة إستراتيجية وعلى ظروف إنتاج مقصورة عليه وحده وخصوصاً الأرض، الأمر الذي سيُمكِّنه من أن يتواجد في المستويات الدنيا من العملية الإنتاجية وأن يعيد الهرم المقلوب إلى وضعه الطبيعي على قاعدته. وهذا المطلب تشترك فيه كل الطبقات اليهودية من أعضاء الأمة اليهودية العضوية التي تعاني من عدم السيطرة على ظروف الإنتاج. ثم يُورد بوروخوف المزيد من الأسباب الدالة على حتمية الحل الاشتراكي الصهيوني للمسألة اليهودية، أي ضرورة الاستيلاء على أرض واستعمارها حتى تشكل قاعدة للإنتاج. أما بالنسبة للاشتراكية، فيُورد بوروخوف أن المشروع الصهيوني يحتاج إلى قوى تقوم بتنظيم حركة الجماهير اليهودية المهاجرة وتوجيهها، وهو أمر مُلقى على عاتق البروليتاريا اليهودية. ولكنه مع ذلك كان يعترف بأن الهدف النهائي للصهيونية هدف بورجوازي، وهو إيجاد حكم سياسي إقليمي ذاتي، وإيجاد دولة يهودية يتم دمجها في المجتمع الدولي، كما أنه كان يدرك أن بناء الدولة لا يمكن أن يتم إلا بأموال بورجوازية وتنازلات سياسية ومساندة دولية (إمبريالية) لا يمكن إلا للبورجوازية اليهودية وحدها أن تحصل عليها. ولكنه، مع هذا، كان يجد أن ذلك يشكل خطوة نحو الاشتراكية، على اعتبار أنه سيُطبِّع ظروف الإنتاج والصراع الطبقي بالنسبة للطبقة العاملة اليهودية، كما أن دور العمال يمكن أن يتركز في حماية الدولة الصهيونية وفي محاولة فرض سمات تقدمية عليها. ولكن، إذا كان المطلوب هو الأرض، فلماذا فلسطين بالذات (وكان بوروخوف من معارضي مشروع شرق أفريقيا) ؟ يجيب بوروخوف عن هذا السؤال بديباجات اشتراكية مصقولة. فالعمال اليهود ـ حسب قوله ـ ينظرون إلى استعمار فلسطين ونمو البروليتاريا كظاهرتين متلازمتين ومرتبطتين إحداهما بالأخرى، فالوعي الطبقي "لعمالنا" لا ينطلق من المصالح الأنانية الضيقة التي تتعارض مع مصالح الأمة في مجموعها، ولذا فهم طليعة الشعب اليهودي. ويضيف بوروخوف الأسباب التالية لضرورة الاستيلاء على أرض فلسطين دون أي أرض أخرى: 1 ـ هذا البلد لا يمثل أي إغراء بالنسبة للمهاجرين من شعوب أخرى، ولذا فهو لن يجذب سوى المهاجرين الكادحين من اليهود. 2 ـ يجب أن تكون الأرض التي سيتم الاستيلاء عليها مغرية بالنسبة للرأسمالي اليهودي الصغير والمتوسط بحيث يجد فيه وفي البلاد المجاورة سوقاً لمنتجاتها. 3 ـ يجب أن يكون هذا البلد متخلفاً شبه زراعي. 4 ـ يجب أن يكون البلد ذا مستوى ثقافي متدن وذا نمو سياسي منخفض. ومن وجهة نظر بوروخوف، فإن فلسطين تتوافر فيها هذه المواصفات المادية، فهي بلد شبه زراعي، كما أن الشعب الذي يقطنها ليس ذا طابع اقتصادي أو حضاري مستقل فهم منشقون ومفتتون، كما أنهم لم يتبلوروا في كيان اجتماعي متماسك الأمر الذي يجعلهم غير قادرين على التنافس مع رأس المال اليهودي والطبقة العاملة اليهودية. كما يمكن استيعابهم وصهرهم في الشعب اليهودي، فبإمكانهم الوقوف أمام قوى التقدم الاشتراكية. وفلسطين، علاوة على كل هذا، جزء من الإمبراطورية العثمانية وهو ما يعني أن المستوطنين اليهود سيدخلون حرباً تقوم ضد السلطان التركي المتخلف. وقد كان بوروخوف يتصور أن رأس المال اليهودي سيهاجر إلى " الأرض" بشكل عفوي، وذلك ليبني هناك صناعة راسخة، ثم تهاجر في أعقابه آلاف مؤلفة من العمال اليهود. وعملية الاستيطان هذه هي التي ستحل مرض "الطاقة الفائضة" عند اليهود، مأساة البروليتاريا اليهودية ومصدر عذابها. ويبدو أن موقف بوروخوف من الجماعات اليهودية في العالم يشبه موقف هرتزل، فهو يرى ضرورة إفراغ أوربا من فائضها، ولكن ذلك لن يؤدي بالضرورة إلى تصفية الدياسبورا تماماً. ولذا، نادى بوروخوف بأن يقوم الصهاينة بالصراع على جبهتين: في الداخل (أي في فلسطين) ضد الأتراك والسكان الأصليين، وفي الخارج لتحسين أحوال اليهود. وفي عام 1917، وفي خطبة له أثناء انعقاد مؤتمر الفرع الروسي لعمال صهيون في كييف، عمَّق بوروخوف الديباجات الإثنية، فأكد أهمية الجوانب الحضارية اليهودية مثل "العودة إلى أرض الآباء" و"أساس النشاط الخلاق" للبعث اليهودي. ورغم أن كتابات بوروخوف كانت تتسم أحياناً بشيء من الصدق والذكاء، وخصوصاً إذا كانت في مجال الوصف المباشر، إلا أن معظم تحليلاته وتفسيراته غير دقيقة. وعلى سبيل المثال، لم يهاجر رأس المال اليهودي بشكل تلقائي إلى فلسطين وإنما كان يهاجر في فترات الركود الاقتصادي في أوربا وحسب (كما هو الحال دائماً مع رأس المال) ، كما كان ينزح عن فلسطين حينما تتاح له فرصة اقتصادية أفضل خارجها. وهذه الهجرة لم تتم إلا بعد سقوط فلسطين في فلك الإمبريالية الإنجليزية، ولذا فقد كان رأس المال اليهودي جزءاً من رأس المال العالمي. ولم يهاجر العمال اليهود إلى فلسطين، كما تصور بوروخوف، فمعظم المهاجرين كانوا من البورجوازيين أو من البورجوازيين الصغار وهو ما اضطر كثيراً منهم إلى التحول إلى عمال. ومن الواضح أن التطور في روسيا وبولندا لم يكن نحو مزيد من انفصال الطبقة العاملة اليهودية، فاشتراك اليهود في الثورة البلشفية كان بنسبة عالية جداً تتخطى نسبتهم القومية. كما أن اليهود نجحوا في الاندماج في المجتمع الأمريكي رغم تركُّزهم في مستويات الإنتاج العليا وعدم سيطرتهم على ظروف الإنتاج الخاصة بالمجتمع الأمريكي. ولعل الخلل الأساسي في أطروحات بوروخوف يرجع إلى إصراره على وحدة اليهود القومية بدلاً من رؤيتهم كجماعات مختلفة تخضع لحركيات تاريخية وظيفية ودينية مختلفة. ولعل أكبر خطأ وقع فيه بوروخوف هو استهانته بالوجود العربي في فلسطين واكتفاؤه بالإشارات العابرة إليه، وهو في هذا كان ضحية التجريد الصهيوني الذي كان دائماً يشير إلى «الأرض» (أو الأرض المقدسة أو إرتس يسرائيل) التي تنتظر ساكنيها الغائبين آلاف السنين وكأن التاريخ توقَّف كليةً. وقد قُدِّر لهذه المشكلة التي كان يُتصوَّر أنها هينة وعرضية أن تترك أثرها العميق لا في الدولة الصهيونية فحسب بل في يهود العالم جميعاً. بل يمكننا أن نقول إن طريقة حسم هذه المشكلة العرضية هي التي ستحدد مصير المستوطنين اليهود في المنطقة بيرل كاتزنلسون (1887-1944 (Berl Katzenelson صحفي وزعيم صهيوني عمالي، وابن تاجر روسي. وقع تحت تأثير الجماعات اليهودية الاشتراكية الروسية منذ شبابه، وتأثر على وجه خاص بفكرة شذوذ الهيكل الاقتصادي لأعضاء الجماعات اليهودية. كان من دعاة الصهيونية الإقليمية، ولكنه هاجر عام 1909 إلى فلسطين ضمن أفراد الهجرة الثانية حيث اشتغل كعامل زراعي في عدة مستوطنات، كما ساهم في تأسيس عدة تنظيمات زراعية استيطانية (إيماناً منه بدين العمل الذي كان يبشر به صديقه جوردون) . وقد أصبح من أهم الشخصيات الصهيونية بين المستوطنين وفي صفوف الحركة الصهيونية العالمية. وأثناء الحرب العالمية الأولى، انضم إلى الفيلق اليهودي. وقد أثَّر كاتزنلسون في بن جوريون ونال منه لقب «المعلم» ، واشترك معه في تأسيس حزب اتحاد العمل ثم حزب الماباي فيما بعد. كما ساهم في إنشاء الهستدروت، وكان ممثلاً للهستدروت ولاتحاد العمل في عدة مؤتمرات محلية ودولية. رأس عام 1921 أول لجنة للهستدروت تتوجه إلى الولايات المتحدة، وشارك في تأسيس بنك العمال ومركز شباب الهستدروت، وأسس صحيفة دافار عام 1925، ورَأَس تحريرها حتى وفاته، كما ساهم في تأسيس دار النشر التابعة للهستدروت. وقد عارض اقتراحات التقسيم لإصراره على إقامة دولة يهودية خالصة على أرض إسرائيل (فلسطين) . وكان كاتزنلسون يؤمن بأن الصندوق القومي اليهودي هو أهم عنصر في بناء المجتمع العمالي، وقد عُيِّن مديراً له. وقد ساعد كاتزنلسون على الهجرة الإحلالية غير الشرعية، وقاوم الكتاب الأبيض الصادر عام 1939. وتعبِّر معظم كتاباته عن فكرة «الاستيطان الصهيوني الاشتراكي» حيث يحاول أن يمزج بين ما يُسمَّى «القومية اليهودية» وتقاليدها من جهة والاشتراكية من جهة أخرى (وذلك انطلاقاً من أفكار سيركين) . وكان كاتزنلسون من أكبر المدافعين عن التقاليد اليهودية، كما كان من الأصوات العمالية الأولى التي نادت بتنفيذ القوانين الخاصة بالطعام ويوم السبت، أي أنه كان يحاول المزج بين الصهيونية العمالية والصهيونية الإثنية العلمانية والدينية، وهي الصيغة التي قُدِّر لها النجاح في نهاية الأمر. وقد نُشرت كتاباته في 12 جزءاً في الفترة 46 ـ 1960. يتسحاق تابنكين (1887-1973 (Yetzhak Tabenkin زعيم صهيوني عمالي، وأحد مؤسسي حركة الكيبوتس الموحَّد ومن أهم منظريها. وُلد في روسيا وتلقَّى تعليماً دينياً في طفولته ثم تلقَّى تعليماً علمانياً في وارسو وفيينا. استوطن فلسطين عام 1912 وكان من أوائل منظمي الزراعة المسلحة فيها وكان من مؤسسي الهستدروت (1920) والماباي (1930) . وقد عارض تابنكين الاتفاق المبرم بين بن جوريون والتصحيحيين، كما عارض قرار التقسيم وطالب بأن يكون الاستيطان في كل إرتس يسرائيل. وحينما انقسمت الحركة العمالية عام 1944، كان تابنكين أحد مؤسسي حزب المابام. وكان عضواً فى كل مؤتمر صهيوني عُقد بعد الحرب العالمية الأولى حتى عام 1959. وبعد عام 1967، كان من المطالبين بأن تحتفظ إسرائيل بكل الأرض التي ضُمَّت وأن تصبح جزءاً لا يتجزأ من دولة إسرائيل. له عدة مؤلفات عن الكيبوتس. حاييم أرلوسوروف (1899-1933 (Hayyim Arlosoroff زعيم صهيوني وأحد قادة الحركة الصهيونية العمالية. وُلد في أوكرانيا حيث كان جده حاخاماً بارزاً، وانتقل مع والديه إلى ألمانيا عام 1905 حيث درس الاقتصاد في جامعة برلين وساعد في إنشاء جماعة العامل الفتي. وقد حاول أرلوسوروف مَزْج الأفكار الاشتراكية بالصهيونية في كتيب الاشتراكية الشعبية اليهودية (1919) ، ولفت الأنظار إليه بتقديمه أفكاراً جديدة لتمويل المستعمرات الصهيونية. وقد انتقل أرلوسوروف إلى فلسطين عام 1924، ومثَّل صهاينة فلسطين في عصبة الأمم، وزار الولايات المتحدة في هذه الفترة وكتب عن الجماعة اليهودية هناك واتصل بجماعات الطلبة اليهود الأمريكية كممثل للمنظمة الصهيونية العالمية. وقد انتُخب عضواً في اللجنة التنفيذية للمنظمة ورئيساً للإدارة السياسية بها عام 1931، واشترك أرلوسوروف في عقد اتفاق الهعفراه بين المنظمة الصهيونية وحكومة ألمانيا النازية لتسهيل هجرة اليهود الألمان إلى فلسطين. وفي نهاية حياته، دعا أرلوسوروف إلى اتباع سياسة متشدِّدة في فلسطين خشية ألا يتم تحقيق قيام الدولة الصهيونية بسبب موقف بريطانيا المُتقلِّب وغير المأمون نتيجة ظروف الحرب العالمية الثانية. وقد قُتل عام 1933 بطريقة غامضة، فاتهم الصهاينة العماليون بعض الصهاينة التصحيحيين بقتله، فحُوكموا وأُدين أحدهم. غير أن الدفاع أصر على أن العرب هم الذين قاموا بالحادث. وقد تسبَّب الحادث في المزيد من الانشقاق في الحركة الصهيونية بين العناصر الصهيونية التصحيحية والعناصر الصهيونية العمالية. وقد ادعى التصحيحيون أن الحادث أُلصق بهم، وطالب مناحم بيجين بفتح باب التحقيق في الموضوع من جديد. وقد نُشرت أعمال أرلوسوروف بعد موته، وهي تتضمن تحليلات سياسية واقتصادية وتأريخاً للاستعمار في العالم وقطعاً شعرية بالإضافة إلى مذكراته. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
الصهيونية الثقافية
Cultural Zionism «الصهيونية الثقافية» مصطلح شائع في الأدبيات الصهيونية. وهو، مثل كثير من المصطلحات الصهيونية، غير دقيق ويرادف مصطلح «الصهيونية الروحية» . وتذهب الصهيونية الثقافية إلى أن المشروع الصهيوني لابد أن يكون ذا بُعْد ثقافي إثني وروحي (بالمعنى العلماني للكلمة) . ونقترح اصطلاح «صهيونية إثنية علمانية» بديلاً لهذا المصطلح، لأن الصهيونية الإثنية تجعل الإثنوس اليهودي (أي الشعب اليهودي أو روحه) بمنزلة اللوجوس أو المطلق الكامن في النسق. الصهيونية الروحية Sprititual Zionism «الصهيونية الروحية» مصطلح شائع في الأدبيات الصهيونية، وهو مرادف لمصطلح «الصهيونية الثقافية» . وهو أيضاً، مثله مثل معظم المصطلحات الصهيونية، غير دقيق. وتذهب الصهيونية الروحية إلى أن المشروع الصهيوني لابد أن يعبِّر عن روح الأمة اليهودية (أي إثنيتها) . ولذا، فنحن نشير إليها بمصطلح «الصهيونية الإثنية العلمانية» . الصهيونية العلمانية Secular Zionism نستخدم أحياناً مصطلح «الصهيونية العلمانية» بدلاً من «الصهيونية الإثنية العلمانية» من قبيل الاختصار. وما نعنيه بطبيعة الحال هو المصطلح الثاني. الصهيونية الدينية Religious Zionism «الصهيونية الدينية» مصطلح يشير إلى التيار الصهيوني الذي يرى ضرورة أن يكون المشروع الصهيوني مشروع إحياء ديني، وأن رسالة الصهيونية هي إحياء اليهودية (لا اليهود) ، ونحن نفضل مصطلح «الصهيونية الإثنية الدينية» لأن هذه الصهيونية تنظر إلى الدين من منظور حلولي عضوي يساوي بين الشعب والإله، ويجعل الشعب (والإثنية اليهودية) في منزلة الإله. وعلاوة على ذلك، فإن مصطلح «الصهيونية الإثنية الدينية» يؤكد العلاقة بين هذا التيار الصهيوني وتيارالصهيونية الإثنية العلمانية، فهما تياران متشابهان في كثير من الأطروحات الجوهرية، وينحصر الاختلاف في مصدر القداسة التي يتمتع بها الإثنوس أو الشعب اليهودي. ومع هذا نستخدم مصطلح «الصهيونية الدينية» أحياناً من قبيل الاختصار. وما نعنيه بطبيعة الحال هو «الصهيونية الإثنية الدينية» . الصهيونية الإثنية (الدينية والعلمانية ( Ethnic Zionism (Religious and Secular) » الصهيونية الإثنية» تيار صهيوني يتعامل مع المادة البشرية اليهودية من منظور الهوية والوعي ومعنى الوجود. وقد ساهم هذا التيار في تهويد الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة عن طريق إسقاط المصطلحات الحلولية العضوية عليها وهي تتفرع إلى اتجاهين أو تيارين: صهيونية إثنية دينية وصهيونية إثنية علمانية. والصهيونية الإثنية الدينية تدور في إطار الحلولية في مرحلة وحدة الوجود الروحية، أما الصهيونية الإثنية العلمانية فتدور في إطار الحلولية في مرحلة وحدة الوجود المادية (فهي حلولية بدون إله ( ويرى أصحاب التيار الأول أن الدين اليهودي هو أساس القومية اليهودية ولا يمكن أن تقوم لها قائمة بدونه، أما أصحاب التيار الثاني فيذهبون إلى أن الدين اليهودي إن هو إلا أحد أبعاد القومية اليهودية. وكلا الفريقين يدعو إلى الإثنية اليهودية ولا يختلفان إلا في مصدر هذه الإثنية: أهو العقيدة اليهودية أم ما يسمونه «التاريخ اليهودي» و «الثقافة اليهودية» . ويجدر التنبيه إلى أن هناك وحدة بين تياري الصهيونية الإثنية وتماثلاً في الاتجاه، فكلاهما يجعل الشعب اليهودي شيئاً مطلقاً مقدَّساً يتسم بالوحدة العضوية. ولكن، بينما يُفسِّر التيار الإثني الديني هذا التماسك العضوي على أساس ميتافيزيقي (حلول الإله في الشعب) ، يفسر الفريق العلماني التماسك على أساس مادي (العملية التاريخية) أو روح الشعب (أو ما نسميه حلولية بدون إله) . وقد وصل بن جوريون فيما بعد إلى صيغة توفيقية حين صرح بأنه إذا كان الإله قد اختار الشعب فإن الشعب قد اختار الإله. وعلى كل حال، فإن الحاخام إسحق كوك كان كثيراً ما ينسى صيغته الحلولية ويستخدم الصيغة العضوية دون حياء أو ديباجات. وقد اختتم إحدى مقالاته قائلاً: "ستتحقق عودتنا فقط إذا ما رافقت عظمتنا الروحية العودة إلى الجسد من أجل خلق جسم صحيح قوي وعضلات قوية تغلف روحاً ملتهبة"، وهذه العبارات تليق بنيتشه وآحاد هعام. ويمكن القول بأن ثمة تقسيماً واضحاً بين تيارات الصهيونية الثلاثة الأساسية. فتتركز مهمة الصهيونية الدبلوماسية ثم العامة (التوطينية) في ضمان الدعم الإمبريالي وتجنيد أعضاء الجماعات اليهودية وراء المُستوطَن الصهيوني وترحيل الفائض منهم. وكانت مهمة الصهيونية العمالية (الاستيطانية) هي توطين هذا الفائض في فلسطين من خلال مؤسسات استيطانية مختلفة ذات طابع زراعي عسكري. وعلى هذا، فإن لكل صهيونية منها برنامجاً سياسياً واقتصادياً يغطي مجالها ونشاطاتها. أما الصهيونية الإثنية، بشقيها الديني والعلماني، فلم يكن يعنيها كثيراً التوجه الاقتصادي أو السياسي، ذلك أنها كانت تتعامل مع مستوى التعبير والوعي ومعنى الوجود. وقد حدَّدت مجالها بأنه "اليهود" أينما كانوا في الداخل والخارج، فهم شعب متميِّز ذو تاريخ متميِّز، وحددت وظيفتها بأنها الإتيان بالعلاج الناجع لمشاكل اليهود الروحية (مشكلة المعنى) ، وخلق الوعي اليهودي، وتطهير الفكر الصهيوني من المفاهيم الاندماجية كافة، وتعميق مفهوم الشعب اليهودي بالإصرار على هوية يهودية محددة للمشروع الصهيوني بحيث لا يكون هدفه أن يصبح اليهود شعباً مثل كل الشعوب، له دولة مثل كل الدول، وإنما يهدف إلى تعميق الهوية والوعي اليهوديين وإلى إضفاء معنى يهودي على الوجود اليهودي سواء في فلسطين أو خارجها. والدولة التي ستُؤسَّس ـ من منظور الصهيونية الإثنية ـ يجب ألا تكون دولة يهود وحسب وإنما يجب أن تكون دولة يهودية شكلاً ومضموناً. ويهدف هذا التيار إلى فرض العزلة الإثنية على اليهود في الخارج حتى يمكن تجنيد أعضاء الجماعات اليهودية وراء المُستوطَن وإعطاء المستوطنين في الداخل إطاراً عقائدياً ذا بعد زمني بحيث يمكن إضفاء القداسة على الرموز القومية فتتحول فلسطين إلى مركز روحي (بالمعنى الإثني الديني أو بالمعنى الإثني العلماني ( كما تَجدُر ملاحظة أن دعاة الخطاب الإثني باتجاهيه الإثني الديني والإثني العلماني، نظراً لتركيزهم على مشاكل الهوية، لم يكن لهم فكر سياسي أو اقتصادي مستقل. فقد تركوا هذه الصياغات لبنسكر وهرتزل وبوروخوف وجابوتنسكي وغيرهم من الصهاينة، وركزوا هم على الديباجات الإثنية أكثر من تركيزهم على الأمور السياسية أو الاقتصادية، فهم يتحدثون عن لغة الدولة القومية ونوعية القوانين التي ستسود فيها (من منظور إثني) وعلاقتها بالتراث اليهودي ومدى توافق سلوك مستوطنيها مع القيم الإثنية (الدينية أو العلمانية) اليهودية. وقد اهتموا كذلك بالمشاريع الثقافية التي تُوحِّد وعي يهود العالم، وبعلاقة يهود العالم بالدولة المزمع تشييدها. ولا يعني هذا أنهم لم يكونوا ملتزمين بالصيغة الأساسية الشاملة (ولا بالإيمان بأزلية معاداة اليهود أو بفكرة الشعب أو الاعتماد على الدول العظمى) . فكل فكرهم ينطلق منه ويفترضه ويستند إليه. وإذا كان آحاد هعام قد تَذبذَب لفترة قصيرة بشأن ضرورة إنشاء الدولة الصهيونية، إلا أن هذا التذبذب لم يَدُم طويلاً، كما أنه لم يعارض قط فكرة نَقْل الفائض اليهودي من شرق أوربا إلى فلسطين. وإذا كان ذبح العرب قد سبَّب له بعض القلق لبعض الوقت، فإنه استمر في دعم المشروع الصهيوني وإسداء النصح لوايزمان في الفترة التي سبقت وعد بلفور. وقد استوطن هو نفسه فلسطين في نهاية الأمر دون أن يبين كيف يمكن تنفيذ المشروع الصهيوني دون التخلص من العرب. أما بالنسبة إلى المتدينين، فإن الأمر لا يختلف كثيراً. وأثناء ثورة 1929 في فلسطين، اتهم كوك البريطانيين بالتقاعس عن حماية اليهود، كما اتخذ موقفاً متشدداً أثناء الانتفاضة التي قامت دفاعاً عن البراق (حائط المبكى ( وبالنظر إلى عدم تَعارُض مجال الصهيونية الإثنية مع مجالات الصياغات الصهيونية الأخرى، فإننا نجد أن معارك دعاة هذا التيار كانت تدور إما فيما بينهم، أو بينهم وبين قيادة أحباء صهيون ودعاة الصهيونية الدبلوماسية فيما يختص بالقضايا الدينية والثقافية وحدها. وقد وقع أحد التصادمات بين الإثنيين الدينيين وقيادة جماعة أحباء صهيون عام 1888 ـ 1889، وهي سنة سبتية يُحرَّم فيها على اليهود زراعة الأرض حسب التعاليم الدينية اليهودية. ولا يسري هذا التحريم إلا بعد عودة اليهود إلى أرض الميعاد واستعادتهم إياها، كما أنه لا يسري إن كانت الأرض ملكاً للأغيار. ولكن المستوطنين اليهود استمروا مع هذا في زراعتها رغم ملكيتهم لها. وقد تَطوَّع الحاخام موهيليفر وأفتى بإمكانية بيع الأرض إلى أحد الأغيار، فتعود إلى غير اليهود، ويحل لليهود بالتالي زراعتها (وهو أمر استمر حتى الوقت الحاضر إذ تقوم الدولة الصهيونية ببيع أرض إسرائيل كل ست سنوات إلى أحد المواطنين غير اليهود ثم تشتريها منه مرة أخرى بعد انتهاء السنة السبتية!) . وقد حاول المتدينون عزل بنسكر في مؤتمر جماعة أحباء صهيون الذي عُقد في دروسكينكي (1887) ، ففشلوا في ذلك ولكنهم نجحوا في تعيين ثلاثة حاخامات في اللجنة التنفيذية. وقد حدث أيضاً حوار ساخن بين الإثنيين العلمانيين وصهاينة أحباء صهيون التسلليين عندما كتب آحاد هعام إحدى مقالاته "ليس هذا هو الطريق" ليبين أن المتسللين إلى فلسطين فقدوا هويتهم اليهودية واستوعبتهم عملية البقاء المادي وأهملوا عالم الروح والهوية. ثم تَحوَّل هذا الحوار الساخن إلى نقد صريح لمشروع هرتزل وفكره فيما بعد. وقد بلغ رفض آحاد هعام الصيغة الهرتزلية مداه حينما اقترح في مؤتمر منسك (الذي عقده الصهاينة الروس عام 1902) الانشقاق عن المنظمة الصهيونية لتأسيس منظمة صهيونية ثقافية مستقلة تدافع عن الخطاب الإثني بين اليهود أينما كانوا. وقد احتدم النزاع كذلك بين دعاة اتجاهي الخطاب الإثني. ولذا، فقد اضطر العلمانيون حينما ازداد نفوذ الدينيين في مؤتمر فلنا (1889) إلى تأسيس جماعة بني موسى (على غرار المحافل الماسونية) ولكنها حُلَّت عام 1897. وقد حُسم الصراع بين الصهاينة الإثنيين والصهاينة الذين لا يهتمون كثيراً بالإثنية مع صدور وعد بلفور. ومع استيلاء العناصر اليهودية من شرق أوربا على المنظمة، وتقسيم العمل بين التوطينيين والاستيطانيين، وقد أصبحت الهوية اليهودية الرقعة المشتركة بين الجميع، وتَقبَّل الصهاينة التوطينيون فكرة الهوية اليهودية ما دامت لا تتعارض مع ولائهم لأوطانهم. ولكن الصراع داخل التيار الإثني استمر بين الدينيين والعلمانيين (إذ أن الصراعات الأخرى بين التيارات الصهيونية الأخرى تتم على المستوىين السياسي والاقتصادي) . ومن أهم الصراعات التي تدور بين الاتجاهين، الصراع بشأن الهوية اليهودية (من هو اليهودي؟) . وكما أسلفنا، فقد نشبت الخلافات عدة مرات بين الفريقين الإثني الديني والإثني العلماني، وتم تعليق الخلاف في برنامج بازل. وأثناء إعداد وثيقة إعلان الدولة (التي يُقال لها وثيقة «إعلان استقلال إسرائيل» ) ، نشب خلاف بين الصهاينة الدينيين والصهاينة العلمانيين حول عبارة "واضعين ثقتنا في الإله" التي أصر المتدينيون