نتائج البحث عن (رَأْسُمَال) 6 نتيجة

(الرأسمالية) النظام الاقتصادي الَّذِي يقوم على الملكية الْخَاصَّة لموارد الثروة (مج)
رَأْسُمَالالجذر: ر أ س م ا ل

مثال: رَأْسُمَاله ألف دينارالرأي: مرفوضةالسبب: لأن كلمة «رأسمال» لم ترد مركبة عن العرب.

الصواب والرتبة: -رَأْس ماله ألف دينار [فصيحة]-رَأْسُمَاله ألف دينار [صحيحة] التعليق: على الرغم من عدم ورود اللفظ المرفوض مركبًا في المعاجم القديمة فإنه يمكن تصحيحه، وذلك لورود نظائر لهذا التركيب في لغة العرب، وقد سجلت المعاجم الحديثة هذا اللفظ بهذا الشكل ونسبت إليه.
رَأْسِمَاليَّةالجذر: ر أ س

مثال: الرَّأْسِماليَّة مذهب اقتصادي حَديثالرأي: مرفوضةالسبب: لعدم ورودها في المعاجم القديمة.

الصواب والرتبة: -الرَّأْسِماليَّة مذهب اقتصادي حَديث [فصيحة] التعليق: جاء ضمن قرارات مجمع اللغة المصري أنه «إذا أريد صنع مصدر من كلمة يزاد عليها ياء النسب والتاء»، وقد اعتمد مجمع اللغة المصري على هذه الصيغة اعتمادًا كبيرًا لتكوين مصطلحات جديدة تعبِّر عن مفاهيم العلم الحديث، وكان قد انتهى فريق من العلماء واللغويين إلى وجود أصل لهذه الصيغة في لغة العرب، فقد جاء في القرآن الكريم «جاهليّة» و «رهبانيّة»، وجاء في الشعر والنثر الجاهليين كثير من الأمثلة، منها: «لصوصيّة» و «عبوديّة» و «حريّة» و «رجوليّة» و «خصوصيّة»، وقد انتهى هذا الفريق - بعد دراسة أجراها على المصادر الصناعية المستعملة حديثًا- إلى أنَّ المصدر الصناعي يصاغ من معظم أنواع الكلام العربيّ، فيصاغ من الأسماء المركبة كما في هذا المثال، وفي هذه الحالة يعامل معاملة المركب الإضافي فتكسر السين من الكلمة تخفيفًا، وهو ما وَرَد في الوسيط والأساسي.

الجماعات اليهودية التحديث والثقافة - التحديث - الرأسمالية والجماعات اليهودية

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

الرأسمالية والجماعات اليهودية: مقدمة
‏Capitalism and the Jewish Communities: Introduction
يمكن القول، بشكل عام، بأن يهود العالمين العربي والإسلامي لم يلعبوا دوراً اقتصادياً متميِّزاً، ولم يضطلعوا بوظائف اقتصادية خاصة مقصورة عليهم دون بقية أعضاء المجتمع، ومن ثم فإنهم لم يلعبوا دوراً خاصاً أو متميِّزاً في نشأة الرأسمالية أو في المشروعات الرأسمالية الحرة في العالم العربي أو الإسلامي، وخصوصاً أن الرأسمالية لم تنبع من داخل البلاد العربية والإسلامية وإنما وفدت من أوربا، وبخاصة مع الجيوش الاستعمارية. كما يُلاحَظ أن البلاد العربية والإسلامية التي أسست نظاماً اقتصادياً يتبع نموذج الاقتصاد الحر، مثل تركيا ودول الخليج ولبنان، لم يكن فيها جماعات يهودية كبيرة. وحتى حين وُجدت جماعات يهودية كبيرة نسبياً في بعض البلاد، كما هو الحال في المغرب، فإنها لم تساهم بشكل خاص في التاريخ الاقتصادي لهذه البلاد. لكن هذا التعميم لا ينفي، بطبيعة الحال، وجود أي شكل من أشكال التمايز بين الجماعة اليهودية والأغلبية، فهذا ضد طبيعة الأشياء. فالأقليات الدينية والإثنية والعرْقية لعبت دائماً وأبداً دوراً متميِّزاً في المجتمعات التقليدية؛ إذ كانت قطاعات منها تتحول إلى جماعات وظيفية، وجماعات وظيفية وسيطة على وجه التحديد. وكان تقسيم العمل يتم أحياناً في هذه المجتمعات التقليدية حسب الأوضاع الإثنية والدينية. ولا يشكل أعضاء الجماعات اليهودية في العالم العربي استثناءً من القاعدة، لكن درجة تميُّزهم الاقتصادي لم تكن حادة، كما أنهم لم يكونوا قط الأقلية الوحيدة التي تلعب دوراً اقتصادياً متميِّزاً. ومن ناحية أخرى، كان كثير من الحرف والوظائف التي كان يشتغل بها أعضاء الجماعة اليهودية غير مقصورة عليهم بل كان يشتغل بها المسلمون والمسيحيون.

أما في العالم الغربي، فقد كان الأمر جد مختلف، إذ لعب أعضاء الجماعات اليهودية فيه دوراً محدَّداً بارزاً الأمر الذي حدا بكثير من المفكرين الغربيين، مثل كارل ماركس وماكس فيبر ووارنر سومبارت، إلى دراسة قضية العلاقة الخاصة بين أعضاء الجماعات اليهودية وظهور الرأسمالية في العالم الغربي وتطوُّرها ومدى مساهمتهم فيها. وأصبحت القضية نفسها إشكالية أساسية في الفكر الاشتراكي وأدبيات معاداة اليهود والفكر الصهيوني ذاته. وتُركِّز الأدبيات الخاصة بهذه الإشكالية على عنصرين أساسيين يربطان بين أعضاء الجماعات اليهودية والعقيدة اليهودية من جهة، والرأسمالية من جهة أخرى:
1 ـ تجربة الجماعات اليهودية كجماعات وظيفية داخل التشكيل الحضاري الغربي (دون تسمية المصطلح بطبيعة الحال (.
2 ـ النسق الديني اليهودي ذاته. ولا يميِّز ماركس وفيبر وسومبارت بين اليهودية واليهود (خصوصاً ماركس الذي يكاد يفترض ترادفهما (.
ويؤكد فيبر أهمية العنصر الديني (الفكر الديني اليهودي) على حساب العناصر التاريخية. أما سومبارت، فإنه يؤكد أهمية العنصرين معاً، ولكنه يعطي لأطروحته الخاصة بمسئولية اليهود (خصوصاً المارانو) عن ظهور الرأسمالية صفة الحتمية بل والعرْقية إذ يرى وجود علاقة سببية بسيطة بين اليهود والرأسمالية.
ويميِّز المفكرون الثلاثة بين شكلين من أشكال الرأسمالية:
1 ـ رأسمالية المجتمعات التقليدية أو الإقطاعية والتي يُسمِّيها ماركس «الرأسمالية الشكلية» ، ويسميها فيبر «الرأسمالية المنبوذة» ، ويسميها سومبارت «الرأسمالية التجارية» . ويستخدم ماركس وإنجلز المصطلح الأخير أيضاً (ونسميها نحن في مصطلحنا «الجماعة الوظيفية الوسيطة» ) .
2 ـ رأسمالية المجتمعات الحديثة والتي يُسمِّيها ماركس «الرأسمالية الصناعية أو الحقيقية» ، ويسميها فيبر «الرأسمالية الرشيدة» ، ويُطلق عليها سومبارت مصطلح «رأسمالية الاستثمارات» .

ويتسم الشكل الأول بأنه رأسمالية تعمل بنَقْل البضائع من مجتمع إلى آخر، أما نشاطها فيتركز على عمليات التبادل دون أن تقوم بإنتاج أية سلع جديدة ولا تُضيف أي فائض قيمة. أما الشكل الثاني، فإنه يقوم بالاستثمار والمخاطرة وإنتاج السلع الجديدة. ولذا، نجد أن مركز الرأسمالية الأولى هو سوق الأوراق المالية، أما الثانية فمركزها المصنع. ومن ثم، نجد أن الرأسمالية الأولى هي مجرد جيب رأسمالي (تجاري مالي) في المجتمع الإقطاعي يعيش فيه وبه، على نقيض الرأسمالية الحقيقية التي تُولَد في المدينة خارج المجتمع الإقطاعي وتقف على الطرف النقيض منه وتقضي عليه في نهاية الأمر. وقد ربط هؤلاء المفكرون بين أعضاء الجماعة اليهودية من جهة والرأسمالية التجارية من جهة أخرى. ولعل هذا من أهم أسباب عدم تحدُّد وضع اليهود داخل الحضارة الغربية من وجهة نظرهم، فهم ممثلون لقوى رأسمالية ولكنها رأسمالية المجتمع الإقطاعي. ولذا ارتبط وجودهم في الأذهان بعدة قوى متناقضة: الطبقات الحاكمة التقليدية، والقوى الرأسمالية المعادية لها، ثم القوى الثورية التي وقفت ضد الفريقين.
ويمكننا أن نحيل القارئ إلى المداخل الثلاثة (في هذا القسم) عن ماركس وإنجلز ثم فيبر وسومبارت، ونؤكد على أهمية ما قاله فيبر بشأن محاولة تفسير ظاهرة عدم إسهام اليهود في نشأة الرأسمالية الرشيدة رغم أن اليهودية لعبت دوراً أساسياً في ترشيد الحضارة الغربية.
وفي محاولتنا رصد دور الجماعات اليهودية في ظهور الرأسمالية سنفرِّق بين العقيدة اليهودية من جهة والجماعات اليهودية من جهة أخرى. كما سنحاول الابتعاد عن طرح أي تصور خاص بوجود علاقة سببية واضحة بين اليهود وظهور الرأسمالية في الغرب. وسيكون نموذجنا التفسيري لهذه العلاقة هو مفهوم الجماعة الوظيفية الوسيطة.
العقيدة اليهودية والرأسمالية
‏Judaism and Capitalism

ليس بإمكان الدارس المدقق إنكار أن النسق الديني اليهودي، في صياغته الأولى التوراتية، ثم في صياغاته التلمودية ثم القبَّالية، يحوي داخله استعداداً كامناً أو قابلية لظهور الرأسمالية، وهذا جانب وفَّاه فيبر حقه من الدراسة. ولكن من الواضح أن فيبر لم يكن ملماً بالتحولات العميقة التي دخلت اليهودية بعد هيمنة الفكر القبَّالي عليها وانتشار التصوف بين أعضاء الجماعات أو لعله لم يدرك أهميتها. والقبَّالاه اللوريانية فكر حلولي (روحي) متطرف يضع اليهودي في مركز الكون باعتباره امتداداً للخالق ويعمق من إحساس اليهودي بأنه من الشعب المختار، كما يُصعِّد حدة التوقعات المشيحانية. فالحلولية تعني حلول الإله في الأشياء حتى يتوحَّد بها ولا يُوجَد مستقلاً عنها فتصبح المخلوقات في قداسة الخالق مساوية له فتُرَدُّ كل الأشياء إلى مبدأ واحد، كامن في المادة ولا يعلو عليها، وكل هذا يساعد على تزايُد معدلات العلمنة. أما النزعة المشيحانية والإحساس بالاختيار فهي عناصر تعزل اليهودي عن واقعه المباشر وعن الجماعات الإنسانية المحيطة به فيصبح عنصراً موضوعياً وشخصاً غريباً، وهذه صفات أساسية تخلق استعداداً كامناً لدى صاحبها لتبنِّي أخلاقيات الرأسمالية المجردة والسوق الحر الذي يرى كل الظواهر باعتبارها خاضعة تماماً لآليات العرض والطلب. وتَجدُر الإشارة إلى أن العلاقة بين التصوف (الحلولي) والتجارة أمر مثير للغاية ويحتاج إلى مزيد من الدراسة، وبخاصة في ضوء علاقة الجماعة الوظيفية بالرؤية الحلولية للكون (المكان والزمان والإنسان) ومركب الشعب المختار (انظر: «الجماعات الوظيفية والحلولية الكمونية الواحدية» ) .
دور الجماعات اليهودية في ظهور الرأسمالية
‏The Role of the Jewish Communities in the Emergence of Capitalism

إذا كانت ثمة عناصر داخل النسق الديني تخلق عند أعضاء الجماعات اليهودية استعداداً كامناً لتقبُّل أخلاق الرأسمالية، ومن ثم المساهمة في تطويرها، فإن تجربتهم التاريخية داخل التشكيل الحضاري الغربي هي التي بلورت وضعهم وحوَّلت الاستعداد الكامن والقابلية إلى حقيقة تاريخية واقعة. وأهم سمات هذه التجربة أن أعضاء الجماعات اليهودية قد نُظر إليهم، منذ البداية (داخل التشكيل الحضاري الغربي) ، باعتبارهم الشعب الشاهد، أي أنهم ليسوا جزءاً من جماعة الأغلبية المسيحية، كما أصبحوا أقناناً للبلاط ومن بعد ذلك يهود أرندا ثم يهود بلاط، أي أن اليهود ظلوا خارج نطاق العلاقات الاقتصادية والدينية والأخلاقية للمجتمع الإقطاعي. فاليهودي كان غريباً بمعنى الكلمة، ونحن نرى أن انتشار القبَّالاه ساهم ولا شك في تعميق هذه العزلة والغربة إذ أضفت على دور اليهود، كوسطاء وغرباء، قدراً عالياً من القداسة، بحيث أصبح اليهودي هو الوسيط الكوني بين الإله والعالم، مجرد أداة لتوصيل الإرادة الإلهية لبقية البشر. وترتبط رؤية الخلاص بمدى قيامه بتنفيذ الأوامر والنواهي، أي أن القداسة حوسلت اليهودي تماماً. ولكن هذه الوساطة الكونية كانت صدى (وربما تبريراً وتسويغاً أيضاً) لعملية وساطة أخرى؛ إذ اضطلع أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب، منذ بدايات العصور الوسطى حتى بدايات الثورة التجارية، بدور الجماعة الوظيفية الوسيطة، فكانوا يقومون بنقل الفائض الزراعي والسلع الترفية، ويؤدون وظائف مالية وتجارية مختلفة في غاية الحيوية للمجتمع الإقطاعي، مع أنها لم تكن من صميم العلاقات الإنتاجية لهذا المجتمع، كما لم يكن بوسع بقية أعضاء المجتمع القيام بها. وكان المجتمع يُظهر التسامح تجاه اليهود مادام في حاجة إليهم، ولكنهم لم يُعطوا قط حقوقاً قانونية محدَّدة (مثل حقوق وواجبات أهل الذمة في الإسلام) . وكانت تَصدُر مواثيق خاصة تؤمِّن حقوقهم وتحدِّد واجباتهم ومقدار

الضرائب المفروضة عليهم وأماكن إقامتهم وتُزوِّدهم بالحماية وتمنحهم المزايا. وكانت هذه المواثيق تُلغَى في أي وقت تنتفي فيه الحاجة إلى اليهود وإلى دورهم الاقتصادي، وبالتالي كان يتم طردهم، أي أن حوسلة أعضاء الجماعات اليهودية تمت تماماً. وكان يُشار إلىهم باعتبارهم أقنان بلاط، أي أنهم كانوا خاضعين للملك أو الإمبراطور مباشرة بل يُعَدُّون ملكية خاصة له وأداة من أدواته، يدينون له وحده بالولاء، الأمر الذي حقق لهم قسطاً كبيراً من حرية الحركة، لكن ذلك زاد في الوقت نفسه من عزلتهم عن بقية قطاعات المجتمع.
ونتج عن ذلك أن وجود أعضاء الجماعات اليهودية في إطارالحضارة الغربية كان يتسم بعدم التجذر أو الانتماء الكامل لأي تشكيل ثقافي أو طبقي محدَّد، فتحولوا إلى عنصر بشري حركي يحتفظ برأسماله على هيئة نقود سائلة يمكن نقلها بسهولة من مكان إلى آخر. ودعم هذا الاتجاه عدم السماح لليهود، في معظم الأحوال، بشراء العقارات الثابتة.

لقد تحوَّل اليهود، نظراً لغربتهم وعدم تَجذُّرهم وبسبب الطبيعة السائلة لثروتهم، إلى عنصر بشري متحرك وموضوعي ومجرد: موضوعي لأنه يُنظَر إليه دائماً من الخارج، ومجرد لأنه لا يوجد داخل سياق مُحدَّد. وأصبح أعضاء الجماعة يجسدون ضرباً من الاقتصاد الحركي المجرد داخل الاقتصاد الزراعي الثابت الطبيعي. ووصل هذا التجريد إلى قمته في التنظيم الكامل لعلاقة اليهود بالمجتمع، وفي إحلال العلاقات القانونية التعاقدية محل العلاقات التقليدية الشخصية المبنية على كلمة الشرف والثقة التي كانت سائدة في المجتمع الإقطاعي. فكانت المواثيق التي تُمنَح لليهود تحاول أن تنظم كل جوانب العلاقات الممكنة بين المجتمع المسيحي وأعضاء الجماعة اليهودية، وهي علاقات كان الهدف منها، بالنسبة إلى الطرفين، الربح الاقتصادي المحض. وفكرة القانون اللاشخصي والعلاقات البشرية (علاقات إنسانية بين أشياء وعلاقات إنتاج بين بشر) هما الجوهر النفعي للاقتصاد والمجتمع الرأسماليين. ويمكننا القول بأن اليهود أصبحوا نواة الجيسيلشافت Gesellschaft (المجتمع التعاقدي الذري المفتت) في داخل الجماينشافت Gemeinschaft (الجماعة العضوية التراحمية المترابطة التقليدية) .
وأدَّى عدم انتماء اليهود وتجريدهم - إلى جانب وجود التبادل الاختياري بين اليهودية والرأسمالية - إلى تحوُّل أعضاء الجماعة إلى الخميرة التي ساعدت على نشوء الرأسمالية، دون أن يكونوا بالضرورة السبب الوحيد أو حتى الأساسي في العملية التاريخية المركَّبة التي أدَّت إلى ظهور الرأسمالية.

ويظهر دور أعضاء الجماعات اليهودية، كخميرة للنظام الرأسمالي في الغرب، في كثير من النشاطات التي لعبوها وفي إبداعاتهم. فهم من أوائل منْ طوَّروا فكرة الأسهم والسندات التي تحقق تراكماً رأسمالياً يمكن توجيهه إلى أي مجال استثماري قد يظهر، أي أنهم أسرعوا بعملية تجريد النقود بفصلها عن الأفراد وعن الرغبات البشرية والعواطف والأخلاق، وزادوا كفاءتها كرأسمال، وجعلوا مقياس الكفاءة الذي يُطبَّق عليها هو معدل الربحية وحسب.

وبالطبع، كان اليهودي الذي تم استبعاده من النظام الإقطاعي يقع خارج نطاق القيم الدينية والأخلاقية للمجتمع (وهو في هذا لا يختلف عن عضو الجماعة الوظيفية الذي ينظر له المجتمع المضيف باعتباره شيئاً لا قداسة له، ومجرد آلة يستفاد منها ثم تُنبَذ) . كما أن قيمه التجارية الموضوعية المجردة كانت مختلفة عن القيم المسيحية التي كانت تنظر بعين الشك إلى النشاط التجاري ككل، وإلى الربا على وجه الخصوص، وتهدف إلى أن تجعل من السوق مكاناً يلتزم بالحد الأدنى من الأخلاق وبأفكار مثل فكرة الثمن العادل والأجر الكافي، مع ضرورة إتاحة الفرصة لكل التجار لتحقيق ربح معقول مع وضع حدٍّ أقصى للأرباح. وأدَّت هذه الأخلاقيات، المتخلفة من منظور رأسمالي دنيوي، والتي تخلط بين الاقتصاد والأخلاق، إلى الحد من حركية التجارة. أما العنصر اليهودي، فلم يكن يدين بالولاء لمثل هذه الأخلاقيات. بل ظهر بين أعضاء الجماعات اليهودية مقياسان أخلاقيان: أحدهما يُطبَّق على الجماعة اليهودية (باعتبارها جماعة مقدَّسة لها حرمتها) والآخر يُطبَّق على المجتمع ككل (باعتباره لا حُرمة له ولا قداسة) . ولذا، لعب العنصر اليهودي دوراً أساسياً في تحطيم الأخلاقيات المسيحية الاقتصادية الإقطاعية وفي تقويض هذا الضرب من الاقتصاد المحافظ الذي تتداخل فيه العناصر الاقتصادية مع العناصر الأخلاقية والدينية. فساهم أعضاء الجماعة في عملية العلمنة والترشيد، أي فصل العنصر الاقتصادي عن العناصر الأخرى، بحيث يصبح النشاط الاقتصادي مرجعية ذاته ولا يتم ضبطه من خلال مرجعيات (أخلاقية أو دينية أو إنسانية) متجاوزة له. وأدَّى هذا إلى ظهور اقتصاد تجاري مبني على التنافس وعلى محاولة تعظيم الربح (اقتصاد يطرح فكرة الإنتاج بلا حدود وإشباع حاجات المستهلك التي لا تنتهي) .

كما أن أعضاء الجماعة، بسبب عدم انتمائهم، كانوا من أكثر العناصر حركية والتزاماً بالقوانين الاقتصادية للسوق كقيمة مطلقة. فنجد أنهم حاولوا دائماً أن يوسِّعوا نطاق السوق وانتشاره، وهي العملية التي انتهت إلى تحويل المجتمع بأسره إلى النمط الرأسمالي والتي أطلق عليها ماركس تعبير «تهويد المجتمع» . وكانوا يبحثون عن أسواق جديدة وعن زبائن جدد وعن سلع جديدة. كما أنهم كانوا على استعداد لأن ينتجوا سلعاً أقل جودة وأقل تكلفة عما كان ينتجه (في العصر الوسيط) الحرفي أو التاجر الذي يعتز بحرفته وتجارته، والذي تعوَّد على إنتاج سلعة بعينها يرقى بها إلى مستوى معيَّن من الجودة ولا يمكنه أن يتنازل عنه أو يتهاون فيه، فالواقع أن حرفته كانت جزءاً من ميراثه الشخصي. وكان اليهودي، في محاولة توسيع نطاق السوق، من أوائل العناصر التي شجعت على استخدام الإعلانات على حين كان كثير من المفكرين الغربيين، حتى منتصف القرن الثامن عشر، يهاجمون الإعلانات باعتبارها عملاً غير أخلاقي، بل صدر في باريس عام 1761 قانون يمنع الإعلانات أو الجري وراء الزبائن لحثهم على الشراء. ويمكننا أن نرى هنا، مرة أخرى، أن الأخلاق المسيحية والتقليدية تحد من حركية السوق، على عكس الأخلاقيات الحركية (العلمانية) للجماعة الوظيفية التي لا تأبه بالحرمات ولا تعبأ بالمطلقات ولا تهتم بأية قيم، سوى قيم الربح والخسارة والبقاء.

وربما كان من العناصر الأساسية التي جعلت من أعضاء الجماعة اليهودية خميرة للنظام الرأسمالي أنهم، نظراً لانتشارهم (شتاتهم) على هيئة جماعات منفصلة مترابطة، كانوا عنصراً بشرياً متعدد الجنسيات، عابراً للقارات، إن صح التعبير. فقد كان ليهود بولندا علاقات تجارية ومالية وثيقة مع يهود ألمانيا ومع يهود العالم الإسلامي، وهلم جراً. وساهم هذا في تسهيل عملية التجارة الدولية وتوسيع نطاق السوق، كما سهل عملية جمع المعلومات التجارية، الأمر الذي جعلهم قادرين على المنافسة.
وقد لعب يهود شرق أوربا دوراً خاصاً، فالباعة اليهود، وكذلك اليهود الذين كانوا يقومون بأعمال الفنادق الصغيرة وتقطير الخمور وبيعها وإنتاج الماشية في المناطق الريفية وجمع الضرائب لحساب كبار الملاك، ساعدوا على إدخال عناصر التبادل واقتصاد المال. وكان نشاط صغار التجار اليهود في المناطق الريفية يشجع إنتاج فائض زراعي لزيادة استهلاك البضائع غير الزراعية، كما كان يساهم في إبعاد جزء من قوة العمل الزراعي عن الأراضي، وتوجيهها إلى صناعة الأكواخ المنزلية وخدمات النقل. وهذا النشاط هو الذي ساعد على خلق قوة عمل غير زراعي في المناطق الريفية تعتمد على الأجور أكثر من اعتمادها على العائد من الأرض.

وبظهور النظرية المركنتالية، زاد الدور الذي يلعبه أعضاء الجماعات اليهودية داخل النظام الرأسمالي. فهذه النظرية تجعل مصلحة الدولة المبدأ الأعلى المقبول لدى الجميع، والإطار المرجعي بحيث يتم الحكم على الإنسان لا بحسب انتمائه الديني وإنما بمدى نفعه للدولة. وقد ظهرت في هذه الفترة فكرة مدى نفع اليهود وفُتح المجال أمامهم للإسهام في جميع النشاطات الاقتصادية. وابتداءً من منتصف القرن السابع عشر، استعان الملوك والأمراء في وسط أوربا (في ألمانيا وغيرها من الدول) باليهود في كثير من النشاطات الاقتصادية، مثل: التجارة الدولية، وتمويل الجيوش، وعقد القروض والصفقات. وهؤلاء هم الذين يُطلَق عليهم مصطلح «يهود البلاط» .
لكل ما تقدَّم، نجد أن تاريخ الجماعات اليهودية في الغرب مرتبط بتاريخ الرأسمالية في كثير من الوجوه. ومن الملاحظ أن كثيراً من الدول التي كانت لها مشاريع تجارية أو استعمارية، كانت ترى أن العنصر اليهودي عنصر أساسي في هذه العملية ويمكن الاستفادة من خبراته ورأسماله كما يمكن توظيفه في أماكن نائية وجديدة، فهو عنصر حركي وحسب. وقد تم توطين اليهود في بولندا في القرن الثالث عشر مع التجار الألمان، لتشجيع الاقتصاد التجاري. ثم تم توطينهم في أوكرانيا بعد ضمها إلى بولندا للسبب نفسه. كما تم توطين اليهود في كثير من المستعمرات الاستيطانية والمراكز التجارية التابعة لإنجلترا وهولندا في العالم الجديد.

وقد رحب كرومويل بتوطين اليهود في إنجلترا لكي ينعشوا الاقتصاد الإنجليزي ولكي يكونوا جواسيس يأتون له بالمعلومات التجارية. وسمحت فرنسا ليهود المارانو المطرودين من إسبانيا بالاستيطان في بعض المراكز التجارية المهمة فيها، مثل بايون وبوردو. وكان توطين أعضاء الجماعات اليهودية يأخذ، في العادة، النمط التالي: يبدأ توطين اليهود السفارد، بمالهم من خبرات تجارية مالية ورؤوس أموال واتصالات دولية، في الدول الغربية والدولة العثمانية ثم يتبعهم في معظم الأحوال جماعات من اليهود الإشكناز الذين بدأوا في الهجرة بعد ثورة شميلنكي.

ولكن، ورغم أهمية الدور الذي لعبه أعضاء الجماعات اليهودية كخميرة ساعدت في نشوء الرأسمالية الحديثة الرشيدة، فإنهم كجماعة وظيفية وسيطة ظلوا مرتبطين بالطبقة الحاكمة في المجتمعات الإقطاعية تابعين لها يخدمونها ويخدمون مصالحها. فالتجارة والربا اليهوديان، أي ما يسميه فيبر «رأسمالية المنبوذين» ، لم يشكلا نقيضاً للمجتمع الإقطاعي وإنما خلية داخله. ولذا، كانت هذه التجارة اليهودية تقع ضحية عملية ظهور الرأسمالية الرشيدة المحلية رغم أنها ساهمت هي نفسها في الإعداد لها وتخميرها وإن كانت ساهمت أيضاً في قمعها وتأخير ولادتها كما حدث في بولندا. وربما يكون من المفيد في هذا المضمار أن نفرق بين الدور الذي لعبه أعضاء الجماعة اليهودية في بولندا في قمع الرأسمالية المحلية وبين الدور الذي لعبه أعضاء الجماعة اليهودية في هولندا وإنجلترا وفرنسا في تطويرها. ولكن أعضاء الجماعات اليهودية، سواء أكانوا أداة قمع في بولندا أم كانوا أداة للتطوير في هولندا، ظلوا دائماً أداةً وحسب لخدمة هدف ما. وهم، في هذا، يشبهون الجماعات الوظيفية الوسيطة في كل مكان. ولقد كانت جيوب اليونانيين والإيطاليين في مصر تمثل عنصراً تجارياً نشيطاً حيث بنوا المصانع، مثل مضارب الأرز ومطاحن الدقيق، ولكنهم لم يغامروا قط في الصناعة الثقيلة أو تلك التي تتطلب استثمارات ضخمة بعيدة المدى. فقد ساهموا في حركة التصنيع التي ساعدت على نشوء طبقة رأسمالية محلية، ولكنهم كانوا في الوقت نفسه يحاولون وقف نموها من خلال الهيمنة الاستعمارية. ثم تزايدت قوة الطبقة الجديدة بالتدريج، فطردت الجماعات الوظيفية الوسيطة الغربية لتتولى هي كل النشاطات التجارية والاستثمارية ثم الصناعية.
أثر الرأسمالية الرشيدة فى الجماعات اليهودية
‏The Impact of Rational Capitalism on the Jewish Communities

بعد تناول الدور الذي لعبه أعضاء الجماعات اليهودية في تكوين الرأسمالية والاقتصاد التجاري، يمكننا الآن أن نترك المرحلة التكوينية لنرى أثر ظهور الرأسمالية (الرشيدة) عليهم ومقدار إسهامهم في الاقتصاد الرأسمالي ذاته. وسنلاحظ أن دور يهود غرب أوربا يختلف عن الدور الذي لعبه يهود وسط أوربا وشرقها. ويعود هذا إلى معدلات النمو الرأسمالي في هذه البلاد وإلى علاقة أعضاء الجماعات اليهودية بالمجتمع ككل ووضعهم فيه. ففي فرنسا وإنجلترا وهولندا لعب اليهود دوراً ثانوياً، أو لنقل دور الجزء في الكل الاقتصادي الأكبر الذي كان قد اكتسب كثيراً من ملامحه الرأسمالية الحديثة في غيبة أعضاء الجماعات اليهودية، وكان لهذه الدول مشاريعها الاستعمارية الضخمة، ولذا لم يلعب أعضاء الجماعات اليهودية في هذه البلاد سوى دور جزئي منشط.
أما في شرق أوربا، فلم تكن المجتمعات الأوربية هناك متطورة بما فيه الكفاية ولم يُقدَّر للرأسمالية الرشيدة التي نشأت في مرحلة متأخرة أن تتطور، كما لم يكن لديها مشروع استعماري مهم. وانتهى الأمر بأن حل النمط الاشتراكي في الإنتاج محل النمط الرأسمالي. ولهذا، انخرط أعضاء الجماعات اليهودية هناك إما في الطبقة العاملة وإما في الطبقة البورجوازية الصغيرة. وكان من بينهم كذلك رأسماليون ولكنهم كانوا نسبة صغيرة.

وفي وسط أوربا، وبخاصة في ألمانيا، ظهر النظام الرأسمالي الذي أخذ يتطور بسرعة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وتبلور لألمانيا مشروعها الاستعماري الخاص، وكان أعضاء الجماعة اليهودية يشكلون عنصراً مهماً في عملية التطور الرأسمالي هذه. ولكن الرأسمالية الألمانية تم ضربها وتم كذلك ضرب مشروعها الاستعماري ثم تحوَّلت ألمانيا نفسها إلى ما يشبه المستعمرة بعد اتفاقية فرساي (1919) . وحينما عاودت ألمانيا محاولة التصنيع مرة أخرى، لم يتم ذلك حسب النمط الرأسمالي الحر وإنما تم بتدخل الدولة، وقد راح رأس المال الذي يملكه بعض أعضاء الجماعات اليهودية ضحية هذه العملية.
ويتضح تباين معدلات إسهام أعضاء الجماعة في نمو الرأسمالية من بلد إلى آخر من خلال علاقتهم بالمدن ومدى تركُّزهم فيها. فظهور المدن وازدياد أهميتها كان يعني أن الوظائف المالية والتجارية الهامشية القديمة أصبحت تحتل المركز. وقد صاحب ذلك تحوُّل في وَضْع أعضاء الجماعات اليهودية، فبدلاً من كونهم عنصراً بشرياً متحركاً يحمل رأس مال متحركاً ويتحرك على أطراف المجتمع، تحوَّلوا إلى عنصر بشري يقطن المدينة في داخل المجتمع وليس على هامشه، أي أنهم أصبحوا جزءاً لا يتجزأ من الاقتصاد الوطني. وأتاح ظهور الرأسمالية فرصة أمام رأس المال الذي يمتلكه يهود (ومن ثم فإنه قد اتسم بدرجة عالية من الحركية) لدخول الاقتصاد الجديد بنسبة أعلى من رأس المال المحلي (غير اليهودي) الثابت المُستثمَر في العقارات والمزارع، وهو الأمر الذي تم إنجازه في إنجلترا وفرنسا ثم ألمانيا. أما في شرق أوربا، فرغم أن تركُّز أعضاء الجماعة اليهودية في المدن قد ازداد، فإن السياق الطبقي لهذه العملية كان مختلفاً، فقد ساهم وجودهم في المدن في تحويل أعداد منهم إلى طبقة عاملة.