على ذكرها في الديباجة. وقد حُلَّ الخلاف عن طريق صياغة صهيونية مراوغة، ألا وهي عبارة «تسور يسرائيل» التي تعني حرفياً «صخرة إسرائيل» ، وهي عبارة غامضة تؤدي معنى لا دينياً لللادينيين ومعنى دينياً لدعاة الصهيونية الدينية. ويبدو أن الدينيين حاولوا كذلك أن تشير الديباجة إلى الوعد الإلهي لجماعة يسرائيل ولكنهم أخفقوا. ولكي يتم إرضاؤهم، جاءت الديباجة مبهمة تحمل كل المعاني الممكنة: "إرتس يسرائيل هي المكان الذي وُلد فيه الشعب اليهودي، وهنا اكتسبت هويتهم الروحية والدينية والسياسية شكلها، وهنا شيَّدوا أول دولة لهم وخلقوا قيماً حضارية ذات مغزى قومي عالمي، وأعطوا العالم كتاب الكتب الأزلي". والإشارة هنا إلى ميلاد الشعب اليهودي الذي يمكن تعريفه دينياً أو علمانياً، وإلى هويته التي يمكن تعريفها على أسس روحية (والكلمة تعني في الأدبيات الصهيونية «إثنية لادينية» إذ تجري الإشارة إلى صهيونية آحاد هعام على أنها «صهيونية روحية» ) أو على أسس دينية أو سياسية عامة. و «كتاب الكتب الأزلي» أي «الكتاب المقدَّس» يُشار إليه باعتباره الكتاب الذي أعطاه الشعب اليهودي للعالم (دون تحديد ما إذا كان جزءاً من فلكلور هذا الشعب أو مُرسَل من الإله) . ونجد في برنامج القدس (1968) استمراراً للصيغ المبهمة نفسها، فإسرائيل قامت على أساس رؤية الأنبياء للعدل والسلام التي يمكن أن تكون مُرسَلة من الإله أو تكون من صنع البشر. كما يشير البرنامج إلى ضرورة الحفاظ على هوية الشعب اليهودي من خلال تشجيع التربية اليهودية والعبرية والقيم الروحية والثقافية اليهودية. ولعل الإشارة إلى التربية اليهودية والعبرية هي في واقع الأمر إشارة إلى التربية الإثنية الدينية والعلمانية. الصهيونية الإثنية الدينية Religious Ethnic Zionism » الصهيونية الإثنية الدينية» تيار صهيوني يتقبل معظم مقولات الصهيونية الأساسية الشاملة بعد إدخال ديباجة إثنية دينية عليها. وحينما ظهرت الصهيونية برفضها العميق لليهود واليهودية تَصدَّى لها كثير من المتدينين (الأرثوذكس والإصلاحيين) ، باعتبارها هرطقة وكُفراً وإلحاداً ونكوصاً. وإذا كان الصهاينة قد أعلنوا عزمهم غزو الجماعات اليهودية، فإنهم قد قرروا أن يُغيِّروا اليهودية نفسها ويعلمنوها من الداخل حتى ولو لم يعلنوا عن ذلك. ولعل مما يسَّر هذه العملية عدة عوامل من أهمها أن اليهودية نفسها في أواخر القرن التاسع عشر كانت تمر بأزمة حادة بعد خروجها من الجيتو. فعالم الأغيار في الغرب قد أثبت جاذبيته الشديدة، كما أن اليهودية كانت قد أجادت التعامل مع العالم من داخل أسوار الجيتو والعزلة، ولكنها لم تكن بعد قد أجادت التعامل معه في إطار الإعتاق والاستنارة والمساواة. ولعل زيادة علمنة المجتمع الغربي وانتشار العلم والتكنولوجيا قد جعلا استمرار اليهودية صعباً، وخصوصاً أن اليهودية الحاخامية كانت قد تجمدت وأصبحت مثل القشرة اليابسة. وقد تهاوت مع اليهودية المؤسسات التقليدية التي ساعدت الحاخامات وأثرياء اليهود على إحكام قبضتهم على جماهير اليهود، مثل القهال. وقد ساهمت حركة التنوير في خلق جيل جديد من شباب اليهود الذي كان يتحرك بيُسر بين عالم اليهود وعالم الأغيار ويجيد علوم الغرب، وأصبحت القيادة الحاخامية معزولة عن هذا الوضع الجديد. ومما زاد الأمور سوءاً أن اليهودية نفسها كانت منقسمة بحدة إلى المؤسسة الحاخامية التقليدية والحركة الحسيدية التي اكتسحت شرق أوربا، وهي حركة حلولية متصوفة تمثل احتجاجاً على وضع اليهود، وعلى جفاف العقيدة التلمودية. وقد أحست المؤسسة الدينية بأن الوضع آخذ في الانهيار. وربما كان أكبر دليل على ذلك انتشار اليهودية الإصلاحية وما تبع ذلك من زيجات مُختلَطة، حتى أن الحديث عن اختفاء اليهود كان مطروحاً بين علماء الاجتماع في الغرب. في هذا السياق، كان للعقيدة الصهيونية في صياغتها المراوغة (المتمثلة في برنامج بازل) بريقها. فهي، رغم هجومها على اليهود واليهودية، قد استخدمت كل الرموز التقليدية من عودة إلى صهيون والأرض المقدَّسة والشعب المقدَّس. ودولة اليهود التي تحدَّث عنها هرتزل تُشبه في نهاية الأمر الجيتو والقهال من بعض الوجوه، فهي دولة بدون أغيار. وكان أعضاء المؤسسة الدينية يدركون مدى حدة معاداة اليهود في أوربا عامة، وأكثر من هذا مدى خطورة الاندماج والعلمانية. ولذا، فلم يكن من العسير عليهم أن يأخذوا بالصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة المُهوَّدة (بعد صهينة اليهودية ( وعلى كلٍّ، فإن هرتزل نفسه لم يمانع في إنشاء حزب ديني بل رحب به قبل فاته، وقام بتمويل حزب مزراحي، حيث أدرك أنه لا تعارض حقيقياً بين صهيونيته الدبلوماسية التي تهدف إلى إخلاء أوربا من يهودها وبين الخطاب الإثني الديني. كما أن دعاة الصهيونية الدبلوماسية وجدوا أنه قد يكون من المفيد استخدام الدين لتجنيد اليهود، بل إزالة الفوارق بين الصهيونية واليهودية في نهاية الأمر بحيث يتم تهويد الصهيونية وصهينة اليهودية. وقد اتخذ المؤتمر الصهيوني الخامس (1901) قراراً بتأسيس حركة دينية تُسهم في تثقيف اليهود بروح القومية اليهودية، أي تُظهر التلاحم الكامل بين القومية والدين. وقد طوَّر الصهاينة الدينيون هذا البرنامج، فطرحوا الأفكار الدينية التقليدية كافة بعد تفريغها من بُعدها الأخلاقي وتأكيد بُعدها الإثني، فأعادوا صياغة فكرة العودة بطريقة تتفق مع متطلبات الاستيطان الصهيوني، فتم تفسير الاستيطان (أو العودة الجسدية الفعلية إلى فلسطين) الذي كان يُعَدُّ هرطقة من المنظور الديني التقليدي باعتباره مجرد إعداد لعودة الماشيَّح. بل إن فكرة القومية العضوية نفسها تم التعبير عنها من خلال الصيغة الحلولية، فالصهاينة الدينيون يرون أن اليهود أمة ولكنهم أمة تختلف عن بقية الأمم لأن الإله هو الذي أسسها بنفسه، فهم يدورون في إطار المفهوم الحلولي الخاص بوحدة التوراة والأمة وأن اليهود كشعب لا يمكنه الاستمرار بدون التوراة. وأن هذه الوحدة، مع هذا، لا يمكن أن تأخذ شكلها الكامل خارج فلسطين، أي أن عناصر الثالوث الحلولي: الأمة والكتاب والأرض لابد أن تلتحم، وبالتحامها تنبجس عبقرية الأمة كالينبوع الذي تعود له الحياة فجأة، والذي لا تملك البشرية الخلاص دون فيضه السخي. وهذه الفكرة هي فكرة القومية العضوية نفسها بعد أن اكتسبت ديباجة دينية حلولية. بل إن مفكري الصهيونية الدينية كانوا من المؤمنين بأن علمانية الصهيونية الظاهرة هي مجرد وهم، وأنها مجرد إطار ساهم هو نفسه في إحكام قبضة القيم الإثنية الدينية على الوجدان اليهودي، وأن المشروع الصهيوني سَيسقُط في يد الصهاينة الدينيين. وبهذا، تكون الصهيونية الدينية قد سوَّغت الصهيونية للمتدينين ولكنها تكون في الوقت نفسه قد قامت بصهينة الدين اليهودي حتى أصبح لا يختلف كثيراً عن الصياغة الإثنية التي طرحها آحاد هعام والتي لا تتعارض بأي شكل مع الصياغة الدبلوماسية التي طرحها هرتزل. وكما هو مُتوقَّع، نشب صراع حاد بين الصهاينة الإثنيين الدينيين والصهاينة الإثنيين العلمانيين، فهم يتحركون في المجال نفسه، منطقة الوعي وإدراك الهوية ومعنى الوجود. وقد كان الصراع حاداً منذ البداية، منذ أحباء صهيون، واستقرت حدته بعد ظهور هرتزل داخل المؤتمرات الصهيونية المختلفة، وقد هدأت الأمور قليلاً بعد وعد بلفور وتقسيم مناطق النفوذ بين الصهيونية العمالية التي تبنت الصيغة الإثنية العلمانية والصهيونية الدينية التي مُنحت الإشراف على المدارس الدينية وعلى المحاكم وبعض المؤسسات الأخرى. ومع ظهور أزمة الصهيونية وظهور مشكلة الشرعية داخل المُستوطَن الصهيوني بعد عام 1967، بدأ الاتجاه الإثني الديني يتغلب على الاتجاه الإثني العلماني حتى بدأ كثير من أعضاء النخبة الحاكمة في إسرائيل يدَّعي التدين ويستخدم مصطلحاً إثنياً دينياً، وأخيراً ظهر مائير كهانا وهو من أكبر دعاة الصهيونية الإثنية الدينية وهي صهيونية مُفرَّغة تماماً من أي مضمون خلقي أو ديني. والصهيونية الدينة في الوقت الحاضر هي العمود الفقري لليمين الصهيوني، والأرثوذكس هم طليعة الاستيطان في الضفة الغربية ودعاة صهيونية الأراضي بعد أن أصبحت الأرض هي مركز القداسة، وأصبح التنازل عن أي شبر منها كفر وهرطقة (على عكس الأرثوذكس في الماضي الذين كانوا يرون العودة للأرض باعتبارها كفراً وهرطقة ( وأهم مفكري الصهيونية الإثنية الدينية هما موهيليفر وكوك. وتسيطر المؤسسة الصهيونية الدينية الآن على جمهور ثابت في الشارع الإسرائيلي عن طريق توليها شئون الدين والزواج والطلاق وشبكة واسعة من المدارس والمعاهد الدينية والمؤسسات المالية وحركات الاستيطان التابعة لها. والمشكلة الكبرى التي تواجهها الصهيونية الإثنية الدينية الآن أن أغلبية يهود العالم الساحقة ليست أرثوذكسية، كما أنها تعيش في مجتمعات علمانية تحقق لها قسطاً كبيراً من الحرية، ولذلك يصدمهم سلوك هذه المؤسسة التي تصر على الخطاب الإثني الديني وعلى تطبيق مقولاته، وتظهر المشكلة دائماً في شكل سؤال: من هو اليهودي؟ مزراحي (حركة ( Mizrahi » مزراحي» هو مزج لكلمتي «مركز» و «روحاني» ، وهما كلمتان عبريتان تطابقان في النطق والمعنى مثيلتيهما العربيتين. وقد طرحت الحركة شعار "أرض يسرائيل لشعب يسرائيل حسب شريعة وتوراة يسرائيل"، كما لُخِّص الشعار في عبارة «توراه وعفوداه» ، أي «التوراة والعمل» ، ومعناها أن على الصهيوني الحق المتدين أن يتعلم الشريعة اليهودية وأن يعمل بنشاط من أجل إعادة بناء إسرائيل. وقد أُثيرت قضية الدين في المؤتمر الصهيوني الثاني (1898) . وكان رد القيادة السياسية (العلمانية) هو أن الدين مسألة شخصية وأن المنظمة الصهيونية العالمية ليس لديها موقف رسمي منه. وقد كان هذا الموقف مقبولاً من المتدينين طالما لم يتوجه المشروع الصهيوني إلا للقضايا السياسية والاقتصادية، وهي قضايا تقع خارج نطاق الإثنية والعقيدة. ولكن حينما تَقرَّر (بناءً على طلب العصبة الديموقراطية) في المؤتمر الخامس (1901) أن تُشرف المنظمة على برنامج تربوي يقوم بعملية تعليم اليهود روح القومية (الإثنية) اليهودية بالمعنى العلماني الذي حدده آحاد هعام ودعاة الصهيونية الإثنية العلمانية، شعر المتدينون بأن هذا قد يؤدي إلى القضاء على اليهودية. وهنا قرر الحاخام يعقوب راينس عام 1902 تأسيس حزب ديني قوي داخل المنظمة الصهيونية. وفي العام نفسه، عُقد مؤتمر منسك الذي نظمه اليهود الروس وقد تم فيه الاعتراف بالاتجاهين الإثنيين: الديني والعلماني. وحينما اندلع الخلاف بينهما، تم حسمه عن طريق إقامة لجنتين متوازيتين إحداهما إثنية دينية والأخرى إثنية علمانية. وعندئذ قرَّر الصهاينة المتدينون إنشاء منظمة تُدعَى مزراحي. وقد قرَّرت مزراحي القيام بنشاط ديني داخل المنظمة وفي إطار الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة المتهودة (برنامج بازل) ، وهذا بمقتضى القرار الذي صدر في المؤتمر الخامس الذي سمح بتكوين اتحادات مستقلة داخل المنظمة. وعقدت منظمة مزراحي أول مؤتمر لها عام 1903، وعبَّر فيه بعض المتدينين عن اعتراضهم على قرارات منسك التي تضمنت الاعتراف بالصهيونية الإثنية العلمانية. وفي عام 1904، عُقد أول مؤتمر عالمي لحركة مزراحي ضم 100 مندوب، وهناك تمت صياغة برنامج الحركة الذي نص على الالتزام ببرنامج بازل وبالتوراة وبتنفيذ الأوامر والنواهي والعودة إلى أرض الآباء والبقاء داخل المنظمة الصهيونية ونشر الوعي الديني الإثني. ثم تم نقل مقر الرئاسة إلى فرانكفورت عام 1905، وهو العام الذي تم فيه الاعتراف بالمزراحي كتنظيم مستقل داخل المنظمة الصهيونية. وقد بدأت مزراحي نشاطها التثقيفي الواسع فنقلت نشاطها إلى فلسطين، وأنشأت أول مدرسة دينية عام 1908. وحينما أُثيرت قضية النشاط الصهيوني الثقافي في المؤتمر العاشر (1911) ، انسحب وفد مزراحي منه، ولكن تقرَّر بعد ذلك معارضة النشاط الثقافي دون الانسحاب من المنظمة. وانتقل مركز مزراحي إلى الولايات المتحدة عام 1913 ـ 1914، فتَوقَّف نشاطها لبعض الوقت في أوربا ولكنها عاودت النشاط مرة أخرى بعد وعد بلفور وأصبح لها فرع استيطاني. وقد تم تنظيم دار الحاخامية الأساسية والمحاكم الدينية اليهودية التي تسيطر عليها مزراحي، ثم تم تأسيس عمال مزراحي (هابوعيل هامزراحي) في القدس عام 1921، وأصبح للحركة بالتالي منظمتها الاستيطانية فأقامت أول مستوطنة تعاونية (موشاف) تابعة للحركة عام 1925 وأول مستوطنة جماعية (كيبوتس) عام 1930. وتمكنت الحركة من مد نفوذها عن طريق استيعاب أولاد المهاجرين وإيوائهم في المدارس الفنية والزراعية التابعة للحركة. وتتميَّز حركة مزراحي بالمقدرة على التنازل في الأمور الدينية، وهو ما أتاح التعاون بسهولة بينها وبين الصهيونية العمالية. ولحركة مزراحي فروع في كل العالم، ولها تنظيم نسائي وآخر شبابي. وترجمت الحركة نفسها في الداخل إلى أحزاب دينية تتبعها منظمات شبابية ونسائية. والمؤتمر العام للحركة يتكون من مجلس مزراحي العالمي (الذي يمثل يهود الخارج) واللجنة التنفيذية المشتركة لمزراحي وهابوعيل هامزراحي (الذي يمثل يهود الداخل) . ويتبع الحركة في الداخل عدة مدارس ومعاهد تعليمية وجامعة بار إيلان وعدد من المزارع الجماعية ومذابح شرعية ومؤسسات مالية مثل بنك هامزراحي وبنك هابوعيل هامزراحي وشركات بناء مساكن. وقد اندمج حزبا مزراحي وهابوعيل هامزراحي وكونا حزب المفدال (الحزب الديني القومي) الذي اشترك في كل الحكومات الائتلافية في إسرائيل. وكان الحزب، حتى عام 1967، قد حصر اهتمامه في استصدار التشريعات التي تمس الجوانب الدينية وحسب. ولكن بعد ذلك التاريخ سيطرت عليه تلك العناصر التي تدافع عن الاحتفاظ بأرض إسرائيل الكاملة، وهو الأمر الذي أدى إلى توسيع نطاق اهتمام الحزب بحيث أصبح يشمل كل السياسات الداخلية والخارجية. وقد انضم الحزب إلى وزارة الليكود عام 1977 و1981 وأيَّد سياسات مناحم بيجين، أي أن الحزب القومي الديني أصبح عنصراً أساسياً في اليمين الديني. أجودات إسرائيل Agudat Israel تأسَّست حركة أجودات إسرائيل عام 1912 كتنظيم ديني يضم جميع الجماعات الدينية الأرثوذكسية في ألمانيا وبولندا وليتوانيا (كمجموعة متحدة) ضد الحركة الصهيونية لمحاولة تغيير بنية ومضمون الحياة اليهودية. كما تصدَّت الحركة للحركات العلمانية الأخرى كافة، مثل البوند واليهودية الإصلاحية. وبعد بداية متعثرة اتخذ المؤتمر الصهيوني العاشر (1911) قراراً بضم مشاريع ثقافية (علمانية) ضمن برامجها، مما أدى إلى انسحاب بعض المندوبين الألمان وانضموا لجماعة أجودات إسرائيل، الأمر الذي أعطاها قوة دفع شديدة. وقد تكونت الحركة من خلال ثلاثة عناصر أساسية: 1 ـ الأرثوذكسية الجديدة الألمانيةمن أتباع سمسون هيرش، وهؤلاء كانوا يحاولون تنفيذ كل التعاليم الدينية وإقامة كل الشعائر مع شيء من التكيف مع البيئة غير اليهودية التي يعيش فيهااليهود. 2 ـ الأرثوذكسية المجرية. 3 ـ الأرثوذكسية البولندية. وهذان الفريقان الأخيران كانا يضمان العناصر الحسيدية وحاخامات الأكاديميات الليتوانية، وكانا يعارضان تبني المعارف الغربية. وكان أتباع الأرثوذكسية الألمانية والمجرية يرون أن الجماعات الأرثوذكسية يجب أن تفصل نفسها تماماً عن الجماعات اليهودية غير الأرثوذكسية، على عكس أتباع الأرثوذكسية البولندية وبعض قيادات الأرثوذكسية الألمانية فكانوا يرفضون هذا الموقف. وقد أعلنت الحركة أن برنامجها هو توحيد شعب إسرائيل حسب تعاليم التوراة بجميع مظاهر الحياة الاقتصادية والسياسية والروحية. وقد أسس المؤتمر التأسيسي ما يُسمَّى مجلس القيادات التوراتية، مهمته التأكد من عدم جنوح تنظيم أجودات إسرائيل عن تعاليم التوراة. وأقامت الجمعية فرعاً لها في فلسطين عام 1919، كما أقامت عام 1922 حركة عمالية في بولندا لمنع العمال من الانضمام للأحزاب الصهيونية. وقد أخذت الحركة شكلاً عالمياً عام 1927 حين افتتحت فروعاً في نيويورك ولندن والقدس. كما عارضت الحركة الاستيطان في فلسطين باعتباره تحدياً للأوامر الإلهية، ذلك أن تجميع المنفيين لا يمكن أن يتم إلا بمشيئة الإله وفي الوقت الذي يحدده. وقد قامت الجمعية بنشاط ضد الاستعمار الصهيوني والإنجليزي بالاشتراك مع العرب والمستوطنين اليهود المتدينين، وقامت بحملة إعلامية ضد الاستعمار الصهيوني إلى أن سقط أحد قوادها (جيكوب دي هان) صريعاً برصاص الصهاينة. ولم تعترف المنظمة بالمُستوطَن الصهيوني ولا بالحاخامية الأساسية، وكان لها محاكمها الحاخامية الخاصة، وطالبت السلطات البريطانية بالاعتراف بها كجماعة دينية يهودية مستقلة ولكن رُفض هذا الطلب. ومع الثلاثينيات، شهدت فلسطين وصول أعداد كبيرة من أعضاء الجمعية من بولندا. وقد وجد هؤلاء أن من الصعب عدم الاشتراك في النشاطات الصهيونية السياسية والاقتصادية، كما وصل يهود من الأرثوذكس الجدد ومن العناصر العلمانية من ألمانيا. وقد تم التحول عام 1937 في مؤتمر الجمعية إذ تَغلَّب التيار الصهيوني الذي يعارض عودة اليهود إسماً ولكنه يرى مع هذا ضرورة العودة لفلسطين للإعداد لمقدم الماشيَّح. وتعاونت حركة أجودات مع المنظمة الصهيونية، فظهر مندوبوها أمام اللجنة الملكية (لجنة بيل وشو) وصرحوا بأن وعد بلفور والانتداب يتفقان مع روح الوعد الإلهي بالخلاص، أي أنها تبنت الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة بعد إلباسها الديباجة الأرثوذكسية. وفي عام 1944، أقام حزب أجودات إسرائيل مزرعة جماعية (كيبوتس) بأموال الصندوق القومي اليهودي، وانضم أعضاء الحزب إلى منظمة الهاجاناه. ثم تعمَّقت العلاقة بهذا الاتفاق الذي صاغه بن جوريون وهو الاتفاق المعروف باسم «اتفاق الوضع الراهن» الذي بموجبه حصلت الحركة الصهيونية على تأييد الصهاينة المتدينين شريطة أن تحافظ الدولة الصهيونية الجديدة على "الوضع الراهن" كما هو في الأمور الدينية. وعشية قرار التقسيم بدأت أصوات مؤيدة لقيام إسرائيل ترتفع أكثر وأكثر داخل معسكر الأجوداه. وقد فسرت قرارات الأمم المتحدة وتعاطف المجتمع الدولي مع اليهود بأنها من مظاهر العناية الإلهية. وبدأ التوجه العام في أوساط اليهودية الأرثوذكسية ينتقل بالتدريج إلى موقف متوازن: الاعتراف الواقعي «دي فاكتو de facto» بالدولة بدون منحها اعترافاً قانونياً «دي جوري de jure» ، أي الرفض الأيديولوجي للدولة والتعامل مع مؤسساتها في آن واحد، أي أن الدولة الصهيونية لم تعد لها أية دلالة دينية خاصة، فهي مجرد مؤسسة يحكم عليها بمقدار ما تقرب الشعب إلى الإله والتوراة. واشترك حزب أجودات في المجلس المؤقت وفي العملية السياسية. ومع هذا، استمرت أجودات إسرائيل في التمحك بالمصطلح الديني الرافض للصهيونية، ورفضت التحدث عن الدولة فكانت تشير لها بأنها «السلطات اليهودية في فلسطين» . ويشير عزمي بشارة إلى أنه عندما ثار نقاش بين قيادة أجودات إسرائيل في فلسطين وقيادتها في الولايات المتحدة، التي عارضت الانضمام إلى الحكومة المؤقتة، كان تبرير القيادة المحلية لمشاركتها منطلقاً من موقف الضعف، موقف الأقلية المضطرة إلى الانضمام إلى الحكومة لتأمين مصالحها ـ لكن التطور استبدل منطق الضعف بمنطق القوة، منطق السلطة والتأثير فيها فيما بعد، لا لتأمين الحريات الدينية وإنما من أجل فرض الشرائع الدينية على الحياة اليومية للأكثرية العلمانية، ومن أجل تأمين المصادر المالية لمؤسسات الحركات الدينية من مدارس دينية وجمعيات خيرية ومراكز صحية وغير ذلك. ثم تزايدت معدلات الصهينة بعد عام 1967 حينما أصبح اليهود الأرثوذكس من غلاة المدافعين عن الاحتفاظ بأرض إسرائيل الكاملة ومن دعاة صهيونية الأراضي (انظر: «صهينة العناصر الدينية الأرثوذكسية بعد عام 1967» ) وقد ترجمت الحركة نفسها إلى حزب أجودات إسرائيل وعمال أجودات إسرائيل في الداخل، وينصب اهتمامها على الشئون الثقافية والتربوية. وقد شهد التيار الديني الصهيوني بعض الانقسامات داخل الدولة الصهيونية فتم تأسيس حزب ديغل هتوراه (لواء التوراة) الذي يمثل الطوائف اللتوانية (المتنجديم) ، ويوجد كذلك حزب شاس الذي يمثل السفارد. وقد تحوَّلت حركة أجودات إسرائيل المناوئة للصهيونية إلى حركة عنصرية ذات ديباجة دينية تلعب دوراً خطيراً في تنشئة الأجيال الجديدة في إسرائيل على كره العرب وتفرض عليها الخطاب الإثني الديني. ولا يزال هناك جناح صغير من أجودات إسرائيل يتمسك بموقفه الديني القديم ويناوئ الصهيونية ألا وهو جماعة الناطوري كارتا. إلياهو جوتماخر (1795-1874 (Elijah Guttmacher حاخام صهيوني وُلد في بوزن. درس القبَّالاه وعمل كحاخام في عدة أماكن من بينها جراتز في النمسا (منذ عام 1840 إلى تاريخ وفاته) ، حتى أن العديد من اليهود كانوا يحجون إليه. وقد كان جوتماخر من الحاخامات القلائل الذين قاموا بصهينة الفكرة المشيحانية. رفض جوتماخر فكرة انتظار الماشيَّح، ودعا إلى توجيه كل الجهود من أجل الإسراع بالخلاص وذلك عن طريق العمل البناء في أرض إسرائيل تمهيداً لمجئ الماشيَّح. وقد أعلن أنه "يجب على الأغنياء من شعبنا أن يشتروا الأرض في فلسطين لتوطين فقراء اليهود هناك، فتلك المسألة هي حجر الأساس للخلاص الكامل". وقد كانت فكرة استخدام أموال الأغنياء اليهود لتوطين فقراء اليهود في فلسطين هي الفكرة التي بُنيت عليها جمعية أحباء صهيون التي عارضت الحاخامات الأرثوذكسيين الاندماجيين. تسفي كاليشر (1795-1874 (Tzvi Kalischer حاخام بولندي روسي، ومن أوائل دعاة الصهيونية. وُلد في مدينة ليسا، وهي مدينة بولندية ضمتها بروسيا. ومع أن غالبية السكان كانت تتحدث البولندية، فإن الأقلية الألمانية كانت مهيمنة. وكانت السلطات البروسية تصنف اليهود الذين يتحدثون اليديشية على أنهم ألمان لزيادة عدد الأقلية الألمانية. وكان هذا مصدر غبطة لليهود الذين كانوا ينظرون إلى ألمانيا باعتبارها وطنهم الروحي، وقد أدَّى ذلك إلى التوتر بين اليهود والبولنديين، ولذا فقد كانت حركات التحرير البولندية القومية تنظر إلى اليهود باعتبارهم أقلية عميلة. وكانت المقاطعة أيضاً في منطقة حدودية بين يهود ألمانيا المندمجين ويهود اليديشية، ولذا فقد كانت حياة أعضاء الجماعة اليهودية فيها خليطاً من الحياة التقليدية السائدة في شرق أوربا والحياة اليهودية العصرية السائدة في غرب أوربا. وقد بدأت الحياة الفكرية عند كاليشر مع بدايات اليهودية الإصلاحية، فهاجمها مدافعاً عن القيم التقليدية، وخصوصاً فكرة الماشيَّح وأرض الميعاد. وكتاب كاليشر السعي لصهيون (1862) هو أول كتاب ظهر في شرق أوربا عن موضوع الاستيطان الزراعي وفلسطين، وهو مكتوب بالعبرية التقليدية الجامدة. ينطلق كاليشر من الرؤية الحلولية العضوية، فيقترح على اليهود أن يطرحوا الفكرة الدينية التقليدية جانباً ويأخذوا بزمام الأمور. وبدلاً من الانتظار السلبي للماشيَّح عليهم أن يعودوا بأنفسهم، فالعودة لن تتم بهجرة فجائية وخلاص إسرائيل سيأتي بأناة. والخلاص على الطريقة الحديثة سيبدأ بعودة بعض اليهود واستيطانهم الأرض المقدَّسة، على أن يتم ذلك بدعم الأمم وبموافقتها وبدعم المحسنين من أثرياء الغرب الذي سيحاولون الحصول على براءة من السلطان العثماني. ويمكن أن تُرسَل الصدقات (حالوقاه) لليشوف (المُستوطَن الديني التقليدي في فلسطين) ، ولكن يجب أن تتكون مؤسسة هدفها تشجيع الاستيطان في الأرض المقدَّسة يمولها أثرياء اليهود وتقوم بشراء المزارع والكروم وجني ثمارها. ويثير كاليشر قضية تطبيع الشخصية اليهودية ودمج اليهود في مجتمع الأمم. فبعد الاستيطان سيتحمس المستوطنون للعمل في الأرض بأيديهم، كما ستعمل سياسة الاستيطان على كسب احترام الأمم الأخرى لليهود، فهم سيقولون إن أعضاء جماعة يسرائيل لديهم الإرادة أن ينقذوا أرض أجدادهم التي أصبحت قاحلة ومهجورة. ثم يطلب كاليشر في نهاية المقال من اليهود أن يقتدوا بالأغيار "لماذا يضحي شعب إيطاليا وشعوب العالم من أجل أرض آبائهم ونحن لا نعمل شيئاً؟ لنقتد بالإيطاليين والبولونيين والمجريين [أصحاب القوميات العضوية] الذين ضحوا بكل شيء من أجل الاستقلال". إن الإطار هنا زماني دنيوي، فالعودة ستتم في الزمان وستستخدم آليات زمانية لتحقيق أهداف زمانية كتطبيع اليهود، وتحسين صورتهم، والحصول على أرض الأجداد. ولكن كاليشر، على طريقة الصهاينة الدينيين، يتدارك ويضيف ديباجة إثنية دينية، فاليهود يجب أن يكافحوا من أجل أرضهم لأن هدفهم ليس إحياء مجد الأسلاف وحسب وإنما العمل على إحياء مجد الإله الذي اختار صهيون. ويقول كاليشر أيضاً: "إذا قدَّمنا الخلاص للأرض بهذه الطريقة الدنيوية، فسوف تظهر لنا علامات الخلاص تدريجياً وسيسمع الإله للمستوطنين وسيسرع بيوم خلاصهم". وقد تَوصَّل كاليشر إلى صيغة الصهيونيتين، فقد أدرك من البداية أنه لن يهاجر سوى بعض اليهود وسيبقى الكثيرون في الخارج، وسيقوم المحسنون الأثرياء منهم بدعم المستوطنين. بل يبدو أن كاليشر اكتشف أيضاً الديباجات العمالية إذ يقول: "وشكل الاستيطان سيكون تعاونياً إذ سيتجمع يهود من روسيا وبولندا وألمانيا [وليس من الغرب المندمج] ويتلقون أجورهم من الشركة اليهودية ويتعلمون الزراعة تحت إشراف معلمين تعينهم الشركة. وبعد أن يتعلم الفرد منهم الزراعة سيُعطَى قطعة من الأرض يزرعها وستموله الشركة وستمول العملية كلها". وكتاب كاليشر من الوثائق الصهيونية الأولى التي حاولت تغييب العرب. فبعد أن استوطن فلسطين، اقترح أن يقوم المستوطنون بتنظيم جماعات حراسة تجمع بين العمل الزراعي والعسكري للدفاع عن النفس. ونجد في كتابات كاليشر الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة ونجد الملامح الأساسية للديباجة الإثنية الدينية والعلمانية بل العمالية، ولكن المشكلة الأساسية بالنسبة له (وبالنسبة لكل الرواد الصهاينة) أنهم كانوا يخلطون بين المشروع الذي يقترحونه، وهو مشروع استعماري، وبين مشاريع يهود الغرب لتوطين اليهود. فيهود الغرب لم يكونوا مهتمين بالمشروع الصهيوني إلا كمشروع لإنقاذ شرق أوربا والتخلص منهم. أما المضمون السياسي لهذا المشروع، فقد كانوا يرفضونه تماماً. كما أن كاليشر لم يدرك حدود الحركة، فأثرياء الغرب يمكنهم التوسط لدى حكوماتهم أو لدى الدولة العثمانية للإفراج عن اليهود أو رعاية أحوالهم، ولكنهم لم يكن في مقدورهم أن يطلبوا من حكوماتهم أن تتوسط لدى الباب العالي ليأذن لليهود باستيطان فلسطين. وقد وقع هرتزل في هذا الخطأ في البداية، ولكنه تدارك الأمر وطرح مشروعه على الدول الاستعمارية مباشرةً. وقد ساعدته الظروف التاريخية إذ أن الدولة العثمانية كان قد تقرَّر تقسيمها. وقد قرأ هس عن كتاب كاليشر، بعد أن كان قد فرغ من مؤلفه، فنوَّه به. بدأ النشاط العملي عند كاليشر عام 1836 بالكتابة إلى عميد الأثرياء اليهود في العالم (روتشيلد) في برلين ليشرح له نظريته الجديدة عن الخلاص دون انتظار الماشيَّح. وحين تأسست جمعية رعاية الاستيطان اليهودي في فلسطين في ألمانيا، انضم إليها. وفي عام 1864، كان كاليشر المسئول عن تأسيس اللجنة المركزية لاستعمار فلسطين في برلين. ثم ساهم في إقامة بعض الجمعيات الزراعية الاستيطانية، كما ساهم في توجيه نشاط الأليانس نحو إنشاء مدرسة زراعية (مكفاه إسرائيل) في فلسطين عام 1870. يهودا القلعي (1798-1878 (Yehudah Alkalai حاخام ورائد من رواد الفكر الصهيوني. وُلد في سيراييفو (في البوسنة والهرسك) والتي كانت جزءاً من الدولة العثمانية آنذاك، وفي وقت كانت فيه شبه جزيرة البلقان تمور بالصراعات القومية الحادة بين الصرب والبلغار والرومانيين. وكانت يوغسلافيا تُعَدُّ النقطة التي يلتقي فيها السفارد بالإشكناز، وتقع داخل الدولة العثمانية على مقربة من الإمبراطورية النمساوية وكلتاهما كانت إمبراطوريات تتعدد فيها الجماعات الإثنية والدينية. عمل حاخاماً للسفارد في ريمون، وكان متأثراً منذ صباه بالنزعات الصوفية القبَّالية، فكان من المؤمنين بأن عام 1840، وهو عام مؤتمر لندن الذي وضع حداً لآمال محمد علي في الاستقلال، سيكون بداية الخلاص المشيحاني. ولكن النبوءة لم تتحقق، فاضطر إلى أن يُعدِّل من موقفه من فكرة الماشيَّح. ولا تتسم كتابات القلعي بالتماسك أو التحدد أو التبلور، فقد كان يكتب بالعبرية التقليدية، وهي لغة شديدة الجمود، كما أن إطاره الفكري كان تقليدياً إلى أقصى حد. ومع هذا، فإن كتاباته هذه تشكل جزءاً من التراث الفكري الصهيوني في مرحلته الجنينية. إن نقطة انطلاقه، شأنه شأن كل الصهاينة الإثنيين الدينيين، هي رؤية حلولية عضوية تجعل الإله يحل في الشعب والأرض ومؤسساته القومية بحيث يصبح هو مصدر التماسك العضوي بينهما. فاليهود لا يليق بهم أن يُلقَّبوا «يسرائيل» إلا إذا كانوا في أرض يسرائيل، وبذلك تكون الرؤية الحلولية قد اقترنت بفكرة القومية العضوية السائدة في أوربا خارج إنجلترا وفرنسا. لهذا، لم يجد القلعي صعوبة كبيرة في المزاوجة بين الرؤية العضوية العلمانية والرؤية الحلولية الدينية. يذهب القلعي إلى أن اليهود يجب أن يتدخلوا بأنفسهم في مسار الأحداث بدلاً من انتظار عودة الماشيَّح، ويقوموا بتحديد الطريقة المناسبة للعودة وزمانها. واستناداً إلى بعض النصوص الحلولية وطرق التأويل المختلفة مثل الجماتريا، يقول القلعي إنه كخطوة أولى "يجب أن نعمل على إعادة اثنين وعشرين ألفاً إلى الأرض المقدَّسة. فهذه تهيئة ضرورية لحلول دلالات أخرى". فالخلاص لا يمكن أن يتم فجأة، والأرض يجب أن تُبنَى وتُعَدُّ وتُجَهَّز بالتدريج. وحتى يضفي شرعية على رؤيته الجديدة، فإنه يشير إلى عقيدة الماشيَّح الأول (المسيح بن يوسف) الذي سيشترك في حرب يأجوج ومأجوج وسيحاول تحرير أرض يسرائيل من الكفرة ولكنه سيَسقُط في المعركة، وبعد هذا سيأتي الماشيَّح الثاني والنهائي (المسيح بن داود) . وهو يفسر وجود الماشيَّح الأول بأنه يعني ضرورة أن يسبق العصر المشيحاني النهائي إعداد دنيوي إنساني. ثم يضيف أنه يجب النظر لرؤية الماشيَّح بن داود على أنها مجاز، فهي عملية ستأخذ في الأزمنة الحديثة شكل قيادة سياسية، ولذا سيبدأ الخلاص باليهود أنفسهم، هؤلاء الذين يجب أن يملكوا زمام أمورهم بأنفسهم ويُعجِّلوا بالنهاية (وهذا الموقف يُعَدُّ من المنظور الحاخامي التقليدي شكلاً من أشكال الهرطقة والتجديف ( وعملية تغيير متتالية الخلاص التقليدية (الماشيَّح ـ العودة ـ الخلاص) إلى متتالية جديدة (العودة للإعداد لوصول الماشيَّح ـ الماشيًَّح ـ الخلاص) هي الطريقة التي لجأت إليها الصهيونية الإثنية الدينية لصهينة أو تحديث اليهودية، ومن ثم أصبح بإمكان الصهاينة الملحدين أن يُسمُّوا أنفسهم يهوداً إذ أنهم يشاركون في عملية الاستيطان الصهيوني التي أصبحت عملية دينية هدفها الإعداد لمقدم الماشيَّح. وقد تَوصَّل القلعي لفكرة الصهيونيتين، فبيَّن أن بعض اليهود الفقراء سيهاجرون إلى فلسطين (صهيونية استيطانية) وسيبقى يهود عديدون في الخارج في أرض الشتات بعض الوقت "لمساعدة المستوطنين الأوائل في فلسطين"، أي أنه قام بتقسيم يهود العالم حسب الدور الذي سيلعبونه في الحركة الصهيونية. كما أنه تَوصَّل إلى أهمية إدخال الصيغة الإثنية على الصيغة الصهيونية. ويواكب ذلك بعث اللغة العبرية، فكل جالية يهودية تتكلم لغة تختلف عن الأخرى ولكل منها عادات مختلفة. وهو يرى أن العبرية يجب أن تكون أساس عملنا التعليمي بمعنى أنها ستكون لغة الدنيا لا لغة الدين كما كان يصر المتدينون. ثم يقترح القلعي تعيين مجلس من الوجهاء أو الحكماء يأخذ شكل مجلس يهودي عالمي أو منظمة يهودية عالمية للإشراف على عملية الهجرة وللحصول على تصريح من السلطان. ويقترح أيضاً تنظيم شركة على غرار شركات التأمين وشركات السكك الحديدية لاستئجار فلسطين من السلطان. ولا شك في أن هذه الشركة، بعد أن يعاد تسمية فلسطين باسم «إسرائيل» ، ستثير حماس يهود العالم فيساعدون هذه الشركة بكل وسيلة. وبعد إدراك ضرورة الحصول على التأييد المالي والسياسي لمشروعه، سافر القلعي إلى العواصم الأوربية (1851 ـ 1852) ووجَّه النداءات إلى كبار المموِّلين اليهود أمثال مونتفيوري وأدولف كريمييه، ونشر في لندن كتيباً يحمل أفكاره وأسس فيها أيضاً جمعية استيطانية لم تُعمَّر طويلاً. والتحق القلعي بجمعية استيطان فلسطين التي أسَّسها لورج في ألمانيا وقام بنشاط بارز في صفوفها. وفي عام 1871، زار فلسطين وأسَّس هناك جمعية استيطانية ما لبثت أن توقفت. ثم استقر نهائياً في فلسطين عام 1874. وقد قام بعض أتباعه بعد وفاته مباشرة بشراء أرض بتاح تكفا حيث أُقيمت أول مستعمرة يهودية زراعية في فلسطين. ويُلاحَظ أن القلعي تَوصَّل إلى الصيغة الصهيونية الأساسية، وإلى معظم الديباجات الإثنية الدينية والعلمانية، ولكن فكره لم يكن حديثاً بقدر كاف، فلم يكتشف حتمية الاستعانة بالإمبريالية الغربية لوضع الفكرة الصهيونية موضع التنفيذ، ولذا، فقد تَحرَّك داخل نطاق الجماعات اليهودية وحسب، كما توجَّه إلى أثرياء اليهود وبعض الساسة اليهود في الغرب. صمويل موهيليفر (1824-1898 (Samuel Mohilever حاخام روسي، وأحد مؤسسي حركة أحباء صهيون. تلقَّى ثقافة دينية. وتعمَّق في دراسة القبَّالاه والحسيدية وتواريخ الجماعات اليهودية، كما كانت له معرفة أيضاً بالرياضيات واللغات الروسية والألمانية والبولندية. وقد اشتغل بالتجارة بعض الوقت قبل قيامه بأعماله ومهامه الدينية التي قَبلْها كارهاً، ثم ذاع صيته كعالم تلمودي. وهو من أهم المدافعين عن التعليم اليهودي وممارسة الأعمال اليدوية والزراعة. وقد ساهم موهيليفر في تنظيم الهجرة إلى فلسطين، وأقنع كلاًّ من هيرش وروتشيلد بأن يساهما في تمويل ومساعدة الاستيطان اليهودي لفلسطين (التوجُّه إلى أغنياء اليهود هو دائماً الخطوة الأولى في أي عمل صهيوني ( وقد استمر موهيليفر نشيطاً في حركة أحباء صهيون رغم علمانيتها الواضحة، وحينما نشب الخلاف بين العلمانيين من أحباء صهيون ومناوئيهم، عُهد إليه بأن يعمل في أوساط المتدينين، وسمَّى مكتبه آنذاك «المركز الروحاني» ومنه جاءت كلمة «مزراحي» . وقد كان من الداعين لمؤتمر كاتوفيتش، وحاول أكثر من مرة الاستيلاء على قيادة أحباء صهيون دون جدوى. لم يتمكن موهيليفر من حضور المؤتمر الصهيوني الأول (1897) ولكنه بعث رسالة تؤيد برنامج المؤتمر وتَوجُّهه الدبلوماسي. ويبدو أنه لم يكن يدرك أن الصهيونية قد تَحوَّلت من مجرد حركة استيطانية لإنقاذ بعض اليهود إلى حركة استعمارية استيطانية، أي جزء من المشروع الاستعماري الغربي. ولذلك، فإن خطابه يتحدث عن ضرورة التدخل لدى الحكومة التركية " لكي تسمح لشعبنا بأن يشتري الأرض ويبني البيوت". وهو يرى ضرورة التعاون مع العلمانيين لأن وضع اليهود يشبه حال من تلتهم النيران بيته. ولذا، فهو يَقْبل مساعدة كل من يمد له يد العون. وقد طلب من المؤتمر تقديم الشكر "للمحسن الكبير البارون إدموند دي روتشيلد" الذي أنفق عشرة ملايين فرنك على الاستيطان. وطالب المؤتمر بألا يمس أموال الصدقة التي تُعطَى لفقراء اليهود والقدس بدافع التقوى الدينية. وهو، بموقفه هذا، كان يعبِّر تعبيراً دقيقاً عن مشاكل حركة أحباء صهيون التي لم تدرك قط حتمية الاعتماد على الإمبريالية الغربية لوضع المشروع الصهيوني موضع التنفيذ. ولكنه، مع هذا، بدأ يساهم في عملية التحديث بترويض اليهودية، فطالب بالتعاون مع اللادينيين ودعا إلى العودة للإقامة في فلسطين وشراء الأراضي وتعمير البيوت وزَرْع البساتين وفلاحة الأرض، بل يشير إلى أن العودة إحدى الوصايا الأساسية في التوراة وأن الحكماء اعتبروا هذه العودة بمنزلة الناموس الإلهي. وقد وجد موهيليفر سنداً لرؤيته التوفيقية هذه في التلمود الذي جاء فيه أن الإله يفضل أن يعيش أبناؤه في أرضهم، حتى ولو لم يُنفِّذوا تعاليم التوراة، على أن يعيشوا في المنفى ويُنفِّذوا تعاليمها (ولم يذكر الحاخام الصهيوني أن عكس هذا القول أيضاً ورد في التلمود ( ويذكر في خطابه كذلك أن القومية لا تتناقض مع عقيدة الماشيَّح، فالماشيَّح سيأتي ويجمع إسرائيل المشتتة ليسكن أبناؤها في بلدهم بدلاً من أن يظلوا هائمين على وجه الأرض يتنقلون من مكان إلى آخر. وقد بدأ موهيليفر تلك السلسلة الطويلة من الحاخامات الصهاينة الذين أصدروا الفتاوى لتذليل الصعاب أمام عملية الاستيطان. وحينما واجه المستوطنون اليهود مشكلة حلول السنة السبتية، كان موهيليفر ضمن الحاخامات "التقدميين" الذين أفتوا بإباحة بيع الأرض للأغيار بيعاً صورياً حتى يتمكن اليهود من زراعتها. موسى جلازنر (1856-1924 (Moses Glazner حاخام صهيوني أرثوذكسي وأحد القادة المؤسسين لحركة مزراحي في المجر ورومانيا. هاجم الأرثوذكس بشدة في المؤتمر التأسيسي لحركة مزراحي، كما نشر الأفكار الصهيونية بين الدوائر الأرثوذكسية، وألَّف عدة كتب في الشريعة اليهودية. هاجر إلى القدس عام 1923 ليشارك في النشاطات التعاونية والتربوية لحركة مزراحي، وتُوفي هناك عام 1924. أبراهام كوك (1865-1924 (Abraham Kook أهم مفكري الصهيونية الإثنية الدينية وأول حاخام أكبر لليهود الإشكناز في فلسطين. وُلد في شمال روسيا، وتلقى تعليمه الديني في إحدى المدارس التلمودية العليا، ثم هاجر إلى فلسطين عام 1904 واستقر فيها. وقد تَعرَّف كوك إلى تقاليد القبَّالاه وسعى وراء تجارب الإشراق الداخلية، والواقع أن كتاباته كلها مفعمة بروح قبَّالية وإيمان بالحلول الرباني في الشعب اليهودي. وتتلخص سيرة حياته ونشاطاته القومية الدينية في محاولة تقريب الصهيونية إلى المتدينين وتقريب المتدينين من الصهيونية. ويأخذ كوك بالصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة ويقوم بتهويدها تماماً من خلال ديباجته الدينية الصوفية الحلولية. فهو أولاً يرى أن المنفى حالة غير طبيعية، على عكس الرؤية التقليدية التي ترى المنفى جزءاً لا يتجزأ من التجربة الدينية عند اليهود فهي أمر الإله والعقاب الذي حاق باليهود نتيجة الذنوب التي اقترفوها. وحسب تصوُّره، لا يستطيع اليهودي أن يكون مخلصاً وصادقاً في أفكاره وعواطفه وخيالاته في أرض الشتات. فاليهودية في أرض الشتات ليس لها وجود حقيقي. وكما هو متوقَّع، لا يرفض كوك اليهودية التقليدية بشكل صريح، فهو يقوم بترويضها وتحديثها وعلمنتها من الداخل من خلال الديباجات الدينية وذلك عن طريق تغليب الطبقة الحلولية داخل تركيب اليهودية الجيولوجي التراكمي وتجَاهُل الطبقة التوحيدية تماماً حتى تتفق اليهودية قلباً وربما قالباً مع الصهيونية. ويطرح كوك رؤية حلولية للأمة اليهودية (حلولية بدون إله تقترب إلى حدٍّ كبير من فكرة القومية العضوية بل تترادف معها) ، فالإله يحل في الإنسان والمادة (الشعب اليهودي والأرض اليهودية) فيوحدهما في وحدة حلولية عضوية، والقومية الدينية والدين القومي هما في واقع الأمر القومية العضوية بعد أن يحل الإله في المادة ويصبح كامناً فيها تماماً. يؤكد كوك أن اليهود شعب، شعب واحد، واحد كوحدانية الكون (واحدية كونية) . ولكنه شعب من نوع خاص، فاليهودية دين قومي وقومية دينية. ولذا، فهو يهاجم دعاة العضوية الذين يتحدثون عن "روح الأمة" أو "روح الشعب العضوي" (بالألمانية: فولكس جايست Volksgeist، وبالعبرية: رواح ها أما) ويقول إنهم يخدعون أنفسهم، فما يسري في الأمة ليس قوة طبيعية عضوية وحسب، وإنما روح الإله نفسه. ولكن كوك يهاجم أيضاً المتدينين التقليديين الذين ينادون بأن مفهوم الأمة حسب العقيدة اليهودية لا علاقة له بالتعريفات القومية العلمانية الغربية الجديدة. يُسمِّي كوك هؤلاء «الانشطاريين» ، فريق منهم يحاول إسقاط العنصر الديني تماماً، والثاني يحاول إسقاط العنصر القومي تماماً أيضاً، أما كوك نفسه فيزيل كل الثنائيات ويرى أن ثمة تمازجاً كاملاً بين المطلق والنسبي وبين الخالق والمخلوق وبين القومية والدين، فكل عامل من عوامل الروح اليهودية يضم بشكل حتمي جميع جوانب نفسية الشعب اليهودي. ومن ثم، فإن فصل القومية عن الدين تزييف لكليهما، فثمة مادة إلهية تسري في جماعة يسرائيل تجعل روحها ملتصقة بروح الإله، بل إن روح يسرائيل وروح الإله شيء واحد (فهما من مادة واحدة) . هذا الإله الذي يكمن داخل الشعب هو مصدر روحهم القومية. ولذا، يجب على أعضاء هذا الشعب أن يدركوا حقيقة الإله الموجود داخلهم، ويدركوا من ثم حقيقة قوميتهم، فروح الإله تسري في الأرض سريانها في الشعب (وهنا يكتمل الثالوث الحلولي وهو نفسه الثالوث العضوي: الأرض والشعب والرابطة العضوية بينهما) . وكل ممتلكات اليهود القومية من أرض ولغة وتقاليد وتاريخ هي عروق تجري فيها روح الإله. ولذا، فإن أرض إسرائيل ليست شيئاً منفصلاً عن روح الشعب اليهودي، إنها جزء من جوهر الوجود اليهودي القومي ومرتبطة بحياة الوجود وبكيانه الداخلي ارتباطاً حلولياً عضوياً. والوحي المقدَّس لا يمكن أن يكون نقياً إلا في أرض إسرائيل (أما خارجها، في المنفى، فهو مُشوَّش ومُلوَّث وغير نقي) . فالتجسد الإلهي من خلال الشعب لا يمكن أن يتم إلا على الأرض المقدَّسة (وفي هذا عودة للوثنية القديمة وللعبادة القربانية المركزية) ، وكلما ازداد تعلُّق الشخص بأرض إسرائيل، زادت أفكاره طهارة، والطهارة هنا هي نتيجة التعلق بشيء مادي وهو الأرض وليس نتيجة فعل الخير. لكل هذا، تصبح العودة إلى الأرض المقدَّسة هي حل المسألة اليهودية، فهذا هو مصدر تميُّز اليهودية ولا أمل ليهود المنفى إلا بإعادة زَرْع أنفسهم في فلسطين والاعتماد على ينبوع الحياة الحقيقي المقدَّس الموجود في أرض إسرائيل وحدها. وإن عاد هذا الشعب ظهرت قدسيته الحقيقية، فهذا هو الطريق الوحيد لإعادة ولادة هذا الشعب (وهكذا يتحول الخطاب الاسترجاعي البروتستانتي والخطاب الاستيطاني الإمبريالي إلى خطاب صهيوني حلولي تجسدي) وكما هو الحال مع المنظومات الحلولية، فبعد أن يتعادل المطلق والنسبي، والكل والجزء، والخالق والمخلوقات، تَرجَح كفة المخلوقات المادية على الخالق، فينسى كوك الروح الإلهية ويتحدث بدلاً من ذلك عن القومية العضوية دون أية إشارة إلى إله أو دين. ولذلك فهو يشير إلى اليهود في أرض الشتات باعتبارهم جماعة أدارت ظهورها للحياة الطبيعية ولتطوير الأحاسيس، وأهملت كل ما له علاقة حسية بحقيقة الجسد، ينقصها الإيمان بقدسية الأرض التي لا تختلف عن قدسية الجسد، فأخذوا يتحللون بشكل مخيف (وليُلاحَظ أن المرجعية النهائية هنا هي الطبيعة والجسد) . والبعث القومي (الصهيوني) هو الحل، وبعدها ستقوم الحياة الحسية (الطبيعية) مرة أخرى، وسينشط الحلم الذي بدأ ينال منه التعب. ولكن القداسة هنا قداسة كامنة في المادة لا تتجاوزها، ومن ثم فهي لا تختلف عن القداسة التي يبحث عنها أهارون جوردون وغيره من الصهاينة العماليين الملحدين. ويقتبس كوك من المشناه العبارة التالية: "إن الإيمان يمكن التعبير عنه بقوة الحياة في الزرع، فالإنسان يمكن أن يبرهن على إيمانه بالحياة الأزلية عن طريق الزراعة". ثم ينهي كوك مقاله بعبارة دالة: "ستتحقق عودتنا فقط إذا ما رافقت عظمتنا الروحية عودة إلى الجسد من أجل جسم صحيح قوي وعضلات قوية تُغلِّف روحاً ملتهبة". وهذا الحديث لا يختلف البتة عن حديث داروين أو نيتشه، كما أنه لا يختلف عن الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية. وفي مثل هذه الأنساق، تتحول وحدة الوجود إلى علمانية إلحادية صريحة. في هذا الإطار الحلولي المادي التجسيدي، يصبح البعث السياسي وإنشاء الدولة اليهودية هو نفسه العصر المشيحاني. ويقدم كوك تاريخاً للدولة اليهودية ولاشتراك اليهود في معترك السياسة الدولية (وهي إشكالية العجز وانعدام السيادة) ، فيلاحظ أن قوى خارجية (وليس الإله) جعلت اليهود يضطرون إلى ترك هذه الحلبة، ولكن يبدو أن الانسحاب تم أيضاً برضاً تلقائي فقد كان العالم آثماً وقذراً ويتخلل الحياة السياسية فيه الكثير من الآثام. ولكن اليوم الذي سيصبح فيه العالم أكثر لطفاً قد دنا، ولذا يجب على اليهود أن يهيئوا أنفسهم ليحكموا دولة خاصة بهم. ثم يعطي كوك هذه الدولة طابعاً مشيحانياً حين يقول: "إن تأمين نظام العالم الذي تمزقه الحروب اليهودية يتطلب بناء الدولة اليهودية. وجميع الحضارات ستتجدد بولادة شعبنا من جديد". ومن الواضح أن هذه الأفكار إعادة إنتاج لفكرة مشاركة الشعب اليهودي للخالق في إصلاح الكون (تيقون) وفي استعادة الخالق لوجوده وكليته الروحية. وبعد ترويض اليهودية على هذا النحو، وبعد توليد الإلحاد من وحدة الوجود، لم يَعُد من الصعب تَبنِّي الصهيونية كعقيدة، وعقد الزواج بينها وبين اليهودية، مع افتراض أن اليهودية الحلولية هي التي ستحقق الانتصار