أما فيما يتصل بعلاقة الصهيونية بالرأسمالية، فيمكن القول بأنها ليست مباشرة. فالصهيونية ليست جزءاً من التشكيل القومي الغربي، وإنما هي جزء من التشكيل الإمبريالي الغربي يخدم مصالحه الإستراتيجية تحت ظروف خاصة هي ظروف الاستيطان في فلسطين. ولذا، لم تصر الإمبريالية الغربية، أو البورجوازيون من أعضاء الجماعة اليهودية في الغرب، على أن يأخذ المشروع الصهيوني شكلاً رأسمالياً محدَّداً، بل سمحت له وللدولة الصهيونية الوظيفية من بعده باتخاذ الشكل الاقتصادي المناسب الذي يضمن بقاءه حتى يستمر في خدمتها. وقد توصَّل الصهاينة إلى أن الأشكال الجماعية في الإنتاج التي تستخدم ديباجات اشتراكية هي أنسب الطرق لتنفيذ المشروع الصهيوني الاستيطاني الإحلالي. ولذا، فعلى حين كانت الولايات المتحدة (المكارثية) تحارب الشيوعية في الولايات المتحدة، كان الصهاينة في الخمسينيات يرفعون لواء الاشتراكية، ويحتفلون بعيد العمال في مايو، وينتسبون إلى الدولية الاشتراكية ويتلقون المعونات بسخاء من الحكومات ومن أعضاء الجماعات اليهودية في العالم الرأسمالي، ويقومون على خدمة الإمبريالية.
ديفيد ريكاردو (1772-1823)
‏David Ricardo

اقتصادي بريطاني، وُلد في لندن لعائلة يهودية سفاردية من أصل إيطالي كانت قد استقرت في هولندا (مسقط رأس إسبينوزا) ثم هاجرت إلى إنجلترا عام 1760 قادمة من أمستردام. أرسلته أسرته إلى هولندا للدراسة، فعاد إلى لندن عام 1786 حيث اشتغل مع والده الذي كان سمساراً ناجحاً في البورصة. ولكنه، في عام 1793، انفصل عن عائلته حيث تزوج من سيدة من طائفة الكويكرز، كما ترك العقيدة اليهودية وانضم إلى الكنيسة. ثم عمل ريكاردو في البورصة بمفرده وحقق ثروة فاقت ثروة أبيه. وفي عام 1814، اعتزل البورصة وعالم المال واتجه إلى دراسة الاقتصاد ليصبح أحد أهم مؤسسي علم الاقتصاد السياسي الحديث. ويعود اهتمامه بهذا المجال إلى عام 1799 حينما قرأ ثروة الأمم لآدم سميث، حيث بدأ بعد هذا التاريخ في الكتابة حول بعض القضايا المالية والاقتصادية المهمة في إنجلترا آنذاك. كما نشأت علاقة فكرية بينه وبين الاقتصاديين جيمس ميل وتوماس مالثوس، الأمر الذي زاد من اهتمامه بدراسة الاقتصاد. وتوثقت علاقته بفيلسوف النفعية (المادية) جيريمي بنتام (أي أنه كان على علاقة وطيدة بأهم المفكرين العلمانيين في إنجلترا آنذاك) . وأهم أعمال ريكاردو على الإطلاق هو مبادئ الاقتصاد السياسي والضرائب (1817) ويضم أهم تحليلاته ونظرياته الخاصة بالسياسات المالية والضريبية والتجارة الدولية والتي أصبحت أساساً لكثير من المفاهيم الاقتصادية الحديثة. تناول في تحليلاته: قيمة العمل، وعلاقة الأرباح بالأجور، وعلاقة مستوى الأجور بالنمو السكاني، وندرة الموارد الطبيعية، والقوانين التي تحكم عملية توزيع الثروة. وقدم ريكاردو تحليلاً للآثار الاقتصادية للسياسات الضريبية على التراكم الرأسمالي ولتوزيع الدخل القومي ومستوى الأسعار، كما اكتملت نظريته في التجارة الدولية. ومن أهم إسهاماته، استنتاجه أن ما يحدد قيمة السلعة هو قيمة الجهد المبذول فيها، ومن ثم فقد استبعد الريع وإيجار الأرض

كمصدر للقيمة، أي أن ساعة قيمتها 100 جنيه تتطلب عشرة أضعاف العمل المطلوب لإنتاج حذاء قيمته 10 جنيهات. كما طوَّر ريكاردو مفهوم الأجور وحد الكفاف، وهو يرى أن الأجور خاضعة لما سماه «القانون الصارم للأجور» والذي يؤدي إلى استقرار الأجور عند حد الكفاف. فإن زادت الأجور على حد الكفاف، فإن الطبقة العاملة ستتزايد عدداً وسيزداد التنافس بين أعضائها فتزداد أثمان السلع وتقل الأجور ويستقر كل شيء عند حد الكفاف مرة أخرى. أما فيما يتصل بالتجارة الدولية، فكان يطالب بحرية التجارة وحرية انتقال السلع، وكان يرى أن آليات السوق في حد ذاتها كفيلة بتحقيق التوازن. وظلت نظريات ريكاردو تسيطر على السياسات الاقتصادية البريطانية مدة خمسين عاماً. وقد دخل ريكاردو البرلمان عام 1819 ليس عن طريق الانتخاب ولكن عن طريق شراء مقعد له (كما جرت العادة آنذاك) . ورغم انفصاله عن اليهودية، دافع ريكاردو داخل البرلمان عن إسقاط الأهلية القانونية عن أعضاء الجماعة اليهودية في إنجلترا. وكان موقفه هذا نابعاً من رؤيته الليبرالية، فهو لم يكن يرى أن ثمة دوراً خاصاً لليهود أو للرأسمالية اليهودية، كما أن كتاباته عن النظرية الاقتصادية لا تتعرض لوضع اليهود أو دورهم داخل التشكيل الرأسمالي الغربي (وهو الأمر الذي ناقشه ماركس وفيبر وسومبارت والفكر الاشتراكي الغربي ككل) .

ويُعتبَر ريكاردو من أهم الفلاسفة الاقتصاديين الكلاسيكيين الذين قدَّموا رؤية اقتصادية (مادية) محضة، فهو لم يشغل باله بالاعتبارات الأخلاقية أو النفسية فقدَّم رؤية أحادية علمية (بالمعنى الضيق) من خلال أسلوب مجرد شبه رياضي لا يستخدم أية استشهادات تاريخية بقدر ما يلجأ لاستشهادات مجردة افتراضية. وجعل ريكاردو العامل الاقتصادي هو العامل الأساسي أو المبدأ الواحد الذي يُرَدُّ إليه سلوك الإنسان (القوة الدافعة له التي تتخلل ثناياه وتضبط وجوده) . كما أنه، شأنه شأن الفلاسفة النفعيين، جعل حب الذات الدافع الأساسي في سلوك الإنسان، ومن ثم فإن المنافسة هي الآلية الكبرى. وعلى هذا، ساهم ريكاردو مساهمة فعالة في وضع أسس علم الاقتصاد الحديث وفي فصله عن المنظومات الدينية والأخلاقية وعن العلوم الأخرى، وجعله مجموعة من المبادئ تتعامل مع المصادر المادية. كما طوَّر النماذج الرياضية المجردة، وهو ما يعني استبعاد العناصر الإنسانية والأخلاقية. ويظهر في كتاباته الإنسان الاقتصادي الذي لا يبحث إلا عن مصلحته، واليد الخفية التي طرحها سميث تفقد أي مضمون ديني أو إنساني لتصبح جزءاً من الآلية الاجتماعية الصماء (قوة لا متعينة لا تعرف التمايز الفردي) .
ويمكن أن نضع ريكاردو في إطار أولئك المفكرين اليهود السفارديين (الممتدين من إسبينوزا إلى دريدا) الذين قاموا بتفكيك ظاهرة الإنسان تماماً ورأوه في ضوء مجموعة من الحتميات المادية الصارمة وردوه إلى بعض الأصول المادية دون أية مثاليات أو غيبيات. وعالم ريكاردو المادي الآلي لا يختلف كثيراً عن عالم إسبينوزا في ماديته وآليته الصارمة، فهو عالم تسوده المادية الصلبة التي لا تحتمل أية فراغات أو ثغرات أو مسافات، ومن هنا جاءت سيادة النماذج الرياضية والهندسية في كتابات كل منهما.

ويثير ريكاردو قضية أساسية فيما يتعلق بالمعادين لليهودية، فالكثيرون منهم يفسرون سلوك ماركس وفكره على أساس يهوديته. وحينما يُشار إلى حقيقة أن أباه قد تنصَّر وأنه عمَّد الطفل ماركس في طفولته، فإنه عادةً ما يُقال: ولكنه مع هذا ظل يهودياً. وهم يفعلون ذلك ليبينوا أن اليهود مسئولون عن الشيوعية وأن الشيوعية ثورة يهودية. والمشكلة التي تظهر هنا هو أن ريكاردو فيلسوف الرأسمالية الحرة في أقصى أشكالها تجريداً وتطرفاً هو الآخر يهودي متنصِّر. ولعل الفارق الوحيد هو أن أصول ماركس إشكنازية بينما أصول ريكاردو سفاردية! وإذا قبلنا منطق تصنيف الشيوعية كحركة ذات أصول يهودية لأن مؤسسها من أصول يهودية، فلابد أن نقبل أيضاً مقولة أن الرأسمالية هي الأخرى حركة ذات أصول يهودية، ذلك أن واحداً من أهم فلاسفتها ذوو أصول يهودية. وغني عن القول أن هذا منطق متهافت يشبه منطق الصهاينة الذين ينسبون لليهود صفات عجائبية!
رؤية كارل ماركس (1818-1883) وفريدريك إنجلز (1820-1895) للعلاقة بين الرأسمالية والجماعات اليهودية
‏Karl Marx and Friedrich Engels on the Relationship between Capitalism and Jewish Communities

تظهر موضوعات الفكر الاشتراكي بشأن اليهود في كتابات كارل ماركس (1818 - 1883) وفريدريك إنجلز (1820 - 1895) بدرجات متفاوتة من الحدة وبأشكال مختلفة. فالأطروحات الغربية العرْقية، على سبيل المثال، لها أصداؤها في كتابات هذين المفكرين، ولكنها مجرد أصداء. وهذا على عكس الأطروحة الاجتماعية التي تربط بين اليهود والتجارة أو الرأسمالية البدائية التجارية، فهي أكثر عمقاً وتَجذُّراً ومركزية. ويُلاحَظ أن أياً منهما لا يطرح حلاًّ صهيونياً للمسألة اليهودية. كما يجب أن نذكر أيضاً أن أياً منهما لم يُعر المسألة اليهودية أو أعضاء الجماعات اليهودية اهتماماً خاصاً. فرغم الخلفية اليهودية لماركس، فإن الموضوع اليهودي لم يشغل باله كثيراً. وقد أشار المؤرخ الألماني اليهودي هاينريش جرايتز في خطاب منه إلى ماركس إلى أن كتابه تاريخ اليهود يقع خارج نطاق اهتماماته. ولم يكن جرايتز نفسه ـ على ما يبدو ـ يعرف شيئاً عن كتاب ماركس المسألة اليهودية، رغم أنه تعرَّف إلى المؤلف عام 1877. لكن عدم اهتمام ماركس وإنجلز بالمسألة اليهودية أمر مفهوم في إطار اهتماماتهما التي انصبت بالدرجة الأولى على الظاهرة الرأسمالية بقطبيها الأساسيين: أصحاب العمل والعمال. ومما زاد من عدم اهتمامهما أنهما - على ما يبدو - كانا لا يعرفان الكثير عن يهود شرق أوربا (يهود اليديشية) الذين كانوا يشكلون آنذاك أكبر جماعة يهودية في العالم كانت تضم نحو 80% من يهود العالم. ومن ثم، فإنهما لم يكونا يعرفان الكثير عن اليهود من أعضاء الطبقة العاملة. ومع هذا، لابد أن نشير هنا إلى أن عملية تحوُّل كثير من اليهود في شرق أوربا إلى عمال لم تتضح معالمها إلا مع العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر. كما أن ماركس وإنجلز قضيا معظم حياتهما في إنجلترا بعيداً عن يهود شرق أوربا. وقد مات ماركس قبل أن تبدأ روسيا وبولندا في تصدير الفائض البشري اليهودي إلى إنجلترا وإلى غيرها من

الدول. أما إنجلز الذي عاش حتى نهاية القرن التاسع عشر، فشاهد وصول المهاجرين اليهود إلى إنجلترا وتحوُّلهم إلى طبقة عاملة. وكان لهذا أعمق الأثر فيه وفي إليانور ابنة كارل ماركس التي اكتشفت ما زعمت أنه هويتها اليهودية مرة أخرى من خلالهم، وإن كان الاكتشاف تم لأسباب اجتماعية ثورية لاعلاقة لها بأي انتماء يهودي ديني أو حتى إثني.
لكل ما تقدَّم، لا يتناول المفكران الاشتراكيان المسألة اليهودية إلا بشكل عرضي وغير منهجي. كما ظهرت بعض كتاباتهما في الموضوع إبَّان المرحلة الأولى من حياتهما قبل أن يتبلور فكرهما، وقبل أن تتضح كثير من معالمه.
والعمل الأساسي الذي خطه ماركس في هذا الموضوع هو المسألة اليهودية (1844) ، الذي كتبه وهو بعد في مقتبل حياته، حينما كان فكره لا يزال هيجلياً بشكل فاقع، كما كان أسلوبه يتسم بالتناقضات والتقابلات اللفظية الطريفة والسحرية والسطحية، مثل: «المسيحية هي الفكر السامي لليهودية» ، و «اليهودية هي التطبيق العادي للمسيحية» ، و «التحرر الاجتماعي لليهودي إنما هو تحرير المجتمع من اليهودية» ، و «لم يجر تحرير الإنسان من الملكية بل نال الإنسان حرية الملكية» . ومن الصعب الوصول إلى وضوح في الأفكار من خلال هذا الأسلوب إذ أن حركيته ومنطقه يفرضان على كاتبه مواقف متطرفة يتطلبها التقابل الهندسي اللفظي. وإلى جانب كل هذا، فمن المعروف أن ماركس كانت له تحيزاته الشخصية الحادة والواضحة مثل أية شخصية عظيمة أو أي مفكر ضخم، فكان لا يتورع عن الإفصاح عنها بأسلوب قاطع له أنياب وأظفار الأمر الذي يؤدي إلى التضحية بكلٍّ من الإبهام والتركيب.

وسنحاول أن نعرض في هذا المدخل أفكار ماركس وإنجلز في المسألة اليهودية بادئين بماركس. وبطبيعة الحال، يشكل كتيب المسألة اليهودية النص الماركسي الأساسي، ولكننا لن نهمل الإشارات المتفرقة في الكتابات الأخرى لماركس مثل الخطابات والمقالات. ولا يوجد في العمل الكلاسيكي الأساسي لماركس رأس المال (الجزء الأول، عام 1867) سوى إشارات نادرة متفرقة هنا وهناك تلقي مزيداً من الضوء على موقفه ولكنها لا تعِّدله بشكل جوهري.

ولفهم موقف ماركس من اليهود واليهودية، يجب أن نضعه أولاً في سياقه الشخصي والحضاري. جاء ماركس من أسرة يهودية متدينة، فعمه من حاخامات مدينة تريير التي وُلد هو فيها. وجاءت أمه من هولندا، من أسرة تشتهر بوجود عدد كبير من الحاخامات فيها. ولكن اليهودية كانت قد دخلت في ذلك الوقت مرحلة أزمتها الحادة نتيجةً لمواجهتها مع الحضارة العلمانية، وتَصاعُد الهجوم عليها من داخلها. فهناك اليهودية الإصلاحية، وعلم اليهودية، وهناك حركات التنوير المختلفة التي كانت تبيِّن أن الموروث الديني اليهودي يشكل عبئاً ثقيلاً لا طائل من ورائه. لكن الهجمات من الخارج كانت أكثر حدة، فقد شهدت الفترة نفسها الهجوم العقلاني والعلماني الشرس على ظاهرة الدين ككل باعتبارها تعبيراً عن حرمان الإنسان. وشهدت هذه الفترة حركة نقد قوية للعهد القديم، كما شهدت نشر كتاب لودفيج فيورباخ جوهر المسيحية (1841) الذي حاول فيه تبيان أن الإنسان هو الذي خلق الإله وليس العكس، أي أن الإله إن هو إلا إسقاط للطموحات السامية عند الإنسان، وهي فكرة استفاد بها ماركس. وقد أخذ الهجوم على الدين ككل شكل الهجوم على العنصر السامي (الأخلاقي) وتمجيد العنصر الهيليني (الجمالي) . لكل هذا، ليس من الصعب فهم سبب تنصُّر والد ماركس، خصوصاً أن التنصُّر كان يعني دخول الحضارة الغربية، كما كان يعني أن بوسعه ممارسة مهنة المحاماة في المحاكم البروسية التي لم يكن مسموحاً لغير المسيحيين بالعمل فيها. وقد عُمِّد كل أولاده ومن بينهم كارل الذي عُمِّد وهو في سن السادسة. ولكن يبدو أن ماركس كان مثل كثير من اليهود المتنصرين في عصره، ممن تركوا اليهودية فعلاً وتبنوا المسيحية اسماً وحسب، أو لم يتبنوا أي دين على الإطلاق على طريقة إسبينوزا، وأصبحوا علمانيين بمعنى الكلمة غير مكترثين بالدين. وربما كان هذا العنصر في خلفية ماركس مسئولاً عن فشله الكامل في إدراك أهمية العنصر الديني في تشكيل

القوى السياسية والتاريخية. وعلى كلٍّ، فهذه نقطة قصور في عصر الاستنارة ككل حيث جرى تجاهُل أهمية الدين بسبب الالتزام بفكرة الإنسان الطبيعي أو الإنسان العقلاني المادي. ومن هنا نجد بعض العبارات السطحية، مثل «في كلمة واحدة، أكره كل الآلهة» ، وهي عبارة من مسرحية بروميثيوس للكاتب الإغريقي أيسخيلوس جعلها ماركس شعاراً لرسالته في الدكتوراه. ومن هنا نجد بعض الشعارات السطحية التي أطلقها ماركس مثل: «الدين أفيون الشعب» والتي لا تعبِّر بالضرورة عن كلية وتركيبية موقفه من الدين. ومن هنا نجد رؤيته السطحية للدين باعتباره جزءاً من بناء فوقي غير حقيقي خاضع بشكل مطلق للظروف الاجتماعية والاقتصادية يعبِّر في نهاية الأمر عن بناء تحتي حقيقي (اقتصادي مادي) .
أما الدراسات الأنثروبولوجية والاجتماعية التي ترى أن الدين مقولة تحليلية وعنصر مهم في الحضارة الإنسانية، فلم تظهر إلا في مرحلة لاحقة، واتضح أثرها في تفكير ورنر سومبارت وماكس فيبر اللذين طرحا إشكالية أصول الرأسمالية وعلاقتها بالدين اليهودي أو بالبروتستانتية (على عكس الكاثوليكية) بشكل أكثر تركيباً وعمقاً وأصالة، وبشكل يحاول تحاشي السببية البسيطة الصلبة.
وقد يكون من المفيد أن نشير إلى أن ماركس شارك في العنصرية العامة التي كانت تسم الحضارة الغربية في ذلك الوقت، وإلى أن الصورة الإدراكية لليهود في ذهنه لم تكن تختلف كثيراً عن الصورة الإدراكية التي صاغتها العنصرية الغربية، واستمر إدراكه لليهود من خلال هذه الصورة طوال حياته. وقد وردت هذه العبارات في كتابات ماركس (الرسائل والكتب) :
ـ «اليهودي ذو الابتسامة الباهتة» .
ـ «يهودي فيينا الملعون» .
ـ «المؤلف.. هذا الخنزير.. يهودي اسمه ماير» .
وتصبح الأمور أكثر سوءاً إذا كان اليهودي من العاملين بالشئون المالية:
ـ «اليهودي بامبرجر جزء من معبد/ بورصة باريس» .
ـ «يهودي البورصة» .

وأحياناً تتسع العنصرية لتصبح عنصرية ضد كل الأجناس الأخرى:
ـ «يدل شكل رأس لاسال وشعره على أنه سليل الزنوج الذين انضموا لقطيع موسى إبَّان الخروج من مصر» .
ـ «هو أيضاً الييد» (و «الييد» لفظة تحقير ليهود بولندا) .
ـ «وهو لاعازا الأبرص ـ النموذج البدائي لليهودي» .
وقد استمرت عنصرية ماركس حتى آخر أيام حياته، إذ نجده يستخدم العبارات التالية:
ـ «الممارسة البورجوازية لليهودي القذر» .
ـ «هذه المدينة مليئة بالذباب واليهود» .
ووردت هذه العبارة في رأس المال:
ـ «يعرف الرأسمالي أن كل السلع هي مجرد نقود تشبه اليهود المختنين من الداخل» .
ولكن يُلاحَظ أن الإشارات تناقصت على مر الأيام حتى أصبحت نادرة، كما أن مثل هذه الأقوال لا يمكن أن يُحاسَب ماركس عليها، رغم عنصريتها الكريهة، لأننا نتعامل في نهاية الأمر معه باعتباره مفكراً يقدم نسقاً فكرياً، وهذه العبارات لا تشكل عنصراً أساسياً في هذا النسق.
وثمة جانب آخر لموقف ماركس، ورثه من عصر الاستنارة، وهو أن الهجوم على المسيحية كان أمراً لا يزال محفوفاً بالمخاطر بعض الشيء في الحضارة الغربية. ولذا، كان الهجوم على المسيحية وعلى الكنيسة يأخذ شكل هجوم على ما يمكن تسميته «المسيحية البدائية» ، أي اليهودية. فالهجوم على اليهودية هو، في واقع الأمر، هجوم على المسيحية. وقد كان هذا هو أحد أشكال الخطاب العلماني في ذلك العصر وإحدى شفراته المفهومة لدى الجميع. ولا شك في أن ماركس قد تأثر بهذا الجانب من الخطاب الفلسفي، كما أنه كان يتسم بالجراءة غير العادية، بل والوقاحة أحياناً، في التعبير. ولذا، فإن هجومه على اليهودية لم يكن ينبع من مثل هذه الذرائع وحسب وإنما من رؤية متكاملة لليهودية، في علاقتها بالمسيحية، ولعلاقة الدين ككل بالمجتمع المدني البورجوازي، مجتمع العلاقات البرانية والتعاقدية التي يغترب فيها الإنسان عن نفسه.

ولكن ماركس هو، في نهاية الأمر، إحدى الثمرات المتألقة للفكر الألماني في القرن التاسع عشر. وقد تواترت فكرة أساسية في كتابات المفكرين الألمان وهي التمييز بين الجماينشافت، أي الجماعة العضوية المترابطة التقليدية، مقابل الجيسيلشافت، أي المجتمع التعاقدي الذري المفتت. وهو تمييز له جانبان: أحدهما معرفي وأخلاقي ينصرف إلى رؤية الإنسان وطريقة إدراك الكون، والآخر سياسي واقتصادي واجتماعي ينصرف إلى طريقة تنظيم المجتمع. والجانبان هما تعبير عن الفكرة الواحدة نفسها في مجالين مختلفين. ومن الواضح أن من استخدموا هاتين الفكرتين كأداة تحليلية، كانوا يفضلون الجماعة المترابطة التي ينتمي إليها المواطن الذي يصبح جزءاً من كل يفقد ذاته فيه بحيث تختفي مصلحته الشخصية الأنانية الضيقة ويحل محلها مصلحة الدولة أو الجماعة، ويصبح لا وجود له خارجها. ونظراً للارتباط العضوي للإنسان بجماعته وتطابُق مصلحة الفرد مع مصلحة الجماعة، فإن الجماعة تُعبِّر عن جوهر الإنسان بدلاً من أن تشكل اغتراباً عنه. والقانون البشري لا يشكل في هذه الحالة قيداً على الإنسان أو حدوداً له، ولا يتعارض مع إدراكه لنفسه، وإنما يعبر عن جوهره ويحقق إمكاناته الكامنة. ومن هنا، فإن الرابطة بين الإنسان والجماعة رابطة عضوية ورابطة داخلية (جوانية) لا يتناقض فيها الذات والموضوع.

كل هذا يقف ضد الجماعات التعاقدية (المجتمع التعاقدي الحديث) التي تتألف من أشخاص أنانيين فرديين، لكل مصلحته الشخصية المحددة التي قد تتفق مع مصلحة المجتمع أو تختلف عنها. وكل فرد يحاول أن يحقق مصلحته ومنفعته هو دون الالتفات إلى الآخرين أو إلى الكل الاجتماعي، ومن ثم فإن المجتمع مبني على التنافس بوصفه قيمة مطلقة. والمجتمع هنا لا يُعبِّر عن جوهر الإنسان وإنما يجابهه باعتباره شيئاً غريباً عنه. ويصبح القانون للسبب نفسه قيداً على الإنسان لا وسيلة لتحقيق جوهره. والرابطة بين البشر رابطة تعاقدية خارجية برانية موضوعية. ولذا، فإن انتماء الإنسان إلى مثل هذا المجتمع هو انتماء ذرة منغلقة على نفسها؛ تجاور الذرات الأخرى ولا تلتحم بها، ومن ثم ينشأ تناقض حاد بين الذات والموضوع.
وهذا التمييز بين شكلين من أشكال التنظيم الاجتماعي ورؤية الكون هو تمييز بين فكرين، فكر عصر الاستنارة (القرن الثامن عشر) وفكر معاداة الاستنارة (القرن التاسع عشر) . وكلاهما يُعَدُّ أساساً للفكر الغربي الحديث برغم تناقضهما. وما يهمنا هنا أن هذا التمييز الذي تغلغل في الفكر الاشتراكي الغربي، خصوصاً الألماني، يكمن وراء الهجوم على اليهود واليهودية باعتبار أن اليهودي جزء من الاقتصاد التجاري (الموضوعي التعاقدي) مقابل الاقتصاد الزراعي (العضوي المبني على الارتباط الداخلي) ولا يمكن أن نفهم تحليل ماركس للمسألة اليهودية دون أن نأخذ هذا البعد في الاعتبار.

وقد كتب ماركس كتيبه رداً على برونو باور الذي أصدر كتيباً بعنوان المسألة اليهودية عام 1843 أنكر فيه على اليهود حقهم في الانعتاق باعتبارهم أعداء للتقدم ولأنهم يتمسكون بخصوصيتهم وعزلتهم. بل إن باور يقول إن ما يسميه «الانعزالية المسيحية» إن هي إلا وريثة الانعزالية اليهودية. واليهود، بحسب رأيه، لم يتخلوا عن دينهم وقوميتهم (الوهمية) ، بل يذهب إلى أنهم يتسمون بالدهاء بسبب جذورهم الشرقية (السامية) ، مقابل الحضارة الغربية الهيلينية الآرية. ولكنهم، لهذا السبب ذاته، بليدو الإحساس ولا يتسمون بأي إبداع. وقد أشار باور إلى أن اليهود يسيطرون على البورصة وعلى البلاط. ولذا، حتى إذا تغيَّر وضعهم السياسي، فإن طبيعتهم الحضارية والاقتصادية قد لا تتغيَّر. ثم هاجم باور اليهودية الإصلاحية التي دعت إلى العودة إلى ما تصورته الموسوية الحقة الصافية، فمثل هذه الموسوية في نظره غير ممكنة إلا في أرض كنعان وداخل دولة يهودية مستقلة، وهذا هو الحل الصهيوني. ولكن الأطروحة الصهيونية خافتة للغاية في فكر باور، فالفكر العرْقي لم يكن قد اكتسح أوربا بعد، كما حدث لاحقاً، حيث تركت هذه العرْقية أثرها في تيار مهم في الفكر الاشتراكي الغربي. ومن ثم، فإننا نجد أن باور لا يزال يتحرك في الإطار العقلاني الليبرالي الآلي، إطار فكر الاستنارة الذي ساد أوربا حتى النصف الأول من القرن التاسع عشر، أي أنه كان يرى إمكانية إصلاح اليهود وضرورة إعطائهم حقوقهم السياسية بل ودمجهم، شريطة أن يتخلوا تماماً عن أية خصوصية. وبالفعل، يقول باور إنه يمكن إعتاق اليهود إذا ما أعدوا أنفسهم لذلك عن طريق الاختلاط بحرية وعلى قدم المساواة بالمسيحيين. فيجب أن ينسلخوا من عقيدتهم الشرقية، وعلى المجتمع ككل أن يلغي الدين حتى يتم الانعتاق السياسي الكامل.

قَبلَ ماركس كل مقدمات باور بشأن اليهود واليهودية، بل إن نبرته كانت أكثر حدة وأكثر عداء لليهود. ولكنه رفض نتائجه بشأن رؤيته للدولة وطريقة الانعتاق وحدود هذا الانعتاق السياسي أو المدني، فباور بحسب تصور ماركس لم يدرك أهمية البُعد الاجتماعي في عملية الإعتاق باعتباره بُعداً لصيقاً ومستوى كامناً تحتياً للبعد السياسي والديني، وهو ما حاول تغطيته في دراسته. وبهذه الطريقة، تمكَّن ماركس من تحويل المسألة اليهودية من قضية أقلية دينية أو إثنية إلى قضية عامة تخص الحضارة الغربية والنظام السياسي والاجتماعي الغربي ككل.

وكما أسلفنا، يميِّز الفكر الألماني الرومانسي، ثم من بعده الاشتراكي، بين الجماعة العضوية المتكاملة التي تُعبِّر عن الجوهر الإنساني من جهة، ومن جهة أخرى المجتمع التعاقدي الذي يخفي هذا الجوهر ويطمسه ويجعل الإنسان يغترب عن ذاته. وتظهر الفكرة نفسها على المستوى السياسي والاجتماعي والاقتصادي في تمييز ماركس بين المواطن وعضو المجتمع المدني. أما المواطن (ممثل النوع البشري) فهو عضو الجماعة السياسية المتكاملة (متمثلة في الدولة الليبرالية الحقة الكاملة) وهذه الدولة هي مجال الحرية الكامل الذي يتحقق من خلاله الإنسان ولا يغترب عن جوهره. وليس بإمكان هذه الدولة أن تقوم بدورها هذا إلا بعد أن تصبح عقلانية تماماً، بأن تفصل نفسها تماماً عن كل المؤسسات غير العقلانية غير الإنسانية، مثل الكنيسة والملكية والأرستقراطية، بحيث تصبح أداة الجماعة السياسية التي يعيش داخلها المواطن ممثلاً للنوع. ويُلاحَظ أن الافتراض أو الأمل هنا هو ألا يكون القانون الخارجي للدولة إلا تعبيراً عن القانون الداخلي للإنسان ورغباته الذاتية. ولكن كيف يمكن للذات أن تلتقي بالموضوع ويلتقي الخاص بالعام والمحلي بالعالمي؟ يتجاوز ماركس هذه الثنائية بتبنِّي الفكرة المحورية في فلسفة الاستنارة، وهي تصوُّر وجود عقل (وجوهر) إنساني عالمي عام ثابت لا تتغيَّر قوانينه أو سماته، ويحاول الإفصاح عن نفسه في كل مكان وزمان، ويمكن أن تتحقق عملية الإفصاح بشكل كامل إذا أزيلت العوائق من طريقها. والمشروع الثوري يصبح، إذن، عملية إزالة للعوائق وتأسيس للدولة التي تجسد هذا العقل وهذا الجوهر حتى يمكنها أن تُعبِّر عن الإنسان العقلاني وجوهره. وغني عن الذكر أن مثل هذه الدولة ومثل هذا الموقف يرفضان تماماً أية خصوصية باعتبارها قيوداً على هذه العقلانية العامة.

ويقف عضو المجتمع المدني (أي «المجتمع البورجوازي» ) على الطرف النقيض من المواطن. ففي المجتمع المدني، يتحول الأفراد إلى وحدات ذرية أو ينظر الإنسان إلى الآخرين باعتبارهم أدوات، وينحط هو نفسه إلى مجرد وسيلة ويصبح لعبة في يد القوى الغريبة عنه. وتشكل الليبرالية السياسية، والإعتاق السياسي لأعضاء المجتمع، تقدماً هائلاً. لكن الإعتاق السياسي ليس آخر أشكال الإعتاق الإنساني، بل إن الليبرالية لم تستكمل عملية إعتاق الدولة تماماً. فقد أصبحت الدولة أداة للأثرياء، كما أنها لم تتحرر من الدين تماماً، بل احتفظت بموقف يستند إلى التفاوت الطبقي ولا يرفض الدين كليةً. وما حدث في المجتمع المدني أن الإنسان لم يتحرر من الدين بل تلقَّى الحرية الدينية. ولم يجر تحريره من الملكية، بل نال حرية الملكية. ولم يتحرر من أنانية الصناعة، بل نال حرية الصناعة. والحرية هنا هي حرية الإنسان بوصفه ذرة منعزلة، حرية تُعبِّر عن نفسها لا في شيء داخلي عضوي إنساني جواني وإنما في حق الملكية الذي هو حق الإنسان في التمتع بثروته، والتصرف فيها وفق مشيئته، دون الاهتمام بسائر الناس وبصورة مستقلة عن المجتمع. إنه الحق في الأنانية. وهذه الحرية الفردية، مع تطبيقها، هي التي تؤلف أساس المجتمع البورجوازي. ويصبح الأمن هو أسمى مبادئ المجتمع البورجوازي (المدني) . ولكن هذا الأمن ليس إلا تعبيراً عن التفتت والذرية. فالأمن هو قانون الشرطة لا قانون الإنسان المتكامل ولا قانون الدولة الحقيقية العقلانية. وهو ليس وسيلة يترفَّع بها المجتمع البورجوازي عن أنانيته (ذَريته وتعاقديته) وإنما هو ضمان الأنانية. وهكذا، بدلاً من أن يكون الإنسان كائناً بشرياً اجتماعياً يعيش في مجتمع متكامل ويُعبِّر عن جوهره الإنساني، فإن الحياة البشرية نفسها (أي المجتمع) تظهر في شكل إطار خارجي عن الفرد، أي تحديد لحريته الأولية. والرابطة الوحيدة التي توحِّد بينهما ليست الرابطة

العضوية الداخلية وإنما رابطة الضرورة الطبيعية والحاجة والمصلحة الخاصة، ورابطة الحفاظ على الملكية وعلى الذات الأنانية المنغلقة على نفسها، أي أنها رابطة خارجية آلية واغتراب عن الجوهر.
ويستخدم ماركس أيضاً فكرة الجماعة العضوية التراحمية المترابطة (جماينشافت) والمجتمع التعاقدي الذري المفتَّت (جيسيلشافت) في وصفه للدين، إذ يذهب إلى أن الدين، أي دين، يلعب دوراً حاسماً في عملية اغتراب الإنسان عن جوهره وتخليه عنه. فالإنسان ما دام سجين الدين وتحت سيطرته، لا يمكنه إلا أن يُموضع جوهره، أي يحوِّله إلى موضوع بأن يجعله كائناً غريباً عنه خرافياً متعالياً عليه. ويضرب ماركس مثلاً بالمسيح الذي يصبح الوسيط الذي يُحمِّله الإنسان كل ألوهيته، فالإنسان يُسقط إلوهيته (جوهره) على المسيح بدلاً من أن ينظر إلى نفسه باعتباره هو نفسه الإله أو الجوهر الأسمى أو المطلق (وهي نفسها فكرة فيورباخ) . ومن ثم يغترب الإنسان عن نفسه، تماماً كما يحدث حينما يكون الإنسان تحت سيطرة الحاجة الأنانية، فإنه حينئذ لا يمكن إلا أن يصبح عملياً (برانياً خارجياً وفي علاقة آلية مع كل ما حوله) ، ولا يمكنه إلا أن يخلق أشياء عملية ويضع منتوجاته ونشاطاته تحت سيطرة جوهر غريب عنه وينسب إليها مدلول جوهر غريب هو المال. فالمال هو جوهر الإنسان المنفصل عن الإنسان والذي تَموضع خارجه وهو جوهر يسيطر عليه ويستعبده، تماماً مثل الرب الذي هو أيضاً جوهر الإنسان المنفصل عنه. ويمكننا أن نكتشف بنية أساسية هنا وهي جوهر إنساني أو عقل إنساني عام يمكنه أن يتحقق أو يغترب عن نفسه. ويأخذ الاغتراب شكل إسقاط الجوهر الإنساني الداخلي على شيء غير إنساني خارجي (الإله أو المال) . ولذا، فإن كلاًّ من الدين والمجتمع البورجوازي يؤديان إلى النتيجة نفسها، أي اغتراب الإنسان عن جوهره الإنساني، وبالتالي إلى تفتُّت المجتمع وتحوُّل الجماعة العضوية إلى مجتمع تعاقدي والإنسان العضوي

الجواني إلى إنسان آلي براني. وهذا يعني أن الجانب المعرفي يلتقي تماماً مع الجانب الاقتصادي الاجتماعي.
ولكن علاقة البورجوازية بالدين لا تقتصر على التقابل البنيوي وإنما ثمة علاقة سببية تاريخية. فالمجتمع البورجوازي لم يكن بوسعه التوصل إلى الانفصال التام عن مجرى الدولة (الواقعية الحقيقية، أي العقلانية، التي يُعبِّر الإنسان من خلالها عن جوهره) ، وإلى تمزيق جميع الروابط الاجتماعية للإنسان، وإلى إحلال النزعة الأنانية والحاجة الأنانية محلها، وإلى تفكيك عالم الناس إلى عالم أفراد ذريين بعضهم أعداء لبعض، لم يكن بوسع المجتمع البورجوازي التوصل إلى ذلك كله إلا في ظل المسيحية التي حولت جميع علاقات الإنسان (القومية والطبيعية والأخلاقية) من أشياء داخلية جوانية إلى علاقات خارجة عن الإنسان. وبهذه الطريقة، أي من خلال انتشار المثُل المسيحية، تمكَّن المجتمع المدني (البورجوازي) من أن يُمزِّق كل أواصر النوع الإنساني وأن يُحل الأنانية محل هذه الأواصر. ومن هنا يقول ماركس إن المجتمع المدني البورجوازي يبلغ اكتماله وذروته في العالم المسيحي.

والآن، ما علاقة كل هذا باليهود واليهودية؟ لابد أن نشير إلى الاعتقاد السائد في الفكر الاشتراكي والاجتماعي الغربي بأن اليهود يُكوِّنون حلقة مغلقة من المموِّلين الدوليين المتحالفين مع النخب الحاكمة. وهو تصوُّر، برغم جزئيته، لم يكن منافياً تماماً للحقيقة التاريخية. فيهود البلاط كانوا ظاهرة أوربية بمعنى الكلمة. كانوا يتركزون في وسط أوربا وألمانيا، فلم تمتد دائرة وجودهم لتشمل فرنسا أو إنجلترا. وكان هناك روتشيلد (آخر يهودي بلاط) وصديق مترنيخ والذي كان يرتبط بعلاقات وثيقة مع أسرة الهابسبورج وبعض الأسر الملكية الحاكمة الأخرى. ولم يكن دور يهود الأرندا في بولندا بعيداً عن الأذهان. كما أن المرابين اليهود في الألزاس ووادي الراين كانوا يستولون على الأراضي المرهونة بعد فَشَل ملاكها في تسديد ديونهم بدرجات متزايدة في نهاية القرن الثامن عشر والنصف الأول من القرن التاسع عشر، ومعنى ذلك أن اليهود أو قطاعاً منهم كانوا مرتبطين تماماً بالقوى الرجعية وقوى الاستغلال. وقد تغيَّر الوضع كما أسلفنا، في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، فانخرطت أعداد متزايدة من أعضاء الجماعات اليهودية في صفوف الطبقة العاملة في شرق أوربا. ونضيف، إلى كل هذا، أن الهجوم على النخبة الحاكمة الرجعية كان يأخذ أحياناً طابع الهجوم على اليهود بشكل عام، لا على المموِّلين اليهود وحسب.

ونضيف إلى هذا عنصراً آخر وهو الكره العميق الذي يكنه ماركس للرأسمالية التجارية والتي نسميها في مصطلحنا «الجماعة الوظيفية الوسيطة» . وبحسب وجهة نظره، تعيش المشاريع التجارية، على عكس المشاريع الصناعية، في الشقوق بين المجتمعات وداخلها. فالاتجار والتبادل لم ينشأ داخل الجماعات الإنسانية وإنما فيما بينها، ومن هنا كان بوسع نمطين اقتصاديين متناقضين (الزراعي والتجاري) أن يتعايشا معاً في المجتمع الإقطاعي. وميَّز ماركس بين هذه الرأسمالية التجارية من جهة والرأسمالية الصناعية «الحقة» (أو «الرشيدة» في مصطلح فيبر فيما بعد) من جهة أخرى؛ والأولى تشجع حركة التبادل، وعملية التبادل عملية أساسية، ولكنها في الواقع لا تضيف أية قيمة حقيقية للمُنتَج، فالرأسمالي التجاري كان يتاجر في سلع تقع خارج النشاط الإنتاجي، وقد سماها ماركس «رأسمالية شكلية» حتى يبرهن على انفصالها عن الإنتاج، فهي رأسمالية تعيش بطريقة طفيلية على المجتمعات المتخلفة، وهي جزء من هذا التخلف رغم استفادتها منه. ومع هذا، تلعب هذه الرأسمالية الطفيلية دوراً ثورياً إذ تصيب المجتمعات التقليدية بالتفكك وتُقلِّل تماسكها، ولكنها مع هذا غير قادرة على بناء مجتمعات جديدة. ومن هنا جاء كُره ماركس للمشروعات التجارية والمالية الخالصة وإسقاط هذا الكره على رؤيته للتاريخ، فهاجم سياسات وطرق تلك الأمم التي ارتبطت بهذه المشاريع ارتباطاً قوياً في العصور القديمة والوسيطة والحديثة، اليونانيين والفينيقيين واللومبارد، واليهود بطبيعة الحال. وكما يقول ماركس في رأس المال كانت الأمم التجارية تعيش كآلهة أبيقور في العوالم الوسيطة للكون، أو كما كان يعيش اليهود في مسام المجتمع البولندي. كما كانت تجارة المدن التجارية المستقلة الأولى والأمم التجارية تعتمد على بربرية أو تَخلُّف الأمم المنتجة التي قاموا فيما بينها بدور الوساطة. ويُلاحَظ أن ماركس يجعل من كلمات «يهودي»

و «تاجر» و «لومبارد» و «مرابي» مترادفات، ويتجلى هذا الترادف أيضاً في كتابه الصراع الطبقي في فرنسا حيث يتحدث عن «يهود البورصة» و «يهود الأعمال المالية» بل ويَسقُط أحياناً في العنصرية حين يتحدث عن "لاسال الزنجي اليهودي" وهي عرْقية ضد كلٍّ من السود واليهود. ولكن مثل هذه العبارات القبيحة وغير الأخلاقية نادرة في كتابات ماركس كما أسلفنا، ولعلها تسربت إلى مصطلحه من الخطاب السياسي الغربي الشائع. والتطور التاريخي الصحيح من وجهة نظر ماركس وإنجلز هو اختفاء الرأسمالية التجارية وكل المؤسسات التي تعيش في الشقوق، ليتبلور المجتمع في عمال ورأسماليين، أي إلى أشخاص مرتبطين بالعملية الإنتاجية ولا يخشون المخاطرة بالاستثمار فيها.
وقد استمر كُره ماركس للتجارة حتى النهاية. ولهذا، فإن رؤيته للمجتمع المثالي (الشيوعي) تخلو من أية شبكة للتوزيع، فمن كل حسب قدرته ولكل حسب حاجته، أي أن هناك وجوداً عضوياً كاملاً يلتحم فيه الجزء بالكل والذات بالموضوع، وبالتالي يختفي الوسيط التاجر والمموِّل تماماً. ويُقال إن هذا الموقف يضرب بجذوره في العصور الوسطى المسيحية وهو موقف الرفض العميق للأعمال المالية والتجارية بوصفها أعمالاً حقيرة. وعلى كلٍّ، فإن الجماعة العضوية المترابطة التقليدية هي في جوهرها المجتمع الزراعي - في العصور الوسطى ـ الخالي من التنافس والوسطاء.

ولكن، إذا كانت هناك علاقة بنيوية وسببية قوية بين الدين واغتراب الإنسان عن جوهره وبين الدين المسيحي والبورجوازية، أي تنظيم المجتمع على أسس بورجوازية (وهي علاقة تؤدي إلى التفتت والذرية) ، فإن ثمة ما يشبه الترادف بين اليهودية والبورجوازية بل التوحد الكامل بينهما. فجوهر اليهودية الحقيقي تحقَّق في المجتمع البورجوازي الذي هو في واقع الأمر علمنة لليهودية. بل يمكن القول بأن اليهودية هي البورجوازية، فكما أن المجتمع البورجوازي لا يبلغ اكتماله إلا في العالم المسيحي، فإن اليهودية لا تبلغ ذروتها إلا مع اكتمال المجتمع البورجوازي. فالبورجوازية هي أعلى مراحل المسيحية، واليهودية هي أعلى مراحل البورجوازية (هذا إن أردنا استخدام الخطاب اللينيني في توصيف الأمور) .
ويتناول ماركس النسق الديني اليهودي من خلال بعض الأفكار الخاطئة، في تصوُّرنا، والتي شاعت في الفكر الألماني عن اليهودية، وهي تعود إلى فكر موسى مندلسون ومنه انتقلت إلى كانط فهيجل. يقول ماركس: شريعة اليهود غير العقلانية إن هي إلا صورة دينية ممسوخة للأخلاق والقانون بشكل عام. إن هذه الشريعة هي فكرة الحقوق الشكلية الخالصة التي يحيط بها عالم الأنانية نفسه (أي أن المجتمع الذري يحل محل الجماعة العضوية المتماسكة) . إن أسمى أنواع العلاقات الإنسانية داخل اليهودية هو العلاقة القانونية، علاقة الإنسان بقوانين لا تستمد فعاليتها من كونها قوانين نابعة من إرادته هو نفسه وجوهره وإنما تستمد هذه الفعالية من أن هذه القوانين هي سيده وأن أي انحراف عنها يقابله العقاب. ففكرة الشريعة اليهودية، بشعائرها الكثيرة، تقف (في تصوُّر ماركس) على الطرف النقيض من فكرة الدولة الحقة التي يحقق الإنسان جوهره من خلالها.

لكل هذا، نجد أن نزعات التفتت الذري الناجمة عن الأنانية والتي تؤدي إلى اغتراب الإنسان عن جوهره، والتي بدأتها المسيحية، تصل إلى درجة عالية من التبلور في المجتمع البورجوازي، ثم إلى ذروتها في اليهودية. ورغم أن المسيحية هي التي بدأت هذا الاتجاه إلا أنها ظلت أكثر سمواً وأكثر روحانية من اليهودية. فالأنانية الروحانية عند المسيحي (البحث عن الخلاص الفردي) تصبح في الحياة العملية الكاملة، وبشكل حتمي، الأنانية المادية عند اليهودي (البحث عن الربح) ، وتتحوَّل الحاجة السماوية إلى حاجة دنيوية، وتتحول الذاتية المسيحية إلى أنانية يهودية. ومن ثم، فإن المسيحية هي الفكر السامي واليهودية هي التطبيق السوقي والعملي لها. ولكن هذا التطبيق لم يصبح عاماً وشاملاً في المجتمع إلا بعد أن توصلت المسيحية نظرياً، باعتبارها ديناً متكاملاً، إلى جَعْل الإنسان غريباً عن نفسه وعن الطبيعة. وعندئذ فقط استطاعت اليهودية التوصل إلى السيطرة العامة، وإلى إبعاد الإنسان والطبيعة إلى خارج ذاتيهما، وجعلت منهما شيئاً تجارياً خاضعاً للحاجة والأنانية وللمتاجرة. وحتى العلاقات بين الرجل والمرأة تصبح موضوعاً للتجارة، فالمرأة تصبح سلعة يُتاجَر بها. وقد ساهمت المسيحية في نشوء المجتمع البورجوازي. ومن أحشاء هذا المجتمع يتولَّد البورجوازي اليهودي دون انقطاع. ونحن لا نجد اليهودي المعاصر في التوراة أو التلمود وحسب، بل نجده في المجتمع البورجوازي الحالي، وهو ليس جوهراً مجرداً منعزلاً عن حركيات المجتمع وإنما هو جوهر عملي مطلق (وكذلك جوهر البورجوازية أيضاً) . ومن ثم، فلا يمكن الحديث عن حدود اجتماعية لليهودي، وإنما يمكن أن نتحدث عن حدود يهودية للمجتمع، أي عن حدود يهودية بورجوازية للمجتمع الإنساني.

في إطار هذا، يمكننا أن نفهم عبارات ماركس عن أن جوهر اليهودية هو المتاجرة وأساسها المنفعة العملية والأنانية، وأن المال هو إله إسرائيل الطماع ولا إله سواه، وأن «التبادل التجاري هو إله اليهود الحقيقي، وأمامه لا ينبغي لأي إله أن يعيش» . ويتضمن الدين اليهودي «ازدراءً للفن والتاريخ والإنسان كغاية في ذاتها» . و «تحتوي اليهودية على عنصر عام ومناهض للمجتمع» . فاليهودية هنا ليست مجرد نسق ديني وإنما هي البورجوازية المتبلورة، وقد وصلت اليهودية إلى ذروة تحقُّقها في المجتمع المدني البورجوازي من خلال التطور التاريخي. فاليهودية، إذن، استمرت بسبب التاريخ لا بالرغم منه. وعناد اليهود وبقاؤهم لا يمكن تفسيرهما عن طريق دينهم وإنما يمكن تفسيرهما بالأساس الإنساني (أي التاريخي) لدينهم، وهو الحاجة العملية والأنانية. اليهودية، إذن، ليست مجرد بناء فوقي ونظام معرفي وإنما هي أيضاً جزء من نظام اقتصادي تحتي هو البورجوازية، ترتبط به ارتباطاً عضوياً يَصعُب معه فَصْل الواحد عن الآخر، فالبورجوازية تلد اليهودي دائماً من أحشائها بشكل حتمي عضوي.

ويمكننا الآن أن نتحدث عن عملية تهويد المجتمع، أي سيادة النظم المعرفية والاقتصادية البورجوازية والتي يلعب اليهود دوراً أساسياً فيها رغم أنهم ليسوا وحدهم المضطلعين بها. ويتناول ماركس إشكالية أصول الرأسمالية ويرى، مثل سومبارت، أن اليهود لعبوا دوراً أساسياً في تغيير النظام الاجتماعي الزراعي عن طريق تفتيته، ولكنه لا يوافقه على أنهم مسئولون عن ظهور الرأسمالية الحقة أو الرشيدة. فهو يتفق مع فيبر في أن هذه عملية ضخمة لم يلعب فيها اليهود غير دور ثانوي سلبي. ومع هذا، يختلف ماركس مع فيبر ويتفق مع سومبارت في أن روح الرأسمالية مُستمدَّة من اليهودية لا البروتستانتية. وربما كان ما يريد ماركس قوله هو أن النموذج المعرفي الذري المُتفتَّت الأناني يُوجَد في اليهودية بشكل أكثر تبلوراً منه في المسيحية. وهكذا، ورغم أن اليهود لم يلعبوا دوراً أساسياً في بناء الرأسمالية الرشيدة كجماعة بشرية إثنية، فإن اليهودية (كنسق ديني) لعبت دوراً فعالاً فيها. كما أن سيادة النمط المعرفي المتمثل في اليهودية يعني في واقع الأمر انتصار الرأسمالية الكامل.
واليهودي، بالنسبة إلى ماركس، هو سيِّد السوق المالية، وبواسطته أصبح المال (إله إسرائيل الطماع) قوة عالمية، وأصبحت الروح العملية اليهودية هي الروح العملية للشعوب المسيحية. وتاريخ المجتمع البورجوازي هو تاريخ تهويد أوربا، وهو أيضاً تاريخ علمنة إله إسرائيل وتحويله إلى إله العالم، فالبنكنوت (الرب العملي لإسرائيل) أصبح رب العالم الغربي الرأسمالي (انظر: «تهويد المجتمع» ) .

ولذا، فإن ماركس يرى أن الحديث عن الإعتاق السياسي لليهود أمر غير ذي موضوع في الواقع إذ أن اليهود تحرَّروا بالفعل ولكن على الطريقة اليهودية. «فاليهودي الذي لا يُحسَب له حساب في فيينا (مثلاً) هو الذي يقرِّر بقوته المالية مصير المملكة كلها. واليهودي الذي قد يكون في أصغر الدول الألمانية محروماً من الحقوق، هو الذي يقرر مصير أوربا» . لقد تحرَّر اليهود بالنسبة نفسها التي بها تحوَّل المسيحيون إلى يهود، أي أن إعتاق اليهود تم على الطريقة البورجوازية ومن داخل المجتمع البورجوازي حينما تم تفتيت المجتمع تماماً وهيمنت قيم المنفعة والأنانية عليه. والحديث عن الإعتاق السياسي لليهود هو تعبير عن تناقض أساسي في المجتمع البورجوازي، وهو التناقض القائم بين السياسة وقوة المال «فالسياسة نظرياً، فوق قوة المال. ولكنها، عملياً، أصبحت مجرد سجينة له» .
ثم نصل إلى الحلول التي يطرحها ماركس. ولقد سبق أن بيَّنا أن اغتراب الإنسان عن جوهره يعود أساساً - في تصوُّر ماركس - إلى ظاهرة الدين الذي يجعل الإله موضوعاً يواجه الذات الإنسانية كشيء غريب عنها. ومن ثم، فإن إلغاء الدين شرط ضروري للتحرر. فالدولة التي تفترض الدين مسبقاً ليست بعد دولة حقيقية، أي أنها لا تُعبِّر عن جوهر الإنسان. وأي دولة تفترض الدين مقولة أو إطاراً، لابد أن تُولِّد استلاباً للإنسان. ويقتبس ماركس، باستحسان، رأي باور في استحالة إعتاق اليهود داخل إطار الدولة (الدينية المسيحية) ، إذ يُولِّد ذلك تعارضاً لا تنفصم عراه بين اليهودي والمسيحي. ولكن كيف يمكن حل مثل هذا التعارض؟ يرى ماركس أن حل أية مشكلة إنما يكون بنفيها وإلغائها، ومن هنا كان ترحيبه بحل باور، أي حل المشكلة بجعل التعارض الديني مستحيلاً بإلغاء الدين ذاته بحيث لا يرى اليهودي أو المسيحي، أيٌّ منهما، في دين الآخر، إلا درجات مختلفة من الروح الإنسانية.

وفي مقاله «حول نقد فلسفة الحق عند هيجل» يقول ماركس: «إن إلغاء الدين، باعتباره السعادة البشرية الوهمية، دعوة إلى السعادة الحقيقية. فدعوة البشر إلى التخلي عن أوهامهم بشأن أحوالهم هي دعوة إلى التخلي عن الحالة التي تتطلب الأوهام» (ويبدو أن الموازنات اللفظية داء مزمن في كتابات ماركس الأولى) . وعندئذ سيكتشف الإنسان «أن الدين ليس إلا مجرد جلود أفاع مختلفة نَزعَها التاريخ عنه وألقى بها، وأنه هو الأفعى التي استخدمت الجلد كمجرد غطاء» . وحينذاك «لن يجد، المسيحي واليهودي، نفسيهما في حالة تعارض ديني وإنما في علاقة نقدية بحتة، علاقة تَعارُض علمية بشرية. وعندئذ يؤلف العلم وحدتهما ولا تُحَل التناقضات في العالم إلا عن طريق العلم» . وهكذا يصبح العلم، أو العقل العام أو العقل المادي، هو المطلق الوحيد بدلاً من الإله، وهذا هو جوهر الفكر الإنساني العلماني الغربي. وهو حل باور، وهو حل قد يؤدي بالفعل إلى تحرُّر سياسي ولكن غير كاف برغم أهميته. فهو تحرُّر على المستوى السياسي وعلى مستوى الأفكار فقط. ولكن، كما بيَّن ماركس، يوجد جانب اقتصادي مادي صلب يَجُبُّ الجانب السياسي ويجعل المساواة في الحقوق السياسية أمراً مزعوماً. وهذا الجانب، يجسِّد الأنانية الكامنة في الإنسان وكل نزعات التفتت. والدولة، مجال حرية الإنسان ووسيلة تحقيق تكامله، تخضع هي نفسها لسطوة المموِّلين. ولأن حل أية قضية، بالنسبة إلى ماركس، لا يمكن أن يتم إلا بنفيها وإلغائها، فإننا نجده يرى أن المجتمع «لن يحرِّر نفسه إلا بتحرره من المتاجرة والمال، وبالتالي من اليهودية الواقعية» . و «حين ينجح المجتمع في إلغاء الجوهر العملي لليهودية، المتاجرة وشروطها، عندئذ يصبح وجود اليهودي مستحيلاً» ، وذلك لأن رؤية اليهودي للعالم، أي النموذج المعرفي الذي يحمله، لم يَعُد لها ما يجسِّدها، ولأن أساس اليهودية نفسها، أي الحاجة العملية، قد اختفت (تمت أنسنتها)

وتم تجاوُز الصراع بين وجود الإنسان الفردي ووجوده المادي بوجوده كعضو في النوع البشري. وهكذا، فإن «إعتاق اليهود في معناه الأخير يعني إعتاق الإنسانية من اليهودية» .
ولتلخيص الأمور، يمكن القول بأن التحرر الإنساني من منظور ماركس لا يتم في المحيط السياسي، أي داخل الدولة البورجوازية القائمة، وإنما يتم خارجها (الدولة الليبرالية الحقة الكاملة) . فالتحرُّر سيكون تحرُّراً من الظروف الموضوعية التي تؤدي إلى الأنانية أي المتاجرة والمبادلة، ومن الأفكار التي تُنمي الأنانية مثل التراث اليهودي المسيحي ومن الدين بشكل عام. ولا يمكن إنجاز مثل هذا التحرر الكامل إلا من خلال تحرير الدولة ذاتها من تلك الظروف ومن هذه الأفكار بحيث تصبح مجالاً لحرية الإنسان.

وإذا كان ماركس قد كتب كتيباً، فإن إنجلز لم يكتب سوى ملاحظات عابرة، ويُقال إنه تُوجَد مخطوطة ضمن أوراقه الموجودة في موسكو بعنوان «يهود ألمانيا» ولكنها لم تُنشَر لسبب غير معروف. ويمكن تقسيم ملاحظات إنجلز بشأن المسألة اليهودية إلى قسمين: ما قبل عام 1878، وما بعده. وهذا التاريخ هو تاريخ نشر كتابه ضد دوهرنج. ويُلاحَظ أن فكر إنجلز بشأن اليهود واليهودية في فترة ما قبل عام 1878 لا يختلف كثيراً عن الخطاب الاشتراكي السائد الذي يرى اليهود كجزء عضوي من الرأسمالية التجارية والتي سميناها «جماعة وظيفية وسيطة» . وقد لاحظ إنجلز أن اليهودي إما تاجر وإما مراب، وأن التجار اليهود احتكروا تَبادُل السلع المصنوعة في أوربا بالمحاصيل الزراعية في بولندا، وربما تكون هذه إشارة إلى يهود البلاط في علاقتهم بيهود الأرندا. ويرى إنجلز (في مقال له في نيويورك تربيون 5 مارس 1852) أن هذا هو الوضع السائد في كل شرق أوربا بل وفي الدولة العثمانية. فالحرفي والتاجر الصغير والصانع الصغير، في روسيا وألمانيا والقسطنطينية، ألماني، في حين نجد أن المرابي وصاحب الحانة وجابي الضرائب والبائع الجوال هو عادةً يهودي يتحدث الألمانية الفاسدة (هذه هي طريقة إنجلز في الإشارة إلى اليديشية) ! والواقع أن الصورة كانت أكثر تركيباً مما تصوره إنجلز عن الدولة العثمانية.

اليهود، إذن، جماعة وظيفية وسيطة (الرأسمالية الشكلية) . ومع أن إنجلز يُلاحظ وجود أثرياء اليهود في الغرب، فإنه لا يربط بين ذلك وبين الرأسمالية الصناعية «الرشيدة» بحسب مصطلح فيبر، أو «الحقيقية» بحسب مصطلح ماركس، وإنما يربط بينهم وبين البورصة وحسب. ويرى أن ثمة علاقة قوية تربط أعضاء الجماعات اليهودية بعضهم بالبعض ولكنها علاقة وظيفية وليست قومية (وفق مفهوم قومية اليهود الوهمية عند ماركس ومفهوم الطبقة/الأمة عند ليون) . فالمموِّل الألماني اليهودي يرفع قبعته بالتحية للمصرفي اليهودي الفرنسي، وسوق الأوراق المالية مؤسسة طفيلية لا علاقة لها بالإنتاج، فما هي إلا مؤسسة يقوم فيها المموِّلون اليهود بتوزيع فائض القيمة الذي سرقوه من العمال. وبرغم طفيلية هذا الدور الذي يلعبه المموِّلون اليهود، فإن له أبعاده الثورية إذ ساعد على سرعة تركيز رأس المال وبالتالي ساعد على بلورة المجتمع واستقطابه.

وانطلاقاً من مثل هذه الأطروحات، كتب إنجلز مقالاً في مجلة النجم الشمالي (إنجليزية) يدافع فيه عن كتيِّب معاد لليهود صدر في باريس عام 1846. فذهب إلى أن الكتيب لا يهاجم لويس فيليب وإنما يهاجم في واقع الأمر روتشيلد الأول، ملك اليهود، وأنه بذلك أخذ الاتجاه الصحيح. ومما عمق من هجوم إنجلز على اليهود أنه كان يؤيد نضال بولندا من أجل الاستقلال والحفاظ على هويتها القومية، وبالتالي كان معارضاً لليهود والألمان (في بوزنان) الذين كانوا يؤيدون ضمها إلى ألمانيا وصبغها بالصبغة الألمانية. وكان اليهود، بوصفهم عنصراً ألمانياً، يقفون إلى جانب الألمان في هذه المعركة. وقد هاجم إنجلز يهود بولندا، الذين كانوا يشكلون أغلبية يهود العالم، بطريقة تنم عن كراهيته لهم، فنعتهم بأنهم صورة مضحكة لكل اليهود، ووصف اليديشية مرة أخرى بأنها ألمانية فاسدة. بل إنه كان يرى أن اضطهاد الروس لليهود في عام 1848 إن هو إلا جزء من عملية تحوُّل اجتماعي تحاول البورجوازية (الطبقة المحلية الصاعدة) من خلالها أن تحمي نفسها من الباعة الجائلين (اليهود) الذين يفسدون كل الأمور، ويمنعون عملية التبلور الثورية.
ويُلاحَظ في كتابات إنجلز في هذه المرحلة أن ثمة ترادفاً بين كلمات «يهودي» و «مُضارب» و «مالي» . وقد ترجم إنجلز بعض أعمال فورييه، دون أن يستبعد هجومه الشرس على اليهود. بل إنه هاجم هس ولاسال بهذه الطريقة العنصرية الشرسة، فأطلق على لاسال صفة «اليهودي السخيف» و «إفراييم النبيه» وأشار إليه باعتباره نموذجاً ليهود شرق أوربا الذين هم على أتم استعداد لاستغلال أي شخص لأهدافهم. وتحدَّث باشمئزاز شديد عن هذا اليهودي «المدهنن» (من الدهن) الذي يرغب في زخرفة نفسه ويرغب في الانتماء إلى الطبقات الأرستقراطية.

وظلت هذه هي الملامح الأساسية لفكر إنجلز حتى عام 1878 حين نُشر كتاب ضد دوهرنج الذي نلاحظ فيه نغمة مختلفة تماماً. فهو يشن هجوماً على معاداة اليهود، ويحاول أن يفسر الظاهرة بغضب بعض الطبقات الهابطة على ما يحدث لها نتيجة تغيرات اجتماعية لا يتحكم فيها اليهود. وهو يرى أن هذه الظاهرة تتحقق في بلاد متخلفة مثل روسيا والنمسا وبروسيا وليس في إنجلترا أو الولايات المتحدة.
وهنا يظهر تحيُّز إنجلز للعملية التاريخية الكبرى التي كان يرى أنها الاتجاه الحتمي للتاريخ الذي سيحسم كل الخلافات والتناقضات الاجتماعية بحيث تصبح تناقضاً واحداً بسيطاً: التناقض بين الرأسماليين والعمال. فالطبقات، مثل: اليونكرز (صغار الملاك الزراعيين الألمان) والبورجوازية الصغيرة والحرفيين وصغار التجار، كلها طبقات رجعية تَسقُط بسبب منافسة الرأسمالية الجديدة الصاعدة. ويلعب المموِّلون والتجار اليهود دوراً أساسياً في هذه العملية، فلا يهم إن كانت هذه الرأسمالية الجديدة وهذه القوى الصاعدة سامية أو آرية، مُعمَّدة أو مُختَّنة، فهي تنجز وظيفتها التاريخية وتساعد الأمم المتخلفة مثل البروسيين والنمساويين على أن يصلوا إلى مرحلة أعلى من التقدم وتبسيط التناقضات.
ولكن، في غياب رأسمالية قوية صاعدة لا تستأثر بالناتج القومي، فإن مسرح النشاط المالي الأساسي يصبح هو البورصة التي يتركز فيها اليهود، ويظل الإنتاج في أيدي بعض الفلاحين وملاك الأراضي والحرفيين. لكن أعضاء هذه الطبقات هم من بقايا العصور الوسطى الذين يهاجمون اليهود بعنف ويعتقدون أنهم هم الرأسمالية الصاعدة. وتشن هذه الطبقات الهجوم تحت عباءة الاشتراكية (ومن ثم سماها إنجلز «الاشتراكية الإقطاعية» ) . وأشار إنجلز إلى أن اليهود ليسوا حقاً من كبار المموِّلين، وبيَّن أنه لا يوجد يهودي واحد بين مليونيرات أمريكا الشمالية الذين يملكون من الثروات ما يجعل روتشيلد يبدو كما لو كان شحاذاً.

وفي إطار هذا التحليل، يتخلى إنجلز عن كثير من مقولاته العنصرية، فهو يتحدث عن روتشيلد باعتباره رأسمالياً وحسب ويقرن بينه وبين رأسمالي مسيحي آخر. فالإطار المرجعي هنا هو الوظيفة التي يضطلع بها كل منهما وليس انتماؤهما الديني أو الإثني. وهو يشير إلى يهود شرق أوربا باعتبارهم ممثلي أدنى مراحل التجارة في أوربا، ولكنه يتحدث عن حيلهم التجارية الوضيعة لا باعتبارها خاصية يهودية وإنما باعتبارها سمة من سمات الإنتاج الرأسمالي في مراحله المتدنية. وقد أشار إنجلز إلى أعضاء الطبقة العاملة من اليهود في إنجلترا بل وفي شرق أوربا (وهم من يهود اليديشية) ، وهذا يعني أن يهود أوربا ما عادوا يوجدون في شقوق المجتمع ومسامه وإنما أصبحوا جزءاً منه، أي جزءاً من العملية التاريخية الكبرى، عملية استقطاب المجتمع إلى عمال ورأسماليين. وربما يُفسِّر هذا تصريحه الإيجابي عام 1890 عن اليهود: "إننا مدينون لهم، فمنهم هايني وماركس وغيرهما".
ومع هذا، لم يعلق إنجلز بتاتاً على المشروع الصهيوني، ولا على كتاب هس روما والقدس. ومن المعروف أن إنجلز لم يكن يُبدي اهتماماً كبيراً بالأمم الصغيرة. ولذا، فمن الممكن تصوُّر أنه لم يكن لديه أيُّ تعاطف مع هذا المشروع. كما أن الصهيونية لا تنتمي إلى العملية التاريخية الكبرى وإنما هي محاولة لتحاشيها وتعطيلها. ولكن بالإمكان النظر إلى المشروع الصهيوني باعتباره أداة لخلق حالة من عدم الاتزان في المنطقة العربية وتفتيت المجتمعات الرجعية القائمة فيها، أي أن الدولة الصهيونية يمكن أن تلعب في المنطقة العربية الدور نفسه الذي لعبه المموِّلون اليهود مقابل اليونكرز والبورجوازيات الصغيرة، وبالتالي فإن دورها سيكون تقدمياً. وقد أيَّد إنجلز الاستعمار الفرنسي للجزائر من هذا المنظور.

ويمكننا الآن أن نحاول إصدار بعض التعميمات على تناول ماركس وإنجلز للمسألة اليهودية. ويمكننا أن نقول إنهما نتاج (أو سجينا) تجربتهما الغربية على وجه العموم والألمانية على وجه الخصوص، وهذا أمر طبيعي ومُتوقَّع. ويظهر هذا الجانب من فكرهما، أكثر ما يظهر، في فشلهما الكامل في التمييز بين اليهودية واليهود وفي تصوُّرهما أن النسق الديني اليهودي المتنوع هو نسق واحد له جوهر واحد، يُعبِّر عن نفسه من خلال اليهود، يظهر في عبارات مثل: «إله إسرائيل الطماع» ، و «جوهر اليهود هو كذا» ... إلخ. ولكن التناول العلمي لهذه القضية لابد أن يؤكد تنوُّع اليهودية بوصفها تركيباً جيولوجياً ويؤكد في الوقت نفسه عدم تجانُس الجماعات اليهودية المختلفة. ولابد أن هناك علاقة ما بين الأنساق العقائدية اليهودية المختلفة والجماعات اليهودية المختلفة، ولكنها على أية حال ليست علاقة عضوية سببية كاملة صلبة كما يتخيل ماركس وإنما علاقة تتسم بالسببية الفضفاضة وتختلف من بلد إلى آخر ومن مرحلة تاريخية إلى أخرى.