النهائي. وقد كان كوك على يقين من أن جيل المستوطنين الصهاينة في فلسطين هو الجيل الذي تتحدث النبوءة عنه وعن أنه ينتمي إلى عصر الماشيَّح، وأن الرواد (بغض النظر عن علمانيتهم) كانوا ينفذون تعاليم الدين باستيطانهم الأرض في فلسطين. ولتسهيل مهمة الرواد، حاول كوك أن يصل إلى صيغ دينية يمكن أن تتسع للمتدينين والعلمانيين، وحاول أن يصبغ الصهيونية بالشرعية الدينية التي كانت تفتقر إليها في نظر الأرثوذكس على الأقل. وقد نادى بالتحالف مع "اللادينيين" لأنه كان على ثقة من أن جميع المستوطنين، الديني منهم والعلماني، سيرضخون في نهاية الأمر للصيغة الحلولية، لأن القومية اليهودية (على حد قوله) قومية مقدَّسة لا يستطيع العلمانيون مقاومة تيارها الأساسي. كما أنه كان يرى أن كل اليهود، ومنهم العلمانيون، تسري فيهم روح القداسة رغماً عنهم. وقد شرح كوك موقفه وتصوُّره في صورة مجازية تفسيرية شهيرة قال فيها: حينما كان الهيكل المقدَّس قائماً، كان محظوراً على الأجانب أو حتى على أي يهودي عادي أن يدخل قدس الأقداس، وكان الكاهن الأكبر وحده هو المُصرَّح له بالدخول مرة واحدة في يوم الغفران. ومع هذا، فحينما كان الهيكل في دور التشييد، كان بإمكان أي عامل مشترك في البناء أن يدخل الحجرة الداخلية مرتدياً الملابس العادية. ومن الواضح أن الهيكل في هذا التشبيه هو الدولة الصهيونية، والرواد هم العمال (أو لعلهم الصهاينة العماليون) ، أما الكهنة الحقيقيون فهم ولا شك اليهود الأرثوذكس الذين سيسيطرون على الهيكل بعد بنائه. ولتسهيل مهمة البناء، حاول كوك أن يزيل المصاعب التي تقف في طريق النشاط الاستيطاني ويذللها للمستوطنين اليهود، فأصدر فتاوى متسامحة تُسهِّل لهم الحياة في فلسطين. وعلى سبيل المثال أصدر فتوى تبيح زراعة الأرض في سنة شميطاه أو السنة السبتية على أن تباع أرض الميعاد بشكل صوري للأغيار، كما صرَّح بلعب كرة القدم يوم السبت على أن تُباع التذاكر يوم الجمعة. ويبدو أن كوك، انطلاقاً من رؤيته العضوية الحلولية، كان لا يرى مكاناً للعرب، فهم يقفون خارج دائرة القداسة. فأثناء ثورة عام 1929، اتهم كوك البريطانيين بالتقاعس عن حماية اليهود، واتخذ موقفاً متشدِّداً أثناء المعركة التي دارت حول حائط المبكى. وكان كوك قريباً من حركة مزراحي، ومع هذا فقد حضر مؤتمراً من مؤتمرات أجودات إسرائيل ليعرض وجهة النظر الصهيونية الدينية. وسافر كوك إلى أوربا عام 1914، لكن الحرب حالت دون رجوعه فعمل حاخاماً في سويسرا ثم في لندن، وعاد إلى فلسطين عام 1917 حيث أسَّس مدرسة تلمودية لغة الدراسة فيها هي العبرية وكان يُدرِّس فيها ما يُسمَّى «الفلسفة اليهودية» إلى جانب الشريعة اليهودية. وقد نشر كوك بحوثاً في كل جوانب المعرفة الحاخامية والتصوف اليهودي والفلسفة والشعر، ونُشرت رسائله في عدة مجلدات، كما أن له العديد من الفتاوى. ويمكننا أن نقول إن اليهودية الحاخامية الأرثوذكسية تختفي تقريباً في أعمال كوك وتصبح صهيونية حلولية عضوية تطالب بضم كل أرض إسرائيل وبطرد العرب وبالحد الأقصى الصهيوني. وقد نجحت صيغته في الهيمنة على اليهودية الأرثوذكسية بحيث لم يبق سوى أقلية أرثوذكسية (الناطوري كارتا) هي التي تعارض الصهيونية. مائير بار إيلان (برلين (1880-1949) ( Meir Bar Ilan (Berlin) زعيم صهيوني ديني، من عائلة برلين، غيَّر اسمه بعد قيام إسرائيل فصار يُعرَف باسم «بار إيلان» . وُلد في فولوجن (روسيا) وتلقَّى تعليمه الديني هناك، وساهم في إنشاء حركة مزراحي. وفي عام 1905، شارك للمرة الأولى كمندوب في المؤتمر الصهيوني السابع. ومنذ 1910، استقر في برلين وأسس مجلة أسبوعية بالعبرية. وفي عام 1911، اختير عضواً باللجنة التنفيذية لحركة مزراحي العالمية ثم سكرتيراً عاماً لها عام 1912 بعد أن افتتحت مكتبها المركزي بالعاصمة الألمانية. وأثناء الحرب العالمية الأولى، سافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وهناك قام بدور بارز في النشاط الصهيوني وفي الأوساط اليهودية، فساهم في تطوير المجموعات المحلية لمزراحي وتولى رئاسة منظمة مزراحي من عام 1916 إلى عام 1926 حيث أصبح رئيساً شرفياً لها. وعمل بار إيلان بنشاط من خلال اللجنة اليهودية الأمريكية المشتركة للتوزيع وغيرها من المنظمات التي عملت على مساعدة اليهود من لاجئي الحرب في شرق أوربا. ثم استقر في فلسطين عام 1926، وتزعَّم حركة مزراحي العالمية منذ ذلك الحين وحتى وفاته، فيما عدا بعض الانقطاعات القصيرة. كما شغل عدة مناصب قيادية في المنظمة الصهيونية العالمية، وكان من دعاة التشدد مع العرب والبريطانيين، فعارض عام 1937 المشروع البريطاني لتقسيم فلسطين، وانسحب من مؤتمر سان جيمس بلندن عام 1939 عندما ظهرت بوادر خطط بريطانية معارضة للصهيونية في نظره. وبعد نشر الكتاب الأبيض عام 1939، نادى بسياسة المواجهة مع السلطات البريطانية في فلسطين ورفض أي تعاون معها. كما كان بار إيلان من أنصار الحرب على مظاهر عدم التدين بين المستوطنين الصهاينة. وبوصفه خطيباً مُفوَّهاً، قام بار إيلان بعدة جولات وزيارات للمراكز اليهودية في أنحاء العالم من أجل إلقاء الخطب وعقد الندوات التي تدور حول الدعوة للأفكار الصهيونية. وقد نشر عدة مقالات صحفية، وألف عدة كتب من بينها: من فولوجن إلى القدس، وهو سيرة ذاتية في جزءين، ومعلم في إسرائيل. وقد أسَّس بار إيلان صحيفة هاتسوفيه وكان أول رئيس لتحريرها. وقد أُطلق اسمه على إحدى الجامعات في إسرائيل. صمويل لانداو (1892-1928 (Samuel Landau حاخام بولندي الأصل، وزعيم صهيوني ديني، ومؤسِّس جماعة عمال مزراحي. نشأ في بيئة حسيدية في بولندا حيث تلقَّى تعليماً دينياً تقليدياً في المدرسة التلمودية وأصبح حاخاماً في سن الثامنة عشرة، ثم قرأ بنفسه الكتب غير الدينية وانخرط في سلك حركة مزراحي في بولندا بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى. وكتب لانداو عدة مقالات هاجم فيها موقف اليهود الأرثوذكس السلبي من الصهيونية. وفي عام 1926، هاجر إلى فلسطين حيث تابع نشاطه الصهيوني. وينطلق لانداو من رؤية حلولية عضوية، ولذا فإنه يشدِّد في كتاباته على أهمية الاستيطان في الأرض، فالإقامة في الأرض المقدَّسة هي أحد الأوامر والنواهي (متسفوت) لأن القبس الإلهي لا يؤثر في الشعب اليهودي إلا وهو في أرضه، أي أنه يدور في إطار الثالوث الحلولي العضوي (الإله ـ الأرض ـ الشعب) . وهو يُطعِّم هذه الفكرة الحلولية العضوية بفكرة العمل وزراعة الأرض وبالديباجات الصهيونية العمالية الأخرى، ولكنه يبيِّن أنها قيَم مرتبطة في نهاية الأمر بالتوراة والوجود اليهودي المنفصل. كما أنه يشير إلى أن هذه القيم العمالية اليهودية لا علاقة لها بمسألة النظام الاقتصادي أو بالعدالة الاجتماعية وإنما ترمي إلى خلق البدايات الأولى للحياة القومية، فالبعث القومي هو القيمة المطلقة الحاكمة وما عدا ذلك مجرد تجليات لها. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
الصهيونية الإثنية العلمانية
Secular Ethnic Zionism » الصهيونية االإثنية العلمانية» هي «الصهيونية الثقافية» أو «الصهيونية الروحية» ونشير لها أحياناً بـ «الصهيونية العلمانية» . وهي اتجاه صهيوني في تيار الصهيونية الإثنية ينطلق من الصيغة الصهيونية الأساسية ويهتم بقضايا الهوية والوعي ومعنى الوجود، ويرى أن المشروع الصهيوني مهما كان توجُّهه السياسي الاقتصادي لابد أن يكون ذا بُعْد إثني يهودي. ومجال الصهيونية الإثنية العلمانية هو كل يهود العالم، ولذا فهي لا تُفرِّق بين المستوطنين الصهاينة ويهود العالم. وتنادي الصهيونية الإثنية العلمانية بأن يتحول المُستوطَن الصهيوني إلى مركز لإحياء الإثنية اليهودية، وترى أن الثقافة اليهودية لا يمكن أن تستمر دون هذا المركز. وفيما يتصل بالعقيدة اليهودية، فإن الصهيونية الإثنية العلمانية ترى أنها قضت نحبها، وأن ما يمكن أن يحقق الاستمرار هو الإثنية اليهودية التي يمكن أن تصبح موضع المطلقية ومصدر القداسة. وخلفية الصهيونية الإثنية هي نفسها خلفية الصهيونية على وجه العموم من تعثُّر عملية التحديث في شرق أوربا إلى وصولها إلى طريق مغلق عام 1880، الأمر الذي جعل استمرار حركة التنوير اليهودية صعباً. ويُضاف إلى هذا، الوضع الإثني الخاص ليهود شرق أوربا المتمثل في ثقافتهم اليديشية القديمة نوعاً ما وفي ثقافتهم العبرية الجديدة. ويضاف إلى ذلك أيضاً وضعهم الاقتصادي الوظيفي المتميِّز. كما يجب أن نضع في الاعتبار فكرة القومية العضوية والشعب العضوي (الفولك) التي أثرت في اليهود تأثيراً سلبياً عميقاً بنبذهم، وتأثيراً عميقاً إيجابياً بطرح نموذج الحركة لهم. ويُعَدُّ المفكر اليهودي الروسي آحاد هعام أهم المفكرين في هذا التيار، كما تعد أفكاره الأفكار الأساسية لهذه المدرسة. ويمكن أن نضم إليه أليعازر بن يهودا (1858 ـ 1922) . كما يُصنَّف مارتن بوبر (1878 ـ 1965) ضمن أتباع هذا الاتجاه بسبب تقديسه للشعب اليهودي، وبسبب رؤيته الحوارية الحلولية، ولاستخدامه مصطلح الفكر القومي العضوي. وبسبب اختلاف المستويات، لا يوجد تناقض بين الصهيونية الإثنية العلمانية والتيارات الصهيونية الأخرى، كما أن الصراع لا ينشب إلا بينها وبين أتباع الصهيونية الإثنية الدينية. ويمثل فكر الصهيونية الإثنية العلمانية فريقان، أحدهما في إسرائيل والآخر خارجها. أما الفريق الإسرائيلي فيؤكد مركزية (أو أرستقراطية) الدولة الصهيونية في حياة الدياسبورا بل يتخطى أحياناً حدود الصيغة الآحاد هعامية وينادي بإلغاء أو «نفي» الدياسبورا أو اعتبارها مجرد جسر أو قنطرة. أما الفريق الثاني فهم صهيونيو الدياسبورا (الصهاينة التوطينيون في الخارج) ، وهم أكثر اقتراباً من الصيغة الأصلية. وهؤلاء يرون ضرورة وجود مركز ثقافي في إسرائيل حتى يستمد التراث اليهودي أسباب الحياة والاستمرار فيدعم هويتهم اليهودية الآخذة في التآكل في مجتمعاتهم العلمانية، ولكنهم لا يرون أية ضرورة للاستيطان في إسرائيل. والمشكلة بالنسبة إليهم هي، إذن، مشكلة يهودية وليست مشكلة يهود، كما أن الدولة بالنسبة إليهم وسيلة ثقافية وليست غاية، تماماً كما كان الحال مع آحاد هعام. والواقع أن أغلبية يهود المُستوطَن الصهيوني الساحقة (من أقصى اليمين حتى أقصى اليسار) من أتباع الصهيونية الإثنية العلمانية. وكذلك غالبية أعضاء الجماعات اليهودية في العالم ممن يناصرون الصهيونية هم من أتباع هذا التيار، وخصوصاً في صياغته التي تتركهم وشأنهم في أوطانهم ولا تطلب منهم الهجرة. جمعية بني موسى Bene Moses » بني موسى» تقابلها في العبرية «بني موشيه» . وبني موسى جمعية صهيونية سرية (أسست على غرار المحافل الماسوننة) تشكل إحدى جمعيات أحباء صهيون، أُسِّست في روسيا عام 1889 في 7 آذار (تاريخ مولد موسى بحسب تقاليد فلكلور بعض الجماعات اليهودية) واستمرت في نشاطها حتى عام 1897. ويعود الفضل في تأسيسها إلى يهوشاوا بارزيلاي الذي عاد من فلسطين وقد امتلأ استياءً من أحوال المستوطنين من الناحيتين الثقافية والإثنية، إذ يبدو أنهم كانوا مُستوعَبين تماماً في الأعمال الاستيطانية ولم يطوروا الطابع اليهودي الإثني في المستوطنات. وتعود سرية الجمعية إلى تفكير آحاد هعام النخبوي (الذي تولَّى رئاسة الجمعية) . فآحاد هعام كان متأثراً تماماً بنيتشه وإن كان الخطاب النيتشوي يكتسب مصطلحات ونبرة يهودية في حالته. ولذا، فقد وجد أن هذا البعث الثقافي لا يمكن أن يتم إلا على يد مجموعة من الكهنة التي تكرس حياتها لتحقيق هذا الهدف سواء داخل فلسطين أو خارجها. وهذه المجموعة من الكهنة تصبح بمنزلة المرشدين للأمة بأسرها سواء داخل فلسطين (بين المستوطنين) أو خارجها لتثقيف الأجيال الصاعدة (من التوطينيين) . وكان كل فرع من فروع الجمعية يتكون من خمسة أشخاص على الأقل، كما كانت معرفة العبرية أحد شروط الالتحاق بالجمعية. وقد ووُجهت الجمعية بمعارضة من جانبين: الصهاينة العمليين (التسلليين) بزعامة ليلينبلوم وكانوا يرون أن الهدف المباشر والعامل الأساسي هو نقل اليهود وتوطينهم، وتأتي الأمور الثقافية في المرتبة الثانية. أما الجانب الآخر من جماعات المعارضة، فقد كانت تشكلها الأوساط الأرثوذكسية إذ عرَّفت الانتماء اليهودي باعتباره انتماءً إثنياً دينياً وليس إثنياً علمانياً (كما فعلت الجمعية) . وقد أسست الجمعية مدارس لتعليم العبرية وداراً للنشر في وارسو وأصدرت مجلة (عبرية) هاشيلواح. وبعد تأسيس المنظمة الصهيونية، انحلت الجمعية. ومع هذا، فقد استمر آحاد هعام في التعبير عن فكرها وفي معارضة الصهاينة الذين رفضوا تهويد الصيغة الصهيونية الأساسية بدرجة كافية وتركوها عارية من الديباجات بحيث ظلت الحركة مجرد حركة تنقل اليهود من أوربا. العصبة الديموقراطية Democratic Faction جماعة من المثقفين الصهاينة في المنظمة الصهيونية في الفترة بين 1901 و1903. وجدوا أن هرتزل ركَّز السلطة كلها في يده وأنه لا يهتم إلا بالأمور السياسية وحدها، وطالبوا بتوسيع نطاق العضوية والقيادة، كما طالبوا بالاهتمام بالجوانب الثقافية والاجتماعية. وكان معظم أعضاء هذه العصبة من الطلبة اليهود الذين جاءوا من شرق أوربا وكانوا يدرسون في ألمانيا وسويسرا. وقد تأثر هؤلاء جميعاً بآراء آحاد هعام وبصهيونيته الإثنية العلمانية وبالأفكار الديموقراطية الشائعة آنذاك. وقد كان أعضاء العصبة يدركون التحدي الذي تشكله الحركات الثورية، ولذا فقد وجدوا أن الحركة الصهيونية لابد أن توسِّع قاعدتها الديموقراطية حتى تستجيب لهذا التحدي. وقد بدأت العصبة بعد المؤتمر الصهيوني الرابع (1900) الذي حدث فيه التصادم بين الصهاينة الإثنيين الدينيين والصهاينة الإثنيين العلمانيين، حيث عارض الدينيون قيام المنظمة بأي نشاط ثقافي (باعتبار أنه سيكون نشاطاً علمانياً) . وقد عقد أعضاء العصبة مؤتمراً عاماً في أبريل 1901 عشية المؤتمر الصهيوني الخامس في بازل واشترك فيه حاييم وايزمان وليو موتزكين حيث وجه المشاركون النقد لهرتزل بسبب أسلوبه التسلطي وتركيزه السلطة في دائرته الداخلية وتعامله مع الأثرياء والطبقات الحاكمة بين اليهود وغير اليهود، كما أشاروا إلى إهمال هرتزل الجوانب العملية (الاستيطانية) والجوانب التربوية (الإثنية) في النشاط الصهيوني. وقد تحاشى هرتزل المواجهة معهم لأنه كان يدرك منذ البداية ما لا يدركونه، وهو أن الصهيونية لن تقوم لها قائمة بالاعتماد على الجهود الذاتية وأنه لابد من الاعتماد على الإمبريالية، ومن ثم لابد من التفاوض والسعي المستمرين، ويتطلب هذا بالضرورة تركيز السلطة في يد شخص أو مجموعة صغيرة تتحرك بكفاءة وسرية لعقد الصفقة مع الحضارة الغربية. وفيما يتصل بالجوانب الإثنية، فإن هرتزل لم يكن يكترث بها لأنه لم يكن يعرف عنها الكثير، ولذا فإنه لم يمانع فيها ولم يشجعها. والواقع أن صياغته المراوغة ساعدت كثيراً على تَقبُّل الإثنية، ولكن كان لابد من التخفف منها قليلاً في البداية حتى لا يَفزَع يهود الغرب المندمجون. وقد حاول هرتزل منع مناقشة برنامج العصبة، ولكنه طرح البرنامج للنقاش بعد أن هدد أعضاء العصبة بالانسحاب من المؤتمر. وحينما تمت مناقشة البرنامج، صوَّت هرتزل شخصياً لصالحه وتم تبنيه من قبَل المؤتمر. وحين نُشر البرنامج في صيف عام 1902، فإنه كان يتضمن الدعوة إلى الدراسة العلمية للأحوال الطبيعية في فلسطين وإلى العمل النشيط وأن يكرس الصهاينة أنفسهم للمشروع الصهيوني بكل إخلاص، وهي قرارات أقل ما توصف به أنها مضحكة إذ لا تمس العملية الأساسية في هذه المرحلة وهي التفاوض مع الدولة العظمى الراعية. وبعد أن عقد الصهاينة الروس مؤتمر منسك (1902) واعترفوا بوجود تيارين لهما حقوق متساوية (أحدهما ديني والآخر علماني) ، فقدت العصبة قوتها الدافعة. والخلاف بين هرتزل والعصبة الديموقراطية خلاف صهيوني نماذجي، أي أنه اختلاف بين تيارات لا توجد بينها أية خلافات حقيقية، وتظل الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة كامنة بشكلٍّ صلب في كل رؤاهم وأقوالهم. آحاد هعام (1856-1927 ( Ahad Ha-am » آحاد هعام» عبارة عبرية تعني «أحد العامة» . و «آحاد هعام» هو الاسم الذي اشتهر به الكاتب الروسي (وكان يكتب بالعبرية) آشر جينزبرج. ويُعَدُّ آحاد هعام من أهم الكُتَّاب والمفكرين في أدب العبرية الحديث، كما يُعَدُّ فيلسوف الصهيونية الثقافية (أى الصهيونية الاثنية العلمانية) بل المؤسس الحقيقي للفكر الصهيوني والذي خرج من تحت عباءته كل المفكرين الصهاينة، خصوصاً العلمانيين، ابتداءً من مارتن بوبر وانتهاءً إلى هارولد فيش. وقد نشأ آحاد هعام في عائلة حسيدية في قرية صغيرة بالقرب من كييف، وكان أبوه عضواً في حركة حبد. تلقَّى تعليماً يهودياً تقليدياً حتى أن معلمه منعه من تعلم الألفبائية الروسية لأن هذا كان يُعَدُّ ضرباً من الهرطقة. ولكنه، مع هذا، التحق في نهاية الأمر بمدرسة ثانوية في روسيا. وقد دفعته دراسته الجديدة إلى هَجْر الحسيدية، ثم تخلَّى بعد ذلك عن كل إيمان ديني وإن كان قد عبَّر عن إعجابه بالحسيدية في إحدى مقالاته، وذلك بسبب طابعها اليهودي الإثني (أي اليهودية كفلكلور) . ولا شك في أن النزعة الحلولية المتطرفة في الحسيدية قد تركت أثرها فيه وفي بنيان فكره. وقد استقر آحاد هعام عام 1886 في أوديسا للعمل في التجارة، وأوديسا إحدى المدن الجديدة التي أنشأها القياصرة على البحر الأسود بعد ضمها من الدولة العثمانية في نهاية القرن الثامن عشر وقد أصبحت مركزاً تجارياً مهماً ونشيطاً. وقد تم توطين أعضاء الجماعة اليهودية، مع غيرهم من الروس البيض، كعنصر استيطاني يخلق وجوداً أو كثافة سكانية روسية بيضاء، أي أن اليهود تم توطينهم كروس، ولذا فقد مُنحوا حقوقاً ومزايا كثيرة. وكانت أوديسا تختلف كثيراً عن جو الشتتل، كما كانت بعيدة عن مراكز الدراسة الأرثوذكسية، وكانت مركزاً مهماً لأدب العبرية والفكر الصهيوني في روسيا. ثقَّف آحاد هعام نفسه بنفسه، فدرس العلوم وقرأ أدب حركة التنوير وتعلَّم بعض اللغات الأوربية ودرس الفلسفة. فتأثر بالفلسفة الوضعية في روسيا من خلال أعمال المفكر الروسي بيساريف الذي عرَّفه على أعمال جون ستيورات ميل. وقد تأثر كذلك بفلسفة لوك، ولكن هربرت سبنسر (المفكر الاختزالى التبسيطى) وفلسفته العضوية الداروينية كان لهما أبعد الأثر في تفكيره، وكان هو نفسه يَعُد سبنسر (المفكر الاختزالى التبسيطى) أقرب المفكرين إلى قلبه. كما تأثر بفلسفة نيتشه وهردر تأثراً عميقاً، شأنه في هذا شأن كثير من المفكرين والمثقفين اليهود في عصره. ويتجلى عمق تأثر آحاد هعام بنيتشه في زعمه أن النيتشوية واليهودية صنوان. ذهب آحاد هعام إلى أن الذي خرج من الجيتو ليس اليهود وحسب وإنما اليهودية نفسها. لقد خرجت إلى عالم حديث يمثل قوة جذب هائلة بهرت اليهود، الأمر الذي يشكل خطراً حقيقياً على الاستمرارية اليهودية وعلى الهوية اليهودية، كما يؤدي إلى فقدان اليهود إحساسهم بالوحدة والترابط وإلى ضعف تمسُّكهم بقيمهم وتقاليدهم. كما خرجت اليهودية، علاوة على ذلك، إلى عالم مُشبَّع بالروح القومية العضوية حيث يتعيَّن على الغريب الذي يريد أن يندمج في مثل هذه الحضارة أن يطمس شخصيته وينغمس في التيار الغالب. ولذا، فإن الاندماج حل أتى من الخارج يهدف إلى خَلْق حياة جديدة تماماً لا علاقة لها بالهوية اليهودية، وبالتالي فإن الوحدة اليهودية ستتفتت وتنقسم اليهودية إلى أكثر من نوع واحد، يختلف كل نوع منها باختلاف البلد الذي ينتمي إليه اليهودي. وفي الواقع، فإن القومية العضوية ترفض الآخر حتى لو أراد الاندماج والذوبان فيها، ولذا فإن حل الذوبان لم يكن مطروحاً أصلاً في الوسط السلافي أو الجرماني الذي كان يتحرك فيه اليهود (أي أن فكرة الشعب العضوي تُصنِّف الآخر على أنه عضو في الشعب العضوي المنبوذ، والآخر هنا هو اليهود في المحيط الجرماني والسلافي أي في كل أوربا ( وقد خرج اليهود واليهودية من الجيتو في لحظة كان الدين اليهودي فيها قد تحوَّل إلى عبء حقيقي، فأهل الكتاب قد أصبحوا عبيداً للكتاب حتى أصبح عمل هذا الكتاب هو أن يُضعف كل قوى الإبداع الذاتي والعاطفي لدى اليهود ويحطمها. وتحوَّل القانون إلى قانون مكتوب جامد، وتَوقَّف تَطوُّر اليهود، واختفى العالم الداخلي تماماً، وأصيب اليهود بالشلل الحضاري. ولذا، كان السؤال هو: هل يمكن تطبيع اليهود وتحرير الروح اليهودية من أغلالها لتعود إلى الاندماج في مجرى الحياة الإنسانية دون أن تضحي بالهوية اليهودية وبالطابع الخاص لها؟ حسب تصوُّر آحاد هعام، تأخذ المسألة اليهودية شكلين: أحدهما في الشرق، وثانيهما في الغرب. وقد نجحت المسألة اليهودية في الغرب في إعتاق اليهود ثم في إفقادهم هويتهم اليهودية، كما نجحت في تعريضهم لمسألة معاداة اليهود الأمر الذي أعاد اليهودي لعالمه اليهودي لا حباً فيه وإنما هرباً من معاداة اليهود. ولكنه عند عودته وجد العالم اليهودي ضيقاً لا يُشبع حاجاته الثقافية، بل إن العالم اليهودي لم يَعُد جزءاً من ثقافته (فهو يهودي غير يهودي) . ولذا، فهو يصبو إلى إنشاء دولة يهودية يستطيع أن يعيش فيها حياة تشبه حياة الأغيار التي يحبها ويحقق فيها لنفسه كل ما يريد من أشياء يراها الآن أمامه ولا يستطيع الوصول إليها. وهو إن لم يستوطنها بنفسه وبقى حيثما يكون، فإن مجرد وجودها على الأقل سوف يرفع مكانته أينما كان، فلن يُنظَر إليه نظرة احتقار باعتباره عبداً يعتمد على استضافة أهل البلاد له. إن الدولة اليهودية، بل مجرد التفكير فيها، هو شيء يشفيه من مرض نفسي هو الشعور بالضعة، فمحور المشكلة في الغرب هو الفرد اليهودي المندمج الذي تُسبِّب له معاداة اليهود شيئاً من الإحباط والإحساس بالضعة. أما يهود الشرق فهم على عكس ذلك، فالمشكلة بالنسبة إليهم ذات شقين: شق مادي وشق ثقافي. لكن دولة هرتزل لن تَحُل أياً من المشكلتين، فهي لا تكترث أصلاً بالجانب الثقافي. أما فيما يتعلق بالجانب المادي، فإن آحاد هعام كان يرى استحالة إخلاء أوربا من اليهود الفائضين، فالدولة اليهودية لن تُوطِّن سوى قسم من اليهود في فلسطين، وبالتالي فإن حل المشكلة حلاًّ كلياً أمر غير ممكن. وسيظل الاعتماد على الحلول الأخرى المطروحة ضرورياً (مثلاً: زيادة عدد المزارعين والعاملين بالمهن اليدوية من اليهود) . وفي نهاية الأمر، فإن حل الشق المادي سيعتمد في الأساس على الحالة الاقتصادية وعلى المستوى الثقافي للأمم المختلفة التي تُوجَد فيها أقليات يهودية. وإذا كانت الحلول المطروحة لا تُجدي ومحكوماً عليها بالفشل، فما الحل إذن؟ يجد آحاد هعام أن الدواء يوجد في الداء نفسه، أي القومية العضوية بعد تهويدها. ويرى آحاد هعام أن الدين اليهودي رغم جموده الذي سقط فيه كان مهيئاً أكثر من أي دين آخر لعملية التحديث، فهو دين عقلاني جماعي يؤكد أهمية العقل والجماعة (وليس كالدين المسيحي الذي يؤكد أهمية الإيمان والفرد) . كما أن عقيدة التوحيد في نظره هي في جوهرها اكتشاف مبكر لوحدة الطبيعة ولفكرة القانون العلمي والمعرفة العلمية التي تتجاوز الإحساس المباشر. (وما يتحدث عنه آحاد هعام هو في واقع الأمر الواحدية الكونية) ، فهو يشير إلى أن الفريسيين الذين صاغوا اليهودية الحاخامية رفضوا كلاًّ من الأسينيين (دعاة الروح) والصدوقيين (دعاة المادة) وزاوجوا بينهما (أي وحدوا الروح والمادة وألغوا الثنائية التي تسم الأنساق التوحيدية وأحلوا محلها الواحدية الحلولية الكونية الكامنة في كلٍّ من العبادات الوثنية القديمة والعلمانية الحديثة) ، وهذا هو إنجاز يفنه الأكبر وهو أيضاً ما حفظ اليهودية على مر العصور. لكن هذا لا يعني بطبيعة الحال العودة إلى الدين، فآحاد هعام كان ملحداً، وقد سماه آرثر هرتزبرج «الحاخام اللا أدري» (وهذه مفارقة لا يمكن أن يُوجَد لها مثيل في المسيحية أو في الإسلام، ولكن التركيب الجيولوجي لليهودية يسمح بها) . وحينما ذهب آحاد هعام إلى فلسطين ورأى أحجار حائط المبكى، لم تتحرك أية مشاعر دينية داخله، بل وجدها رمزاً للخراب الذي حاق بالشعب اليهودي. ولم يكن الدين بالنسبة إليه سوى شكل من أشكال التعبير عن الروح القومية اليهودية الأزلية المتجسدة في التاريخ، وهو وعاء كامن في الذات وليس مقياساً مطلقاً خارجاً عنها، فالدين اليهودي مجموعة من الأفكار اليهودية تضرب بجذورها في الطبيعة (اليهودية) أو التاريخ (اليهودي) . ولذا، فإن العودة تكون لهذا المطلق ولهذا المطلق وحده، أي للذات الإثنية اليهودية مصدر الدين اليهودي والتي ستحل محله، والتي سيخلع القداسة عليها تماماً كما فعل مفكرو ودعاة القومية العضوية في ألمانيا وشرق أوربا. وهو، في هذا، كان متأثراً بهيجل وهردر والمفكرين السلاف والألمان الذين كانوا يرون الإثنية مطلقاً، وقيمة في حد ذاتها. وكما هو واضح، فإن آحاد هعام يقف في هذا على الطرف النقيض من التراث الديني اليهودي. وعلى سبيل المثال، فإن سعيد بن يوسف الفيومي ذكر أن اليهود شعب من أجل التوراة أو بسببها، وبذلك جعل الشعب أداة، أما آحاد هعام فيرى أن كل شيء أداة لتأكيد هوية الشعب حتى الدين نفسه. ويذهب آحاد هعام إلى أن ثمة اتجاهاً عاماً نحو القومية العضوية بدأ يسود بين اليهود في شرق أوربا. فاللغة العبرية لم تَعُد اللسان المقدَّس لليهود وإنما أصبحت لغة الأدب العبري العلماني وبدأت تحل محل الدين كإطار للوحدة. وقد ساهم هو نفسه في هذا التيار وأضفى صبغة علمانية على مفاهيم دينية، مثل الشعب المختار، لتصبح مصطلحاً نيتشوياً يُسمَّى «السوبر أمة» أو «الأمة المتفوقة» ، التي تُعلي شأن القوة والإرادة. وانطلاقاً من هذه المفاهيم العضوية، طرح آحاد هعام نظريته الخاصة بما يُسمَّى «الصهيونية الثقافية» التي تهدف إلى بَعْث أو تحديث الثقافة اليهودية التقليدية حتى يمكنها التعايش مع العصر الحديث. ويمكن إنجاز ذلك من خلال إطار القومية العضوية. ولذلك، اقترح آحاد هعام إنشاء مركز ثقافي في فلسطين يسبق تأسيس الدولة اليهودية يكون بمنزلة مركز عضوي للفولك (أو الشعب العضوي) اليهودي يمكن أن تؤكد الهوية اليهودية نفسها من خلاله على أسس عصرية. ففي فلسطين يستطيع اليهود أن يستوطنوا وأن يعملوا في شتى فروع الحياة من زراعة وأعمال يدوية إلى علوم طبيعية. ومثل هذا المركز العضوي سيصبح مع مرور الزمن مركزاً للأمة تستطيع روحها أن تظهر وتتطور من خلاله إلى أعلى درجات الكمال التي بوسعها الوصول إليها بشكل مستقل. ومن هذا المركز ستُشع الروح القومية اليهودية العضوية إلى سائر الجماعات اليهودية في العالم فتبعث فيهم حياة جديدة تُقوِّي وعيهم القومي وتُوطِّد أواصر الوحدة بينهم. ومن خلال هذا المركز ستنمو الشخصية اليهودية وستُزال منها الشوائب التي عَلقت بها نتيجة سنوات طويلة من الشتات وستُولِّد شخصية جديدة فخورة بهويتها اليهودية. لكن عملية البعث العضوي هذه لا يمكن أن تتم دفعة واحدة، وبعملية سياسية بسيطة، فهي عملية حضارية طويلة بطيئة بطء النمو العضوي. ولا يعترض آحاد هعام على تأسيس دولة يهودية في فلسطين تضم أغلبية يهودية، ولكنه يرى أن الدولة ستكون تتويجاً لعملية النمو العضوية البطيئة والثمرة النهائية وليس بذرة البدء. بل إن المركز الثقافي سيؤدي إلى قيام رجال في أرض إسرائيل نفسها يستطيعون، متى حان الوقت، أن يؤسسوا دولة هناك، لا تكون دولة يهود وإنما دولة يهودية بالمعنى الحلولي للكلمة؛ دولة عبرية علمانية. والدولة في هذا الإطار ليست نهاية في ذاتها، وإنما وسيلة للتعبير عن الذات القومية، وهي نتاج فعل حضاري بطيء وليس انقلاباً سياسياً مفاجئاً. وقد كان موقف آحاد هعام من الجماعات اليهودية في العالم ينبع من موقفه العضوي نفسه، فقد رفض الحل الدبنوفي ورفض فكرة البعث اليهودي في أنحاء العالم المختلفة أينما وُجدت جماعات يهودية (مع تغيُّر مركز اليهودية من بابل إلى الأندلس إلى نيويورك) ، فمثل هذا الرأي تعددي تنوعي. وفي الوقت نفسه، لم يأخذ آحاد هعام بالموقف الصهيوني المتطرف المبني على تصفية الجماعات، فقد رأى أن مركزه الروحي، ودولته اليهودية داخل الإطار العضوي، ستعمق الوعي الإثني عند أعضاء الجماعات اليهودية وتزيد الفواصل بينهم وبين جيرانهم الأغيار. ويثير البرنامج الثقافي عند آحاد هعام مشكلتين أساسيتين: 1 ـ فهو لم يتحدث قط عن آليات إنشاء المركز الروحي (الدولة اليهودية) ، كما لم يطرح برنامجاً سياسياً، بل ترك المسألة غامضة. ولعله ترك هذه الأمور لدعاة الصهيونية العملية والصهيونية الاستيطانية الذين كانوا سيتكفلون بالإجراءات كافة، وضمنها الاستيلاء على الأرض وطرد سكانها. وعلى كلٍّ كان نيتشه (وكذلك داروين) رابضاً وراء كل سطور كتاباته. 2 ـ وهناك مشكلة الثقافة التي يطرحها: فقد رفض كل ثقافات اليهود الموجودة بالفعل، سواء الثقافة اليديشية في شرق أوربا أو التراث السفاردي الذي كان لا يجهله. ولكن هذا أمر لم يسبب له أرقاً، فقد كان يطرح ما سماه «الثقافة اليهودية» الخالصة بديلاً لكل هذه الثقافات المتعينة. وقد نزل آحاد هعام إلى ميدان النشاط الصهيوني، فانضم إلى جماعة أحباء صهيون وأصبح مفكرها الأساسي، لكنه ما لبث أن انتقد سياسة هذه الجمعية الداعية إلى الاستيطان التسللي في فلسطين وذلك في مقال بعنوان "ليس هذا هو الطريق". وقد عزَّز مقاله الأول بدراستين نقديتين كتبهما بعد زيارتيه لفلسطين عامي 1891 و1893. ومن أهم مقالاته الأخرى، "الدولة اليهودية والمسألة اليهودية" (1897) و"الجسد والروح" (1904) . برتولد فايفل (1875-1937 ( Bertold Feiwel زعيم صهيوني وُلد في مورافيا ودرس القانون في فيينا. تعرَّف إلى هرتزل (وكان أحد الذين عاونوه على تنظيم المؤتمر الصهيوني الأول (1897) . وأصبح فايفل رئيس تحرير مجلة دي فيلت عام 1901، وقد أكد في مقالاته أن الصهيونية يجب ألا تَحصُر نفسها في النشاط الدبلوماسي، وإنما يجب أن تعمل على تجديد الحياة الفكرية والروحية للدياسبورا (الجماعات اليهودية في العالم) . وأسَّس في العام نفسه مع آخرين، من بينهم مارتن بوبر وليو موتزكين وحاييم وايزمان، العصبة الديموقراطية، وذلك إبان المؤتمر الخامس (1901) . وأسَّس فايفل، مع بوبر وتريتش وآخرين، دار نشر يهودية أصدرت كتاباً عن مذبحة اليهود في كيشينيف عام 1903. وقد قام بترجمة عدة كتب لمؤلفين يهود من وسط أوربا، من بينها مختارات من الشعر اليديشي نشرت بعنوان التقويم اليديشي، ويُعَدُّ أول من ترجم الشعر اليديشي إلى الألمانية. ثم دخل فايفل عالم المال والبنوك. وقد أمضى فترة الحرب الأولى في سويسرا، ثم انتقل إلى إنجلترا حيث أصبح من مستشاري وايزمان. وقد ترأس مجلس مديري الصندوق القومي (كيرين هايسود) من 1919 حتى 1921. ولكنه استقال من منصبه بسبب المرض ثم ارتحل عام 1933 إلى فلسطين حيث تُوفي. ليون سيمون (1881-1965 ( Leon Simon رجل دولة بريطاني، وقائد صهيوني توطيني. كان من تلاميذ آحاد هعام ومن دعاة الصهيونية الإثنية العلمانية، وهو الذي كتب سيرة حياة آحاد هعام وترجم أعماله إلى الإنجليزية. وكان مسئولاً عن الدعاية الصهيونية في بريطانيا. زار فلسطين عام 1918، واشترك في إصدار عدة صحف صهيونية في بريطانيا مع هاري ساخر، واهتم بالجامعة العبرية. استقر في القدس منذ عام 1946. وبعد عام 1953، غادر إسرائيل، ثم استقر في لندن حيث تُوفي عام 1965. لويس ناميير (1888-1960 ( Lewis Namier صهيوني ومؤرخ بريطاني من دعاة الصهيونية الإثنية العلمانية. وُلد في جاليشيا الشرقية واستقر في إنجلترا منذ عام 1907. التحق بالجيش البريطاني مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، وعمل في قسم الدعاية بين عامي 1915 و1917، وفي الإعلان بين عامي 1917 و1918، وفي الاستخبارات بين عامي 1918 و1920. وعُيِّن عام 1920 محاضراً في التاريخ الحديث في أكسفورد. وقد اهتم ناميير بالدراسات التاريخية حتى عام 1929. وفي هذا العام، أصبح الأمين السياسي للوكالة اليهودية وهو الموقع الذي احتفظ به حتى عام 1931. وقد تَسنَّى له أن يعمل مع وايزمان. عاد إلى التدريس في مانشستر بين عامي 1931 و1938 ثم أخذ إجازة بدون مرتب حتى 1945 ليعمل مستشاراً سياسياً للمكتب التنفيذي للوكالة اليهودية في لندن. زار فلسطين وإسرائيل عدة مرات، وقد طرح نفسه غير مرة بوصفه يهودياً قومياً. لقد كان الشعب اليهودي بالنسبة إليه أمة، كما كان يعتبر الدين مسألة شخصية لا علاقة لها بالولاء للشعب (اليهودي) ولم يكن ناميير متديناً على الإطلاق فقد كان صهيونياً علمانياً، وقد نال لقب فارس عام 1952. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
محاولات تضييق نطاق المشروع الصهيونى
Attempts at Setting Limits to the Zionise Project في باب سابق بيَّنا أن ثمة صراعاً أساسياً بين شرق أوربا (يهود اليديشية والفائض البشري) وغربها (اليهود المندمجون) . ومع تدفُّق يهود اليديشية على وسط وغرب أوربا، ظهر المشروع الصهيوني لتحويل سيل الهجرة، ثم ترجم الصراع نفسه إلى الصهيونيتين: الاستيطانية والتوطينية. والصهيونية التوطينية شكل من أشكال التملص من الصهيونية عن طريق تضييق نطاقها بحيث تصبح مجرد دعم الدولة الصهيونية سياسياً واقتصادياً دون الاستيطان في فلسطين. والصهيونية التوطينية لم تكن المحاولة الوحيدة لتضييق نطاق الصهيونية، فهناك محاولتان أخريان: كانت الأولى تهدف إلى الإسراع بعملية تخليص أوربا من فائضها اليهودي عن طريق توطينهم في أي أرض، دون أي اعتبار للديباجات الصهيونية. أما الثانية فكانت تهدف إلى تخفيف حدة المواجهة مع السكان الأصليين عن طريق تأسيس دولة ثنائية القومية. ويُلاحَظ أن محاولات تضييق نطاق الصهيونية كان يعني التخلي عن بعض عناصر الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة. الصهيونية الإقليمية Territorial Zionism » الصهيونية الإقليمية» ضرب من ضروب الصيغة الصهيونية الأساسية قبل أن تتحوَّل إلى الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة وقبل أن تدخلها أية ديباجات إثنية أو دينية أو أيديولوجية، فهي تذهب إلى ضرورة تهجير الفائض البشري اليهودي في أوربا إلى أي مكان في العالم حلاًّ للمسألة اليهودية، فهي إذن شكل من أشكال الصهيونية التوطينية. وكان الصهاينة الإقليميون يرون اليهود عنصراً استيطانياً أبيض يُوطَّن في أي مكان، وكانوا يرون المشروع الصهيوني مشروعاً غربياً تماماً وجزءاً لا يتجزأ من التشكيل الاستعماري الاستيطاني الغربي الذي يرمي إلى خلق مناطق نفوذ غربية في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية يَبسُط من خلالها سيطرته الكاملة على العالم، كما يرمي إلى خلق بقع استيطانية تستوعب الفائض البشري اليهودي. وكان العنصر الحاسم في اختيار هذا المكان أو ذاك هو مدى أهميته في سياق المصالح الاستعمارية للدولة الراعية للمشروع التوطيني. ولذا، فإنهم لم يطالبوا بدولة يهودية مستقلة ذات سيادة، وتركوا هذه النقطة لتقررها الدولة الراعية التي ستقوم بعملية نقل الفائض البشري. لكل هذا، كان الصهاينة الإقليميون لا يرون ضرورة تحتم إنشاء هذا الجيب الاستيطاني اليهودي في فلسطين، بل إن بعضهم كان يشير إلى أن فلسطين بالذات غير مناسبة بسبب وجود العرب فيها. وقد كان دعاة المشاريع المختلفة لتوطين اليهود خارج أوربا على وعي تام باستحالة تحقيق أيٍّ من هذه المشاريع إلا إذا حظي برعاية قوة استعمارية كبرى تجد فيه فرصتها لتحقيق مصالحها الاستعمارية بشكل أو آخر، ومن ثم كان هؤلاء الدعاة يحرصون على السعي لدى هذه القوة العظمى أو تلك لضمان أن يتم المشروع التوطيني بموافقتها وتحت رعايتها، ولم يكن يعنيهم في كثير أو قليل أن يحظى المشروع بموافقة أعضاء الجماعات اليهودية (المادة البشرية المُستهدَفة) ممن كان يُرجَى توطينهم. ودعاة الصهيونية الإقليمية التوطينية، من أمثال دي هيرش وترييتش وزانجويل وأضرابهم، هم في الغالب من اليهود غير اليهود الذين فَقَدوا هويتهم الدينية والإثنية. ولذا، فإنهم لم يعودوا يشعرون بأي ضرورة لمسألة الحفاظ على ما يُسمَّى «الإثنية اليهودية» . كما أن يهود الغرب بينهم كانوا يرغبون في تحويل سيل الهجرة اليهودية من بولندا وروسيا بشكل فوري لأي مكان لأنه يهز مواقعهم الطبقية ومكانتهم الاجتماعية الجديدة ويهدد وجودهم كجزء من النخب المتميِّزة اقتصادياً وسياسياً وحضارياً في مجتمعاتهم الأوربية. وإصرار هؤلاء الصهاينة على بقعة ما دون غيرها كان دائماً في إطار محاولتهم تأكيد ولائهم لأوطانهم ولمصالحه الاستعمارية. فزانجويل البريطاني (صاحب مشروع شرق أفريقيا) ، كان يدافع في واقع الأمر عن المصالح الإمبريالية الإنجليزية التي كانت تبحث عن مواطنين بيض لتوطينهم في جزء من الإمبراطورية. ولقد انصرف اهتمام زانجويل والإقليميين عن فلسطين لأن بريطانيا كانت قد احتلت مصر في مطلع القرن العشرين، ولم تكن تستطيع في ظروف التوازن الدولي الدقيق أن تخطط للاستيلاء على فلسطين، فكان اهتمامها بالمنظمة الصهيونية قائماً على رغبتها في تسخيرها لتنظيم استيطان استعماري في بعض أنحاء الإمبراطورية وحسب. ولكن بتغيُّر الأوضاع في العالم إبان الحرب العالمية الأولى، وسنوح فرصة تقسيم ممتلكات الإمبراطورية العثمانية، وقيام الثورة العربية التي هددت المصالح الإمبريالية البريطانية، بُعث مشروع توطين اليهود في فلسطين ومُنح وايزمان وعد بلفور، وتَحوَّل الإقليميون عن موقفهم وعادوا إلى صفوف المنظمة الصهيونية بعد أن كانوا قد انسحبوا منها في المؤتمر الصهيوني السابع (1905) بعد أن أصبحت مصالحها متفقة مع مصالح الإمبريالية البريطانية. ومن الأمور الجديرة بالذكر أن بنسكر في كتابه الانعتاق الذاتي وهرتزل في كتاب دولة اليهود لم يتقيدا ببقعة معينة لإقامة الدولة المقترحة. ويظهر في يوميات هرتزل أنه لم يكن يتحمس كثيراً في أواخر حياته لفكرة الدولة اليهودية في فلسطين، خشية أن يثير هذا المكان، المشحون بالدلالات الدينية والتاريخية، رغبة لدى المستوطنين في العودة إلى صُوَر الحياة اليهودية التقليدية التي كانت موضع ازدراء من جانب هرتزل، وهو الأمر الذي قد يبتعد بهم عن أساليب الحياة العلمانية "الحديثة". مشاريع صهيونية استيطانية خارج فلسطين Zionist Settlement Projects outside Palestine ظهرت مشروعات عديدة لتوطين اليهود خارج فلسطين، وقد ظهرت هذه المشاريع مع التشكيل الاستعماري الاستيطاني الغربي. وكان أول المشاريع التوطينية هو مشروع نونيزدا فونسيكا عام 1625 لتأسيس مستعمرة يهودية في كوراساو، وقد وافق مجلس هولندا على المشروع. وتم توطين اليهود في سورينام في إطار مماثل، وقد نجحوا في تكوين جيب استيطاني شبه مستقل قضى عليه الثوار من السود والسكان الأصليين. وفي عام 1659، منحت شركة الهند الغربية (الفرنسية) تصريحاً لديفيد ناسي لتأسيس مستعمرة يهودية في كايين. وفي عام 1790، اقترح كاتب بولندي توطين اليهود في أوكرانيا (التابعة لبولندا ـ وكان هذا أحد المطالب الأساسية للحركة الفرانكية) . وفي عام 1815، قدَّم القس البولندي شاتوفسكي اقتراحاً بأن يُوطَّن اليهود في جيب يهودي صغير في آسيا الصغرى يكون قاعدة للدولة الروسية ضد الخلافة العثمانية. وظهرت مشروعات توطينية أخرى في الولايات المتحدة من أهمها مشروع موردكاي نواه المعروف بمشروع جبل أرارات (1826) . وهناك مشروعات صهيونية إقليمية كثيرة مثل مشروع العريش وقبرص ومدين وأنجولا وموزمبيق والكونغو والأحساء والأرجنتين، ولكن أهمها كان مشروع شرق أفريقيا الذي كان يهدف إلى إنشاء محمية إنجليزية يهودية في شرق أفريقيا كان من المفترض أن تكون تابعة تماماً، على مستوى الأيديولوجية والديباجة، اسماً وفعلاً، للإمبراطورية البريطانية. وقد ظهرت جماعات صهيونية إقليمية أخرى، منها جماعة قامت في ألمانيا للاستيطان في الجزء البرتغالي من أنجولا عام 1931، ولكن المشروع فشل لأن الحكومة البرتغالية لم توافق عليه. وقد قُدِّم اقتراح في مؤتمر إفيان (1938) لتوطين 100 ألف يهودي في جمهورية الدومينكان، ولكن الصهاينة أجهضوا العملية بعد البدء فيها بالفعل. ويمكن أن نضع مشروع بيرو بيجان السوفييتي في هذا الإطار. وقد كان للنازيين في ألمانيا والفاشيين في إيطاليا مشاريعهم التوطينية خارج فلسطين. كما قامت جمعية أخرى في نيويورك وظلت باقية حتى بعد إنشاء الدولة، وذلك لأنها لم تجرؤ على أن تترك مستقبل "الشعب اليهودي" متوقفاً على إسرائيل وحدها وذلك بسبب صغر مساحتها وموقف جيرانها المعادي منها. ولا توجد بطبيعة الحال أحزاب صهيونية إقليمية في إسرائيل. وقد أصبح مصطلح «تيريتوريال زايونيزم Territorial Zionism» يعني في الوقت الحاضر «صهيونية الأراضي» ، وهي صهيونية من يرفض الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة بعد عام 1967، ويرفض مقايضة السلام بالأرض. مشروع شرق أفريقيا East Africa Project يُعرَف «مشروع شرق أفريقيا» أيضاً باسم «مشروع أوغندا» وهو الاسم الذي يُطلَق عادةً على الاقتراح الذي تقدمت به الحكومة البريطانية عام 1903 لليهود لتنشئ لهم مقاطعة صهيونية في شرق أفريقيا البريطانية (كينيا الآن، وليس أوغندا كما هو شائع) في هضبة وعرة مساحتها 18 ألف ميل مربع ليست صالحة للزراعة. ويبدو أن الخطأ في التسمية يعود إلى أن تشامبرلين، أشار أثناء حديثه عن المشروع مع هرتزل إلى سكة حديد أوغندا، فتَصوَّر هرتزل أن أوغندا هي الموقع المقترح للاستيطان. وقد تقدَّمت الحكومة البريطانية بالاقتراح في وقت تزايد فيه النشاط الاستعماري الألماني والإيطالي، وكان الخط الحديدي الذي يربط الساحل الأفريقي وبحيرة فيكتوريا على وشك الانتهاء، وفي وقت تزايدت فيه هجرة يهود اليديشية إلى إنجلترا. ومن ثم، سنحت الفرصة لوضع الصيغة الصهيونية الأساسية موضع التنفيذ بتحويل المهاجرين إلى مادة استيطانية تُوطَّن داخل محمية إنجليزية تقوم بحماية الموقع الإستراتيجي الجديد. وقد عرض البريطانيون شرق أفريقيا لا فلسطين، مكاناً للاستيطان، لأن الدولة العثمانية كانت حليفة لبريطانيا التي قررت الحفاظ على وحدة الدولة العثمانية لتقف ضد الزحف الروسي، أي أن تقسيم الدولة العثمانية لم يكن قد تقرَّر بعد. وقد كان المفترض أن تكون المقاطعة محمية خاضعة للتاج البريطاني يحكمها حاكم يهودي، وكانت ستُسمَّى «فلسطين الجديدة» . وقد أعد مكتب لويد جورج براءة الشركة التي ستقوم بتنمية المنطقة. وكان هرتزل من بين الموافقين على المشروع، كما أيده نوردو الذي وصف المشروع بأنه "ملجأ ليلي"، وتزعَّم إسرائيل زانجويل الحركة. وقد كتبت مجلة جويش كرونيكل في ذلك الوقت أن المشروع كان يحظى بتأييد اليهود الروس بدرجة تفوق كثيراً تأييد قيادتهم الصهيونية له، كما يُلاحَظ أن المستوطنين الصهاينة في فلسطين كانوا من أشد المتحمسين للمشروع. ولكن المندوبين الروس عارضوا المشروع بشدة حينما عُرض على المؤتمر الصهيوني السادس (1903) ، وكان من المعارضين أيضاً وايزمان وأوسيشكين. وقد سُمِّي المعارضون «صهاينة صهيون» لإصرارهم على تشييد الدولة الصهيونية في صهيون نفسها، أي فلسطين. وقد أيَّد اليهود الأرثوذكس المشروع لأن العودة إلى فلسطين شكل من أشكال الهرطقة. وعلى عكس ما يرد دائماً في المصادر والمراجع الصهيونية، وافق المؤتمر في نهاية الأمر على الاقتراح بأغلبية 295 مؤيداً مقابل 178 معارضاً، وامتنع 143 عن التصويت، فأحدث ذلك صدعاً في الحركة الصهيونية، وحاول شاب يهودي اغتيال نوردو "الشرق أفريقي" في باريس. وقد تشكَّلت لجنة استطلاعية مُكوَّنة من بريطاني مسيحي ومهندس روسي وصحفي سويسري (اعتنق الإسلام فيما بعد) . وحينما وصلت اللجنة ضللهم المستوطنون البيض وزودوهم بمعلومات خاطئة، ووجهوهم إلى أراض غير صالحة، ولذا فقد كان تقرير اللجنة غير إيجابي. وقد حُسم الصراع بأن سحبت الحكومة البريطانية اقتراحها في العام نفسه بسبب معارضة المستوطنين البريطانيين في شرق أفريقيا، فقد أرسلوا عدة رسائل إلى الصحف والمجلات البريطانية، من بينها برقية اتحاد المزارعين وملاك البساتين، وأخرى من لجنة المستوطنين في نيروبي، وعريضة من أسقف مومباسا، يحتجون فيها على إدخال اليهود الأجانب "منحطي المنزلة" الذين سيكون لهم أثر سيئ من الناحية الأخلاقية والدينية والسياسية على القبائل الأفريقية! وقد قام خبراء الشئون الأفريقية (وعلى رأسهم السير هاري جونسون) بشن حملة ضد المشروع، مبينين أن هذه الأرض ثمينة مُدَّت عليها سكة حديدية. وقد تَطوَّع بعض معارضي المشروع بالإشارة إلى فلسطين كمكان منطقي للاستيطان اليهودي! ومما هو جدير بالذكر أن بعض اليهود الاندماجيين في بريطانيا عارضوا المشروع أيضاً بسبب دلالته السياسية وبسبب تأكيده مقولة ازدواج الولاء. وحينما انعقد المؤتمر الصهيوني السابع (1905) ، رفضت كل مشروعات التوطين خارج فلسطين، فانشق زانجويل (ومعه أربعون مندوباً) ، وأسَّس الحركة الصهيونية الإقليمية. ويُعَدُّ مشروع شرق أفريقيا أول بلورة للمشكلة التي تواجهها الجماعات اليهودية في علاقتها بالصهاينة وهو ما يمكن صياغته في الأسئلة التالية: هل أُسِّست الدولة الصهيونية لخدمة اليهود أم أن اليهود في كل مكان هم الذين يجب وضعهم في خدمة الدولة؟ هل الصهيونية بالفعل حركة إنقاذ ليهود أوربا وغيرهم أم رؤية أيديولوجية لا علاقة لها بإغاثة اليهود أو إنقاذهم؟ فبينما كانت القاعدة الصهيونية نفسها في شرق أوربا، بل المستوطنون الصهاينة أنفسهم في فلسطين، يؤيدون مشروع أفريقيا، كانت أقلية من الصهاينة تُصر على فلسطين دون غيرها لاعتبارات عقائدية إثنية. وتشير التواريخ الصهيونية أن مشروع شرق أفريقيا فيه اعتراف ضمني بالهوية المستقلة للشعب اليهودي وأن المشروع كان سيؤدي إلى إنشاء دولة يهودية. ولكن هذه النقطة لم تكن موضع جدال على الإطلاق. وقد جاء في مسودة اتفاقية مشروع الاستعمار اليهودي المقدمة من قبَل الصهاينة صياغات غامضة قد يُفهَم منها أن المقصود إنشاء دولة يهودية، فكتب أحد موظفي وزارة الخارجية البريطانية على هامش المادة المقدمة: "إذا تَملَّك اليهود المنطقة فسيعني ذلك عملياً إعطاءهم حكماً ذاتياً محلياً كاملاً بشرط أن يبقى تحت سيطرة التاج البريطاني تماماً". كما أشار وزير الخارجية البريطاني إلى أن انتخاب رئيس بلدية يهودي لكل مدينة هو أقصى ما يمكن إجراؤه. ولم تذكر المذكرة أي شيء عن منح الجنسية البريطانية لسكان هذه المقاطعة إذ يبدو أن وزارة الخارجية كانت قلقة من أن يستغلها اليهود الروس الذين سيستوطنون شرق أفريقيا كنقطة انطلاق وحسب، يقفزون منها وبواسطتها إلى بريطانيا بجوازات سفر بريطانية يحصلون عليها في المستعمرة. وقد حدَّد زانجويل بوضوح شديد الطبيعة الحقيقية لمشروع شرق أفريقيا بقوله: "إن الاستيطان الصهيوني في شرق أفريقيا سيكون وسيلة لمضاعفة عدد السكان البيض التابعين لبريطانيا هناك". صهاينة صهيون Zionei Zion » صهاينة صهيون» اصطلاح يُستخدَم للإشارة للصهاينة الذين رفضوا مشروع شرق أفريقيا وأصروا على فلسطين (صهيون) باعتبار استحالة وجود صهيونية خارج صهيون. جوزيف تشامبرلين (1836-1914 (Joseph Chamberlain رجل سياسة بريطاني، والمُنظِّر الحقيقي لمشروع شرق أفريقيا، ومن ثم فهو صاحب أول وعد بلفوري محدد. والواقع أن جوزيف تشامبرلين هو الذي اختار لنفسه منصب وزير المستعمرات عام 1895 وظل فيه حتى عام 1903، فكانت أطول مدة لأي وزير في هذا المنصب. وقد كان جوزيف تشامبرلين يتميَّز بسعة الخيال والقدرة على الابتكار، وقد حاول أن يُخرج إنجلترا من عزلتها الدبلوماسية وأن يُقوِّي الإمبراطورية بحيث تصبح مهيمنة كقوة، وأن يزيد نفوذها تجاه القوى العظمى الأخرى. ولذا، مدَّ السكك الحديدية، وحاول إقامة الزراعة في المستعمرات على أساس علمي، ونظَّم إدارة الإمبراطورية، واتجه نحو زيادة العنصر البشري الغربي بسبب ما تَصوَّره من التفوق العرْقي عند الغربيين. وكان تشامبرلين عنصرياً حتى النخاع، يؤمن بالنظرية الداروينية (مثل معظم أعضاء النخبة السياسية في العالم الغربي في أواخر القرن التاسع عشر) . فكان مؤمناً بأهمية العرْق، وبأنه يُحدِّد السمات الأساسية للحضارات (أي أنه كان يؤمن بالقومية العضوية) ، ولذا فقد كان يرى ضرورة وضع السياسة الخارجية على أُسس عرْقية علمية واضحة، وأن تستند إليها التحالفات. كانت رؤية تشامبرلين للعرْق هرمية. وعلى قمة الهرم كان يتربع الأنجلوـ ساكسون (الإنجليز والأمريكان) ، يليهم التيوتون، أما اليهود فكانوا بطبيعة الحال في قاع الهرم. ومع هذا، كان تشامبرلين يرى أن بعض الأجناس الدنيئة أقل دناءة من غيرها. فالهنود، على سبيل المثال، من الأجناس الدنيئة، ولكنهم أقل دناءة من السود، ولذا يمكن تطوير الزنوج وإدخال الحضارة بينهم عن طريق عنصر أجنبي وسيط، ومن ثم تستفيد الأطراف كافة، إذ يستفيد الغرب ويستفيد الوسيط الهندي، بل يستفيد المواطن الأصلي الأسود نفسه! كما لاحَظ تشامبرلين أن الجو لم يكن مواتياً في كثير من المستعمرات لاستخدام الإنسان الأبيض في بناء السكك الحديدية، ولذا تم استخدام الهنود كمادة بشرية وظيفية في بنائها. وأخيراً، لاحَظ تشامبرلين أن العنصر الأوربي غير الإنجليزي قد لا يكون مطيعاً بالقدر الكافي ولا يمكن أن ينضوي تحت لواء الإمبراطورية البريطانية كما فعل الأفريكانز (المستوطنون البيض من أصل هولندي في جنوب أفريقيا) . وكان الوضع، من منظور العنصر البشري الغربي، سيئاً جداً، ولذا اكتشف تشامبرلين أن اليهود قد يكونون العنصر الذي يحل محل الهنود في عملية الاستيطان كعنصر وسيط، فهم عنصر أوربي ولكنهم لا يسببون القلاقل مثل الأفريكانز. وفي عام 1902، دُعي هرتزل ليدلي بشهادته أمام اللجنة البريطانية للغرباء التي أُنشئت للنظر في مشكلة هجرة يهود اليديشية إلى إنجلترا. فاقترح تحويل الهجرة إلى وطن يهودي مُعترَف به قانوناً، وكان الشاهد الوحيد الذي قدَّم حلاًّ صهيونياً للمشكلة، وقد ترك ذلك أثراً عميقاً في السامعين. وبعد عدة أشهر دُعي هرتزل لمقابلة تشامبرلين الذي استمع لوجهة نظره وأدرك إمكانية توظيف الشعب العضوي المنبوذ في المشاريع السياسية والإقليمية الخارجية للحكومة البريطانية، وطرح عليهم كلاًّ من قبرص والعريش. ولم يكن اسم هرتزل معروفاً، فقابل لورد لاندسدون الذي كتب تقريراً عن مشروع العريش الذي اقترحه هرتزل باعتبارها البقعة التي يمكن أن "يُلقى فيها" بيهود أوديسا والإيست إند في لندن، ولكن كرومر رفض المشروع. زار تشامبرلين أفريقيا عام 1902، ثم استقبل هرتزل مرة أخرى وعرض عليه إنشاء مُستوطَن يهودي مستقل في شرق أفريقيا، وقد تم ذلك بموافقة بلفور الذي كان رئيساً للوزراء آنذاك والذي سُمِّي وعد بلفور باسمه. إسرائيل زانجويل (1864-1926) Israel Zangwill روائي إنجليزي وزعيم الصهيونية الإقليمية. وُلد في لندن وكان على رأس النشاط الصهيوني في إنجلترا حينما زارها هرتزل واتصل به ليرتب له اجتماعاً مع قادة الأقلية اليهودية فيها. وكان زانجويل يدرك أن اليهودية ستتحوَّل إذا خرجت من الجيتو، وأن من غير المعقول الاستمرار في الادعاء بأن الأمور ستسير على منوالها القديم. وتعالج كثير من أعماله الأدبية هذه القضية، فكتاب أطفال الجيتو (1892) هو تاريخ أسرة يهودية، وهو في واقع الأمر تاريخ أسرته هو، وهي رواية بانورامية تتناول شخصيات يهودية عديدة كلها تبغي الهروب من الجيتو. ومن أهم الشخصيات الشاعر بنحاس، وهو في الواقع صورة كاريكاتورية ساخرة للشاعر نفتالي إمبر مؤلف نشيد الهاتيكفاه. من أهم أعمال زانجويل الأخرى أبناء الجيتو (1892) الذي يُصوِّر بعض الشخصيات التي يمزقها ازدواج الانتماء لعالم الجيتو اليهودي وعالم الأغيار المعاصر. والكتاب دراسات في شخصيات يهودية تترك العقيدة اليهودية، مثل: دزرائيلي وهايني ولاسال وشبتاي تسفي. وتعالج رواية حالمو الجيتو (1898) الموضوع نفسه، فهي تزخر بشخصيات تبحث عن مهرب من الجيتو والقيم الدينية العتيقة التي تهيمن عليه. أما رواية مآس جيتوية (1893) فتحكي قصة يهودي تزوج من امرأة مسيحية ولكنه لا يملك إلا أن يبقى يهودياً في الخفاء. أما روايته ملك الشحاذين (1894) فتتناول اليهود السفارد في لندن قبل صول يهود اليديشية. ومن رواياته الأخرى كوميديات جيتوية (1907) ويتميَّز موقف زانجويل تجاه اليهود بازدواجية غريبة، فهو من ناحية معجب إلى حدٍّ ما بالجيتو وبشخصياته، ولكنه من ناحية أخرى يجدها شخصيات ضيقة ومائلة للذوبان في العصر الحديث، وهو فخور ببعض الجوانب اليهودية في حياته ولكنه يشعر بالخجل تجاه البعض الآخر. ويمكن القول بأن رفضه لليهود واليهودية أكثر عمقاً بكثير من إعجابه ببعض جوانب الشخصية اليديشية. ورفضه اليهود واليهودية يتجلى في كتابه الدين المقبل حيث يعبِّر عن أمله في ظهور ديانة جديدة تمزج الديانتين اليهودية والمسيحية والحضارتين العبرية والمسيحية. وله كتاب آخر ألفه في أخريات حياته هو عقيدتي (1925) يطالب فيه بيهودية غير يهودية، حتى يتم التوصل إلى عقيدة عالمية لكل البشر. ومن أهم مسرحياته، مسرحية آتون الصهر التي يتصور فيها الولايات المتحدة على أنها آتون إلهي للصهر ستذوب فيه كل أجناس أوربا وتندمج، وتختفي فيه كل الخصوصيات، وضمن ذلك الخصوصية اليهودية. ومن أهم آليات الصهر، الزواج المُختلَط (وقد كان زانجويل نفسه متزوجاً من مسيحية) . فكأن الولايات المتحدة هي الترجمة التاريخية النهائية لمثُل عصر الاستنارة التي ستريح الإنسان من عبء التاريخ وتريح اليهود من عبء الهوية. وقد صدرت لزانجويل عدة روايات أخرى ليس لها علاقة كبيرة بالموضوع اليهودي مثل السيد (1895) وهي قصة صبي مهاجر من كندا ينجح في أن يصبح فناناً شهيراً، وله أيضاً عباءة إلياهو (1900) عن أحداث حرب البوير. وموقف زانجويل يشبه تماماً موقف هرتزل ونوردو ويهود غرب أوربا عامة، وهو أن اليهود واليهودية يمثلان بالنسبة له مشكلة تتطلب حلاًّ لا انتماءً إيجابياً يرحب به المرء. وقد ترجم هذا الموقف نفسه إلى صهيونية توطينية، فقام زانجويل بتقديم هرتزل لاجتماع المكابيين عام 1896 في لندن، وذهب إلى فلسطين عام 1897 وحضر المؤتمر الصهيوني الأول في العام نفسه. ولكن توطينية زانجويل كانت عميقة جداً، ورغبته في التخلص من الفائض اليهودي كانت متبلورة، ولذا فقد ألقى بكل ثقله خلف مشروع شرق أفريقيا الذي وصفه بأنه سيكون وسيلة لمضاعفة عدد السكان البيض التابعين لبريطانيا. فالاستعمار الاستيطاني بالنسبة إليه يشبه الزواج المُختلَط، وسيلة للتخلص من اليهود ولتذويبهم في التشكيل الحضاري الغربي. ولذا، حين رفض المؤتمر السابع (1905) المشروع، انشق زانجويل على المنظمة الصهيونية وأسَّس المنظمة الصهيونية الإقليمية التي كانت تهدف إلى تأسيس إقليم يهودي (ليس بالضرورة في فلسطين) بهدف إنقاذ وإغاثة اليهود خارج أية تصورات قومية يهودية. وقد تحرك زانجويل بحماس في إطار صهيونيته التوطينية، فطلب العون من أثرياء الغرب المندمجين (لورد روتشيلد ويعقوب شيف) وحاول توطين بعض المهاجرين اليهود، ولكنه لم ينجح إلا في توطين بضع عائلات في تكساس. وحينما أُعلن وعد بلفور، أصبح زانجويل من كبار المتحمسين له. والواقع أن هذا الوعد جعل المشروع الصهيوني جزءاً من التشكيل الحضاري أو على وجه الدقة التشكيل الإمبريالي الغربي. وطالب زانجويل بتفريغ فلسطين من سكانها في أسرع وقت، فهو مثل نوردو وجابوتنسكي في عجلة من أمره ويتمنى اختفاء اليهود حتى يستأنف حياته في غرب أوربا كمواطن عادي. وقد وجَّه زانجويل النقد اللاذع للحكومة البريطانية لفشلها في تنفيذ ما جاء في الوعد بسرعة. ولكنه، مع هذا، عاد واكتشف حقيقة الموقف في فلسطين، ووجد أن المشروع الصهيوني سيرتطم بالسكان الأصليين. ولهذا، فقد عاد مرة أخرى للحل الإقليمي. من أهم كتبه التي تضم مقالاته صوت القدس (1920) ، خُطب ومقالات وخطابات (1937) ، لكن هذه الكتابات نُشرت بعد موته. وقد قام زانجويل بترجمة أعمال ابن جبيرول من العبرية إلى الإنجليزية. مشروع قبرص Cyprus Project انطلقت الدعوة الأولى لتوطين اليهود في قبرص في عام 1878، عندما فرضت بريطانيا سيطرتها على الجزيرة رغم إبقائها، من الناحية الاسمية، تابعة للدولة العثمانية. فقد نشرت صحيفة الجويش كرونيكل آنذاك مقالاً أبرزت فيه المزايا التي تتمتع بها قبرص والتي تجعلها مكاناً ملائماً لتوطين اليهود يكون بمنزلة قاعدة تحظى بالحماية البريطانية. ومع تزايد حدة النزاع بين بريطانيا والدولة العثمانية حول الجزيرة عام 1895، ارتفعت في بريطانيا أصوات تدعو إلى إنشاء كيان يهودي في قبرص يكون خاضعاً للحماية البريطانية وخادماً للمصالح الاستعمارية البريطانية في البحر الأبيض المتوسط. ولقيت هذه الدعوة قبولاً لدى الداعية الصهيوني ديفيز ترييتش، الذي سعى إلى عرض الفكرة في المؤتمر الصهيوني الأول (1897) ثم في المؤتمر الثاني (1898) ، ولكن هرتزل، الذي كان متحمساً للمشروع من حيث المبدأ، نصحه بالتريث حتى تحين فرصة مواتية للبدء في الخطوات العملية، وأشار عليه بعرض الأمر على جمعية الاستعمار اليهودي، التي لم تتحمس هي الأخرى للمشروع. إلا أن ذلك لم يثن ترييتش عن مسعاه، فطرح الفكرة مجدداً في المؤتمر الصهيوني الثالث (1899) ، حيث قوبلت بمعارضة شديدة، على أساس أن الانشغال بتوطين اليهود في قبرص قد يعرقل مشاريع الاستيطان في فلسطين. أما هرتزل فلم يجاهر بتأييده للمشروع خوفاً من استفزاز حركة أحباء صهيون، التي كانت تصر على الاستيطان في فلسطين. وكان من شأن هذه المعارضة أن تدفع ترييتش إلى الاعتماد على جهوده الشخصية، فألف في برلين عام 1899 لجنة لرعاية المشروع كان من بين أعضائها ديفيد ولفسون وأوتو واربورج، وسافر في العام نفسه إلى قبرص لدراسة الأوضاع هناك، كما قدَّم مذكرة بالمشروع إلى المندوب السامي البريطاني في الجزيرة، ركز فيها على المكاسب التي ستجنيها بريطانيا سياسياً واقتصادياً من وراء دعمها للمشروع والدور الذي سيقوم به المستوطنون اليهود في خدمة المصالح البريطانية في منطقة شرق البحر المتوسط. وفي عام 1900، نجح ترييتش، بالتعاون مع جمعية الاستعمار اليهودي، وصندوق الائتمان اليهودي للاستعمار، في تهجير نحو 250 من اليهود الرومانيين والروس إلى قبرص. ولكنهم لم يَطُل بهم المقام هناك، فسرعان ما سرى التذمر في صفوفهم نظراً لغياب التجانس بينهم وإحساسهم بأنهم أصبحوا أشبه ما يكونون بالعبيد في ظل نظام السخرة الذي فرضه عليهم ترييتش دون أدنى اعتبار لآدميتهم أو لتقاليدهم الدينية أو الثقافية، وهو ما جعلهم يفضلون العودة إلى ديارهم والعدول عن الاستيطان في قبرص. وأثار فشل المحاولة عاصفة من الهجوم على ترييتش حيث اتهمه خصومه بالتغرير بالمهاجرين اليهود لتحقيق مآرب شخصية والإقدام على مغامرة غير مدروسة. إلا أن هذا الفشل لم يقض على المشروع تماماً. ففي عام 1901، طُرحت مجدداً فكرة توطين بعض اليهود في قبرص، وجاءت المبادرة هذه المرة من جانب هرتزل، الذي كان يرقب باهتمام مساعي ترييتش دون أن يورط نفسه في تأييدها أو معارضتها علناً، ولكنه وجد فرصة سانحة بعد ما سرت شائعات عن أن بريطانيا تنوي التخلي لألمانيا عن قبرص مقابل الحصول على بعض المستعمرات الألمانية في شرق أفريقيا، فسارع بإجراء اتصالات مع الحكومة الألمانية لإقناعها بالمنافع التي ستعود عليها من جراء توطين اليهود في قبرص، حيث إن المستوطنين سيوفرون لألمانيا قاعدة للتوسع الاستعماري في المنطقة العربية، وسيضمنون تأمين الطريق إلى مستعمراتها في آسيا، فضلاً عن استعدادهم للقيام بعمليات عسكرية للدفاع عن المصالح الألمانية إذا دعت الحاجة إلى ذلك. ولكن هرتزل لم يلبث أن تراجع عن هذا العرض بعدما تبين أن بريطانيا لن تتخلى عن قبرص، فاتجه بمساعيه مرة أخرى إلى الحكومة البريطانية التي حرص دائماً على إبقاء الأبواب مواربة معها، وأسفرت هذه المساعي عن عقد اجتماع في عام 1902 بينه وبين جوزيف تشامبرلين، وزير المستعمرات البريطاني آنذاك، نوقشت خلاله خطط توطين اليهود في قبرص أو العريش. إلا أن الوزير البريطاني أبدى تَخوُّفه من أن الاستيطان اليهودي في قبرص قد يثير حفيظة سكان الجزيرة، وأغلبهم مسيحيون أرثوذكس ذوو أصول يونانية، وهو الأمر الذي قد يُفجِّر بدوره مشاكل مع كل من اليونان، التي تربطها بسكان الجزيرة وشائج قومية وتاريخية، وروسيا التي تُعَدُّ كنيستها الأرثوذكسية المرجع الروحي لهؤلاء السكان. وقد ألمح تشامبرلين إلى أن حكومته لا تقبل إحلال اليهود محل سكان مسيحيين لهم ارتباطات وثيقة بالعالم الأوربي، واقترح بدلاً من ذلك أن يكون توطين اليهود في "بقعة أخرى من الممتلكات البريطانية لا يوجد بها سكان مسيحيون بيض". ولا تخلو هذه النظرة العنصرية الصريحة من مغزى، فإذا كان فقراء اليهود في أوربا يشكلون فائضاً بشرياً ينبغي التخلص منه بتهجيره، فإن هذه العملية ينبغي ألا تتم على حساب أحد أطراف العالم الأوربي "الحديث"، بل يلزم البحث عن كبش فداء من الشعوب الأخرى "المتخلفة" لكي تُصدَّر إليه أزمات أوربا. ورغم أن بريطانيا رفضت عرض هرتزل، إلا أن الاتصالات بين هرتزل وتشامبرلين شجعت ترييتش على إحياء مشروعه، فبادر في مطلع عام 1903 إلى السعي لدى المندوب السامي البريطاني في قبرص للموافقة على توطين بعض اليهود في الجزيرة، ولكن بريطانيا كررت رفضها وأكدت مجدداً أن أقصى ما يمكن قبوله هو السماح لليهود بشراء مساحات محددة من الأراضي في قبرص، على أن يتم ذلك بشكل فردي وبرضا سكان الجزيرة، وهو ما دفع ترييتش، والحركة الصهيونية عموماً، إلى صرف الأنظار عن مشروع توطين اليهود في قبرص. ديفيز ترييتش (1870ـ1935 (avis Trietsch صهيوني توطيني إقليمي. وُلد في درسدن بألمانيا، وهاجر إلى نيويورك في الثالثة والعشرين من عمره، وأقام بالولايات المتحدة الأمريكية حتى عام 1899 حيث حصل على الجنسية الأمريكية. ثم انتقل إلى ألمانيا وساهم بحماس في الأنشطة الصهيونية، فشارك منذ عام 1901 في تحرير المجلة الشهيرة الشرق والغرب التي كانت تُعنَى بقضايا اليهودية المعاصرة. وأتاح له مارتن بوبر ـ من خلال رئاسته لصحيفة دي فيلت ـ فرصة التعبير عن آرائه ومشاريعه. كما ساهم مع بوبر وآخرين في تأسيس دار نشر صهيونية في برلين عام 1902. اشترك ترييتش في المؤتمر الصهيوني الأول (1897) ، وارتبط اسمه بجهوده الكبيرة في هذا المؤتمر وفي المؤتمرات التالية، لحمل الحركة الصهيونية على تبنِّي مشروع قبرص الذي كان قد بدأ الدعوة له منذ عام 1895 حيث رأى فيه مقدمة لتحقيق هدفه الأعظم وهو مشروع فلسطين الكبرى التي تضم قبرص والعريش فضلاً عن فلسطين. كما دعا ترييتش لتعديل برنامج بازل وتوسيعه ليتمشى مع مفهومه الخاص عن هدف الصهيونية، ولكنه قوبل بمعارضة شديدة، وهو ما دعاه إلى مواصلة مساعيه اعتماداً على جهوده الشخصية. وعلى الصعيد النظري، كرس ترييتش عدداً كبيراً من المقالات والدراسات لبسط مشروع فلسطين الكبرى. وعلى الصعيد العملي، سعى ترييتش إلى عرض مشروع توطين اليهود في قبرص على الحكومة البريطانية التي لم تُبد حماساً كبيراً في ذلك الوقت، فاتجه إلى طلب المعونة من أثرياء اليهود، أمثال البارون دي هيرش، وجمعية الاستعمار اليهودي وصندوق الائتمان اليهودي للاستعمار، ولكنه لم يلق استجابة تُذكَر. ورغم أنه نجح عام 1900في تهجير حوالي 250 من يهود روسيا ورومانيا إلى قبرص. إلا أن المحاولة لم تلبث أن منيت بفشل ذريع، نظراً لعدم تجانس المهاجرين وإحجام بريطانيا وأثرياء اليهود عن دعم المشروع، وهو ما عرَّض ترييتش لهجوم عنيف حدا به إلى الابتعاد عن الساحة السياسية والانصراف إلى العمل الصحفي بل التنصل من مسئولية المغامرة الفاشلة. ولكنه بادر عام 1903، بالتعاون مع فرانز أوبنهايمر، بتأسيس الشركة اليهودية لاستعمار الشرق في برلين. كما أسَّس مع نوسيج مجلة فلسطين لتكون لسان حال الشركة. كما واصل، من جهة أخرى، اتصالاته بالمسئولين البريطانيين لإقناعهم بتبنِّي مشروع استيطان قبرص، إلا أن بريطانيا رفضت المشروع خوفاً من إثارة مشاعر المواطنين في قبرص. وفي عام 1905، أسَّس ترييتش مكتب معلومات الهجرة في يافا لجمع المعلومات عن الهجرة اليهودية والمناطق الملائمة للاستيطان، إلا أنه لم يستمر طويلاً في عمله هذا. وفي عام 1906، سافر إلى العريش ضمن بعثة شكَّلها لاكتشاف المنطقة ودراسة إمكانية توطين اليهود فيها تمهيداً للتفاوض من جديد مع الحكومة البريطانية للحصول على دعمها وتأييدها للمشروع، ولكن جهوده هذه آلت هي الأخرى إلى الفشل. وعندما اندلعت الحرب العالمية الأولى، عمل ترييتش في قسم الإحصاء في الجيش الألماني. وفي عام 1915، نشر عدة كتيبات تدعو إلى تعزيز التعاون بين ألمانيا والحركة الصهيونية، وكان من شأن دعوة كتلك أن تُصعِّد حملة الهجوم عليه من جانب خصومه في الحركة الصهيونية الذين كانوا يرون بريطانيا الحليف الأساسي للحركة. وقد ظل ترييتش حتى نهاية حياته متمسكاً بآرائه الرامية إلى التعجيل بتهجير أعداد كبيرة من اليهود إلى فلسطين وإقامة مشاريع صناعية هناك بدلاً من المشاريع الزراعية التي كانت تنفذها المنظمة الصهيونية، وذلك لوضع أسس صلبة لقيام فلسطين الكبرى. ويُعتبَر ترييتش مثالاً واضحاً للصهيوني التوطيني الذي كان يرغب في حل مشاكل إخوانه اليهود. وعلى حد تعبيره، فإن "على الأغنياء من اليهود أن يبحثوا عن مكان ليستقر فيه إخوانهم الفقراء". وهو ينطلق أساساً من خوفه من موجات هجرة اليهود الفقراء والعمال إلى موطنه الذي اختاره للاندماج، وبالتالي من خوفه من تَفجُّر موجة عداء ضد اليهود قد تؤثر فيه هو شخصياً، فكأن صهيونيته دفاع عن اندماجيته الحقيقية. والواقع أن ترييتش لم يفكر قط في الاستقرار في أي من مشاريعه. كذلك لا يمكن إغفال دافع الربح، فقد كان ترييتش صهيونياً نفعياً يرى مشاريعه الصهيونية وسيلة لكسب المال وزيادة ثروته. ومن ثم، كان تركيزه على أن يكون اليهود والمستوطنون من العمال القادرين. مشروع مدين Midian Project في سياق تطبيق الصيغة الصهيونية الأساسية المتمثلة في حل ما يُسمَّى «المسألة اليهودية» عن طريق نقل اليهود إلى بقعة خارج أوربا لإقامة دولة يهودية فيها تحت رعاية إحدى القوى الاستعمارية، سعى الرحالة الصهيوني بول فريدمان إلى البحث عن بلاد ضئيلة السكان لتكون مسرحاً لعملية الاستيطان اليهودي، واختار لهذا الغرض ما يُسمَّى «إقليم مدين» الواقع شمال غربي الجزيرة العربية، والمتاخم لمدينة العقبة الأردنية، وعمل على الاتصال بالزعماء اليهود والحاخامات والشخصيات البارزة لتدعيم المشروع. كما تقرَّب إلى جمعية قديما والجمعية الأنجلو يهودية وجمعية الأليانس في باريس وفيينا، وحاول استمالة البارون دي هيرش لتمويل المشروع. ومن ناحية أخرى، سعى فريدمان إلى توفير مظلة دولية لمشروعه فقابل اللورد كرومر في لندن عام 1889 وأكد له الأخير أن الحكومة البريطانية لن تعرقل خطواته. وفي عام 1890، قام بزيارة مصر لدراسة أوضاع أرض مدين والحصول على