ومن الواضح أن ماركس وإنجلز لم تكن لديهما أدنى معرفة بيهود العالم الشرقي والإسلامي. كما أن معرفتهم بالجماعات اليهودية في أوربا ذاتها لم تكن قوية بما فيه الكفاية. ولذا، لا تُوجَد عندهما إشارات إلى الفروق الحضارية والطبقية بين السفارد والإشكناز داخل أوربا. كما لا يوجد لديهما إدراك للفروق الحضارية بين مختلف الجماعات اليهودية إذ يبدو أن تجربتهم كانت مركَّزة أساساً على يهود ألمانيا مع معرفة سطحية بيهود شرق أوربا. كما أنهما لم يتعرضا للدور الخاص الذي لعبه يهود المارانو في نشأة الرأسمالية الغربية. وبسبب قصور معرفتهما، فإنهما يشيران إلى اليهود بشكل عام وإلى المسألة اليهودية بشكل مجرد بدلاً من الحديث عن مسائل يهودية مختلفة. وقد تمادى الماركسيون بعد ذلك وزادوا درجة التعميم والتجريد وأصبحت كتابات ماركس وإنجلز العابرة مصدراً للتعميم العالمي والشامل (والذي يُقال له علمي!) على اليهود.
ولعل جَهْل ماركس وإنجلز بما كان يدور في شرق أوربا الذي كان يضم أغلبية يهود العالم، وبثقافة الجماعة اليهودية فيها (فاليديشية بالنسبة إلى إنجلز هي مجرد ألمانية فاسدة) ، مع الرغبة في الوصول إلى مستوى تعميمي مرتفع لا يستند إلى معطيات مادية وحضارية كافية، هو الذي جعلهما يتبنىان رؤية استقطابية للموضوع. فاليهود إما أنهم قومية عالمية وإما أنهم ليسوا بقومية على الإطلاق، ولم يطرأ لهما على بال وجود قومية شرق أوربية (نسميها «القومية اليديشية» ) مثل العديد من القوميات الأخرى هناك. وتصوَّر ماركس وإنجلز أن هناك حلين لا ثالث لهما: إما الصهيونية أو الاندماج الكامل. وهذا الموقف الاستقطابي هو الذي سقط فيه البلاشفة بعد ذلك فلم يتمكنوا من فهم طرح البوند للقضية وظلوا يتخبطون إلى أن تبنُّوا حل بيروبيجان وهو حل يَصدُر عن قَدْر من التقبل لفكرة القومية اليديشية.

أما النقطة الأخيرة، فهي الخاصة بتناول ماركس وإنجلز لأصول الرأسمالية. فبرغم الإسهام التاريخي لكل من ماركس وإنجلز في عملية دراسة أصول وتطوُّر ومصير الرأسمالية، فإنهما لم يدركا دور الدين في هذه العملية إلا بشكل بدائي وبسيط للغاية. وهذا ميراث فكر عصر الاستنارة وثمرة النموذج الفلسفي المادي الذي تبنياه والذي يحوِّل كل الأفكار، وضمنها العقائد الدينية، إلى مادة اقتصادية في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير!
كما أنهما لم يستفيدا بالدراسات الاجتماعية والأنثروبولوجية العامة، التي لم تظهر بشكل مكثف إلا في نهاية القرن التاسع عشر، عن الأديان المختلفة ودورها في النظم الحضارية الاجتماعية. ولذا، وبرغم الإشارات المهمة في كتاباتهما عن المسيحية واليهودية فإن هذه الإشارات لا تصل بأية حال لعُمْق كتابات فيبر أو سومبارت.
وقد ورث البلاشفة كل نقاط القصور لدى ماركس وإنجلز. ورغم توافر المعطيات المادية والمعلومات اللازمة بشأن الجماعة اليهودية في منطقة الاستيطان، فإن الرؤية الماركسية شكلت الإطار المعرفي للبلاشفة، فتحركوا من خلالها ومن خلالها وحدها.
رؤية ماكس فيبر (1864-1920) للعلاقة بين الرأسمالية والجماعات اليهودية
‏Max Weber on the Relationship between Capitalism and Jewish Communities

ساهم عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر (1864 ـ 1920) في دراسة اليهود واليهودية من عدة جوانب. وأهم مفهوم في كتاباته هو مفهوم «الترشيد» ، أي توظيف الوسائل بأعلى درجة من الكفاءة في خدمة الأهداف، وذلك عن طريق إخضاع الظواهر بشكل متزايد للمنطق الرياضي والهيمنة المنهجية المنظمة على كل جوانب الحياة على أساس قوانين عامة ومبادئ تستبعد الالتفات إلى المعايير التقليدية أو الحماسة الكاريزمية، أو الالتفات إلى أية قيم أخلاقية أو عاطفية أو إنسانية. وهو يرى أن الترشيد هو السمة الأساسية لتاريخ البشرية المعاصرة، بل وتاريخ البشرية العام، فتاريخ الحضارة هو التقدم المستمر نحو مزيد من الترشيد.
والترشيد ـ حسب رأيه ـ ليس سمة معزولة من سمات الحضارة الغربية، بل هو السمة الأساسية، وهو مصدر خصوصيتها. ويربط فيبر هذه السمة بظواهر أخرى، مثل معمار الكاتدرائيات القوطية وظهور العلم الطبيعي المبني على التحليل الرياضي، ويرى أنها عملية كامنة في الحضارة الغربية، فهي كامنة في القانون الروماني، وفي مفهوم الملكية باعتباره حقاً مطلقاً، وفي انفصال الكنيسة في الغرب عن العالم الدنيوي بحيث تركت ما لقيصر لقيصر وما لله لله، ثم في بنية المدينة الغربية واستقلالها عن التشكيل الإقطاعي.

ولعبت اليهودية بوصفها ديانة توحيدية دوراً أساسياً في عملية الترشيد هذه. إذ تضع الديانات التوحيدية مسافة بين الخالق والمخلوق. ولذا، لم يَعُد هدف المؤمن هو الاتزان مع الدنيا (عالم الطبيعة) كما هو الحال في الديانات الحلولية وإنما التحكم فيها. هذه المحاولة للتحكم في كل العالم بكل تفاصيله، باسم مثل أعلى مُوحَّد، هي خطوة أولى نحو الترشيد، إذ لا يتعامل المرء مع الواقع على أساس ارتجالي وإنما يتعامل معه بشكل متكامل. وهذا ترشيد تقليدي مُتوجِّه نحو القيمة التي تحددها المعايير الأخلاقية المطلقة، ولكن هذا النوع من الترشيد حل محله الترشيد الحديث، وهو الترشيد المتحرِّر من القيم، والمتوجه نحو أي هدف يحدده الإنسان بالطريقة التي تروقه أو حسبما تمليه عليه رغباته أو مصلحته. فالترشيد التقليدي كان يتم في إطار المطلق الديني، أما الترشيد الحديث فلا علاقة له بأيِّ مطلق ويتم في إطار نسبي كامل، ولذا نسميه «الترشيد الإجرائي» (ويُسمَّى أيضاً «الترشيد الأداتي» ) .
ولكن فيبر يرى أن اليهودية لم تصل بعملية الترشيد إلى نهايتها المنطقية، ومن ثم لم يلعب أعضاء الجماعات اليهودية دوراً مهماً ومركزياً في تطوُّر الرأسمالية. أي أن فيبر ـ على عكس سومبارت ـ يقول إن الجماعات اليهودية لم تساهم بشكل مباشر وأساسي في نشوء الرأسمالية الرشيدة حتى وإن كان لها إسهامها غير المباشر من خلال عناصر الترشيد الموجودة في النسق الديني (وبخاصة كتب الأنبياء) ومن خلال تقويضها دعائم المجتمع التقليدي بإدخال عناصر اقتصاد التبادل. ويعود ذلك إلى الأسباب التالية:
1 ـ لم يكن تَوجُّه اليهود إلى هذه الحياة الدنيا بحدة تَوجُّه الجماعات البيوريتانية البروتستانتية التي جعلت هزيمة العالم وتَراكُم الثروة شاهداً على الرضا الإلهي، وهو تَوجُّه أدَّى في نهاية الأمر إلى ظهور المجتمع العلماني الرأسمالي.

2 ـ يرى فيبر أن المثل الأعلى اليهودي هو العالم التلمودي الذي يدرس النصوص المقدَّسة وليس التاجر الذي يراكم الثروات. والعالم التلمودي كان في معظم الأحيان تاجراً أو مرابياً، ولكنه كان يعمل بالتجارة والربا بعض الوقت وحسب، ولذا لم يكن بوسعه الوصول بعملية الترشيد إلى منتهاها.
3 ـ ولكن أهم الأسباب هو وجود عناصر غير رشيدة في الرؤية اليهودية للخلاص (مثل خصوصية يهوه وفكرة الشعب المختار والأخلاقيات المزدوجة) أدَّت إلى عزلة اليهود النفسية، التي عمقتها العزلة الشعائرية. وحينما حضر اليهود إلى أوربا احتفظوا بالوضع نفسه.

وقد حلَّ اليهود غرباءً أو ضيوفاً على المجتمع المضيف لا حقوق لهم بل يتحدَّد وضعهم من خلال المواثيق المحددة بزمن، والتي تمنحهم المزايا وتزوِّدهم بالحماية. ولم يتمكَّن اليهود من الانضمام إلى نقابات الحرفيين ولم يعملوا في عدد كبير من المهن، ولذا أصبحوا شعباً منبوذاً. ولأنهم شعب منبوذ، كانت الأشكال الرأسمالية التي ظهرت بينهم هي رأسمالية المنبوذين؛ رأسمالية تستند إلى المعايير المزدوجة ومرتبطة بالجماعة اليهودية وشعائرها الدينية وتستفيد من أواصر القرابة وتنمو في أحضان الحاكم والنظام الإقطاعي وتتركز في المضاربات والمشاريع الرأسمالية المضمونة التي تضمنها الحكومة، وهي كلها عمليات غير رشيدة ولا تؤثر في كل مجالات الحياة (كما هو الحال مع الرأسمالية الرشيدة) . ووصف فيبر لرأسمالية المنبوذين والرأسمالية التقليدية هو وصف دقيق لنشاط أعضاء الجماعات الوظيفية المالية الوسيطة. ولم يظهر بين اليهود حب للعمل في ذاته أو حب للثروة كهدف في ذاته، وإنما كان الهدف من العمل ومراكمة الثروة هو تحقيق الراحة لليهود حتى يمكنهم دراسة التوراة. وهم لم يقيموا استثمارات بعيدة الأمد، بل ظلت استثماراتهم تهدف لتحقيق الربح السريع. ولذا، فإنهم لم يساهموا في إنشاء الصناعة الغربية الحديثة. كما لم يكن أمامهم مجال للتجريب، فالمؤسسات القائمة كانت تحقِّق لهم ما يريدون من ثروة. ولم يكن بوسعهم، كغرباء، أن يجربوا إلا بإذن السلطة الحاكمة أو القوي التي يتبعونها (وقد كان البيوريتان يحتقرون هذا النوع من الرأسمالية الذي يركز على العقود الحكومية واحتكارات الدولة ومشاريع الأمراء والمضاربات) .

ويُبيِّن فيبر كذلك أن اليهودي لا يشعر بانعدام الأمن الداخلي الذي يشعر به المؤمن بتعاليم كالفن. فانعدام الأمن الذي يشعر به اليهودي كان خارجياً، أي الخوف من عالم الأغيار. أما في داخل الجيتو، بين جماعته الوظيفية الوسيطة، فقد كان اليهودي يشعر بالأمن تماماً لأنه داخل الجيتو يعرف أنه فرد من الشعب المختار ولا يخطر بباله أنه قد لا يُكتَب له الخلاص حتى بعد تنفيذ الوصايا التي وردت في التوراة. فالعلاقة التعاقدية تؤكد له إمكانية الخلاص. وهو لم يكن في حاجة لعلامة من الخالق ليفهم الإرادة الربانية الغامضة، فقد كانت لديه الشريعة التي يمكنه أن يدرسها ويعرف كل شيء فيها. ورغم أن النشاط الاقتصادي لليهودي كان يتم في عالم الأغيار، فقد كان هناك عالمه المقدَّس الذي يعود إليه. ومن هنا ظهرت هوة بين النشاط التجاري والقيم الدينية، فالعمل التجاري لا يصب في الموقف الديني، والعمل لكسب الرزق لا يُعَدُّ في اليهودية نهاية في ذاته ولا هو وسيلة لتمجيد الخالق. ويمكن القول بأن تراكم الثروة هو دليل على عدالة الخالق، ولكن الهدف الأساسي والنقطة المرجعية يظلان بالنسبة إلى اليهودي الحياة التقية بحسب الوصايا والأوامر والنواهي، بل إن فكرة غزو العالم ذاتها تم الاستغناء عنها عن طريق فكرة انتظار الماشيَّح، وعدم الانغماس في التعجيل بالنهاية. وكان ضرورياً لليهودي أن ينتظر في صبر وأناة حتى يعود الماشيَّح، وهو ما يعني موقفاً انسحابياً من الدنيا.

ويضيف فيبر عنصراً آخر في دراساته عن المدينة، فهو يفسر عدم نشوء الرأسمالية الرشيدة بين أعضاء الجماعات اليهودية بأنها نشأت في المدينة المسيحية، حيث كانت هذه المدينة في العصر الوسيط مؤسسة دنيوية مستقلة عن الكنيسة وعن الدولة، وكانت تضم أفراداً يقسمون يمين الولاء كأفراد لا كأعضاء في قبيلة أو عائلة، وهذا يعني ضمور وتهميش علاقات القرابة التي ترتبط بشعائر محددة (مثل عبادة الأسلاف) . ورغم أن نقابات الحرفيين والتجار كانت أساساً مسيحية ورموزها مسيحية، فإنها ظلت مؤسسات دنيوية يمكن لأي غريب أن ينتمي إليها بعد أن يقسم يمين الولاء لها. وقد ساهمت المدينة بهذه الطريقة في فصل شئون العمل والتجارة عن شئون الأسرة والعشيرة. وكان من شأن هذا كله أن يساهم في عملية الترشيد الآنفة الذكر. ومن المعروف أن اليهود لم يصبحوا قط جزءاً من المدينة. ورغم أنهم كانوا يحصلون على حق الإقامة فيها، فإنهم ظلوا غرباء عنها لا ينتمون إليها، بل كانوا أعدى أعدائها في بعض المناطق نظراً لتبعيتهم للنخب الإقطاعية الحاكمة.

وانطلاقاً من هذا، يرى فيبر أن الرأسمالية الرشيدة (أي التي تستند إلى أسس عامة موضوعية رشيدة بالمعنى الإجرائي والتي يهدف الإنتاج فيها إلى تعظيم الأرباح وليس إشباع الرغبات) لم تُولَد بين اليهود وإنما وُلدت في صفوف البروتستانت، خصوصاً البيوريتان (المستوطنين البروتستانت في الساحل الشرقي من الولايات المتحدة) وغيرهم من أتباع المفكر الديني البروتستانتي كالفن، فهم الذين لعبوا الدور الأساسي في ظهور الرأسمالية الرشيدة. فالأخلاقيات البروتستانتية التي هيمنت عليهم جعلتهم يؤمنون بالعمل كغاية في ذاته وخلقت فيهم إحساساً عميقاً بعدم الطمأنينة (لأن الإله بعيد تماماً لا يمكن فهمه أو الوصول إليه أو التواصل معه) . وبسبب هذا الإحساس بالبُعد والعزلة، يجعل المؤمن الهدف من حياته هو غزو العالم وغزو ذاته وتوظيفهما لخدمة الإله (بما ينتج عن ذلك من عملية ترشيد كاملة) والهيمنة على العالم لإدخال الإحساس بالطمأنينة على ذاته. ومراكمة الثروة في هذه الدنيا هي أهم النشاطات باعتبارها علامة على الاختيار والنجاح الذي سيؤدي إلى النعيم في الآخرة. ولأن الثروة علامة من الإله، فإن على المؤمن ألا يبددها بل عليه أن يراكمها، أي أن الإنسان البروتستانتي ينكر على نفسه المتعة ويقوم بمراكمة الثروة كغاية في ذاتها.
وأطروحة فيبر بشأن علاقة أعضاء الجماعات اليهودية بعملية الترشيد أو بنشأة الرأسمالية خصبة للغاية ولها مقدرة تفسيرية عالية، فهي لا تحاول فقط تفسير جانب مهم في التاريخ الاقتصادي لأوربا، بل تحاول أيضاً تفسير تطوُّر اليهودية كنسق ديني وتطوُّر وضع اليهود داخل الحضارة الغربية، وهي بذلك أكثر تركيبية من كتيب ماركس المسألة اليهودية الذي كتبه في شبابه قبل نضوجه.
ونشير هنا إلى كثير من نقط النقص في تناول فيبر للموضوع، وهو أمر متوقع نظراً لاتساع حدود الموضوع:

1 ـ ربما كان أهم نقط النقص في تصوُّرنا هو إغفال فيبر أهمية فكرة التوحيد باعتبارها فكرة تشكل قفزة نوعية للفكر الديني، وبدلاً من ذلك كان تركيزه على عناصر ثانوية (مثل العهد بين يهوه واليهود) ، وهي عناصر مهمة ولكنها لا ترقى في أهميتها إلى فكرة التوحيد. كما لم يدرك فيبر أن التوحيد في العقيدة اليهودية ظل مشوباً بعناصر حلولية وثنية، وأن اليهودية سقطت في الواحدية الكونية التي تنبذها العقائد التوحيدية الحقة.
2 ـ يُفرِّق فيبر بين عبادة يهوه وعبادة بعل مع أن من المعروف أن اليهودية دخلها كثير من العناصر من عبادة بعل حتى أصبحت عبادة يسرائيل خليطاً غير متجانس من العبادتين.
3 ـ يفترض فيبر وجود قدر كبير من الوحدة في أسفار الأنبياء، وهو الأمر الذي لا تسانده قراءة متعمقة لهذه الأسفار.
4 ـ يتسم تحليل فيبر للفريسيين بالابتسار الشديد كما أنه لم يشر إلى الاتجاهات الأخرى، خصوصاً الأسينيين والغيورين الذين عبَّروا عن مصالح ومطامح الجماهير الشعبية.
5 ـ معرفة فيبر بالتلمود سطحية للغاية، ولذا فهو لم يدرك أنه كتاب متناقض وأن كثيراً من أفكار الأنبياء اختفت وحلت محلها صيغ سحرية أبعد ما تكون عن الترشيد. ويبدو أن معرفة فيبر بالتيارات الفلسفية المختلفة التي ظهرت بين الجماعات اليهودية في التشكيل الحضاري الإسلامي، بل والمسيحي أيضاً، كانت ضعيفة.
6 ـ لم يذكر فيبر القبَّالاه من قريب أو بعيد رغم أنها سيطرت على التفكير الديني اليهودي منذ القرن السابع عشر.
7 ـ يفصل فيبر، وبحدة، بين الأشكال الرأسمالية في المجتمع التقليدي والرأسمالية الرشيدة. ومع الإقرار بالأهمية المنهجية والتفسيرية لهذا الفصل، يظل من الضروري أن ندرك أن الظاهرتين تتداخلان على مستوى التاريخ المتعين وأن اليهود لعبوا بالفعل دوراً في تحطيم المجتمع التقليدي القديم كما بيَّن ماركس.

8 ـ ينظر فيبر إلى تواريخ الجماعات اليهودية من الداخل كما لو كان هناك تاريخ يهودي مستقل عما حولهم من تشكيلات حضارية، ومن هنا محاولته تفسير فكرة «الشعب المنبوذ» بأنها نتاج الجيتو الداخلي الذي فرضه اليهود على أنفسهم.
9 ـ لم يتعرض فيبر لقضية يهود المارانو وإسهامهم في نشأة الرأسمالية. وحاول سومبارت أن يطرح وجهة نظر مختلفة، حيث بيَّن أن اليهود هم أهم القطاعات البشرية التي أدَّت إلى ظهور الرأسمالية الرشيدة في الغرب.
وغنيٌّ عن القول أن فيبر وماركس وسومبارت، وغيرهم من المفكرين الغربيين، يتناولون وضع الجماعات اليهودية في الغرب وكأنه وضع عالمي. وربما يعود هذا إلى جهلهم بأحوال يهود الدولة العثمانية ويهود الهند والفلاشاه والصين بل ويهود جورجيا في روسيا. ومن هنا كان جنوحهم نحو التعميم المخل وحديثهم عن اليهود بشكل عام ومجرَّد.
رؤية فرنر سومبارت (1863-1941) للعلاقة بين الرأسمالية والجماعات اليهودية
‏Werner Sombart on the Relationship between Capitalism and Jewish Communities

يرى العالم الألماني فرنر سومبارت (1863 ـ 1941) أن ثمة علاقة قوية بين أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب (وبخاصة يهود المارانو) من جهة وظهور الرأسمالية وتطوُّرها من جهة أخرى. ويبدو أن هذا السؤال مطروح على سومبارت منذ بداية رحلته الفكرية، وأنه حاول أن يعثر على إجابة إلى أن وجد ضالته. ويميِّز سومبارت بين نشاطين رأسماليين أحدهما «النشاط التجاري» (بالإنجليزية: كوميرشيال commercial) والآخر هو «النشاط الاستثماري» (بالإنجليزية: أنتربرينريال entrepreneurial) . والترجمة الحرفية لهذه العبارة هي «رأسمالية المقاولات أو الوسطاء» ولكنها لا تؤدي المعنى المطلوب تماماً، على عكس الترجمة التي نقترحها. وهكذا، فإن النشاط الرأسمالي الاستثماري حسب تصوُّر سومبارت نشاط نيتشوي يتسم بالحيوية والتوقد الذهني والإدراك السريع وروح المغامرة والتجديد والإحساس بالقوة والرغبة في تجاوز الأخلاق والحسابات العادية (أو أخلاق العبيد في فلسفة نيتشه) . ويرى سومبارت أن المستثمر الرأسمالي يشبه أبطال ملحمة بيولف الأنجلو ساكسوني، فيما يُسمَّى «العصر البطولي» ، وهي فترة قبل العصور الوسطى في الغرب وقبل دخول المسيحية. فهؤلاء الأبطال يجدون لذة غير عادية في الكفاح والصراع باعتبارهما هدفين في ذاتيهما، ويدخلون الحروب التي ليس وراءها عائد مادي، وهم يدخلون في علاقة مباشرة متعينة مع الأشياء، وهي هنا العملية الإنتاجية. كل هذا يقف على الطرف النقيض من الرأسمالية التجارية التي تنظر إلى العالم بمنظار موضوعي.
وهذا التقسيم هو، في واقع الأمر، تعبير عن التقسيم الثنائي الأساسي في علم الاجتماع الألماني بين المجتمع التقليدي العضوي المترابط (الجماينشافت) ، والجماعة التعاقدية الذرية المفتتة (الجيسيلشافت) . والرأسمالية الاستثمارية تعبير عن الجماعة الأولى، والرأسمالية التجارية تعبير عن الثانية.

ومن الواضح أن التمييز بين هذين النوعين من الرأسمالية هو تعبير عن الصراع بين رؤية الاستنارة الآلية والرؤية العضوية المعادية للاستنارة. وتبنِّي سومبارت للفكر العضوي هو في جوهره احتجاج على تزايد معدلات الترشيد والعلمنة في المجتمع الغربي.
كما أننا سنلاحظ أن الرأسمالية التجارية هي رأسمالية المجتمعات الإقطاعية التي تضطلع بها الجماعات الوظيفية الوسيطة على عكس النشاط الرأسمالي الاستثماري، وهو ما يعادل الرأسمالية الرشيدة عند فيبر.
ويرى سومبارت أن أعضاء الجماعات اليهودية ساهموا في تطوُّر الرأسمالية بشكل عام، وإن كانت هناك عدة عناصر جعلت ارتباطهم بالرأسمالية التجارية أكثر قوة من ارتباطهم بالرأسمالية الاستثمارية. ويورد سومبارت عدة أسباب لهذه الظاهرة بعضها يعود إلى النسق الديني اليهودي والبعض الآخر يعود إلى وضعهم في المجتمعات الغربية:
1 ـ لم تُحرِّم اليهودية التجارة، ولم تنظر إليها نظرة سلبية، وإنما قامت بتنظيمها بل تشجيعها. وأبدت اهتماماً خاصاً بالأعمال المالية من أجل تحقيق الربح.
2 ـ حرَّمت اليهودية الإقراض بالربا بين اليهود ولكنها أحلته بين اليهودي وغير اليهودي، وهو ما فتح الباب على مصراعيه أمام اليهودي للاشتغال بالأعمال المالية ومراكمة رأس المال.
3 ـ تشجِّع اليهودية الاعتدال والتحكم في الذات وعدم التعبير عن العواطف والدوافع بشكل تلقائي إلا من خلال قنوات شرعية مُعتَرف بها دينياً. ويعني هذا، في واقع الأمر، تحويل طاقات حيوية هائلة للنشاطات الاقتصادية. ويرى سومبارت أن هذا هو الترشيد الاقتصادي بعينه.
4 ـ يشير سومبارت إلى النسق الديني اليهودي، فيُلاحظ أن اليهودية مجردة من الأسرار والطقوس ذات الطابع الرمزي، وهو ما يعني أنها تنمي عقلية رشيدة عقلانية تميل نحو الحساب وتبتعد عن المغامرة.

5 ـ العلاقة بين اليهودي والخالق علاقة تعاقدية، فالخالق ليس عنصراً محاطاً بالأسرار وإنما عنصر مجرد غير شخصي لا يمكن للمؤمن الدخول معه في علاقة شخصية، وبالتالي تظل العلاقة معه مجردة غير شخصية.
6 ـ ربطت اليهودية بين القداسة والثواب والعقاب في العالم الآخر من جهة وفكرة التعاقد من جهة أخرى. فمن يؤدي وصايا الخالق لابد أن يُكافأ على أفعاله بحسب العلاقة التعاقدية. وشجع هذا ظهور اتجاه إنمائي بحيث يمكن للمؤمن أن يرجئ تحقيق رغباته في سبيل المكافأة النهائية، وهذا ضرب من التقشف ذي التوجه الدنيوي على نقيض التقشف الديني ذي التوجه الأخروي.
7 ـ يُلاحظ سومبارت أن اليهودية ديانة معادية للطبيعة تهدف إلى غزوها والهيمنة عليها، وهذا هو أحد أهداف الرأسمالية.
كل هذه العناصر في النسق الديني اليهودي تتفق تماماً مع روح الرأسمالية، الأمر الذي جعل اليهود مرشحين لأن يضطلعوا بالوظائف التجارية أكثر من أي قطاع بشري آخر. ومما ساعد على تحقيق هذا الاتجاه عناصر خاصة بالتجربة التاريخية لليهود قوَّت هذا الاتجاه وساعدته على التحقق، منها:
1 ـ تشتُّت اليهود، أي انتشارهم خارج فلسطين في ربوع الأرض، وهذا ما جعلهم يكوِّنون شبكة مالية تجارية ضخمة ويعطون العلاقات التجارية طابعها الدولي اللازم لنشوء الرأسمالية.

2 ـ وحين تشتَّت اليهود، خرجوا من بيئة صحراوية يحملون معهم الروح السامية التجارية إلى الشمال الذي تسود فيه الروح الآرية وروح المغامرة. ويبدو أن الصحراء في ذهن سومبارت هي رمز الحسابات الرشيدة الباردة وهي البيئة التي يتحول فيها الإنسان إلى مخلوق أناني ذري يرغب في البقاء، ونقيضها الطبيعة الثرية في الشمال التي تشجع على اتساع الأفق وارتياد المجهول. وهنا نرى صورة أخرى من الجماينشافت (الجماعة المترابطة) والجيسيلشافت (المجتمع التعاقدي) . ويرى سومبارت أن المدينة الحديثة ليست إلا صحراء كبيرة تضم أشخاصاً أنانيين لا يكترثون إلا بمصالحهم.
3 ـ يبدو أن الحياة في الصحراء أو العقلية الصحراوية التي تشجع على الحساب تجعل الإنسان شخصية مرتبة ترفض التلقائية، على عكس حياة الريف في أحضان الطبيعة، أي أن الحياة في الصحراء تشجع على ما يمكن أن نسميه «الشخصية التعاقدية» .
4 ـ ظل اليهود، بعد انتشارهم خارج فلسطين، غرباء عن المجتمعات التي حلوا بها، ومن المعروف أن الغريب يقوم بتثوير المجتمعات التي يحل بها، كما أنه يضطلع بوظائف يأنف أعضاء المجتمع من ممارستها.
5 ـ يرى سومبارت أن أعضاء الجماعة اليهودية ساعدوا الدولة الحديثة على أن تصبح ما هي عليه ربما لكونهم يهود بلاط. وهذه الدولة هي الإطار الذي تطوَّرت من خلاله الرأسمالية الحديثة.
6 ـ طوَّر اليهود أيضاً كثيراً من الآليات اللازمة لظهور النظام التجاري والحسابات المعقدة.
7 ـ كان لدى اليهود رؤوس الأموال الكافية للاستثمار، ولتمويل المشاريع المختلفة، ومن الواضح أن سومبارت يفكر هنا في يهود المارانو الذين لم يُشر إليهم أيٌّ من فيبر وماركس.

ولعل المشكلة الأساسية في أطروحة سومبارت هي أنه يجعل من اليهود سبباً في نشوء الرأسمالية ويستبعد العناصر الأخرى مثل حركة الإصلاح الديني. ولو أن اليهود هم السبب الأساسي لكانت الرأسمالية قد ظهرت في شرق أوربا حيث كانوا مُركَّزين (أو حتى في وسطها) ، ولكنها ظهرت أساساً في غرب أوربا، في إنجلترا التي لم يكن يوجد فيها يهود على الإطلاق، وفي فرنسا وهولندا اللتين ضمتا أقليات يهودية صغيرة.
ويبدو أن سومبارت لم يكن ملماً بقدر كاف بعدم تجانس التراث الديني اليهودي وبخاصيته الجيولوجية، فبينما كان يتحدث عن اليهودية كديانة تعاقدية، كانت الحسيدية (الصوفية) قد اكتسحت معظم يهود العالم منذ قرنين أو ثلاثة قرون. ومع هذا، تَجدُر الإشارة إلى عدم وجود تَعارُض بين الحلولية والتجارة، بل إن الفكر الحلولي يشجع على الاهتمام بالعالم المادي ويخلع عليه القداسة. ولكن هذا يختلف عن طرح سومبارت للقضية، فهو يتحرك في إطار التلمود واليهودية الحاخامية أو ربما العهد القديم وحسب.
ولم يأخذ سومبارت في الاعتبار أن خصوصية وضع اليهود داخل التشكيل الحضاري الغربي، كجماعة وظيفية وسيطة، والتي جعلتهم يساهمون بشكل واضح في نشوء الرأسمالية، هي ذاتها التي وضعت حدوداً على حركتهم بحيث ظل إسهامهم هو إسهام الجزء في حركة الكل.
ولتوثيق هذا التعميم قد يكون من المفيد دراسة مدى إسهام يهود أمستردام (وكان معظم أثريائهم من المارانو) في نمو الرأسمالية الهولندية بشيء من التفصيل.

بلغ دخل عضو الجماعة اليهودية في القرن السابع عشر 1448 جلدراً مقابل 828 لغير اليهودي، وكان اليهود السفارد من أكبر مالكي الأسهم، فكانوا من كبار المساهمين في شركتي الهند الشرقية والهند الغربية الهولنديتين، وشاركوا في مختلف نشاطاتها الاقتصادية الاستيطانية، وكان 25% من أسهم شركة الهند الشرقية في أيد يهودية. ولكن الوضع كان مختلفاً في شركة الهند الغربية إذ كانت نسبة المساهمين اليهود ضئيلة للغاية (دفع 18 يهودياً نحو 36 ألف جلدر من رأسمال يبلغ ثلاثة ملايين) . ولعب اليهود السفارد دوراً في تأسيس الجماعات اليهودية في نيويورك ولندن وفي أنحاء العالم الجديد، كما استوطنوا في البرازيل وكوراساو وكايان وسورينام التي كان يُوجَد فيها أربعمائة مزرعة عام 1733 منها 115 في يد اليهود.
وحسب سجلات أمستردام لعام 1609، وهي أقدم السجلات، لم يكن يوجد سوى 24 يهودياً سفاردياً برتغالياً بين 731 مودعاً، ومن 708 مودعين عام 1611 لم يكن يوجد سوى 28 يهودياً. وبين أكبر 320 مودعاً، لم يكن يوجد سوى عشرة يهود. وفي عام 1620، كان عدد المودعين 1202، بينهم 106 فقط من اليهود. وظلت النسبة ثابتة، ففي عام 1674 بلغ عدد المودعين 1302 من بينهم 265 يهودياً، ومن بين 685 يدفعون أعلى ضرائب كان يوجد يهودي واحد فقط. وفي عام 1631، لم يكن يوجد سوى ستة يهود. ومن المجموعة الثانية من دافعي الضرائب لم يكن يوجد سوى 15 يهودياً، أي أنه لم يكن يوجد سوى 21 يهودياً ثرياً في أمستردام عام 1631.

وتغيَّرت الصورة قليلاً في منتصف القرن السابع عشر الميلادي، فكان يوجد 13 يهودياً يحتفظون بحسابات ضخمة في بنك أمستردام (عام 1646) . وكان هناك 245 يهودياً ثرياً، من بينهم ستة كان كل منهم يمتلك 100,000 جلدر. ومع هذا، كانت ثروة اليهود صغيرة بالنسبة إلى الثروة الكلية، فكان أثرياء اليهود هؤلاء (245) يمتلكون 3,621,800 جلدر من مجموع 185,582,000 جلدر يملكها الأثرياء في أمستردام، أي أن اليهود كانوا يمتلكون نحو 2% من الثروة. وهذا هو النمط العام الذي ساد غرب أوربا والبلاد التي ظهرت فيها رأسماليات قوية في مرحلة مبكرة، وبالتالي كانت لها تجارب استعمارية. وهو نمط وجود ثروة في يد بعض المموِّلين اليهود بنسبة تفوق كثيراً نسبة اليهود إلى عدد السكان. ولكن تظل هذه الثروة جزءاً من كل، ولا يمكن أن يُطلَق عليها «رأسمال يهودي» حيث إن ما يُحدِّد حركة رأس المال هو الحركة الاقتصادية للمجتمع ككل، وليس كون رأس المال مملوكاً من قبَل بعض الممولين من أعضاء الجماعات اليهودية.
يهود المارانو كعنصر تحديث وعلمنة في المجتمعات الغربية وبين الجماعات اليهودية
‏The Marranos as Agents of Modernization and Secularization in Europe and among Jewish Communities

كانت بعض الدول الغربية تشجع يهود المارانو على الاستيطان فيها، إذ كان كثير من الدول الغربية، خصوصاً البروتستانتية، ترى أن اليهود بوسعهم أن يضطلعوا بدور الجماعة الوظيفية التجارية النافعة. وكانت هذه الرؤية تطابق، إلى حدٍّ ما، رؤية المارانو لأنفسهم. فكثير منهم، ممن كانوا يبطنون اليهودية، كان يستمر في التخفي حتى يستفيد من الفرص الاقتصادية المتاحة أمامه، إذ كان تهوُّده يعني فقدانه إياها. ولذا، نجد أن كثيراً من المارانو بقوا في شبه جزيرة أيبريا بحثاً عن الفرصة الاقتصادية وحفاظاً على أملاكهم من المصادرة، مؤثرين ذلك على الهجرة إلى بلد بروتستانتي أو إسلامي يمنحهم حرية العبادة ولا يمنحهم الفرصة الاقتصادية نفسها. كما أن كثيراً من يهود المارانو الذين هاجروا إلى دول جديدة، بقوا على علاقاتهم مع المؤسسات التجارية في إسبانيا والبرتغال ومع أعضاء أسرهم الذين تنصَّروا بالفعل. وكان الحكم الإسباني أو البرتغالي يستفيد من خبراتهم واتصالاتهم الدولية، وبنفوذهم ورأسمالهم، برغم اضطهاد محاكم التفتيش. وثمة حالات عديدة قام فيها يهود المارانو بالتجسس لصالح الدولتين الإسبانية والبرتغالية. وثمة حالات كان يهود المارانو يهاجرون فيها من إسبانيا أو البرتغال ثم يعودون إليها للقيام بالأعمال التجارية، وهو ما يعني أنهم كانوا يضطرون إلى اعتناق المسيحية مرة أخرى، لفترة وجيزة، أو على الأقل التظاهر بذلك.
ولعب المارانو دوراً مهماً وفعالاً في تأسيس الشركات التجارية والاستيطانية الكبرى، مثل شركة الهند الشرقية وشركة الهند الغربية (الهولنديتين) ، وساهموا أيضاً في شركات منافسة أسسها البرتغاليون ليخرجوا الهولنديين من البرازيل.

كما أسس المارانو، بما كان لهم من خبرة مالية، شركات تأمين وعديداً من المصارف، حيث كانوا ذوي شهرة في التعامل في بورصات الأوراق المالية. وأسسوا مصانع للصابون والأدوية، وساهموا في سك المعادن وصناعة السلاح وبناء السفن. واحتكر المارانو تقريباً التجارة الدولية في سلع مثل: المرجان والسكر والطباق والأحجار النفيسة، كما اشتغلوا بتجارة الرقيق بسبب وجود أعداد منهم في أوربا، وفي العالم الجديد، وفي مستعمرات البرتغال في أفريقيا، التي كانت تُعَدُّ مصدراً أساسياً للعبيد. وكان عدد من يهود البلاط من أصل ماراني. وساعدهم على تبوُّء مكانتهم المالية واضطلاعهم بهذه الوظيفة عاملان أساسيان: أولهما أن المارانو، بانتشارهم وهامشيتهم واحتفاظهم بالروابط بينهم وباللادينو كلغة مشتركة للتجارة الدولية، كوَّنوا أول شبكة تجارية عالمية وأول نظام ائتماني في العصر الحديث كان يربط بين معظم أطراف العالمين الإسلامي والمسيحي بشقيه الكاثوليكي والبروتستانتي. وامتد نشاطهم إلى العالم الجديد، حيث ارتبطوا بكثير من المشروعات التجارية للاستعمار الغربي. وتم كل ذلك في غيبة نظام ائتماني عالمي، أو نظام ثابت لعلاقات دولية. كما تزامن انتشارهم في العالم مع بداية علمنة المجتمع الغربي وظهور الحكومات المطلقة التي كانت تأخذ بالمنفعة والولاء لها (وليس الانتماء الديني أوغيره من الانتماءات) معياراً للحكم على الأفراد.
وتجب ملاحظة أن التجارة التي اشتغل بها المارانو كانت التجارة الدولية، وأن الأعمال المصرفية التي اضطلعوا بها كانت أعمالاً مصرفية متقدمة فكانت كلتاهما (التجارة والأعمال المصرفية) لا تشبه من قريب أو بعيد التجارة البدائية التي كان يعمل بها يهود الإشكناز أو الربا الذي كانوا يشتغلون به.

وكانت الصناعات التي طوروها واستثمروا فيها أموالهم ـ إلى حدٍّ كبير ـ صناعات رأسمالية بالمعنى الحديث للكلمة. كما أن ثقافتهم العالية، وأعدادهم الصغيرة، وعدم انغلاقهم، سهَّلت عملية اندماجهم في المجتمعات الغربية. ومن هنا، فإن المارانو كانوا يعيشون في صلب المجتمع الغربي، أوفي جسده، وليس في مسامه على طريقة الإشكناز. ولذا أيضاً، لم تظهر بينهم مسألة يهودية، إذ كانت المسألة اليهودية مسألة إشكنازية أساساً. ويتجلى هذا في فرنسا حيث طبَّق نابليون قوانينه بشأن إصلاح اليهود، على الأشكناز وحدهم دون السفارد. وينطبق الشيء نفسه على إنجلترا إذ أن يهود إنجلترا السفارد من عائلات مونتيفيوري ومونتاجو ودزرائيلي، وغيرها، اندمجوا تماماً في المجتمع وأُعطوا حقوقهم كافة. وبدأت الهجرة الإشكنازية من شرق أوربا، فظهرت مسألة يهودية أدَّت إلى صدور قانون الغرباء، ثم مشروع شرق أفريقيا، ثم وعد بلفور، وذلك لإبعاد الهجرة الإشكنازية عن إنجلترا.
لكل هذا، قال عالم الاجتماع الألماني سومبارت «إن يهود المارانو كانوا عنصراً أساسياً في تشكيل الاقتصاد التجاري الصناعي الجديد في أوربا» . ورفض سومبارت أطروحة فيبر الخاصة بعلاقة الرأسمالية والبروتستانتية، والتي ترى أن دور اليهود فيها كان ثانوياً بسبب ارتباطهم بالحكومات والنخبة الحاكمة. ويطرح سومبارت بدلاً من ذلك نظريته الخاصة بعلاقة اليهود، خصوصاً المارانو، بقيام النظام الرأسمالي الحديث، فيرى أن اليهود لعبوا دوراً أساسياً وحاسماً في تحديث وعلمنة أوربا بإدخالهم أشكالاً جديدة من الاقتصاد المجرد الذي هدم العلاقات الإقطاعية المتعينة.

هذا هو دور المارانو التحديثي في العالم الغربي ككل، وهو أمر معروف وربما مُتَّفق عليه. أما دورهم في تحديث الجماعات اليهودية فهو أكثر غموضاً ويحتاج إلى إيضاح وتفسير. وقد أشرنا من قبل إلى أن هوية يهود المارانو كانت هامشية، حيث كانوا يقفون بين المجتمع المسيحي والجماعات اليهودية ولا ينتمون إلى أيٍّ منهما. وكانوا يعرفون التقاليد الحضارية لكلا المجتمعين، كما كانوا على مستوى ثقافي رفيع على عكس يهود اليديشية. ولذا، أمكنهم أن يكونوا قناة توصيل بين المجتمعين. لكن أكبر إسهام ليهود المارانو في عملية تحديث اليهود واليهودية هو هجومهم على اليهودية الحاخامية وعلى مؤسساتها كافة.

وقد كان كثير من يهود المارانو يُضفون غلالة من المثالية على اليهودية أثناء تخفيهم لأنهم كانوا يرفضون السلطة الكنسية والكهنوتية، كما كانوا يتصورون أن اليهودية دين تَسامُح وحرية وعقلانية تتقبَّل النقد بسماحة. وقد اعتادوا، أثناء فترة تخفيهم، انتقاد الكنيسة وممارساتها بينهم، الأمر الذي طوَّر عقليتهم النقدية بعيداً عن أي شكل من أشكال الحوار. ولكنهم حينما ذهبوا إلى أمستردام، وجدوا صورة مغايرة تماماً لأحلامهم. فالجماعة اليهودية في الوسط البروتستانتي كانت تحاول الابتعاد قدر الإمكان عن عالم الأغيار الذي كان يتهددها بالاندماج، ولذا كانت تبذل قصارى جهدها في السيطرة على كل أعضاء الجماعة اليهودية، وفي المحافظة على التفرقة بين السفارد والإشكناز. ويرى بعض المؤرخين أن قيادات المارانو (السفارد) ومؤسساتهم (الماهاماد) كانت متأثرة وبعمق بأساليب محاكم التفتيش والدولة الإسبانية، وطبقتها على أعضاء الجماعة. لكل هذا، كان من العسير على المارانو، برؤيتهم النقدية، تقبُّل المؤسسة الحاخامية بكل انعزاليتها وتعصُّبها، فهي من وجهة نظرهم لا تختلف كثيراً عن محاكم التفتيش. ولذا، فقد استمروا في توجيه سهام نقدهم نحو المؤسسة الحاخامية وضد كثير من جوانب التراث اليهودي، الأمر الذي أضعف سيطرة القيادة الدينية وهزَّ شرعيتها.

ولكن ثمة جانباً آخر في تجربة المارانو هو الذي أدَّى إلى هز اليهودية الحاخامية من جذورها، وقسَّم يهود أوربا إلى طوائف وفرق. ذلك هو الدور الذي لعبوه في الحركات المشيحانية. وكما بيَّنا، كان المارانو ينكرون أن المسيح هو الماشيَّح ولكن وجودهم في كنف حضارة مسيحية، عمَّق إحساسهم بأهمية شخصية المسيح ومركزيتها. ولذا، ظلت العقيدة المشيحانية حية قوية بينهم، وأدَّى وضعهم وخوفهم الشديد من محاكم التفتيش إلى تعميق النزعة المشيحانية بينهم وزاد من حرارتها. كما ظل المارانو، بسبب كونهم يهوداً متخفين، غير قادرين على تنفيذ الأوامر والنواهي كافة، ولذا أخذوا في تأكيد أهمية الإيمان المجرد وعدم أهمية الالتزام بالعبادات والشعائر. بل إن بعضهم جعل من خرق الشريعة فضيلة. وثمة بُعد اجتماعي سياسي لتعاظم النزعة المشيحانية بينهم، فقد كان للمارانو وضع متميز في شبه جزيرة أيبريا قبل طردهم حيث كان منهم الوزراء والملتزمون وكبار التجار. وقد تدنَّى وضعهم في البلدان الأوربية الجديدة التي استوطنوا فيها. كما أنهم، حتى بعد أن أحرزوا مكانة عالية، ظلوا بعيدين عن المشاركة في السلطة السياسية.
وساهم المارانو في نشر القبَّالاه اللوريانية التي تجعل اليهود عماد الخلاص في العالم، والتي ربطت بين التصوف والنزعة المشيحانية، والتي تعوِّض اليهودي عن عدم مشاركته في السلطة السياسية بجعله شريكاً مع الخالق في خَلْق العالم، بل وفي تحقيق الرب لذاته ولوجوده. ولذا يمكن القول بأن المارانية شكل من أشكال العلمنة لا يختلف كثيراً عن الربوبية التي تؤمن بالإله الخالق وترى أنه يمكن التوصل إليه بالعقل دون حاجة إلى وحي أو رسل (وهذا هو أيضاً جوهر الماسونية الربوبية) .

وإذا أضفنا إلى كل هذا ما ذكرناه من قبل عن ضعف الهوية، فيمكننا أن نرى لماذا أصبحوا تربة خصبة للنزعة المشيحانية. وقد كان شبتاي تسفي، الذي أظهر غير ما أبطن، يتبع نمط المارانو في هذا. وكان تسفي من أصل سفاردي، وانتشرت دعوته بين المارانو، بخاصة في مدينة سالونيكا التي أصبحت فيما بعد مركزاً للدونمه. وحينما ظهر تسفي، خرق الشريعة على طريقة يهود المارانو، وأبطل الأوامر والنواهي، ووعد أعضاء الجماعات اليهودية بأن يصبحوا سلطة سياسية مستقلة في فلسطين، بل ووزع كثيراً من الممالك على أتباعه على طريقة المشحاء المخلِّصين. وقد تأثر به يعقوب فرانك ( «فرانك» تعني «سفاردي» باليديشية) صاحب الحركة الفرانكية المشيحانية.
ويرى البعض أن الصهيونية هي شكل من أشكال المارانية أيضاً، فهي عملية تحديث لليهودية تُسقط الشريعة وتحل إشكالية عدم المشاركة في السلطة. كما يرون أن حركة التنوير اليهودية، وفكر مندلسون، كلاهما فكر ماراني يحتفظ بالجوهر اليهودي الموسوي ويُسقط الشعائر كافة. ومن المعروف أن بعض قيادات يهود السفارد كانوا من أكثر المتحمسين لحركة الاستنارة، وأن إسبينوزا من أصل ماراني. بل يمكن أن نرى التراث الماراني مستمراً في شخصيات مثل دزرائيلي ودريدا (فيلسوف التفكيكية) .

الجماعات اليهودية التحديث والثقافة - التحديث - رأسماليون من أعضاء الجماعات اليهودية في العالم ما عدا الولايات المتحدة

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

الرأسمالية اليهودية
‏Jewish Capitalism
«الرأسمالية اليهودية» مصطلح يفترض وجود تشكيل رأسمالي يهودي مستقل، وهو أمر مناف للواقع، ولذا فإننا نفضل استخدام مصطلح «الرأسماليون الأمريكيون اليهود» أو «الرأسماليون الأمريكيون من اليهود» أو «الرأسماليون من أعضاء الجماعات اليهودية في الولايات المتحدة» .
البورجوازية اليهودية
‏Jewish Bourgeoisie

«البورجوازية» كلمة مأخوذة بالنسب إلى كلمة «بورج» أي «المدينة» ، وهي كلمة موجودة في عدة لغات أوربية. وعبارة «البورجوازية اليهودية» تفترض وجود طبقة بورجوازية مستقلة عن البورجوازيات المختلفة وهو ما يعني أيضاً وجود «تاريخ يهودي مستقل» . وحيث إن أعضاء الجماعات اليهودية في العالم لا يلعبون دوراً مستقلاًّ عن المجتمعات التي يوجدون فيها، فلا يمكن الحديث عن بورجوازية يهودية بشكل عام، وإنما يمكن الحديث عن «اليهود من أعضاء البورجوازية الإنجليزية» أو «اليهود من أعضاء البورجوازية الأمريكية» وهكذا. ومع هذا، فقد لعب أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب دوراً متميِّزاً نوعاً ما في نشوء الرأسمالية، وهي قضية ناقشها كل من ماركس وفيبر وسومبارت.
الرأسماليون من أعضاء الجماعات اليهودية
‏Jewish Capitalists
من المصطلحات الشائعة في الخطاب السياسي العربي والغربي مصطلح «الرأسمالية اليهودية» و «البورجوازية اليهودية» و «رأس المال اليهودي» . وهي مصطلحات، شأنها شأن مصطلحات مثل «الشخصية اليهودية» و «القومية اليهودية» ، تفترض أن ثمة وجوداً اقتصادياً يهودياً مستقلاًّ عن التشكيلات الاقتصادية المختلفة وتطوُّراً اقتصادياً يهودياً مستقلاً عن التطورات الاقتصادية العامة في المجتمعات التي عاش أعضاء الجماعات اليهودية في كنفها. وهذا افتراض غير دقيق ومقدرته التفسيرية والتصنيفية ضعيفة، ويؤدي في النهاية إلى عدم فهم حركيات التطور والتغيير بين أعضاء تلك الجماعات. ولذا، فإننا نفضل استخدام مصطلح «الرأسماليون الأمريكيون اليهود» أو «الرأسماليون من أعضاء الجماعات اليهودية» أو أي مصطلح مماثل يفيد عدم وجود رأسمالية يهودية مستقلة. فالرأسمالية الأمريكية، على سبيل المثال، تضم رأسماليين أمريكيين لهم انتماءات إثنية مختلفة، فالانتماء الإثني الخاص هو الفرع والجزء، والرأسمالية الأمريكية هي الأصل والكل.

ومما لا شك فيه أن أعضاء الجماعات اليهودية لعبوا دوراً فعالاً في نشوء وتطوُّر الرأسمالية في العالم الغربي، ولكن لا يمكن اعتبارهم مسئولين عن ظهورها. فتطوُّر الرأسمالية في الغرب مرتبط بظواهر لم يكن لليهود أي دور فيها، مثل: حركات الاكتشاف والقرصنة، ثم الاستعمار التجاري الاستيطاني في القرن السادس عشر، والإصلاح الديني، والترشيد والعلمنة. وقد تناول كلٌّ من ماركس وفيبر وسومبارت هذه القضية.
أما من ناحية تطوُّر اليهود كرأسماليين في إطار الحضارة الغربية، فهذا مرتبط بوضعهم كجماعة وظيفية تضطلع بوظائف مالية محددة، فقد كان منهم من اشتغل بالتجارة والربا، وكان منهم من اشتغل بالأعمال المالية الأخرى، مثل يهود الأرندا ويهود البلاط، ثم كان منهم أخيراً الرأسماليون المحدثون. وكان أعضاء الجماعة في وظائفهم المختلفة، حتى الانقلاب التجاري، تابعين للحاكم أو الطبقة الحاكمة وليس لهم أي استقلال اقتصادي عن النظم التي وجدوا فيها، فكانوا تابعين لها يعيشون على أطرافها وفي خدمتها. ومما لا شك فيه أن أعضاء الجماعات اليهودية استفادوا من العلاقات الدولية التي نشأت بينهم، فكان يهود البلاط يستوردون الحبوب من يهود الأرندا ويوفرون لبعضهم البعض نظاماً ائتمانياً يسهل عملية انتقال البضائع والأرباح، ولكنهم مع هذا ظلوا أساساً جزءاً من كل.
ويمكن تقسيم دور بعض أعضاء الجماعات اليهودية كرأسماليين داخل التشكيل الحضاري الغربي، إلى ثلاثة أقسام:

1 ـ الرأسماليون من يهود اليديشية في شرق أوربا، خصوصاً روسيا. وبلغ بعضهم درجات عالية من الثراء وتخصَّصوا في بعض الصناعات والسلع مثل السكك الحديدية والغلال، كما حدث مع أسرة جونزبرج. ولكنهم كانوا قلة نادرة تعيش خارج منطقة الاستيطان بعيداً عن أية جماهير يهودية وكانت حريصة على الاندماج في المجتمع الروسي. أما داخل منطقة الاستيطان ذاتها، فكان يوجد صغار الرأسماليين الذين امتلكوا نحو نصف الصناعات داخل المنطقة. ولم يكن هؤلاء قوة سياسية حقيقية، فقد كانوا يعانون ـ شأنهم شأن بقية قطاعات المجتمع الروسي ـ من التناقض الأساسي في روسيا القيصرية بين الشكل السياسي المتكلس والوضع الاقتصادي المتطور. وكانوا يستأجرون عمالاً من أعضاء الجماعات اليهودية، ولكن كثيراً ما كانت تنشأ الصراعات الطبقية بين هؤلاء وأولئك فينظم العمال ضدهم الإضرابات، ويحاولون هم استئجار عمال غير يهود.
وقد قامت الثورة البلشفية بالقضاء على الرأسمالية الروسية بما في ذلك الرأسماليون من أعضاء الجماعات اليهودية. ومع هذا، استمر بعض التجار اليهود في ممارسة نشاطهم، بل ازدهروا في فترة النظام الاقتصادي الجديد (نيب) ، بل كانت هناك نسبة من اليهود بين تجار السوق السوداء في الستينيات. ولكننا في هذه الحالة لا نتحدث عن رأسماليين يمتلكون وسائل الإنتاج وإنما نتحدث عن صغار الانتهازيين وتجار العملة وما شابه ذلك. وبعد سقوط الاتحاد السوفيتي، وظهور الاقتصاد الحر في روسيا وأوكرانيا وغيرهما من الجمهوريات التي تُوجَد بها جماعات يهودية كبيرة نسبية، نتوقع أن تشتغل أعداد كبيرة منهم في القطاع التجاري والصناعي الاستهلاكي (وهذا هو النمط السائد في الغرب) .

2 ـ في وسط أوربا، خصوصاً ألمانيا، برز كثير من أعضاء الجماعات اليهودية الرأسماليين، وهؤلاء هم ورثة يهود البلاط ولعبوا دوراً مهماً في تطوُّر الرأسمالية والصناعة الألمانية. وقد تم القضاء على هؤلاء مع استيلاء هتلر على الحكم، فهاجرت أعداد كبيرة منهم إلى الولايات المتحدة وفلسطين بما تبقَّى من رؤوس أموالهم وصُودرت أموال الباقين.
3 ـ أما الرأسماليون من أعضاء الجماعات اليهودية في بلاد غرب أوربا والولايات المتحدة، فلهم مكانة مختلفة إذ يُلاحَظ أن النُخَب الحاكمة في هذه البلاد، بعد أن ظهرت فيها ثورة تجارية، وبعد أن ظهرت فيها طبقة بورجوازية محلية، وجدت أن استيطان الجماعات اليهودية فيها سيساعدها على تحقيق كثير من طموحاتها وسيزودها بكثير من الخدمات. ومن هذا المنظور، تم توطين اليهود في هولندا وإنجلترا في القرن السابع عشر ثم في العالم الجديد. وقد ازدهر الرأسماليون من أعضاء الجماعات اليهودية في هذه البلاد، ولكن نسبتهم ظلت صغيرة كما ظل رأس المال الذي يمتلكونه والصناعات التي يديرونها تتضاءل في الأهمية قياساً إلى المصانع ورؤوس الأموال الضخمة في هذه البلدان. وقد لاحظ كارل ماركس في المسألة اليهودية أن أصغر رأسمالي أمريكي يجعل روتشيلد يشعر وكأنه شحاذ.

ولعبت عائلة روتشيلد في إنجلترا وفرنسا، وعائلات مونتيفيوري وساسون ومونتاجو في إنجلترا، دوراً مهماً في القطاع المالي والمصرفي في بلدهم حيث ساهموا في تمويل الحكومات والحروب وفي تطوير الرأسمالية في أوربا وفي تمويل المشاريع الرأسمالية الإمبريالية خلال القرن التاسع عشر. كما تخصَّص الرأسماليون اليهود في إنجلترا مثل إسرائيل سيف وسيمون ماركس في القطاع التجاري، وبخاصة في مجال المتاجر المتكاملة متعددة الأقسام. وفي فرنسا، برز خلال القرن العشرين بعض رجال الصناعة المهمين من اليهود مثل مارسل داسو وأندريه سيتروين. ولكن رغم أهمية دورهم وحيويتهم فلم يكن لهم دور يهودي مستقل.
أما الرأسماليون من يهود الولايات المتحدة، فإن تجربتهم مختلفة إلى حدٍّ ما، فقد استقروا في مجتمع استيطاني يتسم بدرجات عالية من العلمنة والحركية، وقد استفاد المهاجرون اليهود من هذا الوضع وراكموا الثروات (انظر الأبواب المعنونة «فرنسا» ـ «إنجلترا» ـ «رأسماليون من أعضاء الجماعات اليهودية في الولايات المتحدة» ) .
أما بالنسبة لدور أعضاء الجماعات اليهودي في تطوُّر الرأسمالية في العالم العربي، فلا تمكن دراسته إلا في سياق الغزو الاستعماري الغربي للمنطقة وتحويل أعضاء الجماعات اليهودية في العالم العربي إلى مادة استيطانية تدور في فلك المنظومة الإمبريالية الغربية.
وستتناول مداخل هذا الباب بعض الرأسماليين من أعضاء الجماعات اليهودية في العالم، نبدؤها بعائلة روتشيلد التي كان لها فروع مختلفة في أوربا ثم نتناول بعض الرأسماليين من أعضاء الجماعة اليهودية في فرنسا ثم إنجلترا وألمانيا وروسيا وجنوب أفريقيا وكندا. ثم ننتقل بعد ذلك إلى الشرق الأقصى، ونركز على الرأسماليين من أعضاء الجماعة اليهودية في مصر كدراسة حالة مُمثِّلة، وأخيراً بقية العالم العربي.
عائلة روتشيلد
‏The Rothschilds

عائلة من رجال المال ويهود البلاط الذين تحوَّلوا بالتدريج إلى رأسماليين من أعضاء الجماعات اليهودية، ويعود أصل العائلة إلى فرانكفورت في القرن السادس عشر. والاسم «روتشيلد» منقول من عبارة ألمانية تعني «الدرع الأحمر» وتشير كلمة «درع» هنا إلى ذلك الدرع الذي كان على واجهة منزل مؤسِّس العائلة إسحق أكانان. وقد حققت عائلة روتشيلد مكانة بارزة في عالم المال والبنوك في أوربا بدءاً من القرن الثامن عشر وحتى القرن العشرين. وتاريخ تطوُّر العائلة هو أيضاً تاريخ يهود البلاط واختفائهم وتحوُّلهم إلى مجرد أعضاء في الرأسمالية الغربية الرشيدة ثم التشكيل الإمبريالي الغربي (الذي كان يُخطِّط لاقتسام الدولة العثمانية والاستيلاء على ثروات الشرق) . ودعم الأسرة للمشروع الصهيوني في فلسطين، ليس تعبيراً عن وجود مصالح يهودية مستقلة وإنما تعبير عن معدلات الاندماج في الحضارة الغربية في تشكيلها القومي والإمبريالي.
وكان ماجيراشيل روتشيلد (1743 ـ 1812) تاجر العملات القديمة هو الذي وسَّع نطاق العائلة في مجال المال والبنوك، بعد أن حقق ثروة طائلة أثناء حروب الثورة الفرنسية من خلال عمله في بلاط الأمير الألماني وليام التاسع. وقد تفرَّق أبناؤه الخمسة وتوطنوا وأسسوا أفرعاً لبيت روتشيلد في خمسة بلاد أوربية هي: إنجلترا وفرنسا والنمسا وإيطاليا بالإضافة إلى ألمانيا. وبالتالي، فقد أقاموا شبكة من المؤسسات المالية المرتبطة ببعضها البعض.

أسس الابن الأكبر نيثان ماير روتشيلد (1777ـ 1836) فرع بيت روتشيلد في إنجلترا، وتزوج أخت زوجة موسى مونتفيوري الثري والمالي اليهودي وزعيم الجماعة اليهودية في إنجلترا. وأتاحت له هذه الزيجة دخول أوساط المجتمع اليهودي السفاردي في إنجلترا سريعاً. واكتسب نيثان ماير روتشيلد مكانة مرموقة في عالم المال أثناء الحروب النابليونية حيث ساهم في تمويل إنفاق الحكومة الإنجليزية على جيشها في أوربا، واستعان في ذلك بأخيه جيمس روتشيلد المقيم في فرنسا، كما ساهم في تمويل التحويلات البريطانية إلى حلفائها في أوربا. وقد استطاعت عائلة روتشيلد، خلال تلك الفترة، تدبير ما يقرب من 100 مليون جنيه إسترليني للحكومات الأوربية. وبعد الحرب، كانت هذه العائلة هي الأداة الرئيسية في تحويل التعويضات الفرنسية إلى الحلفاء وفي تمويل القروض والسندات الحكومية المخصصة لعمليات إعادة البناء. واكسبته هذه المعاملات المالية مكانة متميِّزة في جميع أنحاء أوربا ودعمت مركز مؤسسته كواحدة من أبرز المؤسسات المالية الأوربية في تلك الفترة.

وكان نيثان روتشيلد يتسم بالدهاء المالي والتجاري. فخلال فترة الحروب النابليونية، نجح هو وإخوته، من خلال عمليات تهريب السلع من إنجلترا إلى أوربا، في تحقيق مكاسب ضخمة. كما استغل إمكانياته في الحصول على المعلومات والأخبار بشكل سريع نسبياً، بفضل شبكة الاتصالات التي أسستها العائلة فيما بينها، لتحقيق أرباح طائلة لمؤسسته. وكان نيثان من أوائل من علموا بانتصار إنجلترا على قوات نابليون في معركة ووترلو. وكان ذلك يعني ارتفاع أسعار سندات الحكومة الإنجليزية. إلا أن نيثان أسرع ببيع حجم كبير من سنداته حتى يوهم الجميع بأن إنجلترا خسرت الحرب، وهو ما دفع الكثيرين إلى التخلص من السندات التي في حوزتهم، الأمر الذي أدَّى بدوره إلى انخفاض أسعار هذه السندات بشكل حاد. وهنا قام بشراء هذه السندات بثمن بخس مُحقِّقاً من وراء ذلك أرباحاً طائلة حيث قفزت أسعار السندات إلى أعلى، عقب إعلان خبر انتصار إنجلترا وهزيمة نابليون. وظل نيثان يستغل قدرته على الحصول على المعلومات والأخبار سواء الخاصة بالتطورات السياسية أو الخاصة بالأمور المالية في التلاعب من خلال عمليات البيع والشراء الواسعة النطاق في أسعار الأسهم والسندات مُحقِّقاً لنفسه ولمؤسسته مكاسب ضخمة.

وبعد وفاة نيثان ماير، تولَّى أكبر أبنائه ليونيل نيثان روتشيلد (1806ـ 1879) إدارة مصالح بيت روتشيلد في لندن. وكان ليونيل أول عضو يهودي في البرلمان الإنجليزي. وقد اشترك في عمليات مالية مهمة، من بينها تدبير قرض قيمته 16 مليون جنيه لتمويل حرب القرم. كما قدم ليونيل التمويل اللازم لدزرائيلي رئيس وزراء بريطانيا، الذي كانت تربطه به صداقة وثيقة، لشراء نصيب مصر في أسهم قناة السويس عام 1875، وهي عملية تمت في كتمان وسرية تامة بعيداً عن الخزانة البريطانية، ولم يُبلَّغ البرلمان البريطاني بها إلا بعد إتمامها. ولا شك في أن مساهمة بيت روتشيلد في تقديم القروض للخديوي إسماعيل ولأعيان مصر، وما تبع ذلك من تَضخُّم المديونية المالية لمصر ثم ما جر ذلك وراءه من امتيازات أجنبية ثم تَدخُّل بريطاني في آخر الأمر بحجة الثورة العرابية، كل ذلك تم في إطار المصالح الإمبريالية الرأسمالية التي كانت تسعى لفصل أهم أجزاء الإمبراطورية العثمانية عنها تمهيداً لتحطيمها وتقسيمها.
وقد اشترك ليونيل روتشيلد أيضاً في إقامة السكك الحديدية في فرنسا والنمسا بالتعاون مع فروع بيت روتشيلد في البلدين. وقد بادر روتشيلد بإقامة هذه المشاريع بعد أن تبيَّن له مدى نجاح وأهمية السكك الحديدية في إنجلترا التي كانت أول دولة تطوِّرها، وهو ما يعكس تبادل فروع بيت روتشيلد للخبرات والتجارب فيما بينها. كما قامت مؤسسته بتمويل جهود الاستعماري سيسل رودس لإقامة إمبراطورية ضخمة لصناعة وتجارة الماس في جنوب أفريقيا.

ويُلاحَظ أن الزواج من داخل العائلة ظل النمط الغالب بين أعضائها، وهو تقليد كان يهدف إلى الحفاظ على الثروة داخل العائلة وتدعيم العلاقات فيما بينها. وقد تمسكت العائلة بقاعدة صارمة في زواج الأبناء. ففي حين كان يُسمَح لبنات روتشيلد بالزواج من غير اليهود، لم يُسمَح بذلك للذكور الذين كان يئول لهم النصيب الأكبر من ثروة العائلة وإدارة أعمالها. ومن الواضح أن المعيار المُستخدَم هنا معيار غير يهودي، وقد كان آل روتشيلد يحاولون بذلك الحفاظ على الثروة لا على الانتماء اليهودي. وقد كان اليهودي، حسب الشريعة، هو من يولد لأم يهودية، ولذا فإن زواج بنات روتشيلد من غير اليهود كان يعني أن أولادهم (اليهود الحقيقيين) سينشأون في بيوت غير يهودية وأن آباءهم من الأغيار.
وتزوج ليونيل روتشيلد من ابنة عمه كارل روتشيلد (الذي كان قد استقر في نابولي) . واهتمت الزوجة بالمشاريع الخيرية للعائلة، وبخاصة بناء المدارس اليهودية الحرة. ونالت هذه المدارس اهتماماً خاصاً من العائلة، وكانت هذه المدارس قد أقيمت أساساً لخدمة أبناء المهاجرين اليهود الأوائل من شرق أوربا الذين جاءوا بثقافتهم اليديشية وتقاليدهم الدينية، وهو ما كان يثير قلقاً بين أعضاء الجماعة اليهودية المندمجين في إنجلترا؛ لما قد يمثله ذلك من تهديد لمواقعهم الطبقية ومكانتهم الاجتماعية. وهذه المدارس بالتالي، كانت تهدف إلى استيعابهم ودمجهم وصبغهم بالثقافة الإنجليزية. وقد أصبح دعم عائلة روتشيلد للصهيونية (فيما بعد) أداة لإبعاد هذه الهجرة برمتها عن بلادهم بعد أن تزايد حجمها في نهاية القرن التاسع عشر، أي أنه كان دعماً صهيونياً توطينياً.