موافقة الحكومة المصرية على المشروع حيث كان الإقليم خاضعاً لإشراف حاكم مصري في السويس. وبعد عودته إلى برلين، نشر عام 1891 كتيباً بعنوان أرض مدين وصف فيه أحوال الإقليم واقتصادياته وطبيعة السكان والمناخ، وعدَّد مزايا الاستيطان اليهودي في تلك الأرض التي زعم أنها كانت في الماضي جزءاً من المملكة اليهودية القديمة. وعمل فريدمان على إرسال الكتيب إلى عدد من السياسيين ورجال الدولة في أوربا لحثهم على ممارسة نفوذهم لإقناع أكبر عدد من اليهود بالهجرة إلى مدين. وفي عام 1891 أيضاً، بدأ فريدمان جهوده العملية لتحويل المشروع إلى واقع، فقام بتجنيد عدد من اليهود الروس في فرقة عسكرية لتكون نواة لجيش المستوطنين. وابتاع يختاً بحرياً أطلق عليه اسم «إسرائيل» ، وأبحر في نوفمبر من العام نفسه مع المجندين المسلحين الذين بلغ عددهم نحو خمسين شخصاً بالإضافة إلى بحارة اليخت التسعة، وكان معظم هؤلاء من أعضاء حركة أحباء صهيون. وما أن وصل فريدمان وجيشه إلى مدين حتى بدأت المشاكل، إذ ظهرت معارضة شديدة في أوساط الحركة الصهيونية. وفي الوقت نفسه، اندلع التمرد في صفوف المستوطنين من جراء النظام الصارم الذي فرضه فريدمان. وازدادت حدة الغضب بعد العثور على جثة أحد المستوطنين ملقاة في الصحراء، فجرى طرد المتمردين من الفرقة، حيث تاهوا في الصحراء ولقي بعضهم حتفه. وفي آخر الأمر، لم يتبق من الأتباع سوى تسعة أشخاص. ومع ذلك، كان يحلو لفريدمان أن يرتدي الزي العسكري ويضع على رأسه التاج الذهبي ويزين صدره بالأوسمة والنياشين ممثلاً دور ملك اليهود في مدين (!) . وتضاعفت المشاكل عندما قرَّرت الحكومة الروسية مقاضاة فريدمان أمام محكمة قنصلية ألمانيا في القاهرة بتهمة التسبب في وفاة أحد رعاياها خلال هذه المغامرة. وقد لجأ فريدمان إزاء ذلك كله إلى محاولة تجنيد بعض اليهود المصريين وإغراء بعض الجنود السودانيين، إلا أن محاولته لم تُحقِّق نجاحاً يُذكَر. وفي نهاية الأمر، تدخلت الحكومة العثمانية لتضع حداً للمغامرة الاستعمارية إذ تحسَّست الخطر من هذا المشروع الذي يتم تحت الحماية البريطانية. وهكذا تحركت قوة عسكرية تركية لطرده من الإقليم. وقد فشلت مساعيه لتحريض السكان على القتال ضد الأتراك، كما فشلت المساعي البريطانية لحمل تركيا على الانسحاب. وطُلب من فريدمان مغادرة البلاد فعاد إلى برلين عام 1895. وقد زاد فشل المغامرة من هجوم الحركة الصهيونية على فريدمان. والملاحَظ أن هذه الانتقادات انصبت على شخص فريدمان ولم تتعرض لعملية الاستيطان نفسها أو لفكرة اغتصاب أرض يملكها الغير. وكان هؤلاء المعارضون هم أنفسهم الذين أعطوا هرتزل فيما بعد كل تأييدهم حين بدأ الدعوة لمغامرة مماثلة تهدف لاستعمار فلسطين وإقامة "الوطن القومي اليهودي" على أرضها. بول فريدمان (1840-1900 (Paul Friedmann صهيوني توطيني. وُلد في ألمانيا لعائلة يهودية كان أحد أفرادها زعيماً للطائفة اليهودية في برلين. وقد اعتنق المذهب البروتستانتي حيناً، ولكنه عاد إلى اعتناق اليهودية مرة أخرى. قام برحلات متعددة إلى العواصم الأوربية، واهتم بأحوال أعضاء الجماعات اليهودية في هذه البلدان ولا سيما اليهود الروس، وتوصَّل إلى الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة ومؤداها أن حل ما يُسمَّى المسألة اليهودية لن يتم إلا عن طريق نقل اليهود (باعتبارهم شعباً عضوياً منبوذاً) إلى بقعة خارج أوربا لإقامة دولة يهودية فيها تحت رعاية دولة غربية. ثم مضى إلى أبعد من ذلك، فقاد في عام 1891 مغامرة لتوطين عدد من اليهود الروس في «إقليم مدين» الواقع على الشاطئ الغربي لشبه الجزيرة العربية وإقامة دولة يهودية هناك، فيما عرف باسم «مشروع مدين» . إلا أن المغامرة مُنيت بالفشل الذريع نظراً لمعارضة الدولة العثمانية للمشروع خوفاً من عواقبه الوخيمة على مصالحها، وإحجام زعماء الحركة الصهيونية والأثرياء اليهود عن دعم المشروع لتشككهم في جديته، فضلاً عن انفراط عقد المستوطنين أنفسهم من جراء النظام الصارم الذي فرضه فريدمان عليهم، وهو ما أدَّى إلى مصرع بعضهم، وكذلك إلى عدم اقتناعهم بشخصية فريدمان نفسه الذي كان يَغلب عليه الإحساس بجنون العظمة. والواقع أن بول فريدمان يشبه لورانس أوليفانت في كثير من النواحي، فكلاهما يدور داخل نطاق الفكر الاسترجاعي بعد علمنته تماماً وبعد أن تحوَّل المشروع الاسترجاعي شبه الديني إلى مشروع استيطاني علماني تماماً. وكلاهما صهيوني عملي لا يَقنَع بالتوصُّل للصيغ النظرية وإنما يحاول وضعها موضع التطبيق. وكلاهما يسعى إلى تجنيد المادة البشرية اليهودية (اليديشية) التي كانت لا تزال تفتقد القيادة اليهودية وإدراك حقيقة الإمبريالية الغربية كظاهرة عالمية. مشروع أنجولا Angola Project بعد فشل مشروع الاستيطان اليهودي في ليبيا، إثر وقوعها في قبضة الاستعمار الإيطالي، تطلعت المنظمة الصهيونية الإقليمية إلى مناطق أخرى تَصلُح لتوطين اليهود فيها وسعت للبحث عن قوة استعمارية كبرى تتولَّى توفير الحماية والرعاية لمشاريع الاستيطان. وفي عام 1912، اقترح إسرائيل زانجويل على الحكومة البرتغالية توطين عدد من يهود روسيا وأوربا الشرقية في مستعمرة أنجولا، ووافق البرلمان البرتغالي على الاقتراح بالإجماع، إذ رأى فيه فرصة لتوطيد النفوذ الاستعماري في تلك المنطقة التي كان المستوطنون البرتغاليون يحجمون عن الاستقرار فيها رغم أهميتها الحيوية بحكم موقعها المجاور لمناطق النفوذ الألماني والبريطاني. ولكن البرلمان اشترط أن يتوافد المستوطنون اليهود فرادي وليس جماعات، وأن تظل الحكومة البرتغالية صاحبة اليد العليا في كل ما يتعلق بأمور المنطقة. وفي عام 1913، أوفدت المنظمة الصهيونية الإقليمية بعثة من الخبراء إلى أنجولا لدراسة الأوضاع فيها ومدى قدرة المستعمرة على استيعاب مستوطنين يهود. وأعدت البعثة تقريراً لعرضه على المؤتمر العام للمنظمة الذي كان مقرراً عقده في سويسرا في عام 1914، إلا أن اندلاع الحرب العالمية الأولى أدَّى إلى إرجاء المؤتمر، كما أدَّت التطورات اللاحقة على الصعيد العالمي إلى صرف النظر عن المشروع برمته. مشروع ليبيا Libya Project يرجع الاهتمام الصهيوني بتوطين اليهود في ليبيا إلى مطلع القرن العشرين، عندما اكتشف هرتزل ما كانت تبيته إيطاليا من نوايا استعمارية إزاء ليبيا، في إطار مساعيها للحصول على نصيب من تركة الدولة العثمانية في شمال أفريقيا وإيجاد موضع لقدمها هناك، وبخاصة بعد سقوط تونس والجزائر في قبضة الاستعمار الفرنسي عامي 1830 و1881، ثم وقوع مصر تحت الاحتلال البريطاني عام 1882. وبادر هرتزل عام 1904 بتقديم اقتراح إلى ملك إيطاليا، يرمي إلى تهجير عدد من يهود شرق أوربا إلى طرابلس الغرب لكي يقيموا فيها حكماً ذاتياً في "ظل القوانين والمؤسسات الليبرالية الإيطالية". وأفاض هرتزل، كدأبه مع زعماء القوى الاستعمارية الكبرى، في ذكر المنافع التي ستعود على إيطاليا من جراء هذا المشروع والخدمات التي يمكن أن تؤديها الحركة الصهيونية لإيطاليا، إلا أن الملك الإيطالي آثر عدم الاستجابة للاقتراح خشية افتضاح أمر الأطماع الإيطالية في ليبيا وما يمكن أن يسببه هذا من مشاكل مع بريطانيا وفرنسا والدولة العثمانية، فرد على هرتزل بما يفيد عدم قدرة إيطاليا على تقديم الدعم للمنظمة الصهيونية العالمية في هذا الصدد، واحتج بأن "طرابلس الغرب وطن للآخرين" ولا سلطان لإيطاليا عليها. وفي أعقاب وفاة هرتزل، جددت المنظمة الصيهونية الإقليمية بزعامة إسرائيل زانجويل مشروع توطين اليهود في ليبيا. ففي عام 1906 أوفد زانجويل لجنة من الخبراء الصهاينة إلى طرابلس الغرب لبحث إمكانية توطين اليهود هناك. وعادت اللجنة بانطباعات إيجابية ضمنتها تقريرها إلى زانجويل الذي أشارت فيه إلى استعداد السلطات العثمانية في ليبيا لقبول فكرة إنشاء مستوطنات يهودية في منطقة الجبل الأخضر بولاية برقة. وفي الوقت نفسه، أوعزت الحكومة البريطانية إلى قنصلها العام في مدينة تونس، السير هاري جونستون، بأن يقترح على زانجويل فكرة إنشاء وطن قومي لليهود في منطقة الجبل الأخضر وإرسال بعثة لدراسة أحوال المنطقة، مؤكداً له استعداد والي ليبيا العثماني رجب باشا (1904 ـ 1909) لتقديم سائر التسهيلات لأعضاء البعثة. وكانت بريطانيا ترمي من وراء ذلك إلى إيجاد قوة تستطيع مواجهة خطر التدخل الإيطالي المحتمل في ليبيا، بينما وجد الوالي العثماني في الاستيطان اليهودي فرصة لتحسين الأوضاع الاقتصادية السيئة في ليبيا. أما المنظمة الصهيونية الإقليمية، فقد نظرت إلى اقتراح توطين اليهود في برقة بوصفه مشروعاً مربحاً من الوجوه كافة، فهو أولاً مشروع يحظى بتأييد اثنتين من القوى الكبرى، وهما بريطانيا والدولة العثمانية، وهو ما يضمن له الحماية والتمويل اللازمين لنجاحه. كما أن المنطقة المقترحة للاستيطان في برقة تكاد تخلو من السكان الأصليين، وهو ما يجعل غلبة النفوذ اليهودي فيها أمراً يسيراً، وذلك عن طريق جلب أعداد كبيرة من اليهود إلى المنطقة وإجبار السكان الأصليين على الهجرة باتجاه الصحراء، وخصوصاً أن المنطقة تقع على ساحل البحر الأبيض المتوسط، وهو ما يُسهِّل عملية جلب اليهود من روسيا ورومانيا. وفضلاً عن هذا، من الممكن على المستوى الدعائي إيجاد ذرائع لجذب اليهود إلى الاستقرار في برقة حيث كانت هذه المنطقة مأوى لعدد كبير من اليهود في عصر الإسكندر المقدوني والبطالمة. ثم إن هذه العناصر مجتمعة تجعل المشروع أمراً ممكناً على عكس مشاريع الاستيطان الأخرى التي كانت مطروحة آنذاك، مثل مشروع قبرص ومشروع أوغندا. وقد سعت المنظمة الصهيونية الإقليمية، منذ البداية، إلى تقديم نفسها بوصفها الحارس لمصالح الدولة العثمانية في المنطقة وأبدت استعدادها للقيام "بكل ما فيه خير البلاد العثمانية"، فعرضت أن يَحصُل المستوطنون اليهود على الجنسية العثمانية وأن يقوموا بدفع ما يلزم من ضرائب ورسوم بشكل جماعي، وأن تتولى المنظمة إقامة ميناء على الساحل الليبي وإنشاء سكة حديدية وتأسيس ملاحة، على أن تعمل هذه المؤسسات جميعها تحت سيطرة الدولة العثمانية وفي خدمتها. وفي عام 1908، أوفدت المنظمة بعثة من الخبراء الصهاينة إلى طرابلس الغرب حيث التقى أعضاؤها بالوالي العثماني الذي رحب بهم وكلف أحد معاونيه بمصاحبتهم إلى برقة لتذليل أية صعوبات قد تواجههم. وأمضت البعثة ثلاثة أسابيع في برقة أجرت خلالها أبحاثاً مكثفة تركزت على أوضاع المنطقة ومواردها المائية وفرص إقامة مشاريع زراعية بها. وأدرجت البعثة خلاصة بحوثها تلك في تقرير صدر في مطلع عام 1909 وأُطلق عليه اسم الكتاب الأزرق تضمن عدداً من المقترحات العملية التي تهدف إلى توفير احتياجات المنطقة من المياه، وإنشاء شبكة مواصلات حديثة تربط برقة بغيرها من مدن ليبيا، وتنظيم الاستيطان اليهودي هناك. وشدد التقرير على ضرورة تحاشي كل ما من شأنه إحراج السلطات العثمانية الراعية للمشروع أو تعكير صفو العلاقات معها، فاقترح أن يتم جلب اليهود على مراحل وبأعداد صغيرة في أول الأمر، وعدم المطالبة بالحكم الذاتي منذ البداية. بيد أن الأوضاع العالمية آنذاك سارت على غير ما كان يشتهي واضعو المشروع. فقد شهد عام 1909 وقوع انقلاب في الدولة العثمانية أطاح بالسلطان عبد الحميد الثاني ودفع الدولة إلى دوامة من الصراعات والمشاكل الداخلية الحادة التي شغلتها عن الاهتمام بمشروع الاستيطان اليهودي، فضلاً عن وفاة والي ليبيا العثماني الذي كان من مؤيدي المشروع. وزاد الموقف تعقيداً إقدام إيطاليا عام 1911 على غزو ليبيا واحتلالها، ولم يلبث العالم بأسره أن اندفع في غمار الحرب العالمية الأولى، وكان من شأن هذا كله أن يؤدي إلى القضاء على المشروع في مهده. مشروع الخليج العربي (البحرين والأحساء ( Arab Gulf Project (Al-Bahrain and Al-Ahsaa) طُرح هذا المشروع عام 1917 في سياق رسالة وجهها إلى الحكومة البريطانية طبيب يهودي روسي مقيم في باريس، ويُدعَى م. ل. روثشتاين، حيث اقترح إقامة دولة يهودية في الجزء الشمالي من منطقة الخليج العربي تشمل البحرين والأحساء، وذلك عن طريق تشكيل جيش يهودي قوامه 30 ألف مقاتل يتم اختيارهم من شباب اليهود في شرق أوربا، ويتخذ من البحرين قاعدة له، وتتولَّى بريطانيا بالتعاون مع حليفتيها فرنسا وروسيا تدريب الجيش وإمداده بالعتاد والأموال والمستشارين العسكريين الأكفاء، بالقدر الذي يؤهله للانقضاض على منطقة الإحساء وفرض السيطرة عليها وإقامة نواة الدولة اليهودية فيها. وشدد روثشتاين على ضرورة إعداد الجيش في سرية تامة دون أن يعلم أحد حتى أفراده بحقيقة المهام المنوطة به، وأن ينهض بتسيير أمور الدولة المقترحة مَجْمَع من الحاخامات. ولم يدخر روثشتاين وسعاً في إبداء فروض الطاعة والولاء لبريطانيا، فأشار إلى أن الجيش اليهودي المقترح سيتولى حماية منطقة الخليج من أي خطر يتهددها، سواءٌ تمثَّل ذلك في شكل هجمات عسكرية تشنها الدولة العثمانية أو ألمانيا أو تمثَّل في شكل ثورات يقوم بها سكان المنطقة العرب، وعرض روثشتاين استعداد الجيش للمشاركة في القتال خلال الحرب العالمية الأولى إلى جانب بريطانيا وحلفائها والنهوض بأية مهمة توكل إليه. كما أكد أن قيام هذه الدولة يضمن لبريطانيا ولاء يهود العالم أجمع ويهود الدولة العثمانية وألمانيا على وجه الخصوص بحيث يكون هؤلاء عملاء مخلصين يسعون إلى تفتيت جبهة الأعداء من الداخل. وأوضح روثشتاين في الختام أن نفقات إعداد الجيش اليهودي تُعتبَر ديناً تلتزم الدولة اليهودية بسداده فور قيامها وأنه يتعهد شخصياً بذلك. ورغم هذه الإغراءات المثيرة، قوبل المشروع بالرفض التام من جانب بريطانيا، حيث ساق إدوين مونتاجو، وزير شئون المستعمرات في الحكومة البريطانية الذي كُلِّف بدراسة الموضوع، عدداً من الاعتبارات التي تدفع بريطانيا إلى عدم تحبيذ الفكرة، من بينها أن توطين اليهود في منطقة الجزيرة العربية لن يكون موضع ترحيب من جانب السكان العرب، وهو ما قد يؤدي إلى إثارة مشاكل معقدة لبريطانيا، فضلاً عن عدم ملاءمة الأماكن المقترحة لإقامة الدولة، حيث كانت البحرين خاضعة للنفوذ البريطاني ومرتبطة بمعاهدة معها منذ عام 1820. كما كانت الأحساء منذ عام 1913 تحت سيطرة عبد العزيز بن سعود أمير نجد الذي بادر عام 1915 بعقد معاهدة تَحالُف مع بريطانيا تعهدت بمقتضاها بحماية بلاده في حالة تعرضها لأي هجوم خارجي. إلا أن هذه الاعتبارات التي أفصحت عنها بريطانيا كانت تخفي أسباباً أعمق للرفض. فقد أدَّت تطورات الحرب العالمية الأولى آنذاك إلى تفتيت الدولة العثمانية وإبعاد خطر الغزو الألماني عن المنطقة، ومن ثم فَقَد مشروع الاستيطان اليهودي أحد مبرراته الأساسية، حيث لم تَعُد بريطانيا في حاجة إلى حارس لمصالحها في المنطقة بعد أن أحكمت هي سيطرتها عليها. كما أن بريطانيا كانت تتوجس خيفة من مغبة الاستعانة بفرنسا وروسيا في تدريب الجيش اليهودي المقترح، وهو ما قد يؤدي إلى فتح أبواب المنطقة للمنافسة الاستعمارية من جديد. وفضلاً عن هذا وذاك، فقد كان اهتمام بريطانيا آنذاك منصباً على فلسطين بوصفها مكاناً مقترحاً لإقامة "وطن قومي" لليهود يكون قاعدة استعمارية في تلك المنطقة الحيوية، وهو ما تمثَّل في صدور وعد بلفور في نوفمبر 1917، والذي كان إعلاناً حاسماً صَرَف النظر نهائياً عن مشروع روثشتاين. مشروع موزمبيق Mozambique Project بينما كانت المشاريع الصهيونية الرامية إلى توطين اليهود في العريش أو شرق أفريقيا تواجه صعوبات جمة، كان هرتزل يسعى بدأب للبحث عن مناطق أخرى للاستيطان من خلال عرض خدمات الحركة الصهيونية على القوى الاستعمارية المختلفة لضمان تأييدها للمشروع الصهيوني. ففي عام 1903 أجرى هرتزل اتصالات مع رئيس وزراء النمسا، عن طريق صديقه وليام هشلر، بغية التوسط لدى الحكومة البرتغالية للسماح بتوطين اليهود في موزمبيق، وبالفعل عقد هرتزل اجتماعاً مع السفير البرتغالي في فيينا عرض خلاله اقتراحاً بإنشاء شركة استثمارية يهودية تعمل على مساعدة البرتغال في التغلب على أزمتها الاقتصادية وتلتزم بتقديم معونة سنوية لها مقابل حصولها على حق استثمار أراضي موزمبيق وتوطين أعداد من يهود شرق أوربا فيها. ورغم حدة الضائقة المالية التي كانت تعاني منها البرتغال آنذاك، فقد آثرت تجاهل الاقتراح خوفاً من عواقب التورط علناً في مشاريع مشتركة مع المنظمة الصهيونية العالمية التي كانت تربطها علاقة وثيقة ببريطانيا، وهي إحدى القوى الكبرى المنافسة للبرتغال في مجال الاستعمار. ومن الواضح أن هرتزل لم يكن ينظر إلى مشروع موزمبيق إلا بوصفه إحدى الأوراق التي يمكن استخدامها لحث بريطانيا على تقديم مزيد من الدعم لمخططات الاستيطان الأخرى في قبرص والعريش على المدى القريب، ولمخطط إقامة دولة يهودية في فلسطين على المدى البعيد. فقد ألمح هرتزل في مذكراته، في معرض حديثه عن مشروع موزمبيق، إلى اعتزامه التنازل عنها للحكومة البريطانية نظير "الحصول" على شبه جزيرة سيناء بأكملها مع مياه النيل صيفاً وشتاءً، وربما معها قبرص، "وذلك كله بلا مقابل". مشروع الكونغو Congo Project في إطار مساعي المنظمة الصهيونية العالمية لتنفيذ مشاريع الاستيطان اليهودي في ظل حماية إحدى القوى الاستعمارية الكبرى، وبعد تعثُّر مشاريع التوطين في العريش وشرق أفريقيا وأنجولا وغيرها، بادر هرتزل في يوليه عام 1903 بإجراء اتصالات مع فرانتز فيليبسون، وهو مستثمر يهودي بلجيكي كان يمتلك احتكارات كبيرة في الكونغو، بغرض استمالته لتأييد فكرة إقامة دولة يهودية في الكونغو والتوسط لدى ملك بلجيكا لكي تتبنَّى بلاده المشروع. وكعادته في المفاوضات مع قادة القوى الاستعمارية الكبرى، عرض هرتزل أن تقوم المنظمة الصهيونية العالمية بدفع "جزية سنوية للحكومة البلجيكية" والمشاركة في تخفيف أعبائها المالية مقابل السماح بتوطين عدد من اليهود في الكونغو واستثمار خيرات المنطقة في إطار حكم ذاتي يخضع لإشراف بلجيكا. ورغم حماس فيليبسون لمشاريع الاستيطان اليهودي عموماً، إلا أنه رفض اقتراح هرتزل وأحجم عن القيام بأي دور في هذ الصدد. ويرجع ذلك، فيما يبدو، إلى تخوفه من أن يؤدي قدوم مستثمرين يهود إلى بروز منافسة تؤثر على مصالحه الواسعة في الكونغو. مشروع الأرجنتين Argentina Project وقع الاختيار على الأرجنتين لتكون البقعة التي تقام عليها أول مستوطنة يهودية في سياق جهود جمعية الاستيطان اليهودي (إيكا) التي أسَّسها المموِّل اليهودي البارون دي هيرش من أجل إعادة توطين يهود أوربا الشرقية في أماكن شتى من القارتين الأمريكيتين، وتحويلهم إلى قطاع اقتصادي منتج من خلال تعليمهم الزراعة والحرف المختلفة. وقد بدأ المشروع عام 1891 بشراء حوالي 750 ألف هكتار من أراضي الأرجنتين، وجلب ما يقرب من 3500 أسرة يهودية للاستيطان هناك، مع إمدادهم بالآلات الزراعية والخبراء اللازمين لتدريبهم. وأوكلت إلى الكولونيل جولد سميد مهمة الإشراف على تلك المستعمرات اليهودية، رغم أنه لم يكن يُخفي تحفُّظه على مشاريع توطين اليهود خارج فلسطين، وكان ينظر إليها بوصفها مجرد خطوات تمهيدية لإقامة الدولة اليهودية على أرض فلسطين. وقد مرت هذه المستوطنات بفترات من الازدهار، ولا سيما في عقد الثلاثينيات الذي بلغ فيه الاستيطان اليهودي في الأرجنتين ذروته، حيث كان هناك حوالي 20 ألف مستوطن يزرعون حوالي 500 ألف هكتار من الأراضي الزراعية. إلا أن العقود التالية شهدت تدهور أوضاع المستوطنات نتيجة نقص مساحات الأراضي الصالحة للزراعة وسوء إدارة ممثلي جمعية إيكا وتزايد أعباء الديون على المستوطنين، وهو ما دفع أغلبهم إلى هجرة المستعمرات والاتجاه إلى الاستقرار في المدن الأرجنتينية الكبرى. مشاريع توطينية أخرى Other Settlement Projects إلى جانب مشاريع التوطين الرئيسية، مثل تلك التي استهدفت قبرص والعريش وشرق أفريقيا والأرجنتين، تعدَّدت المساعي الصهيونية، قبيل عقد المؤتمر الصهيوني الأول (1897) ، وفي أعقابه، من أجل توطين اليهود في بقاع شتى تحت حماية هذه القوى الاستعمارية أو تلك. ففي عام 1891، وجَّه ماكس بودنهايمر نداء إلى أثرياء اليهود لإنشاء شركة تعمل على توطين يهود شرق أوربا في منطقة سهل البقاع في شمال لبنان. وقد أدرك بودنهايمر مدى اهتمام بريطانيا بهذه المنطقة، فتوجه إليها طالباً توفير الدعم والتأييد لهذا المشروع مقابل قيام المستوطنين اليهود بحماية مصالح بريطانيا الحيوية وتأمين مواصلاتها المؤدية إلى مستعمراتها في الهند. ولكن بريطانيا لم تُلق بالاً للمشروع خشية أن يؤدي إلى مواجهة لا مبرر لها مع الدولة العثمانية. وفي عام 1893، قام هنري دي أفيجدور بمحاولة أخرى لشراء مساحات من الأراضي في منطقة حوران لتكون قاعدة للاستيطان اليهودي، ولكن المحاولة مُنيت بالفشل نتيجة معارضة الدولة العثمانية وعدم تحمُّس الزعماء اليهود بالتالي لمشروع لا يحظى بحماية قوة كبرى. وفي العام نفسه، قدَّم أفيجدور التماساً إلى السلطان عبد الحميد نيابة عن جمعية أحباء صهيون، للسماح بتوطين اليهود في منطقة شرق الأردن، وذلك بعد أن قامت السلطات العثمانية بمنع أعضاء الجمعية من شراء الأراضي في فلسطين أو الاستقرار فيها بشكل دائم. وفي الوقت نفسه، قام العلامة بوهلندورف، وهو صهيوني ألماني، بوضع خطة لتجميع أكبر عدد ممكن من اليهود في شرق الأردن للاستقرار فيها وشن غارات منظمة على سكان المنطقة لحملهم على الرحيل تمهيداً لوضع أساس دولة يهودية هناك. إلا أن هذه المحاولات الثلاث لم تحظ بقبول الدولة العثمانية التي كانت تساورها مخاوف عميقة من عواقب توطين اليهود في المحيط العربي وما قد يجره ذلك من صراعات لا طائل من ورائها. ومع تأسيس المنظمة الصهيونية العالمية، تسارعت وتيرة المساعي التوطينية الصهيونية وتعدَّدت وجهاتها. فخلال عامي 1903 و1904، حاول هرتزل إقناع السلطان العثماني، عن طريق مستشاره، بالموافقة على توطين عدد من اليهود في جنوب العراق، مقابل ضع الحركة الصهيونية في خدمة مصالح الدولة العثمانية والمساهمة في حل أزمتها المالية. إلا أن السلطان رفض فكرة الاستيطان الجماعي، لما يمكن أن تجره من عواقب وخيمة على علاقات الدولة ببريطانيا والعرب على حدٍّ سواء، ولكنه أبدى موافقته على الاستيطان اليهودي بشكل فردي وفي مناطق مختلفة داخل العراق أو خارجها بشرط حصول المستوطنين على الجنسية العثمانية، الأمر الذي لم يلق ترحيباً في أوساط الصهاينة الذين كانوا يتطلعون إلى إقامة دولة يهودية وليس مجرد توطين عدة أفراد. وفي عام 1905، واصل ديفيز ترييتش محاولاته الاستيطانية، بعد فشل مشروعي قبرص والعريش، فطلب من السلطان العثماني السماح لليهود بالاستيطان في القطاع الساحلي من منطقة أضنه الذي يتاخم الشاطئ السوري. بيد أن السلطان العثماني رفض الفكرة استناداً للمبررات نفسها التي دفعته إلى رفض مشروع جنوب العراق، وهو ما حدا بترييتش إلى التفكير في جزيرة رودس، التي كانت تبدو بقعة ملائمة للمشروع الصهيوني نظراً لموقعها على الطريق البحري بين شرق أوربا وفلسطين، فضلاً عن وجود حوالي خمسة آلاف يهودي في تلك الجزيرة من مجموع سكانها الذي كان يبلغ آنذاك حوالي 30 ألف نسمة. غير أن هذه الفكرة قوبلت مثل سابقتيها بالرفض والتجاهل. ولابد من الإشارة إلى مشاريع توطين بعض اليهود في أمريكا الشمالية، وكانت جميعها مشاريع عاطفية، إذ أن الولايات المتحدة كانت التجربة الاستيطانية الكبرى للإنسان الغربي، وكانت في حاجة إلى المهاجرين، ولم يكن هناك أي مبرر لأن تمنح المهاجرين من أعضاء الجماعات اليهودية أرضاً خاصة بهم لإقامة دولة. ومن أهم مشاريع الاستيطان في الولايات المتحدة تجربة موردكاي نواه المسماة «جبل أرارات» . وهي تجربة لم يبق منها سوى حجر الأساس الموجود في متحف في مدينة بافالو الأمريكية، في ولاية نيويورك. مشروع جبل أرارات Ararat Mount Project انظر: «موردكاي مائويل نواه» . موردكاي نواه (1785-1851 (Mordecai Noah دبلوماسي أمريكي يهودي من رواد الفكر الصهيوني من أصل سفاردي، وكان أبوه تاجراً جوالاً مفلساً. وقد تيتم وهو بعد طفل، ولكنه علَّم نفسه بنفسه عن طريق القراءة كما تعلَّم حرفة النحت والتنكيل (أي كسوة المعادن بالنيكل) فعُيِّن في وزارة المالية الأمريكية. وفي عام 1800، بدأ نواه يعمل بالصحافة وأصبح محرراً في جريدة في تشارلستون كتب فيها سلسلة مقالات يحض فيها على الحرب مع إنجلترا. عُيِّن نواه عام 1812 قنصلاً في تونس، وذلك بهدف محاولة تحرير الجنود الأمريكيين الذين أسرهم القراصنة في البحر الأبيض المتوسط ولتقوية مكانة أمريكا في بلاد الشرق. وأثناء خدمته الدبلوماسية، أرسلت إنجلترا رسالة احتجاج إلى الولايات المتحدة لأنها قامت ببيع بعض الغنائم التي حصلت عليها من إنجلترا في إحدى موانئ الجزائر. وقد بيَّنت الرسالة أن هذا أمر لا يليق بأمة مسيحية، فكان رد نواه أن الولايات المتحدة لا يمكن تصنيفها على أنها أمة مسيحية، وتُعَد هذه سابقة لا مثيل لها. استُدعي إلى الولايات المتحدة بسبب بعض المخالفات المالية. وعند عودته إلى الولايات المتحدة، عمل نواه في الصحافة كما شغل عدة مناصب في ميناء نيويورك، وضابطاً في ميليشيا نيويورك. وكتب عدة مقالات ومسرحيات أحرز بعضها نجاحاً كبيراً. وأيَّد نواه ضم المكسيك إلى الولايات المتحدة، وهاجم الدعوة إلى إلغاء الرقيق. يرتبط اسم نواه بمشروع صهيوني سماه «أرارات» يُقام في جراند أيلاند في شلالات نياجارا لتوطين اليهود. وقد قدم التماسه هذا عام 1820 للمجلس التشريعي الخاص بالولاية. وفي عام 1825، أرسل نداءه ليهود العالم بأن يتبعوه إلى جبل أرارات ( «نواه» هو النطق الإنجليزي لكلمة «نوح» ، ومن ثم فإن نواه هو نوح الذي سيقود البقية الصالحة إلى جبل أرارات بعد أن يجتاح الطوفان العالم ( ومما له دلالته أن الالتماس الذي قدَّمه للسلطات الأمريكية يسبق النداء الذي أطلقه ليهود العالم، فنواه كان يعرف الأولويات جيداً. فقد كان يدرك أن المشروع الصهيوني لا يمكن أن تقوم له قائمة بدون معونة المسيحيين، ولكن المسيحيين في معجمه هم القوة الأمريكية الصاعدة. ولذا، فقد كان دائماً يتحدث عن ضرورة أن يدرك الأمريكيون أهمية مشروعه وأن يعرفوا أن النبوءات الإنجيلية لا تشير إلى العودة الروحية لليهود وإنما تشير إلى عودتهم الفعلية والحرفية. وفي عام 1825، قام نواه بوضع حجر الأساس في كنيسة سان بول في بافالو (وليس في أي معبد يهودي) ، ولم يضع حجر الأساس في الجزيرة نفسها لأنه لم يتمكن من توفير عدد من القوارب يحمله إلى هناك. ولكن دعوته لم تجد أي صدى بين الجماهير اليهودية، ولم يبق من مشروعه سوى حجر الأساس الذي يوجد الآن في جمعية بافالو التاريخية. ولم يتوقف نواه عن نشاطه، إذ ألقى محاضرة عام 1844 يطالب فيها بإنشاء دولة يهودية في فلسطين. وقد أرسل الرئيس الأمريكي جون أدامز (1797 ـ 1801) رسالة إلى نواه عبَّر فيها عن أمله في أن يعود اليهود إلى فلسطين. ولكنه أحس أن أمنية صهيونية كهذه قد يُشتمُّ منها أنها معادية لليهود، ولذا فإنه أضاف قائلاً أنه يتمنى أن يرى اليهود مواطنين في كل مكان في العالم (وهذه دعوة معادية للصهيونية) إسحق ستاينبرج (1888-1957 (Isaac Steinberg كاتب وسياسي روسي، وأحد قادة تيار «الصهيونية الإقليمية» . وُلد في لاتفيا لعائلة تجمع بين المحافظة على التقاليد اليهودية والتحمس لأفكار حركة التنوير. تلقَّى في صباه تعليماً دينياً تقليدياً، ثم درس القانون في جامعة موسكو ولكنه فُصل منها لانخراطه في أنشطة اشتراكية ثورية، فتَوجَّه إلى ألمانيا وأكمل دراسته في جامعة هايدلبرج حيث حصل على درجة الدكتوراه في القانون وكان موضوع أطروحته «قانون العقوبات في التلمود» . وترجع علاقة ستاينبرج بالحركة الاشتراكية الروسية إلى عام 1906 عندما انضم وهو طالب إلى الحزب الاشتراكي الثوري الذي تَركَّز نشاطه في أوساط الفلاحين الروس. وقد تَبنَّى ستاينبرج الدعوة إلى استخدام العنف الفردي لمواجهة القيصرية انطلاقاً من رفض المفاهيم الماركسية التقليدية بشأن الدور القيادي للطبقة العاملة والشروط الموضوعية للثورة. وبسبب أنشطته في صفوف هذا الحزب، تَعرَّض ستاينبرج للسجن والنفي خارج روسيا حتى عام 1910. وبعد عودته، واصل أنشطته السياسية والصحفية فكان يشارك في العديد من الدوريات العامة والقانونية فضلاً عن المطبوعات الاشتراكية. وبعد ثورة أكتوبر 1917، شغل ستاينبرج منصب مفوض القانون (وزير العدل) ، إلا أن ذلك لم يَدُم طويلاً حيث أُقصى من منصبه إثر احتدام الصراع بين الاشتراكيين الثوريين والبلاشفة، كما تَعرَّض للسجن عدة مرات، وهو ما دفعه إلى الرحيل عن روسيا عام 1923. وفي الخارج، استمر ستاينبرج في أنشطته متنقلاً بين برلين ولندن حتى استقر به المقام في نيويورك عام 1943. وقد وضع ستاينبرج عدة مؤلفات عن دوره في الحركة الاشتراكية الروسية وتقييمه للثورة، وأبرزها كتاب الجانب الأخلاقي للثورة (باليديشية ـ 1925) ، وكتاب ذكريات أحد مفوضي الشعب (بالألمانية، 1929) ، وكتاب في ورشة الثورة (بالإنجليزية، 1953 ـ 1955 ( أما اهتمام ستاينبرج بحركة «الصهيونية الإقليمية» فيعود إلى الفترة التي شهدت وصول الحزب النازي بزعامة هتلر إلى السلطة في ألمانيا، حيث كان يرى أن حماية يهود أوربا أمر لا يحتمل التأجيل إلى أن تتغيَّر السياسة البريطانية بشأن فلسطين. ولذلك، بادر عام 1933 بتشكيل عصبة الأرض الحرة التي تبنَّت فكرة إقامة وطن قومي لليهود في أي مكان خارج فلسطين. وقد سعى ستاينبرج إلى إقناع الحكومة الأسترالية بإقامة مستعمرة يهودية تتمتع بالحكم الذاتي في شمال غربي أستراليا، إلا أن مساعيه باءت بالفشل فتقدم بخطة مماثلة إلى سلطات سورينام قوبلت هي الأخرى بالرفض التام. وكان من شأن هذه الإخفاقات المتتالية أن ابتعد ستاينبرج تدريجياً عن العمل العام وتَفرَّغ للكتابة. وقد سرد تفاصيل مساعيه هذه في كتابه أستراليا: الأرض غير الموعودة (باليديشية ـ 1945) والواقع أن سيرة ستاينبرج تقدِّم نموذجاً فريداً لتَجاوُر المتناقضات الصارخة، فهو يهودي أرثوذكسي لم ينج من تأثيرات خلفيته التقليدية المحافظة طوال حياته، وهو في الوقت نفسه اشتراكي ثوري يشارك بحماس لما يقرب من ثلاثة عقود في حركة سياسية ذات منطلقات علمانية جذرية، وهو بعد ذلك من أشد أنصار دعوى ما يُسمَّى «لقومية اليهودية» بما تنطوي عليه من مضامين عنصرية رجعية. وليس هناك ما يشير إلى تَراجُعه عن أيٍّ من تلك الانتماءات المتضاربة. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
الدولة مزدوجة القومية
Bi-National State أدرك بعض زعماء الاستيطان الصهيوني أن المشروع الصهيوني مشروع استعماري استيطاني لا يكترث كثيراً بسكان البلاد الأصليين، شأنه في هذا شأن أي مشروع مماثل. كما لاحظوا تزايُد المقاومة العربية للاستيطان الصهيوني، فالأرض، كما تبيَّن ليست بلا شعب. فحاول هؤلاء تخفيف حدة المقاومة والتوصُّل إلى حل سلمي مع العرب عن طريق طرح مشروع الدولة مزدوجة القومية، حيث يقتسم العرب والمستوطنون الصهاينة فلسطين ويتعاونان سوياً. ومن أهم هذه الجماعات جماعة بريت شالوم وإيحود. ويمكن القول بأن هذه الدعوة، رغم ما فيها من إحساس طيب، تغفل الطابع الاستيطاني الإحلالي البنيوي للصهيونية. بريت شالوم Brit Shalom » بريت شالوم» عبارة عبرية تعني «عهد السلام» ، وبريت شالوم منظمة يهودية في فلسطين كان لها علاقات وفروع في دول أخرى وكانت تدعو لتعايش سلمي بين الصهاينة والعرب. وكانت المنظمة تتكون أساساً من المثقفين والأعضاء البارزين في التجمُّع الاستيطاني اليهودي في فلسطين. وقد وصلت بريت شالوم إلى قمة نشاطها في أواخر العشرينيات وأوائل الثلاثينيات في القرن العشرين. وتعود بداية بريت شالوم إلى 1925 مع افتتاح الجامعة العبرية في القدس، حيث تكونت حلقة من عدة شخصيات مهمة دعت إلى تغيير في النشاط الصهيوني من الاعتماد على العلاقات مع سلطات الانتداب البريطاني إلى محاولة العمل لخلق علاقات طيبة مع العرب. ولم تصل بريت شالوم إطلاقاً إلى تحديد واضح لأهدافها وبنيتها التنظيمية. فبعض أعضائها كان يعتبرها جماعة بحثية عليها أن تلفت نظر الحركة الصهيونية إلى أهمية المشكلة العربية. ودعا البعض الآخر إلى قيام نشاط دعائي واسع النطاق. وهم، على أية حال، ليسوا جماعة جماهيرية. وقد ساعدت أفكار هذه المنظمة على خلق حوارات سياسية ولكنها لم تؤد أبداً إلى أنشطة فعالة. وكان الهدف الرئيسي لبريت شالوم هو الدعاية لخلق دولة مزدوجة القومية في فلسطين بغض النظر عن التمثيل العددي، وكان هذا يعني التخلي عن خطة تكوين الدولة اليهودية. وأعرب بعض أعضائها عن اعتقادهم بوجوب تقييد الهجرة اليهودية إلى فلسطين. ويبدو أن الصهيونية كانت تمثل، بالنسبة إلى أعضاء بريت شالوم، حركة ثقافية أكثر منها سياسية، ودعا البعض إلى تقوية العلاقات العرْقية التي تعود للأصل السامي بين العرب واليهود. وحاول أعضاء بريت شالوم إقامة مؤسسات للحكم الذاتي يهودية/ عربية من أجل التعاون في الإدارة البلدية والحياة الاقتصادية، وتطوير الخدمات العربية بمساعدة اليهود. وكانت المنظمة تُصدر جريدة عبرية وكذلك مطبوعات بالعربية والإنجليزية. وقد انتقدت المنظمة بشدة سياسات الهستدروت تجاه العمال العرب. وقد رفض العرب برنامج بريت شالوم بوصفه دعاية صهيونية متخفية. وكان تأثير الجماعة في المستوطنين اليهود ضئيلاً جداً رغم مشاركة شخصيات مثل صمويل هوجو برجمان وآرثر روبين وحاييم كلفارسكي وجرشوم شولم ومارتن بوبر ويهودا ماجنيس. وقد تَوقَّف نشاط الجمعية تماماً مع أوائل الثلاثينيات. إيحود Ihud » إيحود» كلمة عبرية تعني «الاتحاد» أو «الوحدة» . وإيحود جماعة يهودية دعت إلى إقامة دولة عربية يهودية مزدوجة القومية في فلسطين. وفي عام 1937، رأت لجنة بيل، التي عينتها الحكومة البريطانية لتَقصِّي الحقائق بعد اندلاع الثورة العربية الكبرى في فلسطين عام 1936، أن خطة إقامة كومنولث مزدوج القومية قد صارت خطة مستحيلة التطبيق. وكبديل، اقترحت اللجنة تقسيم فلسطين. وقد رفض أعضاء جماعة إيحود، ومن بينهم يهودا ماجنيس ومارتن بوبر وحاييم كالفارسكي وآرثر روبين، هذه الخطة. واتفق معهم في الرأي كلٌ من موسى سيملانسكي وقادة جماعة الحارس الفتي (هاشومير هاتزعير) اليسارية. وفي عام 1942، تم تكوين جمعية إيحود أو الوحدة التي دعت إلى إقامة فلسطين مستقلة تضم العرب واليهود معاً. وقد انضمت جماعة صغيرة من العرب إلى الجماعة، بيد أنه تم اغتيالهم الواحد بعد الآخر. وكانت الجمعية تُصدر دوريات باللغات الرسمية الثلاث في فلسطين، وكذلك مجلة شهرية. وقد نشب خلاف أساسي بين أعضاء الجماعة من العرب واليهود حول موضوع تحديد الهجرة اليهودية إلى فلسطين. ومع نهاية الحرب العالمية الثانية، دعت إيحود إلى المفاوضات مع العرب واستمرت في جهودها من أجل الحل ثنائي القومية عام 1947، وطالب ماجنيس بهذا الحل أمام اللجنة الخاصة للأمم المتحدة حول فلسطين، وطالب بتحييد فلسطين (مثل سويسرا) مع إعطاء اليهود مقعداً خاصاً في الأمم المتحدة بوصفهم قومية خاصة. ومع صدور قرار التقسيم، قام كلٌّ من ماجنيس وإيحود بالدعوة إلى إقامة اتحاد سامي يشمل إسرائيل، بيد أن هذه المحاولة قد فشلت. إسحق إبشتاين (1862-1943 (Yithak Epstein كاتب صهيوني وتربوي ومتخصص في اللغة العبرية. وُلد في بيلوروسيا وترعرع ونشأ في أوديسا. سافر عام 1886 إلى فلسطين على نقفة البارون إدموند دي روتشيلد. أمضى 6 سنوات في مستوطنتي زخرون ياكوف وروش بينا. ثم صار مدرساً وناظراً لمدرسة عامة افتتحت في صفد. وبعدئذ تَنقَّل إلى مدارس ميتولا وروش بينا، ثم سافر إلى سويسرا حيث درس في لوزان بين عامي 1902 و1908. وبعد حصوله على الشهادة من الجامعة هناك، سافر إلى اليونان حيث عمل مديراً لمدرسة الأليانس في سالونيكا بين عامي 1908 و1915، ثم عاد بعد ذلك إلى سويسرا لإتمام دراسة الدكتوراه في التربية والأدب. وفي عام 1919، عاد إلى فلسطين وعمل مديراً لمعهد لفنسكي للمدرِّسات في تل أبيب حتى 1923. ثم عمل بعدئذ مشرفاً عاماً على مدارس الحركة الصهيونية ومقره القدس. بعد استقالته من منصبه، كرس حياته لدراسة لغويات العبرية، خصوصاً الصوتيات. وكان يدعو في نهاية حياته إلى التعاون بين العرب واليهود. واستقال من منظمة بريت شالوم رغم أنه كان أحد مؤسسيها. حاييم كالفارسكي (1868-1947 (Hayimm Kalvarsky أحد قادة الاستيطان الصهيوني في فلسطين. وُلد في بولندا لأسرة إقطاعية، وكان نشيطاً منذ الصبا في الحركة الصهيونية وحركة أحباء صهيون. درس العلوم الزراعية في جامعة مونبييه وأسَّس هناك جمعية طلابية باسم «مستقبل إسرائيل» ، واستوطن فلسطين بعد تَخرُّجه، وعمل في يافا أميناً لجمعية أبناء موسى، ثم صار مدرساً في المدرسة الزراعية. وبعد عام 1900، أصبح كبير إداريي المستوطنات اليهودية في الجليل التابعة لجمعية الاستعمار اليهودية حيث أسَّس عدة مستوطنات. قابل هرتزل في أوربا عام 1902 وأقنعه بأهمية المستوطنات اليهودية في فلسطين للحركة الصهيونية. وكان كالفارسكي من دعاة التفاهم والتقارب بين العرب واليهود، وقد أسَّس بأموال إدموند روتشيلد مدرسة أطفال عبرية عربية في قرية جاعوني قرب روش بينا. ونظم لقاءات بين ناحوم سوكولوف وبعض القادة من القوميين العرب في دمشق وبيروت. ودعاه الملك فيصل الأول عام 1919 لحضور مؤتمر عموم سوريا لتقديم مقترحات بصدد العلاقات اليهودية العربية. انضم إلى جميع الجماعات التي كانت تدعو إلى إقامة علاقات عربية يهودية. وفي أخريات حياته، ساهم في تأسيس جمعية فلسطين الجديدة مع فوزي الحسيني الذي ترأسها. وعارض كالفارسكي السياسات الصهيونية الرسمية لفشلها في رؤية أهمية العلاقات مع العرب. وقد كان كالفارسكي يعتقد إمكانية قيام دولة فيدرالية كبرى في المنطقة تضم العرب واليهود معاً. آرثر روبين (1876-1943) Arthur Ruppin عالم اقتصاد واجتماع، وقائد صهيوني ومنظِّم المستوطنات الزراعية في فلسطين. وُلد في ألمانيا لعائلة فقيرة، وترك الدراسة في سن الرابعة عشرة. لكنه عمل ودرس حتى حصل على دكتوراه القانون عام 1902. اشترك في عدة جمعيات يهودية في الفترة بين عامي 1902 و1905، والتحق بالمنظمة الصهيونية العالمية في 1905. وطلب منه ديفيد ولفسون 1907 أن يذهب إلى فلسطين ليبحث حالة المستوطنات اليهودية. وكانت تلك المرحلة نقطة تحوُّل في حياته حيث كرَّس كل جهوده بعد ذلك لتطوير المستوطنات اليهودية، واستقر في فلسطين حيث ترأَّس المكتب الفلسطيني للمنظمة الصهيونية في يافا. طرده أحمد باشا والي الشام وقائد الجيش التركي في سوريا لشكه في أنه يعمل لحساب الحلفاء لكنه رحل إلى إستنبول حيث عمل كحلقة اتصال بين مكتب فلسطين والمكتب الصهيوني التنفيذي في برلين. وعاد روبين إلى فلسطين عام 1920 واستقر هناك، حيث كان مسئولاً عن مكتب المستوطنات، وأسس عدة بنوك في فلسطين لتمويل حركة الاستيطان. ساعد في تأسيس حركة بريت شالوم، وكان من دعاة تأسيس دولة مزدوجة القومية (عربية عبرية) في فلسطين. وبعد الثورة العربية عام 1929، حارب روبين بشدة من أجل زيادة الهجرة إلى فلسطين وزاد نشاطه في حركة الاستيلاء على الأراضي العربية بكل الطرق. وقد ظل يتأرجح بين موقفيه المتناقضين: محاولة ضمان تنفيذ المشروع الصهيوني عن طريق تصعيد الهجرة الاستيطانية ومحاولة التفاهم مع العرب (ضحايا المشروع الصهيوني) . ومع تَصاعُد الصراع مع العرب، دوَّن في مذكراته (إبان الحرب العالمية الثانية) أنه يعتقد أن ثمة جنوناً كاملاً قد سيطر على العالم بأسره. وتُوفي آرثر روبين في القدس عام 1943. يهودا ماجنيس (1877-1948) Judah Magnes حاخام أمريكي إصلاحي، صهيوني توطيني، ورئيس الجامعة العبرية. وُلد في الولايات المتحدة لعائلة يهودية من أصل ألماني متأثرة بالتعاليم والنزعات الصهيونية. قام بنشاطات صهيونية فأصبح سكرتيراً لفيدرالية الصهاينة الأمريكيين (1905 - 1908) ، كما ساهم في تأسيس اللجنة اليهودية الأمريكية. ولكن معظم نشاطاته كانت من النوع التوطيني، فأصله الألماني، وكذلك توجُّهه الإصلاحي واندماجه في المجتمع الأمريكي وانتماؤه للطبقة الوسطى، جعل تبنِّىه مُثُل الصهيونية الاستيطانية أمراً مستحيلاً. ولذا، فقد كان يرى أن الصهيونية هي بالدرجة الأولى حركة لإنقاذ يهود شرق أوربا وجسر يربط النخبة اليهودية ذات الأصل الألماني في الولايات المتحدة وجماهير المهاجرين من يهود روسيا. وكان يصر دائماً على وجوب تفسير الصهيونية بطريقة تلائم البيئة الأمريكية خارج نطاق النظرية القومية التي كانت سائدة في أوربا. ولذا، فإننا نجده يشترك في جمع التبرعات لضحايا مذبحة كيشينيف وينظم بعض التظاهرات لصالحهم. عُيِّن عام 1908 حاخاماً لمعبد إيمانوئيل في نيويورك. ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى، طالب بأن يترجم الإيمان الديني نفسه إلى رفض للحرب واتخاذ موقف سلمي، فأغضب هذا الكثيرين، ومنهم المؤسسة الصهيونية التي كانت تسعى للحصول على وعد بلفور، فاضطر إلى الاستقالة من المعبد ثم من الفرع الأمريكي للحركة الصهيونية (1915) . وهكذا أصبح يزداد ابتعاداً عن الصهيونية الدبلوماسية والعامة (الاستعمارية) بتأكيدها أولوية الدولة، كما أصبح يزداد اقتراباً من الصهيونية الإثنية العلمانية التي تركز على مسائل الهوية والوعي. ولذا، نجد أنه على المستوى الديني يزداد اقتراباً من اليهودية المحافظة. وقد أسس مؤسسة سمّاها القهال (1909) كي تكون إطاراً إدارياً موحَّداً للجماعة اليهودية في الولايات المتحدة بهدف أمركة المهاجرين. وقد نجحت هذه المؤسسة إلى حدٍّ ما في مجال التعليم ومكافحة الجريمة بين المهاجرين بالتعاون مع الشرطة. ولكنها حُلت عام 1922، ولم تترك أثراً يُذكَر إلا في مجال التربية. وفي إطار صهيونيته الإثنية التوطينية، كان ماجنيس يطالب بإحياء الثقافة واللغة العبريتين. ومع نهاية الحرب العالمية الأولى، دعا إلى تنظيم الجامعة العبرية فقام بجمع التبرعات اللازمة ووضع الإطار الأكاديمي، واستقر في فلسطين نهائياً عام 1922. وحينما افتُتحت الجامعة عام 1925، عُيِّن ماجنيس رئيساً لها. ورغم هذا الحماس للإحياء القومي اليهودي، كان ماجنيس من القلة الصهيونية النادرة التي تنبهت إلى المخاطر التي تنطوي عليها إقامة الوطن اليهودي، فقد كان يعرف أن هناك شعباً عربياً فلسطينياً سيُقاوم وأن الدولة التي أُنشئت رغماً عنه ستعيش في حالة حرب دائمة. وقد كرس ماجنيس نفسه للترويج لفكرة التفاهم اليهودي العربي، ودعا إلى وضع نظام يتسم بالتكافؤ التام بين العرب واليهود، وطالب بتقييد الهجرة اليهودية إلى فلسطين. وفي مقال تحت عنوان «مثل كل الشعوب» كتبه عام 1930، حذَّر الصهاينة من أن العرب يشكلون الأغلبية المطلقة في فلسطين. وحيث إن الغاية (مهما سمت) لا يمكن أن تبرر الواسطة (الدنيئة) ، فقد عبَّر عن اطمئنانه إلى (أو عن أمله فى) أن اليهود لن تسمح لهم أنفسهم بغزو أرض الميعاد على طريقة يوشع بن نون الذي فتح كنعان (وأباد سكانها) ، والذي ثبَّت دعائم الوجود اليهودي عن طريق السيف. لقد كان ماجنيس من المؤمنين بأن "تأسيس الوطن اليهودي بكبت طموح العرب السياسي أمر غير ممكن، لأن مثل هذا الوطن سيُؤسَّس على رؤوس الحراب مدة طويلة". ولذلك، فقد اقترح التغلب على الصعاب التي تواجه الصهاينة "باستخدام جميع الأسلحة التي وضعتها الحضارة تحت تصرفهم باستثناء الحراب، مثل الأسلحة الروحية والثقافية والاجتماعية والمالية والاقتصادية والطبية ... والأخوة والصداقة". وقد ساهم ماجنيس فى تأسيس جماعة بريت شالوم (عهد السلام) لتعزيز التفاهم والتعاون بين العرب واليهود ودرء الخطر الناجم عن تنفيذ برنامج بلتيمور الصهيوني. كما ساهم فى تأسيس جماعة إيحود (الاتحاد) عام 1942، التي ضمت عدداً من الأعضاء السابقين في بريت شالوم بالإضافة إلى شخصيات يهودية بارزة مثل مارتن بوبر وإرنست سيمون وسميلانسكي ورؤساء جمعية الحارس الفتى، كما انضم إلى الجمعية بعض العرب الفلسطينيين. وقد كانت الجمعية تنادي بدولة مستقلة مزدوجة الجنسية، ولكن جهودها ذهبت سدى بسبب الرفض الشعبي الفلسطيني ولعدم وجود آذان صهيونية صاغية، وقد عارض ماجنيس قرار تقسيم فلسطين. وفي عام 1948، أصدر مجلس الجامعة العبرية بياناً أعلن فيه أن الجامعة وهيئة التدريس لا علاقة لهما بنشاطات ماجنيس السياسية الرامية لإنشاء دولة تتسع لليهود والعرب. وقد مات ماجنيس في نيويورك. وقد جُمعت كتاباته وخُطَبه في عدة كتب من بينها خطب في وقت الحرب 1917 - 1921 (1923) ، وحيرة الأزمنة (1946) |