وقد تولَّى ناثانيل ماير روتشيلد (1840 ـ 1915) إدارة بيت روتشيلد بعد وفاة والده، وأصبح أول فرد في عائلة روتشيلد يحصل على لقب لورد. كما ورث البارونية من عمه سير أنتوني دي روتشيلد (1810 ـ 1876) . وقد كانت له علاقات صداقة مع ولي العهد البريطاني الذي أصبح فيما بعد الملك إدوارد السابع، ومع كلٍّ من بلفور ولويد جورج رئيس وزراء بريطانيا آنذاك. وقد اهتم ناثانيل روتشيلد بأوضاع الجماعات اليهودية في شرق أوربا التي تدهورت بسبب تعثُّر عملية التحديث وتعرُّض جميع الأقليات للاضطهاد. فرفض تدبير القروض للحكومة القيصرية احتجاجاً على ذلك رغم أن والده ظل يمثل الحكومة الروسية في المجالات المالية لمدة 20 عاماً. ورغم عدم تعاطفه مع الصهيونية، إلا أنه رحب بمشاريع هرتزل لتوطين اليهود.
أما ابنه الأكبر ليونيل والتر روتشيلد (1868 ـ 1937) ، فقد ترك عالم المال والبنوك وتخصَّص في علوم الأحياء والطبيعة. وتعود أهمية ليونيل والتر إلى أنه كان يمتلك حديقة حيوانات خاصة، كما أن وعد بلفور أخذ شكل خطاب موجه إليه. وقد أيد ليونيل منذ عام 1917 الجهود الدبلوماسية لكلٍّ من حاييم وايزمان (الذي أصبح أول رئيس لإسرائيل) وناحوم سوكولوف الرامية إلى إصدار تعهُّد بريطاني بشأن تأسيس «وطن قومي» لليهود. وكان ليونيل روتشيلد يرى أن الوجود الصهيوني في فلسطين لابد أن يأخذ شكل دولة لا شكل وطن قومي وحسب، وأن هذا يخدم مصالح الإمبراطورية البريطانية، ومن ثم مصالح عائلة روتشيلد. وعند إصدار وعد بلفور، كان روتشيلد رئيساً شرفياً للاتحاد الصهيوني لبريطانيا وأيرلندا. كما كان أثناء الحرب العالمية الأولى من مؤيدي إنشاء الفيلق اليهودي الذي دخل فلسطين مع الجيش البريطاني.

ومن الجدير بالذكر أن عائلة روتشيلد، مثلها مثل غيرها من عائلات أثرياء اليهود المندمجين في المجتمع البريطاني، كانت في البداية رافضة لصهيونية هرتزل السياسية بسبب تَخوُّفهم مما قد تثيره من ازدواج في الولاء، وهو ما يشكل تهديداً لمكانتهم ووضعهم الاجتماعي. وقد ساهمت العائلة في تأسيس «عصبة يهود بريطانيا League of British Jews» المناهضة للصهيونية. لكن هذا الموقف تبدَّل فيما بعد حيث تبيَّن أن وجود كيان صهيوني استيطاني في المشرق العربي يخدم مصالح الإمبراطورية البريطانية، وذلك إلى جانب أن الصهيونية كان يتم تقديمها في ذلك الوقت كحل عملي لتحويل هجرة يهود شرق أوربا إلى فلسطين بعيداً عن إنجلترا وغرب أوربا.
كما استقر في بريطانيا جيمس أرماند دي روتشيلد (1878 ـ 1957) ابن إدموند دي روتشيلد، والذي حصل على الجنسية البريطانية، وأصبح عضواً في البرلمان البريطاني وخدم في الجيش البريطاني في كلٍّ من فرنسا وفلسطين أثناء الحرب العالمية الأولى. وكان من بين مهامه تجنيد المتطوعين من بين المستوطنين اليهود في فلسطين للالتحاق بالفيلق اليهودي. كما أُلحق ضابطاً بمشاريع عديدة في فلسطين، وترأَّس هيئة الاستيطان اليهودي في فلسطين التي كانت تدير المستوطنات التي أسسها والده في فلسطين. وخصَّص في وصيته عند وفاته مبالغ كبيرة لإقامة مشاريع من أهمها إنشاء مبنى الكنيست في القدس.

وفي فرنسا، أسس جيمس ماير دي روتشيلد (1792 ـ 1868) فرع بيت روتشيلد في باريس عام 1812. وأصبح شخصية مالية احتفظت بنفوذها الواسع في عالم المال رغم تغيُّر الحكومات، فعمل على تدبير القروض لملوك البوربون، وكان مقرباً للملك لويس فيليب حيث تولى إدارة استثماراته المالية الخاصة، كما قدَّم قروضاً عديدة للدولة. كما شارك لفترة طويلة من عمره في رسم السياسة الخارجية الفرنسية. وفي أعقاب ثورة 1848، استمر بيت روتشيلد في تقديم خدماته المالية وقام بتدبير القروض لنابليون الثالث. وشهدت هذه الفترة منافسة شديدة بين بيت روتشيلد وبين المؤسسة المالية المملوكة للأخوين اليهوديين إسحق وإميل بيريير داخل فرنسا وخارجها. كما حصل جيمس ماير على امتياز بناء سكك حديد الشمال الفرنسية التي ظلت ملكاً لعائلة روتشيلد حتى عام 1940.
وقد ورثه خمسة أبناء من بينهم ماير ألفونس جيمس دي روتشيلد (1827 ـ 1905) والذي تولَّى من بعده إدارة بيت روتشيلد عام 1854، وترأَّس سكك حديد الشمال، كما أصبح أيضاً عضواً في مجلس إدارة بنك فرنسا. وبعد هزيمة فرنسا عام 1870 ـ 1871 في الحرب الفرنسية البروسية، أدار ماير ألفونس روتشيلد المفاوضات الخاصة بالتعويضات والديون الفرنسية الواجب سدادها للجانب البروسي.

ومن بين الأبناء الخمسة أيضاً، إدموند روتشيلد (1845 ـ 1934) الذي تعود أهميته إلى دعمه للنشاط الاستيطاني اليهودي في فلسطين (انظر: «إدموند روتشيلد» ) . وترأَّس حفيده إدموند (1926 ـ) رئاسة لجنة التضامن مع إسرائيل في عام 1967 التي ترأَّسها من قبله جي دي روتشيلد (1909 ـ) وهو حفيد ماير ألفونس. وقام إدموند خلال الخمسينيات والستينيات باستثمارات عديدة في إسرائيل، بخاصة في قطاعي السياحة والعقارات. كما ترأَّس جي النداء اليهودي الموحَّد. وعند وقوع فرنسا تحت الاحتلال الألماني عام 1940، تم الاستيلاء على ممتلكات العائلة وفرَّ أفرادها إلى إنجلترا والولايات المتحدة حيث ظلوا طوال فترة الحرب. واستعادت العائلة الجزء الأكبر من ممتلكاتها وثرواتها عقب انتهاء الحرب.
وفي النمسا، أسس سولومون ماير دي روتشيلد (1774 ـ 1855) آخر يهودي بلاط في أوربا فرع الأسرة في فيينا. وكان صديقاً لمترنيخ زعيم الرجعية الأوربية الذي ساعده في التغلب على أزمات مالية عديدة، وصدر قرار إمبراطوري بمنح سولومون وإخوته الأربعة البارونية وذلك عام 1822 بعد بضعة أيام من حصول حكومة مترنيخ على قرض ضخم من بيت روتشيلد. كما أن علاقة سولومون روتشيلد بأفراد أسرته المنتشرين في أرجاء أوربا أتاحت له أن يكون مصدر معلومات مهماً لمترنيخ حول التطورات السياسية الجارية على الساحة الأوربية. ويُقال إنه ساعد مترنيخ على الهرب أثناء ثورة 1848 وأخفاه في منزله. ومن أهم إنجازات سولومون روتشيلد بناء أول خط سكك حديدية في النمسا وتأسيس بنك كريديتا نستالت النمساوي الذي أصبح فيما بعد بنك الدولة النمساوية. وخلفه ابنه سولومون روتشيلد (1803 ـ 1872) الذي عُيِّن في البرلمان النمساوي.

وشهدت الأسرة تدهوراً حاداً في وضعها في ظل الاضطرابات السياسية والاقتصادية التي شهدتها أوربا بعد الحرب العالمية الأولى والتي انتهت باستيلاء النظام النازي على مؤسستهم عام 1938 بعد ضم النمسا إلى ألمانيا النازية. وتمت تصفية فرع بيت روتشيلد في النمسا بعد رحيل لويس دي روتشيلد (1882 ـ 1955) إلى الولايات المتحدة.
وفى ألمانيا، واصل أمشل ماير فون روتشيلد (1773 ـ 1855) أعمال الأسرة في فرانكفورت، وقدَّم قروضاً كبيرة لعديد من الحكام الألمان. وكان أمشل أكبر مموِّلي الحركة اليهودية الأرثوذكسية. وخلفه ماير كارل (1820 ـ 1886) من نابلي، وكان رجعياً في آرائه ومؤيداً لبروسيا وبسمارك. وقد انقرض فرع الأسرة في فرانكفورت بموت وليام كارل (1828 ـ 1901) .
وقد أسس كارل ماير روتشيلد (1788 ـ 1855) فرع نابلي، وقدم خدمات مالية عديدة للدويلات الإيطالية، وخصوصاً الدولة البابوية، إلا أن هذا الفرع كان أقل الفروع أهمية، وقد أُغلق بعد عام 1861.
ويتضح مما سبق أن عائلة روتشيلد، كغيرها من العائلات اليهودية المالية الكبيرة في أوربا، كانت في البداية من يهود البلاط ثم أصبحت تشكل جزءاً من نسيج الرأسمالية الرشيدة الذي كان آخذاً في التشكُّل خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وهي فترة اتسمت بتحولات عميقة داخل المجتمعات الأوربية وبتزايُد حدة الاضطرابات السياسية والصراعات العسكرية وبتنامي الأطماع الاستعمارية. فشارك بيت روتشيلد في تمويل الجيوش والحروب، وفي تسوية التعويضات والديون، وفي تمويل مشاريع إعادة بناء ما دمرته الحروب وفي تقديم القروض للعديد من الملوك والزعماء، وفي تمويل المشاريع والمخططات الاستعمارية والتي كان المشروع الصهيوني في فلسطين في نهاية الأمر يشكل جزءاً منها.

وقد تضاءلت أهمية عائلة روتشيلد مع نمو النظام المصرفي الرأسمالي الحديث القائم على العلاقات بين المؤسسات المالية المختلفة والذي حل محل نظام التجارة والربا القديمين. كما أن نمو حجم التعاملات المالية في العالم قلَّص حجم رأس المال المتوافر في يد الرأسماليين اليهود (من عائلة روتشيلد وغيرهم) قياساً إلى حجم رؤوس الأموال المُتداوَلة داخل النظام الرأسمالي العالمي، وذلك رغم ازدياده من الناحية المطلقة. ويُعَدُّ اسم روتشيلد، في الأدبيات اليهودية والصهيونية، رمزاً للثري اليهودي الخيِّر الذي يجزل العطاء لإخوانه في الدين ولا ينساهم البتة. أما في أدبيات العداء لليهود، فهو مثل للجشع والطمع وامتصاص الدماء والتآمر العالمي من جانب الصيارفة اليهود.
إميل (1800-1875) وإسحق (1806-1880) بريير
‏Emile and Isaac Pereire

أخوان فرنسيان يهوديان من رجال المال والاقتصاد والصحافة، ولدا في فرنسا لعائلة سفاردية من أصل برتغالي، وتأثرا بفكر سان سيمون الاشتراكي النزعة وانضما إلى دائرته، وكتبا عديداً من المقالات السياسية والاقتصادية في الصحف الفرنسية لاقت اهتماماً واسعاً. وفي عام 1832، قام إميل بريير بتحرير جريدة جلوب السان سيمونية ثم جريدة لي ناسيونال الصادرة عن الحزب الجمهوري في الفترة ما بين عامي 1832 و1835. وكان لاهتمام إميل بريير بالمشاريع الصناعية الحديثة، وخصوصاً السكك الحديدية، أن فتح باب التعاون في هذا المجال بين الأخوين بريير من جهة وبين عائلة روتشيلد من جهة أخرى، فاشتركا معاً في بناء خطوط السكك الحديدية المهمة في فرنسا. ولكن هذا التعاون لم يدم طويلاً إذ انتقل الأخوان بريير للتعاون مع واحد من أكبر منافسي عائلة روتشيلد وهو المالي اليهودي الثري آشيل فولد الذي عيَّنه نابليون الثالث (لويس بونابرت) وزيراً للمالية عام 1849 واشترك الطرفان معاً عام 1852 في تأسيس مصرف كريدي موبيليه وهو أول مصرف استثماري حديث في فرنسا نجح في جذب إيداعات آلاف المستثمرين الصغار. وأصبح هذا المصرف الذراع المالي للإمبراطورية الفرنسية، وساهم في إدخال تغييرات جذرية في سوق المال الفرنسي، كما نجح في الحصول على امتيازات بناء السكك الحديدية في فرنسا والنمسا وإسبانيا وروسيا.
وقد شكَّل الأخوان بريير، ومصرفهما الجديد، تهديداً مباشراً لنفوذ عائلة روتشيلد وقوتها المالية في أوربا، الأمر الذي دفعها لتعبئة جميع مواردها لمواجهة هذه المنافسة الخطيرة. وانتهى هذا الصراع الضاري، الذي امتدت أحداثه بين أوربا وأمريكا اللاتينية، بانهيار مصرف كريدي موبيليه عام 1867 وضياع أموال آلاف المودعين، الأمر الذي أفقد الأخوين بريير الكثير من مصداقيتهما ومكانتهما.

وقد كان الأخوان بريير عضوين في البرلمان الفرنسي خلال حقبة الستينيات من القرن التاسع عشر. كما أصدر إسحق، في الفترة ما بين عامي 1876 1880، جريدة لا ليبرتيه (الحرية) والتي سجَّل فيها آراءه الخاصة حول القضايا السياسية والاقتصادية والصناعية. ولعل الصراع الضاري الذي دار بين الأخوين بريير من جهة وعائلة روتشيلد من جهة أخرى يبين أن الحديث عن " رأسمالية يهودية مستقلة ذات مصالح مستقلة " لا أساس له من الصحة، وأنه تصوُّر صهيوني معاد لليهود في آن واحد. ومع هذا، فحينما اضطر إدموند درومون للاستقالة من جريدة لا ليبرتيه اتهم إسحق بريير بالعنصرية وكتب كتابه فرنسا اليهودية الذي يبين فيه مؤامرة الرأسمالية اليهودية ضد فرنسا وفقرائها.
أندريه سيتروين (1878-1935 (
‏Andre Citroen
من رجال الصناعة الفرنسيين. نجح بعد الحرب العالمية الأولى في تصميم وإنتاج سيارة السيتروين الصغيرة التي نالت إقبالاً شعبياً كبيراً. أما خلال الحرب العالمية الأولى، فقد لعب دوراً مهماً في مجال صناعة الذخيرة الفرنسية إذ أسس مصنعاً أنتج ملايين القنابل. وبعد الحرب، حوَّل سيتروين مصنعه إلى مصنع سيارات لإنتاج سيارات صغيرة، وقد نجح نجاحاً ساحقاً (وسُمِّي «هنري فورد الفرنسي» ) . وعند وفاته عام 1935، كان ثُلُث السيارات في فرنسا يحمل شعار «ماركة سيتروين» .
ومن أهم إسهاماته، مسابقة السيارات سيتروين عبر أفريقيا. وهي مسابقة أثبتت ثلاثة أشياء:
1 ـ أنه يمكن إقامة خط اتصال دائم وسريع بين الجزائر وغرب أفريقيا.
2 ـ أدَّى السباق إلى إنشاء محطات على الطريق الذي يربط المستعمرات الفرنسية.
3 ـ فتح السباق المجال أمام استخدام السيارات في حركة الاكتشافات.

ولعل هذا هو إسهام سيتروين الأساسي في خدمة التشكيل الاستعماري الغربي الفرنسي. ومن إسهاماته الأخرى أنه أول من وضع نظام إشارات مرور ضوئية في باريس، واستخدم برج إيفل في الإعلانات الضوئية. وكان أول من استخدم الأضواء الكاشفة المسلطة على قوس النصر في ميدان الكونكورد.
ورغم جهوده لتوسيع نشاط مؤسسته داخل وخارج فرنسا، إلا أنه اضطر إلى تصفية أعماله عام 1934 إثر مشاكل مالية مترتبة عن أزمة الكساد العالمي. وقد تم إعادة تنظيم المؤسسة بعد أن انتقلت ملكيتها لشركة ميشلن الفرنسية.
مارسل داسو (1892-1986 (
‏Marcel Dassault
مهندس فرنسي ومصمم ومنتج الطائرات. تنصَّر بعد عامين من إطلاق سراحه من معسكرات الاعتقال النازية، وعمل بالسياسة، وانتُخب في البرلمان الفرنسي. وصمَّم أول طائرة نقل تعمل بأربعة محركات، وطائرات المستير والميراج المقاتلة التي استخدمتها قوات الطيران الإسرائيلية. وقد صمَّمت الصناعات العسكرية الإسرائيلية طائرة الكفير بعد أن سربت تصميمات طائرات الميراج من شركة داسو.
عائلة جولدسميد
‏The Goldsmid Family

عائلة مالية بريطانية من يهود الإشكناز تعود جذورها إلى هارون جولدسميد، الذي تُوفي عام 1782، وكان قد استقر في لندن في منتصف القرن الثامن عشر قادماً من أمستردام. وأسَّس في لندن مع ابنه الأكبر جورج جولدسميد (1743 ـ 1812) مؤسسة تجارية باسم هارون جولدسميد وابنه والتي أصبحت فيما بعد تحمل اسم جولدسميد وإلياسون. أما ابنه الثاني أشر جولدسميد (1750 ـ 1822) ، فأسس مع يعقوب موكاتا مؤسسة موكاتا وجولدسميد للسمسرة في مجال بيع وشراء سبائك الذهب والفضة. وأصبح أخواه بنيامين جولدسميد (1755 ـ 1808) وأبراهام جولدسميد (1756 ـ 1810) من رجال المال المرموقين في لندن، وبخاصة خلال حروب الثورة الفرنسية، حيث أسسا معاً عام 1777 مؤسسة للسمسرة في الأوراق المالية، ونجحا خلال فترة الحرب في كسر احتكار المؤسسات المصرفية الكبيرة على القروض العامة وهو ما أتاح للحكومة شروطاً أفضل في هذا المجال. وقد كان الأخوان من المقربين إلى العائلة المالكة البريطانية. وكان لهذه العلاقة أثر في التمهيد لانعتاق اليهود في بريطانيا فيما بعد. وقد أسَّس بنيامين أول مؤسسة إشكنازية خيرية كبيرة في بريطانيا وأدَّى النشاط المالي المهم للعائلة وعلاقتها بصفوة المجتمع البريطاني إلى تآكُل هيمنة الأرستقراطية السفاردية على الجماعة اليهودية في لندن.
وقد انتحر بنيامين أثر أزمة نفسية، كما انتحر شقيقه أبراهام من بعده نتيجة أزمة مالية حادة تعرضت لها مؤسسة العائلة.
ومن أبرز أفراد العائلة:

ـ سير إسحق ليون جولدسميد (1778 ـ 1859) ابن أشر جولدسميد. وهو أول من حمل من بين أعضاء الجماعة اليهودية في بريطانيا لقب «البارونية» . وكان جولدسميد شريكاً في مؤسسة موكاتا وجولدسميد وحقَّق ثروة كبيرة من خلال تمويل عمليات بناء السكك الحديدية. وتركَّز نشاطه في البرتغال وتركيا والبرازيل ومنحه ملك البرتغال عام 1846 لقب بارون بالميرا تقديراً لجهوده في حل الخلافات المالية بين البرتغال والبرازيل.
وكان جولدسميد ممن دافعوا بقوة عن قضية إعتاق اليهود في إنجلترا، كما كان من مؤسسي كلية يونفيرستي كوليج في لندن والتي تُعَدُّ من أوليات مؤسسات التعليم العالي غير الطائفية في إنجلترا. وقد لعب جولدسميد دوراً بارزاً أيضاً في تأسيس المعبد الإصلاحي في إنجلترا.
ـ سير فرانسيس هنري جولدسميد (1808 ـ 1878) ابن إسحق ليون جولدسميد، والذي دافع مع والده عن قضية إعتاق يهود إنجلترا إلى أن تحقَّق ذلك بالفعل عام 1859. دخل البرلمان عام 1860 وظل عضواً به حتى وفاته، ودخل البرلمان معه أيضاً أخوه فريدريك ديفيد (1816 ـ 1866) . وقد كان جولدسميد أول يهودي يُسمَح له بالانضمام إلى سلك المحاماة البريطاني عام 1833. وقد اهتم جولدسميد بقضايا يهود شرق أوربا، وعُيِّن نائباً لرئيس الجمعية الأنجلو يهودية عام 1871.
ـ سير جوليان جولدسميد (1838 ـ 1896) ابن فريدريك ديفيد. وقد كان أيضاً عضواً في البرلمان، كما قاد الجمعية الإنجليزية اليهودية (ترأَّسها في الفترة 1886 ـ 1895) في مساعيها من أجل الدفاع عن حقوق الجماعات اليهودية خارج بريطانيا، كما ترأَّس اللجنة الروسية اليهودية (منذ تأسيسها عام 1882 وحتى عام 1894) التي أثارت قضية أوضاع الجماعات اليهودية في روسيا القيصرية.

وكان ألبرت إدوارد وليامسون جولدسميد من أبرز أفراد العائلة المؤيدين للصهيونية. وُلد في بومباي بالهند حيث كان والده هنري إدوارد جولدسميد (1812 ـ 1855) ، الذي كان ينتمي إلى فرع العائلة المتنصِّر، يشغل عدة مناصب مهمة في إدارة الاحتلال البريطاني للهند. وتخرَّج ألبرت من الكلية العسكرية الملكية عام 1866 واشترك في حرب البوير (1899 ـ 1902) في جنوب أفريقيا. وعاد ألبرت إلى العقيدة اليهودية واهتم بالشئون اليهودية، فساهم في مشاريع البارون دي هيرش لإعادة توطين يهود شرق أوربا في دول أمريكا اللاتينية، وسافر إلى الأرجنتين عام 1892 حيث مكث لمدة عام ساعد خلاله في توزيع الأراضي على المُستوطنين اليهود. وكان ألبرت من المتحمسين لهرتزل، وساعد عام 1898 في تأسيس الاتحاد الصهيوني الإنجليزي، كما اشترك عام 1903 في لجنة العريش التي شُكلَت لبحث إمكان توطين اليهود في شبه جزيرة سيناء.
عائلة ساسون
‏The Sassoon Family
عائلة يهودية سفاردية من التجار ورجال الصناعة والمال حقَّقت ثراءً كبيراً ومكانة مرموقة في بلاد الشرق، وهو ما دعا إلى وصفها بـ «روتشيلد الشرق» . كما ساهمت من خلال شبكاتها التجارية والمالية الواسعة في خدمة مصالح الرأسمالية والإمبريالية البريطانية وأطماعها المتنامية في تلك الفترة، وبخاصة في الهند والصين.

وتعود جذور العائلة إلى العراق حيث كان مؤسس العائلة الشيخ ساسون بن صالح (1749 ـ 1829) يعمل كبيراً للصيارفة لدى والي بغداد، كما ظل رئيساً للجماعة اليهودية في بغداد لمدة أربعين عاماً. وقد انتقل ابنه ديفيد ساسون (1793 ـ 1864) إلى الهند عام 1833 حيث استقر في بومباي التي كانت تُعتبَر آنذاك بوابة التجارة للهند والشرق الأقصى. واتسعت تجارته لتشمل العراق وإيران والصين ووسط آسيا واليابان وإنجلترا. واحتكر تجارة الغزل الهندي والمنسوجات الإنجليزية والأفيون (وهي ثلاث سلع ارتبطت بآليات الاستعمار البريطاني في الشرق) . واكتسب ساسون الجنسية البريطانية عام 1853 ووصل حجم ثروته عند وفاته إلى خمسة ملايين من الجنيهات.
وقد ورثه ثمانية أبناء، تولَّى أكبرهم عبد الله (ألبرت فيما بعد) ساسون (1817 ـ 1897) إدارة تجارة أبيه ومد نشاطها إلى قطاع الصناعة حيث افتتح أول مصنع كبير للنسيج في بومباي، كما أنشأ أول مرفأ بحري على ساحل الهند الغربي، الأمر الذي مهَّد لتحوُّل بومباي إلى ميناء حديث. وكانت بومباي، مثلها مثل غيرها من مدن الشرق، تشهد تحولاً اقتصادياً كبيراً في تلك الفترة نتيجة افتتاح قناة السويس عام 1869. كما اتسع نشاط شركة ساسون إلى مجال التأمين والبنوك والزراعة أيضاً. وانتقل عبد الله (ألبرت) إلى إنجلترا في أواسط السبعينيات من القرن التاسع عشر حيث أصبحت لندن المركز الرئيسي لشركة ساسون. وكان أول من انتقل من الإخوة إلى إنجلترا، عام 1858، هو ساسون ديفيد ساسون (1832 ـ 1867) حيث بدأت الدوائر التجارية في لندن التعرف من خلال نشاطه على قوة وإمكانيات بيت ساسون. ونجح ساسون في دفع مصالح الشركة في إنجلترا إلى الأمام من خلال نشاطه في سوق القطن أثناء الحرب الأهلية الأمريكية.

وحصل ألبرت (عبد الله) على البارونية عام 1890 تقديراً لجهوده ونشاطه في الهند. كما كانت له ولأخويه رءوبين (1853 ـ 1905) وآرثر (1840 ـ 1912) علاقة صداقة وطيدة مع ولي العهد البريطاني الذي أصبح فيما بعد الملك إدوارد السابع. وبانتقال مركز نشاط العائلة من الهند إلى إنجلترا، شهدت الأسرة تحولاً سريعاً من أسرة يهودية شرقية شديدة التدين إلى أسرة يهودية بريطانية زاد اندماج أعضائها في المجتمع الإنجليزي الغربي وزاد ارتباطهم بالطبقة البورجوازية الصناعية البريطانية التي كانت تشهد ازدهاراً وتدعيماً لثرائها وقوتها في تلك الفترة. وارتبطت عائلة ساسون بعائلة روتشيلد المالية الثرية، حينما تزوج إدوارد ساسون بن ألبرت ساسون (1856 ـ 1912) ابنة جوستاف روتشيلد في باريس عام 1887. وقد كان إدوارد أول فرد في عائلة ساسون يعمل في السياسة، حيث كان عضواً في البرلمان، وعمل من خلال هذا المنصب على تحسين الاتصالات التلغرافية بين الهند وإنجلترا.
واستمر سولومون ساسون (1841 ـ 1894) في متابعة أعمال الأسرة في الشرق، وكان والده قد أرسله في سن مبكرة إلى شنغهاي وهونج كونج لمتابعة تجارة الأسرة، فأصبح رئيس الجماعة اليهودية هناك. ثم عاد إلى الهند عام 1877 حيث تولَّى إدارة الشركة حتى تاريخ وفاته. كما ترأَّس بنك بومباي وغرفة التجارة. ومن بين الإخوة الثمانية، انفصل إلياس ساسون (1820 ـ 1880) عن الشركة الأم، وأسس هو وابنه يعقوب (1844 ـ 1916) شركة خاصة بهما ومنافسة للشركة الأم. واتسعت أعمالها لتشمل بلاد الشرق وأوربا وأفريقيا وأمريكا وحققت نجاحاً فاق نجاح الشركة الأم. وتولَّى يعقوب إدارة الشركة بعد وفاة أبيه، ووسع أعمالها في الهند، وأسَّس مصنعاً ضخماً للنسيج وأول مصنع للصباغة في بومباي. كما أسَّس البنك الشرقي المحدود (إيسترن بانك ليمتد) ومقره الرئيسي لندن.

وكان آخر كبار رجال المال والأعمال في عائلة ساسون هو فيكتور ساسون (1881 ـ 1961) ابن إدوارد إلياس ساسون والأخ الأصغر ليعقوب ساسون حيث ساهم في القطاع الصناعي في الهند وكان عضواً في البرلمان ورئيساً للجماعة اليهودية البريطانية في الهند. إلا أن التحولات التي كانت جارية في الهند في تلك الفترة، وكذلك تنامي حركة التحرر الوطني، أدَّتا إلى انكماش أعماله فيها. فاتجه إلى تأسيس مؤسسة مصرفية في هونج كونج عام 1930 ونقل أعماله من الهند إلى الصين حيث عُرف بأنه «الرجل الذي شيَّد شنغهاي الحديثة» . إلا أنه مع احتلال اليابان لشنغهاي خلال الحرب العالمية الثانية، ثم تولِّي الحكومة الشيوعية الحكم في الصين واستيلائها على مصالح الشركة، نقل فيكتور أعماله إلى جزر الباهاما عام 1948 ولم يترك ابناً يرثه بعد وفاته.
ويتضح، مما سبق، أن ثروة عائلة ساسون ونشاطها المالي والتجاري ارتبطا إلى حدٍّ كبير بمصالح الإمبراطورية البريطانية حيث نما مع نمو الاستعمار البريطاني ومصالحه الرأسمالية في الشرق، وأخذ يخبو مع أفول نجم الإمبراطورية البريطانية وتنامي حركات التحرر الوطني في الهند والصين وغيرهما من بلاد الشرق.
عائلة مونتاجو
‏The MontaguFamily
عائلة يهودية إنجليزية من رجال المال والسياسة، من أصل سفاردي. وفي عام 1853، أسَّس صمويل مونتاجو (1832 ـ1911) البنك التجاري: صمويل مونتاجو وشركاه، الذي ساهم من خلال نشاطه في مجال المبادلات المالية في تحويل لندن إلى المركز الرئيسي للمقاصة في سوق المال العالمي. وظلت الخزانة تستشيره في العديد من الشئون المالية. وحصل صمويل عام 1907 على لقب «بارون» ، كما أصبح عضواً في البرلمان.

واهتم مونتاجو بالشئون اليهودية، فسافر إلى فلسطين وروسيا والولايات المتحدة، إلا أنه ظل معارضاً بشدة للصهيونية. وكان ولداه الاثنان لويس صمويل مونتاجو (1869 ـ 1927) وإدوين صمويل مونتاجو (1879 ـ 1924) من معارضي الصهيونية أيضاً. حيث عارض إدوين، الذي احتل عدة مناصب سياسية مهمة، وعد بلفور. وساهمت ضغوطه على الوزارة البريطانية في تعديل النص الأصلي بحيث لا تصبح الدولة اليهودية المزمع إنشاؤها دولة كل يهود العالم وإنما دولة من يرغبون في الهجرة إليها. وقد أعرب عن أسفه لأن حكومته اتجهت إلى الاعتراف بشعب لا وجود له. كما أعرب أخوه عن أنه لا يعتبر اليهودية سوى ديانة. ويُعتبَر موقف عائلة مونتاجو من الحركة الصهيونية تعبيراً عن بعض الاتجاهات بين أعضاء الجماعات اليهودية المندمجين التي رفضت الصهيونية واعتبرتها تعبيراً عن عقلية الجيتو في خلطها بين الدين والقومية، كما رأت أن اليهود لا يشكلون سوى أقليات دينية يعتنق أعضاؤها الديانة اليهودية وينتمون مثلهم مثل غيرهم من المواطنين إلى دولتهم القومية التي هي مصدر ثقافتهم ومركز ولائهم. وقد رأى هؤلاء أن الصهيونية تشكل عقبة في طريق الاندماج السوي.
سامسون جدعون (1699-1762 (
‏Samson Gideon
من رجال المال الإنجليز. حقق ثروة كبيرة من خلال المضاربات، وكان من العناصر البارزة في تدبير القروض للحكومة البريطانية في منتصف القرن الثامن عشر. وساهمت استشارته المالية للحكومة البريطانية في الحفاظ على الاستقرار المالي للبلاد في فترات الحروب والقلاقل السياسية. وقد تزوج من امرأة غير يهودية، وتنصَّر أبناؤه.
هنري دي ورمز (1840-1903 (
‏Henry Deworms

تاجر ورجل دولة بريطاني يهودي. وُلد لعائلة يهودية تجارية ثرية ذات أصول ألمانية. درس القانون ثم التحق بتجارة والده. وفي عام 1880، دخل البرلمان عن حزب المحافظين واختير عام 1885 سكرتيراً برلمانياً لدى المجلس التجاري للحكومة البريطانية. وفي عام 1888، أصبح عضواً في المجلس الملكي الخاص (بالإنجليزية: بريفي كاونسيل Privy Council) ، وعُيِّن في العام نفسه وحتى عام 1892 وكيلاً لوزير الخارجية لشئون المستعمرات. وفي عام 1895، رُفع إلى مرتبة النبلاء.
وكان لورمز اهتمام بالشئون والقضايا اليهودية لا يختلف كثيراً عن اهتمامات الساسة الإنجليز من غير اليهود. فقد ناصر قضية يهود رومانيا داخل البرلمان البريطاني، واحتل منصب أمين صندوق ونائب رئيس المعبد الموحَّد، كما ترأَّس الجمعية الإنجليزية اليهودية في الفترة بين عامي 1872، 1886 إلا أنه أُرغم على الاستقالة بعد زاوج ابنته من مسيحي.
إرنست كاسل (1852-1921)
‏Ernest Cassel

مالي بريطاني وُلد في مدينة كولونيا بألمانيا ابناً لمصرفيّ ألماني يهودي. انتقل إلى إنجلترا وهو في السادسة عشرة، وعمل كاتباً لدى تاجر حبوب، ثم انضم فيما بعد إلى مؤسسة مصرفية مملوكة لعائلة يهودية، ونجح في تسوية بعض مشاكل المؤسسة في السويد وتركيا وأمريكا اللاتينية. وبعد أن حقَّق كاسل قدراً كبيراً من النجاح في هذه المؤسسة، اتجه إلى تأسيس مؤسسة مالية خاصة به وأصبح من الشخصيات المالية العالمية. إذ شملت عملياته المالية تمويل الحكومات الأجنبية، مثل حكومات الصين والمغرب، وحكومات أمريكا اللاتينية. كما ساهم في تمويل عملية تأسيس البنك الأهلي المصري وبناء خزان أسوان. ومُنح كاسل لقب «سير» تقديراً لخدماته للإمبراطورية البريطانية في مصر. وكان من المقربين للملك إدوارد السابع سواء باعتباره صديقاً أو باعتباره مستشاراً مالياً. وتحوَّل كاسل عن دينه واعتنق المسيحية الكاثوليكية، كما تزوجت حفيدته ووريثته إدوينا كاسل (1901 ـ 1960) من الإيرل ماونتباتن، عم ملكة بريطانيا.
سيمون ماركس (1888-1964)
‏Simon Marks
من رجال التجارة والصناعة في إنجلترا، وكذلك من مؤيدي الحركة الصهيونية، وهو صاحب مجموعة متاجر ماركس وسبنسر المتكاملة (متعددة الأقسام) . هاجر والده إلى إنجلترا قادماً من روسيا عام 1882، وبدأ عمله كبائع متجول وتدرَّج في تجارته حتى فتح العديد من المتاجر الصغيرة التي نمت وتطورت إلى أن أصبحت مجموعة ضخمة من المتاجر المتكاملة المعروفة باسم «ماركس وسبنسر» . وكان النمو الصناعي، الذي تزايدت وتيرته منذ منتصف القرن التاسع عشر، قد أفرز طبقة وسطى متنامية وفي حاجة إلى مثل هذه المتاجر. وكانت خبرات أعضاء الجماعات اليهودية، وكذلك تراثهم التجاري، تؤهلهم لاقتحام هذه المجالات التي كانت لا تزال في بدايتها، وبالتالي تتسم بقدر كبير من المخاطرة.

وقد تولَّى سيمون إدارة الشركة بعد وفاة أبيه، فحققت في ظل قيادته نجاحاً تجارياً ومالياً ضخماً. وقد شاركه في أعماله إسرائيل موسى سييف، زميل الدراسة وصهره (تزوج كلٌّ منهما أخت الآخر) . وقد كان ماركس وسييف من مؤيدي الصهيونية، وقد ساعدا حاييم وايزمان في مجهوداته للحصول على وعد بلفور. كما شارك ماركس في المفاوضات السياسية بين القيادات الصهيونية والحكومات البريطانية حتى قيام دولة إسرائيل. كما اشترك في البعثة الصهيونية لمؤتمر باريس للسلام. ساهم هو وسييف في تأسيس معهد دانيال سييف للبحوث عام 1934 في فلسطين، والذي تطوَّر عنه معهد حاييم وايزمان للعلوم عام 1949 بعد قيام دولة إسرائيل. وساهم ماركس في دعم التطور الاقتصادي لإسرائيل كما قدَّم ملايين الجنيهات كتبرعات لها.
وجاء تأييد ماركس للحركة الصهيونية، مثله مثل غيره من أثرياء اليهود المندمجين، باعتبارها حلاً لمشكلة يهود شرق أوربا الذين كانت هجرتهم إلى الغرب تهدد أوضاع ومكانة اليهود المندمجين. وكانت الحركة الصهيونية تعكس ارتباط مصالحه ومصالح غيره من أثرياء اليهود بمصالح الرأسمالية الإمبريالية البريطانية التي كانت تسعى إلى إقامة قاعدة لها في المشرق العربي.
وقد حصل ماركس على لقب «سير» عام 1944 تقديراً لخدماته خلال الحرب العالمية الثانية. كما حصل على لقب «بارون» عام 1961.
إسرائيل سييف (1889-1972 (
‏Israel Sief
من رجال التجارة والصناعة البريطانيين، وكذلك من مؤيدي الصهيونية. وُلد في إنجلترا لعائلة من أصل ليتواني هاجرت إلى إنجلترا حيث أسَّس والده تجارة ناجحة لاستيراد المنسوجات. والتحق سييف بتجارة أبيه ثم التحق عام 1915 بمؤسسة ماركس وسبنسر المملوكة لصديقه وصهره سيمون ماركس. ونجحا سوياً، خلال 50 عاماً من العمل المشترك، من تطوير الشركة وتحديث تجارة التجزئة. وقد تولَّى سييف رئاسة الشركة بعد وفاة سيمون ماركس عام 1964.

وكان سييف ومعه ماركس وصهره هاري ساخر من مؤيدي الصهيونية. وقد كان سييف سكرتيراً للجنة الصهيونية التي ذهبت إلى فلسطين عام 1918 برئاسة وايزمان.
أسس سييف عام 1934 معهد ديفيد سييف للبحوث في فلسطين والذي تطوَّر عنه معهد وايزمان للعلوم عام 1949 بعد قيام إسرائيل. وترأَّس سييف بعض المنظمات الصهيونية في بريطانيا، كما ساهمت زوجته ربيكا في تأسيس التنظيم النسائي للمنظمة الصهيونية العالمية.
وحماس سييف للحركة الصهيونية، مثله مثل غيره من أثرياء اليهود المندمجين في الغرب، يعود إلى أنها تشكِّل حلاًّ لمشكلة يهود شرق أوربا الذين هددت هجرتهم إلى الدول الغربية مكانة ومصالح اليهود المندمجين فيها. كما كانت مصالح أثرياء اليهود في بريطانيا مرتبطة بمصالح الرأسمالية والإمبريالية البريطانية التي كانت تسعى إلى إقامة قاعدة لها في المشرق العربي. وقد حصل سييف على لقب «بارون» عام 1966.
فيكتور جولانز (1893-1967 (
‏Victor Gollancz
ناشر إنجليزي ومؤلف، وُلد لعائلة يهودية أرثوذكسية مرموقة وتلقَّى دراسته في جامعة أكسفورد. وقد تمرَّد جولانز على أرثوذكسية أسرته وعلى القيم المحافظة للطبقات الوسطى بصفة عامة ومال إلى الاشتراكية وإلى الفكر السلمي فيما بعد، إلا أنه ظل شديد الشغف بالدين إلى درجة شبه صوفية. وتأثر أثناء دراسته باليهودية الليبرالية، إلا أنه اتجه أكثر نحو المسيحية. واعتبر أن رسالة النبي عيسى ليست إلا تتويجاً للتراث اليهودي، ولكنه مع هذا لم يعتنق المسيحية.

ودخل جولانز مجال النشر في العشرينيات. وفي عام 1927، أسَّس دار نشر خاصة به. ومع وصول النازية إلى السلطة في ألمانيا، وجه جولانز نشاطه نحو النشر السياسي، وأسَّس بالتعاون مع جون ستارشي وهارولد لاسكي نادي كُتَّاب اليسار الذي عمل على توفير الكتب السياسية بأسعار ضئيلة. وتحوَّل هذا النادي إلى حركة اجتماعية وسياسية واسعة النطاق، وضم في فترة الذروة 60.000 عضواً، إلا أن المعاهدة الألمانية السوفيتية لعام 1939 والتي اعتبرها جولانز خيانة لا تُغتفَر عجَّلت بنهاية النادي.
وخلال الحرب العالمية الثانية وبعدها، نشط جولانز في مجال القضايا الإنسانية والسلمية، فساعد على غوث وإنقاذ ضحايا النازية، كما ساعد ضحايا الحرب من الألمان، ودعا إلى المصالحة مع ألمانيا وإلى إعادة بنائها، كما اشترك في أنشطة الجمعيات والمنظمات البريطانية العاملة لإلغاء عقوبة الإعدام. كما كان جولانز من أوائل من نادوا بنزع السلاح النووي وبتوحيد أوربا.
أما بشأن فلسطين، فقد أيد جولانز الوجود الصهيوني على أرضها، وحارب منذ عام 1945 سياسة الحكومة البريطانية تجاه الاستيطان اليهودي بها، وعمل على تأمين دخول اللاجئين من اليهود إلى فلسطين، وأيَّد إقامة دولة إسرائيل. إلا أنه أثار الجدل في الأوساط الصهيونية والإسرائيلية بسبب دعوته إلى ضرورة قيام اليهود بمساعدة وغوث الفلسطينيين بعد حرب 1948 (وفيما بعد في قطاع غزة) .
وقد ظل جولانز ينادي بالمصالحة بين اليهود والألمان وبين اليهود والعرب، وعارض محاكمة أيخمان في إسرائيل كما عارض عقوبة الإعدام الصادرة ضده، وأصدر عام 1961 كتاباً بعنوان قضية أدولف أيخمان ليعبِّر عن موقفه هذا. وكان عضواً في مجلس إدارة الجامعة العبرية في الفترة ما بين عامي 1952 و1964. وحصل على وسام الشرف من ألمانيا عام 1953، وهو أول شخص غير ألماني يحصل على مثل هذا الوسام، وحصل على لقب سير عام 1965.
سيجموند ووربورج (1902-1982 (

‏Sigmund Warburg
مالي بريطاني يهودي وُلد في ألمانيا لعائلة واربورج المالية الثرية، وتلقَّى تعليمه في المدارس الألمانية. وكان أول طالب يهودي يلتحق بواحدة من المدارس الألمانية البروتستانتية العريقة. تلقَّى تدريبه المالي والمصرفي في مؤسسة العائلة في هامبورج ثم في المؤسسة المالية لآل روتشيلد في لندن ثم في عدد من المؤسسات المالية الأمريكية من بينها مؤسسة كون لويب وشركاه التي كان اثنان من أفراد فرع عائلة ووربورج بالولايات المتحدة شريكين بها. وفي عام 1930، عاد إلى ألمانيا حيث أصبح شريكاً في مؤسسة ووربورج وأسَّس أول فرع لها في برلين. ومع مجئ النازي إلى الحكم، انتقل سيجموند ووربورج إلى إنجلترا (عام 1933) . وفي عام 1934، اشترك مع ماكس ووربورج ومجموعة من المصارف في إقامة مؤسسة مالية صغيرة في أمستردام هي دوتش انترناشيونال كوربوريشن مهمتها مساعدة يهود ألمانيا على إخراج أموالهم خارج البلاد وتحويلها إلى إنجلترا والولايات المتحدة وفلسطين. وفي إنجلترا، أقام ووربورج عام 1938 مؤسسته المالية الخاصة والتي أصبحت تعرف منذ عام 1946 باسم «إس. جي. ووربورج S.G. Warburg» . وقد اكتسب ووربورج المواطنة البريطانية عام 1939 وعمل مع المخابرات البريطانية خلال الحرب العالمية الثانية. وقد نمت مؤسسة ووربورج سريعاً وتحولت إلى واحدة من أهم المصارف الاستثمارية البريطانية وكان لها دور ريادي في تحديث هذا القطاع المصرفي في إنجلترا. وحقق ووربورج مكانة مرموقة في الدوائر المصرفية الدولية ومُنح لقب «سير» عام 1966.

ورغم أن ووربورج كان في البداية رافضاً للصهيونية إلا أنه ساهم في توطين المهاجرين اليهود في فلسطين خلال الثلاثينيات. وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية، توسَّط لديه حاييم وايزمان وديفيد بن جوريون ليضغط على الحكومة البريطانية حتى تفتح باب الهجرة أمام اليهود إلى فلسطين وحتى تُسرع بإقامة الدولة اليهودية على أرض فلسطين. وقدَّم ووربورج مساهمات مالية عديدة لإسرائيل، بخاصة لمعهد وايزمان للعلوم، وشارك في دفع عملية التقارب بين مصر وإسرائيل في أعقاب مبادرة الرئيس المصري أنور السادات عام 1977، وهو ما مهَّد الطريق أمام توقيع معاهدة السلام بين البلدين. كما طرح خطة اقتصادية شاملة أطلق عليها اسم «الاستثمار من أجل السلام» تهدف إلى تحقيق التنمية الاقتصادية في الشرق الأوسط من خلال فتح المنطقة أمام الاستثمارات الأوربية والأمريكية، وهو الإطار الذي تدور فيه ما تُسمَّى محادثات السلام العربية الإسرائيلية.
جوزيف مندلسون (1770-1848 (
‏Joseph Mendelssohn
مالي يهودي ألماني، والابن الأكبر لموسى مندلسون (1729 ـ 1786) رائد حركة الاستنارة اليهودية. وأسَّس عام 1795 مؤسسة مصرفية أصبحت من أكبر المؤسسات المالية، وساهمت في تحويل برلين إلى مركز مالي دولي. وشاركت مؤسسته في تحويل التعويضات الفرنسية بعد هزيمة نابليون، كما نشطت في مجال تمويل بناء السكك الحديدية في ألمانيا وخارجها، وفي تدبير القروض لروسيا على وجه الخصوص.
وكان مندلسون وأخوه أبراهام مندلسون (1776 - 1835) ، الذي شاركه في أعماله المالية لفترة من الوقت، من اليهود المندمجين والمرتبطين بدوائر اليهود المؤمنين بفكر الاستنارة. وقد تنصَّر أحد أبناء جوزيف مندلسون كما تنصَّر أبراهام وزوجته وأبناؤه.
وتم ضم بنك مندلسون عام 1939 إلى بنك ألماني آخر بعد مجيء النازي للسلطة في ألمانيا.
إميل راتناو (1838-1915 (
‏Emil Rathenau

مهندس، ومن رجال الصناعة الألمان. وكان أول من أدخل نظام الهاتف في الخدمة البريدية في برلين. كما اهتم باختراعات أديسون في مجال الكهرباء، فأسَّس شركة للبحث والتطوير في هذا المجال وهي شركة ايه. إي. جي. AEG التي أصبحت، في ظل إدارته وإدارة ابنه وولتر من بعده، من أكبر المؤسسات الصناعية في أوربا، ومن أهمها في مجال المعدات الكهربائية.
وولتر راتناو (1867-1922 (
‏Walther Rathenau
رجل دولة وصناعة، ومفكر ألماني. ابن رجل الصناعة الألماني إميل راتناو (1838 - 1915) مؤسس شركة الكهرباء الألمانية العملاقة آيه. إي. جي. AEG وقد ترأَّس راتناو هذه الشركة بعد وفاة أبيه وعمل على توسيع وتنويع نشاطها بحيث أصبحت من أكبر المؤسسات الألمانية والأوربية.
وقد عمل بالسياسة، فالتحق خلال الحرب العالمية الأولى بوزارة الحربية الألمانية حيث أسَّس قسم المواد الخام، واستطاع من خلال هذا المنصب تطبيق نظرياته حول الاقتصاد الموجَّه والتخطيط المركزي. وبالفعل، يعود إليه الفضل، من خلال البرنامج الذي وضعه لتعبئة موارد البلاد، في أن تواصل ألمانيا الحرب لمدة أربعة أعوام برغم مصاعبها الاقتصادية الحادة. واشترك بعد الحرب في المفاوضات الخاصة بتعويضات الحرب، وعُيِّن عام 1922 وزيراً لخارجية ألمانيا (جمهورية وايمار) ووقَّع من خلال هذا المنصب اتفاقية رابالو مع الاتحاد السوفيتي. وتعرَّض راتناو لانتقادات حادة من المنظمات والتيارات اليمينية بسبب سياساته المتعلقة بدفع التعويضات للحلفاء والتصالح مع روسيا البلشفية. وساهمت العناصر المعادية لليهود في زيادة حدة هذه الاتهامات إلى أن اغتيل راتناو عام 1922 على أيدي عناصر يمينية متطرفة.

وظل موقف راتناو من عقيدته وهويته اليهودية مُبهماً، فأول عمل نشره هو مقال أشار فيه إلى اليهود باعتبارهم «شعب الخوف» (بالألمانية: فورخت فولك Furcht Volk) الذين طوروا ملكاتهم الفكرية للدفاع عن أنفسهم. وقد تراسل مع فيلهلم شواز (1863 ـ 1941) وهو من دعاة فكرة الفولك الألمانية وأحد المعادين لليهودية. واعتبره راتناو من أعز أصدقائه. وكتب راتناو عام 1909 في مجلة نيو فراي برس مقالاً يحتوي هذه العبارة: «يوجد ثلاثمائة شخص يعرف كل واحد منهم الآخر، هم الذين يتحكمون في المصير الاقتصادي لأوربا ويختارون حلفاءهم من هذه الحلقة» . وقد فُسِّرت هذه الجملة بأنها دليل على مدى صدق بروتوكولات حكماء صهيون.
وكان راتناو من اليهود المندمجين شديدي الاعتزاز بألمانيتهم. ومن ثم، عارض الصهيونية وظل يدعو إلى ضرورة اندماج أعضاء الجماعة اليهودية في المجتمع الألماني بل إلى انصهارهم، حتى اتُهم بأنه يهودي كاره لنفسه، خصوصاً أنه وجه انتقاداً عميقاً لما يُسمَّى «الشخصية اليهودية» . ومع هذا، انتقد راتناو وبشدة اتجاه اليهود نحو التنصُّر حيث اعتبر ذلك شكلاً من أشكال الانتهازية التي لا تهدف إلا لتحقيق مكاسب اجتماعية واقتصادية.
وتأثر في مرحلة لاحقة من حياته بالأفكار الصوفية، وبدأ يُظهر تقديراً لما اعتبره مساهمات اليهود الفكرية والأخلاقية والاقتصادية للإنسانية. وانعكست هذه الاتجاهات في كتاباته وفي فلسفته الخاصة التي جمعت بين مسحة صوفية وبين رؤية واقعية للحياة. فأدان راتناو الإيمان المطلق بالتكنولوجيا وبكلٍّ من العقلانية والمادية، ودعا إلى العودة إلى القيم الروحية. ومن ناحية أخرى، دعا إلى إقامة مجتمع تعاوني واقتصاد قائم على الميكنة والتخطيط المركزي تقوده صفوة مثقفة. وأيَّد في الوقت نفسه الليبرالية السياسية والفردية الأخلاقية.
عائلة جونزبورج
‏The Guenzburg Family

عائلة روسية يهودية شهيرة تخصَّص أعضاؤها في أعمال الصيرفة، وكانوا قادة الجماعة اليهودية في روسيا لمدة ثلاثة أجيال، كما كانوا بمثابة الوسطاء (شتدلان) بين يهود روسيا والسلطات القيصرية. وقد بدأ ازدهار هذه الأسرة في العقود الأولى من القرن التاسع عشر حينما حصلوا على امتيازات مصانع لتقطير الخمور وعملوا كمتعهدين عسكريين. وزاد نطاق استثمارهم من خلال مصرف جونزبرج الذي أُسِّس في بطرسبرج عام 1859. واستثمروا أموالهم في السكك الحديدية ومناجم الذهب وحققوا مكاسب كثيرة. وكانت أسرة جونزبرج تمثل دوق هس ـ دارمستادت في روسيا، ومنحهم الدوق لقب بارون عام 1871 كما منحهم حق توارثه. وكان أعضاء أسرة جونزبرج من المدافعين عن مُثُل حركة التنوير والمحاولات الرامية إلى دمج اليهود، وكانوا من معارضي النشاطات الصهيونية. ومؤسس العائلة هو البارون جوزيف يوزيل (1812 ـ 1868) الذي ساهم في تأسيس جماعة نشر الثقافة بين يهود روسيا (1863) وتبرَّع من أجل تطوير التعليم اليهودي وكذلك لتشجيع اليهود على الاشتغال بالزراعة. وكان ابنه الثاني البارون هوراس (نفتالي هرز) (1833 ـ 1909) شريكاً في المصرف الذي كانت تمتلكه الأسرة ومستشاراً في الدولة وقنصلاً لدوق هس.
عائلة بولياكوف
‏The Poliakoff Family
عائلة يهودية روسية من رجال المال والصناعة كان لها دور مهم بقيادة الإخوة الثلاثة يعقوب وصمويل وإليعازر في تأسيس البنوك وبناء السكك الحديدية في روسيا خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر.

اشترك يعقوب بولياكوف (1872 ـ 1909) في تأسيس العديد من البنوك الروسية، كما احتل منصب نائب رئيس هيئة الاستيطان اليهودية في روسيا. أما أخوه صمويل بولياكوف (1837 ـ 1888) ، فكان من أهم من ساهموا في بناء السكك الحديدية في روسيا والتي كانت ذات أهمية كبيرة في صادرات روسيا من الحبوب، كما ساهم في بناء السكك الحديدية الإستراتيجية في رومانيا خلال الحرب الروسية - التركية (1877ـ 1878) . واهتم صمويل بمجال التعدين، وأسس بعض البنوك العقارية المهمة في روسيا. كما اهتم بالتعليم المهني، فأسَّس مدرسة فنية لتعليم بناء السكك الحديدية وأخرى للتعدين، وبادر بتأسيس منظمة إعادة التأهيل والتدريب (أورت) التي كانت تهدف إلى إعادة تأهيل اليهود تأهيلاً مهنياً وإلى تعليمهم الحرف المختلفة، وهو ما قد يساعد على تحويلهم إلى عنصر اقتصادي منتج. أما أليعازر بولياكوف (1842 ـ 1914) ، فقد اشترك في بناء السكك الحديدية مع أخيه. وكان من أبرز رجال البنوك في موسكو، فأسَّس بنك بولياكوف عام 1877. كما ساهم في تطوير الصناعات في روسيا وإيران. وحصل كلٌّ من الإخوة الثلاثة على لقب «نبيل» .
وكان الإخوة بولياكوف يشكلون جزءاً من البورجوازية الروسية التي بدأ يدخلها مموِّلون من أعضاء الجماعة اليهودية في روسيا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر مع بداية عملية التنمية والتحديث. وكانت هذه البورجوازية تشكل شريحة صغيرة من أعضاء الجماعات اليهودية في روسيا وتتجه بحكم ارتباط مصالحها بالدولة الروسية نحو الاندماج في المجتمع الروسي والانفصال عن الجماهير اليهودية. ونظراً لأن المسألة اليهودية في روسيا كانت تُشكِّل خطراً بالنسبة لهذه الشريحة، فإننا نجد أن مساهمات الإخوة بولياكوف، مثلهم مثل غيرهم من أثرياء اليهود المُتروِّسين، كانت تأخذ اتجاهين:

1 ـ إعادة تأهيل أعضاء الجماعة اليهودية لكي يشكلوا عنصراً اقتصادياً منتجاً يسهل لهم عملية الاندماج في المجتمع الروسي، وهو ما كانت تسعى إليه أيضاً الدولة القيصرية.
2 ـ إعادة توطين الفائض البشري من أعضاء الجماعة اليهودية خارج روسيا من خلال نشاط هيئة الاستيطان اليهودية.
وهذه أيضاً هي أهداف ما نسميه «الصهيونية التوطينية» ، أي صهيونية يهود العالم الغربي المندمجين الذين يحاولون مساعدة البلاد التي يعيشون في كنفها على التخلص من الفائض البشري اليهودي.
بارنت بارناتو (1852-1897 (
‏Barnett Barnato
من رجال المال والتعدين. وُلد في إنجلترا، ثم هاجر إلى جنوب أفريقيا عام 1873 حيث التحق بشقيقه الذي كان يعمل في تجارة الماس. وقد بدءا معاً، هو وشقيقه، في شراء حقوق التنقيب عن الماس، ثم استطاعا في عام 1881 تأسيس شركة بارناتو للتعدين التي أصبحت المنافس الأكثر خطورة لشركة دي بيرز للتعدين المملوكة لسيسل رودس والتي كانت تهدف إلى السيطرة على صناعة الماس في جنوب أفريقيا. وانتهى التنافس بين الشركتين بفوز سيسل رودس ودمج الشركتين عام 1888 لتكونا معاً «مناجم دي بيرز الموحَّدة» التي أصبحت الشركة الرئيسية المسيطرة على سوق الماس العالمي حتى اليوم، وقد احتفظ بارناتو في هذه الشركة بمنصب المدير مدى الحياة.
واتجه بارناتو، بعد ذلك، إلى تطوير مناجم الذهب التي كانت قد اكتُشفت حديثاً، وأصبحت مجموعة شركات بارناتو من كبريات الشركات المنتجة للذهب. وتُوفي بارناتو منتحراً عام 1897 حيث ألقى بنفسه من السفينة التي كانت تقله إلى إنجلترا.
ليونيل فيلبس (1855-1936)
‏Lionel Philips

من رجال المال والتعدين في جنوب أفريقيا. وُلد في لندن ثم هاجر إلى جنوب أفريقيا بعد اكتشاف مناجم الماس هناك. ولعب دوراً مهماً في تنظيم صناعة الماس في جنوب أفريقيا وفي التنظيم المالي والتطوير الفني لمناجم الذهب، وترأَّس بعض الشركات التعدينية المهمة، كما كان رئيساً لغرفة المناجم. وحُكم عليه بالغرامة والنفي بعد تورُّطه في مؤامرة سياسية كانت تهدف إلى الإطاحة بالحكومة، إلا أنه عاد للبلاد بعد حرب البويرBoer
(1899 ـ 1902) وأصبح عضواً في البرلمان ومُنح البارونية عام 1912.
سولومون جول (1865-1931 (
‏Sololmon Joel
من رجال المال والتعدين في جنوب أفريقيا. وقد كان هو وأخواه أولاد أخى بارنيت بارناتو رجل المال والتعدين اليهودي الثري وورثته. وتعاون جول وشقيقاه مع عمهم في تطوير مناجم الذهب في جنوب أفريقيا. وبعد انتحار عمه ومقتل أحد أخويه، أصبح جول مدير إمبراطورية عمه المالية والتعدينية التي كانت تشمل نصيباً في شركة دي بيرز للماس وهي الشركة المسيطرة على سوق الماس العالمي حتى اليوم.
وقد تميَّز جول بإنفاقه الباذخ والاستعراضي، وهو ما كان يميِّز الجيل الجديد من أثرياء ومليونيرات جنوب أفريقيا في بدايات القرن العشرين.
إرنست أوبنهايمر (1880-1957 (
‏Ernest Oppenheimer

من رجال الصناعة والمال في جنوب أفريقيا. وُلد في ألمانيا والتحق في سن مبكرة بشركة لتجارة الماس في لندن وقد أرسلته عام 1902 إلى جنوب أفريقيا حيث حقق نجاحاً كبيراً في مجال تجارة الماس. وأسَّس عام 1917 المؤسسة الأنجلو ـ أمريكية التي أصبحت تسيطر على شبكة واسعة من المصالح الصناعية والمالية والتعدينية. وفي عام 1929، ترأَّس أوبنهايمر مجلس إدارة شركة دي بيرز العملاقة للماس، وبالتالي أصبح على رأس صناعة الماس في جنوب أفريقيا. وأصبحت هذه الشركة، في ظل إدارته، الشركة المسيطرة على تجارة الماس في العالم. كما كانت له مساهمات مهمة في اكتشاف وتطوير مناجم الذهب بعد الحرب العالمية الثانية.
وحصل أوبنهايمر على لقب «سير» عام 1921، وكان عضواً في البرلمان لمدة 14 عاماً. ورغم إنفاقه، هو وزوجته الأولى، بسخاء على المصالح والأعمال الخيرية اليهودية، إلا أنه تنصَّر عند زواجه الثاني من كاثوليكية، كما تنصَّر ابنه هاري فردريك (1908) الذي تولَّى إدارة إمبراطورية أبيه التعدينية والمالية والصناعية، كما ساهم في تطوير صناعة الماس في إسرائيل.
صمويل برونفمان (1891-1971 (
‏Samuel Bronfman
من رجال الصناعة الكنديين. التحق في سن مبكرة بتجارة أبيه في مجال الفندقة، ثم دخل مجال تجارة الخمور. ونجح، بعد فترة، في امتلاك أكبر معمل لتقطير الخمور في كندا والعالم. وأصبح برونفمان من أبرز الشخصيات العاملة في مجال تقطير الخمور في العالم.
ترأَّس برونفمان الفرع الكندي للمؤتمر اليهودي، كما احتل منصب نائب رئيس المؤتمر اليهودي العالمي، وشارك بشكل بارز في مجهودات المنظمات اليهودية للضغط على الأمم المتحدة عند تأسيسها عام 1945 لبحث وضع فلسطين وتأمين الوجود الصهيوني بها. وقد اتسع إنفاقه الخيري، وبخاصة في المجالات الاجتماعية والثقافية الخاصة بالجماعة اليهودية والخاصة بالنشاطات الصهيونية.

ويُعتبَر موقف برونفمان من الصهيونية مثل موقف غيره من اليهود المندمجين في المجتمعات الرأسمالية والذين يعتبرونها مصدراً للهوية الحضارية في ظل مجتمعات تآكلت فيها القيم الحضارية والأخلاقية، وتشكل هذه الهوية بالنسبة إليهم انتماءً حضارياً دينياً وليس انتماءً سياسياً قومياً. كما أن تأييدهم لإسرائيل ينبع من كونها مركزاً وقاعدة للحضارة والمصالح الغربية في الشرق.
دور الجماعات اليهودية الاقتصادي في مصر في العصر الحديث
‏Economic Role of the Jewish Communities in Egypt in Modern Times
ابتداءً من أواخر القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين، كان لعدد من العائلات والشخصيات اليهودية المصرية شأن كبير في أحوال مصر الاقتصادية وفي شئونها المالية والتجارية والصناعية. وكانت أغلب هذه العائلات من اليهود السفارد الذين وفدوا إلى مصر خلال القرن التاسع عشر وانضووا تحت الرعويات الأجنبية حتى يستفيدوا من الامتيازات القانونية والاقتصادية الممنوحة للأقليات الأجنبية في مصر خلال تلك الفترة، والتي أتاحت لهذه الأقليات، في ظل الوجود الاستعماري البريطاني، احتلال مكانة داخل الاقتصاد المصري لا تناسب حجمها الحقيقي. وقد قامت هذه العائلات اليهودية بتمثيل المصالح الأوربية المختلفة داخل مصر، سواء كانت فرنسية أو بريطانية أو إيطالية أو غيرها، وقامت بدور الوسيط لرأس المال الأوربي الباحث عن فرص الاستثمار داخل البلاد، أي أنها لعبت دور الجماعة الوظيفية المرتبطة بالاستعمار الغربي (ومما يجدر ملاحظته أن هذا الدور نفسه قامت به بعض الجماعات الأوربية وشبه الأوربية الأخرى، خصوصاً اليونانيين الذين حققوا قوة اقتصادية ومكانة اجتماعية مماثلة تقريباً لما حققته طبقة كبار الأثرياء من اليهود) .

وتركَّز نشاط هذه العائلات اليهودية في الأنشطة المالية الربوية والائتمانية والتجارية، واندمجت بيوتات المال اليهودية في علاقات ووساطة مع البنوك الأوربية وارتبط نشاطها بالدرجة الأولى باقتصاديات زراعة وتجارة القطن وخدمة المصالح الاقتصادية الاستعمارية البريطانية التي كانت تخطِّط لتحويل مصر إلى مزرعة للأقطان. ولعبت مجموعة عائلات قطاوي وسوارس ورولو ومنَسَّى وموصيري الدور الأكبر في هذا المجال وفي الاقتصاد المصري بشكل عام.
لقد ساهمت الجماعات المصرفية اليهودية في عملية التوسع الزراعي في مصر، واشتركت في عملية تصفية الدائرة السنية عام 1880 وبيعها لكبار الملاك الجدد ثم في تأسيس البنك العقاري المصري في العام نفسه بالتعاون مع رأس المال الفرنسي، للقيام بعمليات إقراض القطاع الزراعي الخاص الجديد وتمويل أعمال الزارعة وشراء الأقطان. وفي عام 1897، قامت هذه الجماعات المصرفية، بالتعاون مع رأس المال البريطاني، بتأسيس البنك الأهلي المصري بهدف تمويل المشروعات الخاصة بالتوسع الاقتصادي والاستعماري البريطاني في مصر مثل مشروع بناء خزان أسوان وقناطر أسيوط أو تنظيم شبكة الري في حوض النيل إلى جانب تمويل عمليات شراء ما تبقَّى من أراضي الدائرة السنية من قبل كبار الملاك.

واشتركت العائلات اليهودية أيضاً في تأسيس الشركات العقارية العديدة التي أقيمت في إطار مبيعات أراضي الدائرة السنية ثم في إطار الحجوزات العقارية بعد تَراكُم الديون على كبار وصغار الملاك المصريين نتيجة انخفاض الطلب على القطن المصري. وقد تأسَّس أكثر هذه الشركات في الفترة ما بين عامي 1880 و1905، وقامت بامتلاك الأراضي واستغلالها وبإقامة المشروعات العقارية والصناعية عليها وكذلك المضاربة فيها لتحقيق تَراكُم سريع لرأس المال. ومن أهم هذه الشركات شركة أراضي الشيخ فضل، وشركة وادي كوم أمبو. ومن أهم المشاريع الصناعية الزراعية التي أقامها اليهود على أراضي الدائرة السنية شركة عموم مصانع السكر والتكرير المصرية التي أُقيمت عام 1897 بالتعاون مع رأس المال الفرنسي واحتكرت لفترة طويلة إنتاج السكر في مصر.
وساهم أعضاء الجماعات اليهودية أيضاً في إقامة الهياكل الأساسية اللازمة للتوسع الزراعي، وخصوصاً اللازمة لنقل وتجارة القطن وغيرها من المحاصيل الزراعية، فاهتموا بإنشاء خطوط النقل الحديدية مثل شركة سكك حديد قنا ـ أسوان (1895) ، وشركة سكك حديد الدلتا المصرية المحدودة وهما أهم شركتين لنقل الأقطان والسكر من الأراضي ومعامل التكرير. كما ساهموا في تأسيس شركة ترام الإسكندرية (عام 1896) التي كانت تقوم بنقل الأقطان إلى البورصة، واشتركوا أيضاً في إدارة بعض الشركات الملاحية مثل شركة الملاحة الفرعونية التي سُجلت عام 1937 وكانت تحتكر تقريباً نقل البضائع المصرية بحرياً. وإلى جانب مساهمتهم في تأسيس كثير من شركات النقل البري والبحري، ساهم أعضاء الجماعات اليهودية في مصر في عملية التوسع العمراني التي صاحبت التوسع الزراعي. فساهموا، على سبيل المثال، في تأسيس حي سموحة بالإسكندرية وحي المعادي بالقاهرة، وفي إدارة العديد من شركات تقسيم وبيع الأراضي وشركات صناعة البناء.

كما لعب المموِّلون اليهود من أعضاء الجماعات اليهودية دوراً أساسياً في مجال تصدير القطن والمحاصيل الزراعية، وكان أكثر من 50%من الشركات المصدرة للقطن في الإسكندرية (قبل التأميم) مملوكة لهم. وكان أعضاء الجماعات اليهودية يحتلون مواقع إدارية مهمة في الشركات الأخرى، كما تركزوا في القطاعات الخاصة وفي تصدير بعض المحاصيل الزراعية المهمة مثل البصل والأرز. ونشطوا في عمليات استيراد السلع والوكالة التجارية للشركات الأجنبية، وبخاصة مع بداية العشرينيات، لاستغلال وفرة الأموال في أيدي أغنياء الحرب والرواج الذي جاء في أعقاب انتهاء الحرب العالمية الأولى. وقد قامت المحلات التجارية الكبيرة المملوكة للعائلات اليهودية، مثل محلات شيكوريل وشملا وبنزيون وعدس وغيرها، بتسويق هذه الواردات السلعية، خصوصاً المنسوجات البريطانية.
وقد ارتبطت العائلات اليهودية، سواء من خلال المؤسسات المالية والائتمانية أو من خلال المؤسسات التجارية التي كانت تمتلكها والتي كان أفرادها يحتلون فيها مواقع إدارية مهمة، بشبكة من علاقات العمل المتداخلة تدعمها علاقات المصاهرة.
ويمكن تقدير مدى مساهمة أعضاء الجماعات اليهودية في مصر في الشركات والقطاعات الاقتصادية المختلفة من خلال عضويتهم في مجالس إدارة الشركات المساهمة التي سيطرت على أهم قطاعات الأعمال في مصر منذ أواخر القرن التاسع عشر. وتشير بعض الإحصاءات إلى أن اليهود احتلوا 15,4% من المناصب الرئاسية و16% من المناصب الإدارية عام 1943، وانخفضت هذه النسبة إلى 12,7% و12,6% عامي 1947 و1948، وإلى 8,9% و9,6% عام 1951. وتشير إحصاءات أخرى إلى أن نسبة اليهود في مجالس إدارة الشركات المساهمة كانت 18% عام 1951. والواقع أن هذه نسب مرتفعة إذا ما قورنت بنسبتهم لإجمالي السكان والتي بلغت عام 1950 نحو 0,4% فقط.

وكان معظم رأس المال اليهودي متمركزاً عام 1956، وقبل قرارات التأميم، في الشركات العقارية يليه قطاع حلج وغزل ونسج القطن ثم التأمين والبنوك. وكانت هذه القطاعات هي أكثر القطاعات ربحية في الاقتصاد المصري، وبخاصة خلال الفترة التي أعقبت انتهاء الحرب العالمية الأولى وحتى بداية الخمسينيات.
وفي شأن دور أعضاء الجماعات اليهودية في اقتصاد مصر، منذ نهاية القرن التاسع عشر حتى عمليات التأميم عام 1956، يمكننا أن نلاحظ ما يلي:
1 ـ لعب أعضاء الجماعات اليهودية دوراً مهماً لا باعتبارهم يهوداً وإنما باعتبارهم أعضاء في التشكيل الاستعماري الغربي الذي أتوا معه (وقد جاءت معهم أيضاً الأقليات الغربية الأخرى مثل اليونانيين والإيطاليين والإنجليز ... إلخ) واستقروا ضمن إطار الامتيازات الأجنبية وأسسوا علاقات مع المجتمع هي في جوهرها علاقات استعمارية. ولذا، يُلاحَظ بشكل ملموس غياب يهود مصر المحليين، خصوصاً القرّائين، عن هذا القطاع الاقتصادي النشيط، فلم يكن عندهم رأس المال ولا الكفاءات ولا الاتصالات للاضطلاع بمثل هذا الدور.
2 ـ يُلاحَظ أن كبار المموِّلين من أعضاء الجماعات اليهودية لعبوا دور الجماعة الوظيفية الوسيطة بين الاقتصاد العالمي الغربي والاقتصاد المحلي. وقام أعضاء الجماعات اليهودية بدور ريادي نشيط في عدد من الصناعات والقطاعات الاقتصادية الجديدة التي يتطلب ارتيادها كفاءة غير عادية وجسارة، وهو الدور الذي يلعبه أعضاء الجماعات الوظيفية، وقد اشترك فيه معهم المموِّلون من أعضاء الجاليات الأجنبية الأخرى.
3 ـ تركَّز هؤلاء المموّلون في صناعات وقطاعات مالية قريبة من المستهلك (حلج القطن ـ المصارف ـ تسويق السلع ـ العقارات ... إلخ) وهي قطاعات بعيدة عن الصناعات الثقيلة. ويعزى نشاط أعضاء الجماعات اليهودية في قطاع الزراعة إلى نظام ملكية الأراضي في مصر الذي فتح الباب على مصراعيه للأجانب (اليهود وغيرهم (.

4 ـ ومع تزايُد فاعلية القوى الوطنية ونشاطها في القطاع الاقتصادي، بدأ نشاط الطوائف الأجنبية يتراجع بما في ذلك نشاط المموِّلين من أعضاء الجماعات اليهودية.
5 ـ وحينما تم التأميم عام 1956، كان ذلك تتويجاً لتصاعُد هذه الحركة واختزالاً لبقية المرحلة. وقد كان قرار التأميم موجَّهاً ضد المموِّلين الأجانب والمصريين ممن كان الحكم المصري يرى أن نشاطهم يربط الاقتصاد الوطني بعجلة الاستعمار الغربي ويعوق عمليات التنمية من خلال الدولة والتي تبناها هذا النظام الوطني. ولذا، فقد هاجر كثير من هؤلاء المموِّلين وغيرهم من المموِّلين الأجانب والمصريين.

لكل ما تقدَّم، يكون من الصعب جداً الحديث عن «رأسمالية يهودية في مصر» أو «مخطَّط يهودي للهيمنة والسيطرة على الاقتصاد الوطني في مصر» . فقدوم أعضاء الجماعات اليهودية إلى مصر ونشاطهم الاقتصادي فيها وخروجهم منها تم داخل إطار الاستعمار الغربي، ولم يكن هناك بُعد يهودي يعطي خصوصية يهودية لنشاط الجماعة اليهودية في مصر. وإذا كان هناك 10% من المناصب الإدارية الرئاسية في أيد يهودية، فإن نحو 90% من هذه المناصب تظل في أيد غير يهودية، ونسبة كبيرة منها في أيدي اليونانيين والإيطاليين وغيرهم. وإذا كان ثمة تعاطُف مع الحركة الصهيونية، فإنه لم يأخذ شكل ظاهرة عامة أو نمط متكرر وإنما كان اتجاهاً فردياً يمكن تفسيره هو الآخر في إطار انتماء المموِّلين من أعضاء الجماعات اليهودية إلى التشكيل الاستعماري الغربي. وتجب الإشارة إلى أن تأييد بعض الأثرياء اليهود للنشاط الصهيوني يمكن أن نضعه في إطار ما يُسمَّى «الصهيونية التوطينية» ، فقد شهدت مصر خلال أواخر القرن التاسع عشر هجرة أعداد من يهود شرق أوربا (الإشكناز) إليها، كان أغلبهم من الشباب الفقير وكانوا يختلفون ثقافياً وعقائدياً وطبقياً عن الأرستقراطية السفاردية المصرية. كما تورَّط كثير منهم في الأنشطة المشبوهة، خصوصاً الدعارة، وهو ما دفع السفارد لإطلاق لقب «شلخت» ، أي الأشرار، عليهم. وكان وجودهم يهدد بخلق أعباء مادية ومشاكل اجتماعية محرجة لأثرياء اليهود. ولذلك، فقد كان دعم بعض أعضاء الأرستقراطية السفاردية للأنشطة الصهيونية في مصر يهدف إلى تحويل هذه الهجرة إلى فلسطين بعيداً عن مصر. كما سعى بعضهم لدى السلطات المصرية لوقف الهجرة اليهودية القادمة إلى مصر كليةً.
هذا، ويمكن القول بأن وضع يهود مصر والدور الذي اضطلعوا به هو نمط متكرر بين أعضاء الجماعات اليهودية وأعضاء الجماعات الوظيفية الغربية الأخرى في العالم العربي ابتداءً من أواخر القرن التاسع عشر.
عائلة رولو

‏The RoloFamily
«رولو» اسم عائلة يهودية سفاردية جاءت إلى مصر خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر واحتفظت بالجنسية البريطانية. وقد امتلك روبين رولو مؤسسة تجارية تخصَّصت أساساً في استيراد النيلة (صبغة) . وفي عام 1870، أسس ولداه جياكومو (يعقوب) (1847 ـ 1917) وسيمون، مع بعض الشركاء، مؤسسة مالية وتجارية باسم «روبين رولو وأولاده وشركاهم» . وتعاونت عائلة رولو من خلال هذه المؤسسة مع عائلتي قطاوي وسوارس في العديد من المشاريع التي أقاموها بالتعاون مع المالي البريطاني سير إرنست كاسل ـ خصوصاً مشاريع الدائرة السنية وإقامة سكك حديد حلوان وتأسيس البنك العقاري المصري والبنك الأهلي المصري. وخلال الأزمة الاقتصادية التي حدثت عام 1907، صفَّى جياكومو المؤسسة ثم أقام مع أبنائه الثلاثة مؤسسة رولو وشركاه والتي جمعت بين الأنشطة المصرفية والمالية وتجارة الجملة في القطن والسكر والأرز والفحم والبن، كما امتلكت حصصاً كبيرة في بعض الشركات العقارية الكبرى (مثل: شركة وادي كوم أمبو وشركة أراضي الشيخ فضل) وشركة مصانع السكر. وعند وفاته، ترك جياكومو رولو ثروة من العقارات تُقدَّر بنحو 70 ألف جنيه. أما ابنه الأكبر روبير جياكومو رولو (1876 ـ؟) ، فقد درس في بريطانيا، وانتُخب رئيساً للطائفة اليهودية في الإسكندرية في الفترة 1934 ـ 1948. وكان روبير جياكومو مناهضاً للصهيونية، واستقال من رئاسة الطائفة عام 1948 قبل اندلاع حرب فلسطين مباشرة بسبب خلافه مع حاخام الإسكندرية المؤيد للصهيونية.

أما روبير رولو (1869 ـ؟) ، فحقق مكانة مهمة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية في مصر، ودرس القانون في باريس ثم تولَّى رئاسة عدد من مجالس إدارة الشركات التي ساعد أباه في تأسيسها. وكان مستشاراً قانونياً للملك فؤاد الأول ومقرباً له فقام بدور الوسيط بين القصر ودار المندوب السامي البريطاني، وعملت زوجته وصيفة للملكة نازلي. وحصل هو على لقب «سير» عام 1938. وكان روبير جياكومو من كبار أعضاء الجماعة اليهودية في مصر، ولكنه لم يشارك في شئونها.
عائلة سوارس
‏The Suares Family

«سوارس» اسم عائلة سفاردية من أصل إسباني استقرت في مصر منذ أوائل القرن التاسع عشر، وحصلت على الجنسية الفرنسية. وقد أسَّس الإخوة الثلاثة، روفائيل (1846 ـ 1902) ويوسف (1837 ـ 1900) وفيلكس (1844 ـ 1906) ، مؤسسة سوارس عام 1875. وفي عام 1880، قام روفائيل سوارس، بالتعاون مع رأس المال الفرنسي ومع شركات رولو وقطاوي، بتأسيس البنك العقاري المصري، كما قام بالتعاون مع رأس المال البريطاني الذي مثَّله المالي البريطاني اليهودي سير إرنست كاسل بتأسيس البنك الأهلي المصري عام 1898 وتمويل بناء خزان أسوان. كما اشترك سوارس مع كاسل وعائلة قطاوي في شراء 300 لف فدان من أراضي الدائرة السنية وإعادة بيعها إلى كبار الملاك والشركات العقارية. كذلك اشترك سوارس مع رأس المال الفرنسي في تأسيس شركة عموم مصانع السكر والتكرير المصرية عام 1897 والتي ضمتها عام 1905 شركة وادي كوم أمبو المساهمة، وكانت من أكبر المشاريع المشتركة بين شركات قطاوي وسوارس ورولو ومنَسَّى، وكانت واحدة من أكبر الشركات الزراعية في مصر. وفي مجال النقل البري، أسست العائلة شركة «سوارس لعربات نقل الركاب» ، وتعاونت مع عائلة قطاوي في إقامة السكك الحديدية. كما امتلكت العائلة مساحات واسعة من الأراضي الزراعية وأراضي البناء في وسط القاهرة حيث سُمِّي أحد الميادين باسم «ميدان سوارس» (مصطفى كامل الآن) . وامتلكت عائلة سوارس حصصاً وأسهما في العديد من الشركات، واحتل كثير من أفرادها مواقع رئاسية وإدارية في كثير منها. فتولى ليون سوارس (ابن فليكس سوارس) إدارة شركة أراضي الشيخ فضل وإدارة شركة وادي كوم أمبو. وعند وفاة أبيه، ترك ليون مؤسسة سوارس ليخلف أباه في إدارة البنك الأهلي والبنك العقاري المصري. ولم تلعب عائلة سوارس دوراً كبيراً في شئون الجماعة اليهودية باستثناء إدجار سوارس الذي تولَّى رئاسة الجماعة في الإسكندرية في الفترة من 1914 ـ 1917.
عائلة شيكوريل

‏The Cicurel Family
عائلة يهودية سفاردية من أصل إيطالي. وقد جاء مورينو شيكوريل إلى مصر قادماً من تركيا واستقر فيها، وعمل بأحد محلات عائلة هانو اليهودية، ثم اشترى المحل عام 1887. وفي عام 1909، افتتح محلاًّ جديداً في ميدان الأوبرا والذي حوَّله أبناؤه سالومون ويوسف وسالفاتور إلى واحد من أكبر المحلات التجارية في مصر. وفي عام 1936، انضمت لهم عائلة يهودية أخرى، فأصبحوا يمتلكون معاً مجموعة محلات أركو.
وقد كان يوسف (بك) شيكوريل من مؤسسي بنك مصر (عام 1920) ، كما كان أخوه سلفاتور (بك) شيكوريل عضواً في مجالس إدارة العديد من الشركات وعضواً في مجلس إدارة الغرفة التجارية المصرية ثم رئيساً لها. وكان ضمن البعثة الاقتصادية المصرية التي سافرت إلى السودان بهدف تعميق العلاقات التجارية بين البلدين وفتح مجالات جديدة أمام رؤوس الأموال المصرية في السودان. وفي عام 1946، ترأَّس سلفاتور الطائفة الإسرائيلية خلفاً لرينيه قطاوي (وكان آخر رئيس لها) ، كما ترأَّس المنظمة الصهيونية بالقاهرة وكان من مؤسسي جماعة أصدقاء الجامعة العبرية.
عائلة قطاوي
‏The Cattaui Family

عائلة مصرية يهودية برز عدد من أفرادها في النشاط السياسي والاقتصادي في مصر في أواخر القرن التاسع عشر وحتى النصف الأول من القرن العشرين، وترجع أصولها إلى قرية قطا شمالي القاهرة. بدأ دور هذه العائلة مع نزوح أليشع حيدر قطاوي إلى القاهرة في أواخر القرن الثامن عشر حيث حصل ابنه يعقوب (1801 ـ 1883) على امتيازات من الحكومة للقيام بأنشطة تجارية ومالية، وكان أول يهودي مصري يمنح لقب «بك» . كما حصل على لقب «بارون» من الإمبراطورية النمساوية المجرية التي حملت العائلة جنسيتها. وقد أوكلت إليه نظارة الخزانة في فترة حكم الخديوي عباس الأول (1849 ـ 1854) ، واحتفظ بهذا المنصب خلال حكم الوالي سعيد والخديوي إسماعيل، وتولَّى في أواخر أيامه رئاسة الجماعة اليهودية في القاهرة التي كانت تُسمَّى «الطائفة الإسرائيلية» . وبعد وفاته، خلفه ابنه موسى قطاوي (1850 ـ 1924) في رئاسة الطائفة، واختير عضواً في البرلمان المصري، كما مُنح لقب الباشوية. وكان موسى قطاوي من كبار رجال المال والبنوك، وتولَّى إدارة عدد من الشركات وساهم في تمويل مشاريع السكك الحديدية في صعيد مصر وشرق الدلتا ومشاريع النقل العام في القاهرة بالتعاون مع عائلات سوارس ورولو ومنَسَّى.

وبعد وفاة موسى، انتقلت رئاسة الطائفة إلى يوسف أصلان قطاوي (1816 ـ 1942) الذي درس الهندسة في باريس وعمل عند عودته موظفاً في وزارة الأشغال العامة. ثم سافر إلى إيطاليا لدراسة أصول صناعة السكر وعاد إلى مصر ليؤسس مصنعاً للسكر، واختير عضواً في العديد من المجالس الاستشارية للمؤسسات الصناعية والمالية واشترك عام 1920 بالتعاون مع طلعت حرب ويوسف شيكوريل في تأسيس بنك مصر. وفي عام 1915، كان يوسف قطاوي عضواً في الوفد المصري الساعي إلى التفاوض مع بريطانيا لنيل الاستقلال لمصر، كما اختير عام 1922 عضواً في اللجنة التي أُسندت إليها مهمة وضع دستور مصري جديد في أعقاب الثورة المصرية (1919) والتصريح البريطاني بمنح مصر استقلالها الشكلي (1923) . وقد عمل يوسف أصلان قطاوي وزيراً للمالية عام 1924 ثم وزيراً للمواصلات عام 1925، وانتُخب عام 1923 عضواً في مجلس النواب عن دائرة كوم أمبو، كما كان عضواً في مجلس الشيوخ في الفترة من 1927 وحتى 1936. ونشر عام 1935 دراسة بالفرنسية تدافع عن سياسة الخديوي إسماعيل الاقتصادية. وقد تزوج من عائلة سوارس اليهودية الثرية وكانت زوجته وصيفة للملكة نازلي.
وبعد وفاة يوسف أصلان، انتُخب ابنه أصلان ليشغل مقعد أبيه في مجلس الشيوخ عام 1938، كما عمل سكرتيراً عاماً لمصلحة الأملاك الأميرية التابعة لوزارة المالية ومندوباً عن الحكومة المصرية في شركة قناة السويس ومندوباً للحكومة في البنك الأهلي المصري. أما ابنه الثاني رينيه، فقد اختير عام 1943 رئيساً للجماعة اليهودية في القاهرة. وكان عضواً في البرلمان كما كان يدير عدة مشروعات اقتصادية، ونشر بين عامي 1931 و 1936 ثلاثة مجلدات تشكل تأريخاً لفترة حكم محمد علي. وكان يوسف قطاوي من مؤسسي جمعية مصر للدراسات التاريخية اليهودية. وفي عام 1957، غادر الأخوان رينيه وأصلان مصر واستقرا في أوربا.

أما آخر الشخصيات البارزة في عائلة قطاوي، وهو جورج قطاوي، فقد كانت اهتماماته أدبية في المقام الأول حيث نشر عدة دراسات عن الأدبين الإنجليزي والفرنسي، كما كان يكتب الشعر بالفرنسية. وقد اعتنق المذهب المسيحي الكاثوليكي مع العديد من المثقفين المصريين اليهود السفارد الذين تخلوا عن اليهودية.
وعلى عكس ما تدَّعي بعض المصادر الصهيونية، ليس ثمة ما يشير إلى تعاطُف الشخصيات الرئيسية في عائلة قطاوي مع المشروع الصهيوني من بعيد أو قريب، ولا إلى قيامهم بأية أنشطة من شأنها دعم هذا المشروع. بل عارض كلٌّ من يوسف أصلان قطاوي وابنه رينيه قطاوي الصهيونية، حينما تولَّى كلٌّ منهما رئاسة الطائفة اليهودية في مصر. وحذر رينيه قطاوي يلون كاسترو، زعيم الحركة الصهيونية في مصر، من الدعوة للهجرة إلى فلسطين باعتبار أن ذلك يمس علاقة الجماعة بالسلطات المصرية. كما دعت عائلة قطاوي إلى اندماج أعضاء الجماعة اليهودية في المجتمع المصري وشجع يوسف أصلان قطاوي تأسيس «جمعية الشبان اليهود المصريين» (1934/1935) وجريدة الشمس الأسبوعية الصادرة بالعربية، وقد كان هدفهما «تمصير» أعضاء الجماعة وتعميق انتمائهم للوطن المصري.
عائلة مِنَسَّى
‏The Menasce Family

«منَسَّى» أو «دي منَسَّى» أو «منَسَّه» ، لكن النطق الشائع في مصر هو «منشه» . ويُوجَد شارع في الإسكندرية يُسمَّى «شارع منشَّه» . ومنَسَّه عائلة يهودية سفاردية جاءت إلى مصر من إسبانيا، ويعود أول ذكر لوجودها في مصر إلى القرن الثامن عشر. بدأ يعقوب دي منَسَّى (1807 ـ 1887) حياته صرَّافاً في حارة اليهود، وتدرَّج في عمله حتى أصبح صراف باشا للخديوي إسماعيل. ثم أسس بالتعاون مع يعقوب قطاوي مؤسسة مالية وتجارية (بيت منَسَّى وأولاده) أصبح لها أفرع في مانشستر وليفربول ولندن وباريس ومارسيليا وإستانبول، كما اشترك بالتعاون مع الخديوي إسماعيل في تأسيس البنك التركي المصري، وارتبط نشاطه بكثير من شركات ومشاريع عائلتي قطاوي وسوارس.
وفي عام 72/1873، مُنح يعقوب دي منَسَّى الحماية النمساوية، وفي عام 1875 مُنح لقب البارونية والجنسية النمساوية المجرية تقديراً للخدمات التي قدمها للتجارة النمساوية المجرية ـ المصرية. وترأَّس يعقوب دي منَسَّى الطائفة اليهودية في القاهرة عام 1869، ثم انتقل عام 1871 إلى الإسكندرية حيث أسَّس معبد منَسَّى ومقابر منَسَّى ومدارس منَسَّى، وترأَّس ابنه ديفيد ليفي دي منَسَّى (1830ـ 1885) رئاسة الطائفة في الإسكندرية وخلفه في رئاستها ابنه جاك (1850 ـ 1916) الذي احتفظ بها حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى حينما اعتبرته السلطات البريطانية عدواً لأنه كان يحمل الجنسية النمساوية المجرية. وقد نقل جاك أعمال الأسرة من الأعمال المالية والمصرفية إلى تجارة القطن والسكر المربحة، واشترى مساحات واسعة من الأراضي في دلتا وصعيد مصر. ووصلت ثروته عند وفاته إلى ما بين 300 و500 ألف جنيه مصري.

أما الشقيق الأصغر فليكس يهودا (1865 ـ 1943) ، فدرس في فيينا وأسَّس فرع بيت منَسَّى في لندن وترأَّس الطائفة اليهودية في الإسكندرية في الفترة ما بين عامي 1926 و1933. وكان فليكس دي منَسَّى صديقاً لحاييم وايزمان، فأسَّس وترأَّس اللجنة المؤيدة لفلسطين عام 1918 كما مثَّل الحركة الصهيونية المصرية في لندن لدى المؤتمر الثاني عشر (1921) .
أما ابنه جان قطاوي دي منَسَّى (1896 ـ؟) فقد اعتنق الكاثوليكية وانضم إلى الرهبان الدومينيكان وقام بالدعوة إلى المسيحية في الإسكندرية (وهذا نمط متكرر بين اليهود السفارد الذين كانوا يعيشون في الشرق العربي) .
عائلة موصيري
‏The Mosseri Family
«موصيري» اسم عائلة يهودية سفاردية من أصل إيطالي استقرت في مصر في النصف الثاني من القرن الثامن عشر. وقد احتفظت العائلة بالجنسية الإيطالية. وحقَّق يوسف نسيم موصيري ثروته من التجارة. وبعد وفاته عام 1876، أسَّس أبناؤه الأربعة مؤسسة يوسف نسيم موصيري وأولاده. وتزوج الابن الأكبر نسيم (بك) موصيري (1848 ـ 1897) من ابنة يعقوب قطاوي، وأصبح نائب رئيس الطائفة الإسرائيلية في القاهرة وهو منصب توارثته العائلة من بعده. ولم تحقِّق عائلة موصيري انطلاقتها الحقيقية إلا في أوائل القرن العشرين (1904) عندما أسَّس إيلي موصيري (1879 ـ 1940) ابن نسيم (بك) ، بالتعاون مع إخوته الثلاثة يوسف (1869 ـ 1934) وجاك (1884 ـ 1934) وموريس، بنك موصيري. حقَّق إيلي موصيري مكانة مرموقة في عالم المال والأعمال في مصر، وكان قد درس الاقتصاد في إنجلترا وتزوج من ابنة فليكس سوارس. وكانت تربطه علاقات وثيقة بإسماعيل صدقي، كما كانت له مصالح عديدة في فرنسا وعلاقات وثيقة ببيوت المال الأوربية اليهودية مثل بيوت روتشيلد ولازار وسليجمان، كما كان يمثل المصالح الإيطالية في مصر.

ومن أفراد العائلة الآخرين جوزيف موصيري الذي أسَّس شركة «جوزي فيلم» للسينما عام 1915 والتي أقامت وأدارت دور السينما واستوديو للإنتاج السينمائي وتحوَّلت إلى واحدة من أكبر الشركات العاملة في صناعة السينما المصرية. أما فيكتور موصيري (1873ـ 1928) ، فكان مهندساً زراعياً مرموقاً وكانت له إسهامات مهمة في مجال زراعة القطن وصناعة السكر.
وقد ارتبط اثنان من أعضاء عائلة موصيري بالنشاط الصهيوني، فقد أسَّس جاك موصيري الذي درس في إنجلترا وحضر المؤتمر الصهيوني الحادي عشر (عام 1913) المنظمة الصهيونية في مصر (عام 1917) . أما ألبير موصيري (1867 ـ 1933) ، فدرس الطب في فرنسا حيث تعرَّف إلى هرتزل ونوردو، وبدأ في إصدار جريدة صهيونية باسم «قديماه» وخدم في الجيش البريطاني خلال الحرب العالمية الأولى كطبيب. وبعد الحرب، ترك الطب وبدأ (عام 1919) في إصدار جريدة أسبوعية في القاهرة بعنوان إسرائيل صدرت في البداية بالعبرية فقط ثم بالعربية والفرنسية بعد ذلك. وقد استمرت زوجته في إصدار الجريدة بعد وفاته وحتى عام 1939 حينما هاجرت إلى فلسطين. وقد خدم ابنهما مكابي موصيري (1914 ـ 1948) كضابط في البالماخ وقُتل في إحدى العمليات العسكرية أثناء حرب 1948.
فيكتور هراري (1857-1945 (
‏Victor Harari

مموِّل مصري يهودي سفاردي اسمه (سير) فيكتور. جاء والده إلى مصر في الثلاثينيات من القرن التاسع عشر قادماً من بيروت. وقد أكمل هراري دراسته في إنجلترا وفرنسا، ثم عمل موظفاً في وزارة المالية المصرية وأصبح مدير الحسابات المركزية ثم مدير الخزانة، كما كان مندوب الحكومة المصرية في لجنة إصلاح ميزانية الأوقاف. وفي عام 1905، بدأ نشاطه الخاص وأصبح مُمثِّلاً للمالي البريطاني اليهودي سير إرنست كاسل، وترأَّس عدداً من الشركات التي أُقيمت بالتعاون بين كاسل ومجموعة قطاوي ـ سوارس ـ منَسَّى ـ رولو، وانتخب عام 1929 عضواً بمجلس إدارة البنك الأهلي المصري. وحصل على لقب سير عام 1928 تقديراً للخدمات التي قدَّمها للحكومة البريطانية.
يوسف بتشوتو (1857-1945)
‏Joseph Betshoto
اقتصادي مصري يهودي وُلد في الإسكندرية لعائلة سفاردية ذات أصول إيطالية قدمت إلى مصر من حلب. وقد بدأ حياته موظفاً في مؤسسة تجارية، وأسَّس عام 1896 تجارته الخاصة فأقام عام 1917 شركة لاستيراد المنسوجات القطنية. واكتسب بتشوتو سمعة طيبة كخبير اقتصادي، كما كان عضواً في مجالس إدارة عدد من الشركات وعضواً بالغرفة التجارية بالإسكندرية. وعُيِّن عام 1922 عضواً بالمجلس الاقتصادي للحكومة المصرية. وكان بتشوتو متعاطفاً مع الحركة الوطنية المصرية، فانضم إلى حزب الوفد وانتُخب عضواً بمجلس النواب ثم دخل مجلس الشيوخ عام 1924. كما كان نائباً لرئيس اللجنة المؤيدة لفلسطين والتي تأسست عام 1918 ورئيساً للبناي بريت (أبناء العهد) في الإسكندرية.

1 - رأس مال (رأسمالية)
لغة: اسم للقليل والكثير من المقتنيات من كل ما يتمول ويملك، ويقصد برأس المال فى اللغة. أصل المال دون ربح أو زيادة، كما فى القرض لتحريره من الربا (1)، وكذلك لقوله تعالى {{إن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون}} البقرة:279.
واصطلاحا: يطلق رأس المال على المال الذى يدفع للعامل فى شركة المضاربة، وعلى الثمن الذى يعجل به فى بيع السلم، وعلى المبلغ الذى يدفعه كل شريك فى شركة العنان، وعلى الثمن الأصلى الذى اشترى به البائع فى معاملات التجارة، ويطلق كذلك على النقد ذهبا أو فضة أو ما يقوم مقامهما من العملات (3).
ويطلق فى الفكر الوضعى على أدوات الإنتاج التى لا تستخدم لأغراض الاستهلاك المباشر، وإنما للمساهمة فى إنتاج سلع أخرى، ويطلق على الرصيد المتجمع من الموارد، والذى يسهم فى إنتاج أكبر قدر ممكن من السلع والخدمات خلال فترة زمنية معينة.
ويعرف كذلك، بأنه الرصيد الذى يستخدم كاحتياطى لتدعيم مستوى مرتفع من الاستهلاك فى وقت تشتد الحاجة فيه إليه.
ويمكن التفرقة بين رأس المال والدخل، بأن الدخل هو الإيراد أو الغلة التى تعود على الفرد أو المؤسسة من العمل أو المال، كما أنه أجر العامل أو إيجار الأرض، وقد حرص الإسلام على استثمار رأس المال وتنميته.
وقد اعتبر الفقهاء أن الانفاق من رأس المال تبذير، بينما الإنفاق من الربح ليس تبذيرا (3).
ولا يخفى حرص الإسلام على تشجيع التكوين الرأسمالى عندما أعفى رأس المال الثابت من الزكاة وقد حدد الدمشقى وسائل حفظ المال كما يلى:
1 - ألا ينفق أكثر مما يكتسب.
2 - ألا يكون ما ينفق مساويا لما يكتسب.
3 - أن يحذر الرجل أن يمد يده إلى ما يعجز عنه وعن القيام به.
ومن أنواع رأس المال:
1 - رأس المال المتداول ويقصد به المال الذى تنتهى منفعته الاقتصادية باستعماله مرة أو بضع مرات، وتحسب قيمته بالكامل فى نفقة إنتاج السلعة المنتجة، مثل القطن الخام الذى يستخدم فى صناعة المنسوجات مرة واحدة.
2 - رأس المال العامل، ويقصد به الموارد السائلة الصافية لمنشاة ما فى السوق، وهى الأصول الجارية مطروحا منها الالتزامات الجارية وتشمل عروض التجارة، ويستحق عليها الزكاة باعتبارها مالا ناميا بعد حولان الحول.
3 - رأس المال الاجتماعى، ويقصد به المرافق العامة ومشروعات البنية الأساسية ومؤسسات حفظ النظام، والأمن والعدالة، باعتبارها أصولا يتملكها المجتمع.
4 - رأس المال المعنوى ويقصد به الشهرة فى التجارة أو التصنيع أو العلامة التجارية، والذى يضمن تحقيق رقم مرتفع من المبيعات، وعلى ذلك فقد درج المحاسبون على تحديد قيمة نقدية للشهرة ضمن عناصر أصول رأس مال المشروع باعتبارها أصلا رأسماليا معنويا.
5 - الأوراق المالية والسندات باعتبارها مساهمات فى رؤوس أموال المشروعات تدر عائدا سواء فى صورة أرباح موزعة على كل سهم، وفائدة محددة تزاد على أصل قيمة السند فى تاريخ استحقاقه.
ويعتبر رأس المال أحد عناصر الانتاج حيث يشترك مع غيره من العناصرلتحقيق الإنتاج بدرجة تجعله محور التنمية الاقتصادية، ويحتل مكانا بارزا فى النظرية الاقتصادية للإنتاج والتوزيع، وفى نظرية النمو الاقتصادى فى نفس الوقت.
ويطلق تعبير "رأسمالية" للدلالة على النضام الاقتصادى القائم على تطبيق قواعد العرض والطلب فى السوق الحرة، وعلى حرية القطاع الخاص فى النشاط الاقتصادى، وعلى حق الملكية الخاصة للأفراد والمشروعات، وبحيث يكون تخصيص الموارد وتوزيع الدخل بمعرفة قوى السوق الحرة دون تدخل من السلطات الحكومية، التى تقتصر وظائفها على الدفاع والأمن والعدالة ومراقبة السوق والأسعار، ويعترف النظام الاقتصادى الرأسمالى بدور ثانوى للقطاع العام وفقا لما تقرره السلطات الحكومية فى مجال المنافع العامة، ذات الربحية الاجتماعية، وفى مجال الأنشطة الاستراتيجية.
أ. د/حمدى عبد العظيم
__________
الهامش:
1 - المعحم الوسيط، مجمع اللغة العربية، الطبعة الثالثة، القاهرة، 2/ 927.
2 - معجم مصطلحات الفقهاء، دار التراث القاهرة.
3 - أحكام القرآن، ابن العربى، مكتبة عيسى الحلبى، الطبعة الأولى، القاهرة،2/ 1302.

مراجع الاستزادة:
1 - لسان العرب، ابن منظور، دار صادر، بيروت.
2 - قاموس المصطلحات الاقتصادية، د محمد عمارة، دار الشروق، القاهرة.
3 - التنمية الاقتصادية، د. حمدية زهران، مكتبة عين شمس، القاهرة
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت