موسوعة السلطان قابوس لأسماء العرب
|
غَيَّارة
من (غ ي ر) مؤنث غَيَّار. |
التعريفات الفقهيّة للبركتي
|
الغِيار: بالكسر علامةُ أهل الذمة كالزُنَّار للمجوس. الغَيْب: كل ما غاب عنك والغيب في قوله تعالى: {{يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ}} [البقرة:3] ما لا يقع تحت الحواسِّ ولا تقتضيه بَداهة العقول، وإنما يعلم بخبر الأنبياء عليهم السلام، وبدفعه يقع على الإنسان اسمُ الإلحاد قاله الراغب.
|
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
إشكالية معاداة اليهود
معاداة السامية Anti-Semitism «معاداة السامية» ترجمة شائعة للمصطلح الإنجليزي «أنتي سيميتزم» . ونستخدم في هذه الموسوعة عبارة «معاداة اليهود» للإشارة إلى هذه الظاهرة. معاداة اليهود: المصطلح Anti-Semitism: Terminology «معاداة اليهود» ترجمة للمفهوم الكامن وراء العبارة الإنجليزية «أنتي سيميتزم» . والمعنى الحرفي أو المعجمي للعبارة هو «ضد السامية» ، وتُترجَم أحياناً إلى «اللاسامية» . وكان الصحفي الألماني اليهودي الأصل ولهلم مار (1818 ـ 1904) أول من استخدم هذا المصطلح عام 1879 في كتابه انتصار اليهودية على الألمانية ـ من منظور غير ديني. وقد صدر الكتاب بعد المضاربات التي أعقبت الحرب الفرنسية البروسية (1870 ـ 1871) والتي أدَّت إلى دمار كثير من المموِّلين الألمان الذين ألقوا باللوم على اليهود. ولو أُخذت العبارة بالمعنى الحرفي، فإنها تعني العداء للساميين أو لأعضاء الجنس السامي الذي يشكل العرب أغلبيته العظمى، بينما يُشكك بعض الباحثين في انتماء اليهود إليه. ولكن المصطلح، في اللغات الأوربية، يقرن بين الساميين واليهود ويوحد بينهم، وهذا يعود إلى جهل الباحثين الأوربيين في القرن التاسع عشر بالحضارات الشرقية، وعدم تكامل معرفتهم بالتشكيل الحضاري السامي أو بتنوع الانتماءات العرْقية والإثنية واللغوية لأعضاء الجماعات اليهودية. وهذا المصطلح يضرب بجذوره في الفكر العنصري الغربي الذي كان يرمي إلى التمييز الحاد بين الحضارات والأعراق، فميَّز في بداية الأمر بين الآريين والساميين على أساس لغوي، وهو تمييز أشاعه إرنست رينان (1823 ـ 1892) ، ثم انتقل من الحديث عن اللغات السامية إلى الحديث عن الروح السامية والعبقرية السامية مقابل الروح الآرية والعبقرية الآرية التي هي أيضاً الروح الهيلينية أو النابعة منها. ثم سادت الفكرة العضوية الخاصة بالفولك أو الشعب العضوي، ومفادها أن لكل أمة عبقريتها الخاصة بها ولكل فرد في هذه الأمة سمات أزلية يحملها عن طريق الوراثة، وانتهى الأمر إلى الحديث عن تفوُّق الآريين على اليهود (الساميين) ، هذا العنصر الآسيوي المغروس في وسط أوربا، كما دار الحديث عن خطر الروح السامية على المجتمعات الآرية. وشاع المصطلح منذ ذلك الوقت وقام الدارسون العرب باستيراده وترجمته كما فعلوا مع كم هائل من المصطلحات الأخرى. وبدلاً من ترجمة المصطلح، فقد فضلنا هنا توليد مصطلح جديد هو «معاداة اليهود» لأنه أكثر دقة ودلالة، كما أنه أكثر حياداً ولا يحمل أية تضمينات عنصرية ولا أية أطروحات خاطئة، كما هو الحال مع مصطلح «أنتي سيميتزم» . لكن بعض الكُتَّاب الغربيين يميلون إلى التمييز بين «معاداة اليهودية» و «معاداة السامية» حيث إن معاداة اليهودية، حسب تصوُّرهم، هي عداء ديني للعقيدة اليهودية وحدها، وبالتالي كان بإمكان اليهودي أن يتخلص من عداء المجتمع له باعتناق المسيحية. أما معاداة السامية، فهي عداء لليهود بوصفهم عرْقاً، وبالتالي فهي عداء علماني لاديني ظهر بعد إعتاق اليهود وتزايد معدلات اندماجهم. وهذا النوع من العداء يستند إلى نظريات ذات ديباجات ومسوغات علمية عن الأعراق عامة، وعما يُقال له «العرْق اليهودي» ، وعن السمات السلبية الافتراضية (الاقتصادية والثقافية) الثابتة والحتمية لليهود اللصيقة بعرْقهم! وتصحب مثل هذه الدراسات إحصاءات عن دور اليهود في التجارة والربا مثلاً، وفي تجارة الرقيق عامة والرقيق الأبيض على وجه الخصوص، ومعدلات هجرتهم، ثم يتم استخلاص نتائج عرْقية منها. وبالتالي، إذا كانت معاداة اليهودية تعبيراً عن التعصب الديني، فإن معاداة السامية، حسب هذه الرؤية، هي نتيجة موقف دنيوي بارد يستند إلى حسابات المكسب والخسارة وإلى الرصد "العلمي" لبعض السمات اللصيقة بما يُسمَّى «الشخصية اليهودية» . ويرى المنادون بهذا الرأي أن معاداة السامية بدأت في القرن التاسع عشر (أساساً) وإن كان بعضهم يرى أن عداء الدولة الإسبانية ليهود المارانو (وهم اليهود الذين تنصَّروا) هو عداء ذو دافع دنيوي إذ أن هؤلاء المارانو، بحسب إحدى النظريات، كانوا مسيحيين بالفعل. ولكن مقياس النقاء العرْقي (نقاء الدم) الذي حُكم به عليهم، لم يكن مقياساً دينياً وإنما كان مقياساً عرْقياً، وكان الدافع وراء اضطهادهم هو رغبة الأرستقراطية الحاكمة، أو بعض قطاعاتها على الأقل، في التخلص من طبقة بورجوازية جديدة صاعدة كانت تتهددها. ومن هنا، مُنع المارانو من الاستيطان في المستعمرات البرتغالية والإسبانية لتقليل فرص الحراك أمامهم. وهكذا، كانت هذه الحركة تعبِّر عن اتجاه دنيوي، ولكنها تستخدم الخطاب الديني لتبرير غاياتها. ومن هذا المنظور الطبقي العرْقي، يصبح اليهودي المندمج هو أكثر اليهود خطورةً، فهو يهودي (أي بورجوازي) يدَّعي أنه مسيحي ليحقق مزيداً من الحراك والصعود الاجتماعي. ولذا، لابد من وقفه والحرب ضده برغم تبنيه العقيدة المسيحية. وهذا الموقف يناقض الموقف القديم لمعاداة اليهود حيث كانت الكنيسة ترحب بمن تنصَّر. فالنبلاء البولنديون المسيحيون، على سبيل المثال، كانوا يتزوجون من أعضاء الأسر اليهودية المتنصرة حتى القرن الثامن عشر. وقبل ذلك، كان الوضع نفسه سائداً في مملكتي قشطالة وأراجون في القرن الخامس عشر. ومن المعروف أن الكنيسة وقفت ضد أي تعريف عرْقي لليهودي يخضعه للحتميات البيولوجية شبه العلمية، وبالتالي فتحت أمامه أبواب الخلاص. ولتبسيط الأمور، دون تسطيحها، سنستخدم عبارة «معاداة اليهود» ثم نضيف إليها عبارات تحدد مجالها الدلالي مثل «على أساس عرْقي» أو «على أساس ديني» ... إلخ، إن استدعى السياق ذلك. وقد اختلط المجال الدلالي للمصطلح تماماً في اللغات الأوربية بعد ظهور الصهيونية. وبعد سيطرة الخطاب الصهيوني على النشاط الإعلامي الغربي، لم تَعُد هناك تفرقة بين ظاهرة معاداة اليهود في الدولة الرومانية وظاهرة معاداة اليهود في العصور الوسطى المسيحية. ولم يَعُد هناك تمييز بين معاداة اليهود على أساس عرْقي وبين معاداة اليهود على أساس ديني. وأصبحت معاداة الصهيونية، بل والدولة الصهيونية هي الأخرى، تُصنَّف باعتبارها من ضروب معاداة اليهود. وحينما كانت دول الكتلة الشرقية تصوت ضد إسرائيل في هيئة الأمم المتحدة، كان هذا يُعدُّ أيضاً تعبيراً عن تقاليد معاداة اليهودية الراسخة فيها. وبالمثل اعتُبر قيام فرنسا ببيع طائرات الميراج لليبيا تعبيراً عن الظاهرة نفسها. بل ويذهب أنصار هذا الرأي إلى أن نضال الشعب الفلسطيني ضد الاستيطان الصهيوني تعبير عن الظاهرة نفسها. وهكذا اتسع المجال الدلالي للمصطلح واضطرب ليضم عدة ظواهر لا يربطها رابط، حتى أصبح بلا معنى، وأصبح أداة للإرهاب والقمع الفكريين. المعاداة البنيوية للسامية (أي لليهود واليهودية) Structural Anti-Semitism » المعاداة البنيوية للسامية» مصطلح يشير إلى بنية المجتمع حين تتشكل علاقاته بطريقة لا تسمح بوجود أعضاء الجماعات اليهودية، أي أن بنية المجتمع نفسها تلفظ اليهود، وتحولهم إلى شعب عضوي منبوذ، بغض النظر عن نية أعضاء المجتمع. ومما لا شك فيه أن علاقات مجتمع ما ممكن أن تتشكل بطريقة تجعل من العسير على أعضاء الجماعات اليهودية الاستمرار فيه، خصوصاً إذا كانوا أعضاء في جماعة وظيفية. ويرى الصهاينة أن معظم أشكال معاداة اليهود أشكال بنيوية، أي لصيقة ببنية المجتمع. وتحاول الصهيونية العمالية أن تبرهن على وجود هذه المعاداة البنيوية للسامية من خلال تحليل علاقات الإنتاج في المجتمع لتصل إلى نتيجة مفادها أن المجتمعات البشرية لا تسمح لليهودي أن يعمل في القطاعات الإنتاجية وأن اليهودي من ثم محكوم عليه بالهامشية والطفيلية، وأن الحل الوحيد لهذه الهامشية البنيوية أن يؤسس اليهود لهم وطناً يمارسون فيه سيادتهم القومية ويشغلون فيه كل المواقع في الهرم الإنتاجي. ويذهب الصهاينة إلى أن معاداة اليهود ليست لصيقة ببنية المجتمع وحسب، بل لصيقة ببنية النفس البشرية. وهذا ما عبَّر عنه شامير بشكل سوقي حين قال إن البولنديين يرضعون معاداة اليهود مع لبن أمهاتهم. ويرى الصهاينة أن العرب والمسلمين يعانون من الظاهرة نفسها، أي المعاداة البنيوية للسامية. والعلاقة بين «المعاداة البنيوية للسامية» و «الصهيونية البنيوية» علاقة قوية، فإذا كانت الأولى تعني ظهور بنية تلفظ اليهود وحسب، فإن الثانية تعني توظيف عناصر الطرد بحيث يتجه المهاجرون اليهود إلى فلسطين. ولعل ما حدث في العراق في الخمسينيات أنصع مثل لذلك. فحين أدركت الحكومة الإسرائيلية أن يهود العراق لن يهاجروا إليها وأنهم آثروا البقاء في وطنهم، أرسلت مبعوثيها فوضعوا المتفجرات في أماكن تجمُّع اليهود ومعابدهم، لإقناعهم بأن المجتمع العراقي يلفظهم، أي أنهم أعادوا تشكيل بنية العلاقات السائدة بين أعضاء الأغلبية وأعضاء الأقلية، بحيث يصبح المجتمع مجتمعاً طارداً لأعضاء الجماعة اليهودية. وهذه هي معاداة اليهود البنيوية. ولكن الحكومة الإسرائيلية كانت تعرف مسبقاً أن المجال الوحيد المفتوح أمام يهود العراق هو الهجرة إلى فلسطين المحتلة، وهذه هي الصهيونية البنيوية. ويمكن القول بأن ألمانيا أسَّست مجتمعاً معادياً لليهود بشكل بنيوي، ولكن من خلال اتفاقية الهعفراه بين النازيين والصهاينة أصبحت المعاداة البنيوية للسامية صهيونية بنيوية. معاداة اليهود: الأسباب وتكوين الصور النمطية (Anti-Semitism (Causes and the Process of Stereotyping يُفسِّر الصهاينة معاداة اليهود بأنها تعود إلى كُره الأغيار لليهود عبر العصور، وهو تفسير من العمومية بحيث لا يُفسِّر شيئاً البتة. فإذا كان كره الأغيار لليهود ظاهرة ميتافيزيقية متأصلة، فإن المنطقي هو أن يُعبِّر هذا الكُره عن نفسه بشكل مطلق، أي بالطريقة نفسها بغض النظر عن الزمان والمكان. ولكن تاريخ عداء اليهود تاريخ طويل ومتنوع ويفتقر إلى الاستمرار التاريخي كما تختلف دوافعه وأسبابه. ومن المعروف أن الجماعات اليهودية توجد داخل تشكيلات حضارية مختلفة، وكانت تنشأ توترات مختلفة بينها وبين أعضاء الأغلبية. وبرغم أن سائر أحداث التوتر هذه يُشار إليها بمصطلح «معاداة اليهود» على وجه العموم، فإن المصطلح يكتسب مضمونه الحقيقي والمحدد من خلال التشكيلات الحضارية المختلفة، ولذلك، فإن الدلالة تختلف من تشكيل إلى آخر. والواقع أننا لو أخذنا بالتفسير الصهيوني وجعلنا من مختلف الأحداث التي تُعبِّر عن العداء لليهود ظاهرة واحدة، لأصبح العنصر الثابت الوحيد هو اليهود، وحينذاك يصبح اليهود هم المسئولين عن الكراهية التي تلاحقهم والعنف الذي يحيق بهم، وهو تحليل عنصري مرفوض طرحه محامي أيخمان بشكل خطابي أثناء الدفاع عنه في إسرائيل. فاليهود يُشكِّلون جماعات مختلفة وغير متجانسة لكلٍّ منها ظروفها ومشاكلها. ويمكن القول بأن العداء لليهود، بوصفه شكلاً من أشكال العداء للأقليات والغرباء والأجانب (و «الآخر» على وجه العموم) ، هو إمكانية كامنة في النفس البشرية التي تنفر من كل ما هو غير مألوف، وبالتالي فهو إمكانية كامنة في كل المجتمعات. كما أن هناك بشراً في كل مجتمع لا يقنعون بما لديهم من ثروة أو رزق، ويرغبون دائماً في الاستيلاء على ما يملكه الآخرون، وبخاصة ما يمتلكه أعضاء الأقلية الذين لا يتمتعون عادةً بالحصانات نفسها وبالاستقرار نفسه الذي يتمتع به أعضاء الأغلبية. ومع هذا، تظل هذه الأفكار والدوافع في حالة كمون ولا تعبِّر عن نفسها إلا من خلال أفعال عنف وكره فردية متفرقة أو من خلال أشكال من التحايل على أعضاء الأقلية أو من خلال أعمال أدبية أو قصص أو أساطير، مادام المجتمع مستقراً ولكل عضو فيه وظيفته. ولكن ثمة عناصر تؤدي إلى تحوُّل هذه الدوافع النفعية من حالة الكمون إلى حالة التحقق حيث تتعدد الأفعال الفردية وتصبح ظاهرة اجتماعية، وتتغلغل في بنية المجتمع ذاته. ولعل من أهم الأسباب التي أدَّت إلى ظهور معاداة اليهود وانتقالها من حالة الكمون إلى مستوى البنية الاجتماعية أن معظم الجماعات اليهودية كانت تشكل جماعات وظيفية قتالية وتجارية في المجتمعات القديمة، وكذلك في المجتمع الغربي في العصر الوسيط حتى القرن التاسع عشر. وقد كانت الجماعات الوظيفية تتكون دائماً من عناصر بشرية غريبة عن المجتمع حتى يمكنها أن تضطلع بوظائف كريهة أو مشبوهة أو متميِّزة تتطلب الموضوعية وعدم الانتماء، مثل: التجارة والربا والقتال والبغاء. ولذا، نجد أن موقف أعضاء الجماعات الوظيفية من المجتمع يتسم بالحياد والنفعية، فهم ينظرون إلى مجتمع الأغلبية باعتباره سوقاً أو مصدراً للربح، كما ينظر أعضاء المجتمع إليهم باعتبارهم أداة لتنشيط التجارة أو القتال. وكان يُنظَر إليهم في المجتمعات التقليدية باعتبارهم وسيلة لا غاية وأداة من أدوات الإنتاج لا أكثر، ولذلك كان أعضاء الجماعة لا حرمة لهم في كثير من الأحيان (فهم غرباء) والغريب في معظم الأحوال مباح لا قداسة له. وفي العادة، يتركز أعضاء الجماعات الوظيفية الوسيطة في قطاعات اقتصادية بعينها يبرزون فيها، الأمر الذي يجعلهم مركزاً للكره والحسد. وعلاوة على ذلك، يدافع أعضاء الجماعة الوظيفية عن مراكزهم الاقتصادية هذه بشراسة وضراوة غير عادية نظراً لعدم وجود بدائل أخرى متاحة أمامهم، فهم عادةً ما يفتقدون الخبرة اللازمة للزراعة والصناعة، ولا يعرفون كثيراً من الحرف بسبب غربتهم وتنقلهم. كما أنهم يدافعون عن مراكزهم الاقتصادية عن طريق شبكة الأقارب والعائلات، الأمر الذي يثير حولهم الشائعات عن عمق بغضهم وكرههم لأعضاء الأغلبية ( «الأغيار» في مصطلح الجماعات اليهودية) . وفي كثير من الأحيان، يحقق أعضاء الجماعات الوظيفية الوسيطة، اليهودية وغير اليهودية، تراكماً للثروة بشكل أسرع من أعضاء مجتمع الأغلبية، نظراً لاستعدادهم لحرمان أنفسهم من كثير من مباهج الحياة، فهم غير منتمين إلى المجتمع كما أن الثروة هي مصدر قوتهم ومبرر وجودهم. وفي حالة اليهود في بولندا، على سبيل المثال، كانت الأرستقراطية البولندية تؤكد مكانتها عن طريق الإنفاق والتبذير، وأصبح هذا هو المثل الأعلى لقطاعات الشعب البولندي كافة، الأمر الذي لم يشارك فيه أعضاء الجماعة اليهودية الذين كانوا يؤثرون الادخار وسرعة تراكم الثروة. وهذا الوضع يزيد، بلا شك، حسد الجماهير. ولكن أعضاء الجماعات الوظيفية الوسيطة، برغم غربتهم وتميزهم، كانوا يجدون أنفسهم في قلب الصراعات المختلفة في المجتمع، وبخاصة الصراعات الناشبة بين أعضاء النخبة الحاكمة وبين الطبقات الأخرى للمجتمع، خصوصاً الطبقات الشعبية، إذ أن قطاعات من النخبة الحاكمة كانت تستخدم أعضاء الجماعات الوظيفية الوسيطة لضرب بعض طبقات المجتمع لاستغلالها أو كبح جماحها. فأعضاء الجماعة هم سوط في يد الحاكم، أو هكذا كان يراهم المحكومون، ولكنهم أيضاً كبش الفداء الذي يتم التخلص منه عند الحاجة وأمام الهجمات الشعبية، فالأداة ليست غاية في ذاتها. ورغم أن هذه الهجمات على الجماعات اليهودية (الوظيفية) في الغرب تُعدُّ هجمات عنصرية، فيجب ألا نهمل الجانب الشعبي فيها وأنها تمثل جزءاً من تمرُّد الجماهير على عملية الاستغلال، وإن كان تمرداً قصير النظر، كما هو الحال عادةً مع الهبّات الشعبية. ولم تكن هذه الثورات ثمرة إدراك عميق لحركيات الاستغلال، ولذا اقتصرت على تحطيم الأداة الواضحة أمامهم والمباحة لهم. ويقابل الهجمات الشعبية ضد أعضاء الجماعات اليهودية الانفجارات المشيحانية بينهم، فهي انفجارات تُعبِّر عن ضيق قطاعات أعضاء الجماعات اليهودية بوضعهم الاقتصادي والوظيفي والنفسي. لكن هذا الوضع ليس وضعاً عاماً ولا عالمياً ينطبق على كل اليهود في كل زمان ومكان، فهو ينطبق بالأساس على الجماعات اليهودية في العالم الغربي، وبالذات منذ بداية العصور الوسطى وحتى القرن الثامن عشر كما ينطبق على كثير من الأقليات الأخرى. ولذا، فهو يَصلُح إطاراً تفسيرياً لمعظم جوانب ظاهرة معاداة اليهود باعتبار أن أغلبية يهود العالم كانوا يوجدون في أوربا مع نهاية القرن الثامن عشر، وفي بولندا على وجه الخصوص. والجماعة الوظيفية الوسيطة ـ كما أسلفنا ـ تضطلع بوظيفة مهمة في المجتمع. وبالتالي، فإن وجودها في حد ذاته لا يؤدي بالضرورة إلى تحوُّل العداء الكامن إلى هجوم شعبي. لكن مثل هذا التحول يحدث في ظروف معينة من بينها ما يلي: 1 ـ في المراحل الانتقالية، حينما تحل طبقة جديدة محلية أو عالمية محل الجماعة الوظيفية الوسيطة، أو حينما تطوِّر الدولة أجهزة مركزية تضطلع بوظائف هذه الجماعة. 2 ـ تزايد نصيب الجماعة الوظيفية الوسيطة من الثروة مع تزايد الفقر في المجتمع أو في بعض شرائحه. 3 ـ تزايد أعداد أعضاء الجماعة الوظيفية الوسيطة وهو ما يزيد من بروزهم. 4 ـ غياب الأعداء المشتركين للأغلبية ولأعضاء الجماعة الوظيفية الوسيطة، أو تحالف أعضاء الجماعة الوظيفية الوسيطة مع العدو الخارجي. 5 ـ وضوح أعضاء الجماعة وتميزهم بعلامات عرْقية أو ثقافية لا يمكن محوها مثل اللون أو شكل العيون أو اللغة. 6 ـ وجود تميز ثقافي أو ديني أو عرْقي أو اجتماعي يساهم في عزل الأقلية عن الأغلبية، فالعزلة هنا ليست على مستوى واحد وإنما على جميع المستويات. ولتوضيح النقطة الأخيرة، يمكن الإشارة إلى وضع الصينيين في إندونيسيا، والهنود في جنوب أفريقيا، ويهود اليديشية في أوكرانيا حينما كانت تابعة لبولندا. فالنخبة الحاكمة كانت هولندية مسيحية في إندونسيا، إنجليزية مسيحية في جنوب أفريقيا، بولندية كاثوليكية في بولندا. وكانت الجماهير إندونيسية (جاوية) مسلمة أو وثنية في إندونيسيا، سوداء وثنية في جنوب أفريقيا، وأوكرانية أرثوذكسية في أوكرانيا. أما الجماعة الوظيفية الوسيطة التجارية، فكانت صينية كونفوشيوسية في إندونيسيا، هندية (هندوكية أو مسيحية أو مسلمة) في جنوب أفريقيا، يهودية في أوكرانيا. كما كانت تفصل الجماعة الوظيفية الوسيطة عن النخبة وعن الجماهير عدة سمات أخرى (لغوية وثقافية) . وحينما يصل التدرج إلى هذه الدرجة من التبلور، وحينما تدعم الاختلافات الدينية والثقافية والعرْقية الاختلافات الطبقية، تصبح التربة مهيأة لانفجارات اجتماعية هائلة ذات أبعاد عرْقية كما حدث بالفعل في انتفاضة شميلنكي. وقد كان يهود بولندا هم أغلبية يهود العالم في أواخر القرن الثامن عشر. وفي هذه المرحلة التاريخية، حدث بينهم أيضاً انفجار سكاني أدَّى إلى تزايد عددهم خمسة أو ستة أضعاف، ومن ثم زاد بروزهم العددي والاقتصادي. كما شهد المجتمع البولندي آنذاك بداية ظهور طبقات محلية بديلة وأجهزة قومية تحل محل الجماعة الوظيفية الوسيطة. وتزايد في هذه المرحلة فقر قطاعات كثيرة من المجتمع البولندي. وفضلاً عن ذلك، كان أعضاء الجماعة اليهودية يتحدثون اليديشية ويدينون بشيء من الولاء للثقافة الألمانية، بينما كان الألمان هم الأعداء التقليديون للسلاف والبولندين. كما أن أعضاء الجماعة اليهودية لم يشاركوا بشكل فعَّال في الحركة الوطنية البولندية التي كانت ذات تَوجُّه معاد لليهود لأسباب تاريخية مركبة (من أهمها اضطلاع اليهود بوظيفة جمع الضرائب وعوائد الضياع فيما يسمى بنظام «الأرندا» ) . لكل هذا، تفجرت معاداة اليهودية في بولندا وروسيا بشكل حاد. ومن القضايا التي يجب أخذها في الاعتبار، أثناء دراسة ظاهرة معاداة اليهود، الإطار السياسي العام الذي يتم فيه هذا العداء. ويتضح هذا في موقف الإمبراطورية الرومانية حين صبَّت جام غضبها على العناصر المتمردة في فلسطين التي كانت تهدد السيطرة الإمبراطورية، ولكنها تحالفت في الوقت نفسه مع أثرياء اليهود الذين كانت مصالحهم مرتبطة بمصلحة الإمبراطورية. ومما يجدر ذكره، أنه كان يوجد جيش يهودي بقيادة أجريبا الثاني يعمل تحت قيادة تيتوس قائد القوات الرومانية التي حطمت الهيكل. فالمسألة لم تكن إذن عداءً لليهود (أو حباً لهم) بقدر ما هي مسألة مصالح إمبراطورية. ويتضح الشيء نفسه في موقف الإمبراطورية البريطانية التي قامت بتأييد مشروع الاستيطان الصهيوني ودعمه رغم وجود قطاع داخل أعضاء النخبة الحاكمة الإنجليزية (وبين الطبقات الشعبية) يكن الكراهية لليهود، خصوصاً المهاجرين. فالمصالح الإمبراطورية (لا حب اليهود) هي التي دفعت إنجلترا إلى تبنِّي المشروع الصهيوني. وفي فترة لاحقة، نشأ توتر بين المستوطنين الصهاينة والإمبراطورية الراعية (وهو أمر عادةً ما يحدث لأن مصالح الإمبراطورية تكون عادةً أكثر تركيباً وشمولاً واتساعاً من مصالح المستوطنين) . فتعقبت السلطات الإنجليزية من سمّتهم «العناصر المشاغبة أو المتطرفة» بين المستوطنين، وقد فُسِّر ذلك بأنه عداء لليهود وهو أبعد ما يكون عن ذلك. ولعل أكبر دليل على هذا أن أعضاء الجماعة اليهودية داخل إنجلترا كانوا يتمتعون بجميع حقوقهم في ذلك الوقت. ولو أن الأمر كان عداء مطلقاً لليهود، لبدأت عملية التعقب في لندن لا في فلسطين. ومن العناصر الأخرى التي يجب الانتباه إليها عند تحديد ظاهرة معاداة اليهود: مدى قرب أو بعد أعضاء الجماعة الوظيفية الوسيطة اليهودية من النخبة وما إذا كانت ظاهرة معاداة اليهودية ظاهرة رسمية أم شعبية. ويمكن الإشارة إلى أن أعضاء الجماعات اليهودية في التشكيل الحضاري الغربي كانوا دائماً تحت حماية النخبة الحاكمة حتى نهاية العصور الوسطى (وربما بعدها أيضاً) . وفي روسيا القيصرية، على سبيل المثال، لم تشترك المؤسسة الحاكمة في اضطهاد اليهود إلا بعد عام 1882، مع دخول النظام القيصري أزمته، وبعد تَعثُّر التحديث، وهي فترة لم تدم طويلاً. وقد استؤنف التحديث مع ثورة روسيا عام 1905، ثم الثورة البلشفية، وأصبحت معاداة اليهود جريمة رسمية يُعاقب عليها القانون. وحتى قبل ذلك التاريخ، كانت تتم معاقبة من يقومون بالمذابح الشعبية، وكان التمييز ضد أعضاء الجماعات اليهودية يتم داخل إطار القانون (إن صح التعبير) ويهدف إلى ما كان يُسمَّى «إصلاح اليهود» . كما كان هناك التمييز بين اليهود النافعين واليهود غير النافعين، وكان النافعون يُعطَون حقوقهم كاملة ويتحركون خارج منطقة الاستيطان. هذا على عكس المعاداة الشعبية لليهود والتي لم يكن ينتظمها إطار، وكانت عبارة عن تفجرات تُعبِّر عن الإحباط، ومذابح لا تهدف إلا للتنفيس عن الضغط. ويمكن النظر إلى الظاهرة النازية، من هذا المنظور، باعتبارها ظاهرة حديثة. فعملية الذبح والإبادة (هنا) مسألة منهجية، تتم تحت سمع وبصر الحكومة، وبحكم القانون، وعلى أسس علمية ومن خلال بيروقراطيات متخصصة. وقد يكون من المستحسن أن نرى هذا النوع من معاداة اليهود كجزء من سياسة ألمانيا الكولونيالية التي تهدف إلى إبادة الغجر والسلاف وكل من يعيشون في المجال الحيوي لألمانيا، وهذه عملية تشبه من بعض الوجوه عملية إبادة الجزائريين في فرنسا على يد الفرنسيين، وسكان الكونغو على يد البلجيك، والفلسطينيين على يد الصهاينة، فهي ليست استمراراً لتقاليد معاداة اليهود السابقة. واختلافها الوحيد عن عمليات الإبادة الكولونيالية المشابهة أنها تمت جغرافياً داخل أوربا. ومن الضروري أن تُدرَس العمليات الفكرية والذهنية التي يتعامل المعادون لليهود من خلالها مع الواقع الإنساني المركب. ويمكن القول بأن الفكر العنصري عامة، بما في ذلك فكر معاداة اليهود، فكر اختزالي ينحو نحو تجريد الضحية من خصائصها الإنسانية المركبة والمتعينة بوصفها كياناً إنسانياً له سلبياته وإيجابياته حتى تتحول إلى شيء مجرد يجسد سمة أو جوهراً معيَّناً. وقد يلجأ العنصري إلى اختلاق الحقائق والأكاذيب، ولكن هذا أمر نادر إذ أن الفكر العنصري، خصوصاً في عصر العلم، يحاول أن يُقدم قرائن وحججاً على صدق مقولاته يستخلصها من الواقع، من خلال عمليات فكرية تنحو نحو التجريد والتبسيط والتسطيح والاختزال، مثل: 1 ـ التركيز على عنصر من الواقع دون غيره، كأن يركز العنصري على إحدى سلبيات بعض أعضاء الجماعات اليهودية (كاشتغالهم بتجارة الرقيق الأبيض) وعزلهم عن إيجابياتهم (الحرب الشرسة من جانب الجماعات اليهودية ضد هذه التجارة) . 2 ـ تعميم ما يرتكبه بعض أعضاء الجماعات اليهودية من جرائم أو أخطاء على كل أعضاء الجماعات اليهودية، ثم التركيز بعد ذلك على ما يُسمَّى «الشخصية اليهودية» بكل ما تتسم به من شرور وعنف مزعومين. 3 ـ فصل أعضاء الجماعات اليهودية عن سياقهم الاجتماعي والحضاري الذي قد يفسر سلوكهم السلبي، عدم الربط بين الجماعات اليهودية وغيرها من الجماعات البشرية التي قد تشترك معها في الصفات السلبية نفسها، وذلك بهدف خلع صفة الإطلاق على صفات اليهود حتى تكتسب بعداً نهائياً وتبدو كأنها مقصورة عليهم دون سواهم من البشر. 4 ـ إسقاط عناصر عدم التجانس بين الجماعات اليهودية المختلفة وعناصر الاختلاف والصراع بين أعضائها وإسقاط واقع انقسامهم إلى طبقات وجماعات مختلفة، فيصبح اليهود كلاًّ واحداً متجانساً يُسمَّى «الشعب اليهودي» أو «اليهود» . ولنضرب مثلاً على هذه العمليات الفكرية الاختزالية الأربع بالتهمة التي عادةً ما توجَّه إلى أعضاء الجماعات اليهودية، أي الاشتغال بالرقيق الأبيض كقوادين أو بغايا. وهذه حقيقة مادية وإحصائية، ففي الفترة من 1881 وحتى 1935 كان ثمة وجود يهودي ملحوظ في هذه التجارة المشينة. ولكن العمليات الفكرية العنصرية تركز على هذا العنصر السلبي وتعزله عن إيجابيات اليهود (فقد كانت أعداد كبيرة منهم تعمل في مهن شريفة، كما أن أعضاء الجماعات اليهودية في العالم ساهموا بكل قواهم في القضاء على هذه التجارة المشينة بين اليهود) . ومن ناحية أخرى، يُطلق أعداء اليهود هذه الصفة على كل اليهود أينما كانوا مع أن نسبة اليهود المشتغلين بهذه التجارة قد تكون أعلى من نسبة المشتغلين بها بين الأغلبية، ولكنها على أية حال كانت نسبة مئوية ضئيلة بالنسبة لعدد أعضاء الجماعة اليهودية. أما العملية الفكرية الثالثة، أي فصل اليهود عن سياقهم الاجتماعي والتاريخي، فهي أهم العمليات. وفي الواقع، فإنه لا يوجد أي ذكر للجماعات البشرية الأخرى التي اشتغلت بتجارة الرقيق الأبيض في الفترة نفسها، ولا لواقع أن الجماعات اليهودية في أوربا كانت تتمتع حتى منتصف القرن التاسع عشر بمعدلات عالية من التماسك الخلقي والاجتماعي يفوق المعدلات السائدة بين أعضاء الأغلبية، حتى أن ظاهرة الأطفال غير الشرعيين كانت غير معروفة تقريباً بينهم قبل عمليات التحديث والعلمنة التي حدث بعدها الانحلال الخلقي. أما العملية الرابعة فهي كامنة وراء العمليات السابقة كافةً. وكثيراً ما تنعكس هذه العمليات الفكرية في أساطير وصور إدراكية ثابتة تنسب إلى اليهود خصائص سلبية ثابتة. كما أن وجود مثل هذه الأساطير والصور يبلور الأفكار العنصرية الكامنة ثم يساعدها على التحقق. ويمكن أن تكون هذه الأنماط الثابتة متناقضة؛ كأن يتبع فريق داخل المجتمع نمطاً معيَّناً ويتبع فريق آخر نمطاً آخر يناقض النمط الأول، مثل نمطي اليهودي الجبان الذي يخاف من أي شيء واليهودي العدواني الذي لا يخشى شيئاً. وقد اتضحت هذه الظاهرة في العصر الحديث في الغرب، فاليهودي هو من كبار المموِّلين وهو أيضاً المتسول، وهو رمز الجيتوية والتخلف الديني والانفتاح المخيف والعلمانية المتطرفة، وهو رمز الرجعية والثورة والإقطاعية والليبرالية. فإذا كان كارل ماركس يهودياً وكان روتشيلد يهودياً ومائير كاهانا يهودياً ومارلين مونرو يهودية، وكذلك فرويد وأينشتاين ونعوم تشومسكي، فلابد أن هناك ما يجمع بينهم. وحينما يفشل الدارس في العثور على هذا العنصر، فإنه يكمله من عنده ويفترض وجود مؤامرة خفية تجمع بينهم وأنهم ولا شك يحرصون على إخفائها. ولكن التناقض، على كلٍّ، أمر لا يضايق العنصريين بتاتاً، فالإنسان العنصري إنسان غير عقلاني (فهو مرجعية ذاته) لا يقبل الاحتكام إلى أية قيم أخلاقية تتجاوزه وتتجاوز الآخر، فهو يؤمن بشكل قاطع بأن تميزه أمر لصيق بكيانه وكامن فيه تماماً مثل تَدنِّي الآخر، وبالتالي فإن العنصري يبحث دائماً عن قرائن في الواقع ينقض عليها كالحيوان المفترس أو الطائر الجارح فيلتقطها ويعممها ليبرر حقده. بل ويمكن أن يُوظِّف هذا التناقض ذاته بين الصور الإدراكية بحيث يشير إلى مدى خطورة المؤامرة اليهودية العالمية الأخطبوطية التي تسيطر على سائر مجالات الحياة، وتسيطر على اليمين واليسار، وعلى الشمال والجنوب والشرق والغرب. ولابد أيضاً من دراسة نوعية الفلسفة الاجتماعية (أو العامة) السائدة في المجتمع. فوجود فلسفة اجتماعية عنصرية في المجتمع يخلق تربة خصبة للتفجرات العنصرية. كما أن وجود فلسفات بعينها ـ كأن تكون الفلسفة العامة في المجتمع رؤية علمانية إمبريالية تتحدث عن التفوق والغزو وإرادة القوة ـ قد يساعد أيضاً على إنبات بذور الفكر العنصري الكامن. ويمكن القول بأن الفكر العنصري يُعبِّر عن نفسه من خلال أي نسق فكري متاح في المجتمع. فعلى سبيل المثال، من الثابت أن فلسفة نيتشه زودت العنصريين وأعداء اليهود بإطار فكري يتمتع بالاحترام والمصداقية. ولكن يمكن القول أيضاً بأن العنصريين كانوا سيجدون تسويغاً لفكرهم في أي مصدر وفي أي نسق فكري متاح. ولو لم يُقدِّم نيتشه فلسفته، لوجد العنصريون تبريراً لمواقفهم من خلال أنساق فلسفية أخرى يستولون عليها ثم يقومون بتطويعها وتوظيفها لخدمة رؤيتهم وأهدافهم. وفي هذا شيء من الحق، ولكن الأفكار العرْقية المتبلورة التي تأخذ شكل أساطير مثيرة وصور إدراكية ثابتة تظل، مع ذلك، تلعب دوراً مهماً. كما أن أنساقاً فلسفية، مثل التفكير النيتشوي (الدارويني) الذي يسقط حرمة المطلقات كافة، ومنها الإنسان، يمكن أن تطوَّع لخدمة الفكر العنصري أكثر من أنساق فكرية أخرى. ولعل المناخ الفكري العام الذي ساد أوربا في القرن التاسع عشر، بحديثه عن التفوق الآري ورسالة الإنسان الأبيض والبقاء للأصلح، قد خلق ارتباطاً اختيارياً وتربة خصبة لنمو معاداة اليهود. ومن الثابت الآن أن أكثر الكتب شيوعاً آنذاك، في أوربا، كانت الكتب العنصرية. كما أن محاولة تعريف الواقع بأسره (بما في ذلك الإنسان) على أساس مادي، ساعد على نمو النظريات التي تحاول تعريف الجماعات البشرية من منظور عرْقي. ولكن النظريات المادية نظريات حتمية، فتطور المادة غير خاضع لعقل الإنسان أو اختياراته، وإذا عُرِّف الإنسان على أساس عرْقي فهذا يعني أنه يُولَد بصفاته ومن ثم فهو غير مسئول عنها، ومن هنا فإن شخصيته وهويته في جسده لا في وضعه الاجتماعي. ولذا، يمكننا القول بأن النظريات البيولوجية التي تحاول تعريف الإنسان في كليته على أساس بيولوجي مادي تخلق قابلية داخل المجتمع للعنصرية والعداء لليهودية، إذ تصبح الصفات السلبية لليهودي شيئاً حتمياً لصيقاً بجوهره. وتجب الإشارة إلى أن الإيمان بالحتمية المادية ليس مقصوراً على النظريات البيولوجية بل هو كامن في كثير من الأنساق المعرفية التي سادت أوربا في القرن التاسع عشر. بل إن بعض المفكرين المسيحيين يذهبون إلى أن المصدر الأساسي، بل والنهائي، لمعاداة اليهود ليس المسيحية، كما قد يتبادر إلى الذهن، وإنما العداء للمسيحية وللدين بشكل عام، إذ أن مثل هذا العداء يحوِّل الآخر إلى شيء ويُنكر عليه إنسانيته ولا يفتح أمامه أبواب الخلاص (وقد لا يكون من قبيل الصدفة أن العنوان الفرعي لكتاب ويلهلم مار انتصار اليهودية على الألمانية هو: من منظور غير ديني) . كما أن الحركة النازية، وهي الحركة التي بلورت معاداة اليهودية وأضفت عليها منهجية وشمولاً، كانت تعادي الكنائس كلها وأرسلت بالعشرات من رجال الدين المسيحيين إلى أفران الغاز وكانت تُحرِّم على أعضاء فرق الإس إس الخاصة الانضمام إلى أية كنائس مسيحية باستثناء الكنيسة القومية التي أسسها النازيون أنفسهم. ولقد أشرنا من قبل إلى اتجاه العنصريين إلى تجريد اليهود واختزالهم عن طريق عزلهم عن سياقهم التاريخي وعن غيرهم من الجماعات البشرية. وهنا نضيف أن الصهاينة يفعلون الشيء نفسه في دراستهم لما يلحق اليهود من اضطهاد، فهم يقومون بعزل ظاهرة اضطهاد اليهود عن الظواهر المماثلة أو المختلفة في المجتمع. وبهذه الطريقة، يصبح هذا الاضطهاد شيئاً فريداً غير مفهوم ويصبح عداء الأغيار لليهود أمراً ثابتاً وتعبيراً عن الطبيعة الشريرة للأغيار. ولذا، فحينما يُدرَس الاضطهاد، فإنه لابد من وضعه في سياقه التاريخي حتى يمكننا أن نرى أثر هذا الاضطهاد على جماعات بشرية أخرى. ويمكن القول بأن اضطهاد اليهود في أوربا (بعد القرن الثاني عشر) لم يكن موجَّهاً إليهم باعتبارهم يهوداً وإنما باعتبارهم مرابين (جماعة وظيفية وسيطة) ، كما أن المرابين من الكوهارسين واللومبارد الذين كانوا يحتلون المكان نفسه ويعملون الوظيفة نفسها كانوا يتعرضون أو لا يتعرضون للاضطهاد حسب مدى احتياج المجتمع إليهم أو عدم احتياجه. وبعد عصر الإعتاق والانعتاق، قامت الدولة الفرنسية الجديدة بمحاولة دمج كل الأقليات التي كانت تتمتع بأية خصوصية لغوية أو دينية غير فرنسية، ولم تميِّز في ذلك بين اليهود والبريتون مثلاً. وحينما قامت الإمبراطورية الروسية (القيصرية) بمحاولة فرض الصبغة الروسية على أعضاء الجماعة اليهودية، كانت تفعل ذلك باعتباره جزءاً من سياسة إمبراطورية عليا كانت موجهة ضد كل الجماعات البشرية في الإمبراطورية، وبخاصة غير السلافية (الإيروسنتي) . وقد تعرَّض المسلمون في الإمارات التركية السابقة لدرجة أعلى من الاضطهاد، فقد كانوا أقل تروُّساً، كما أن الانتماء الآسيوي للمسلمين الأتراك جعلهم أكثر ابتعاداً عن الحضارة الروسية من اليهود الذين كانوا أكثر قرباً منها. فرطانتهم اليديشية هي، في نهاية الأمر، رطانة ألمانية، كما أن نخبتهم الثقافية كانت جزءاً من التشكيل الحضاري الغربي. وبالمثل، كان الاضطهاد النازي اضطهاداً علمياً محايداً لا تمييز فيه ولا تحيُّز، وقد كان موجهاً ضد جميع العناصر «غير المفيدة» التي يصنفها المجتمع باعتبارها كذلك، مثل: العجزة، والأطفال المعوقين الذين صنِّفوا بوصفهم «أفواه تأكل لا نفع لها» ، والغجر، والسلاف، واليهود. وهناك هولوكوست ضد البولنديين (على يد كلٍّ من السوفييت والنازيين) راحت ضحيته عدة ملايين. ويُلاحَظ أن الجماعة الوظيفية الوسيطة الصينية في الفلبين كانت تُعامَل معاملة الجماعة الوظيفية الوسيطة اليهودية في بولندا تماماً، كما يُلاحَظ أن كل أشكال الاضطهاد التي تعرَّض لها يهود بولندا واجهها الصينيون في الفلبين. ويمكن القول بأن معاداة اليهود، كظاهرة، لن تختفي تماماً من المجتمعات الغربية، فهي مجتمعات بشرية تتسم بقدر من التوتر والاحتكاك بين أعضاء الأغلبية وأعضاء الأقلية. ومع هذا، فعادةً ما تخف حدة معاداة اليهود حين يتحول أعضاء الجماعة اليهودية من جماعة وظيفية وسيطة متميِّزة تميُّزاً واضحاً، إلى أعضاء في الطبقة الوسطى تتميَّز بشكلٍّ أقل وضوحاً ولا تختلف في وظيفتها ولا في قيمها ولا في رؤيتها للعالم عن أعضاء الطبقة الوسطى في المجتمع ككل. وفي هذه الحالة، عادةً ما يأخذ التعصب الديني أو العرْقي ضد أعضاء الجماعة اليهودية شكل سلوك فردي، من أشخاص متعصبين حقودين، ولا يشكل ظاهرة اجتماعية تساندها مؤسسات حكومية أو غير حكومية. الصور الإدراكية النمطية وكلاسيكيات وتاريخ معاداة اليهود حتى بداية القرن الثامن عشر Anti-Semitic Stereotypes, Classics of Anti-Semitic Literature, and History of Anti-Semitism to the Beginning of the Eighteenth Century لعل أول هجوم على جماعة يهودية سُجِّل في التاريخ هو هجوم المصريين على المعبد اليهودي في جزيرة إلفنتاين في القرن الخامس قبل الميلاد. وكان هذا الهجوم موجَّهاً إلى جماعة وظيفية قتالية عميلة من الجنود المرتزقة التي وطّنها فراعنة مصر هناك لحماية حدود مصر الجنوبية، ثم انتقل ولاء هؤلاء الجنود إلى الغزاة الفرس. ومن ثم، فإنه كان هجوماً على عملاء الفرس (الغازي الأجنبي) ، هذا إن أخذنا بالرأي القائل بأنهم كانوا يهوداً، إذ يميل بعض المؤرخين إلى التشكيك في هذا الرأي. وبعد دخول الشرق الأدنى القديم إلى محور الحضارة الهيلينية، نشأ وضع جديد في علاقة اليهود بمن حولهم. ويجب أن نشير ابتداءً إلى أن الرقعة الجغرافية التي تُسمَّى الآن «فلسطين» لم تكن مأهولة بالعنصر العبراني وحسب، إذ كانت المناطق الساحلية مأهولة بالعناصر الفلستية والفينيقية وغيرها، وكانت توجد داخل فلسطين أقوام سامية كثيرة، وكان العنصر اليوناني السائد يهيمن على التجارة ويتركز في المدن، أما العنصر العبراني اليهودي، فكان يعمل بالزراعة. وانضمت إلى العنصر التجاري اليوناني قطاعات كبيرة من النخبة اليهودية من كبار ملاك الأراضي وملتزمي الضرائب. وكانت فلسطين محور صراع بين الدولتين البطلمية والسلوقية، وكان اليهود أحد العناصر المهمة التي يدور حولها الصراع. ويمكن رؤية الهجوم على اليهود في هذه المرحلة باعتباره نتاج هذا المركب التاريخي. فسكان المدن من اليونانيين العاملين بالتجارة كانوا يصطدمون بالجماعة العبرانية اليهودية العاملة بالزراعة. وكانت الدولة السلوقية، في سعيها لدمج فلسطين بمساعدة النخبة اليهودية المتأغرقة، تحاول أن تقضي على العبادة القربانية المركزية وعلى الطابع اليهودي في فلسطين. وفي الإسكندرية، كان السكان اليونانيون يرفضون السماح لليهود بدخول الجيمنازيوم (رمز الانتماء الكامل للبوليس أي المدينة) لعدم مشاركتهم في العبادة اليونانية الوثنية. وقد ساعد على تصعيد حدة معاداة اليهود، في كل الأحوال، أن ديانتهم كانت توحيدية تقف ضد عبادة الأصنام، وكانت بالتالي ديانة فريدة آنذاك من بعض الأوجه. وكان هذا التفرد يُفسَّر من قبل الوثنيين بأنه كُره للبشرية، خصوصاً وأن الطقوس الدينية اليهودية تنسج حول اليهود شبكة كثيفة من العزلة. وقد ازدادت معاداة اليهود في بعض المناطق، مثل الإسكندرية، لأن أعضاء الجماعة اليهودية الذين كانوا يشكلون جماعة وظيفية وسيطة رحبوا بالغزو الروماني بل وقدَّموا له يد المساعدة. وقد نتج عن الغزو الروماني أن النخبة الهيلينية فقدت موقعها المتميِّز في المجتمع، الأمر الذي جعلها تلقي باللوم على أعضاء الجماعة اليهودية. ولذا، ظهرت مجموعة من الكتاب الهيلينيين في القرن الأول الميلادي، مثل: خايريمون (أستاذ نيرون) ، وليسيماخوس (أمين عام مكتبة الإسكندرية) ، وآبيون (الخطيب اليوناني) يعادون اليهود. وقد ألَّف آبيون كتاباً من خمسة فصول عن تاريخ مصر يضم جزءاً عن اليهود، أورد فيه بعض الآراء السائدة عن اليهود في العالم القديم، من قبيل أنهم شعب بدوي متجول، وأنهم نُفوا من مصر لأنهم كانوا مجموعة من المصابين بالبرص الذين دنسوا المعابد المصرية وكان لابد من التخلص منهم، وقد فُسِّرت واقعة الخروج أو الهجرة من مصر على هذا الأساس. كما يورد آبيون أن العبرانيين كانوا موالين للملوك الرعاة (الهكسوس) الذين أذلوا المصريين، ومن ثم تم طردهم عقب طرد الهكسوس، فالتجأوا إلى أرض كنعان واحتلوها. وفي واقع الأمر، فإن هذه الأقاويل تهدف جميعاً إلى تقويض فكرة العلاقة الخاصة بين اليهود وفلسطين، والشرعية التي تتأسس على مثل هذه العلاقة. وقد أضاف آبيون تهماً أخرى، مثل أن اليهودية تُعلِّم اليهود كره الجنس البشري والعزلة عنه، وأنهم يذبحون فرداً غير يهودي كل عام ويذوقون أمعاءه، وأنهم يعبدون الحمار. وإذا انتقلنا إلى روما، فإننا سنجد مستويين مختلفين تماماً لمعاداة اليهود: مستوى السياسة الإمبراطورية، ومستوى موقف الأرستقراطية الرومانية من يهود روما أساساً. أما الإمبراطورية الرومانية فلم تكن تهتم كثيراً بالأخلاق اليهودية أو الدين اليهودي إذ أن اهتمامها كان ينصب على تحقيق السلام الروماني وحسب. ولذا، نجد أن تيتوس الذي هدم الهيكل الثاني لم يعتبر نفسه قط عدواً لليهود، بل وكانت عشيقته بيرنيكي أختاً لأجريبا الثاني ملك اليهود. كما حارب في صفوفه جيش يهودي صغير. وقد رفض تيتوس أن يحمل لقب «تيتوس جودايكوس Titus judaocus» ، أي «تيتوس هازم اليهود» ، مثلما سُمِّي «تيتوس أفريكانوس Titus africanus» و «تيتوس جرمانيكوس Titus germanicus» ، أي هازم الأفارقة والألمان، وذلك بسبب صداقته للقوم أو الإثنوس اليهودي. ولذا، اكتفى تيتوس بصك عملة ظهرت عليها عبارة «جوديا كابتا judea capta» ، أي «هُزمت يهودا وأُسرت» ، و «يهودا» هنا تشير إلى الأرض لا الشعب. وكان عداء الأرستقراطية لليهود متبايناً في دوافعه، ولكنه كان على أية حال يعود إلى سببين أساسيين: أولاً: رغبة بعض قطاعات من الأرستقراطية الرومانية في تحقيق مكاسب اقتصادية بالتخلص من منافس قوي مثل اليهود. ثانياً: كان قطاع كبير من المثقفين الرومان يرون أن إصلاح حال روما لا يتم إلا بالعودة إلى الأصالة الأولى، واجدين أن التنوع الديني، وبالتالي انتشار اليهودية، يعوق هذا الاتجاه. ونجد هجوماً على اليهود في كتابات بعض المؤلفين الرومان، مثل: هوراس وشيشرون. لكنه لم يصبح هجوماً حاداً إلا بعد القرن الأول كما هو الحال في كتابات المؤرخ كورنيليوس تاسيتوس الذي ردَّد بعض أفكار آبيون عن اليهود واليهودية وبيَّن أن تهود الرومان سيؤدي بهم إلى احتقار أرباب أسلافهم وإلى رفض وطنهم وآبائهم وذريتهم وإخوتهم. ويُلاحَظ أن السياسة الإمبراطورية الرومانية ركزت اهتمامها على الجانب السياسي والأمني لفلسطين، بينما تاسيتوس، مثله مثل آبيون، يركز على الجانب الأخلاقي لليهودية التي يرى أنها الخطر الحقيقي على الإمبراطورية. وقد وجه جوفينال هجوماً على الأجانب (اليونانيين والسوريين وكذلك اليهود) لتقويضهم دعائم الفضيلة في المجتمع، وهو بذلك يتبع نمط آبيون وتاسيتوس نفسه. وبرغم الهجوم الحاد من قبل آبيون وتاسيتوس وجوفينال على اليهود واليهودية، فلا يمكن القول بأن أقوالهم هذه تشكل جزءاً من رؤية اليونان أو الرومان للكون، إذ ظلت هذه الرؤية وثنية تعددية عالمية تقبل تعدُّد الآلهة داخل إطار الوحدة الإمبراطورية. ولذا، وبرغم أحداث الطرد، ظل اليهود يتمتعون بحقوقهم ولم يشكلوا مركزية خاصة في نظرة اليونان أو الرومان إلى العالم. فإذا ما انتقلنا إلى العصور الوسطى في الغرب، فإننا نجد أن مفهوم معاداة اليهود أخذ يكتسب معاني ومدلولات جديدة تماماً. فلم تَعُد اليهودية ديناً توحيدياً في تربة وثنية، وإنما أصبحت ديناً قديماً مهزوماً في تربة توحيدية يسودها دين جديد منتصر واثق من نفسه يرى أن العهد القديم هو أحد كتبه المقدَّسة يحمله اليهود دون أن يعوا معناه الحقيقي. وهو دين كان يرى أن اليهود يلعبون دوراً مركزياً في نظرته إلى الكون، فهم قَتَلة الرب، ولن تتم عملية الخلاص النهائية إلا بعد اعتناقهم المسيحية، أي أنهم يشغلون موقعاً مركزياً في البداية والنهاية. وكان اليهود من جانبهم يكنون احتقاراً عميقاً للدين الجديد وينكرون أن المسيح عيسى بن مريم هو الماشيَّح. وقد تبدَّى الموقف المسيحي في مفهوم الشعب الشاهد، وفي جميع التشريعات والمراسيم المسيحية التي تؤكد لليهود حقوقهم، وفي ضرورة الحفاظ عليهم وعدم تنصيرهم بالقوة، مع الإبقاء عليهم في وضع هامشي ومتدن كشعب شاهد على أن الكنيسة على حق. فهم يحملون الكتاب المقدَّس الذي يتنبأ بمقدم المسيح ولكنهم لا يعون معنى ما يحملون، كما أنهم بضعفهم وذلتهم دليل على عظمة الكنيسة وانتصارها. وكان موقف الكنيسة يتمثل فيما يلي: «أن تكون يهودياً جريمة، ولكنها جريمة ليس بإمكان مسيحي أن ينزل بصاحبها العقاب لأن الأمر متروك للرب» . وقد اعتبرت الكنيسة نفسها إسرائيل الحقيقية (باللاتينية: إسرائيل فيروس Israel verus) ، واعتبر المسيحيون أنفسهم شعب الرب. وكانت الكنيسة ترى نفسها أيضاً إسرائيل الروحية مقابل إسرائيل الجسدية (اليهودية) . وقد تطورت صورة اليهود في الوجدان المسيحي، فكان يُرمَز لهم بعيسو (مقابل يعقوب المسيحي) ، وبقابيل الذي قتل أخاه هابيل وأصبح كذلك قاتل المسيح. كما ساعدت الشعائر الدينية اليهودية، المتمثلة في صلاة الجماعة التي تتطلب النصاب (المنيان) وقوانين الطعام والزواج، على زيادة عزلة اليهود. ولأن النظام الإقطاعي في الغرب كان نظاماً مسيحياً يستند إلى شرعية مسيحية ويتطلب يمين الولاء كشرط أساسي للانتماء إليه، فقد وجد أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب أنفسهم خارج كثير من المجالات السياسية والاقتصادية والمدنية المشروعة. وكانت هذه الظروف سبباً ونتيجة في آن واحد لتحوُّلهم إلى جماعة وظيفية وسيطة (أقنان البلاط أو يهود الأرندا أو يهود البلاط) تقوم بأعمال التجارة ثم الربا. وربما كان هذا الوضع (وضع اليهود) هو الذي حدَّد موقف أعضاء المجتمع منهم، فكان يُنظَر إليهم من أعلى باعتبارهم أداة يمكن استخدامها أو استبدالها إن دعت الحاجة، كما كان يُنظر إليهم من أسفل باعتبارهم وحوشاً لابد من ضربها، فهم الأداة الواضحة لاستغلال الجماهير التي لم يكن بوسعها فهم آليات الاستغلال والقمع. وتاريخ أعضاء الجماعات اليهودية في العالم الغربي، وكذلك العداء لهم، هو في معظمه تاريخ اليهود كجماعات وظيفية وسيطة تؤدي وظيفتها إلى أن تظهر قوى أخرى تحل محلها في المجتمع، مُمثَّلة في طبقة وسطى قوية، أو جهاز إداري مركزي، أو الدولة القومية الحديثة. كما أن صعود أو هبوط الجماعة اليهودية هو، في جوهره، تاريخ صعود أو هبوط الجماعة الوظيفية الوسيطة. فحينما كان اليهود أقنان بلاط، كانت شرائح من الطبقات الحاكمة تستفيد من الخدمات التي يؤدونها. وبالتالي، كان اليهود يُمنحون المواثيق التي تضمن لهم الحماية، وتعطيهم المزايا التي تجعل منهم أفراداً يتمتعون بمستوى معيشي أعلى من مستوى معظم طبقات المجتمع الأخرى. وكما قال أبراهام ليون، فإن وضع اليهود لم يتوقف عن التحسن منذ انهيار الإمبراطورية الرومانية عام 476، وبعد الانتصار الكامل للمسيحيين حتى القرن الثاني عشر. ويمكن القول بأن النخبة الحاكمة بكل فئاتها (الإمبراطور، والكنيسة، والملوك، والأمراء، والشريحة العليا من الأرستقراطية، وكبار رجال الدين، والبورجوازية الثرية المستقلة في المدن) كانت كلها تقف إلى جانب أعضاء الجماعات اليهودية لا ضدهم. وكانت هذه النخبة تحمي أعضاء الجماعات بسبب نفعهم لها، وترى الهجوم عليهم إخلالاً بهيبة النظام وتعويقاً لمساره. وكانت المواثيق التي يحصل عليها أعضاء الجماعات اليهودية تزيد بطبيعة الحال من حدة الغضب الشعبي، ومن ثم فيمكن النظر إلى الهجوم على اليهود باعتباره ضرباً من الثورات الشعبية. ولهذا نجد أن أعداء اليهود يأتون أساساً من الشريحة الدنيا من رجال الدين، وصغار التجار في المدن، والحرفيين. ولكن وصفنا لهذه الهجمات بأنها «ثورة شعبية» لا يخلع عليها صفة إيجابية. ونحن لا نرى أنها عمل مقبول أو شرعي، وإنما نقول إن هذه الهجمات تحركها جماهير تتصور أن اليهودي هو المستغل الحقيقي. وقد ظل أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب في هذا الوضع حتى حروب الفرنجة في القرن الثاني عشر، حيث بدأت الحياة الاقتصادية في أوربا في الانتعاش وظهرت قوى مسيحية محلية قادرة على أن تحل محل اليهود كتجار دوليين ومحليين، فاتجه اليهود إلى الاتجار بالربا، وتحولوا بالتالي من جماعات وسيطة إلى جماعات وسيطة عميلة، وزادت غربتهم في المجتمعات التي وجدوا فيها. وقد تزامنت هذه العملية مع تطوُّر فكري آخر وهو ظهور عقيدة التحوُّل (بالإنجليزية: ترانسبستانشيشن transubstantiation) ، أي الإيمان بتحول القربان (أي الخبز والخمر المقدَّسين) إلى لحم ودم المسيح. وأصبح التناول طقساً دينياً تحيطه هالة من الأساطير. وقد ساهمت هذه الطقوس في ظهور تهمة الدم، وتهمة تدنيس خبز القربان، وهي أساطير ساعد على انتشارها احتراف اليهود الربا وامتصاصهم (المجازي) لدم الآخرين، خصوصاً وأن العمليات التجارية والمالية كانت تؤدي إلى تزايد الثروة دون بذل الجهود (على عكس الفلاح الذي كان يبذل جهداً بدنياً ملحوظاً) . وبالتالي، كانت هذه العمليات التجارية والمالية يُنظَر إليها كعمليات سحرية من قبَل ضحايا أعمال الربا ومن قبَل أعضاء المجتمع الزراعي الذين يكدحون ساعات طويلة ليحصلوا على قوت يومهم. وفي هذه الفترة، أصدرت المجامع اللاترانية مجموعة من القرارات أدَّت إلى ازدياد عزلة اليهود مثل تحريم الاشتغال بالربا على المسيحيين، وضرورة أن يرتدي اليهود شارة مميِّزة. وبدأت تظهر، في هذه الفترة، صورة سلبية عن اليهود، وهي في أغلبها أنماط إدراكية عنصرية تتواتر في معظم المجتمعات وترددها كل جماعة بشرية عن الآخرين؛ فاليهود يشبهون الشيطان أو لهم رائحة مميزة هي ما يُسمَّى «رائحة اليهود» (باللاتينية: الفويتورجودايكوس foetor judaicus) وهي خلاف رائحة القداسة. ومع القرن الثالث عشر، حيث كانت قد ظهرت بيوتات المال الإيطالية التي كانت أكثر كفاءة في الاضطلاع بمهنة التجارة الدولية، بدأت ظاهرة طَرْد اليهود من إنجلترا وفرنسا وغيرهما من البلاد، كما بدأت تظهر صورة اليهودي التائه. وفي القرن الرابع عشر، بدأ اتهام اليهود بأنهم يسمِّمون الآبار. وكانت العروض المسرحية المسماة «آلام المسيح» (التي كانت تستغرق عدة أيام، وكانت من أكثر الأشكال الفنية الشعبية شيوعاً) تؤكد قسوة اليهود على المسيح وخيانتهم له، الأمر الذي كان يعمِّق كره اليهود في الوجدان الشعبي. وكان كثير من اليهود المتنصرين يساهمون في التهييج ضد أعضاء الجماعات اليهودية، ويُعرِّفون القيادات المسيحية (وجماعات الرهبان) بما جاء في التلمود (وبعض الكتب الدينية اليهودية الأخرى) من هجوم شرس على المسيح والمسيحية وبعض عادات اليهود الأخرى التي تهدف إلى عزلهم عن مجتمع الأغيار. وكانت تُقام مناظرات بين اليهود والمسيحيين (يمثلهم عادةً يهود مُتنصِّرون) حتى يُثبت كل طرف قوة حججه الدينية. وغني عن القول أن الطرف اليهودي لم يكن حراً تماماً في مثل هذه المناظرات وأنه كان يضطر إلى التعبير عن وجهة نظره بطريقة أكثر حذراً الأمر الذي كان يفقدها كثيراً من قوتها. وعادةً ما كانت تنتهي هذه المناظرات " بانتصار " الطرف المسيحي، وإصدار الأوامر بإحراق التلمود وربما طرد أعضاء الجماعات اليهودية. وقد استمرت النخبة الحاكمة (الكنيسة والنبلاء) في حماية اليهود، كما استمرت الثورة الشعبية ضدهم، وبخاصة في صفوف أعضاء الطبقة الوسطى، الندّ الحقيقي للجماعات الوظيفية الوسيطة والمنافس على القطاع الاقتصادي نفسه. ويُلاحَظ أنه أثناء حروب الفرنجة التي اكتسبت بعداً شعبياً، وهو ما جعلها مستقلة نوعاً ما عن الطبقات الحاكمة، كانت القوات غير النظامية هي التي ترتكب المذابح ضد اليهود. وفي المدن الحرة، في ألمانيا وغيرها من البلاد، كان الهجوم على أعضاء الجماعات اليهودية يبدأ بإسقاط الأقلية الثرية الحاكمة، ثم تحل محلها نخبة جديدة ذات جذور شعبية، ويعقب ذلك عمليات طرد وذبح اليهود. وقد انسحب معظم يهود أوربا إلى بولندا حيث لا توجد طبقة وسطى قوية. كما تم طردهم من إسبانيا بعد أن استكمل المسيحيون استرداد إسبانيا من المسلمين بعدة شهور، إذ اضطلعت الدولة الجديدة بوظائف الجماعة الوظيفية الوسيطة وأرادت أن تؤمِّن نفسها ضد العناصر الغريبة من المسلمين واليهود. ولهذا استمرت في ملاحقة من كانت تتصوَّر أنهم مسلمون أو يهود متخفون. ومع نهاية العصور الوسطى، كانت كلمة «يهودي» مرادفة في كثير من اللغات الأوربية لكلمة «تاجر» أو «مرابٍ» ، ولكلمات أخرى مثل «بخيل» أو «غشاش» ، وهي الصورة الإدراكية التي ستتبلور في عصر النهضة على يد شكسبير في شخصية «شيلوك» . وشهد عصر الإصلاح الديني، في القرن السادس عشر، كسر الاحتكار الديني الكاثوليكي وتزايد التعددية. وبشكل عام، يُلاحَظ أن البروتستانتية، بتأكيدها أن الخلاص يتم خارج الكنيسة، تؤكد على أهمية الكتاب المقدَّس الذي يضم العهد القديم، الأمر الذي يعني نظرياً تزايد التعاطف مع اليهود، أهل هذا الكتاب وحَمَلته. ومع هذا، يُلاحَظ أن البروتستانتية اللوثرية اتجهت اتجاهاً معادياً لليهود (على عكس الكالفنية) . وفي محاولة تفسير ذلك، يُقال إن الكالفنية أكدت المسئولية الشخصية للمؤمن، وذهبت إلى أن ثمرة الفعل الاجتماعي (الثروة مثلاً) قد لا تكون هي سبيل الخلاص، ولكنها تشكل قرينة مهمة عليه. وهذا، على عكس اللوثرية التي أكدت أن الخلاص من خلال الإيمان، الأمر الذي كان يعني رفض المسئولية المدنية أو الخلاص من خلال الأعمال. ومن ثم، فهناك استعداد عند أتباع كالفن لتقبُّل اليهود والحكم عليهم، لا من خلال ما يؤمنون به وإنما من خلال أفعالهم وثروتهم. فهم كعناصر تجارية نشطة، يحققون الشروط اللازمة لتقبلهم، على عكس اللوثريين الذين يركزون على الدوافع. وقد لعب اليهود المتنصرون في هذه الفترة دوراً كبيراً في بلورة الأطروحات الغربية الأساسية المتصلة باليهود واليهودية، كما ساهمو في صياغة صورة اليهودي في الوجدان الغربي. ومن أهم الشخصيات يوحانيس فيفركورن الذي دخل معركة فكرية كبرى شغلت أوربا بعض الوقت مع يوحانان ريوشلين. ويُلاحَظ أن هذه الفترة شهدت بداية العقيدة الألفية أو الاسترجاعية التي تتحدث عن رؤية الخلاص وعودة المسيح، وهي رؤية ترتبط بعودة اليهود إلى أرض الميعاد. ومن ثم، تظهر صورة اليهودي كعنصر لا جذور له يمكن نقله من مكان إلى مكان. وهذه الصورة هي الصياغة البروتستانتية لفكرة الشعب الشاهد الكاثوليكية والتي تحولت فيما بعد إلى صورة الشعب العضوي المنبوذ، ويظهر اليهود كعنصر استيطاني وكجواسيس يمكن نقلهم وتحريكهم والاستفادة منهم، وهي الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة. كما شهدت هذه الفترة ظهور الجيتوات في إيطاليا وفي بعض مدن وسط أوربا، الأمر الذي كان يعني تراجُع أعضاء الجماعات اليهودية وانكماش دورهم في المجتمع. ولكن هذه الفترة شهدت أيضاً بداية ظهور يهود الأرندا في بولندا واضطلاع اليهود فيها بدور مهم في الاقتصاد التجاري. وقد حصل اليهود على العديد من المزايا التي جعلت مستواهم المعيشي يفوق كثيراً مستوى الأقنان وأعضاء الطبقة الوسطى البولندية، بل وصغار النبلاء. وفي عام 1648، اندلعت ثورة شميلنكي، وهي ثورة شعبية فلاحية شاملة ضد الحكم الإقطاعي البولندي الكاثوليكي الذي كان يمثله العنصر التجاري الوسيط اليهودي في وسط فلاحي أوكراني أرثوذكسي، فكان هذا الوضع وضعاً تاريخياً يتسم بالتلاقي الكامل بين العداء الطبقي من جهة والعزلة الاجتماعية والثقافية والدينية والعرْقية من جهة أخرى، وهو الوضع الأمثل للانفجارات العنصرية. وقد اكتسحت الثورة في طريقها الجيوب البولندية واليهودية. وفي الأدبيات الصهيونية، يُقرَن شميلنكي بهتلر، مع أن الأول زعيم ثورة شعبية فلاحية له تمثال في كييف باعتباره قائداً للثورة، والآخر زعيم نظام شمولي قام بعملية إمبريالية عنصرية. وفي القرن السابع عشر، ظهر يهود البلاط في وسط أوربا، وفي غربها بدرجة أقل، حيث قدموا الخدمات التجارية والمالية للدول التي ينتمون إليها وحصلوا على مزايا عديدة، كما قاموا بحماية أعضاء الجماعات اليهودية. وبدأ استيطان اليهود السفارد في هولندا وفي بعض المدن في كلٍّ من فرنسا ووسط أوربا. وكان هؤلاء يتمتعون بحقوق ومزايا لا يتمتع بها كثير من أعضاء الطبقات الأخرى، كما أنهم كانوا يتحدثون باسم أعضاء الجماعة اليهودية لدى الحاكم ويقومون بدور الوسيط بينه وبين الجماعة، وبعملية المقايضة معه بحيث يحصل أعضاء الجماعة على المزيد من المزايا نظير تقديم المزيد من الخدمات، أو تثبيت ما حصلوا عليه من مواثيق نظير الاستمرار في الاضطلاع بدورهم. ويمكن القول بأنه، مع ظهور يهود البلاط ويهود الأرندا، واستيطان السفارد في أوربا، تنتهي العصور الوسطى ويبدأ العصر الحديث بكل مظاهره الجديدة. أما وضع اليهود في العالم الإسلامي، فلا يمكن القول كما يدَّعي البعض بأنه كان عصراً ذهبياً واحداً طويلاً، وإن كان من الممكن أن نقول إن العالم الإسلامي لم تظهر فيه نظرة شاملة تضع اليهودي في مركز أحداث الخلاص باعتباره «الشيطان قاتل الرب» . كما أن العالم الإسلامي يتسم بوجود عدد هائل من الأقليات العرْقية والإثنية التي تفرض عليه قبول التعددية (وهي تعددية اعترف بها الإسلام وقننها في مفهوم أهل الذمة الذي حدد لأعضاء الأقليات مكانهم وواجباتهم وحقوقهم) . كما أن أعضاء الجماعات اليهودية لم يتحولوا جميعاً إلى جماعات وظيفية وسيطة بل كانوا ممثَّلين في معظم النشاطات الاقتصادية والمهيمنة، فكان منهم الأطباء والوزراء والمترجمون والتجار والحرفيون. وحتى حينما اضطلعوا أحياناً ببعض وظائف الجماعة الوظيفية الوسيطة واكتسبوا خصائصها، فإن هذا الدور لم يكن مقصوراً عليهم إذ كانت هناك جماعات إثنية ودينية أخرى تشارك في نشاطهم الوظيفي، كما كان بين هؤلاء المسلمون. كما أن عدد الجماعات اليهودية في العالم العربي ظل صغيراً للغاية بالنسبة إلى عدد السكان. ولكل هذه العناصر المركبة، نجد أن عداء اليهود في العالم الإسلامي لم يكن بالحدة نفسها التي كان عليها في العالم الغربي الوسيط، كما أنه ظل في معظم الأحيان إمكاناً كامناً في نفس بعض أعضاء الأغلبية وداخل بعض القطاعات. يوهانيس فيفركورن (1469-1521 ( Johannes Pfefferkorn ألماني يهودي مُتنصِّر، ومن أشهر المهيجين ضد الجماعات اليهودية. كان يعمل جزاراً وكان في الوقت نفسه متفقهاً في الدين اليهودي. يُقال إنه قُبض عليه بتهمة السرقة وأنه، بعد الإفراج عنه، تنصَّر هو وزوجته وأولاده في كولونيا عام 1504. كتب فيفركورن عدداً من الكتيبات المعادية لليهود: مرآة اليهود (الذي هاجم فيه تهمة الدم أيضاً) والاعتراف اليهودي وكتاب عيد الفصح وعدو اليهود. وقد نُشرت ترجمات لاتينية لكل هذه الأعمال فور نشرها. وقد طالب فيفركورن بحرق التلمود ومنع الربا وأن يعمل اليهود في الأعمال اليدوية الوضيعة وأن يُفرَض عليهم حضور المواعظ المسيحية وإلا طُردوا من المدن الألمانية التي يقيمون فيها. وفي عام 1510، قام بعض المهيجين ضد الجماعة اليهودية في براندنبرج باتهام أعضاء الجماعة بتدنيس خبز القربان المقدَّس، كما وجهوا إليهم تهمة الدم. فشُكلت لجنة للتحقيق في الأمر برئاسة أسقف مينز الذي طلب المشورة من بعض كبار المفكرين الدينيين من بينهم يوحانان ريوشلين. وكان موقف ريوشلين لا يتفق مع موقف فيفركورن، فكتب هذا الأخير كتيباً بعنوان مرآة اليد يهاجم فيه ريوشلين الذي كتب رداً بعنوان مرآة العين. وبذلك بدأت واحدة من أكبر المعارك الدينية في عصر النهضة في الغرب. وكانت الحركة الإنسانية الهيومانية قد حققت قدراً كبيراً من الانتشار والإحساس بالقوة، فألقت بثقلها في صف ريوشلين. ومع أن إيرازموس لم يشترك في المعركة، إلا أنه وصف فيفركورن بأنه يهودي في غاية الإجرام أصبح مسيحياً في غاية الإجرام. ثم كتب فيفركورن موعظة ضد كتاب ريوشلين مرآة العين وضد الاتجاه الليبرالي المسيحي ككل. وقد استمرت المعركة بعض الوقت إلى أن أصدر الإمبراطور أمراً للطرفين بالتزام الصمت. وفي عام 1514، أصدرت محكمة بابوية قراراً يؤيد ريوشلين، فرفضه فيفركورن ونشر كتاباً آخر بعنوان جرس الإنذار. واستمرت المعركة بعض الوقت ولكنها تركت أثراً عميقاً في الكثيرين. وليس من قبيل الصدفة أن يعلن لوثر أطروحاته عام 1517 إبان الجدل الذي دار بين ريوشلين وفيفركورن. والحقيقة أن ظهور فيفركورن وشيوع كتاباته هو مؤشر على أن المسألة اليهودية كانت قد بدأت تطرح نفسها، وبحدة، على الوجدان الغربي، وذلك مع نهاية العصور الوسطى في الغرب ومع ظهور الدولة المركزية وبداية تراجع أهمية دور الجماعات اليهودية الوظيفية. ومما يجدر ذكره أن ريوشلين، الطرف الآخر في المعركة، كان يطالب هو الآخر بإصلاح اليهود، أي بإعادة تعريف دورهم بما يتناسب مع المرحلة الجديدة، وكان يرى وجوب طردهم إن لم يصلحوا حالهم. وهكذا، فإنه لا يوجد اختلاف كبير في الرؤية والمقدمات بين فيفركورن وريوشلين إذ أن الاختلاف ينصرف إلى طبيعة الحل المطروح وحسب. أنطون مارجريتا (1490 -؟ ( Anton Margarita كاتب ألماني يهودي وابن حاخام مدينة ريجنسبرج. تكثلك عام 1522 ثم أصبح بروتستانتياً بعد ذلك. عُيِّن محاضراً في اللغة العبرية في عدة جامعات ألمانية حتى عام 1537 حين عُيِّن في جامعة فيينا التي بقي يعمل فيها حتى وفاته. نشر أول كتبه المعادية لليهود عام 1530 والذي حاكى فيه أعمال اليهودي المتنصر فيفركورن حيث اتهم اليهود بأنهم لا يعرفون سوى الكراهية وأنهم يهزأون بالمسيح والمسيحية في أدعيتهم وكتبهم. عُقدت مناظرة (بأمر الإمبراطور تشارلز الأول) عام 1530 بينه وبين جوزيف من روشايم حيث أثبت الأخير زيف بعض ادعاءات مارجريتا، فأمر الإمبراطور بوضعه في السجن. تمتعت كتابات مارجريتا بالذيوع وتركت أثراً عميقاً في مارتن لوثر الذي اقتبس منها عدة مرات. الصور الإدراكية النمطية المعادية لليهود منذ القرن الثامن عشر Anti-Semitic Stereotypes since the Eighteenth Century سادت العصور الوسطى في الغرب صور إدراكية ثابتة عن اليهود، منها أن اليهود شعب شاهد، ومنها أنهم مصاصو دماء، ومنها أنهم قتلة المسيح، وأنهم يدنِّسون خبز القربان ويسمِّمون الآبار. وغني عن القول أن معظم هذه الأفكار فقد كثيراً من البريق والشيوع، وحلت محله أفكار وصور إدراكية ثابتة أخرى سنكتشف أن معظمها ظهر من خلال علمنة الصور الإدراكية السابقة وإعطائها أساساً علمياً مادياً. وينطلق فكر عصر الاستنارة (العقلانية المادية) ، وهو إحدى أهم ركائز الفكر الحديث في الغرب، من فكرة المساواة الكاملة بين البشر ومن كفاية العقل للوصول إلى الحقيقة دون حاجة إلى وحي إلهي. وهذه المساواة تشمل المسيحي واليهودي وكل البشر، ولكنها في ذات الوقت مساواة لا تعترف بهوية أي منهم ولا تحترم أية خصوصية، أي أنها مساواة تتم في إطار فكرة الإنسان الطبيعي النافع حيث لا يشكل الإنسان إلا جزءاً لا يتجزأ من الطبيعة (فهي تسوية أكثر منها مساواة) . ومن ثم، دافع فلاسفة الاستنارة عن اليهود من منظور المساواة الكاملة ومن منظور نفعهم وإمكانية الاستفادة منهم بعد إصلاحهم وتقويمهم بما يتفق مع المعايير العقلية الطبيعية الجديدة. أما مفهوم الدفاع عن أعضاء الجماعات اليهودية من منظور نفعهم، فهو يتضمن قدراً كبيراً من رفضهم وعدم قبولهم باعتبارهم بشراً لهم حقوقهم الإنسانية المطلقة لأن العنصر النافع يجب التخلص منه إن فقد نفعه. وعلى أية حال، فإن هذا المقياس لم يُطبَّق على اليهود وحدهم وإنما طُبِّق على مختلف أعضاء المجتمع الذي تحكمه الدولة القومية العلمانية. بينما أدَّى إصلاح اليهود إلى ظهور أدبيات شرسة تشير إلى طفيلية اليهود وهامشيتهم وطرق إصلاحهم. وكان كل هذا يتم في إطار فكرة القانون العام والطبيعة البشرية العامة، في وقت لم تكن الدراسات التاريخية والأنثروبولوجية قد أحرزت التقدم الذي أحرزته في أواخر القرن التاسع عشر حيث سقطت فكرة الإنسان الطبيعي والإنسانية العامة وحل محلها إدراك تداخل العناصر التاريخية الخاصة مع الطبيعة البشرية ذاتها. ومن ثم، طالب عصر العقل (الطبيعي المادي) اليهود (وغيرهم) بالتخلص من خصوصيتهم ليصبحوا بشراً بالمعنى العام (والطبيعي المادي) للكلمة. وكان يُنظَر إلى اليهود الذين يؤثرون الحفاظ على خصوصيتهم الدينية أو الإثنية باعتبارهم «دولة داخل دولة» ، أو على أنهم جماعة قَبَلية في مجتمع تسود فيه مُثُل الليبرالية والعلمانية والاستنارة. ويجب التنبه إلى أن دعاة الانعتاق كانوا يعادون اللهجات المحلية كافة، ومختلف الخصوصيات الإثنية، بل ويُقال إن الكونت دي كليرمونت والأسقف جريجوار (وهما من دعاة إعتاق اليهود شريطة أن يتخلصوا من عزلتهم) كانا يبديان ضيقاً شديداً من الخصوصيات الفرنسية الإثنية واللغوية المحلية (البريتون والفلامنج والأوكستانيان والأوفيرنيان) أكثر من ضيقهم بالخصوصية اليهودية. إذ أن فكر الاستنارة كان يحوي هجوماً على اليهود بوصفهم جماعة لها هويتها، ويغطيه سطح مصقول من القبول العام لليهودي كإنسان طبيعي، وأي إنسان يتفق مع المواصفات القومية العلمانية الجديدة، فالتسامح هنا دعوة للتخلي عن الهوية وللقضاء عليها، وذلك باسم الهوية القومية العضوية الجديدة التي تتجسد في الدولة القومية المركزية. وأدَّى كل هذا في نهاية الأمر إلى ظهور اليهودي غير اليهودي. وقد وجد اليهود أنفسهم وسط حلبة الصراع بين المسيحية والعلمانية، حيث كان العلمانيون يشيرون إلى اليهود باعتبارهم ضحية عصور الظلام المسيحية الوسيطة، أي أن اليهود تحولوا من شعب شاهد على عظمة الكنيسة إلى شعب شاهد على جبروتها وظلمها. وتحوَّل اليهودي، لذلك، إلى بطل من أبطال العلمانية. وأصبح بعض العلمانيين ينظرون إلى اليهودية باعتبارها دين العقل ودين الفلاسفة الذي يؤمن بالرب الواحد دون حاجة إلى طقوس مركبة أو معجزات، أي أن اليهود واليهودية أصبحا مقولة مجردة تُستخدَم لضرب المسيحية والكنيسة. وقد ولَّد هذا في نفوس المسيحيين صورة غير محببة لليهودي. ولكن فريقاً آخر من دعاة الاستنارة كان يتبع إستراتيجية مخالفة تماماً، إذ أنهم بدلاً من أن يضعوا اليهودي مقابل الكنيسة كانوا يحولون اليهودي إلى رمز للدين، أيِّ دين، أو إلى ممثل لما كانوا يسمونه «المسيحية البدائية» . وبالتالي، فإنهم بدلاً من الهجوم على الكنيسة والمسيحية بشكل مباشر، وهو أمر كانت تحفه المخاطر، كانوا يسددون سهامهم إلى اليهود واليهودية والعهد القديم في هجوم مقنَّع على المسيحية. وكان هذا الفريق يشير إلى تخلف اليهود والخرافات التي يؤمنون بها مثل تراث القبَّالاه، وإلى أن الدين اليهودي دين معاد للإنسان يشجع على العزلة وعلى عدم الولاء للدولة في وقت كان المجتمع فيه يتجه نحو العلمانية والتحرر. لكل هذا، نجد أن عصر الاستنارة هو العصر الذي تم فيه وضع الأسس الفكرية لمعاداة اليهود (وللصهيونية في الوقت نفسه) في العصر الحديث، حيث نجد الأطروحات والصور الإدراكية النمطية الثابتة التي تنسب إلى اليهود قدراً كبيراً من الصفات المنفَّرة، وانطلاقاً من ذلك اقتُرح تهجيرهم إلى مكان آخر حلاًّ لهذا الوضع (أي أن الصيغة الصهيونية الشاملة يكتمل تبلورها في هذه المرحلة) . ومن باب الهجوم المقنَّع على المسيحية، كان يُطرَح أن الكتاب المقدَّس وثيقة مزيفة، وأن أبطال العهد القديم أوغاد لا خلاق لهم (ومتعصبون ضيقو الأفق) مارسوا الاضطهاد الديني ضد الآخرين، وأن اليهود الذين أتوا بالعهد القديم (وهو أكثر أجزاء الكتاب المقدَّس توحشاً حسب رأيهم) شعب همجي؛ قاس وفاسد. وقام دعاة الاستنارة ببعث أطروحات الكنيسة ضد اليهود في محاولة ماكرة لاستخدام هذه الأطروحات لا ضد اليهودية وحسب وإنما ضد المسيحية (باعتبار أن اليهودية أم المسيحية) بل وضد كل الأديان الأخرى. ولهذا، لم يكن الهجوم الاستناري يُشَن على السمات اليهودية في النسق الديني اليهودي وحسب، وإنما كان يُوجَّه كذلك (وأحياناً بالدرجة الأولى) إلى تلك السمات المشتركة بين اليهودية والأديان السماوية الأخرى. وهذا ما فعله فولتير في معجمه الفلسفي (1756) ، فهو في المدخل الخاص باليهود يعتبرهم عنصراً مستقلاًّ مستمراً منذ أيام العبرانيين القدامى، ويستبعد أن يكون المصريون القدماء أو الفرس أو اليونان قد أخذوا قوانينهم عن اليهود، مؤكداً أن اليهود (حين احتكوا بهذه الحضارات) لم يتعلموا غير فنون الربا، بل ويرى أنهم شعب جاهل تماماً جمع بين البخل والخرافات وكره الأمم التي تسامحت تجاههم. إلا أنه يضيف: «ولكن يجب عدم حرقهم» وكأن الإبادة بديل مطروح للنقاش. أما الفيلسوف المادي هولباخ، فقد اتهم موسى بأنه أوجد الشريعة التي فصلت اليهود عن سائر الأمم. وأوضح في هجومه أن اليهود لا يخضعون إلا لكُهانهم، ولذلك أصبحوا أعداء للجنس البشري بأسره يكنون الاحتقار لأخلاق الأمم الأخرى وقوانينها، إذ أن شريعتهم تأمرهم بأن يكونوا قساة لصوصاً خونة غادرين، ومثل هذه الأعمال تُعَدُّ في اليهودية عملاً يرضي الرب. ويُضيف هولباخ أن اليهود اشتهروا، في الواقع، بالخداع والغش في التجارة، ويمكن افتراض أنهم إذا أصبحوا أكثر قوة فسوف يبعثون المآسي التي كثيراً ما وقعت في بلادهم. وإن وُجد بعض اليهود الذين يتسمون بالأمانة والعدل، فهذا يعني أنهم رفضوا بكل وضوح مبادئ الشريعة اليهودية التي تهدف إلى خلق مثيري المتاعب والأشرار. وكما هو واضح، يرى هولباخ اليهود عنصراً أو شعباً واحداً. ولكن فكر الاستنارة لم يكن البُعد الوحيد في الفكر الغربي الحديث. فمعاداة الاستنارة، والتمرد عليها، والرومانسية، كانت أبعاداً ثابتة وأساسية فيها، ولا تقل عن الاستنارة نفسها في الأهمية. وقد انعكست هذه الرومانسية تجاه اليهود في مواقف متناقضة أيضاً، فتم بعث فكرة اليهودي التائه وتمجيده باعتباره نموذج البطل الرومانسي الحق. ولكننا نلاحظ أن اليهودي التائه هو، في واقع الأمر، اليهودي الهامشي. حتى إذا كان بطلاً، فهو بطل عجائبي متجرد من صفات إنسانية متعينة. وبالتالي، فإن تمجيد اليهودي بوصفه بطلاً رومانسياً كان ينزع عنه صفاته الإنسانية وهي الخطوة الإدراكية الأولى نحو معاداة اليهود. كما وجه فلاسفة الرومانسية النقد إلى اليهودية باعتبارها ديانة لاروح فيها. وقد يكون من المفيد هنا أن نشير إلى موقف عمانويل كانط (1724 ـ 1804) وهيجل (1770 ـ 1811) باعتبارهما ممثلين أساسيين للرؤية الغربية (شبه الدينية والعلمانية) للعقيدة اليهودية. يَصدُر كانط عن الإيمان بأن المسيحية هي أقرب الديانات إلى الديانة الأخلاقية الطبيعية التي بشَّر بها. وهي ديانة تستند هي وتعاليمها الأخلاقية والروحية إلى الحب الخالص. ويقف هذا على الطرف النقيض من اليهودية، فهي مجرد كيان قومي سياسي، وهي ديانة برانية تفتقر إلى المثالية الروحية؛ لا تنميّ الحس الخلقي الداخلي، وتتطلب الخضوع للقانون والشريعة بشكل جاف. وقد أشار كانط أيضاً إلى أن العقيدة اليهودية عقيدة دنيوية لا تعرف فكرة الخلود (وهي فكرة أساسية عند كانط) ، وأن المشيحانية اليهودية نزعة قومية سياسية منغلقة وأنها حوَّلت الشعب اليهودي إلى عدو لكل الشعوب. وأشار كانط إلى يهود عصره فبيَّن أنهم يشتهرون بالغش والخداع ويشتغلون بالتجارة والربا. ولا يوجد حل للمشكلة إلا من خلال القتل الفكري الرحيم وذلك بالقضاء على اليهودية وإحلال دين صاف طاهر أخلاقي محلها (أي المسيحية) . وقد استقى كانط هذه الفكرة الخاطئة من إسبينوزا ومندلسون. ولكن الموقف السلبي لكانط من اليهودية لم يؤثر على علاقته بمن عرفهم من أعضاء الجماعات اليهودية. وقد تأثر الفكر الغربي برؤية كانط لليهودية وللدين بشكل عام (بما في ذلك المفكرون الغربيون اليهود) ، فنجد أن كثيراً من مفكري عصر الاستنارة من اليهود يميزون بين الجوهر العقائدي لليهودية، وهو الجوهر العالمي الذي لا يتنافى مع العقل الإنساني والحس الخلقي من جهة، والشعائر التي تتسم بالخصوصية والقومية، من جهة أخرى. كما أن كثيراً من المفكرين الغربيين كانوا يفرقون بشكل ساذج بين المسيحية باعتبارها دين القلب والحس الديني الجواني، واليهودية بوصفها عقيدة العقل والتعاقد البراني (وهو تمييز امتد ليُطبَّق على الفرق بين المسيحية والإسلام) . وقد ترك فكر كانط أثراً عميقاً في دعاة الاستنارة من اليهود مثل سولومون مايمون ولازاروس بنديفيد وماركوس هرتز، كما تأثر بفكره في مرحلة لاحقة هرمان كوهين وسولومون ستاينهايم وفرانز روزنزفايج (وإن كان تأثرهم به بدرجة أقل) . وقد تأثر دعاة اليهودية الإصلاحية بكانط، حيث كانوا يرون أن اليهودية هي أساساً نظام أخلاقي، وهذا قريب للغاية من تصور كانط للدين المثالي. وقد استمر هيجل في الاتجاه نفسه حيث تأثر هو الآخر برأي مندلسون القائل بأن اليهودية هي مجموعة من القوانين المُوحَى بها وليست حقيقة موحى بها. ويتسم موقف هيجل من اليهودية، بقدر من العداء في كتاباته الدينية الأولى، حيث كان يُفرِّق بين العقيدة الشعبية الوثنية اليونانية القديمة التي تتسم بالكهنوتية (باعتبار أن الإله كامن في الجمال) من جهة، والمسيحية واليهودية من جهة أخرى، باعتبارهما عقائد تدور كلها حول كتاب مقدَّس يحتوي على قوانين تُفرض على الإنسان من الخارج في حالة اليهودية أو حول حقيقة مقدَّسة (واقعة الصلب) في حالة المسيحية. ولكن هيجل تخلى عن موقفه هذا في مرحلة لاحقة وأخذ ينظر إلى تاريخ الأديان بطريقة يُقال لها جدلية. ويرى هيجل أن العقيدة تصبح برانية وجافة إن لم يتحد المقدَّس بالزمني، ولكنها تفتقر إلى الجدية إن لم يكن هناك انفصال بينهما. ومن ثم، فإن العبادة اليونانية والإحساس اليهودي بالقداسة يقفان على قدم المساواة، فالعبادة اليونانية للتماثيل الجميلة تنطوي على قدر من الحقيقة، فثمة قداسة في الجمال. ولكن الإنسان هو صانع هذه التماثيل، والإنسان متناه والتماثيل من ثم متناهية، ولكن تناهيها يجعلها زائفة رغم جمالها. ولذا، قامت الفلسفة القديمة بنزع القداسة من هذه التماثيل. وهذا أيضاً ما أنجزته اليهودية منذ البداية، فالإله في اليهودية متجاوز للطبيعة والإنسان ومن ثم تصبح التماثيل (وأشكال الجمال الطبيعي والمادي) غير مقدَّسة. ولكن هذا الإنجاز اليهودي له ثمنه الفادح، فهو يعني انفصال الإنسان عن الخالق ولا يمكنه أن يمتزج معه ويتحد به من خلال الحب. فعبادته للإله مبعثها الخوف والرهبة. وتأخذ التجربة الدينية اليهودية شكل الطاعة العمياء (البرانية) للقانون (الشريعة) والرغبة في الثواب ولا يوجد فيها أي أساس للروحانية، فهي تشكل انفصالاً كاملاً للموضوع عن الذات. ويرى هيجل أن هذا هو السبب في أن العالم الوثني الروماني كان يطرح مفهوماً عالمياً للحقيقة على عكس اليهودية التي تؤمن بإله عالمي ولكنها ظلت حبيسة خصوصيتها القَبَلية والقومية. ويرى هيجل أن المسيحية تحقق المثل اليوناني واليهودي معاً، إذ يخرج الإله من ذاته ليصبح إنساناً ومن ثم يصبح الإنسان إلهاً! وموقف هيجل من اليهودية يدل على عدم معرفته باليهودية التلمودية والقبَّالية، التي يتم فيها الاتحاد الكامل بين الخالق والمخلوق، والتي لا تختلف كثيراً عن القبَّالاه المسيحية والتصوف الحلولي المسيحي التي تأثر بها هيجل (من خلال أعمال جيكوب بومه وأوتينجر) . وهذه الرؤية أثرت في كتابات فيبر من بعده (وأثرت كذلك في الموقف المسيحي الغربي من الإسلام، إذ قُرنت اليهودية بالإسلام) . وقد أثر هيجل بشكل عميق في كثير من المفكرين اليهود مثل سمسون هيرش وصمويل هيرش وموسى هس وهنريسن جرايتس. وثمة مكون هيجلي قوي في الفكر الصهيوني، خصوصاً التصور الصهيوني للتاريخ. ولا شك في أن هذا الوصف لليهودية لا يخلق جواً من التعاطف مع أتباع هذه العقيدة. ولكن فكر معاداة الاستنارة (الرومانسي) كان يشكل أساساً قوياً لمعاداة اليهود في جانب آخر من جوانبه. فهو فكر يرفض فكرة الإنسان الطبيعي العام ويؤكد الخصوصية. ويرى أن لكل أمة عبقرية خاصة وسمات أزلية يحملها من ينتمي إلى هذه الأمة عن طريق الوراثة والتنشئة، وهو ما سميناه بفكرة «الشعب العضوي» التي تبدَّت في تأكيد خصوصية اليهود كشعب عضوي منفصل عن غيره من الشعوب (وهذه علمنة لفكرة الشعب الشاهد) ، فهو شعب ذو خصائص ثقافية واقتصادية ودينية فريدة وله علاقته العضوية بأرضه. ومن ثم، تنشأ فكرة ضرورة استرجاع اليهود إلى أرضهم (فلسطين) كي يحققوا الوحدة العضوية المطلوبة ويحققوا هويتهم. ويُلاحَظ أن هذه الرؤية يكسوها سطح مصقول من حب اليهود والتحيز لهم، ولكنها تُضمر تضمينات معادية لهم أو تفترض أنهم شعب عضوي سامي آسيوي لا ينتمي إلى التشكيلات العضوية الآرية في الغرب، وأنه لو مكث داخل هذه التشكيلات لأصبح عنصراً مرضياً مخرباً مصاباً بازدواج الولاء، وبالتالي لا يمكن دمجه في المجتمعات التي يوجد فيها ولابد من طرده، وهو ما سميناه «الشعب العضوي المنبوذ» . وقد تبنَّى دعاة النظريات العرْقية والقومية العضوية الرأي القائل بأن الصراع الحقيقي والحتمي هو الصراع بين الأجناس والقوميات المختلفة وليس الصراع بين الطبقات والفئات المختلفة داخل التشكيل القومي الواحد. ومن ثم، أصبح اليهود، كشعب عضوي منبوذ، عنصراً مهماً، إذ أن الجماعة العضوية تحتاج إلى جماعة عضوية أخرى تكون بمنزلة الأداة حتى تحدد هويتها من خلال رفضها لها. كما أن اليهودي المندمج الذي يتقمص شخصية غير شخصيته، على نحو ما يتصور دعاة الفكر القومي العضوي، يقف بتفككه وفقدانه هويته شاهداً على تماسك الأمم العضوية. وهكذا، نجد أن التيارين الأساسيين في الحضارة الغربية الحديثة ينطويان على قدر كبير من العداء لليهود: يتمثل الأول في دعوة اليهود إلى الاندماج بعد أن يفقدوا كل خصوصية وتميُّز، أما الثاني فيقرر ابتداءً أنهم لا يمكنهم الاندماج. ورغم اختلاف التيارين ظاهرياً، فإنهما يتفقان على رفض اليهودي. وهناك عنصر آخر في الفكر الاجتماعي الغربي ساهم بدوره في صياغة الرؤية الغربية الحديثة لليهود، ويتمثل فيه هذا الانقسام الذي لاحظناه بين مفكري عصر الاستنارة، إذ كانت بعض العناصر البورجوازية الثورية تنظر إلى اليهود باعتبارهم عنصراً مهماً لاستمرار الوجود الإقطاعي. وكان كبار مموِّلي اليهود قريبين بالفعل من النخبة الحاكمة يشكلون جماعة وظيفية وسيطة تمد أعضاء هذه النخبة بما يحتاجون إليه من أموال وبضائع، وهو ما كفل لهم شيئاً من الاستمرار ويسَّر ضرب البورجوازيات الصاعدة. ولكن الفريق الأكبر من المفكرين (من اليمين واليسار) كان يرى أن اليهود مرتبطون عضوياً بالبورجوازية والاقتصاد الجديد والليبرالية السياسية. وكان روتشيلد هناك دائماً ينهض دليلاً عملياً محسوساً يوهم بصدق هذه النظريات. وبطبيعة الحال، كانت قطاعات المجتمع المرتبطة اقتصادياً أو وجدانياً بالاقتصاد الزراعي القديم تهاجم اليهود كتجار يحملون قيم التنافس والتجارة والعلمانية. وكان دعاة القومية السلافية المعروفة بعدائها للغرب (المنحل) ولأفكار الرأسماليين (الماديين) ، يرون اليهود بتكالبهم المفترض على الثروة وبتفككهم الاجتماعي (والذي كان حقيقة مادية بالنسبة لقطاعات كبيرة من أعضاء الجماعات اليهودية في نهاية القرن التاسع عشر) شاهداً حياً على هذه المادية. ويجب أن نذكر أن فكر معاداة الاستنارة أفرز مناخاً معادياً لفكر المساواة والمثل الليبرالية والثورة، فهو يمجد العصور الوسطى وفكرة الجماعة العضوية المترابطة (الجماينشافت) مقابل الجماعة التعاقدية المفتتة (الجيسيلشافت) ، وهو التمييز الأساسي الكامن في الفكر الألماني الاجتماعي وفي معظم الفكر الغربي الثوري والرجعي. وكان اليهود جماعة وظيفية وسيطة دينامية متحركة مرتبطة بالتجارة والمال، وبالتالي بالبورجوازية الصاعدة وبالمجتمع الجديد. وقد تمت علمنة اليهود بسرعة مذهلة ربما بسبب الأزمة التي كانت تجتازها اليهودية، كما أن أعداداً كبيرة من اليهود انخرطت بطبيعة الحال في الأحزاب الليبرالية والحركات الثورية، وهو ما جعل لليهود بروزاً غير عادي في هذه الحركات وربط بين اليهود والليبرالية والثورة. وإذا كان هذا هو رأي اليمين، فإن عينات كبيرة أيضاً من اليسار ربطت بين اليهودي من جهة والرأسمالية والبورجوازية وماديتها الخسيسة من جهة أخرى. وكان العداء للرأسمالية، يأخذ في كثير من الأحيان شكل معاداة اليهود، كما هو واضح في كتابات فورييه وتوسونيل وماركس. وقد كتب سومبارت أطروحته المشهورة التي يبين فيها أن اليهود هم المسئولون عن ظهور الرأسمالية (وهذا في رأيه تعبير آخر عن فكرة الصراع بين الساميين والآريين) . والساميون هنا (أي اليهود) هم التجار المتجوِّلون، والآريون هم الفلاحون المنتجون المرتبطون عضوياً بالأرض. وكانت الأطروحة الاشتراكية تكتسب، أحياناً، بُعداً قومياً متعصباً بحيث نجد أن بعض الكتاب الألمان، بتوقهم الرومانسي إلى العصور الوسطى العضوية (الجماينشافت) ، كانوا يرون أن الرأسمالية ظاهرة غير ألمانية (دخيلة) أدخلها العنصر التجاري اليهودي الغريب، وأخذوا يدعون إلى العودة إلى حياة أكثر ألمانية وبساطة! ويتضح هذا الخط بوضوح في كتابات دوهرنج الذي كان عداؤه لليهود يستند إلى عداء صريح لليبرالية السياسية والاقتصادية، إذ كان يرى أن اليهود استغلوا الجو الليبرالي السياسي والاقتصادي ليدمروا المجتمع الألماني المتماسك ويهيمنوا عليه. وقد ذهب دوهرنج إلى أن «جمجمة الإنسان اليهودي ليست جمجمة إنسان مفكر، فهي ملأى على الدوام بالربا والشئون التجارية» . ويؤلف اليهود في نظره «عرْقاً وضيعاً لا مثيل له» . وتكتسب فكرة الحفاظ على الشرف العرْقي بعداً اشتراكياً في كتاباته إذ يؤكد ضرورة إزاحة الهيمنة اليهودية من عالم المال لتحقيق هذا الهدف. ويجب أن نضيف أن ما دعم الصور النمطية الإدراكية هو وضع اليهود المتدني حضارياً واقتصادياً وثقافياً. فالجيتو كان من أقذر الأماكن في أوربا، كما أن المتسول اليهودي كان ظاهرة عامة. ومع نهاية القرن، كانت الجماعات اليهودية في الغرب في حالة انكسار وانحلال، بعد أن تم ضرب قيادتها الدينية التقليدية وبعد أن فُرض عليها التحديث والعلمنة بكل قسوة وسرعة. وكذلك، كان القَوَاد اليهودي والبغي اليهودية يمثلان حقائق مادية صلبة. وكانت الحركات الثورية تضم في صفوفها أعداداً كبيرة من الشباب اليهودي. وكان كثير من الفضائح المالية وأعمال الغش يرتكبها يهود. كل هذا يعني أن الصور الإدراكية كانت ذات أساس واقعي، ولكنه كان أساساً واقعياً مجرداً تماماً من سياقه التاريخي حتى بدا وكأنه حقيقة كاملة. لكن العنصر الأساسي الذي ساهم في ترسيخ الصور الإدراكية الكريهة عن اليهود، وفي تصاعد الهجمات ضدهم، هو الظاهرة الإمبريالية. فقد كان القرن التاسع عشر هو عصر التوسع الإمبريالي الغربي الذي انتهى بالهيمنة على كل أنحاء المعمورة ووضع الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية موضع التنفيذ على مستوى العالم. وصاحب هذه العملية ظهور مجموعة من الأفكار والنظريات والصور الإدراكية العرْقية التي تحاول تسويغ سيطرة الإنسان الأبيض على بقية الأعراق. فضلاً عن أن الفلسفة النيتشوية كانت تكتسح أوربا، وهي فلسفة تنظر إلى الواقع باعتباره صراعاً لا يهدأ، صراع الجميع ضد الجميع، ويستند فيه البقاء لا إلى الحق والخير والجمال وإنما إلى الحركية والقوة والإرادة. كما سادت أوربا آنذاك الفلسفة الداروينية الاجتماعية، وهي أساساً رؤية للعلاقات الاجتماعية من خلال نموذج ينقل القيم التي زعم داروين أنه اكتشفها في عالم الطبيعة إلى المجتمع الإنساني. وكانت هذه الداروينية من أهم مصادر الفكر الصهيوني بخاصة، والفكر الإمبريالي بعامة، فكان يتم تبرير إبادة الملايين في أفريقيا واستعبادهم في آسيا على أساس أن هذا جزء من عبء الرجل الأبيض ومهمته الحضارية، فهو يبيد الملايين ليؤسس مجتمعات متقدمة متحضرة! ولكن الرجل الأبيض هو أساساً الرجل الأقوى الذي لا يكترث كثيراً بالخير أو الشر. ولم يكن من الممكن إدراك الواقع بطريقتين مختلفتين: إحداهما ليبرالية خاصة بأوربا، والثانية إمبريالية عنصرية خاصة بالمناطق التي تقع خارجها. فالعنصرية رؤية متكاملة للإله والطبيعة والتاريخ والإنسان. وكان محتماً أن تقع أكبر الأقليات في أوربا، وأكثرها انتشاراً وبروزاً، ضحيةً لهذا التحول الإدراكي والاجتماعي. تاريخ معاداة اليهود منذ القرن الثامن عشر History of Anti-Semitism since the Eighteenth Century تتمثل السمة الأساسية في أدبيات معاداة اليهود في العصر الحديث أن تُنسَب إلى اليهودي صفات خفية ثابتة لصيقة به لا يمكنه التخلص منها إذا شاء أن يفعل. فبينما كان بوسع اليهودي في الماضي أن يتخلص من هويته تماماً عن طريق التنصر ودخول الكنيسة التي كانت تفتح له دائماً ذراعيها، فإن هذا البديل لم يَعُد مطروحاً في العصر الحديث، مع ظهور النظريات المادية التفسيرية (للإنسان والكون) التي تفسر الكون في إطار مجموعة من القوانين المادية الحتمية التي تخضع لها الظاهرة. إذ أن سمات اليهودي وخصائصه أصبحت خصائص وراثية وسمات بيولوجية ذات جذور مادية عرْقية ومن ثم لا يمكنه الفكاك منها مهما بذل من جهود. بل إن اندماج اليهود، ورغبة بعضهم في الهرب من يهوديتهم تشبُّهاً بالأغلبية، هما في الواقع (حسب الرؤية الحديثة لمعاداة اليهود) مؤشرات على نجاحهم في التخفي والتمسك بالهوية! ويمكننا أن نقول إن ثمة أسباباً كثيرة أدَّت مجتمعة إلى تَفجُّر موجة معاداة اليهود في أواخر القرن الماضي: 1 ـ أدَّت الثورة الصناعية والثورة الليبرالية، وظهور الدولة القومية، إلى فقد اليهود لدورهم التقليدي كجماعة وظيفية وسيطة، إذ ظهرت طبقات محلية يمكنها أن تضطلع بهذا الدور. كما أن الدولة القومية استوعبت كثيراً من الوظائف التي كان يقوم بها أعضاء الجماعة. وقد تحوَّل معظم أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب إلى طبقة وسطى في نهاية الأمر، ولكن الفجوة الزمنية بين الفترتين أدَّت إلى تَفجُّر مشاعر الكراهية ضد قطاع بشري لم يَعُد له أي نفع ولم يكتسب وظائف جديدة بعد. 2 ـ تكتسب الدولة القومية شرعيتها من التاريخ المشترك والثقافة المشتركة. ويستند النقد الاجتماعي العلماني (للمجتمع الإقطاعي والديني) إلى هذين العنصرين، ومن ثم يتحدد الانتماء أو عدم الانتماء بمقدار مشاركة المواطن في هذا التاريخ والثقافة. وقد كانت الجماعات اليهودية عادةً ذات هوية مستقلة نوعاً عن محيطها الثقافي، الأمر الذي كان يجعلها تقع معنوياً خارج دائرة العقد الاجتماعي مع أنها كانت فعلياً داخل دائرة المجتمع، وهو ما ولَّد كثيراً من العداء تجاه أعضاء الجماعات اليهودية. 3 ـ تعثُّر التحديث في وسط أوربا وشرقها في نهاية القرن التاسع عشر. 4 ـ وجود أغلبية يهود العالم في أوربا الشرقية (يهود اليديشية) في بلاد لم تَسُد فيها المُثُل القومية الليبرالية، وفي مناطق حدودية مُتنازَع عليها، وفي روسيا (البلد الذي كانت تحكمه بيروقراطية متخلفة لا تفهم وضع اليهود) . 5 ـ ارتباط اليهود بالحركات الثورية العلمانية اليمينية واليسارية. فقد كان اليهود رمزاً واضحاً للمجتمع الصناعي الرأسمالي الجديد، وبالتالي أصبحوا هدفاً للجماهير التي اقتلعها الاقتصاد الجديد وألقى بها في المدن والمصانع للعمل تحت ظروف غير إنسانية. ومن ثم أصبح اليهودي بالنسبة إلى البورجوازيات الصغيرة الضعيفة، في كلٍّ من ألمانيا وبولندا وروسيا، هو العائق الأساسي الذي يقف حجر عثرة في طريق نموها الاقتصادي لأنه غريم قوي. كما كان الجميع يرون في اليهودي يسارياً ثورياً يهدد المجتمع من أساسه. ويبدو أن عدداً كبيراً من أعضاء الجماعات اليهودية انضموا للأحزاب الشيوعية الحاكمة في روسيا وشرق أوربا، واشتركوا في عمليات قمع المعارضة التي قامت بها الأحزاب الشيوعية الحاكمة، فارتبط أعضاء الجماعات اليهودية في الذهن الشعبي بهذه النظم. ورغم عدم وجود يهود في كثير من بلاد أوربا الشرقية، إلا أن العداء لليهود لا يزال مستمراً بسبب العداء الراسخ للشيوعية. 6 ـ مع الإعتاق السياسي والاقتصادي لليهود، لم تعد الجماعة اليهودية جماعة وسيطة مغلقة تعيش في مسام المجتمع داخل الجيتو ويمكن التسامح معهما، بل خرج أعضاؤها إلى المجتمع ليلتحموا بالبناء الطبقي والاجتماعي والثقافي للمجتمع، وقد حققوا حراكاً اجتماعياً وطبقياً كبيراً، وانتشروا بأعداد كبيرة في أنحاء أوربا بسبب الانفجار السكاني الضخم بينهم. وأدَّى كل هذا إلى احتكاك واسع المدى بين أعضاء الجماعات اليهودية وبين بعض قطاعات المجتمع تحت ظروف لم تكن مواتية تماماً بسبب الثورة الصناعية التي حرمت الملايين من الأمن التقليدي الذي كانوا يتمتعون به في المجتمع الزراعي. 7 ـ انتشر اليهود في المجتمعات الغربية بعد أن ضعفت هويتهم وقيمهم الدينية، وبعد أن اقتُلعوا من محيطهم الثقافي المألوف لهم. ولذا، كانت تنتشر بينهم ظواهر مثل الغش والسرقة، الأمر الذي عزز من الصور الإدراكية السلبية عنهم. 8 ـ أصبح كثير من اليهود ممن يمكن تسميتهم «يهود غير يهود» ، أي يهود ليس فيهم من اليهودية سوى الاسم، فقد تآكلت هويتهم الدينية والإثنية تماماً، ومع هذا استمرت المجتمعات الغربية في تصنيفهم يهوداً. وهذا أمر جعل الناس يشعرون أن اليهود يوجدون في كل مكان وزمان. 9 ـ هؤلاء اليهود غير اليهود كان لابد من تعريفهم بطريقة ما. وقد تم تعريفهم بطريقة عرْقية مجردة حيث كان التعريف الديني التقليدي غير ممكن. فالعنصر المشترك بين الشحاذ اليهودي من شرق أوربا والموسيقار اليهودي من غربها والتاجر اليهودي من وسطها، لم يكن الدين أو حتى هوية قومية بعينها، وإنما كان خاصية مادية عرْقية افتراضية كامنة غير ظاهرة ولا واضحة المعالم، وهي الخاصية البيولوجية اليهودية التي كان الجميع يفترضون وجودها برغم عدم ظهورها. 10 ـ من المفارقات التي تستحق التسجيل أنه مع تزايد الحقوق المعطاة لأعضاء أية أقلية يزداد العداء لها؛ ذلك لأن الأقلية حينما يتم حصرها تلزم مكانها، وحينما تتم عملية القمع بموجب القانون أو بحكم البنية الاقتصادية والسياسية للمجتمع، يقل العنف الفردي إذ تتكفل المؤسسات بعملية العنف. ومن هنا، لم تكن ثمة عمليات اختطاف وشنق للزنوج في جنوب أفريقيا في حين كانت هذه الظاهرة منتشرة في الولايات المتحدة، ومن هنا أيضاً كان خلو إسرائيل من العنف الشخصي (على الأقل حتى نشوب الانتفاضة) . وقد تزايد الكره الفردي الموجه لليهود مع تزايد معدلات الإعتاق والعلمنة. كما تزايد الهجوم عليهم لأنه هجوم على خطر خفي غير ظاهر، إذ أن اليهودي المندمج لا يتصرف كما يتصرف اليهودي بشكل يسهل رصده، وإنما يتصرف بشكل " طبيعي " باعتباره فرداً عادياً في المجتمع، الأمر الذي يجعل من رصده عملية مستحيلة. 11 ـ ظهور الإمبريالية الغربية، والنظريات العرْقية والداروينية التي صاحبتها، والتي جعلت من الصراع حقيقة أساسية في الوجود الإنساني وقبلت القوة العضلية معياراً أساسياً. 12 ـ من أهم أسباب تزايد مشاعر العداء لليهود الانفجار السكاني بين يهود اليديشية في شرق أوربا في وقت سادت فيه أفكار مالتوس وزاد الحديث عن وجود فائض سكاني لابد من التخلص منه. وقد صدَّرت شرق أوربا ملايين اليهود إلى وسطها وغربها وإلى الولايات المتحدة. وكان يهود شرق أوربا كتلة متميِّزة متخلفة متحللة، وكان وصولهم يصعِّد مشاعر الكراهية ضدهم. وكان السكان لا يميِّزون بين اليهود الوافدين واليهود الأصليين إذ أن الجميع مجرد «يهود» . ولم يكن الوافدون يهوداً وحسب، وإنما أجانب وغرباء أيضاً. وكان اليهود مرتبطين أحياناً بالعدو، كما هو الحال في فرنسا، وخصوصاً في الألزاس واللورين، فاليديشية التي كانوا يتحدثون بها كانت رطانة ألمانية. 13 ـ أدَّى ظهور وسائل الإعلام الحديثة إلى وجود قنوات تنقل الفكر العنصري بسهولة ويسر إلى ملايين الناس وتشيعه بينهم. 14 ـ تزامن كل هذا مع الكساد الاقتصادي في أواخر القرن، الأمر الذي زاد من حدة التوتر الاجتماعي. وقد أدَّت كل هذه الأسباب مجتمعةً إلى تحوُّل كُره اليهود من مجرد عواطف إنسانية كامنة إلى حركات سياسية. ويعود التاريخ الحديث لمعاداة اليهود على أساس عرْقي إلى عام 1873 (في وسط أوربا) ، وذلك مع انهيار البورصة التي كان لبعض المموِّلين اليهود ضلع فيها، ومع الصعوبات الاقتصادية التي بدأت تطل برأسها. وقد أسس قس البلاط الألماني، أدولف ستوكر، حزباً مسيحياً اجتماعياً عام 1878، وتوجه إلى البورجوازية الصغيرة وكذلك إلى المهنيين الذين كانوا يتصورون أنهم ضحية هيمنة الرأسمالية اليهودية على الاقتصاد. وطرح الحزب مفهوماً عضوياَ للقومية يستبعد اليهود ويراهم خطراً على الأمن. وفي هذه الفترة، ظهرت كتابات دوهرنج وترايتشكه وغيرهما. وفي عام 1880، أُسِّست في برلين عصبة المعادين لليهود. وقدَّم المعادون لليهودية عريضة للحكومة الألمانية موقعة من 225 ألف شخص تطلب إلى الحكومة أن توقف جميع أشكال الهجرة اليهودية التي كانت تتدفق من الجيب البولندي وأن تصدر تشريعات لاستبعاد اليهود. وقد عُقد أول مؤتمر دولي لمعاداة اليهود في عام 1882 وضم ثلاثة آلاف مندوب. وفي عام 1893، حققت الأحزاب المعادية لليهود في ألمانيا أكبر نجاح انتخابي لها حين حصلت على ستة عشر مقعداً بعد أن نالت ربع مليون صوت. أما في النمسا، فقد شهد عام 1871 نشر كتاب عن التلمود من تأليف أوجست رولنج، ترك أثراً عميقاً في حركة معاداة اليهود. وفي عام 1895، تم انتخاب كارل ليوجر زعيم أعداء اليهود رئيساً للبلدية في فيينا. وقد حاول الإمبراطور أن يوقف تعيينه ورفضت الحكومة المصادقة على التعيين، ولكنه تقلَّد منصبه في نهاية الأمر عام 1897 بعد أن أعيد انتخابه ثلاث مرات. وظل العداء لليهود يتصاعد إلى أن وصل إلى ذروته مع انتخاب هتلر ووصول النازيين إلى الحكم. وقد كانت معاداة اليهود في فرنسا سلاحاً مهماً في يد بعض العناصر الملكية والكنسية المعادية للثورة الفرنسية ومُثُلها. وشهدت هذه الفترة نشر كتاب درومون فرنسا اليهودية. وفي أواخر عام 1892، وقعت فضيحة قناة بنما التي لعب فيها بعض المموِّلين اليهود دوراً ملحوظاً. وشهد عام 1894 حادثة دريفوس أحد ضباط الأركان العامة للجيش الفرنسي والذي اُتهم بأنه خان بلاده وسلم بعض المعلومات المتعلقة بأمنها إلى ألمانيا. وقد دافعت عنه القوى الليبرالية، في حين وقفت القوى المحافظة والمعادية لليهود ضده. وشهدت روسيا أشكالاً مختلفة من معاداة اليهود، وبخاصة بعد اغتيال القيصر ألكسندر الثاني عام 1881 حيث صدرت قوانين مايو (1881) ، وانتشرت موجة من المذابح من أشهرها مذبحة كيشينيف عام 1903. وبعد عام 1905، ظهرت جماعات المائة السود بدعم خفي من الحكومة كما يُقال، وقامت بالهجوم على اليهود في عدة مدن، كما وُجِّهت تهمة دم ضد بيليس عام 1911 وبُرِّئ منها. أما في بولندا، فإن الطبقة الوسطى الصاعدة ناصبت الجماعة اليهودية الوسيطة العداء بسبب احتفاظها بهوية غربية مستقلة (يديشية) وبسبب تاريخ التحالف الطويل بينها وبين النخبة الإقطاعية الحاكمة. وقد نظم البولنديون حركات مقاطعة ضد اليهود في أعقاب الحرب العالمية الأولى. وكانت الحكومة تتفاوت في موقفها من التأييد لحركات العداء أو محاولة وقفها. ثم قام النازيون بإبادة أعضاء الجماعة اليهودية في بولندا ضمن من أبادوا من ملايين أخرى. وبعد الثورة البلشفية في الاتحاد السوفيتي، تغيرت بنية المجتمع ومؤسساته وتوجيهاته. وواجه أعضاء الجماعات اليهودية شيئاً من التمييز العنصري، ولكن هذا لم يكن نابعاً من سياسة الدولة التي كانت تُجرِّم معاداة اليهود، وإنما كان أمراً عادياً يسم علاقة الأقلية بالأغلبية. ولعل أكبر دليل على تَراجُع معاداة اليهود تَزايُد معدلات الاندماج والزواج المختلط. ومع هجرة يهود اليديشية وحرب البوير (1899) التي وقف ضدها كثير من قطاعات الرأي العام في إنجلترا، شهدت إنجلترا موجة من العداء لليهود، وقيل إن المصالح المالية اليهودية كانت وراء دخول إنجلترا هذه الحرب. وقد ازداد الحديث عن الخطر اليهودي بشكل مبالغ فيه، وصدرت قوانين الغرباء عامي 1902 و1905 لمنع دخول الأجانب، أي اليهود. أما في الولايات المتحدة والدول الاستيطانية الأخرى، مثل: جنوب أفريقيا وكندا وأمريكا اللاتينية، فلم يجابه اليهود أية معاداة إلا في جنوب أفريقيا وأمريكا اللاتينية، بخاصة في الثلاثينيات، ولكنها تلاشت بمرور الوقت وبتناقص عدد أعضاء الجماعة. ويمكننا تقسيم بلاد العالم الغربي، من منظور معادة اليهود، إلى أربعة أقسام: 1 ـ بلاد التحديث الحر، مثل: إنجلترا، وهولندا، وبلجيكا، وفرنسا (إلى حدٍّ ما) . وكلها بلاد لها مستعمرات يُصدَّر لها الفائض البشري والتوترات الاجتماعية، وفيها طبقة رأسمالية قوية وحكومات ليبرالية منتخبة. وتتسم الجماعات اليهودية فيها بقلة عدد أعضائها. وهذه البلاد لا توجد فيها ظاهرة معاداة اليهود بشكل حاد أو مستمر. 2 ـ بلاد التحديث الشمولي (تحت رعاية الدولة) - ألمانيا أساساً ـ وهي بلد ليس لها مستعمرات، إذ أُجهضت تجربتها الاستعمارية وتحالفت الطبقة الرأسمالية فيها مع الطبقات الإقطاعية لتضمن لنفسها النجاح. وبرغم قلة أعضاء الجماعات اليهودية، فقد كان لهم بروز واضح في المجالات الاقتصادية والثقافية والإعلامية. وقد ظهر فيها العداء لليهود بشكل واضح. 3ـ بلاد التحديث المتعثر، مثل: روسيا وبولندا وبعض بلاد وسط أوربا. وهي بلاد لم يكن لها مستعمرات، ولم يكن اقتصادها متقدماً، وكان القطاع الرأسمالي فيها ضعيفاً، كما كانت هذه البلاد تتسم بأنها تضم جماعات يهودية كبيرة. وقد تعثَّر التحديث في هذه البلاد، وتفشت فيها ظاهرة عداء اليهود. ومع استئناف التحديث على النمط الاشتراكي، اختفت الظاهرة أو ضَمُرت، واتجهت المؤسسات نحو دمج أعضاء الجماعات اليهودية. وكانت الدعاية الصهيونية تتهم الاتحاد السوفيتي بمعاداة اليهود المتمثلة في محاولة دمج اليهود، بل وأُطلق على ذلك «هولوكوست الاندماج» . ولكن معاداة اليهود تبدو دائماً في شكل النظر إلى اليهود باعتبارهم عنصراً غريباً لا يمكن دمجه، وبالتالي لابد من طرده أو على الأقل تشجيعه على الهجرة. أما في الاتحاد السوفيتي، فقد كان الوضع على عكس ذلك تماماً، إذ حاول المجتمع دمجهم فيه بينما كانت القوى الصهيونية هي التي تحاول إخراجهم منه. وإذا كانت أعداد كبيرة من أعضاء الجماعات اليهودية قد تلاشت أو انصهرت، فإن هذا يرجع إلى آليات اجتماعية وبنيوية مركبة. 4 ـ المجتمعات الاستيطانية، مثل: الولايات المتحدة، وكندا، وأستراليا، وجنوب أفريقيا. وهذه مجتمعات لم يعرف معظمها ظاهرة العداء لليهود، ربما باستثناء أمريكا اللاتينية وجنوب أفريقيا. وقد استقر اليهود في هذه البلاد وواجهوا المصاعب التي تواجهها أية جماعة مهاجرة. ومن الطريف أنه برغم وجود عداء لليهود في صفوف الحزب الحاكم في جنوب أفريقيا، فإن الحكومة لم تلجأ قط إلى تشجيع اليهود على الهجرة، كما يفعل المعادون لليهود عادةً، وذلك لأن مجتمع جنوب أفريقيا مجتمع استيطاني في حاجة ماسة إلى العنصر البشري الأبيض. ومن ثم، تُعَدُّ الهجرة إلى إسرائيل أو إلى أي بلد آخر «خيانة وطنية» . ويُثير ظهور الدياسبورا الإسرائيلية في الولايات المتحدة قضية مهمة تتصل بالعداء الموجه إليهم من قبل المنظمات الصهيونية التي ترفض مد يد المساعدة لهم في عملية الهجرة والاستقرار هناك. والشيء نفسه ينطبق على المتساقطين، وهم المهاجرون الروس الذين كانوا يهاجرون من الاتحاد السوفيتي بحجة الذهاب إلى إسرائيل، ثم يتجهون إلى الولايات المتحدة بدلاً من ذلك. فهل يُعتبَر العداء لمثل هؤلاء وعدم مساعدتهم على الهجرة والاستيطان أينما شاءوا، بل وإغلاق أبواب الهجرة إلى ألمانيا والولايات المتحدة أمامهم، ضرباً من معاداة اليهود؟! أما في العالم العربي الإسلامي، فقد تناقص عدد اليهود بشكل ملحوظ، كما أن أغلبيتهم العظمى حصلت على جنسيات أجنبية في فترة الهيمنة الاستعمارية، حتى يتسنى لهم التمتع بالمزايا التي تمنحها القوانين المختلطة للأجانب. ومع ظهور الحركة الصهيونية، تشابك مصير من تبقَّى من أعضاء الجماعات اليهودية في العالم العربي مع الدولة الصهيونية، وانتهى الأمر بتصفية كل هذه الجماعات تقريباً باستثناء المغرب الذي بقيت فيه أقلية صغيرة. وقد ظهرت في العالم العربي ترجمة للوثيقة المسماة بروتوكولات حكماء صهيون وكتب عن تهمة الدم، وهي أفكار تضرب بجذورها في التشكيل الحضاري الغربي، ومع هذا يتردد صداها الآن في صفوف بعض العناصر المحبة للإثارة والتي لا تتوانى عن استخدام أنصاف الحقائق لإحراز سبق صحفي أو ذيوع إعلامي. أما مراكز البحوث العربية، فلا تعير مثل هذه الوثائق، المشكوك في أمرها، أي اهتمام. ولا يمكن فصل تاريخ معاداة اليهود عن تاريخ الصهيونية، فكلاهما ثمرة آليات وحركيات توجد داخل التشكيل الحضاري الغربي وتنبع منه. والواقع أن مفهوم الشعب العضوي المنبوذ هو القاسم المشترك الذي يصل بين الظاهرتين (معاداة اليهود والصهيونية) ، وكل ما هنالك هو أن عداء اليهود الذي كان يهدف إلى تدمير اليهود أصبح أكثر عقلانية ورشداً. وبعد ظهور مفهوم نفع اليهود، أصبح الهدف هو توظيفهم، فظهرت الصيغة الصهيونية الأساسية ثم الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة، والتي تم تهويدها حتى يتمكن اليهود من استبطانها. وليس من قبيل الصدفة أن ألمانيا، مهد الفكر العضوي العرْقي والنظرية النازية هي ذاتها مهد الفكر الصهيوني. كلاسيكيات العداء لليهود منذ القرن الثامن عشر Classics of Anti-Semitism since the Eighteenth Century وُلدت الأفكار الحديثة لمعاداة اليهود، وكذلك صورها الإدراكية، داخل هذا الإطار. ومن أهم وأول الإسهامات الغربية في هذا المضمار استخدام التمييز بين الآريين والساميين ونقله من المجال اللغوي إلى المجال الحضاري ثم العرْقي. وهذا ما فعله الكونت جوبينو في كتابه مقال في التفاوت بين الأعراق الإنسانية (1853 ـ 1855) ، فبسَّط النظريات السائدة، وقسَّم البشر إلى أعراق: أبيض (آري) ، وأصفر، وأسود. وذهب إلى أن الجنس الآري الأبيض هو مؤسس الحضارة، وأن السمات المتفوقة لهذا العرْق لايمكن الحفاظ عليها إلا عن طريق النقاء العنصري. وأكد جوبينو أن التيوتونيين هم أرقى العناصر الآرية لأنهم وحدهم الذين احتفظوا بنقائهم. وتوالت بعد ذلك الأعمال العرْقية الغربية المعادية لليهود، ومن أهمها كتاب ولهلم مار (1818ـ1904) انتصار اليهودية على الألمانية: من منظور غير ديني (1862) . وكان مار مواطناً ألمانياً (يُقال إنه كان يهودياً) ، ثم انضم إلى جماعة فوضوية إلحادية في سويسرا بعد فشل ثورة 1848. وقد طُبعت من الكتاب اثنتا عشرة طبعة حتى عام 1879. وتحل في كتابه كلمتا «سامي» و «سامية» ، محل «يهودي» و «يهودية» . وهو الذي أشاع مصطلح «أنتي سيميتزم» ، أي «معاداة السامية» ، في اللغات الأوربية، وبيَّن في دراسته ما زعم أنه الهيمنة اليهودية على الاقتصاد والثقافة، كما أسس جماعة تضم أعداء اليهود عام 1879. ومن أهم الشخصيات التي أضفت كثيراً من الاحترام على النظريات العرْقية المعادية لليهود الموسيقار الألماني ريتشارد فاجنر (1813 ـ 1883) ، وكان صديقاً لجوبينو، وتأثر بكتابات مار. وقد طبع فاجنر كتابه أضوء على اليهود في الموسيقى (1850، ثم 1869) ، مصوراً إياهم باعتبارهم تجسيداً لقوة المال والتجارة، ومنكراً علىهم أي إبداع في الموسيقى والثقافة. ثم نشر سلسلة مقالات بعنوان: «الفن الألماني والسياسة» طرح فيها فكرته الخاصة برسالة الشعب الألماني (الخالص) المعادية للمادية الفرنسية واليهودية. وقد اتهم فاجنر اليهود بالهيمنة على الحياة الثقافية في ألمانيا وطالب بحرمانهم من حقوقهم السياسية، كما تحدث عن دمار أو إبادة أو اختفاء (بالألمانية: أونترجانج Untergang) اليهود، أي تخليص الحياة الثقافية من اليهود بالقوة، أو دمجهم تماماً عن طريق الفن والموسيقى. وقد تركت أفكار فاجنر أثراً عميقاً في هتلر، ومن ثم كانت ذات مكانة خاصة في التجربة النازية (ولهذا، كانت موسيقى فاجنر ممنوعة حتى عهد قريب في إسرائيل) . وكان لإسهام المفكر السياسي والمستشرق الألماني بول أنطون دي لاجارد (1827ـ 1891) أبعد الأثر في تضخيم الهالة الثقافية والعلمية حول معاداة اليهود. كان لاجارد يحن إلى حضارة العصور الوسطى التيوتونية الخالصة (العضوية) ، كما كان يؤمن بالشعب العضوي (الفولك) الألماني وتفوُّقه على الشعوب الأخرى، ويرفض مبدأ المساواة. بل وكان يرى أن الليبرالية مؤامرة عالمية خطيرة. ولم يشأ التعبير عنها بأي من اللونين الأحمر أو الأسود، فهما لونان لهما شخصيتهما، بل وقع اختياره على الرمادي، وانتهى به المطاف إلى اكتشاف وجود الأممية الرمادية التي استنكرها لأنها تشكل حجر عثرة في سبيل تحقيق خلاص الأمة الجرمانية وأداء رسالتها «نحو العلم» ، على حد قوله، كما تقطع الطريق على الأماني والأطماع الجرمانية الرامية إلى إخضاع أوربا الوسطى للسيطرة الألمانية، والتخلص من إمبراطورية هابسبورج، وإجلاء السلاف عن البلاد بالقوة لأنهم ليسوا من سكانها الأصليين. وبطبيعة الحال، ربط لاجارد بين الليبرالية الأممية الرمادية واليهود، الذين وصفهم بأنهم يشكلون عبئاً كريهاً ولا مغزى تاريخي لهم، يهدِّدون رسالة ألمانيا ووحدتها القومية. ولم تكن أفكار لاجارد عنصرية سوقية وإنما كانت عنصرية أكاديمية تستخدم ديباجات علمية، فقد كان يؤكد أنه لا يكن أي عداء لليهود كأفراد وإنما يعادي أمة سامية وثنية غريبة يُعرْقل وجودها (الموضوعي) اتحاد أوربا الوسطى تحت قيادة ألمانيا، ولذا فلابد من طرد أعضائها أو ترحيلهم بالقوة. ومن الشخصيات التي ساهمت في إشاعة هذه الأفكار المعادية لليهود على أساس عرْقي، المؤرخ والسياسي الألماني هنريش فون ترايتشكه (1834 ـ 1896) الذي كان يُعَدُّ من أهم المفكرين الألمان في عصره، وهو ما أكسب هذه الأفكار قدراً كبيراً من المصداقية والاحترام. وصف ترايتشكه الهجوم على اليهود بأنه هجوم وحشي، ولكنه رد فعل طبيعي للمشاعر القومية الألمانية ضد عنصر غريب (الشعب العضوي في مواجهة الشعب العضوي المنبوذ) ، ثم طرح الشعار المشهور «اليهود مصيبتنا» . وحذر الألمان من التدفق اليهودي من الخزان البولندي (إشارة إلى الانفجار السكاني بين يهود بولندا) ، وهو تدفُّق لا ينضب، «جمع من الشباب الطموحين بائعي الملابس القديمة الذين سيسيطر أطفالهم وأطفال أطفالهم يوماً ما على سوق الأوراق المالية والصحف في ألمانيا» . وقد تبدَّى هذا الرفض لليهود في شكل تعاطُف مع المشروع الصهيوني. ومن الشخصيات الأخرى التي أشاعت الفكر العرْقي المعادي لليهود هيوستون ستيوارت تشامبرلين (1855 ـ 1927) ، وهو بريطاني المولد فرنسي النشأة ألماني بالاختيار، فقد كان معجباً بالثقافة الألمانية إعجاباً عميقاً. وقد تصادق مع فاجنر وتزوج ابنته، وتأثر بأفكار جوبينو ولاجارد، وألَّف أهم كتب العنصرية الغربية أسس القرن التاسع عشر (1899) . وقد آمن تشامبرلين بتفوُّق الإنسان النوردي الأشقر، وبأن قدر التيوتونيين هو قيادة الإنسانية جمعاء، فكل ما هو عظيم في العالم من إبداعهم. وأكد تشامبرلين أن اختلاط الأجناس هو سبب التخلف. واليهود، بحسب رأي تشامبرلين، يشكلون عرْقاً هجيناً متحركاً هامشياً طفيلياً لاجذور له. وهم غير قادرين على الإبداع، ولا يوجد لديهم إحساس ديني، بل إن وجودهم ذاته جريمة ضد الإنسانية. وذهب تشامبرلين إلى أن الشخصيات المهمة في بدايات التاريخ اليهودي، مثل داود والأنبياء والمسيح، من أصل ألماني! وتنبأ بالمواجهة الحتمية بين الساميين والآريين. ومن الملاحَظ أن معظم كتب معاداة اليهود (وأكثرها حدة) ألمانية. ولعل هذا يعود إلى مجاورة ألمانيا للجيب البولندي، وإلى وجود عنصر يهودي قوي في عالم الاقتصاد الألماني، وإلى دخول ألمانيا إلى الساحة الإمبريالية متأخرة من الناحية الزمنية، الأمر الذي أثر في مساحة الرقعة الجغرافية التي استعمرتها. ومن هنا، اضطرت ألمانيا إلى أن تنفث سمها العنصري في أوربا (ضد اليهود والسلاف) لا خارجها (ضد الأفارقة والآسيويين والمسلمين) . ومع هذا، فليس بإمكاننا إنكار أن معاداة اليهود ظاهرة غربية تشمل شتى دول العالم الغربي، شأنها في هذا شأن الصهيونية. ولهذا، لم تقتصر كُتب معاداة اليهود على ألمانيا. وقد أشرنا من قبل إلى جوبينو الفرنسي، ويمكن أن نشير الآن إلى إدوار أدولف درومون (1844 ـ 1917) ، وهو أيضاً فرنسي، وقد ضمن أفكاره كتاب فرنسا اليهودية (1886) الذي طُبع أكثر من مائة طبعة، وكان من أكثر الكتب الأوربية رواجاً ومبيعاً في القرن التاسع عشر. وقد ألف درومون كتباً أخرى تتضمن الأفكار نفسها والرؤية نفسها. وكان درومون يرى أن يهود فرنسا عنصر أجنبي غريب يستغل النظام الاقتصادي الفرنسي لتحقيق منافعه الخاصة وبسط سيطرته على العالم، وأنهم عنصر تجاري بطبيعته، يسيطر على المشاريع التجارية والصناعية الكبرى التي تعوق نمو الطبقة الوسطى المسيحية الناشئة، فهم يركزون الثروة في أيديهم (مثل روتشيلد) ويشكلون خطراً على مستقبل الطبقة العاملة في البلاد. وهم يتسمون بخصائص وميزات عرْقية منحطة وغير نقية، ويعملون على إفساد الروح الفرنسية، وتقع عليهم تبعة الانهيار والانحطاط السائدين في فرنسا بطولها وعرضها. واليهود يؤلفون «دولة داخل دولة» و «أمة داخل أمة» ، ولذلك فإن اندماجهم ليس ممكناً، كما أن اختلاطهم بالشعب الفرنسي عن طريق التزاوج أمر غير مرغوب فيه. وهم بلا وطن حقيقي، ولا يخضعون لأية روابط فعلية، بل سيبقون إلى الأبد كما كانوا دوماً عنصراً غريباً في جسم الأمة يختلف بصورة جوهرية عن الفرنسيين، ويجب معاملتهم على الأسس التي يقترحها هو والنظر إليهم من تلك الزاوية. فهم لا يستحقون التحرر مطلقاً، بل يجب وقف تحرُّرهم ومصادرة ممتلكاتهم وأموالهم على أن يُستخدَم ذلك لإيجاد وسائل إنتاجية للطبقة العاملة التي لا تزال مُستَغَلة. وقد ساهم كتاب درومون في صياغة رؤية كثير من المفكرين اليهود وغير اليهود للمسألة اليهودية ومنهم هرتزل. ومن المفكرين الإنجليز الذين بادروا إلى معاداة اليهود، المؤرخ والمصلح التربوي البريطاني جولدوين سميث (1823 ـ 1910) ، فقد نشر عام 1878، مع بدايات هجرة يهود اليديشية من روسيا إلى إنجلترا، عملاً حاول فيه أن يبرهن على استحالة أن يصبح اليهود مواطنين في دول أوربا المضيفة، كما حاول أن يبرهن على أن وجودهم يشكل خطراً سياسياً على بلده. أما اليهودية، فهي في رأيه دين عنصري يتمسك به اليهود بضراوة ويحل فيه العنصر أو العرْق محل البلد الذي فقدوه. الأمر الذي جعلهم يرفضون الاختلاط بالناس ويجلب عليهم بُغض الشعوب. ولهذا السبب، نادى سميث بحل صهيوني للمسألة اليهودية. وقد ظهرت أعمال أدبية أخرى، مثل بروتوكولات حكماء صهيون، تردد الأفكار نفسها التي وردت في الكتب السابقة. والواقع أن بروتوكولات حكماء صهيون تصوِّر الأفكار السابقة بطريقة شعبية تصل إلى وجدان البسطاء بسرعة وتجسد المخاطر، التي تحدَّث عنها تشامبرلين أو ترايتشكه، في شكل مؤامرة عالمية متعيِّنة، واجتماعات عقدها الحاخامات للسيطرة على العالم، أي أن البروتوكولات تشيع الأفكار نفسها بأسلوب يشبه أسلوب صحافة الإثارة والجريمة والجنس. التحامل على اليهود Prejudice Against the Jews «التحامل على اليهود» ـ حسب رأي الحاخام أبا هليل سيلفر ـ يختلف عن «التعصب ضد اليهود» . فالتعصب هو الرفض الجذري والنشط الذي يمارسه بعض أعضاء الأغلبية ضد أقلية إثنية أو دينية ما. وفي حالة أعضاء الجماعة اليهودية، فإن التعصب يترجم نفسه إلى «معاداة اليهود» وما يصاحبها من أنماط إدراكية ثابتة قد تتحوَّل إلى هجوم شرس عليهم. أما التحامل، فهو أقرب ما يكون إلى مزاج سلبي ضد أعضاء أقلية ما وعدم تقبُّل لهم، وهو لا يترجم نفسه إلى إرهاب وعنف بل يأخذ شكل نكتة ساخرة أو تمييز خفيف يتعلق بالتفاصيل وليس بالجوهر والحقوق. والتحامل ظاهرة موجودة في كل المجتمعات البشرية وليس من المحتمل أن تزول إلا في نهاية التاريخ، فعلاقة الأغلبية بالأقلية سيشوبها دائماً نوع من التوتر. والتحامل على أعضاء الجماعات اليهودية أمر موجود بطبيعة الحال في معظم المجتمعات التي يوجدون فيها، ولكن ما يحدث أن كثيراً من الصهاينة يخلطون بين التحامل على اليهود والتعصب ضدهم وتصبح كل الأمور بالنسبة لهم «عداءً للسامية» . والهدف من هذا هو تأكيد عزلة اليهود وتأكيد أن مجتمعات الأغيار تنبذهم بطبيعتها، ومن ثم لا يوجد حل سوى الحل الصهيوني. وقد بين العالم الإسرائيلي موردخاي ألتشولار أن ما يواجه يهود روسيا وأوكرانيا في الوقت الحالي ليس هو العداء الشرس لليهود وإنما هو شكل من أشكال التحامل عليهم وحسب (ولكنه لم يستخدم المصطلح) . وقد شبه ألتشولار يهود روسيا بيهود الولايات المتحدة، فاليهود المتعلمون الباحثون عن النجاح المادي والمهني منهم مستعدون للتعايش مع قدر غير محسوس من معاداة اليهود أو التحامل عليهم، أي إذا لم يكن هذا العداء ملموساً في حياتهم اليومية ولا يعوق تقدُّمهم واندماجهم. معاداة السامية الجديدة New Anti-Semitism «معاداة السامية الجديدة» (أي «معاداة اليهود الجديدة» ) مصطلح ظهر مؤخراً في المعجم الصهيوني يشير إلى عدة مدلولات من أهمها ما يلي: 1 - ما يزعم الصهاينة أنه أشكال جديدة من معاداة السامية، هي في حقيقة الأمر إعادة إنتاج للأشكال القديمة. ويضربون مثلاً لهذا بالعداء للدولة الصهيونية. فحينما ترتكب الدولة الصهيونية مذبحة مثل قانا فتدمغها معظم دول العالم، وحينما تُبنَى مستوطنة جديدة في القدس أو على حدودها وتصدر هيئة الأمم المتحدة قراراً بإدانتها، فإن هذا يكون تعبيراً عن النمط القديم: عداء الأغيار الأزلي لليهود. 2 - يُستخدَم المصطلح أيضاً للإشارة إلى ما يسميه الصهاينة «معاداة السامية الإسلامية» ، أي عداء المسلمين لليهود. وهم يرون أن هذا النوع من العنصرية آخذ في التزايد حيث ينظر المسلمون إلى اليهود باعتبارهم "أعداء الله"، وأن إسرائيل تعبير عن المؤامرة اليهودية الأزلية. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
بعض التجليات المتعيِّنة لمعاداة اليهود
Some Concrete Manifestations of Anti-Semitism يمكن تفسير ظاهرة معاداة اليهود من خلال نموذج تفسيري وتصنيفي واحد مركب تتفرع عنه عدة نماذج فرعية تتبدَّى، هي بدورها، في أحداث ووقائع ومؤلفات بعينها، مثل: اضطرابات فيتميلخ، وحادثة دريفوس، وتهمة الدم، وبروتوكولات حكماء صهيون. وفي كل مدخل، سنحاول أن نعرض لموقف كلٍّ من الرؤية العرْقية المعادية لليهود والرؤية الصهيونية من الظاهرة أو القضية موضوع الدراسة ثم نحاول أن نقدم تفسيراً أكثر تركيباً وأقل اختزالية. طرد اليهود Expulsion of Jews يُشير مصطلح «طرد اليهود» في الكتابات الصهيونية إلى مجموعة من الوقائع التاريخية التي حدثت في مجتمعات وتشكيلات حضارية مختلفة تحت ظروف مختلفة لا يربطها أي رابط. والواقع أن الحديث عن «طرد اليهود» ، كما لو كان ظاهرة تاريخية واحدة، هو تعبير عن الإيمان بوجود تاريخ يهودي واحد يُعبِّر عن هوية يهودية واحدة (منبوذة من الأغيار) ، وأن اليهود شعب عضوي منبوذ. وفيما يلي بعض تواريخ الطرد المهمة: 724 ق. م التهجير (النفي) الآشوري. 586 ق. م التهجير (النفي) البابلي. 139 ق. م القاضي (برائيتور) ، هسبالوس يطرد اليهود من روما. 19 ق. م تايبريوس ينفي الأجانب (ومن بينهم اليهود) . 50 م كلوديوس يأمر بطرد اليهود من روما. 70 م هدم الهيكل على يد تيتوس وطرد اليهود من فلسطين (وتعد هذه هي أهم حادثة طرد من المنظور اليهودي والمسيحي) . 94م دوميتان يطرد المسيحيين واليهود. 135 م طرد اليهود من القدس وتحريم دخولها عليهم. 415 م الطرد من الإسكندرية 624 - 628 م الطرد من الجزيرة العربية أيام الرسول. 1467 م الطرد من تلمسان ولكن أهم وقائع الطرد توجد داخل التشكيل الحضاري الغربي في العصور الوسطى وبعدها: 1290 م إنجلترا 1492 م إسبانيا 1306 - 1394 م فرنسا 1495 م ليتوانيا 1367 م المجر 1497 م البرتغال وقد شهد القرنان الرابع عشر والخامس عشر حوادث طرد من مدن إيطاليا وألمانيا: 1426 م كولونيا 1453 م برسلاو 1439 م أونسبرج 1648 م ثورة شميلنكي في أوكرانيا واستمر الطرد حتى العصر الحديث: 1744 - 1752 م براغ وبعد ذلك التاريخ، تأسَّست منطقة الاستيطان، وهو ما كان يعني: 1772 م الطرد من بقية روسيا 1891 م الطرد من موسكو وقام الروس بعد الثورة البلشفية، والنازيون بعد استيلائهم على الحكم، بنقل أعداد من اليهود من أماكن إقامتهم إلى أماكن أخرى. كما هاجر يهود البلاد العربية إلى إسرائيل وأوربا بعد عام 1948. وتُصنِّف الموسوعة اليهودية هذه الأحداث التاريخية كافة باعتبارها «حوادث طرد» . وتذكر أنه يمكن تصنيفها على أسس مختلفة إلا أن الدافع الجذري وراءها جميعاً هو كُره اليهود «ومعاداتهم» ! وغني عن القول أن هذه الوقائع لا يربطها رابط، فالتهجير الآشوري والبابلي شملا أقواماً عديدة أخرى لضمان أمن منطقة عبر النهر، أي منطقة الشام. وفي كثير من الأحيان، لم يكن الحكام الآشوريون أو البابليون يعرفون شيئاً عن العبرانيين، فكانت تَصدُر الأوامر بهدم منطقة أو تهدئتها، الأمر الذي كان يعني إخلاءها من معظم سكانها وأقوامها، وبخاصة من أعضاء النخبة. وقد شهد عام 139 ق. م أول عملية طرد لأعضاء إحدى الجماعات اليهودية، بالمعنى الحرفي للكلمة، حيث إنها لم تكن تهجيراً كالتهجير البابلي مثلاً، وليست فراراً كما حدث مع ثورة شميلنكي. ويبدو أن سبب عملية الطرد من روما هذه هو الخوف من تحوُّل المواطنين الرومان إلى العقيدة اليهودية. ويبدو، بالفعل، أن كثيراً من الرومان المتعلمين كانوا يعجبون باليهودية نظراً لطبيعتها التوحيدية بالقياس إلى التعددية والشرك اللذين يسمان العبادة الوثنية في روما. أما طرد اليهود عام 19 ميلادية، فقد تم بتحريض من سيجانوس رئيس الحرس الإمبراطوري، غير أن الإمبراطور تايبريوس الذي أصدر أمر الطرد عاد وألغاه بعد اثنى عشر عاماً، وأمر بألا يُساء إلى اليهود أو إلى شعائرهم الدينية، وأعلن أن سيجانوس كان قد ضلله لتحقيق مآربه الخاصة. ورغم أن روما اتسمت بالتسامح، فإن التهود بأعداد كبيرة كان يهدد سلطة الدولة، ذلك أن شرعية الدولة تستند إلى العبادة الوثنية، كما أن كثيراً من الوظائف الإدارية كان مرتبطاً بهذه العبادة، وبالتالي فإن التهود كان يعني ضعف الولاء وأزمة الشرعية، كما كان يهدد ثبات موارد الهياكل المقدَّسة من هبات وقرابين. ويبدو أن رجال المال الرومان كانوا أيضاً وراء طرد اليهود، حيث كانوا يمارسون الربا بالتحايل على القانون ويودون التخلص من المرابين اليهود الذين يشكلون منافساً قوياً لهم. أما طرد اليهود من القدس، فلم يكن جزءاً من سياسة روما الداخلية وإنما جاء في إطار سياستها الإمبراطورية وكمحاولة لتهدئة المنطقة. وكان طرد اليهود من المدينة المنورة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم يعود إلى أسباب خاصة بحركيات الدين الجديد ومحاولة الدولة الإسلامية الجديدة تأمين مركزها وقلبها بضمان عدم وجود أقليات لا تدين لها بالولاء. وحينما قام شميلنكي بالهجوم على الجماعات اليهودية، فإنه كان يفعل ذلك في إطار حركة تحرُّر وطني وثورة فلاحية ضد المستغلين البولنديين الذين تَصادَف وجود اليهود كوكلاء لهم. وحينما كتب شميلنكي إلى كرومويل، في محاولة لتوحيد القوى الأرثوذكسية والبروتستانتية ضد الكاثوليكية، فإنه لم يذكر اليهود من قريب أو بعيد. وإن أردنا أن نجد نمطاً متكرراً في ظاهرة طرد اليهود، فإننا لن نجده على صعيد العالم وإنما داخل التشكيل الحضاري الغربي، وبخاصة في العصر الوسيط. وسنجد أن السبب وراء طرد اليهود لم يكن كُرههم وإنما كونهم جماعة وظيفية وسيطة تشكل عنصراً استيطانياً غريباً، يُوطَّن (أي يُستورَد) ويُصدَّر ولا يضرب بجذوره في أي مكان، تماماً مثل الجنود المرتزقة. والجماعة الوظيفية الوسيطة تلعب دورها، ثم يستغنى عنها المجتمع فينبذها، فتنتقل إلى مجتمع آخر، وهكذا. وعادةً ما تستغني المجتمعات عن الجماعة الوظيفية الوسيطة حينما تظهر هياكل مركزية للإدارة (وهذا ما حدث في حالة إنجلترا عام 1290 وفي فرنسا في أواخر القرن الرابع عشر وفي إسبانيا في أواخر القرن الخامس عشر) أو حينما تظهر طبقات محلية بديلة (وهذا ما حدث في معظم أوربا بالتدريج ابتداءً من القرن الثاني عشر) . والجدير بالملاحظة أن المدن في العصور الوسطى كانت صغيرة للغاية وأن عدد أعضاء الجماعات اليهودية في كل مدينة كان صغيراً ولا يُُعتد به من الناحية الإحصائية. إذ كان عدد يهود إنجلترا لا يزيد، حسب إحدى الروايات، على أربعة آلاف. وكانت أية جماعة يهودية لا تزيد على ألفين، وكانت الجماعة اليهودية تُعدُّ كبيرة إن زاد عدد أعضائها على بضع مئات. ومن هنا، فإن الحديث عن الطرد هو حديث عن طرد بضع مئات من التجار الغرباء. وكان الاستثناء الوحيد من القاعدة هو طرد اليهود من شبه الجزيرة الأيبيرية، حيث بلغ عددهم مائة وخمسين أو مائة وعشرين ألفاً، وقد طُردوا مع مئات الألوف (ويُقال أكثر من مليونين) من المسلمين الذين رفضوا التنصر وفاقت أعدادهم أعداد اليهود. ويُلاحَظ أن اليهود كانوا، في كثير من الأحيان، يُطردون أو يفرون لبضعة أشهر ثم يعودون إلى مواقعهم مرة أخرى. ولابد من الإشارة إلى أن اليهود لم يكونوا الجماعة الوحيدة التي يتم طردها، فقد كان يتم طرد مختلف أعضاء الجماعة الوظيفية الوسيطة الأخرى، مثل اللومبارد والكوهارسين. وأحياناً، كان يتم طرد إحدى الجماعات لتحل محلها جماعة أخرى تقدم شروطاً ائتمانية أفضل، فهذه الجماعات لم يكن يُنظَر إلى أعضائها باعتبارهم بشراً وإنما كان يُنظَر إليهم كأدوات إنتاج يمكن أن تحل الواحدة محل الأخرى. وقد عمَّقت عمليات الطرد عدم تجذر اليهود في الحضارة الغربية وزادت هامشيتهم، وهي التي حددت إدراك العالم الغربي لهم. وتبدَّى هذا الإدراك في صورة «اليهودي التائه» . ومن هنا، فإن الحل الصهيوني للمسألة اليهودية (الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة) يَصدُر عن قبول فكرة طرد اليهود من أوربا وحتميتها. ويُعَدُّ وعد بلفور النقطة التي اتفقت فيها أوربا مع قيادات الجماعة اليهودية على أن يتم نقل اليهود من العالم الغربي إلى فلسطين (أي طردهم بطريقة سلمية مؤسسية) باعتبارهم عنصراً نافعاً يمكنه الاضطلاع بوظيفة قتالية دفاعاً عن المصالح الإمبريالية الغربية داخل إطار الدولة الوظيفية. كما أن الإبادة على يد النازيين، هي الأخرى، شكل من أشكال الطرد (من العالم الغربي إلى العالم الآخر) أخذ شكل التصفية الجسدية، وذلك بسبب عدم وجود مستعمرات ألمانية يُطرَدون إليها، وبسبب رفض بولندا السماح بدخول قطارات اليهود المطرودين إليها. ويتضح قبول الطرد، كنقطة انطلاق في صهيونية يهود الغرب التوطينية، من واقع أن اللجان (الأليانس وغيرها) كانت تُشكَّل لنقل اليهود إلى أي مكان في العالم ماعدا المكان الذي استوطنوا فيه بالفعل (في بلاد غرب أوربا) . وقد أيد يهود الغرب الصهيونية الاستيطانية من منظور توطيني. كما أن المنظمات الصهيونية مازالت تشجع اليهود على الهجرة من روسيا وأوكرانيا بدلاً من الدفاع عن حقوقهم السياسية والمدنية وحقهم في التمتع بحياة كريمة في أوطانهم. ومن ثم، يمكن أيضاً تصنيف ذلك على أنه تقبُّل لحتمية خروج أو طرد اليهود من تلك البلدان، ويمكننا تصنيف الصهيونية على أنها حركة طاردة لليهود من أوطانهم المختلفة بهدف تجميعهم في بلد واحد، ويُطلَق على هذه العملية مصطلح «تجميع المنفيين» . ومما يجدر ذكره أن أعضاء الجماعات اليهودية أنفسهم اشتركوا، أحياناً، في عملية طرد اليهود. وكان ضمن حقوق الجيتوات، في العصور الوسطى، ما يُسمَّى «تحريم الاستيطان» (بالعبرية: حيريم هايشوف) ، أي تحريم استيطان أي يهودي غريب على الجيتو فيه. ومن ثم، كانت هذه الجيتوات تطرد اليهود الغرباء منها. كما كانت هناك حالات في القرن الثامن عشر طالب فيها اليهود بطرد جماعات يهودية أخرى. فقد قدم يعقوب رودريجيز في عام 1760 التماساً إلى لويس الخامس عشر لطرد اليهود الألمان (الإشكناز) ، وأيده في ذلك الطلب المفكِّر والمموِّل اليهودي السفاردي إسحق دي بنتو. ووافقت الحكومة الفرنسية على الطلب ونُفِّذ الاقتراح في العام التالي. ومن الظواهر التي تُفسَّر على أنها طرد لليهود، نتيجة العداء الكامن تجاههم، خروج اليهود من بلاد تأخذ بالنمط الاشتراكي في التنمية. ولعل أكثر الأمثلة بروزاً في هذا المجال هو كوبا. فبعد استيلاء كاسترو على الحكم، خرجت أعداد هائلة من اليهود حتى أوشكت الجماعة اليهودية على الاختفاء الكامل. وقد حدث الشيء نفسه في البلاد العربية التي نحت منحى اشتراكياً. وإذا وضعنا هذه الظاهرة في سياقها التاريخي، يمكننا أن نفسر خروج اليهود بالأسباب التالية: 1 ـ يُلاحَظ أن النمط التنموي الاشتراكي يلجأ إلى تأميم قطاعات من الاقتصاد مثل المصارف ومنافذ التسويق حتى يمكنه التحكم في آليات السوق. ومثل هذه القطاعات هي التي يتركز فيها عادة أعضاء الجماعات الوظيفية الوسيطة، ومن بينهم أعضاء الجماعة اليهودية بطبيعة الحال. كما أن الوضع نفسه ينشأ حينما تظهر الطبقات المحلية الوطنية وتشارك في العملية الاقتصادية وتُسيِّرها كما ترغب. 2 ـ ويُلاحَظ أن الهجرة اليهودية في العالم، منذ نهاية القرن الماضي، تتجه من بلاد متخلفة مثل روسيا إلى بلاد متقدمة تتبع الاقتصاد الحر مثل الولايات المتحدة وغيرها من البلاد الاستيطانية (أستراليا وكندا وجنوب أفريقيا) . ومن هنا يمكن تفسير خروج يهود كوبا. 3 ـ كما يُلاحَظ أن دول العالم الثالث، التي تخرج عن المسار الغربي، تمارس نوعاً من التضامن فيما بينها، وبالتالي فهي تأخذ موقفاً متعاطفاً من الدول العربية ومن منظمة التحرير الفلسطينية ومن كفاح الشعب الفلسطيني ضد الاستعمار الغربي والصهيوني. وقد نجحت المنظمة من جانبها في أن تقيم علاقات مع الحركات الثورية في الأرجنتين ونيكاراجوا واليابان، وهو ما يخلق خطاباً سياسياً يولد إحساساً بعدم الأمن لدى أعضاء الجماعات اليهودية فتهاجر أعداد منهم، وتقع كوبا داخل هذا النمط. ومن المعروف أن نظام كاسترو بذل جهوداً غير عادية للدفاع عن حقوق المواطنين اليهود في كوبا، ولتيسير السبل لهم للتعبير عن هويتهم الدينية، وهذا يبين مدى تهافت فكرة كره اليهود. وإذا قبلنا المقولة السابقة، فمن الممكن إعادة تفسير خروج اليهود من بعض البلاد العربية، مثل مصر وسوريا والجزائر، لا باعتباره طرداً وإنما باعتباره اتجاهاً ينتمي إلى الظاهرة نفسها، أي ظهور حكومات قومية محلية تستولي على الحكم وتعادي الاستعمار. والواقع أن ظهور مثل هذه الحكومات يجىء عادةً تعبيراً عن ظهور قوى محلية تشارك بشكل أكثر نشاطاً في الاقتصاد الوطني، وهو ما نجم عنه تأميم (تمصير وتعريب) بعض القطاعات التي كان يتركز فيها أعضاء الجماعات الوظيفية الوسيطة (اليهود، واليونانيون، والإيطاليون) . كما أن كثيراً من الدول العربية دخلت في صراع ضد الاستعمار الغربي وضد الدولة الصهيونية حليفته الأساسية في المنطقة، الأمر الذي خلق توتراً شديداً بين الأغلبية وأعضاء الجماعة اليهودية الذين تدَّعي الدولة الصهيونية تمثيلهم. وفي بعض الأحيان، كان أعضاء الجماعة اليهودية يتعاونون مع الدولة الصهيونية ـ كما حدث في حادثة لافون ـ كما أن الأغلبية العظمى من يهود العالم العربي، جاءوا إما من العالم الغربي (أساساً) مع الموجة الاستعمارية أو حصلوا على جوازات غربية للاستفادة من قوانين الامتيازات، ليلعبوا دور الجماعة الوسيطة بين الاستعمار والسكان المحليين. ومع تراجُع الاستعمار، كان لابد لهذه الجماعات (مثل اليونانيين والإيطاليين) أن يخرجوا معه. كما أن الدولة الصهيونية، بالقياس إلى كثير من دول العالم، تتمتع باقتصاد متقدم توجد فيه فرص كثيرة للنشاطات الاقتصادية المرتبطة بالاقتصاد الحر، وبالتالي فهي تمثل نقطة جذب بالنسبة إلى يهود العالم العربي، تماماً كما تمثل الولايات المتحدة نقطة جذب بالنسبة إلى اليهود الروس (ولذا، فهم لا يهاجرون إلى إسرائيل التي لا يمكنها أن تحقق لهم حراكاً اجتماعياً مماثلاً) . والواقع أن خروج اليهود من البلاد العربية هو جزء من حركية مركبة ولا يمكن أن يُسمَّى «طرداً» ببساطة وآلية. أما يهود العراق، فإن الأوضاع نفسها السابقة تنطبق عليهم، إلى جانب قيام العملاء الصهاينة بارتكاب أعمال تخريبية لإجبارهم على الهجرة. وقد نجحت المنظمة الصهيونية، بسعيها الحثيث، في تهجير يهود اليمن. ولا يمكن أن نعتبر كل هذه العمليات عمليات طرد! تدنيس خبز القربان المقدَّس Desecration of the Host «تدنيس خبز القربان المقدَّس» عبارة تعني اتهام اليهود بأنهم لم يندموا على قيامهم بصلب المسيح (عيسى بن مريم) بل ويدنسون خبز القربان (الذي يتحول إلى جسد المسيح في القداس المسيحي) فيدوسونه بأقدامهم ثم يضربونه بوخزه وطعنه حتى يجددوا عذاب المسيح. كما تعني اتهام اليهود بالحصول على هذا الخبز عن طريق سرقته. وقد شاع هذا الاتهام في أوائل القرن الثالث عشر بعد أن اعترف المجمع اللاتراني الرابع عام 1215 بمبدأ تحوُّل خبز القربان وخمره إلى جسد المسيح ودمه. والاتهام مضحك وسخيف، فهو يفترض أن اليهود يؤمنون بمبدأ تحوُّل خبز القربان، وهو أمر بطبيعة الحال مستحيل. ولكن من منظور عنصري، لا يُعَدُّ عدم الاتساق أمراً مهماً، بل إن عدم الاتساق ذاته قد يُوظَّف لتأكيد صورة اليهودي لا من حيث هو منكر للمسيح وإنما من حيث هو شخص يؤمن فعلاً بالمسيح بل ويرى بنفسه ألوهيته ولكنه، مع هذا، ينكره ويتمادى في تعذيبه بعد أن قام بصلبه. وتهمة تدنيس خبز القربان، مثل تهمة الدم والتهم الأخرى التي تعبِّر عن معاداة اليهود، هي نتاج الوجدان الشعبي في لحظات إحباطه وحيرته. فالجماهير البائسة لم تكن تفهم مصدر بؤسها، فكانت تفسره على أساس أنه من صنع اليهود الأشرار أعداء المسيح، خصوصاً وأن هؤلاء الأشرار كانوا أيضاً يشتغلون بالتجارة والربا، كما كانوا قريبين من النخبة الحاكمة التي تستخدمها كأدوات لها. تهمة الدم Blood Libel «تهمة الدم» هي اتهام اليهود بأنهم يقتلون صبياً مسيحياً في عيد الفصح سخرية واستهزاء من صلب المسيح. ونظراً لأن عيدي الفصح المسيحي واليهودي قريبان، فقد تطورت التهمة وأصبح الاعتقاد أن اليهود يستعملون دماء ضحيتهم في شعائرهم الدينية وفي أعيادهم، وبخاصة في عيد الفصح اليهودي، حيث أُشيع أن خبز الفطير غير المخمر (ماتزوت) الذي يُؤكل فيه يُعجَن بهذه الدماء. وقد تطورت الإشاعة، فكان يُقال إن اليهود يُصَفّون دم ضحاياهم لأسباب طبية أو لاستخدامه في علاج الجروح الناجمة عن عملية الختان، بل ولاستخدامه كمنشط جنسي. وتمتد جذور تهمة الدم إلى عصر اليونان والرومان، أي إلى ما قبل العصور المسيحية، فقد أتى في كتابات كلٍّ من الكاتبين اليونانيين آبيون (السكندري) وديموقريطس إشارة إلى أن اليهود يقدمون ضحايا بشرية إلى آلهتهم. ولكن هذا الادعاء لم يصبح جزءاً من الصورة الإدراكية العامة في الوجدان الغربي لليهود، ولم تُوجَّه هذه التهمة إليهم بشكل متكرر إلا في العصور الوسطى. وقد وُجِّهت أول تهمة دم لأعضاء الجماعات اليهودية في إنجلترا في القرن الثاني عشر، في وقت كانوا يمارسون فيه نشاطهم التجاري والمالي والربوي، وهو ما كان يعني أن هناك أفراداً كثيرين اقترضوا أمولاً من المرابي اليهودي ولم ينجحوا في تسديدها وأن ملكية بعض أراضيهم أو ربما منازلهم قد آلت إليه. ففي عام 1144، اتُهم أعضاء الجماعة اليهودية في نورويتش بأنهم ذبحوا طفلاً يُدعَى ويليام عمره أربعة أعوام ونصف في الجمعة الحزينة (وقد نُصِّب قديساً فيما بعد) . كما ذكر أحد اليهود المتنصرين أن من المعتاد أن تقوم إحدى الجماعات اليهودية في إحدى مدن أوربا بذبح طفل مسيحي في يوم عيد الفصح المسيحي (إيستر) الذي يقع عادةً في التاريخ نفسه الذي يقع فيه عيد الفصح اليهودي (بيساح) . ثم وُجِّهت تهم دم أخرى في مناطق مختلفة من إنجلترا بين عامي 1168 و1192. أما في فرنسا، فقد وُجِّهت التهمة إلى الجماعة اليهودية في بلوا عام 1171. كما وُجِّهت خمس عشرة مرة في القرن الثالث عشر، ومن بينها حالة هيو من بلدة لنكولن عام 1255 والتي يذكرها تشوسر في حكايات كانتربري. وقد استمر توجيه التهمة حتى منتصف القرن العشرين، ومن أشهرها حادثة دمشق عام 1840، وقضية بيليس عام 1911. وتُعَدُّ حادثة دمشق التي حدثت في العالم الإسلامي استثناءً، إذ أن الظاهرة تكاد تكون مقصورة على العالم المسيحي. وكانت تهمة الدم تأخذ الشكل التالي: يختفي شخص مسيحي (في العادة طفل) ، أو يوجد مقتولاً، فيتذكر أحد الأشخاص أن هذا الطفل أو الشخص شُوهد آخر مرة بجوار الحي اليهودي، أو أن هناك عيداً يهودياً (عادةً عيد الفصح) تتطلب شعائره دم نصراني، ومن ثم، كانت تُوجَّه لأعضاء الجماعة اليهودية تهمة قتله ويُقبَض على بعضهم، ويتم تعذيبهم ثم يُشنَق عدد منهم أحياناً. ويُشير الصهاينة إلى تهمة الدم باعتبارها أكبر دليل على أن عالم الأغيار يرفض اليهود ويفتك بهم، وبالتالي لابد أن يكون لهم وطن قومي. ولكننا لو وضعنا هذه الوقائع في سياقها التاريخي، فإنها ستكتسب دلالة جديدة وسيمكننا فهمها بشكل أعمق. لقد ظهرت تهمة الدم بعد تحوُّل اليهود في العالم الغربي إلى جماعة وظيفية وسيطة تشتغل بالتجارة والربا. وكانوا يُشبَّهون آنذاك بالإسفنجة التي تمتص نقود الطبقات كافة، والطبقات الشعبية على وجه الخصوص، ثم يقوم الإمبراطور أو الأمير أو الحاكم باعتصارهم لحسابه بعد ذلك (وهو الأمر الذي لم تكن تدركه هذه الطبقات الشعبية بطبيعة الحال) . ومن هنا، كانت الإشارة إلى اليهود (كجماعة وظيفية وسيطة لا كيهود) على أنهم مصاصو دماء، ولم يكن من الصعب على الوجدان الشعبي أن يسقط في الحرفية ويحوِّل المجاز إلى حقيقة واقعة. وكان توجيه تهمة الدم يعني، في واقع الأمر، شنق بعض اليهود من بينهم عدد كبير من المرابين، حيث كان الربا من أهم الوظائف التي اضطلع بها اليهود في التشكيل الحضاري الغربي. وكان هذا يعني، في كثير من الأحيان، إسقاط الديون، أي أن توجيه تهمة الدم يشبه، من بعض الوجوه، التخطيط لسرقة بنك من البنوك على يد عصابة شعبية، وكان شنق اليهود بمثابة النجاح في هذه العملية، وهي عملية تشبه أيضاً عمليات روبين هود الذي كان يسرق من الأثرياء ليعطي الفقراء، وهو ما جعل جرائمه تحظى بشعبية كبيرة، بل وكانت الجماهير تحيطه بحمايتها. وكانت الخزانة الملكية ذاتها تستفيد أحياناً من تهمة الدم حيث ترث ديون المرابي الذي يُشنَق أو يُطرَد، كما أن النخبة الحاكمة كانت تنتهز مثل هذه الفرصة لتعرض على اليهود تجديد المواثيق الممنوحة لهم والتي تتضمن حمايتهم وتكفل لهم المزايا نظير مبالغ جديدة يدفعونها. ويبدو أن تهمة الدم صورة نمطية تتكرر في الوجدان الشعبي حينما يدرك «الآخر» ، وهي عادةً اتهام يستخدمه فريق ضد أعدائه ليسقط عنهم إنسانيتهم. فقد اتُهم الغجر بأنهم يخطفون الأطفال ويمصون دمهم. كما وجَّه اليهود التهمة نفسها إلى المسيحيين الأوائل (حسبما جاء في كتابات أوريجين) . وجاء في أحد كتب المدراش أن فرعون مصر حاول أن يحصل على الشفاء من البرص بذبح مائة وخمسين طفلاً يهودياً كل صباح وكل ظهر ليستحم في دمهم. كما أن بعض كتب الهاجاداه محلاة بصور لتهمة الدم الموجهة إلى فرعون مصر. وقد وُجِّهت التهمة كذلك إلى الغنوصيين من قبَل المسيحيين، وإلى إحدى الفرق الدينية الإيطالية عام 1466 من قبل الجماهير. واتُهِم المبشرون المسيحيون في الصين عام 1870 بأنهم يسرقون الأطفال الصينيين ليصنعوا من دمهم دواء سحرياً. واتُهم الأجانب في مدغشقر عام 1891 بابتلاع قلوب بعض السكان المحليين. أما الرهبان الدومينكان، فقد اتهمهم خصومهم من الرهبان الفرنسيسكان باستخدام دم وحواجب طفل يهودي في بعض شعائرهم السرية! ومعنى هذا كله أن تهمة الدم لم تكن مقصورة على اليهود. وإذا كان مرابون آخرون، مثل اللومبارد والكوهارسين (وهم مسيحيون) ، لم تُوجَّه إليهم (بحسب علمنا) تهمة الدم، فقد وُجِّهت إليهم تهم أخرى لا تقل عنها سوءاً، كما أنهم كانوا أيضاً عرضة للطرد والمصادرة والشنق. وساعد تكرار تصوير الدم والقتل في العهد القديم على إلصاق التهمة باليهود دون المرابين المسيحيين. كما أن شعائر اليهود الدينية، وخصوصاً شعائر عيد الفصح، كانت تثير الريبة في نفوس أعضاء الأغلبية، الأمر الذي كان يجعلهم يبحثون عن تفسير لها. هذا، مع العلم بأن قوانين الطعام اليهودية تمنع شرب الدم كما تمنع أكل اللحم قبل تصفية الدم منه. ويبدو أن ممارسة الختان والذبح الشرعي غذيا هذه الأوهام، حتى سُمِّي اليهود «أهل السكين» . ولم يكن اليهود يقفون في مجابهة مع كل الأغيار كما يدَّعي الصهاينة، فقد كانت النخبة الحاكمة (الكنيسة والإمبراطور والملوك) تدافع عن أعضاء الجماعة ضد هذه التهم التي كان يوجهها إليهم عامة الشعب. فبيَّن البابا إنوسنت الرابع، في مرسوم صدر عام 1245، أن التهمة باطلة وحرم على المسيحيين توجيهها إلى اليهود. ودافع البابا جريجوري العاشر، في مرسوم صدر عام 1274، عن اليهود، كما فعل بابوات آخرون الشيء نفسه. وفي عام 1758، أصدر الكاردينال لورنز جانجانلي (البابا كليمنت الرابع عشر فيما بعد) مذكرة يدين فيها تهمة الدم. وقد أصدر التحريم نفسه الإمبراطور الألماني فريدريك الثاني (1194 ـ 1250) ، وإمبراطور النمسا رودولف من أسرة الهابسبرج عام 1275. وحاول الكثير من المسيحيين والعلماء تفنيد التهمة وإقناع الناس ببطلانها، ولكنهم فشلوا في مسعاهم واستمرت تهمة الدم مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بصورة اليهودي حتى عهد قريب. أما في حادثة دمشق، فقد كانت تهمة الدم مرتبطة بالصراع بين الاستعمارين الإنجليزي والفرنسي اللذين كانا يتنافسان على مد نفوذهما عن طريق حماية أعضاء الأقليات الدينية. فكان الفرنسيون يحمون الكاثوليك والمارونيين الذين وجهوا تهمة الدم. أما الإنجليز، فإنهم نظراً لعدم وجود مسيحيين بروتستانت بأعداد كبيرة في العالم العربي كانوا يقومون بحماية اليهود! خصوصاً وأن روسيا، وهي بلدهم الأصلي، لم تكن مهتمة بهم كثيراً بسبب وجود المسيحيين الأرثوذكس، كما أن روسيا لم يكن لها أطماع في الشرق الأوسط إذ أن مشروعها الاستعماري كان موجَّهاً إلى مناطق أخرى. وقد أصدر السلطان العثماني فرماناً جرَّم فيه تهمة الدم. حادثة دمشق Damascus Affair تُعتبَر حادثة دمشق من أشهر تهم الدم، وقد وقعت عام 1840 حين كانت سوريا تحت الحكم المصري. وتكاد تكون هذه الحالة المرة الوحيدة التي وجِّهت فيها تهمة دم لأعضاء الجماعات اليهودية في العالم الإسلامي. فقد اتُهم يهود دمشق بقتل راهب من الفرنسيسكان يُدعَى الأب توماس الكبوشي وخادمه المسلم إبراهيم عمارة لاستخدام دمائهما في أغراض شعائرية وفي صنع خبز عيد الفصح غير المخمر (ماتزوت) . وقد أُشيع أن الأب توماس شوهد آخر مرة وهو يهم بالدخول إلى حارة اليهود، فتم تفتيش الحي اليهودي بتحريض من الكاثوليك المحليين يتزعمهم القنصل الفرنسي، وقُبض على زعماء اليهود ومات منهم اثنان أثناء التحقيق، وأشهر واحد إسلامه وحُكم على الباقين بالإعدام. وقد تفاقمت ردود فعل هذه القضية بسبب الصراع السياسي للأوربيين للحصول على النفوذ في الشرق الأوسط. ولا يمكن رؤية هذه الحادثة إلا في إطار النشاط التبشيري الاستعماري في فلسطين والشام، والذي كان تعبيراً عن الصراع بين الدول الاستعمارية الكبرى. إذ كانت كل دولة تحمي أعضاء جماعة دينية بعينها، فكان الروس يحمون الأرثوذكس وكان الفرنسيون يحمون الكاثوليك. وربما لعدم وجود عدد كبير من البروتستانت، قام الإنجليز «بحماية» اليهود. ومن هنا، يُعَد الصراع بين الكاثوليك المحليين (بزعامة القنصل الفرنسي) واليهود تعبيراً عن الصراع على النفوذ. ومما له دلالته أن احتجاج يهود فرنسا ومناشدتهم لحكومتهم لم يأت بنتيجة، في حين أدى احتجاج يهود إنجلترا إلى تحرك بالمرستون ومطالبته محمد علي بأن يعامل اليهود معاملة حسنة (باعتبارهم عنصراً يهدف إلى حمايته) ، وأدى تدخُّل أدولف كريميه وموسى مونتفيوري ومقابلتهما لمحمد علي في الإسكندرية، ثم لقاؤهما مع السلطان عبد الحميد في إستنبول إلى الإفراج عن المتهمين وإسقاط التهمة عنهم. وقد أصدر السلطان العثماني فرماناً يدين تهمة الدم ويعتبرها قذفاً في حق اليهود. مندل بيليس (1874-1934 ( Mendel Beilis عامل بناء روسي وجِّهت إليه تهمة الدم، حيث اتُهم عام 1911 بأنه استدرج طفلاً روسياً إلى أحد الكهوف خارج المدينة وقتله بطعنه أربعاً وسبعين طعنة، ثم صفى كل دمه كما جاء في تقرير الطبيب الشرعي. وكان الجو مواتياً في روسيا لتصديق مثل هذه الافتراءات، إذ كانت الحكومة القيصرية تلقي باللوم على اليهود في محاولتها تبرير كثير من المشاكل. وتم القبض على بيليس وأُحضر سكيران ليشهدا بأنهما رأياه يختطف الطفل، واستمر التحقيق عامين. ولكن رئيس البوليس السري الروسي في كييف توصَّل إلى أن عدداً من المجرمين غير اليهود تترأسهم إمرأة هم الذين قاموا بارتكاب الجريمة لأن الطفل كان قد أخبر الشرطة عن جرائم ارتكبوها. ومع هذا، استمرت المحاكمة لمدة شهر وتحولت إلى قضية تشغل الرأي العام. وبعد أن استجوب محامو المتهم الشاهدين، تراجع الشاهدان عن أقوالهما، واعترفت رئيسة العصابة التي قتلت الطفل بالجريمة. وفي عام 1913، أُفرج عن بيليس الذي هاجر إلى فلسطين ولكنه لم يستطع الاستمرار فيها، مثله مثل كثيرين غيره من اليهود، فهاجر إلى الولايات المتحدة عام 1920 ومات هناك. هجوم أو مذبحة (بوجروم ( Pogrom or Massacre «بوجروم» كلمة روسية معناها «تدمير» أو «هجوم» أو «فتك» أو «مذبحة» . وعادةً ما تكون هذه المذبحة منظمة لتدمير جماعة أو طبقة معيَّنة. وقد دخلت الكلمة اللغات الأوربية بمنطوقها الروسي، وضاق مجالها الدلالي بحيث أصبحت تشير أساساً إلى الهجوم على أعضاء الجماعة اليهودية، ولكنها تُستعمل مجازاً للإشارة إلى الهجوم على أعضاء الجماعات والأقليات الأخرى. وقد استُخدمت الكلمة للمرة الأولى في الإنجليزية عام 1905. وقد عرف التاريخ القديم والوسيط والحديث مثل هذه الهجمات على أعضاء الجماعة اليهودية. ويمكن القول بأن أول بوجروم في التاريخ الإنساني هو هجوم المصريين على أعضاء الجماعة اليهودية (المرتزقة) في جزيرة إلفنتاين. ومن أشهر الهجمات الأخرى، هجمات بعض جيوش الفرنجة على أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب، وهجمات شميلنكي في بولندا في القرن السابع عشر على أعضاء الجماعة اليهودية في أوكرانيا. وتُعدُّ أهم الهجمات في العصر الحديث تلك التي نظمتها العناصر الرجعية الروسية في أواخر القرن التاسع عشر (خصوصاً جماعة المائة السود) والتي يُقال إنها كانت تتم بموافقة النظام القيصري وممالأة وزراة الداخلية. وقد تصاعدت الهجمات قبل وبعد صدور قوانين مايو عام 1881، ومن أهمها مذبحة كيشينيف. كما نظَّم النازيون هجوم ليلة الزجاج المحطم (كريستال ناخت) في 9 - 10 نوفمبر 1938. وتجب الإشارة إلى أن معظم هذه الهجمات كانت ذات طابع شعبي وتُعبِّر بشكل مشوه وغير مشروع عن تطلعات مشروعة للجماهير التي لم تكن تفهم آليات الاستغلال. فالهجوم على الحامية اليهودية في إلفنتاين هو هجوم على جماعة وظيفية قتالية موالية لقوة أجنبية غازية (الفرس) . كما أن هجمات الجماهير على اليهود في العصور الوسطى في الغرب كانت هجمات على واحدة من أهم أدوات السلطة في استغلال الجماهير، إذ كان اليهود هم المرابون وجامعو الضرائب. وتميل الأدبيات اليهودية المعاصرة إلى المبالغة في أعداد ضحايا هذه الهجمات، بينما تميل الدراسات الحديثة عن هذه الظاهرة إلى الأخذ بأرقام أقل كثيراً. لكن الهجمات ليست أمراً مقصوراً على أعضاء الجماعة اليهودية، فمن المعروف أن الهجمات ظاهرة لها أسباب اقتصادية واجتماعية وحضارية تسم علاقة الأغلبية بالأقلية في لحظات التطاحن الاجتماعي وفي أوقات الانتقال والانحلال الاقتصادي والاجتماعي. وتُدبَّر هذه الهجمات ضد مختلف الغرباء، خصوصاً إذا كانوا يشكلون جماعة وظيفية وسيطة مرتبطة بالنخبة الحاكمة وتقوم على خدمتها. فقد نُظِّمت هجمات ضد المرابين غير اليهود في العصور الوسطى مثل الكوهارسين واللومبارد، وضد الصينيين في جنوب شرق آسيا عبر تاريخهم، وقام الفرنسيون في أواخر القرن التاسع عشر بتنظيم هجمات على العمال الإيطاليين المهاجرين. وقد نظم الأفارقة السود المسلمون هجوماً (إبادة) على المسلمين الأفارقة من أصل عربي في موزمبيق في العصر الحديث، ونظم السنغاليون هجمات على الموريتانيين واللبنانيين في الآونة الأخيرة. وبالمثل، تورَّط أعضاء الجماعات اليهودية في شن هجمات على كتل بشرية أخرى معادية لهم، فقد دبر اليهود مذبحة ضد اليونانيين في الإسكندرية في العصر الهيليني، ورد اليونانيون بدورهم على هذه المذبحة. كما قام الصهاينة العلمانيون في الدولة الصهيونية بحرق معبد يهودي في إسرائيل احتجاجاً على تشدد الدينيين. ويقوم المستوطنون الإسرائيليون بالهجوم على قرى الفلسطينيين وتدبير المذابح ضدهم. وتتجه الكتابات الصهيونية إلى تصوير الهجمات على أعضاء الجماعات اليهودية باعتبار أنها أمر فريد يحدث لهم وحدهم، وأنها تعبير عن كُره أزلي لليهود، ونتيجة حتمية لوضع أعضاء الجماعات خارج فلسطين، وهو وضع يتسم (بحسب تصورهم) بخلل بنيوي أساسي. وتُحوِّل الصهيونية هذه الهجمات إلى مصدر أساسي للهوية اليهودية والوعي اليهودي، وتبين في الوقت نفسه أن تاريخ اليهود في المنفى لا قيمة له. وقد حاول المدعي العام الإسرائيلي في قضية أيخمان أن يستدر العطف على الشعب اليهودي بأن تلا قائمة بالهجمات التي دُبرت ضد اليهود عبر تاريخهم ولكن بعد عزلها عن سياقها التاريخي، فما كان من محامي أيخمان إلا أن أثار تساؤلاً مفاده: لمَ يستفز هذا الشعب كل الشعوب الأخرى عبر التاريخ؟ أوَ لا يدعو هذا الوضع إلى طرح احتمال أن يكون هذا الشعب مسئولاً عما يلحق به من مذابح؟ وتُثار، من آونة إلى أخرى، قضية دور الدولة اليهودية في صد الهجمات الموجهة ضد اليهود وهل يمكنها أن تقوم بذلك؟ ولكن النقاش حُسم مؤخراً حين صرح شامير بأن الدولة لا يمكنها أن تدافع عن اليهود أينما كانوا، كما كانوا يدَّعون، فأدواتها قاصرة، كما أن لها أولوياتها التي من أهمها الدفاع عن نفسها. وقد كتب أحد الدراسين بحثاً عن " ليلة الزجاج المحطم " وقد وصفها بأنها كانت هجوماً (بوجروم) تقليدياً إذ قامت السلطات النازية باستثارة غيظ الجماهير وحنقهم على اليهود وتركتهم يقتلون ويحطمون. ويستطرد الكاتب قائلاً إن الهدف من الهجوم (البوجروم) التقليدي هو إرهاب أعضاء الأقلية ووضعهم في مكانهم، ولكن الدولة النازية كانت تهدف لشيء مغاير تماماً وهو إبادة اليهود، ومن ثم فإن البوجروم لا يصلح بتاتاً أداة لإنجاز هذا الهدف فإذا كان عدد يهود بولندا ثلاثة ملايين، فإن إبادتهم تتطلب عدة مئات من السنين باعتبار أن عدد القتلى في ليلة الزجاج المحطم لم يتجاوز الخمسين. فإذا أضفنا إلى ذلك ملايين البولنديين والغجر، يتضح أن الهجمات العادية غير فعالة على الإطلاق لإنجاز مثل هذا المشروع الإبادي. كما لاحَظ الكاتب أن من المستحيل استثارة عاطفة الكره لدى الجماهير لمدة طويلة إذ لابد أن تفتر أية عاطفة بعد فترة، ومن المحتمل أن تتحول الاستجابة العاطفية من الكُره إلى التعاطف، خصوصاً إذا كان الضحايا من الأطفال أو العجزة أو الجيران. لكل هذا، استبعدت الدولة النازية نظام الهجمات وتبنت بدلاً منه نموذجاً مختلفاً. فحل محل التلقائية والعاطفية التخطيط والحياد، وحل محل الهجوم المتقطع (الذي لا شكل محدد له) العمل المستمر المتكامل الذي يتبع منهجاً صارماً. وبدلاً من الغوغاء المتعصبة التي تطلق العنان لعواطفها، ظهرت البيروقراطية التي تكبح عواطفها ولا تكترث بالضحية لا حباً ولا كرهاً وتتبع أحدث أشكال الإدارة. ومن ثم، فإن الهجوم (البوجروم) ، رغم قسوته، يختلف في هدفه ومجاله وطبيعته عن عمليات الإبادة. اضطرابات فيتميلخ Fettmilch Riots أحداث شغب مناهضة لليهود جرت في مدينة فرانكفورت الألمانية في أوائل القرن السابع عشر. وقد اندلعت هذه الأحداث في الفترة التي أعقبت اندلاع حرب الثلاثين عاماً والتي نتج عنها تدهوُّر حاد في الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في البلاد. حيث وجَّه أفراد الشعب، وخصوصاً نقابات التجار والصناع، سخطهم لأعضاء الجماعة اليهودية في المدينة. فاليهود باعتبارهم جماعة وظيفية وسيطة مرتبطة بالنخبة الحاكمة، خصوصاً الإمبراطور، كانوا محط كراهية مختلف الفئات والطبقات في المجتمع. ومع تأزم الأوضاع الاقتصادية، ازدادت حدة السخط والكراهية. وقد تزعم فنسنت فيتميلخ زعيم النقابات في فرانكفورت الحملة المناهضة لليهود، فقدَّم عام 1612 التماساً للإمبراطور يتهم فيه برلمان فرانكفورت بالفساد ومحاباة اليهود وطالب بفرض قيود اقتصادية على اليهود وتقليص عددهم في المدينة، ولكن الإمبراطور رفض هذا الالتماس. وفي عام 1614، دخلت بعض العناصر المؤيدة لفيتميلخ مجلس المدينة وطالبت بفرض قيود صارمة على اليهود من بينها طرد كل اليهود الذين يمتلكون أقل من 1500 فلورين فوراً. وقد رفض الإمبراطور مرة ثانية هذه المطالب، ولكن تم طرد 60 أسرة يهودية فقيرة. وإزاء ذلك، قام فيتميلخ على رأس أنصاره بمهاجمة الجيتو اليهودي وقاموا بنهبه وطرد 1380 من اليهود خارج المدينة. وفي أعقاب ذلك، أصدر الإمبراطور أوامره بإلقاء القبض على فيتميلخ. وفي عام 1616، تم إعدامه مع ستة من أعوانه، وقُطِّعت أجسادهم إلى أربعة أجزاء وعُلِّق رأس فيتميلخ على مسمار ضخم (ليكون عبرة للجميع) كما دُمِّر منزله وسُوِّي بالأرض وطُردت عائلته من المدينة. وسمح الإمبراطور بعودة اليهود المطرودين للمدينة وأمر بدفع تعويض لهم قدره 176.919 فلوريناً. وفي أعقاب ذلك، كان أعضاء الجماعة اليهودية يحرصون على الاحتفال سنوياً بيوم عودتهم إلى المدينة وأطلقوا على هذا اليوم اسم «بوريم فنسنت» . وتدل هذه الحادثة على مدى ارتباط أعضاء الجماعات اليهودية كجماعات وظفية ووسيطة بالطبقات الحاكمة والملوك. فقد رفض الإمبراطور الإذعان لمطالب فيتميلخ ولمطالب الجماهير في فرانكفورت، ثم أنزل أشد العقاب بفيتميلخ وأعوانه. ويعود كل هذا إلى حوسلة أعضاء الجماعات اليهودية، حيث كانوا عنصراً نافعاً يؤدي وظيفة اقتصادية مهمة، وكانوا أداة في يد الطبقة الحاكمة التي استفادت من خدماتهم التجارية والمالية لتكديس الثروات وتدعيم السلطان واستنزاف الجماهير، ومقابل ذلك كانت الطبقة الحاكمة تزودهم بالحماية والامتيازات التي تؤهلهم للاضطلاع بدورهم الوظيفي بكفاءة عالية. كيشينيف Kishinev «كيشينيف» مدينة روسية في بيساربيا (التي ضُمت إلى روسيا عام 1812) وأصبحت مركزاً تجارياً وصناعياً مهماً، وكانت توجد فيها أقلية يهودية كبيرة وصل عددها عام 1847 إلى عشرة آلاف، أي 12% من مجموع سكان المدينة، ثم إلى ثمانية عشر ألفاً عام 1867، أي 21% من مجموع السكان، وخمسين ألفاً بعد ذلك التاريخ. وكانت أغلبية اليهود في هذه المدينة تعمل بالتجارة وصناعة الملابس والأخشاب والاتجار في المنتجات الزراعية، وهي قطاعات اقتصادية كانت مركزة في أيديهم. ومع هذا، كانت توجد نسبة كبيرة من المتسولين اليهود. وكان سكان كيشينيف من اليهود ينقسمون إلى أغلبية أرثوذكسية ونخبة مثقفة روسية. وقد افتُتحت أول مدرسة يهودية حديثة في روسيا عام 1836. وفي عام 1903 (يومي 19 ـ 20 إبريل) ، وقع هجوم (بوجروم) ضد أعضاء الجماعة اليهودية، إثر توجيه تهمة دم لبعضهم، قُتل فيها واحد وأربعون (32 رجل ـ 6 نساء ـ 3 أطفال) وجُرح خمسة وتسعون ودُمر سبعمائة وخمسة وخمسون منزلاً، ونُهب ستمائة محل، وحدثت بعض حالات اغتصاب. ويُقال إن الشرطة القيصرية لم تتدخل لحماية أعضاء الجماعة اليهودية. ويتواتر ذكر هذه الحادثة في الكتابات الصهيونية، وتُصوَّر كما لو كانت جزءاً من مؤامرة الأغيار ضد اليهود. ولكن قارئ التاريخ الروسي يعرف أن القمع والإرهاب القيصريين كانا موجهين ضد مختلف الأقليات الدينية والعرْقية في روسيا، بل وضد الجماهير الروسية التي كان الحرس القيصري يطلق عليها النار بدون رحمة أو هوادة (كما حدث في مظاهرة الأب جابون التي وقعت في الفترة نفسها عام 1905) . ورغم تباكي الصهاينة على ما حدث، فإن الواقعة حدثت في عهد وزير الداخلية الروسي فون بليفيه الذي تفاوض معه الزعيم الصهيوني هرتزل (في العام نفسه الذي شهد وقوع الحادثة) للحصول على تأييد روسيا للمشروع الصهيوني. ولذا، يُلاحَظ أن المؤتمرات الصهيونية التي عُقدت آنذاك لم تذكر الحادث من قريب أو بعيد، ولم تحتج عليها، بل لزمت الصمت الكامل تجاهها حتى تضمن التأييد الروسي. ولا تزال هناك أقلية يهودية كبيرة نسبياً في كيشينيف في الوقت الحاضر يبلغ عددها اثنين وأربعين ألفاً. ليو فرانك (1884-1915) Leo Frank أمريكي يهودي وُلد في تكساس بالولايات المتحدة الأمريكية، ونشأ في بروكلين، أحد أحياء اليهود المهمة في مدينة نيويورك. اتُهم ليو فرانك في قضية عام 1908، ويُقال إن انتماءه اليهودي كان عنصراً مهماً أثر في محاكمته وفي الأحداث التي تلتها. كان فرانك يعمل مديراً لمصنع أقلام في أتلانتا (ولاية جورجيا) حيث قُبض عليه بتهمة قتل فتاة بيضاء عمرها ثلاثة عشر عاماً تُدعَى ماري فيجان، بعد محاولة اغتصابها. وقد حُوكم فرانك وصدر حكم بإعدامه. وحينما خفف حاكم الولاية الحكم إلى السجن مدى الحياة، هاجمت مجموعة من المواطنين السجن واختطفوا فرانك وشنقوه في المدينة التي وُلدت ودُفنت فيها ضحيته المفترضة، وهو ما يُسمَّى في اللهجة الإنجليزية الأمريكية «لينشنج Lynching» وهي عملية الاختطاف والشنق. وقد صدر عفو عن فرانك عام 1986 وبُرئ اسمه من الجريمة التي نُسبت إليه. ويُجرد الصهاينة هذه الواقعة من سياقها التاريخي ليفرضوا عليها معنى صهيونياً بحيث يظهر اليهودي وكأنه ضحية عنف الأغيار. ولو نظرنا إلى واقعة ليو فرانك بمنظار تاريخي، فسنكتشف أنه لم يكن يُنظَر إليه باعتباره يهودياً أساساً وإنما باعتباره رمزاً متبلوراً لعدة عناصر تاريخية واجتماعية وثقافية ليس لها علاقة وثيقة بيهوديته، شأنه في هذا شأن دريفوس. وأهم هذه العناصر على الإطلاق هو أن المجتمع، مسرح الواقعة، كان يخوض ثورة صناعية حقيقية متأخرة، مع كل ما يصاحب مثل هذه الانقلابات من ظروف صحية سيئة وأمراض اجتماعية عاش في ظلها أعضاء الطبقة العاملة من البيض المحليين أو المهاجرين المُقتلَعين من جذورهم الزراعية، سواء في أوربا أو جنوب الولايات المتحدة. والواقع أن من أهم مظاهر الثورة الصناعية تركُّز السكان في المدن، وقد تضاعف عدد سكان مدينة أتلانتا بين عامي 1900 و1913، إذ زاد من نحو 89.870 إلى نحو 173.713، وهو يُعَدُّ أعلى معدل ارتفاع لأي مدينة أمريكية في الفترة نفسها باستثناء برمنجمهم (بولاية ألاباما) . وكان نمو المدينة عشوائياً، ولذلك لم تكن هناك المؤسسات اللازمة للحياة الإنسانية الكريمة، مثل: أماكن الترويح، أو أماكن السكن، أو ما يكفي من المستشفيات العامة ... إلخ. وكانت أتلانتا تعاني من أزمة مساكن، فقد كان هناك حوالي 30.308 من المساكن لنحو 35.813 أسرة، وكان نصف المساكن بلا مياه، وكان نحو 50 ألف شخص يعيشون في منازل لا يوجد بها نظام للصرف الصحي. وكانت نسبة تلوث الجو عالية للغاية، ولهذا انتشرت الأمراض مثل التيفود وغيره من الأمراض، وارتفعت معدلات الوفاة، ويُقال إن 90% من المساجين كانوا يُعانون من مرض الزهري. وقد زاد فقر سكان أتلانتا بشكل رهيب، وكان الأجر اليومي للطفل لا يزيد عن 20 سنتاً، وكان الأجر الأسبوعي لماري فيجان دولاراً وعشرين سنتاً. ولم يكن الجو موبوءاً من الناحية المادية وحسب، وإنما كان موبوءاً من الناحية الأخلاقية أيضاً، وهذا أمر متوقع في مثل هذا المجتمع، حيث انتشرت مختلف أنواع الجرائم: السرقة والقتل والدعارة والسُكْر. وكانت نسبة الجريمة في أتلانتا من أعلى النسب في الولايات المتحدة وتُعادل نسبتها في شيكاغو عاصمة الجريمة في العالم. وقد قبض البوليس عام 1907 على 17 ألف شخص من مجموع السكان البالغ عددهم 102.700 في ذلك العام. ومع هذا، كان جهاز الشرطة هزيلاً للغاية، إذ أن مجموع عدد العاملين في قوة الشرطة لم يكن يزيد على مائتي شرطي. وكانت توجد في هذه المدينة الواسعة نقطة شرطة واحدة، ولذا، كان كثير من المجرمين يفرون من قبضة القانون. وفي عام 1912/1913 بالذات، كانت هناك اثنتا عشرة جريمة قتل، لم يتم الاهتداء إلى مرتكبيها. هذه هي بعض مظاهر الثورة الصناعية في أتلانتا. ولنا أن نلاحظ أن هذه الثورة كانت في الواقع جزءاً من عملية غزو واسعة، فالجنوب الأمريكي، مسرح الواقعة، كان لا يزال يشعر بمذاق الهزيمة في الحرب الأهلية (1861 ـ 1865) حين هزمه الشمال الصناعي وأكد سلطة الحكومة الفيدرالية على حساب استقلال الولايات. وقد فقد ما يقرب من 600.000 شخص حياتهم إبَّان هذه الحرب. وبعد انتصار الشمال فُتحت الولايات الجنوبية (المتخلفة نسبياً وذات الاقتصاد الزراعي) لرأس المال الشمالي والنخبة الشمالية التي أسست الصناعات وغزت السوق. ويرى بعض المؤرخين أن العلاقة بين الشمال والجنوب كانت علاقة شبه كولونيالية، وأن ما يسميه الشماليون «توحيد» الولايات المتحدة هو في واقع الأمر «غزو» شمالي للجنوب وهيمنة عليه. وهو غزو لمجتمع زراعي كانت تسوده علاقات شبه إقطاعية توجد على قمته أرستقراطية تعتز بمكانتها الرفيعة وبقيم الشرف والالتزام الإقطاعي، وقد كان ذلك المجتمع مجتمعاً أنجلو ساكسونياً بروتستانتياً متجانساً لم يستوطن فيه ملايين المهاجرين كما حدث في بقية الولايات المتحدة، وبخاصة في الساحل الشرقي. وكانت مؤسسة الأسرة قوية جداً في مجتمع الجنوب وتتسم بقدر كبير من التماسك. وكانت المرأة رمز هذا التماسُك الأسري، ومحط تقديس المجتمع. لكن أعضاء مثل هذا المجتمع الزراعي الأرستقراطي عادةً ما ينظرون بقدر من الاحتقار، بل والبغض أحياناً، إلى الاقتصاد النقدي المبني على التعاقد وعلى آليات العرض والطلب. وقد كانت شكوكهم في محلها، فبعد توحيد الشمال مع الجنوب فُتح الجنوب أمام الصناعات الشمالية التي هاجرت لتستفيد من العمالة الرخيصة والأراضي قليلة التكاليف والسوق البكر، وهي صناعات لم تخدم تقاليد المجتمع كثيراً، بل ساهمت في تفكيك نسيجه المجتمعي وفي تحطيم بناء الأسرة، فكان الأطفال يعملون في المصانع ساعات طويلة، وكذا النساء. وأدَّى دخول الصناعات إلى تزايد معدلات التحديث والعلمنة بكل ما يتبع ذلك من تفكك اجتماعي، في المراحل الأولى على الأقل، خصوصاً وأن هذه الصناعات لم تظهر نتيجة تطوُّر عضوي وتفاعُل عناصر محلية وظهور بورجوازية في رحم المجتمع ذاته، وإنما فُرضت عليها فرضاً من مجتمع اليانكي الشمالي. كان ليو فرانك رمزاً لهذه القوة الغازية، فقد كان شمالياً في الجنوب، صاحب ومدير مصنع في مجتمع زراعي ينظر بعين الشك إلى الصناعة، يقوم باستئجار النساء والأطفال كعمالة رخيصة في ظل مجتمع يقدس الأسرة حتى عهد قريب. وكان يُشار إلى ماري فيجان على أنها «عاملة المصنع الصغيرة» ، أي أنها تحوَّلت إلى رمز الطفولة البريئة التي استغلها المستثمرون من الشمال. وكان فرانك عضواً في النخبة العلمانية المهيمنة التي لا تكترث كثيراً بالقيم التقليدية في وسط بيئة جنوبية عمالية مقتلعة من بيئتها الزراعية، لا تزال تؤمن بالقيم التقليدية والمسيحية وتحلم بالمجتمع المتماسك الذي دُمِّر إبَّان الحرب الأهلية. ولم تكن يهودية فرانك سوى البؤرة التي جمعت كل هذه العناصر السابقة وبلورتها، إذ أن المعركة الحقيقية كانت بين الشمال الصناعي الغازي والجنوب الزراعي الذي تم غزوه، وبين ضحايا التقدم من ناحية والصناعة وممثلي هذا المجتمع الجديد الرهيب من ناحية أخرى. وقد يكون من المفيد، عند هذه النقطة، أن نتناول الانتماء اليهودي لفرانك. كان فرانك يشغل منصب رئيس فرع جماعة أبناء العهد (بناي بريت) اليهودية في المدينة. كذلك لابد أن نعرف، على وجه الدقة، موقف الجنوب الأمريكي من اليهود. لقد حدد الجنوب الأمريكي التضامن على أساس عرْقي بسيط (الأبيض مقابل الأسود) ، على عكس الشمال الذي حدده على أساس عرْقي ديني إثني مركب: أبيض بروتستانتي من أصل أنجلو ساكسوني، يليه أبيض كاثوليكي من أصل إيطالي وأيرلندي، ثم يليهم اليهودي الأبيض في المنزلة، ثم يأتي الأسود، كاثوليكياً كان أم بروتستانتياً في أسفل السلم العرْقي. ومن الواضح أن التعريف الجنوبي لم يستبعد اليهود وإنما صنفهم ضمن البيض، تماماً كما حدث في جنوب أفريقيا. الأمر الذي سمح لهم بدرجة عالية من الاندماج والحراك الاجتماعي، فأصبحوا جزءاً عضوياً من المجتمع، كما أصبحوا أعضاء في النخبة الحاكمة وامتلكوا الرقيق وتاجروا فيه، ولم تكن هناك صورة مستقلة لليهودي في الوجدان الأمريكي الجنوبي التقليدي. لقد أشرنا من قبل إلى أن ليو فرانك كان رمزاً للقوة الغازية الشمالية. ويمكن أن نضيف هنا أنه، مع التحولات التي دخلت على الجنوب، اكتسبت كلمة «يهودي» مدلولاً جديداً. فلم يكن يهود جورجيا هم يهود الجنوب التقليديين القدامى وإنما كانوا عنصراً غريباً جديداً وافداً. وفي عام 1910، كان اليهود في أتلانتا (جورجيا) يشكلون أكبر جماعة من المهاجرين الأجانب، إذ بلغ عددهم 1342، أي 25% من مجموع الأجانب. ورغم أن نسبتهم لم تتجاوز 1% من عدد السكان، فإنهم كانوا يشكلون جماعة وظيفية وسيطة حققت بروزاً مشيناً. فقد كانوا يمتلكون معظم الحانات ومحلات الرهونات وبيوت الدعارة، وهذا جزء من ميراثهم الاقتصادي الأوربي، وكان زبائنهم من الزنوج أساساً. ويُقال إن بيوت الدعارة التي امتلكها اليهود كانت تزينها «صور نساء بيض لإثارة شهوة الزنوج الذين كانوا يحتسون الخمر في الحانات اليهودية وينطلقون بعدها كالوحوش» ، وهذه صورة إدراكية عنصرية، ولكنها على أية حال ربطت الجرائم الجنسية في ذهن سكان أتلانتا باليهود. وكان فرانك نفسه مشهوراً بمغازلة العاملات وملاحقتهن، ويُقال إن ماري فيجان نفسها اشتكت إلى صديقاتها من محاولات فرانك الإباحية. وقد تكون هذه الاتهامات باطلة تماماً، وقد يكون السلوك الإباحي المنسوب إلى فرانك لا يختلف عن سلوك أو حركات أي شخص جاء من مجتمع حضري مفتوح يتصرف بتلقائية في مجتمع مغلق فيُساء فهم سلوكه وحركاته. ولكن المهم إدراك الناس له ولسلوكه، خصوصاً وأن اشتغال اليهود بالمهن المشينة يدعم هذا الإدراك. وإلى جانب هذه الخلفية الاجتماعية والتاريخية والثقافية، ثمة جانب إحصائي مهم. فالدراسات الصهيونية لا تكف عن الإشارة إلى قضية ليو فرانك وإلى الظلم الذي حاق به نتيجة اختطافه من السجن وشنقه بعد أن خفف الحاكم الحكم عليه. ولكن هذه الدراسات لا تذكر الحقائق التالية: 1 ـ لم يكن احترام القانون سمة سائدة في المجتمع الأمريكي ككل، وفي مجتمع أتلانتا على وجه الخصوص. فعلى سبيل المثال، قبضت الشرطة ذات مرة على كل الذكور القادرين لأن أتلانتا كانت تعاني من نقص في العمالة. ومن المعروف أن الشرطة اتُهمت عام 1909 بضرب أحد الزنوج ضرباً أفضى إلى موته، وأنهم قاموا بتقييد إمرأة بيضاء إلى الحائط حتى زهقت روحها. 2 ـ اندلعت عام 1906 اضطرابات، فهاجم السكان البيض حي السود لعدة أيام واشتبكوا معهم، فقتلوا عشرة زنوج وجرحوا ستين في حين قُتل من بينهم رجلان وجُرح عشرة، واضطرت المدينة إلى استدعاء الحرس الوطني. ويُقال إن الاضطرابات اندلعت نتيجة تقارير مثيرة نشرت في الصحف عن اعتداء السود على النساء البيض. 3 ـ كانت المدينة محتاجة إلى مزيد من الأيدي العاملة، وبالتالي إلى مزيد من المهاجرين. ولكن كلما زاد عدد المهاجرين، كانت تزداد نسبة غضب السكان المحليين المقتلعين. ففي عام 1891، تم اختطاف وشنق أحد عشر مهاجراً إيطالياً. وفي عام 1899، اختُطف خمسة آخرون. وفي عام 1900، اختفى ثلاثة آخرون في ظروف غامضة. 4 ـ شهدت الفترة من 1889 إلى 1918 ألفين وخمسمائة حالة اختطاف وشنق (لينشنج) أخرى. وكان معظم ضحايا الاختطاف من السود، كما تم اختطاف قلة من أعضاء الأقليات الأخرى. ولكن لم يكن هناك سوى حالة واحدة فقط اختطف فيها يهودي وشنق، وهي حالة ليو فرانك وهي الحالة التي يرد ذكرها في الأدبيات الاختزالية الصهيونية وكأنها ظاهرة عامة متواترة! وهكذا يتحول الاستثناء إلى قاعدة، ويتحول الخاص إلى عام، وتتحول الواقعة العابرة إلى رمز عالمي مركزي! حادثة دريفوس Dreyfus Affair «حادثة دريفوس» يُشار إليها أيضاً بعبارة «واقعة دريفوس» ، وبطلها هو ألفريد دريفوس (1856 ـ 1935) الذي كان من كبار الضباط الفرنسيين، واليهودي الوحيد في هيئة أركان الجيش الفرنسي. وُلد في مقاطعة الألزاس باسم «مولهاوزن» لأسرة يهودية ثرية مندمجة في محيطها الفرنسي. ونظراً لأن اسمه ألماني الطابع، فقد غيره إلى اسمه الذي اشتهر به. وقد اتُهم دريفوس بسرقة وثائق سرية عسكرية بمساعدة الماسونيين، وتسليمها إلى الملحق العسكري الألماني في باريس، فوُجِّهت إليه تهمة الخيانة العظمى والتجسس لحساب ألمانيا عام 1894. وقامت السلطات العسكرية بمحاكمته، وتابعت الصحافة المعادية لليهود آنذاك الأحداث وعبأت الرأي العام ضده، الأمر الذي خلق جواً غير ملائم لضمان حياد المحاكمة. وفي نهاية الأمر، قضت المحكمة عليه بالسجن مدى الحياة، وجُرِّد من رتبته علناً أمام الجماهير، ونُفي إلى جزيرة الشيطان (ديفلز أيلاند) التي تقع على الساحل الأفريقي (وكانت مستعمرة فرنسية) . ورحبت الصحافة المعادية لليهود بالحكم. ويُقال إن واقعة دريفوس تركت أثراً عميقاً في تيودور هرتزل لدرجة أنه اكتشف عبث محاولة الاندماج، فتبنَّى بدلاً من ذلك الحل الصهيوني. ولكن هذه الفكرة في حد ذاتها عملية تبسيط فجة للعوامل التي أدَّت بهرتزل إلى اقتراح الدولة الصهيونية حلاًّ للمسألة اليهودية. والحقيقة التي لا توردها المراجع الصهيونية هي أن هرتزل نفسه كان مقتنعاً في بادئ الأمر بأن دريفوس كان مذنباً وخائناً، ولا أحد يدري ما الذي جعله يغيِّر رأيه فيما بعد، ولكن هذا ليس هو موضوعنا الأساسي. وقد يكون من الأجدى وضع واقعة دريفوس في إطارها التاريخي والاجتماعي والإنساني. ابتداءً، كان دريفوس محل شك المخابرات الفرنسية لأسباب وجيهة. فالقوات الفرنسية ذاتها كانت تجند كثيراً من يهود ألمانيا ويهود الألزاس واللورين للعمل كجواسيس لحسابها. ولذا، ساد الاعتقاد بأن ألمانيا أيضاً كانت تقوم بالشيء نفسه، وهو أمر متوقع. والجدير بالذكر أن هذا جزء من الإدراك الأوربي لأعضاء الجماعات اليهودية، وهو إدراك كانت تدعمه بعض الممارسات التاريخية. ففي القرن السابع عشر، لعب أعضاء الجماعات اليهودية في أوربا دوراً أساسياً في عملية التجسس بين الدول. كما حاول أوليفر كرومويل أن يخطب ود أعضاء الجماعات اليهودية ويوطنهم في إنجلترا حتى يستفيد من خدماتهم كجواسيس له. ويُلاحَظ أن هذه الفترة شهدت كساداً اقتصادياً في أوربا، الأمر الذي أدَّى إلى انتقال أعداد كبيرة من المهاجرين إلى فرنسا، فجاء مهاجرون من إيطاليا وغيرها من البلدان الأوربية. وكان عدد العمال الإيطاليين عام 1872 نحو 112 ألفاً، فأصبح 300 ألف عام 1890، وجاء معهم قرويون (من القرى الفرنسية) يتحدثون لهجاتهم المحلية، مثل البريتون والأفيرنيان. كما هاجرت أعداد كبيرة من يهود الألزاس واللورين الذين لم يكونوا قد اصطبغوا بعد بالصبغة الفرنسية. ووصلت أعداد كبيرة كذلك من يهود شرق أوربا الذين يتحدثون اليديشية (وهي رطانة ألمانية) . وقد أدَّى كل هذا إلى زيادة عدد الأجانب. كما أن تزايُد يهود شرق أوربا ويهود الألزاس واللورين، على حساب العنصر اليهودي الفرنسي المحلي، أدَّى إلى تصنيف كل أعضاء الجماعة اليهودية على أنهم أجانب. ومن المعروف أن العناصر الأجنبية عادةً ما تتعرض في فترات الكساد الاقتصادي للهجوم من قبل أعضاء الأغلبية المحليين الذين يتهمون العناصر الوافدة بأنهم سبب الأزمة. كما أن العامل الأجنبي يرضى بأجر أقل ومستوى معيشي أكثر انخفاضاً، الأمر الذي يثير الحقد عليه. وعلاوة على هذا، كان الجو العام في فرنسا آنذاك متوتراً، وخصوصاً إزاء أعضاء الجماعة اليهودية، بعد هزيمة الجيش الفرنسي على يد بروسيا عام 1870. وكانت العناصر الليبرالية التي تضم نسبة عالية من أعضاء الجماعة اليهودية تقف ضد فكرة الانتقام من ألمانيا. كما كان المد العلماني آخذاً في التزايد وفي الإصرار على فصل الدين عن الدولة. هذا إلى جانب أن الثورة الصناعية اقتلعت الكثيرين من جذورهم وأدَّت إلى إفقارهم وقذفت بهم في المدن الكبرى (مثل باريس) . وكان هؤلاء المُقتلَعون يشعرون بانعدام الأمان في المجتمع الجديد (بعلمانيته وثوريته وقيمه التجارية) والذي كان اليهود يوجدون في مركزه. وإلى جانب كل ذلك، كان هناك أيضاً عدد كبير من اليهود بين قيادة كومونة باريس في عام 1871. وأدَّى هذا كله إلى الربط بين الجماعة اليهودية والعناصر الثورية والعلمانية والفوضوية في المجتمع. ولكن من المفارقات التي تستحق التأمل أن أعضاء الجماعات اليهودية ارتبطوا في الوقت نفسه في الوجدان الأوربي، منذ العصور الوسطى حتى العصر الحديث، بالمصالح المالية الكبيرة، والبنوك والشبكات المالية والتجارية، وهي صورة دعمها بروز أسرة روتشيلد في عالم التجارة والمال. وهكذا، أصبح اليهودي رمزاً متبلوراً لكثير من العناصر محط شك الجماهير وكرهها، فهو الأجنبي البغيض، وهو الثوري العلماني التقدمي الذي يحمل لواء المجتمع الجديد المدمر، وهو أيضاً رجل المال الذي لا يكترث بأية قيم سوى الربح، ولا يرتبط بأي أرض سوى السوق. وقد كانت الصحف المعادية لليهود تشير إلى دريفوس باعتباره ألزاسياً وأجنبياً وعضواً في طبقة المموِّلين الأثرياء. وقد انضمت أعداد كبيرة من ضحايا الثورة الصناعية إلى التنظميات المعادية لليهود التي كانت تستخدم خليطاً جذاباً ومريحاً من الديباجات المسيحية والاشتراكية والعرْقية وتطرح صورة للمجتمع المبني على التضامن المسيحي والتكافل الاجتماعي والتعاون الاقتصادي (جماينشافت) ، تلك الصورة التي تقف على الطرف النقيض من المجتمع الصناعي الجديد المبني على التنافس والتفاؤل، الذي يؤمن بإمكانية البقاء للأصلح والأقوى وحسب (جيسيلشافت) . وقد انضمت أغلبية أعضاء الجماعة اليهودية المتركزون في العاصمة إلى القوى العلمانية والتقدمية التي أدارت المعركة مع العناصر الدينية والمحافظة. فاليهودي كان رمزاً مهماً بلا شك للقوى الجديدة، ولكنه لم يكن قط أحد أطراف المعركة بل كان جزءاً من كل، فهو جزءٌ من القوى الاجتماعية المتصارعة في المجتمع الفرنسي في أواخر القرن التاسع عشر والتي كانت كل واحدة منها تحاول أن تصوغ المجتمع حسب رؤيتها. وقد حولت هذه القوى قضية دريفوس إلى حلبة للصراع فيما بينها. ففي عام 1896، اكتشف جورج بيكار رئيس مخابرات الجيش الفرنسي، وبطل واقعة دريفوس الحقيقي، أدلة تثبت براءته من التهمة المنسوبة إليه، وتشير بأصابع الاتهام إلى شخص آخر هو الميجور إسترهازي الذي لعب دوراً مهماً في سير أحداث القضية بحيث انتهت إلى الإدانة التامة للكابتن دريفوس. وحاول بيكار إقناع المسئولين بإعادة المحاكمة، ولكنه أُمر بالتزام الصمت ونُقل إلى تونس بسبب ذلك. وقد شُنت حملة إعلامية مكثفة قادها المفكر الفرنسي اليهودي برنارد لازار للمطالبة بإعادة النظر في القضية حيث كتب عدة مقالات دافع فيها بحماس عن دريفوس، كما طالب رئيس مجلس الشيوخ الفرنسي بإعادة النظر في القضية لاقتناعه ببراءته. وتحت إلحاح الموقف المتفجر وإصرار بيكار، قُبض على الميجور إسترهازي وحوكم ذراً للرماد في العيون ولكن سرعان ما بُرئ لعدم كفاية الأدلة. فكتب الروائي الفرنسي إميل زولا سلسلة مقالات تحت عنوان «إني أتهم» هاجم فيها المحاكمتين، وكانت النتيجة أن اتُهم زولا بالقذف العلني وحكم عليه بالسجن ففر إلى إنجلترا. وفجأة، برزت أحداث جديدة غيرت مجرى القضية، فقد انتحر الكولونيل هيوبرت جوزيف هنري أثناء استجوابه، وهو شاهد الإثبات الأول في القضية، بعد أن اعترف بتزويره الوثائق التي أدَّت إلى إدانة دريفوس. وعندما علم إسترهازي بحادث الانتحار اعترف بجريمته وفر إلى إنجلترا. وفي صيف عام 1899، أمرت محكمة النقض بإعادة محاكمة دريفوس على ضوء الأحداث التي استجدت. وتحت ضغط بعض الشخصيات من ذوي النفوذ في الجيش، أُعلن مرة أخرى أنه مذنب. وفي هذه المرة حُكم عليه، مع مراعاة الظروف المخففة، بالحبس عشر سنوات كان قد قضى خمساً منها في المنفى. وبعد عدة أيام أمر الرئيس الفرنسي إميل لوبيه بالعفو عنه. وقد حثه كثير من أصدقائه والمدافعين عنه على استئناف المعركة لإثبات براءته التامة، وذلك لأن القضية قضية مبدئية تتجاوز الأشخاص. غير أن ألفريد دريفوس نفسه لم يكن مدركاً للأبعاد السياسية التي اتخذتها هذه القضية، فكان كل ما يتمناه وتتمناه عائلته الثرية المندمجة هو الإفراج عنه سواء عن طريق العفو أو التبرئة، ولهذا، قبل قرار العفو. أما بيكار، فأصبح بطلاً قومياً ورقاه رئيس الجمهورية إلى مرتبة بريجادير جنرال، وعُيِّن فيما بعد وزيراً للحرب. ثم فتحت محاكمة دريفوس، مرة أخرى، عام 1903 بضغط من القوى العلمانية والثورية وصدر الحكم بتبرئته، وأُعيدت له حقوقه السابقة، وعُيِّن في هيئة الأركان مرة أخرى بوظيفة ميجور ومنح نوط الشرف، ولكنه ما لبث أن ترك الخدمة. وقد عُيِّن أثناء الحرب العالمية الأولى قائداً لأحد قطاعات باريس برتبة كولونيل. ثم اعتزل الحياة العامة تماماً بعد ذلك وعاش في منزله بقية حياته غير مدرك للدلالات التاريخية والسياسية للواقعة التي ارتبطت باسمه (حسبما أخبرني أحد أفراد أسرتي الذي قابله في منزله عام 1934 حيث كان صديقاً لابنه) . وقد عمقت هذه القضية الخلافات الموجودة بين مؤيدي وخصوم النظام الجمهوري في فرنسا، وأدَّت إلى تقوية الأحزاب الاشتراكية، كما كانت وراء القانون الذي صدر عام 1905 بفصل بقايا الدين عن الدولة. المؤامرة اليهودية الكبرى أو العالمية Grand or World Jewish Conspiracy يميل العقل الإنساني، إن لم يجد نموذجاً تفسيرياً ملائماً لواقعة ما، إلى ردها إلى يد أو أياد خفية تُنسَب إليها التغييرات والأحداث كافة. فالأحداث ـ حسب هذا المنظور ـ ليست نتيجة تفاعل بين مركب من الظروف والمصالح والتطلعات والعناصر المعروفة والمجهولة من جهة وإرادة إنسانية من جهة أخرى، وإنما هي نتاج عقل واحد وضع مخططاً جباراً وصاغ الواقع حسب هواه، وهو ما يعني أن بقية البشر إن هم إلا أدوات. ومن أهم تجليات هذا النموذج الاختزالي ما يُقال له «المؤامرة اليهودية الكبرى» أو «المؤامرة اليهودية العالمية» والتي تفترض أن أعضاء الجماعات اليهودية يُكوِّنون كلاًّ واحداً متكاملاً متجانساً، وأن لهم طبيعة واحدة، وأن اليهودي شخص فريد لا يخضع للحركيات الاجتماعية التي يوجد فيها، ولا ينتمي إلى الأمة التي يعيش بين ظهرانيها. وهو يقف دائماً مقابل الأغيار (غير اليهود) ، إذ أن ثمة خاصية ما في اليهود، وخصوصية كامنة فيهم، تجعل من العسير على كل المجتمعات الإنسانية دمجهم، أو استيعابهم، وتجعل اندماجهم فيها عسيراً. ويتسم اليهود (حسب نموذج المؤامرة الكبرى) بالشر والمكر والرغبة في التدمير (فهذه أمور وُجدت في عقولهم بالفطرة وهي بُعد أساسي وثابت في طبيعتهم) ، وسلوكهم هو تعبير عن مخطط جبار وضعه العقل اليهودي الذي يخطط ويدبر منذ بداية التاريخ، والذي وضع تفاصيل المؤامرة الكبرى العالمية لتخريب الأخلاق وإفساد النفوس حتى تزداد كل الشعوب ضعفاً ووهناً بينما يزداد اليهود قوة، وذلك بهدف السيطرة على العالم (وربما لإنشاء حكومة عالمية يكون مركزها أورشليم القدس) . والتاريخ اليهودي بأسره إن هو إلا تعبير عن هذا النموذج وعن هذه المؤامرة الأزلية المستمرة، واليهود من ثم هم المسئولون في كل الأزمنة والأمكنة عن كل الشرور والمنكرات. فهم، على سبيل المثال، الذين أراقوا دم المسيح (حسب الرواية المسيحية) ، وهم الذين وضعوا السم للرسول عليه الصلاة والسلام، وهم وراء مؤامرة عبد الله بن سبأ (ثم أتباعه من بعده) للقضاء على الإسلام، وهم الذين قاموا بدس الإسرائيليات دساً على الدين الحنيف، بل يُنسَب إليهم ذبح الأطفال واستخدام دمهم في صنع خبز الفطير الذي يأكلونه في عيد الفصح. وفي العصر الحديث يرى التآمريون أن اليهود وراء أشكال الانحلال المعروفة والعلنية (وغير المعروفة والخفية) في العالم الغربي والعربي، بل وفي كل أرجاء العالم. فهم وراء المحافل الماسونية التي أسسوها أداة لمؤامراتهم، وهم وراء البهائية التي تسعى لإفساد الإسلام وكل العقائد، وهم الذين أدوا إلى ظهور الرأسمالية بكل بشاعتها، والبلشفية بكل إرهابها، والإباحية بكل تدميرها، وهم يسيطرون على رأس المال العالمي والحركة الشيوعية ويتحكمون في الصحافة ووسائل الإعلام. وهم الذين ضغطوا على الإمبراطورية الإنجليزية وجعلوها تُصدر وعد بلفور. وهم الذين أسقطوا الدولة العثمانية من خلال يهود الدونمه وهم الذين يحركون الآن اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة الأمريكية ويوجهون الإعلام الأمريكي ويجندون الصوت اليهودي، وذلك حتى يُسخِّروا الولايات المتحدة ويُرغموها، بما لديهم من نفوذ وسطوة وهيمنة، على تحقيق مآربهم وتنفيذ مصالحهم. وهم على اتصال بعالم الجريمة للمساعدة في إفساد العالم. والصهيونية ليست ظاهرة مرتبطة بحركيات التاريخ والفكر الغربي، وليست مرتبطة بظهور الإمبريالية الغربية وهيمنتها على العالم، وإنما هي مجرد تعبير عن هذا الشر الأزلي الكامن في النفس اليهودية الذي يتبدَّى في الغزو الصهيوني لفلسطين، وضرب المفاعل الذري العراقي وغزو لبنان وقمع الانتفاضة والهجرة اليهودية السوفيتية إلى فلسطين والسوق الشرق أوسطية ... إلخ. ومن أهم إفرازات هذا التصور الاختزالي الوثيقة المسماة بروتوكولات حكماء صهيون. وقد ساعد على نشر التصورات التآمرية عن اليهود، شعائرهم الدينية المركبة التي لا يستطيع كثير من الناس فهمها. كما ساهمت النزعة الحلولية الانعزالية في الدين اليهودي، والتصورات اليهودية الخاصة بالشعب المختار، والمركزية الكونية والتاريخية التي يضفيها اليهود على أنفسهم، في تعميق شكوك غير اليهود فيهم. ومما لا شك فيه أن وجود اليهود، بوصفهم جماعات وظيفية متفرقة، داخل عديد من المجتمعات الغربية، تنتظمها شبكة من العلاقات التجارية الوثيقة التي تحقق من خلالها قدراً كبيراً من النجاح التجاري والمالي قد عمَّق الرؤية التآمرية لليهود. وقد بلغت هذه الشبكة قمة تماسكها وقوتها في القرن السابع عشر حين كانت تنتظم يهود الأرندا في شرق أوربا، ويهود البلاط في وسطها وغربها، ويهود السفارد في البحر الأبيض والدولة العثمانية وشبه جزيرة أيبيريا والعالم الجديد، وخلق هذا الوجود الإحساس بالتنسيق فيما بينهم. ومع ضعف المجتمعات الغربية وبنائها القيمي، بسبب انتشار قيم النفعية والعلمانية، ومع تركُّز اليهود في كثير من الحركات العلمانية والفوضوية، تعمَّق الإحساس بأن ثمة مؤامرة يهودية تهدف إلى السيطرة على العالم كما تهدف إلى إفساده. والباحث المدقق سيكتشف أن الرؤية الاختزالية التآمرية لليهود لا تختلف في أساسياتها مطلقاً عن الرؤية الاختزالية الصهيونية لليهود. فكلا الفريقين يرى اليهود من خلال رؤية واحدية اختزالية ساذجة، تقوم بتبسيط دوافعهم ووجودهم في التاريخ إذ أنها تسقط عنهم زمنيتهم وتركيبيتهم وإنسانيتهم. فبدلاً من رؤية أعضاء الجماعات اليهودية كجزء من تواريخ بلادهم وحضاراتهم، فإنها تنظر إليهم باعتبارهم كياناً واحداً متماسكاً فريداً يتحرك داخل تاريخه اليهودي الخاص بمعزل عن المجتمعات التي يعيشون فيها. وبسبب هذا الاتفاق بين الفريقين نجد أن كلاًّ من التآمريين والصهاينة يتحدثون عن «الشعب اليهودي عبر التاريخ» وعن «الشخصية اليهودي في كل العصور» وعن «العبقرية أو الجريمة اليهودية في كل زمان ومكان» وهكذا. ويُقدِّم كلا الفريقين تصوُّراً لليهود باعتبارهم كيانات بسيطة دوافعها وغاياتها بسيطة. فأعضاء الشعب اليهودي هذا، حسب رؤية التآمريين والصهاينة، لا يشعرون بالانتماء لأوطانهم، إذ أنهم أينما وُجدوا يحنون لصهيون ويدينون لها وحدها أو لحكومتهم اليهودية بالولاء، ومن ثم فاليهودي عادةً يعاني من ازدواج الولاء ولا يشعر بالاستقرار في وطنه، ونتيجةً لهذا يصبح شخصية مريضة لا تخضع للقوانين الإنسانية العامة، يقاوم الاندماج في الأغيار ويقع ضحية فريدة لعنفهم. والخلاف بين التآمريين والصهاينة لا يوجد في التشخيص أو في الوصف أو في المنطلقات أو المسلمات ولا حتى في الحل وإنما في آليات الحل وحسب، أي أن الاختلاف بينهم اختلاف إجرائي بسيط وليس كلياً وشاملاً، فكلا الفريقين يطرح حلاًّ بسيطاً لمشكلة الكيان اليهودي المتماسك الفريد الذي يرفض الاندماج، ألا وهو ضرورة «خروج» اليهود من أوطانهم. ولكن بينما يرى التآمريون وأعداء اليهود أنه لا مناص من استخدام العنف في هذه العملية (من طرد وإبادة) ،فإن الصهاينة يرون أن الحركة الصهيونية يمكنها أن تشرف على عملية الخروج هذه بطريقة منهجية منظمة، بحيث لا يوجد أي مبرر للعنف. ومع هذا، لا يستبعد الصهاينة استخدام العنف كآلية لإخراج اليهود من أوطانهم، كما حدث عام 1951،حينما ألقى عملاء إسرائيل القنابل على أماكن تجمُّع أعضاء الجماعة اليهودية في العراق حتى يضطروهم للهجرة منها إلى الدولة الصهيونية الناشئة، وكما يحدث الآن حينما تضغط الحركة الصهيونية على الولايات المتحدة لتغلق أبوابها أمام اليهود السوفييت حتى يضطروا إلى الهجرة إلى إسرائيل. وفكرة المؤامرة أكذوبة تلائم معظم الأطراف المشتركة في الصراع الإسرائيلي، فإسرائيل تستفيد كثيراً من هذا الفكر التآمري لأنه يضفي عليها من القوة ما ليس لها، ومن الرهبة ما لا تستحق، وهو في نهاية الأمر يجعلها تكسب معارك لم تدخلها قط. كما أن الحكومات الأمريكية المختلفة تفسر للزعماء العرب عجزها عن مساعدة الحق العربي بتعاظم النفوذ الصهيوني في الكونجرس. أما الحكومات العربية، فإنها تُفسِّر تخاذلها وهزيمتها أمام العدو الصهيوني على أساس الأسطورة المريحة نفسها. وبالتالي، يجد كل من أطراف الصراع تفسيراً يبدو معقولاً ومقبولاً لوضعه أمام نفسه وأمام جماهيره. اليهود كشياطين Demonization of the Jews من الصور الأساسية المتواترة في أدبيات معاداة اليهود تصويرهم على أنهم شياطين، فالشر لصيق بطبيعتهم، فهم يخربون أي مجتمع يعيشون في كنفه، ويحيكون المؤامرات عبر التاريخ للقضاء على الجنس البشري (ربما مثل إبليس منذ أن خرج من الجنة) . وهذا هو المفهوم الكامن وراء بروتوكولات حكماء صهيون ووراء فكرة المؤامرة اليهودية العالمية. وهذه الفكرة تفترض وحدة اليهود عبر التاريخ وأنهم يمتلكون قوة سحرية (تماماً مثل الشيطان) ، ولذا فهم لا يُقهرون أو لا يمكن قهرهم إلا باللجوء للحلول السحرية، إذ لا يهزم السحر إلا السحر. كما لا يمكن هزيمة الشياطين بالجهد البشري العادي، جهاداً كان أو اجتهاداً، ولذا في مجابهة الشيطان لا يملك المرء إلا أن يستعيذ بالله أو يفر من الشيطان أو يستسلم له، ويوقِّع معاهدة سلام واستسلام. والإيمان بأن اليهود وحدة صلبة متماسكة لا تُقهر، أو بأن إلحاق الهزيمة بهم في حكم المستحيل، هي فكرة تروج لها الدعاية الصهيونية الواعية (والدعاية المعادية لليهود غير الواعية) . وتظهر في شعارات مثل «جيش الدفاع الإسرائيلي الذي لا يُقهر» . وفكرة اليهود كشياطين هي مقلوب فكرة اليهود ككتلة صلبة لا تُكسر، وكلاهما يدور في إطار الحلولية الكمونية الواحدية. فكما أن الفكر الحلولي (الصهيوني) يجعل اليهود موضعاً للحلول الإلهي (باعتبارهم الشعب المختار صاحب الحقوق المطلقة) ، فإن مفهوم اليهود كشياطين يجعلهم موضع الشر الكوني الذي لا يتحول، فالأول يجعل منهم شعباً مقدَّساً يتجاوز الخير والشر، والثاني يجعل منهم شعباً شيطانياً يتجاوز الخير والشر أيضاً. وهذه الفكرة لها امتدادها في التراث المسيحي الذي يجعل من اليهودي مركزاً للدراما المسيحية الكونية التي تدور حول صلب المسيح وقيامه والتي يلعب فيها اليهود دور قاتل الرب الذي يقف بعد ذلك، في ضعته وتدنيه، شاهداً على انتصار الكنيسة وعظمتها. وقد وجدت هذه الفكرة طريقها إلى العالم الإسلامي وحلّت محل فكرة الفطرة الخيرة التي يولد الإنسان بها. وإضفاء صفة الإنسانية على أعضاء الجماعات اليهودية (بدلاً من الشيطانية) يعني إمكانية دراستهم وفهمهم والتمييز بين الخيِّر والشرير فيهم، وبين العدو والصديق، وفي نهاية الأمر طرح إمكانية الجهاد ضد من يعادينا ويغتصب أرضنا منهم وإلحاق الهزيمة به. بروتوكولات حكماء صهيون Protocols of the Elders of Zion كلمة «بروتوكول» كلمة إنجليزية تعني «اتفاقية» ، وبروتوكولات حكماء صهيون وثيقة يُقال إنها كتبت عام 1897 في بازل بسويسرا، أي في العام نفسه الذي عقد فيه المؤتمر الصهيوني الأول. بل يزعم البعض أن تيودور هرتزل تلاها على المؤتمر، وأنها نوقشت فيه، بل وتذهب بعض الآراء إلى التأكيد على أن المؤتمرات الصهيونية المختلفة إن هي إلا مؤتمرات حكماء صهيون هذه، وأن الهدف من المؤتمر السري الأساسي الأول الذي ضم حاخامات اليهود هو وضع خطة محكمة (بالتعاون مع الماسونيين الأحرار والليبراليين والعلمانيين والملحدين) لإقامة إمبراطورية عالمية تخضع لسلطان اليهود وتديرها حكومة عالمية يكون مقرها القدس. وتقع البروتوكولات البالغ عددها أربعاً وعشرين بروتوكولاً في نحو مائة وعشر صفحات، ونشرت لأول مرة عام 1905 ملحقاً لكتاب من تأليف سيرجي نيلوس وهو مواطن روسي ادعى أنه تسلَّم المخطوطة عام 1901 من صديق له حصل عليها من امرأة (مدام ك) ادعت أنها سرقتها من أحد أقطاب الماسونية في فرنسا. لكن نيلوس نفسه أخبر أحد النبلاء الروس بأن هذه المرأة أخذتها من رئيس البوليس السري الروسي في فرنسا، وأن الأخير هو الذي سرقها من أرشيف المحفل الماسوني. وقد كانت لنيلوس اهتمامات صوفية متطرفة، كما كان غارقاً في الدراسات الخاصة بالدلالات الصوفية للأشكال الهندسية. وقد لاقت البروتوكولات رواجاً كبيراً بعد نشوب الثورة البلشفية التي أسماها البعض آنذاك «الثورة اليهودية» ، إذ عزا الكثيرون الانتفاضات الاجتماعية التي اجتاحت كثيراً من البلدان الأوربية إلى اليهود. وانتقلت البروتوكولات إلى غرب أوربا عام 1919 حيث حملها بعض المهاجرين الروس. وبلغت البروتوكولات قمة رواجها في الفترة الواقعة بين الحربين، حينما حاول كثير من الألمان تبرير هزيمتهم بأنها طعنة نجلاء من الخلف قام بها اليهود المشتركون في المؤامرة اليهودية الكبرى أو العالمية. وقد أصبحت البروتوكولات من أكثر الكتب رواجاً في العالم الغربي بعد الإنجيل، وتُرجمت إلى معظم لغات العالم وضمن ذلك العربية حيث ظهرت عدة طبعات منها. وحازت البروتوكولات اهتمام بعض المشتغلين بالتأليف وبالإعلام حيث أشاروا إليها باستحسان كبير، وكأنها وثيقة ذات شأن كبير. ولحسن الحظ، لا يوجد مركز دراسات عربي واحد أعارها أي اهتمام، ولا يتم نشرها إلا من خلال دور نشر تجارية. والرأي السائد الآن في الأوساط العلمية التي قامت بدراسة البروتوكولات دراسة علمية متعمقة هو أن البروتوكولات وثيقة مزورة، استفاد كاتبها من كتيب فرنسي كتبه صحفي يدعى موريس جولي يسخر فيه من نابليون الثالث بعنوان حوار في الجحيم بين ماكيافللي ومونتسيكو، أو السياسة في القرن التاسع عشر، نُشر في بروكسل عام 1864، فتحول الحوار إلى مؤتمر وتحول الفيلسوف إلى حكماء صهيون. وقد اكتُشفت أوجه الشبه بين الكتيب والبروتوكولات حيث تضمنت هذه الأخيرة اقتباسات حرفية من الكتاب المذكور، وأحياناً تعبيرات مجازية وصوراً منه. والرأي السائد الآن أن نشر البروتوكولات وإشاعتها إنما تم بإيعاز من الشرطة السياسية الروسية للنيل من الحركات الثورية والليبرالية ومن أجل زيادة التفاف الشعب حول القيصر والأرستقراطية والكنيسة وبتخويفهم من المؤامرة اليهودية الخفية العالمية. وقد قمنا بدراسة سريعة لعناصر خطاب البروتوكولات (الأسلوب والمفردات والصور ... إلخ) ، فوجدنا أن هناك من الدلائل ما يدعم وجهة النظر القائلة بأنها وثيقة مزيفة: 1 ـ يُلاحَظ أن البروتوكولات وثيقة روسية بالدرجة الأولى والأخيرة: أ) فكاتب الوثيقة لا يعرف شيئاً عن المصطلح الديني اليهودي ولا يستخدم أية كلمات عبرية أو يديشية. وهناك إشارتان للإله الهندي فشنو، وإشارة واحدة لأسرة داود. وبطبيعة الحال، يمكن إثارة القضية التالية: إذا كانت البروتوكولات وثيقة سرية، فلماذا لم يكتبها حاخامات اليهود بالعبرية أو الآرامية أو اليديشية ليضمنوا عدم تَسرُّبها؟ ومما يجدر ذكره أن كثيراً من يهود روسيا آنذاك كانوا يتحدثون اليديشية ولا يعرفون الروسية. وكان حزب البوند، أكبر الأحزاب العمالية في أوربا يدافع عن حقوق العمال من أعضاء الجماعة اليهودية ويُطالب بالاعتراف باليديشية باعتبارها لغتهم القومية (باعتبارهم أحد «شعوب» الإمبراطورية الروسية) . ب) الموضوعات الأساسية المتواترة في البروتوكولات موضوعات روسية، فهناك دفاع عن الاستبداد المطلق وعما يُسمَّى «الأرستقراطية الطبيعية الوراثية» ، وهجوم شرس على الليبرالية والاشتراكية، وهو ما يبيِّن أن اهتمامات الكاتب روسية تماماً وتعكس رؤية الطبقة الحاكمة الروسية في السنين الأخيرة من حكم النظام القيصري. جـ) هناك هجوم على الكنيسة الكاثوليكية واليسوعية، وهو ما يدل على أثر التربة المسيحية الأرثوذكسية السلافية التي كانت تناصب الكاثوليكية العداء. د) ثمة هجوم شرس على الماسونية، التي كانت آنذاك جزءاً لا يتجزأ من الحركة الليبرالية والثورية الروسية. هـ) هناك هجوم شديد على دزرائيلي، الذي كان شخصية مكروهة تماماً من النخبة الحاكمة في روسيا لأنه كان يساند الدولة العثمانية حتى تظل حاجزاً منيعاً ضد توسُّع الإمبراطورية الروسية. 2 ـ كما أن نبرة البروتوكولات ساذجة للغاية، فمن الواضح أن كاتبها الذي زيفها، لا يجيد التزييف، فقد حاول أن يبيِّن الخطر العالمي لليهود. وحتى يعطي وثيقته درجة من المصداقية، جعل حكماء صهيون (لا أحد سواهم) يتحدثون عن الخطر اليهودي، حتى يبدو الأمر كله وكأنه «شهد شاهد من أهلها» ، غير أنه لم يكن على درجة كبيرة من الذكاء في عملية تزييفه هذه: أ) ففي الصفحة الأولى من البروتوكول الأول ينطق حكيم صهيون الأول بالكلمات التالية: "يجب أن يُلاحَظ أن ذوي الطبائع الفاسدة من الناس أكثر عدداً من ذوي الطبائع النبيلة". وهذه ملحوظة تبين الشر المتأصل في صاحبها. ولكن السؤال البدهي الذي يطرح نفسه هو: لماذا يصر كبير حكماء صهيون على نقل هذه الآراء لحكماء صهيون؟ أليس كل الحاضرين من الأشرار الذين لا توجد شبهة في شرهم؟ والسذاجة نفسها تتبدَّى في الملاحظة التي ترد بعد عدة صفحات حيث يقول كبير الحكماء: "إن الغاية تبرر الوسيلة، وعلينا (ونحن نضع خططنا) ألا نلتفت إلى ما هو خيِّر وأخلاقي بقدر ما نلتفت إلى ما هو ضروري ومفيد! " ومرة أخرى لماذا يكلف كبير الحكماء نفسه بتذكير الحاضرين من الحاخامات بمثل هذه البدهيات المتداولة بين الأشرار في كل زمان ومكان؟ أم أنه لاحَظ بعض علامات الخير بينهم فأراد أن يحذرهم منها؟ ب) يحاول واضع البروتوكولات أن يضخم اليهود وقوتهم ليخيف الناس منهم فيجعلهم ينسبون إلى أنفسهم في البروتوكول الثاني كل شر فيقول: "نجاح داروين وماركس ونيتشة قد رتبناه من قبل". ولكنه ينسى نفسه بعد قليل وتتبدل النبرة إذ يبدأ اليهود في توجيه الاتهامات لأنفسهم في البروتوكول الثاني نفسه: "من خلال الصحافة اكتسبنا نقودنا، وبقينا نحن وراء الستار، وبفضل الصحافة كدَّسنا الذهب، ولو أن ذلك سبَّب أنهاراً من الدم". وهذه في الواقع عريضة اتهام موجهة للذات؛ فلماذا يكلف كبير الحكماء خاطره ليقدمها لبقية أعضاء المجتمع الذين يعرفون ذلك مسبقاً؟ ولماذا يُصر على أن يُخبرهم في البروتوكول الثالث أن "أسرار تنظيم الثورة الفرنسية معروفة لنا جيداً لأنها من صنع أيدينا، ونحن من ذلك الحين نقود الأمم قدماً من فشل إلى فشل، حتى أنهم سوف يتبرأون منا " فمن يمكن أن يصف حركته بأنها حركة لقيادة الأمم من "فشل إلى فشل"، ويصر على أن هذه الحركة ستودي بهم؟ ثم يضيف في البروتوكول التاسع: "إن لنا طموحاً لا يُحدّ، وشرّهاً لا يُشبع، ونقمة لا تَرحم، وبغضاء لا تُحس. إننا مصدر إرهاب بعيد المدى. وإننا نُسخِّر في خدمتنا أناساً من جميع المذاهب والأحزاب". ثم يتطوع بالتأكيد على ما يلي: «لقد خدعنا الجيل الناشيء من الأمميِّين، وجعلناه فاسداً متعفناً بما علمناه من مبادئ» . ومن الواضح أن التزييف لم يبق منه سوى صيغة المتكلم الجمع، أما الباقي فهو اتهامات موجهة بالتآمر لليهود، ينسبها كاتبها لهم حتى تبدو كما لو كانت صادقة. ويمكننا الآن أن نعرض للأفكار الأساسية في البروتوكولات التي تؤكد أن السياسة لا تخضع للأخلاق، وأن اليهود سينفذون مخططهم الإرهابي عن طريق الغش والخداع. فعلى مستوى المجتمع، سيقومون بتقويض دعائم الأسرة وصلات القرابة، وإشاعة الإباحية، واستغلال الحريات العامة، وتخريب المؤسسات المسيحية، وإفساد أخلاق العالم المسيحي الأوربي. أما على مستوى الدولة، فإنهم سيسعون إلى تقويض كيان الدول عن طريق الإيقاع بينها بحيث تندلع الحروب، على ألا تؤدي هذه الحروب إلى تعديلات في حدود الدول أو إلى مكاسب إقليمية، ليتمكن رأس المال فقط من الخروج بالغنائم. وينبغي التركيز على المنافسة في المجتمع، وعلى تصعيد الصراع الطبقي، ليجري الجميع نحو الذهب الذي لابد أن اليهود سيحتكرونه، وتُصاب المؤسسات الدينية والسياسية بالاهتراء ويسود رأس المال كل شيء. وتهتم البروتوكولات في المراحل الأولى من المخطَّط بأن يسيطر اليهود على الصحافة ودور النشر وسائر وسائل الإعلام، حتى لا يتسرب إلى الرأي العام العالمي إلا ما يريدونه. كما أنها ترى ضرورة أن يسيطر اليهود على الدول الاستعمارية وأن يسخروها حسب أهوائهم. كما أنهم سيسيطرون أيضاً، بطبيعة الحال، على الدول الاشتراكية المعادية للاستعمار. والبروتوكولات تجعل اليهود مسئولين عن كل شيء: عن الخير والشر، والثورة والثورة المضادة، والاشتراكية والرأسمالية. فالبروتوكول السادس، مثلاً، يقول: «كي نخرب [أي نحن اليهود] صناعة الأغيار سنزيد من أجور العمال [اتجاهات اشتراكية] ونعرِّض الصناعة للخراب والعمال للفوضى [اتجاهات فوضوية [» . ومن الواضح أن البروتوكولات ليست نقداً لليهود بمقدار ما هي تعبير عن إحساس الإنسان الأوربي في أواخر القرن التاسع عشر بأزمته، وبقدر ما هي تعبير عن إدراكه السطحي المباشر لها بعد تزايد معدلات العلمنة في الغرب وبعد تفكك المجتمع التقليدي الذي كان يوفر له قدراً كبيراً من الطمأنينة، حتى وإن سلبه حريته وفرصه في الحراك الاقتصادي. فالمجتمع الذي يحاول اليهود فرضه على العالم، حسبما جاء في البروتوكولات، ليس عالماً شريراً بشكل شيطاني ميتافيزيقي، وإنما هو في الواقع العالم الغربي الصناعي الذي سادت فيه قيم العلمانية والنفعية، ومن هنا كان الجمع بين الرأسمالية والاشتراكية باعتبارهما نظامين يبشر بهما اليهود، كما كان الجمع بين نتيشه وماركس باعتبارهما فيلسوفين يبشر اليهود بفكرهما. فبرغم الاختلافات العميقة بين النظامين المذكورين، والاختلاف بين الفيلسوفين، فإن العامل المشترك الأعظم (أو نقطة البدء أو التلاقي) هو تأسيس مجتمع علماني يستند إلى قيمتي المنفعة واللذة لا إلى القيم الدينية الأخلاقية المطلقة. وقد وُجد أعضاء الجماعات اليهودية في مختلف القطاعات والاتجاهات، شأنهم في ذلك شأن أعضاء أية أقلية أخرى، فكانت توجد أعداد كبيرة من كبار المموِّلين الرأسماليين اليهود، كما كان كثير من أعضاء الجماعات اليهودية يشتغلون بالتجارة الصغيرة والربا، وكان من بينهم عدد كبير من المفكرين الليبراليين بل والرجعيين الذين يدافعون عن حرية التجارة وعن أكثر الأفكار الداروينية الاجتماعية تطرفاً. بل ونجد أن بعض اليهود ارتبطوا بالتجارب الاستعمارية الغربية غير الصهيونية كما حدث في جنوب أفريقيا (في صناعة التعدين) ، أو في شركة الهند الشرقية الهولندية، أو في شركة قناة بنما. كما تركَّز أعضاء الجماعات اليهودية بأعداد كبيرة في قطاعات اقتصادية مشينة مثل البغاء (قوادين وعاهرات) ونشر المجلات والمطبوعات الإباحية. وقد ربط هذا بين اليهودي من جهة وكلٍّ من «اليمين» و «التحلل الرأسمالي» و «التفكك الليبرالي» من جهة أخرى. ولكن، إلى جانب ذلك، كانت هناك أعداد كبيرة من أعضاء الجماعات اليهودية في حركة اليسار أيضاً: فقد كان أكبر حزب اشتراكي في أوربا هو حزب البوند اليهودي. وقد انخرط الشباب اليهودي بأعداد كبيرة في الحركات الثورية، حتى أن 30% من أعضاء الحركات الثورية في روسيا القيصرية كانوا من الشباب اليهودي. وحينما قامت جمهورية بلشفية في المجر عام 1919، كان رئيس الدولة يهودياً، وكان عدد اليهود من الوزراء كبيراً لدرجة مدهشة، وكانت هناك أعداد كبيرة من المفكرين الاشتراكيين والشيوعيين من أصل يهودي. كما كان لليهود حضور واضح في الفكر الفوضوي. وفي نهاية الأمر، كان كل من روتشيلد رمزاً للارتباط العضوي بين اليهود والرأسمالية، وماركس رمزاً للارتباط العضوي أيضاً بين اليهود والاشتراكية. ولذا، كان من الممكن تفسير كل شيء بالرجوع إلى مقولة «يد اليهود الخفية» . ولعل ما ساعد على إشاعة هذا النموذج التفسيري الساذج أن الوجدان المسيحي كان يجعل من اليهودي قاتل الرب رمزاً لكل الشرور. وقد شهدت نهاية القرن التاسع عشر عصر الهجرة اليهودية الكبرى، ولذا كان هناك يهود في كل مكان، يهود لا جذور لهم في طريقهم من شرق أوربا إلى الولايات المتحدة. وكما هو معروف، فإن الإنسان المهاجر المتنقل لا يلتزم بكثير من القيم. ولكل هذا، أصبح اليهودي رمزاً متعيناً لعملية ضخمة لم يكن الإنسان الأوربي يفهمها جيداً رغم شقائه الناجم عنها، وهي الثورة العلمانية الشاملة الكبرى (بشقيها الاشتراكي والرأسمالي) ، وهي ثورة لم يكن اليهودي يشكل فيها سوى جزء بسيط من كلٍّ ضخم مُركَّب. بل إن العقيدة اليهودية ذاتها سقطت ضحية هذه الثورة، وفقدت قطاعات كبيرة من الجماعات اليهودية هويتها نتيجةً لها. والفكرة الأساسية في البروتوكولات هي فكرة الحكومة اليهودية العالمية. لكن المعروف تاريخياً أنه لم تكن هناك سلطة مركزية تجمع سائر يهود العالم بعد تحطيم الهيكل على يد نبختنصر عام 586 ق. م، وذلك بسبب طبيعة الوجود اليهودي في العالم حيث انتشر اليهود على هيئة أقليات دينية لا يربطها رباط قومي، وقد كان لكل أقلية محاكمها وهيئاتها الخاصة التي تقوم برعاية شئونها. ولكن اليهود لا يختلفون في هذا عن أية أقلية دينية أو جماعة وظيفية أخرى. وهنا، يمكن أن نثير قضية مهمة هي قضية الوسائل: هل للجماعات اليهودية في العالم من القوة ما يمكنها من تنفيذ هذا المخطط الإرهابي العالمي الضخم؟ إن الدارس لتواريخ الجماعات اليهودية يعرف أنها كانت دائماً قريبة من النخبة الحاكمة لا بسبب سطوتها أو سلطانها وإنما بسبب كونها أداة في يد النُخب ولأنها لم تكن قط قوة مستقلة أو صاحبة قرار مستقل. والإشارة إلى البروتوكولات واستخدامها في الإعلام المضاد للصهيونية أمر غير أخلاقي لأنها وثيقة مزوَّرة، ولا توجد دراسة علمية واحدة (سواء بالعربية أو بغيرها من اللغات) تثبت أنها وثيقة صحيحة. ولكن، وحتى ولو كانت البروتوكولات وثيقة صحيحة، فإن من يستخدمها يفقد مصداقيته وفعاليته أمام الرأي العام الغربي الذي لا يؤمن بصحتها. كما لا يمكن إثبات أن هذه الوثيقة تعبر تعبيراً حقيقياً عن دوافع أغلبية أعضاء الجماعات اليهودية في العالم، أو أنهم يأخذون بها كوثيقة ملزمة تحدد سلوكهم وأهدافهم. وبسبب السمعة الشائنة للبرتوكولات، فإن الصهاينة يصفون أي نقد موجَّه إليهم بأنه وقوع في أحابيل البروتوكولات. ومن الطريف أن هناك وثائق يتداولها بعض أعضاء الجماعات اليهودية تحتوي على آراء أكثر تآمرية من البروتوكولات مثل ما يُسمَّى كتاب التربية الذي يوزع في إسرائيل في الوقت الحالي. كما يحوي التلمود وتراث القبَّالاه (وهي كتابات يهودية لا شك فيها) مقطوعات عنصرية إلى أقصى درجة، ولكن يبدو أن مروِّجي البروتوكولات لا يعرفون عنها شيئاً، وهي على كلٍّ كتابات لا يعرف عنها معظم أعضاء الجماعات اليهودية بدورهم شيئاً، ولا يتداولها في الغالب إلا بعض العنصريين الموجودين في كل المجتمعات وبين أتباع كل العقائد. وثمة رأي يذهب إلى أن الصهاينة يقومون بالترويج لهذه البروتوكولات لأنها تخدم المشروع الصهيوني الذي يهدف إلي ضرب العزلة على اليهود وتحويلهم إلى مادة خام صالحة للتهجير والتوطين في فلسطين المحتلة. كما أن كثيراً من الافتراضات الكامنة في البروتوكولات، مثل «الشعب اليهودي» و «الشخصية اليهودية» و «المصالح اليهودية» ، هي جميعاً افتراضات صهيونية أساسية والهجوم عليها هو في واقع الأمر تسليم غير مباشر بوجودها. وسواء أكان هذا الرأي الأخير صحيحاً أم كاذباً، فإن ترويج البروتوكولات يخدم المصالح الصهيونية من الناحية العملية. ويتم الآن، في العالم العربي، تداول كم هائل من الكتابات (مثل أحجار على رقعة الشطرنج وغيرها) كل هدفها إشاعة الخوف من اليهود والصهيونية بتبنِّي رؤية بروتوكولية تنسب إلى اليهود قوى عجائبية. ويساهم بعض أعضاء النخب الحاكمة في الترويج لهذه البروتوكولات لتبرير العجز العربي والتخاذل أمام العدو الصهيوني، دون أن يدركوا أنهم بهذا إنما يخدمون مصلحة العدو. وقد صرح المعلق السياسي الإسرائيلي يوئيل ماركوس في جريدة هآرتس (31 ديسمبر 1993) بأن كثيراً من الدول تغازل إسرائيل وتحاول أن تخطب ودها نظراً لأن حكام هذه الدول يؤمنون بأن البروتوكولات وثيقة صحيحة وأن ما جاء فيها هو المخطط الذي يتحقق في العالم والذي سيؤدي إلى سيطرة اليهود وأن اليهود يتحكمون بالفعل في رأس المال العالمي وفي حكومة الولايات المتحدة. ومن ثم فالطريق إلى المعونة الأمريكية يمر من خلال اللوبي الصهيوني والدولة الصهيونية. ويضيف ماركوس معلقاً على هذه المفارقة: "إن البروتوكولات [بسبب أثرها هذا الذي يولِّد الرهبة في النفوس ويدفع الناس لمغازلة إسرائيل واليهود] تبدو كأن الذي كتبها لم يكن شخصاً معادياً لليهود، وإنما يهودي ذكي يتسم ببعد النظر". وقد أثبتت الانتفاضة الفلسطينية أن اليهود بشر وأن إلحاق الأذى بهم وهزيمتهم أمر ممكن، وأنهم قد يهاجمون عدوهم كالصقور حينما تسنح الفرصة ثم يفرون كالدجاج حينما يدركون مدى قوته وإصراره. والاستمرار في إشاعة الرؤية البروتوكولية هو نوع من الإصرار على مد يد العون للعدو الصهيوني، وعلى التنكر لإنجازات الانتفاضة. ولا يمكن للمسلم الملتزم بتعاليم دينه أن يوجه الاتهام إلى أي إنسان جزافاً ودون قرائن، كما لا يمكن لرؤية دينية حقة أن تحكم على الفرد باعتباره تجسداً لفكرة، إذ يظل كل إنسان مسئولاً عن أفعاله. وقد عرَّف الإسلام حقوق أعضاء الأقليات، خصوصاً أهل الكتاب، فحدّد أن لهم ما لنا وعليهم ما علينا، وهي حقوق مطلقة لا يمكن التهاون فيها. وفي الواقع، فإن استخدام البروتوكولات لاتهام اليهود فيه سقوط في العنصرية والعرْقية التي تصنف الناس لا على أساس أفعالهم وإنما على أساس مادي لاديني (علماني) مسبق وحتمي. ولذا، فهي لا تميِّز بين ما هو خيّر وما هو شر. اليهودي الدولي International Jew شهدت أوائل العشرينيات في الولايات المتحدة نشر عدة كتب معادية لليهود من بينها بروتوكولات حكماء صهيون وكتيب سبب عدم الاستقرار في العالم الذي سبق نشره على هيئة سلسلة مقالات في جريدة المورننج بوست اللندنية. وقد نشرت مجلة الديربورن إند بندانت (1920) ، التي كان يمتلكها هنري فورد صاحب مصنع السيارات الشهير، بعض هذه الأدبيات وغيرها في سلسلة مقالات بعنوان «اليهودي الدولي» . وبدأ نشر المقالات ابتداءً من 22 مايو 1922 واستمر لمدة سبع سنوات ثم نُشرت المقالات بعد ذلك على هيئة كتيبات. واتهمت هذه المقالات اليهود بأنهم يحاولون هدم أسس الحياة الأمريكية وأنهم وراء مؤامرة عالمية لتحطيم المسيحية والهيمنة على العالم وأن الثورة البلشفية ما هي إلا تعبير عن هذه الثورة المستمرة. والكتاب، مثله مثل كثير من أدبيات معاداة اليهود في الغرب، يرى اليهودي ممثلاً للثوري المتطرف والثري فاحش الثراء (البلشفي - الصيرفي، تروتسكي ـ روتشيلد) ، وهو في نهاية الأمر خليط من شيلوك وعدو المسيح وقاتل الإله واليهودي التائه. وقد وجدت هذه الدعاية العنصرية قبولاً واسعاً في الأوساط القروية الريفية وفي المدن الصغيرة وبين بعض أعضاء النخبة الحاكمة. ولكن غالبية أعضاء النخبة والجهاز السياسي في المدن كانوا يعارضون هذه الحملة إذ أنهم أدركوا أن المهاجرين اليهود بدأوا يتخلون عن رؤيتهم وعقائدهم وهويتهم ويندمجون في المجتمع الأمريكي ويتأمركون أسرع من غيرهم، ولذلك، نُظِّمت حملة مضادة اضطر هنري فورد بعدها للاعتذار عن الحملة التي شنها، وذلك من خلال لويس مارشال رئيس اللجنة الأمريكية اليهودية. جيكوب برافمان (1825-1879 ( Jacob Brafman روسي يهودي متنصر. وُلد لأسرة يهودية وتيتم في سن مبكرة، ويبدو أن قيادة الجماعة اليهودية (القهال) في المدينة قرروا أن يرسلوا به ليُجنَّد في القوات القيصرية (ربما بسبب يتمه) الأمر الذي ولَّد في نفسه حقداً كبيراً على اليهود واليهودية. تنصَّر برافمان وهو في سن الرابعة والثلاثين، وعُيِّن أستاذاً للعبرية في إحدى المدارس الدينية اليهودية التابعة للحكومة القيصرية، كما عُيِّن رقيباً على الكتب العبرية واليديشية. هاجم برافمان مؤسة القهال بشراسة ووصفها هي والمؤسسات اليهودية الأخرى بأنها «دولة داخل دولة» وبأنها جزء من مؤامرة دولية. وفي عام 1869، أصدر برافمان كتاب القهال، ثم نشر طبعة ثانية موسعة عام 1875. وقد تُرجم الكتاب إلى الفرنسية والبولندية والألمانية. ويهدف الكتاب إلى إعطاء القراء الروس فكرة عن ممارسات اليهود السرية والتي يستخدمونها للهيمنة على الأغيار. وقد أصبح الكتاب من كلاسيكيات العداء لليهود في الغرب. والكتاب يتكون أساساً من ترجمات لمحاضر جلسات بعض مجالس القهال. وقد اتُّهم برافمان بالتزوير، ولكن (حسبما جاء في الموسوعة اليهودية [جودايكا] ) ثبت أن ما ورد في الكتاب هو ترجمة دقيقة لبعض الجلسات ولذا أصبح الكتاب من أهم المراجع العلمية لدراسة حياة الجماعة اليهودية في روسيا القيصرية. اليهودي التائه Wandering Jew «اليهودي التائه» شخصية أسطورية في التراث الشعبي الغربي، وهو إسكافي يهودي يُدعَى كارتافيلوس، طلب منه المسيح عليه السلام، وهو يحمل صليبه، جرعة ماء ليروي بها عطشه، ولكن الإسكافي ضربه بدلاً من أن يسقيه، وقال له: «فلتسرع يا يسوع، ماذا تنتظر؟» ، فأجاب المسيح: «أنا ذاهب ولكنك ستنتظر حتى أعود» ، فحلت على اليهودي لعنة جعلته يجوب بقاع الأرض إلى أن يعود المسيح مرة أخرى، ومن هنا سُمِّي «اليهودي التائه» . وقد بدأت الأساطير المستوحاة من هذه الشخصية الغريبة في الظهور في القرن الثالث عشر وتحولت إلى إحدى الصور الإدراكية النمطية التي يدرك العالم الغربي اليهود من خلالها. ومن الكتب الأولى التي أشارت إليه كتاب زهور التاريخ للراهب الإنجليزي روجر (من وندوفر) عام 1228. وكانت الشائعات تظهر من آونة إلى أخرى، ومن مكان إلى آخر، أن اليهودي التائه قد شُوهد يتجول في هذا المكان أو ذاك بلحيته الطويلة البيضاء وعيونه اللامعة الشريرة وعصاه الطويلة. وكانت آخر مرة قيل إنه شُوهد فيها خلال القرن التاسع عشر. وقد وجدت هذه الأساطير سنداً لها في سفر ماثيو في كلمات المسيح التي تقول: «الحق أقول إن من القيام ها هنا قوماً لا يذوقون الموت حتى يروا ابن الإنسان آتياً في ملكوته» (إنجيل متى 16: 28) . وقد ظل اليهودي التائه رمزاً للشعب اليهودي، هذا الشعب الشاهد الذي يقف خارج التاريخ شاهداً مقدَّساً على التاريخ من وجهة نظر اليهود، منبوذاً من الجميع، ومن وجهة نظر المعادين لليهود شعباً عضوياً منبوذاً. وأساس هذه الصورة هو اشتغال أعضاء الجماعات اليهودية بالتجارة والربا كجماعة وظيفية وسيطة، ووقوفهم خارج العملية الإنتاجية على هامش المجتمع، وانتقالهم من بلد إلى بلد بسبب طردهم أو سعياً وراء الربح. كما كان أبطال اليهود في العهد القديم رجالاً جوَّالين لا منزل لهم بسبب البيئة الرعوية التي كانوا يتحركون فيها. وقد استغل تراث معاداة اليهود في الغرب هذه الصورة في ترسيخ سلبيات ما يُسمَّى «الشخصية اليهودية» في الوجدان الشعبي. ورغم أن أسطورة اليهودي التائه اختفت بعض الوقت، إلا أنها عاودت الظهور في القرن السادس عشر، مع تصاعد الحمى المشيحانية وانتشار العقيدة الألفية أو الاسترجاعية، بعدة أسماء من بينها اسم أهازويروس. وبظهور الرؤية الرومانتيكية للعالم وظهور الفلسفات العبثية والعدمية أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وتحوُّل الاغتراب إلى إحدى علامات التميز والتفوق في الخطاب الفلسفي، تحوَّل اليهودي التائه بدوره إلى رمز لهذا الإنسان المغترب الذي يرفضه المجتمع بسبب تميُّزه ويتعاطف معه المثقفون الثائرون على مجتمعاتهم، وهو الأمر الذي أدَّى إلى خلق جوٍّ من التعاطف الرومانسي مع اليهود. وتجدر الإشارة إلى أن اليهودي التائه، سواء أكان شخصية سلبية مخربة أم كان شخصية إيجابية عبقرية، يقف دائماً خارج التاريخ وخارج نطاق ما هو إنساني وسويّ. ومن هنا، يمكننا أن نرى كيف يمكن أن تتحول الصورة من صورة يستخدمها المعادون لليهود إلى صورة يستخدمها المحبون لليهود، وذلك دون إدخال أية تغييرات على بنيتها العامة. هب هب Hep, Hep » هب هب» صيحة استهزاء كانت شائعة في ألمانيا والنمسا. ويُقال إنها اختصار للعبارة اللاتينية «هيروسوليما إست برديتاhierosolyma est perdita» ، ومعناها «لقد ضاعت القدس» التي شاعت أثناء حروب الفرنجة. وهناك رأي يذهب إلى أنها مجرد صوت يستخدم لقيادة الحيوانات المستأنسة، وخصوصاً الكباش والماعز في مقاطعة فراكونيا، مع افتراض أن اليهود هم الماعز بسبب لحيتهم الطويلة. وهناك نظرية ثالثة ترى أنها اختصار لكلمة «هبرايرhebraer» أي «عبرانيون» . وقد استُخدمت العبارة في اضطرابات عام 1819 التي يُطلَق عليها «اضطرابات هب هب» والتي كانت تعبيراً عن احتجاج بعض قطاعات الشعب ضد إعتاق اليهود. وتعود الاضطرابات إلى عدة أسباب من بينها أن عام 1816 كان عام مجاعة للفلاحين، فاضطروا إلى الاستدانة من المرابين اليهود، كما عمت البطالة صفوف العمال في ألمانيا آنذاك. وقد رأت العناصر الثورية أن اليهود صنائع لمترنيخ (الذي أشيع عنه أنه كان يتسلم راتباً من كبار المموِّلين اليهود) ، وأن مؤتمر فيينا (1814ـ 1815) الذي أوصى بزيادة حقوق اليهود في ألمانيا هو ثمرة هذه العلاقة. كايك وشيني Kike and Sheeny «كايك» هي كلمة تحقير إنجليزية أمريكية ذات نبرة عنصرية فاقعة يستخدمها أعداء اليهود للإشارة إليهم. وقد نحت الكلمة، في القرن التاسع عشر، يهود أمريكيون من أصل ألماني لوصف اليهود المهاجرين من شرق أوربا، وهي إشارة واضحة إلى اللغة اليديشية التي تضم كلمات سلافية كثيرة وإلى اللغة الروسية التي كان يتحدث بها بعضهم، والتي تحتوي على عدد كبير من الكلمات تنتهي بحرف الكاف، مثل «تشرنحوفسكي» و «مالينوفسكي» ... إلخ. كما نحت اليهود من أصل ألماني كلمة «شيني» وهي أيضاً كلمة تحقير أخرى لوصف يهود اليديشية. إسرائيل ويست Israel West «إسرائيل ويست» مصطلح يستخدمه المعادون لليهود في الولايات المتحدة ومعناه «إسرائيل غرب» . وفي الولايات المتحدة، عادةً ما يشير بعض أعضاء الأغلبية أو أعضاء الأقليات الأخرى إلى المناطق التي يسكن فيها أعضاء الجماعة اليهودية على أنها «إسرائيل» (تماماً كما يُشار إلى أحياء الأمريكيين السود بأنها «أفريقيا» ) . وقد أشار أحد المتحدثين مرة إلى ما سماه «ذي جويش ستيت أوف نيويورك The Jewish State of New York» أي «ولاية نيويورك اليهودية» . وهو لعب على لفظ «ستيت state» الإنجليزي والذي يعني «ولاية» و «دولة» في آن واحد (وأحياناً لا تحمل الإشارة أي مضمون قدحي بل تكون كما في الإشارة إلى «تشينا تاونChinatown» أي «مدينة الصينيين» وإلى «ليتل إيجيبت Little Egypt» أي مصر الصغرى) . وأخيراً، قام ديفيد ديوك، أحد زعماء جماعة الكو كلوكس كلان المعادية للأمريكيين السود، بطرح فكرة بشأن الأقليات التي «لا يمكن دمجها» حسب تعبيره. وسيتم بموجب هذه الخطة نقل (ترانسفير) كل يهود أمريكا إلى «إسرائيل غرب» ، أي في ولاية لونج أيلاند وفي حي مانهاتن في نيويورك (باعتبار أن فلسطين هي إسرائيل شرق) . وقد أشار ديوك إلى أن عملية الترانسفير هذه قد لا تكون مناسبة بالنسبة لبعض اليهود، ولكنها ـ حسب قوله ـ لن تمس سوى مليوني يهودي، وهو رقم أقل من الثمانية ملايين من الأمريكيين الذين أُرسلوا إلى خارج الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية. وفي إشارة واضحة إلى الدولة الصهيونية، قال ديوك: "إن هذا العدد أقل بكثير من الثلاثة ملايين ونصف مليون فلسطيني التي قامت «إسرائيل شرق» بطردهم من ديارهم". |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
معاداة اليهود (والتعاطف مع الصهيونية) كإمكانية/ إشكالية كامنة منذ العصور الوسطى في الغرب
Anti-Semitism (and Pro-Zionism) as a Latent Possibility Proble-matic since the Middle Ages in the West يُلاحظ الدارس أن كلاًّ من ظاهرة معاداة اليهود والصهيونية (وهما وجهان لعملة واحدة) متجذّرتان في الحضارة الغربية. وهذا يعود إلى عدة أسباب تراكبت معاً، ويمكن أن نشير إلى بعضها فيما يلي: 1 ـ سيطر على الحضارة الغربية منذ نشأتها نموذج عضوي في التفكير، ومثل هذه النماذج عادةً ما تفضل التجانس على عدم التجانس، والاتساق الداخلي الصارم على عدم الاتساق، والواحدية على التعددية، ومن ثم يكون وضع الأقليات قلقاً وغير مستقر، باعتبارها عنصراً من عناصر عدم التجانس. 2 ـ تعود جذور الحضارة الغربية إلى المدن/الدول اليونانية، وهي تشكيلات حضارية صغيرة تتسم بالتجانس الشديد ولا يوجد فيها مكان للغريب، وهو ما دعم هذه الرؤية العضوية، على عكس الحضارات الشرقية التي نشأت في أحضان التشكيلات الإمبراطورية الضخمة فكان عليها أن تتعامل مع عشرات الشعوب والأقليات العرْقية والدينية. وحينما نشأت الإمبراطورية الرومانية وبسطت نفوذها على الشرق والغرب، فلم تستطع هزيمة التشكيلات الحضارية الشرقية المحلية (الأرمن ـ الأقباط ـ الثقافة الآرامية) بينما قضت على كثير من اللغات والتشكيلات الحضارية في القارة الأوربية وفرضت الثقافة اللاتينية، أي أنها قضت على التنوع الحضاري في القارة الأوربية. 3 ـ طرح الإسلام من البداية مفاهيم أخلاقية ومقولات قانونية للتعامل مع الأقليات الدينية والعرْقية (وهو في هذا متسق إلى حدٍّ كبير مع التقاليد الحضارية في الشرق الأوسط في كثير من مراحله التاريخية) ، بينما فشلت المسيحية الغربية في تطوير أية مقولات بشأن الأقليات، حيث لا يصلح مفهوم المحبة (المسيحي) لتنظيم العلاقة بين الأقلية والأغلبية. وفي الوقت نفسه، ظهر مفهوم الشعب الشاهد (الكاثوليكي) والعقيدة الاسترجاعية (البروتستانتية) وهي مفاهيم تتسم بالإبهام الشديد، فهي من ناحية تضع اليهود في مركز الكون باعتبارهم شعباً مقدَّساً، حَمَلة الكتاب المقدَّس، ويتوقف خلاص الكون على استرجاعهم، ولكنهم أيضاً هم قتلة الإله، وهم كذلك في شتاتهم وضعَتهم يقفون شاهداً على عظمة الكنيسة. كما أن خلاص الكون يتوقف على تنصيرهم. وقد ورثت المسيحية الغربية العرف الألماني حيث طُبِّق قانون الصيد على اليهود، وهو قانون يجعل من الغريب ملكاً للملك ومن ثم أصبح اليهود ملكية للملك، وكذلك كتلة بشرية تتعاقد مع الحكومة وليسوا أهل ذمة، فكانوا يوقعون المواثيق التي تمنحهم الحماية والمزايا نظير خدمات يؤدونها أو ضرائب أو مبالغ مالية يدفعونها. 4 ـ تحوَّلت الجماعات اليهودية إلى جماعات وظيفية تقف على هامش المجتمع دون أن تصبح من صميمه. وحينما بدأت عملية علمنة الفكر والحضارة الغربية، تمت مناقشة المسألة اليهودية في ضوء مفهوم نفع اليهود، وهو أمر منطقي للغاية إذ أن الجماعة الوظيفية هي جماعة يستند بقاؤها إلى مدى نفعها. 5 ـ ترجم كل هذا نفسه إلى مفهوم الشعب العضوي المنبوذ الذي يشكل إطار كل من العداء العرْقي لليهود والتحيز الصهيوني لهم. 6 ـ ظل اليهود خارج التشكيل الرأسمالي كرأسمالية منبوذة. كما أن الفكر الاشتراكي، كان ينظر إليهم باعتبارهم عناصر تجارية طفيلية مستغلة. 7 ـ ارتبط اليهود بالتشكيل الاستعماري الاستيطاني وجرى النظر إليهم باعتبارهم مادة استيطانية نافعة. 8 ـ شكلت كل هذه العناصر الإطار الذي تطورت من خلاله الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة. ومما له دلالته أن صهيونية غير اليهود تسبق صهيونية اليهود بعشرات السنين، فالصهيونية ظاهرة لصيقة بالحضارة الغربية ويقع عقد بلفور في هذا الإطار حيث تقرَّر إخراج اليهود من التشكيل السياسي الغربي، لأنه لا يطيق وجودهم داخله كعنصر غريب، وتقرَّر نقلهم إلى أي مكان خارج أوربا كعنصر نافع، على أن تقوم أوربا (التي طردتهم) بحمايتهم ودعمهم وضمان بقائهم واستمرارهم وتوظيفهم لصالحها داخل إطار الدولة الوظيفية التي تتحرك في الفلك الغربي. فالدولة الصهيونية هي في نهاية الأمر تَحقُّق هذه الإمكانية الكامنة في الحضارة الغربية: العداء العرْقي لليهود والتحيز الصهيوني لهم. وقد استبطنت المادة البشرية اليهودية المُستهدَفة هذه الصيغة فهوَّدتها. التحيز لليهود (حب السامية ( Phlio-Semitism «التحيز لليهود» ترجمة للمفهوم الكامن وراء الاصطلاح الإنجليزي «فيلو سيميتزم» ، والذي يعني حرفياً «حب السامية» أو «حب الساميين» ، وهو مصطلح شائع في اللغات الأوربية يشير إلى مشاعر الحب التي قد يشعر بها بعض الأغيار تجاه اليهود (مقابل ( «أنتي سيميتزم» والتي تعني «معاداة اليهود» ) . ومصطلح «حب اليهود» الذي نشير إليه بعبارة «التحيز لليهود» له من العمومية ما لمصطلح «معاداة اليهود» . فالموسوعات تورد أسماء حيرام ملك صور، وقورش الأخميني، والإسكندر المقدوني، ويوليوس قيصر، والإمبراطور الروماني جوليان، وردريجير هاوتسمان أسقف سبير، وإمبراطور ألمانيا فريدريك باربروسا، وريتشارد قلب الأسد ملك إنجلترا، وفريدريك الثاني إمبراطور النمسا، وكاسيمير الأعظم ملك بولندا، على اعتبار أنهم جميعاً أصدقاء لليهود ومحبون لهم. وإذا نظرنا إلى كل اسم على حدة، لوجدنا أن تحيُّزه لليهود (أو أعضاء الجماعات اليهودية في مصطلحنا) ينبع من مواقف تاريخية متباينة. فحيرام ملك صور كان يود تحسين علاقته مع سليمان ملك العبرانيين حتى تُتاح له فرص التجارة. وقورش الأخميني أعاد اليهود وغيرهم من الأقوام المهجَّرة ضمن سياسة الإمبراطورية الفارسية. أما الإسكندر الأكبر فليس له موقف محدد من اليهود، وهو على كل لم يكن لديه سبب قوي لحبهم أو كرههم. أما يوليوس قيصر، فكان مديناً لليهود لتأييدهم له في سياساته. أما أصدقاء اليهود في العصور الوسطى في الغرب، فقد كان اهتمامهم ينصب في معظم الأحوال على اليهود باعتبارهم جماعة وظيفية وسيطة تُنشِّط التجارة وتحقق دخلاً كبيراً لهم. ويمكن القول بأنه مع عصر النهضة والإصلاح الديني، بدأ يظهر اهتمام خاص بالثقافة العبرية وباليهود في العالم الغربي. وبدأ التأكيد على أن اليهودية هي أحد مصادر المسيحية، فبيَّن المفكر الهولندي هوجو غروتيوس المصادر المشتركة بين المسيحية واليهودية في كتابه حقيقة المسيحية. وألف لوثر كتاباً بعنوان المسيح وُلد يهودياً. وبدأ كثير من الكُتَاب يهتمون بالتلمود وكتب القبَّالاه والتراث الديني اليهودي. وقد انعكس هذا الاتجاه، في نهاية الأمر، في ظهور القبَّالاه المسيحية ومصطلح «التراث اليهودي - المسيحي» الذي اكتسب شيوعاً كبيراً. كما ظهر الاهتمام بالموضوعات اليهودية والعبرية في الآداب والفنون الغربية، وكان هذا أمراً جديداً إلى حدٍّ كبير. وظهرت معالجة إيجابية لشخصية اليهودي في أعمال ملتون وراسين وباسكال ورمبرانت وسكوت وبايرون وجورج إليوت وغيرهم من الكتاب. وقد تزايد التحيز لليهود نتيجة عدد مترابط من الأسباب: 1 ـ طرح الإصلاح الديني في الغرب تصوُّراً جديداً للعلاقة بين الخالق والمخلوق بحيث يتم الخلاص لا من خلال الكنيسة وإنما من خارجها. وأصبح من حق الفرد المسيحي أن يفسر الكتاب المقدَّس بنفسه تفسيراً حرفياً يبتعد عن التفسيرات المجازية والرمزية التي تبنتها الكنيسة الكاثوليكية. وقد اكتسب الكتاب المقدَّس بشقيه (العهد القديم والعهد الجديد) أهمية خاصة في الوجدان الغربي، وأصبح العهد القديم من أكثر الآثار الأدبية شيوعاً. وقد ساهم كل ذلك في تزايد الاهتمام بأعضاء الجماعات اليهودية وبميراثهم الديني في العالم الغربي. 2 ـ منذ نهاية القرن السادس عشر، ومع تعاظُم انتشار العقيدة البروتستانتية، شهد العالم الغربي انتشار العقيدة الألفية التي تربط بين رؤية الخلاص وعودة اليهود إلى فلسطين. 3 ـ ساهم ظهور الفكر المركنتالي، الذي أكد أهمية النشاط التجاري، في الاهتمام باليهود كعنصر تجاري نشيط وكواحد من أهم عناصر التجارة الدولية. 4 ـ شهد القرن السادس عشر بدايات حركة الاستيطان الغربية. ويبدو أن أسطورة الاستيطان الغربية والصورة الوجدانية الأساسية، في مراحل الاستيطان الأولى على الأقل، كانت أسطورة عبرانية. فقد كان المستوطنون البيض في كل أرجاء العالم ينظرون إلى أنفسهم باعتبارهم عبرانيين يخرجون من مصر (بلادهم الأصلية) ثم يصعدون إلى صهيون (البلد الجديد) ويهاجمون الكنعانيين (السكان المحليين) ويبيدونهم عن بكرة أبيهم. وكان المستوطنون الأمريكيون يشيرون إلى أنفسهم على أنهم «أبناء العهد» ، ويشيرون إلى القارة الأمريكية على أنها «صهيون الجديدة» ، بل تم التفكير في تبنِّي العبرية كلغة رسمية للولايات المتحدة عند إعلان استقلالها. 5 ـ انتشر في القرن الثامن عشر فكر الربوبيين، الذين كانوا ينادون بأن العقل قادر على الوصول إلى فكرة الخالق بدون حاجة إلى ديانات منزلة أو معجزات أو وحي خاص، وهو الفكر الذي تطوَّر ليصبح الفكر العلماني فيما بعد. وقد أظهر هؤلاء المفكرون الربوبيون والعلمانيون اهتماماً باليهود من حيث هم أعداء الكنيسة. ويمكننا القول بأن الاهتمام بالتراث الديني لليهود لا يعني بالضرورة اهتماماً بهم كبشر. إذ كان كثير من المفكرين يهتمون بأبطال العهد القديم ويكنون، مع هذا، احتقاراً عميقاً لليهود بوصفهم جماعات دينية أو إثنية. بل إن عظمة التراث الديني اليهودي في رأي هؤلاء تقف شاهداً على مدى ضعة اليهود. كما أن مناداة المرء بمنح اليهود، وغيرهم من أعضاء الأقليات، حقوقهم السياسية كاملة يُعتبَر جزءاً من فلسفة سياسية ليبرالية عامة، وليس تعبيراً عن حب خاص أو تحيُّز لهم أو ضدهم. كما يمكن الاهتمام بالتراث الديني اليهودي كجزء من الاهتمام بتراث الديانات التوحيدية دون أي تركيز على اليهود ذاتهم، وخصوصاً أن علاقتهم بتراثهم الديني قد تآكلت إلى حدٍّ كبير. ولذا، سنقصراستخدام مصطلح «التحيز لليهود» على هؤلاء الذين يعطون اليهود مركزية خاصة في رؤيتهم للعالم. ومن أهم هؤلاء اللورد شافتسبري (السابع) ، ولورانس أوليفانت، ولورد بلفور، ممن يُطلَق عليهم مصطلح «الصهاينة غير اليهود» . وعند تحليل فكر هؤلاء، سنكتشف أنه فكر معاد لليهود وأن حبهم لليهود ومحاولة مساعدتهم على الهجرة إلى فلسطين هي أيضاً محاولة للتخلص منهم. فالهجرة، التي تُطرَح حلاًّ للمسألة اليهودية، وتتضمن توظيفاً لليهود باعتبارهم مادة بشرية، هي تهجير وطرد وترحيل. وربما كانت فكرة الشعب العضوي، الذي يُنبَذ بسبب عضويته، هي الأساس الفكري لهذا الحب/الكره. والتركيز على اليهود كعنصر أساسي في أية عملية استيطانية هو علمنة لفكرة الشعب الشاهد الذي يقف على حافة التاريخ الغربي، والذي ليس له قيمة ذاتية في حد ذاته وإنما يكتسب قيمته بمقدار أدائه لوظيفته وبمقدار نفعه. وقد تبدَّى هذا الحب/الكره في نهاية الأمر في الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة. شيلوك Shylock شخصية أساسية في مسرحية تاجر البندقية لوليم شكسبير، وهو يهودي يعمل بالربا. وقد أصبحت الكلمة جزءاً من المعجم الإنجليزي وتعني «الرجل الطماع الشره الذي لا تعرف الرحمة طريقاً إلى قلبه» . ولا يُعرَف على وجه الدقة أصل هذا الاسم، فهو ليس اسماً يهودياً، ولذا تضاربت النظريات بشأنه، فيُقال إنه مأخوذ من كلمة «شيلوه» ، ويُقال أيضاً إنه مأخوذ من كلمة «شالح» وهي شخصية يرد اسمها في سفر التكوين (11/14 ـ 15) . ويتسم الفكر العنصري بأنه فكر اختزالي، أي أنه فكر كسول، لا يكد ولا يتعب لكي يحيط بتركيبية الواقع وتعدُّد مستوياته، بل يقنع بإدراك هذا الواقع إما على مستوى واحد أو من خلال صورة إدراكية واحدة بسيطة أو صورة مجازية اختزالية ساذجة. فالعالم كله ذو بُعد واحد، وهو يشبه الساعة أو النبات الذي يتبع دورات طبيعية منتظمة، وهناك منهج واحد لإدراك كل الظواهر إنسانية كانت أم مادية، والبشر دوافعهم كلها مفهومة ويمكن تفسيرها من خلال عامل أو أكثر من العوامل المادية (فالإنسان يمكن رده إلى قوانين الطبيعة) ، وكأن العالم (الطبيعة والإنسان) كيان أحادي مكوَّن من ذرات وأرقام، كما يتصور بعض الماديين السذج والعلماء البسطاء من دعاة الواحدية المادية الكونية. ويتَّسم الأدب العظيم بأنه يرفض هذه الاختزالية والواحدية الكونية، ويحاول أن يعود بالإنسان إلى ذاته ليدركها ويُقدرها حق قدرها، ولذا فهو يقدم صورة للنفس البشرية باعتبارها كياناً مركباً إلى أقصى حدٍّ يستعصي على التفسيرات المادية البسيطة ولا يمكن أن ينضوي تحت القوانين العلمية الرتيبة، فالعالم بالنسبة للأديب العظيم لا يمكن أن يُختَزل في بُعد واحد أو أن يُردَّ إلى مستوى مادي واحد أو أن يسقط في صورة مجازية واحدة ساذجة. واللغة الأدبية المجازية تنفر من لغة الجبر والقوانين الهندسية لأنها تتعامل مع ظاهرة مركبة. وإذا كانت لغة الجبر لغة بسيطة لا تتحمل الإبهام، فلأنها لغة تهدف إلى وصف الأشكال الهندسية وحركة الكواكب وعلاقة الأرقام والذرات وكل ما هو محسوس وقابل للقياس. أما لغة الأدب، فتتعامل مع الإنسان في أفراحه وأتراحه، ومن ثم فهي لغة مجازية تحاول الإفصاح عن المفارقات والتعبير عن الشيء وعكسه في آن واحد وتتعامل مع المحدود واللا محدود والمتناهي واللا متناهي وما يُقاس وما يستعصى على القياس. والأنماط الإدراكية العنصرية هي أنماط اختزالية تبسيطية تُعبِّر عن كسل من يستخدمها، فهي تختزل الآخر في كلمة أو كلمتين وفي صورة بسيطة وفي صورة مجازية أكثر بساطة، فالآخر «غشاش» ولا يمكن الثقة فيه. والعالم سيصبح مكاناً جميلاً رائعاً فردوسياً لو اختفى منه هذا الآخر، فالآخر هو الجحيم وهو مصدر كل التعاسة. ومن أهم الأنماط الإدراكية الاختزالية للآخر، والتي توجد في كل الأدبيات العنصرية في العالم، صورة الآخر باعتباره «حريصاً على المال» و «شرهاً بطبعه» ، وهي صورة منتشرة عن الصينيين في جنوب شرق آسيا، وعن الباكستانيين في إنجلترا، وعن اليهود في أوربا والعالم العربي. وهذه الصورة الإدراكية الاختزالية كثيراً ما يكون لها أساس في الواقع، ولكن ما يفعله العقل العنصري هو أنه يعزل بعض التفاصيل عن واقعها المركب وعن أسبابها وملابساتها ويحولها إلى بنية مجردة ونموذج إدراكي معرفي يفسر به كل الأمور. ولنأخذ تهمة الحرص الزائد هذه التي يدعي العنصري أنها صفة لصيقة بطبيعة الآخر. لو دقق العنصري الاختزالي قليلاً لاكتشف أن الصينيين والباكستانيين أهل كرم في بلادهم، وأن عقائدهم الدينية تشجع على السخاء وإكرام الضيف، ولذا فالحرص المتطرف ليس أمراً كامناً في طبيعة الصينيين أو الباكستانيين أو في عقائدهم الدينية، وإن وُجد مثل هذا الحرص الشديد فيهم فلابد من البحث عن مصدره في مكان آخر. ولو دقق صاحبنا العنصري قليلاً لاكتشف أن هؤلاء الباكستانيين والصينيين واليهود يعيشون في بلاد غير بلادهم، وأن إحساسهم بالأمن يكون عادةً ضعيفاً بينما يتزايد إحساسهم بالخطر، وعادةً لا يكون لهؤلاء الغرباء علاقة بالأرض أو الثوابت في المجتمع إذ أن كيانهم ووجودهم في المجتمع يستند إلى الدور الذي يلعبونه وإلى الوظيفة التي يضطلعون بها وإلى الثروة التي يراكمونها، ولذا يصعب عليهم أخذ موقف متسامح من المال. كما أن هذا الصيني الشره في علاقته مع الأغلبية، عادةً ما يكون سخياً جداً مع أعضاء جماعته ومع وطنه الأصلي إن وُجد. فكأن هذا الصيني الشره، في علاقته مع الأغلبية في المجتمع المضيف، هو نفسه الصيني السخي في علاقته مع أعضاء جماعته. ويختزل العنصري كل هذا ويأبى إلا أن يركز على عنصر واحد منتزع من ملابساته الاجتماعية ولحظته التاريخية ومنفصل عن كل زمان ومكان. وقد قام شكسبير بتناول هذا النمط الإدراكي الاختزالي والعنصري في شخصية شيلوك في مسرحية تاجر البندقية. ولكن تناول شكسبير لهذا النمط الإدراكي هو نموذج جيد للأدب العظيم الذي يتجاوز كل محاولات الاختزال التي يتسم بها الفكر العنصري، فهو يقدم تصويراً مركباً لهذه الشخصية الأمر الذي جعل النقاد يقدمون تفسيرات عديدة لأبعادها وأصلها ودلالتها ويركز كل تفسير على بُعد واحد أو بُعدين، مع أن كل العناصر متداخلة. ولكن هذه هي حدود اللغة النقدية: إنها تقوم بتفكيك العمل الأدبي ثم تركيبه، فتقدم كل عنصر على حدة، وكأنه مستقل بذاته، على عكس العمل الأدبي الذي يقدِّم العناصر كافة في تداخُّلها وتركيبيتها وتزامنها. ورغم إدراكنا لهذه العناصر كافة، إلا أننا سنقوم بتقديم هذه التفسيرات المختلفة، كلاًّ على حدة، على أن يقوم القارئ برؤيتها في تلاحمها وتمازجها. ولن نُقدِّم هنا قراءة أدبية للنص ذاته، مسرحية تاجر البندقية، وإنما سننظر إلى النص باعتباره تعبيراً عن مواقف إنسانية متباينة متنوعة تُعبِّر عن نفسها خلال مستويات مختلفة (اجتماعية وفلسفية ونفسية وتاريخية وأدبية) أي أن اهتمامنا ليس أدبياً صرفاً، إذ أننا سنستخدم النص في دراسة هذه المواقف الإنسانية. ورغم أن دراستنا ليست أدبية خالصة، إلا أنها ستنير العمل الأدبي: 1 ـ التفسير التاريخي: من المعروف أنه لم يكن يوجد يهود في إنجلترا زمن كتابة المسرحية (في أواخر القرن السادس عشر الميلادي ـ حوالي 1597) إلا بعض يهود المارانو الذين كانوا يقيمون هناك. ويُقال إن رودريجيز لوبيز، طبيب الملكة إليزابيث، والذي اتُهم بالتآمر ضدها ثم أُعدم، هو النموذج الذي استخدمه شكسبير (وكان عدو رودريجيز لوبيز هو دوم أنطونيو، ومن هنا نجد أن أنطونيو هو أهم شخصية في المسرحية وعدو شيلوك اللدود) . ولكن المؤرخ الأمريكي اليهودي سيسل روث يذهب إلى أن شيلوك يهودي إشكنازي من البندقية. وكانت البندقية تضم في ذلك الوقت ثلاثة أنواع من اليهود كان يُشار إليهم باسم «الأمم الثلاث» : سفارد الشام والمارانو والإشكناز. وكان مصرحاً للسفارد والمارانو بالعمل في التجارة المحلية والدولية وكانوا يمتلكون السفن التجارية ويتاجرون مع الشام. أما الإشكناز، فكان ممنوعاً عليهم الاتجار، بل لم يكن مسموحاً لهم إلا بالعمل بالربا وبيع الملابس القديمة (وهي وظيفة مرتبطة تماماً بالربا) . 2 ـ التفسير الطبقي: يذهب بعض النقاد إلى أن أعضاء الأرستقراطية الإنجليزية الزراعية (الإقطاعيون) ، وكثيرون منهم كانوا يرتادون مسرح جلوب الذي كانت تُعرَض فيه مسرحيات شكسبير، بدأوا يشعرون بآثار الثورة التجارية وبنمو اقتصاد المدن والتضخم الذي صاحب ذلك، الأمر الذي زاد من نفقاتهم، ولكن لم تكن لديهم الكفاءات اللازمة للاستثمار التجاري باستثناء أقلية صغيرة منهم. ولهذا، بدأت ديونهم تزداد أكثر فأكثر. وفي الوقت نفسه، بدأت القيم التجارية التعاقدية تسود في المجتمع وتحل محل قيم الشرف والكرم والأبهة التي كان يؤمن بها هؤلاء الإقطاعيون. ويُجسِّد أنطونيو في المسرحية المذكورة الأخلاقيات الأرستقراطية، فهو كريم يقرض أمواله بدون فوائد، يعيش حياة مسرفة ولكنه ليس تاجراً بمعنى الكلمة لأنه غير مشغول بتراكم رأس المال. وهكذا، فإن أنطونيو يقف على الطرف النقيض من شيلوك عضو الجماعة الوظيفية المالية الذي لايدين بالوفاء إلا لقيمة التراكم ولا يدين بالولاء إلا للمال. ويعرِّف شيلوك الخير تعريفاً نفعياً مادياً حينما يشير إلى أن أنطونيو لديه من الممتلكات ما يسمح له برد الدين، فكأن حكمه عليه حكم مالي إجرائي ينزع عنه أية قداسة وينظر إليه بشكل موضوعي كمي غير تراحمي. ومقابل العلاقة الحميمة وكلمة الشرف التي يؤمن بها الأرستقراطيون، هناك العلاقات الموضوعية التعاقدية التي تؤمن بها الطبقة التجارية الجديدة والتي يدافع عنها شيلوك في المسرحية. 3 ـ التفسير الديني الاقتصادي: وهناك بعد ديني اقتصادي يتمثل في ظهور جماعات البيوريتان البروتستانت من عناصر البورجوازية الجديدة النشطة المؤمنة بتعاليم كالفن، والتي حوَّلت الزهد المسيحي في الدنيا من أجل الآخرة إلى زهد داخل الدنيا من أجل تراكم رأس المال، علامةً على الخلاص في الآخرة. ولذلك، كان هؤلاء يكرهون الملذات والإنفاق وارتياد المسرح والمسرات. ويجىء شيلوك، في هذه المسرحية، رمزاً لهذه القطاعات المتزمتة الملتزمة بالتراكم وحسب والتي تنكر العلاقات الإنسانية وخلاص الروح حتى تحقق تزايد الثروة. ولم يكن شكسبير مخطئاً على الإطلاق، فبعد فترة وجيزة استولى هؤلاء على الحكم في ثورة كرومويل وأغلقوا المسارح كليةً. وكان من المألوف آنذاك أن يتم الربط بين غلاة البروتستانت واليهود. 4 ـ التفسير اللاهوتي: ولكن هناك بعداً دينياً خالصاً، فقد أشاع العهد الجديد صورة سلبية للغاية عن الفريسيين (وهي فرقة دينية يهودية ظهرت أيام المسيح) ، وفي هذه المسرحية ارتبطت هذه الصورة باليهود بصورة واضحة تماماً. ويمثل شيلوك الفريسي بالدرجة الأولى، فهو يحترم حرفية القانون لا روحه، وهو بلا عاطفة، كما أنه يجيد استخدام الكتاب المقدَّس لتبرير أفعاله (وهي تهمه وجهها المسيح إلى الفريسيين) . وأخيراً، ارتبط الفريسيون في الوجدان المسيحي بأنهم المحرضون الحقيقيون على صلب المسيح. ومن هنا، فإن شيلوك يُماثل الفريسيين، حين يطالب برطل اللحم، أما أنطونيو فهو كالمسيح إذ يمثل حَمَل الإله الذي سيُقدَّم للذبح. بل إن العلاقة بين شيلوك وأنطونيو هي مثل العلاقة بين العهد القديم والعهد الجديد كما يرى المسيحيون. فاليهودية تمثل لاهوت العدل دون رحمة، ومن ثم أصبح التعاقد والميثاق مسائل مركزية في العقيدة اليهودية. ولكن العدل بدون رحمة، حسب رأي المسيحيين، لن يؤدي إلى خلاص. ولهذا، فإن المسيحية هي لاهوت الرحمة التي لا يمكن للإنسان بدونها أن يصل إلى الخلاص. والمسيحية ترى أن العهد الجديد أكمل العهد القديم بل ربما حل محله ونسخه، وأصبحت الرحمة لا العدل هي الهدف. وقد أنكر اليهود المسيح واستمروا حبيسي العهد القديم ولاهوت العدل والقانون والتعاقد، ولكنهم يذوقون في نهاية الأمر أشد ألوان العذاب ويعانون في الدنيا، وبذلك فإنهم يقفون شاهداً على عظمة المسيحية والكنيسة. ومن هنا، فإن شيلوك يجسد العنصر اليهودي كما يجسد التعاقدية ولاهوت العدل، في حين يقف أنطونيو ممثلاً للمسيحية والرحمة ولاهوت المحبة. ومع هذا، يُعطي شكسبير الفرصة لشيلوك ليُحاكم المسيحيين من منظور لاهوت الرحمة، هذا الذي يدَّعون إيمانهم به، فيُذكِّرهم بما كانوا يلحقونه به من أذى. كما يعطيه الفرصة للحديث عن الجوانب الإيجابية في فكرة التعاقد ولاهوت العدالة، فالإيمان بالتعاقد وبالعدل هو أيضاً إيمان بأن النفس البشرية ليست منزهة عن الهوى، وأن الأمور لو تُركَت للمحبة وحسب، لاختلط الحابل بالنابل لتحولت القيم الأخلاقية، ذات البُعد الاجتماعي، إلى تجارب نفسية شعورية. ويمكن القول بأن شكسبير يقترح علينا نموذجاً يجمع بين القانون والرحمة وبين العدالة والمحبة وبين التعاقد والتراحم وبين الذات والموضوع وبين الفرد والمجتمع. 5 ـ الجماعة الوظيفية: وقد اختلف النقاد في تفسير موقف شكسبير من شخصية شيلوك: هل هو يتعاطف معه جداً أم أنه يرفضه تماماً؟ وهل شيلوك شيطان رجيم يجب أن نفرح لسقوطه، أم أنه ضحية المجتمع المسيحي المستغل؟ وربما أمكن حسم هذه القضية بالتأكيد على هوية شيلوك كعضو في جماعة وظيفية أوكل لها المجتمع الاضطلاع بوظيفة الربا الذي يؤدي إلى دمار أعضاء المجتمع، أي أنه أداة دمار. ولكن عضو الجماعة الوظيفية لم يختر وظيفته، فوظيفته هي قدره ومصيره الذي اختير له. ومن ثم، فإن ما يقوله شيلوك عن نفسه باعتباره إنساناً أُهدرت إنسانيته هو أمر حقيقي، كما أن ما يُقال من أنه أداة استغلال صماء لا تدخل في علاقة إنسانية مع البشر وتحاول هدمهم هو أيضاً أمر حقيقي. وهذه الصورة المزدوجة التي يتحدث عنها بعض النقاد هي، في واقع الأمر، ازدواجية تُعبِّر عن علاقة أعضاء الجماعة الوظيفية بأنفسهم وبالمجتمع، فهم بشر في علاقتهم بأنفسهم وهكذا يرون أنفسهم، وهم أدوات في علاقتهم بالمجتمع وهكذا يراهم المجتمع. والواقع أن شكسبير، وكُتَّاب آخرون من بعده، حاولوا أن يتعاملوا مع هذه العلاقة في تركيبيتها الصلبة وثنائيتها الحادة. وشيلوك شخصية فنية تأتي ضمن سلسة طويلة من الشخصيات الفنية رسمها الفنان الغربي لليهود قبل بعد تاجر البندقية (فاليهودي جزء لا يتجزأ من الخطاب الغربي في مشوار اكتشافه لذاته وتحديدها) . ومن أهم الشخصيات الفنية الأخرى شخصية باراباس في مسرحية مارلو يهودي مالطة (وهو شيطان صرف لا يتسم بازدواجية شيلوك) . وهناك شخصية اليهودي في رواية وولتر سكوت إيفانهو، وشخصية فاجين في قصة ديكنز أوليفرتويست، وشخصية دانيل ديروندا في رواية جورج إليوت التي تحمل هذا الاسم، والشخصيات اليهودية المختلفة في روايات دزرائيلي. وتوجد إشارات مختلفة في الشعر الإنجليزي، عن اليهود، منذ القرن التاسع عشر، على وجه الخصوص. ويُقال إن الشخصية الأساسية في قصيدة «الملاح القديم» لكوليردج هي أساساً اليهودي التائه. ويتراوح الموقف من اليهود في الأدب الإنجليزي (وفي الآداب الغربية عامة) بين الكره الشديد والحب العميق، بين النبذ والتقديس، وكلاهما موقف يستند إلى فكرة الشعب العضوي المنبوذ حيث تتم رؤية أعضاء الجماعات اليهودية لا باعتبارهم بشراً، لهم ما لنا وعليهم ما علينا، وإنما باعتبارهم كياناً عضوياً متماسكاً غير منتمٍ للمجتمع ومن ثم لابد من طرده. وتوجد الظاهرة نفسها في الأدب الأمريكي. ولعل من أهم الكُتَّاب الأمريكيين المعادين لليهود الشاعر عزرا باوند الذي وصل في بعض كتاباته إلى رؤية اليهود كشياطين مسئولين عن كل شرور العالم. فيودور دوستويفسكي (1821-1881 ( Foyodor Dostoyevsky روائي روسي، ومن أهم الروائيين العالميين على الإطلاق. كان موقفه من أعضاء الجماعات اليهودية يتسم بالعنصرية الشديدة. وهناك إشارات عديدة لأعضاء الجماعات اليهودية في كتابات دوستويفسكي غير الروائية، كما أن هناك إشارات هنا وهناك في أدبه الروائي، حيث توجد شخصيات يهودية في بعض رواياته، خصوصاً في بيت الموتى (1861) وهي رواية عن تجربة سجين (غير سياسي) في معتقل في سيبريا، ورد فيها وصف لسجين يهودي يقيم كل شعائر دينه بحرص شديد. ولكن أهم النصوص التي عبَّر فيها دوستويفسكي عن وجهة نظره العنصرية بشكل واضح ومباشر هي يوميات كاتب. ولا يختلف التناول الروائي لدوستويفسكي لليهود عما جاء في يومياته. وهذا يثير إشكالية كبرى وهي كيف يمكن لأديب، صاحب رؤية إنسانية في أدبه، أن يتسم موقفه المباشر والمعلن من أقلية دينية أو عرْقية بهذه العنصرية والاختزالية وضيق الأفق. وهذا ما سنحاول تفسيره (لا تبريره (. ولنبدأ دراستنا بمحاولة استخلاص رؤية دوستويفسكي لليهود كما وردت في يوميات كاتب. كان دوستويفسكي يشير إلى اليهود بكلمة «جيد Zhid» الروسية التي تحمل مضموناً قدحياً، ويرفض استخدام كلمة «يفري Yevrey» أي «عبري» التي تُعَدُّ أكثر حياداً. وكان يذهب إلى أن اليهود شعب واحد له تاريخ يمتد لأربعة آلاف عام، وهو شعب حيوي طاقته لا تنتهي نجح في الاحتفاظ ببقائه وتماسكه، ولذا كان يشير إليهم باعتبارهم «القبيلة اليهودية» التي يعيش أفرادها فيما يسميه «حالة الجيتو» ، يربطهم «ميثاق الجيتو» ، وهو ميثاق يطالبهم بعدم إظهار الرحمة نحو الغير وبالتعالي عليهم وبالعيش في عزلة عن كل الشعوب عبر آلاف السنين. ومن أهم عقائد هذا الشعب ـ حسب تصور دوستويفسكي ـ عقيدة الماشيَّح ذات المضمون القومي، وهي عقيدة تذهب إلى أن المسيح المخلِّص اليهودي سيعود ويقود شعبه إلى القدس مرة أخرى ويمنحهم إياها ويرمي جميع الشعوب تحت أقدامهم. وهذا الشعب اليهودي تحركه القسوة والرغبة في شرب الدماء، ولذا فهم يعملون بالتجارة، خصوصاً تجارة الذهب، ويديرون البورصات ويستغلون الطبقات الفقيرة، خصوصاً الأقنان. ويجأر اليهود بالشكوى من المعاناة التي يلاقونها في روسيا، ويدَّعون أنهم غير متساوين في الحقوق مع الروس، مع أن معاناة الأقنان الروس تفوق كثيراً معاناة اليهود. واليهود ـ حسب رأي دوستويفسكي ـ يوجدون في كل مكان، فهم يوجدون داخل التشكيل الاستعماري الغربي ويهيمنون على الرأسمالية الغربية، وهم بطبيعة الحال موجودون في كل الحركات الاشتراكية والثورية والفوضوية والعدمية. وقد جعل اليهود همهم إفساد الشعب العضوي الروسي إذ كانوا يقومون ببيع الكحول لهم وبالشرب من عَرَقهم ودمهم. وحينما أُعتق الأقنان، انقض عليهم اليهود واستغلوهم واستفادوا من هفواتهم الإنسانية. وهم في استغلالهم للناس لا يتسمون بالرحمة، فاستغلالهم للأقنان لا يختلف كثيراً عن استغلالهم للزنوج في الولايات المتحدة بعد إعتاقهم. ويرى دوستويفسكي أنه حتى لو أُعطيت لليهود حقوقهم كاملة، فإنهم لن يتنازلوا قط عن أن يكونوا دولة داخل دولة. وهم يفعلون ذلك لأن مصالحهم مستقلة عن مصالح المجتمعات التي يعيشون في كنفها. بل إنه يرى أن هناك مؤامرة يهودية عالمية عبر التاريخ لخدمة المصالح اليهودية المستقلة وللدفاع عنها. فهو يشير إلى دزرائيلي رئيس وزراء بريطانيا باعتبار أن دفاعه عن الدولة العثمانية ضد روسيا وهو تعبير آخر عن المؤامرة اليهودية الأزلية ضد روسيا وعن المصالح اليهودية المستقلة (وهذا يختلف تماماً عن موقف المدافعين عن فكرة المؤامرة عندنا إذ يرى هؤلاء أن اليهود هم المسئولون عن سقوط الدولة العثمانية دفاعاً عن المصالح اليهودية) . ويتجاهل دوستويفسكي حقيقة بسيطة واضحة وهي أن دزرائيلي كان يدافع عن الدولة العثمانية ضد روسيا لا حباً في الدولة العثمانية وإنما نكاية في روسيا وحتى تظل عنصر توازن معها، وتمنعها من التوسع، الأمر الذي قد يضر بالمصالح الإمبريالية البريطانية. وفي الماضي، كان استغلال اليهود للآخرين أمراً تدينه العقيدة المسيحية، ولكن حدث تطوُّر في المجتمعات الغربية إذ أصبحت هذه المجتمعات تؤمن بمذهب المنفعة المادية. ويميِّز دوستويفسكي بين اليهود وروح اليهودية (وهو في هذا لا يختلف عن ماركس وعن كثير من المفكرين الغربيين في القرن التاسع عشر) ، فقد يوجد يهود طيبون ومع هذا تظل روح اليهودية هي المنفعة المادية. وقد انتشرت هذه الروح اليهودية النفعية المادية في المجتمع المسيحي بحيث أصبح الاستغلال فضيلة (يتحدث ماركس عن «تهويد المجتمع» بهذا المعنى (. وإذا كانت الروح اليهودية هي الروح النفعية المادية، فإن حلقات المؤامرة اليهودية أصبحت على وشك الاكتمال، كما أن حكم اليهود للعالم اقترب وهيمنتهم الكاملة أصبحت أمراً وشيكاً. وقد لخص دوستويفسكي المسألة كلها بقوله إن ثمة تناقضاً أساسياً بين الفكرة السلافية (الروحية المسيحية) والفكرة اليهودية (المادية العلمانية) ، وصعود الفكرة اليهودية يعني تراجُع الفكرة السلافية، أي أن اليهودي هو الآخر الذي لابد من القضاء عليه! ويمكننا الآن أن نطرح السؤال التالي: كيف يمكن أن يعتنق أديب إنساني مثل دوستويفسكي مثل هذه الآراء التي لا تختلف كثيراً عما ورد في بروتوكولات حكماء صهيون وكتاب هتلر كفاحي؟ لمحاولة تفسير هذه الظاهرة، يمكننا أن نشير إلى بعض الأسباب، بعضها خاص بدوستويفسكي ورؤيته للكون والبعض الآخر خاص بالمجتمع الروسي ككل وبوضع اليهودية فيه وموقف الروس منهم. ولنبدأ برؤية دوستويفسكي للكون: 1 ـ كان دوستويفسكي يرى أن روسيا قد تكون امتداداً لأوربا ولكنها في الوقت نفسه نقيضها. ورغم إيمانه بأن روسيا مدينة لأوربا إلا أنه يرى أن "المرحلة الأوربية" في تاريخ روسيا قد انتهت، وأن أوربا تمثل الماضي، بينما تمثل روسيا المستقبل. 2 ـ والغرب، من منظور دوستويفسكي، دمرته المادية والقيم الديموقراطية وضمور الحس الخلقي وظهور النفعية والتمركز حول الذات. 3 ـ كان دوستويفسكي يؤمن بالرسالة الأزلية لروسيا. فكل أمة، حسب وجهة نظره، لابد أن ترى أن خلاص العالم يكمن في خلاصها هي، وأن هدفها لابد أن يكون توحيد شعوب العالم كافة تحت قيادتها (أي أنه كان يؤمن بحتمية المشيحانية السياسية (. 4 ـ من أهم أفكار دوستويفسكي فكرة الشعب العضوي (بالروسية: نارود) . فالشعب الروسي، حسب رأيه، شعب مرتبط بأرض روسيا الأم يستمد منها الطهر والأصالة، وهو شعب لم تفسده الحضارة الغربية بعد ولم يسقط في القيم التي دمرت هذه الحضارة. وهذا لا يعني عدم وجود فساد في روسيا وإنما يعني أن الفلاح الروسي حينما يرتكب الخطيئة يعرف أنها خطيئة، فهو لم يفقد بعد مقدرته على التمييز بين الخير والشر (أي أن حسه الخلقي لم يتم تحييده تماماً (. 5 ـ وتشكل الكنيسة الأرثوذكسية (أطهر أشكال المسيحية) الإطار الديني لهذه الرؤية الكونية، كما تشكل الجامعة السلافية الإطار الحضاري أو العرْقي لها. ولذا، فإن مستقبل العالم منوط بإرادة النارود الروسي تحت رعاية الكنيسة الأرثوذكسية وبقيادة القيصر. وفي مقابل هذه المنظومة الدائرية المتماسكة التي يتداخل فيها الديني والقومي ويحل فيها الإله في الأرض الروسية والشعب الروسي، ينظر دوستويفسكي إلى الآخر الذي يقع خارج دائرة القداسة ويرفضه: وقد عرَّف الآخر بأنه أوربا الملحدة، والكاثوليك، والنظام الرأسمالي، والثورات الاشتراكية، ولكنه بالدرجة الأولى اليهود. فاليهود هنا ليسوا يهوداً وإنما هم النظام الجديد في العالم الحديث الذي يستند إلى البيع والشراء والمساومة والقيم البرجماتية ولا يعرف المثاليات أو المطلقات الأخلاقية. ولعل من المفيد الإشارة إلى أن علم الاجتماع الألماني يميِّز بين الجماينشافت (الجماعة المترابطة العضوية) والجيسيلشافت (المجتمع التعاقدي الحديث) . واليهودي هو رمز هذا المجتمع التعاقدي بشقيه الرأسمالي والاشتراكي. ولا يمكن فهم موقف دوستويفسكي وحدوده إلا بفهم وضع اليهود في روسيا والموقف الروسي منهم والذي يتمثل فيما يلي: 1 ـ كره اليهودي أمر متجذر ومتأصل في الوجدان الروسي (والسلافي على وجه العموم) . فمسرح العرائس الشعبي كان يحوي شخصية اليهودي الجشع الجبان (رغم عدم وجود عدد يُذكَر من اليهود في روسيا) . ولعل هذا الكره لليهود يعود إلى أيام إمبراطورية الخزر اليهودية التركية التي هددت الروس وأخضعتهم لهيمنتها. كما أن العداء التقليدي بين روسيا وتركيا (نظراً لأن صعود الواحد مرتبط تاريخياً بهبوط الآخر) لعب دوراً في ذلك، خصوصاً أن الوجدان الغربي كثيراً ما يربط بين اليهود والمسلمين (ولذا، ربط دوستويفسكي بين دزرائيلي اليهودي والعثمانيين (. 2 ـ ومع ظهور الأدب الروسي الحديث، ظل هذا النمط الإدراكي مسيطراً إلى حدٍّ بعيد. ومما زاده حدةً، ضم روسيا لبولندا ولملايين اليهود. والملاحَظ أن مطامح الأرستقراطية الروسية في السيطرة على الريف، والأحلام الرجعية الروسية المتصلة بقضية الشعب (نارود) كشعب عضوي راض بوضعه، متسم بالهدوء والاتزان، ارتطمت كلها بوجود اليهود كعنصر تجاري متحرك داخل الريف الروسي. وحيث إن كثيراً من الكُتَّاب الروس الأوائل كانوا من الأرستقراطية، فقد سادت الأنماط المعادية لليهود. ويتضح هذا في موقف أساطين الأدب الروسي، مثل: تورجنيف (1818 ـ 1883) وجوجول (1809 - 1852) بل تولستوي الذي كان يهاجم معاداة اليهود باعتبارها تتناقض مع ما ينادي به من ضرورة حب البشر، ولكنه كان في أماكن أخرى من كتاباته يُظهر موقفه الأرستقراطي الروسي المعادي لليهود. كما ظهر العداء لليهود في كتابات الأدباء النارودنيك مثل نيقولاي بيكراسوف (1841 ـ 1878) وفيودور ريشتنكوف (1841 ـ 1871) . وقد تم الهجوم على اليهودي باعتباره مستغلاً للجماهير المسحوقة. ولعل تشيخوف (1860 ـ 1904) من الكُتَّاب الروس القلائل الذين تناولوا شخصية اليهودي تناولاً يتسم بشيء من التعاطف. أما في الأدب السوفيتي، فقد كانت صورة اليهودي إيجابية على وجه العموم (بما يتفق مع الخط الرسمي للحزب) ، ولا تثير أية مشاكل خاصة. (ومع هذا، صدرت كتيبات سوفيتية ذات طابع عرْقي واضح هي مجرد استمرار للموقف الروسي القديم. كما أن تصريحات بعض القادة السوفييت كانت تنحرف أحياناً عن خط الحزب وتُعبِّر عن الأنماط الإدراكية العرْقية القديمة. بل إن بعض سياسات السوفييت لا يمكن تفسيرها إلا باعتبار أنها سياسة معادية لليهود (. 3 ـ كان المستوى المعيشي لأعضاء الجماعات اليهودية أعلى على وجه العموم من مستوى كثير من الفلاحين الروس، كما أن مستواهم التعليمي كان أعلى بكثير من مستوى الأغلبية (الروسية) . كما حقق بعض اليهود (مثل عائلة بولياكوف وجونزبرج) ثراءً واضحاً. 4 ـ كان اليهود في روسيا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر جماعة وظيفية فقدت وظيفتها وأساس بقائها. ومن ثم، كان أعضاؤها في حالة تَراجُع أخلاقي وحضاري هائلة. فتركَّزوا في مهن وحرف هامشية (عادةً مشينة) مثل تقطير الخمور وإدارة الحانات وبيع الملابس القديمة، كما كان عدد البغايا اليهود مرتفعاً إلى درجة كبيرة. وكان عدم تحدُّد ولاء أعضاء الجماعات اليهودية لروسيا أمراً مفهوماً، حيث كانوا عبر تاريخهم تابعين لبولندا عدو روسيا الأكبر. كما كانوا يتحدثون اليديشية، وهي لغة عدوهم الآخر: ألمانيا. ولذا، نجد أن صورة اليهودي كجاسوس صورة متواترة في الأدب الروسي. وهي صورة ذات أساس «مادي صلب» . وما لم يدركه دوستويفسكي وغيره أن هذه الحالة اليهودية لم تظهر إلى الوجود إلا في منتصف القرن التاسع عشر، وأنها مرتبطة بعمليات التحديث في الإمبراطورية القيصرية، أي أنها مرتبطة بزمان ومكان محددين، ورغم أن يهود الإمبراطورية الروسية القيصرية كانوا يشكلون الغالبية الساحقة من يهود العالم، إلا أن حالتهم الخاصة لا يمكن تعميمها. وقد كتب تورجنيف قصة قصيرة بعنوان اليهودي (1847) تُعبِّر بشكل مباشر عن هذا الاشمئزاز من اليهود، فبطل القصة يُعدَم بعد اتهامه بالجاسوسية. وهذا الموقف لا يختلف كثيراً عن موقف جوجول (1809 ـ 1852) في تاراس بولبا التي تقع أحداثها إبان حرب البولنديين والقوزاق. وتشتمل الرواية على وصف ليهودي صاحب حانة يتسم سلوكه بأنه مرتزق خائن يُشَك في أنه جاسوس للبولنديين (وقد ظهر الموضوع نفسه، أي اليهودي كجاسوس، في إحدى قصص الكاتب اليهودي الروسي السوفيتي إيزاك بابل بعنوان «بريستشكو» في مجموعة الفرسان الحمر (. 5 ـ لم تكن عملية التحديث تتم بسرعة كافية في روسيا، ولذا ظهرت الأمور وكأن اليهود يبذلون قصارى جهدهم للحفاظ على هويتهم والانسحاب من المجتمع الروسي. 6 ـ كان اليهود متواجدين بالفعل في صفوف الثوريين (تروتسكي) والرأسماليين (جونزبرج) والرجعيين (ستاهل) والمسيحيين (شستوف) . كما كان لهم وجود ملحوظ في كل قطاعات المجتمع العلماني الجديد، الوضع الذي يعطي انطباعاً للمراقب السطحي بوجود اليهود في كل مكان وتآمرهم على كل القيم. 7 ـ كان دوستويفسكي وكل الإنتلجنسيا (بل البيروقراطية الروسية) يعانون من جهل شديد بأحوال اليهود. ويعود هذا إلى أن دخول روسيا كان محرَّماً على اليهود حتى نهاية القرن الثامن عشر، ولذا لم تكن توجد في روسيا أعداد تُذكَر من اليهود. ثم ضمت روسيا أوكرانيا وبولندا في ذلك التاريخ وضمت مع الأراضي أكبر تجمُّع يهودي على وجه الأرض، وهو تجمُّع كان يتحدث اليديشية وكان له وضع اقتصادي وحضاري متميِّز. ورغم جهل دوستويفسكي الشديد بالحقائق التاريخية المتنوعة، قام بالتعميم استناداً إلى معرفته المقصورة على زمان ومكان محددين، فأصبح يهود روسيا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر هم اليهود كافة، واليهود في كل زمان ومكان. وهذه هي الطريقة التي تُولَد بها الأنماط الإدراكية العنصرية. ودوستويفسكي هو ابن عصره الغربي الذي هيمن عليه فكر عنصري إمبريالي (بالمعنى الحرفي) ، يقسم العالم إلى عنصرين اثنين متصارعين (الأنا والآخر) ، فيقدِّس الذات ويهدر حقوق الآخر، ولا يدخل في علاقة مركبة مع التاريخ وإنما يجتزئ منه ليدعم وجهة نظره العرْقية. وهذا ما فعله دوستويفسكي وهتلر، والعنصريون كافة قبلهما وبعدهما (وقد لاحَظ أحد الدراسين، بالفعل، السمات المشتركة بين هتلر ودوستويفسكي) . ثم نأتي أخيراً للقضية التي طرحناها في بداية هذا المدخل: التناقض بين رؤية دوستويفسكي الإنسانية العالمية، والتي تتبدى أساساً في أعماله الأدبية، وموقفه العنصري الضيق تجاه اليهود. ودهشتنا لهذا التناقض مردها وهمان آخران: 1 ـ يُسيطر علينا تصوُّر مفاده أن ثمة اتساقاً عضوياً وتكاملاً في حياة البشر، وأن كل إنسان يتبع منطقاً واحداً في حياته. وتبعاً لهذا التصوُّر، لا يمكن أن يكون فرد واحد إنساناً عامر الإنسانية مع بني جلدته وقبيلته، متوحشاً بالغ الوحشية مع مجموعة إنسانية أخرى، ورغم أن هذا التصور منطقي، فإنه أبعد ما يكون عن الحقيقة المتعيِّنة، فالوجود الإنساني يتسم بالتناقض والتركيب، ويجتمع في داخل الإنسان الواحد الخير والشر والنبل الخسة. 2 ـ يُسيطر علينا أيضاً تصوُّر أن ثمة ارتباطاً (يكاد يكون عضوياً أيضاً) بين الحس الخلقي والحس الجمالي. ومرة أخرى، فإن هذا التصور المنطقي المجرد أبعد ما يكون عن الحقيقة المتعيِّنة. انظر مثلاً إلى أعمال الشاعر الأمريكي روبرت فروست، هنا نجد قصائد رائعة الجمال ترتبط فيها فكرة النظام بالمعنى الجمالي بفكرة النظام بالمعنى الأخلاقي، ولكن يُقال إن حياة هذا الشاعر الشخصية تتسم بكثير من القسوة والوحشية تجاه أقرب أقاربه. ويمكن أن يكتب أديب عملاً فنياً في غاية الرقي الفني ولكنه يدعو إلى الانحطاط. إن الحق والجمال أمران مختلفان، وهو أمر لا شك محزن، ولكن هذه هي سنة الله، ولن تجد لسنة الله تبديلا. وعلينا أن نتأمل بشيء من التفلسف حينما نعرف أن ضباط فرق الصاعقة النازية كانوا يستمعون إلى موسيقى فاجنر الراقية ويناقشون الأعمال المعمارية الضخمة التي يشيِّدها النظام النازي وهم يشمون رائحة لحم ضحايا المحرقة النازية التي تشوى ضحاياهم. وانظر إلى القاهرة ذاتها تجد أن بعض أجمل المباني شيدها الإنجليز، هؤلاء الذي جيشوا الجيوش وأرسلوا بها إلى بلادنا لتنهبها وتحوِّلها إلى مصدر لفائض القيمة الذي يصّب في خزائن الإمبراطورية البريطانية. إدوارد/أدولف درومون (1844-1917 ( Edouard-Adolphe Drumont صحفي فرنسي، وواحد من أهم المفكرين المعادين لليهود في الحضارة الغربية. عاش في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في فرنسا، وهو عصر الهيمنة الأوربية على العالم واقتسامه بين القوى الإمبريالية المختلفة، وكان معروفاً باتجاهاته اليسارية في مقتبل حياته الصحفية. وقد اضطر درومون إلى الاستقالة من صحيفة لاليبرتيه عام 1866 وأرجع هذا إلى سيطرة المليونير اليهودي ذي الاتجاهات السان سيمونية إسحق بريير الذي كان يمتلك الجريدة، واتهم اليهود بالسيطرة على الاقتصاد والإعلام، وظهر في العام ذاته كتابه فرنسا اليهودية في جزئين، وهو من أهم كلاسيكيات معاداة اليهود في الحضارة الغربية، ويُقال إنه كان أكثر الكتب شيوعاً في أوربا في القرن التاسع عشر إذ طُبع ما يزيد على مائة طبعة، وتُرجم إلى عديد من اللغات. ويتسم فكر درومون بأنه خليط من الأفكار الدينية الراسخة في الوجدان المسيحي الغربي والأفكار الاشتراكية والشيوعية التي حققت ذيوعاً بين الجماهير الأوربية في القرن التاسع عشر. ويتضح هذا في كتابه فرنسا اليهودية الذي يذهب فيه إلى أن اليهود عنصر تجاري هامشي بطبيعته يعوق نمو الطبقة الوسطى المحلية (المسيحية) بسبب سيطرته على المشاريع التجارية والصناعية الكبرى. واليهود لا يندمجون مع الأمم الأخرى، فهم عنصر غريب، يعيشون بين الفرنسيين ولا يندمجون معهم، فهم لا وطن لهم. بل إن أولئك اليهود الذين يبدو كما لو كانوا مندمجين، هم في واقع الأمر أكثر العناصر خطراً، فهم مخادعون يتسللون داخل الأمة لإفسادها وتدميرها. ويُلاحَظ أن وصف درومون لليهود يقترب كثيراً من وصفنا للجماعات الوظيفية التي تعيش في المجتمعات المختلفة دون أن تكون فيها، والتي تندمج فيها كي تتعامل معها بكفاءة ولكنها تظل منعزلة عنها، وتحقق تراكماً هائلاً في الثروة. وقد اقترح درومون مصادرة أموال اليهود على أن تُستخدَم هذه الأموال لإيجاد وسائل إنتاجية للطبقة العاملة المُستغَلة. وفي عام 1892، أسس درومون جريدة لا ليبر بارول والتي أفصح فيها عن رؤيته التي تجمع بين توجه كاثوليكي وتوجه اشتراكي في آن واحد والتي نشر فيها مقالاته عن فضيحة قناة بنما، وقد سجن لمدة ثلاثة أشهر بسببها. كما أسس جماعة رابطة أعداء اليهود، ثم كتب ملحقاً لكتاب فرنسا اليهودية وعدة كتب أخرى تُعبِّر عن الاتجاه نفسه المعادي لليهود. ورشح نفسه للانتخابات عام 1898 وفاز بمقعد في البرلمان. ثم قاد الحملة ضد دريفوس، ولكن تبرئة دريفوس أدَّت إلى تراجُع نفوذه. كارل ليوجر (1844-1915 ( Karl Lueger سياسي نمساوي ومؤسس وزعيم الحزب المسيحي الاشتراكي النمساوي الذي اتسم بتوجهه المعادي لليهود. وُلد في فيينا لعائلة متوسطة ودرس القانون. بدأ حياته السياسية مع الجناح اليساري للحزب التقدمي حيث تعاون مع أعضائه من اليهود ومن بينهم أجناز ماندل الذي ظل صديقاً لليوجر ومستشاره السياسي لفترة طويلة. وقد انتخب ليوجر عضواً بمجلس مدينة فيينا عام 1875 ودخل البرلمان عام 1885. ورغم أن ليوجر نفسه لم يكن معادياً لليهود، ولم يكن متحمساً لفكرة الشعب العضوي الألماني، إلا أنه مثل غيره من السياسيين النمساويين في تلك الفترة، لم يتردد في استغلال كلا الأمرين من أجل تحقيق أغراضه وطموحاته السياسية. إذ كانت فيينا تضم في تلك الفترة مزيجاً من القوميات المختلفة، وكان استخدام أي سياسي لمشاعر معاداة اليهود يشكل أداة لتوحيد وكسب تأييد هذه الجماعات المتنافرة، وكذلك كسب تأييد البورجوازية الصغيرة التي كانت تعاني من المشاكل الاقتصادية. وقد اشترك ليوجر عام 1893 في تشكيل الحزب المسيحي الاشتراكي. وكان يسعى لكسب أصوات البورجوازية الصغيرة لهزيمة الحزب الليبرالي الذي تولى السلطة آنذاك وحظي بتأييد يهود فيينا. وبالفعل، حقق ليوجر شعبية كبيرة بفضل مهاراته كخطيب، ونجح في أن يجعل حزبه القناة الرئيسية للتعبير عن الاستياء الاجتماعي والسخط العام. وهاجم ليوجر الرأسمالية والماركسية باعتبارهما نتاجاً للعقل اليهودي. وقد نجح حزبه في انتخابات مجلس مدينة فيينا، وانتُخب ليوجر عام 1895 عمدة للمدينة، إلا أن الإمبراطور النمساوي فرانسيس جوزيف رفض الموافقة على نتيجة الانتخابات، ربما بسبب نشاط ليوجر المستفز للشعور العام، ولكنه اضطر تحت ضغط الرأي العام في فيينا وبإيعاز من تيودور هرتزل إلى إقرار تعيينه. وقد عمل ليوجر من خلال منصبه الذي احتفظ به حتى وفاته على إدخال العديد من الإصلاحات الاجتماعية والخدمات العامة. ورغم أن سياسة إدارته كان لها بعض الآثار الاقتصادية السلبية على أعضاء الجماعة اليهودية في فيينا، إلا أن موقفه تجاه اليهود أصبح أكثر اعتدالاً بعد وصوله إلى السلطة، وضمت إدارته صديقه اليهودي ماندل (الذي تنصر وسنه 72 سنة) ، كما أن نائب العمدة كان ذا أصول يهودية. وكان ليوجر يقوم بزيارات للمعابد والأسر اليهودية. وأكثر ما يدل على انتهازية ليوجر واستغلاله لمعاداة اليهود للأغراض السياسية عبارته «أنا الذي أقرر من هو اليهودي» ، وهي عبارة تعكس في الواقع إدراك ليوجر للإبهام وعدم الوضوح الذي يحيط بمسألة تعريف اليهودي في فيينا، حيث ذهب البعض إلى اعتبار اليهود جماعة دينية، بينما اعتبرهم البعض الآخر، مثل القوميين الألمان، جماعة عرْقية. وقد أتاح ذلك لليوجر إنكار معاداته لليهود أو تأكيدها وفقاً لما تستدعيه مصلحته والمصلحة السياسية لحزبه. إلا أن ترويجه الأفكار المعادية لليهود كان له أثر، فيما ما يبدو، على فكر أدولف هتلر إبان نشأته. أوجست سترندنبرج (1849-1912 ( August Strindenberg أهم كُتَّاب المسرح السويديين، ومن أهم كُتَّاب الدراما في العالم أجمع. وُلد لأسرة من الطبقة الوسطى في العاصمة السويدية لأب يعمل وكيلاً في النقل البحري وأم خادمة. ألَّف ما يزيد على الستين عملاً درامياً، كما كتب مئات المقالات والعشرات من الروايات والمجموعات القصصية القصيرة والسيرة الذاتية. وهو يمثل بالنسبة للأدب السويدي واللغة السويدية ما يمثله شكسبير للأدب الإنجليزي واللغة الإنجليزية. وترجع علاقة سترندنبرج باليهود إلى بدايته الأولى ككاتب واقعي تقدُّمي هاجم الملكية والمؤسسات الرجعية في السويد في كتابه الملكية الجديدة وكتابه أشعار (1883) . وقد أثار هذان الكتابان القوى المحافظة في السويد ضده، وهو ما حدا به إلى السفر إلى أوربا متنقلاً بين بلادها. ونشر، وهو في الخارج، مجموعة إسكتشات تحت عنوان «الزواج» عام 1884، وكان ناشرها يهودياً. وفي هذه المجموعة، هاجم سترندنبرج المؤسسات الدينية هجوماً شديداً ودافع عن الجانب الجسدي في الزواج الأمر الذي دفع أعداءه إلى مقاضاته باستخدام فقرة في القانون السويدي تجرِّم التجديف، وأشاروا إلى اسكتش في المجموعة سماه «شعراء الفضيلة» استخدم فيه إشارات ترمز للعشاء الأخير. وفي البداية، رفض سترندنبرج العودة والوقوف أمام المحاكمة. إلا أنه عاد فيما بعد عندما بدأ الادعاء في مقاضاة ناشره اليهودي وفقاً للقانون السويدي الذي كان يجيز مقاضاة الناشر في حالة غياب المؤلف. وقد صرح سترندنبرج بأن عودته ترجع أساساً لخوفه من تحيُّز القانون ضد الناشر اليهودي لكونه يهودياً حيث إن أوربا كانت تجتاحها في تلك الآونة موجة من العداء لليهودية (على حد قوله) . وقد بُرئ سترندنبرج من تهمة التجديف، إلا أن محاكمته ذاتها جلبت عليه الخراب، حيث قُوطع من الناشرين وأصحاب المسارح على حدٍّ سواء. وفي هذه الفترة، كتب سترندنبرج مسرحياته الشهيرة مس جولي، والأب، واللعب بالنار والدائنون، وغير ذلك مما أعطاه شهرة ككاتب طبيعي النهج. وقد أدَّت الضغوط الاقتصادية إلى رحيله عن السويد مرة ثانية عام 1892 والانغماس في الفترة من 1892 في محاولات عقيمة لتحويل المعادن وصناعة الذهب حيث ترك الأدب تماماً. وقد تأثر في هذه الفترة بأعمال المتصوف الديني السويدي سويدنبورج، بعد تأثره العميق بأفكار نيتشه. وفي هذه الفترة أيضاً، نشر سترندنبرج عدة مقالات في صحف ومجلات الجماعات التي تهتم بالأسرار الروحية والسيميائية في فرنسا ووُجِّهت لها تهمة معاداة اليهود. وتستحق فكرة معاداة سترندنبرج لليهود وقفة طويلة. فقد ذاعت تلك الفكرة كما اشتُهر عنه أيضاً بأنه عدو المرأة. ولقد رأينا كيف عاد سترندنبرج للسويد ليواجه المحاكمة بتهمة التجديف بدلاً من إعطاء الفرصة لخصومه لمقاضاة ناشره اليهودي. وقد أعرب سترندنبرج في كتاباته وخطاباته أكثر من مرة عن كراهيته لناشره واحتقاره له حيث وصفه بأنه «مصاص دماء يثرى على حسابه» ، ويراكم المال بينما يعيش هو «في الفاقة والعوز» . كما ذكر غير مرة أن معاداته لليهود إنما هي معاداة للماليين من اليهود والمرابين الذين يثرون على حساب غيرهم من البشر. وذكر أيضاً في خطابه للناقد الأدبي برانديز عام 1882 أن «المسألة ليست اليهود ولا اليهودية ولكنها مسألة أولئك اليهود السويديين الذين يستغلوننا» . وحتى مقالاته التي نشرها في فرنسا والتي تتسم بعدائها لليهود بين عامي 1894 و1895 كانت رداً على دفاع زولا عن دريفوس، وقد كانت هذه المقالات ممتلئة بمعاداة زولا أكثر من معاداة اليهود كجنس في ذاته. وفي 1897، نشر سترندنبرج انطباعاته عن هذه الفترة في كتابه الجحيم وهو دراما خيالية في شكل سيرة ذاتية تمتلئ بالإشارات الباطنية والإحساس المتزايد بارتكاب الذنب الأزلي. وقد عاد سترندنبرج ابتداءً من عام 1898 إلى الكتابة الدرامية حيث سارت مسرحياته في هذه المرحلة التي يدعوها النقاد «مرحلة ما بعد الجحيم» في مسارين يتقاطعان كثيراً هما رواية التاريخ السويدي من منظور شعبي، والمسرحيات ذات المحتوى الديني. ومن أمثلة ذلك كارل الثاني عشر وسوناتا الشبح المليئة بالرموز الموحية دينياً. وقد كان سترندنبرج في تلك الفترة من حياته يمثل المدافع الأول عن حقوق الطبقات الشعبية من واقع التزام ديني. وقد اتسمت نظرته لليهود في هذه المرحلة بروح التسامح، كما مثلت فكرة القبول عنده فكرة محورية في معظم المسرحيات، مثل: إلى دمشق وعيد الفصح ومسرحية حلم. وتُوفي سترندنبرج في أبريل عام 1912، وتحوَّل آخر عيد ميلاد له (في 22 يناير 1912) إلى مناسبة شعبية تتخللها مظاهرات كبرى هتف فيها المتظاهرون: «عاش شاعر الشعب - عاش شاعر الحرية» . راينر فاسبندر (1946-1982) Reiner Fassbinder مخرج ومنتج وكاتب سينمائي ومسرحي ألماني كان طالباً منتظماً في مدرسة تجريبية في ميونيخ، لكنه ما لبث أن هجرها وعمل بالصحافة ثم تركها والتحق بالفرقة المسرحية البافارية الثورية التي تُسمَّى «مسرح الفعل» . وفي سن التاسعة عشرة، أخرج فيلمه القصير الأول «صعلوك المدينة» ليبدأ رحلة إبداعه الفني التي استمرت 17 عاماً وشملت 43 فيلماً و30 مسرحية وعدداً هائلاً من الكتابات والتمثيليات الإذاعية كانت جميعها، تماماً مثل حياته، نموذجاً للتمرد والانطلاق والتجريب. وقد تناول في أعماله سلبيات المجتمع الألماني بشكل خاص، والمجتمعات الغربية الحديثة بشكل عام، وما يسود هذه المجتمعات من تفكُّك وتحلُّل وإحباط نتيجة اللهاث وراء المادة وغياب أية قيمة أو معنى للحياة سوى القيم والمعاني المادية. وكانت أغلب أعماله مثيرة للجدل، وتباينت حولها ردود أفعال النقاد، بل قد وُجِّهت له تهم معاداة اليهود والتعاطف مع الإرهاب وعدم إدانة النازية. وقد أثارت مسرحيته المدينة والزبالة والموت (1974) ضجة صحفية كبرى داخل ألمانيا وخارجها واتُهم فاسبندر بمعاداة اليهود نظراً لأن الشرير المرابي المتعاون مع السلطة في المسرحية كان يهودياً. وتكررت هذه التهمة مع فيلمه «ليلى مارلين» (1980) حيث توجد أيضاً شخصية اليهودي الشرير. ولم يكن تناول فاسبندر لليهودية في أعماله من منطلق أنها عقيدة دينية وإنما من منطلق أنها نزوع إلى جمع المال والربح والصعود على أكتاف الآخرين (وهذا نمط إدراكي شائع في الأدبيات الاشتراكية الغربية) . فهو يبحث في أفلامه عن أسباب «يهودية» المجتمع (أو تهوده حسب تعبير ماركس، وهو ما نُعبِّر عنه هنا في هذه الموسوعة باصطلاح «تحوسل المجتمع» ، أي تحوُّل أعضاء المجتمع إلى مجرد وسائل لخدمة أهداف يُقال لها نهائية ولكنها ليست بالضرورة إنسانية) . وعملية التهود والتحوسل هذه تؤدي إلى التفكك والتحلل والهزيمة والعنصرية ومعاداة الأجانب وهو ما نراه في أفلام مثل «الخوف يأكل الرمح» و «لا أبغي إلا أن تحبوني» و «الروليت الصيني» . والواقع أن كل الشخصيات في أفلامه مدانة باليهودية (بالمعنى الذي سبقت الإشارة إليه) . وكل الأبطال يعانون من الشعور بالوحدة والعزلة والإحباط، فحتى بعد النجاح لا يحقق المرء ذاته، والسؤال الأساسي «وماذا بعد النجاح؟» غير مطروح في هذا المجتمع كما يتبدَّى لنا من أحداث فيلمه «بائع الفصول الأربعة» (1971) . وفي هذا الإطار نفسه، تتعامل جميع أفلام فاسبندر مع موضوع الأسرة وانهيارها وانحلالها ثم اختفائها. ففي فيلم «زواج ماريا براون» (1978) ، وهو أول أفلامه الضخمة، يتناول قصة امرأة تزوجت لمدة عشرة أيام ثم طُلب زوجها للجيش في الحرب العالمية الثانية، ولكنها حافظت على زواجها بأمل تكوين الأسرة الناجحة، ثم فسقت وقتلت واستغلت وسرقت من أجل تحقيق حلم النجاح والاحترام وليس من أجل التوازن المفقود الذي لن يعود. ويبدو أن تهمة معاداة اليهود كلفت فاسبندر وظيفته وحرمته من نيل أية جائزة من جوائز المهرجانات السينمائية الكبرى (سواء في كان أو في فنيسيا) ، وكانت الجائزة الوحيدة التي حصل عليها من برلين عن فيلمه «فيرونيكا نوس» . وقد رفضت لجنة المساعدة الاتحادية التي تقدم العون لإنتاج الأفلام في ألمانيا مشروعين من مشروعات فاسبندر. وقد أثارت أفلام فاسبندر اتهامات أخرى ضده منها أنه لا يدين النازية، فهو لا يعتبر النازية وحشاً في حد ذاته ولكنه يبحث دائماً وراء الظاهرة الاجتماعية عن الظاهرة/الرمز سواء أكانت تلك الصورة هي الصليب المعقوف أم شمعدان المينوراه أم النجمة المسدسة أم المطرقة والمنجل. كما اتُهم بأنه مرتبط بجماعات الإرهاب نظراً لما أبداه من تعاطف في بداية فيلمه «ألمانيا في الخريف» (1977) مع أعضاء جماعة بادر ماينهوف الذين ماتوا في زنازينهم. وقد تُوفي فاسبندر عن عمر يناهز السادسة والثلاثين بعد أن عاش حياة حافلة بالنشاط وبالإنتاج الفني والسينمائي، وكان قد اعترف قبل وفاته بأنه يتعاطى المنشطات والكوكايين ليستمر في العمل، كما اعترف بشذوذه الجنسي في فيلم «ألمانيا في الخريف» . وفي الحقيقة، فإن اتهام فنان تجريبي حداثي مثل فاسبندر بمعاداة اليهود يُعدُّ أمراً غير مألوف، إذ أن هذا الاتهام عادةً ما يُوجَّه إلى كُتَّاب «رجعيين» أو «محافظين» يقفون ضد مُثُل التعددية والتجريب. ومع هذا، فلابد من الإشارة إلى أن ثمة عدداً من الفنانين الحداثيين الذين أخذوا موقفاً معادياً من اليهود باعتبارهم مسئولين عن سقوط الحضارة الغربية وانهيار المجتمع. ومن أهم هؤلاء المفكرين الشاعر عزرا باوند والشاعر وليام بتلر ييتس، كما أشار ت. س.إليوت إلى اليهودي بطريقة اعتبرها البعض معادية لليهود. معاداة اليهود لكل من اليهود واليهودية Jewish Anti-Semitism يُستخدَم مصطلح «معاداة اليهود لكل من اليهود واليهودية» للإشارة إلى بعض اليهود الذين يستخدمون مقولات تراث معاداة اليهود في الغرب ويطبقون الصور الإدراكية النمطية السلبية على اليهود. ويبدو أن بعض أعضاء الجماعات اليهودية اكتسحهم تيار الاستنارة والاندماج وسلبهم ذاتهم تماماً بحيث أصبحوا يدركون العالم من خلال هذه الرؤية العنصرية. وقد انتشرت هذه الظاهرة بين اليهود المندمجين في ألمانيا، ويهود الولايات المتحدة من أصل ألماني، وكان يهود الغرب المندمجون يدركون يهود اليديشية من خلال مقولات معاداة اليهود، ومن هنا قاموا بصك مصطلحات عنصرية مثل «كايك وشيني» . ويبدو أن الظاهرة تتبدَّى بشكل متطرف أحياناً، فهناك نظرية تذهب إلى أن فيلهلم مار الذي صك مصطلح «معاداة السامية» ( «أنتي سيميتزم» ) من أصل يهودي، بل يُقال إن هتلر نفسه كان طفلاً غير شرعي لأب يهودي. ومن المؤكد أنه كانت تجري في عروق أيخمان دماء يهودية. ويمكن القول بأن الصهيونية تعبير مركب عن الظاهرة نفسها، فهي تَصدُر عن رفض يهود المنفى، أي يهود العالم كافة حتى تاريخ قريب. كما أن الصهيونية تطالب بتصفية الجماعات اليهودية خارج فلسطين. وهي تقبل أيضاً المقولات الأساسية لمعاداة اليهود وأنماطها الإدراكية لليهود واليهودية. وتستند الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة إلى رؤية تنم عن عدم احترام لأعضاء الجماعات اليهودية. ويُلاحَظ أن الأجيال الجديدة في إسرائيل لا تكن احتراماً كبيراً لنمط «اليهودي» (أي يهودي المنفى) ويرى أعضاء هذه الأجيال أنفسهم باعتبارهم عبرانيين أو إسرائيليين، وربما كان هذا تعبيراً آخر عن معاداة اليهود لليهود. كُره اليهودي لنفسه Jewish Self-Hate «كُره اليهودي لنفسه» مصطلح يُستخدَم لوصف اليهودي الذي يكره نفسه من حيث هو يهودي، ويود لو أنه كان من «الأغيار» . وهذه ظاهرة شائعة بين بعض أعضاء الأقليات والمقهورين، فيتمنى الأسود لو كان من البيض، ويتمنى العربي لو كان غربياً، وهو شكل من أشكال التوحد مع المعتدي. ويعتقد اليهودي الذي يكره نفسه، شأنه في هذا شأن الصهاينة وأعداء اليهود، بوجود جوهر يهودي ثابت لا علاقة له بالملابسات التاريخية والاجتماعية، وبوجود صفات يهودية ثابتة وخصوصية يهودية لا تتغيَّر، الأمر الذي يعوقه عن الاندماج الكامل في عالم الأغيار. وهو يصب جام غضبه على اليهود الذين تتجلى فيهم هذه الصفات اليهودية الافتراضية، معتقداً أن صفاته اليهودية هي سبب شقائه، وأن اليهود مسئولون عما يحدث لهم وله. ويبدو أن الظاهرة تفاقمت في أوربا بين اليهود مع حركة الإعتاق والتنوير، حين ضعف الانتماء الديني لليهود فوجدوا أنفسهم في عالم أوربا العلماني الجميل الرائع الذي اكتسحهم تماماً، وصبوا جام غضبهم على الجيتو وعلى أهلهم وأنفسهم. ولكن أول من صاغ المصطلح هو تيودور لسنج في كتابه كُره اليهودي لنفسه (برلين 1930) . ويتبدَّى كُره اليهودي لنفسه في عدة أشكال، منها محاولة إخفاء الأصول. ويحرص بعض اليهود الكارهين ليهوديتهم على عدم الإنجاب كليةً حتى لا يزيد عدد اليهود، بل إن بعضهم يضع حداً لحياته بالانتحار. وقد يكون التنصُّر للحصول على تأشيرة دخول إلى الحضارة الغربية (على حد قول هايني) تعبيراً عن الظاهرة نفسها. وقد يأخذ كُره اليهودي لنفسه شكل إعداد المشاريع المختلفة لإبادة اليهود والتخلص منهم كما لو كانوا حشرات طفيلية ضارة. ومن المعروف أن كثيراً من اليهود اشتركوا مع النازي في عملية الإبادة والإعداد لها، ومن أشهرهم ألفريد نوسيج الذي أعد للجستابو خطة لإبادة اليهود والذي اكتشف أمره يهود جيتو وارسو فألقوا القبض عليه وأعدموه. ويمكن أن يأخذ كُره اليهودي لنفسه شكلاً جماعياً، فيكن يهود ألمانيا البغضاء والاحتقار ليهود اليديشية من شرق أوربا، ويرفض اليهود الأرثوذكس اليهود الإصلاحيين والمحافظين بل يكفرونهم، ويُعبِّر اليهود الإشكناز عن كُرههم للسفارد والشرقيين. ومن أهم أشكال كُره اليهود وأكثرها تركيباً ظاهرة اليهودي الذي يحقق النجاح في عالم الأغيار حسب شروطهم ثم يعود إلى جماعته اليهودية متسلحاً بشرعيته الجديدة وكفاءاته ويتولى قيادة جماعته اليهودية بدلاً من القيادة التقليدية ويبدأ في دمجها في المجتمع وفي تخليصها من سماتها اليهودية المفترضة كافة. ويُستخدم المصطلح في الأدبيات الصهيونية للإشارة إلى اليهودي الذي يأخذ موقفاً معادياً للصهيونية، وذلك من قبيل إرهابهم أو تهميشهم. وتطرح الصهيونية نفسها باعتبارها العقيدة التي حررت اليهود من كُرههم لأنفسهم وزادت احترام الشعوب لهم، وزادت، من ثم، احترامهم لأنفسهم. ولكن الدارس المدقق سيكتشف أن الصهيونية إنما هي تعبير عن كُره اليهودي لذاته: 1 ـ فالصهيونية تَصدُر عن نقد عميق لما يُسمَّى «الشخصية اليهودية التقليدية» ، فهي تحاول إصلاحها وتخليصها مما يتصوره الصهاينة هامشيتها وخضوعها بل تحاول تطبيعها، بحيث يصبح اليهود مثل الأغيار وبحيث تصبح الدولة الصهيونية دولة مثل كل الدول. 2 ـ كان واضعا الأطروحات الصهيونية الأولى (هرتزل ونوردو) ، وهما من اليهود الألمان المندمجين، يفكران في الصيغة الصهيونية خوفاً من توافد يهود اليديشية لا حباً فيهم، وكانت الصهيونية منذ البداية صهيونية توطينية بالنسبة ليهود الغرب المندمجين واستيطانية بالنسبة ليهود شرق أوربا الذين سيُصدَّرون إلى خارج أوربا حتى يتم التخلص منهم، وحتى يحافظ يهود الغرب على مواقعهم الطبقية ومكانتهم الاجتماعية. 3 ـ لم يحقق المشروع الصهيوني النجاح إلا بعد أن ظهرت قيادات صهيونية مندمجة تسلمت قيادة الجماعات اليهودية وحلَّت محل القيادات الحاخامية التقليدية و «باعت» المشروع الصهيوني للحضارة الغربية. ولم تنجح هذه القيادة في فرض نفسها إلا بعد أن وافقت عليها السلطات الاستعمارية الغربية، أي أنها قيادة شبه يهودية تستند إلى شرعية غير يهودية! 4 ـ المشروع الصهيوني هو في جوهره مشروع لمساعدة أوربا على التخلص من فائضها اليهودي. وتوجد في الكتابات الصهيونية العديد من الإشارات إلى اليهود باعتبارهم باكتريا وحيوانات طفيلية. ويتم التخلص من اليهود بالطريقة البلفورية في معظم الأحيان، أي عن طريق شحن اليهود إلى فلسطين بدلاً من معسكرات الاعتقال والغاز. ولكن ثمة حالات تعاون فيها الصهاينة في التخلص من اليهود على الطريقة النازية، ومن هؤلاء رودولف كاستنر، وكذلك ألفريد نوسيج الذي سبقت الإشارة إليه، وهو من مؤسسي الحركة الصهيونية. ومن ثم، يمكن اعتبار الحركة الصهيونية تعبيراً عن كُره اليهودي لنفسه لا تقبلاً للهويات اليهودية المختلفة. لكن هذا المفهوم، مثل معظم المفاهيم النفسية التي تُستخدَم لتفسير ظواهر اجتماعية، ليست له مقدرة تفسيرية عالية، فكُره اليهودي لنفسه ليس سبباً وإنما هو تعبير عن عوامل حضارية واجتماعية أكثر عمقاً. ويُستخدَم المصطلح الآن للإشارة لأي فنان أو مفكر يهودي يوجه نقداً لأعضاء الجماعة اليهودية، ومن ثم يُشار إلى وودي ألين وفيليب روث باعتبار أنهما يعانيان من مرض كُره اليهودي لنفسه. أوتّو فينينجر (1880-1933) Otto Weininger فيلسوف وعالم نفس نمساوي وُلد في فيينا. ودرس علم النفس وعلوم الأحياء والطبيعة والرياضة، إلى جانب دراسته الفلسفة في جامعة فيينا. وتبنَّى في بداية حياته الفلسفة الوضعية والمذهب العقلي، إلا أنه تخلى عنهما متأثراً بمثالية كانط وأفلاطون وصوفية سانت أوغسطين وفاجنر، كما تأثر بفيلسوف العنصرية هيوستون تشامبرلين. وقد ساعد ذلك على اعتناقه المسيحية البروتستانتية، وذلك في اليوم نفسه الذي نال فيه درجة الدكتوراه عام 1902. وفي عام 1903، كتب فينينجر عمله الكبير الجنس والشخصية الذي تضمن رؤية فلسفية معادية للمرأة ولليهود. وتتلخص نظريته في أن هناك علاقة أساسية بين الجنس والشخصية. فقد اعتبر أن الرجل يضم العناصر الإيجابية والأخلاقية والروحية والفكرية القادرة على الخلق والإبداع، أما المرأة فتضم العناصر الإدراكية (المادية والحسية واللا أخلاقية) وهي غير قادرة على أية فضيلة أو إبداع. واعتبر أن مأساة البشر تكمن في أنهم يجمعون بين عناصر الذكورة الطيبة والعناصر الأنثوية الشريرة. كما رأى أن علاقة الرجل بالمرأة تؤدي إلى تدهوره وإذلاله، واعتبر أن التحرر الحقيقي للمرأة لا يكمن في التحرر السياسي بل في تخليها عن ذلك الجانب من طبيعتها الذي تسيطر عليه الرغبات الحسية، وبالتالي اعتبر أن الامتناع الجنسي هو السبيل الوحيد للنمو الروحي للرجل ولتحرُّر المرأة. وفي تناوله لليهودية ولليهود، اعتبر فينينجر أن اليهودية تمثل العنصر الأنثوي اللاأخلاقي وغير المقدَّس وهي أيضاً العدم، في حين أن المسيحية تمثل الذكورة الأسمى وهي الوجود وهي العنصر الآري. واعتبر فينينجر أن اليهودي أسوأ من المرأة لأنه لا يؤمن بشيء، وبالتالي فإنه ينجذب نحو الفكر الشيوعي والفوضوي والإلحادي والتجريبي. كما رأى أن خلاص اليهودي لا يأتي إلا من خلال تخلصه من يهوديته، ورأى أن الصهيونية أو القومية اليهودية هي نقيض العقيدة اليهودية، إلا أنها لن يُكتَب لها النجاح لأن اليهود لا يدركون مفهوم الأمة. وقد أعلن فينينجر أن هناك المخلِّص الحقيقي الذي سيخلص العالم من اليهودية والأنوثة معاً (هل هو هتلر؟) . وقد جمعت نظرية فينينجر عناصر من الرومانسية ومن فكر نيتشه ومن علم النفس وعلم الأحياء الحديث، ويجب فهم عمله في إطار الجدل الذي كان سائداً في عصره حول طبيعة الرجل والمرأة. غير أن فينينجر اتجه إلى استخلاص استنتاجات نهائية وعامة من خلال تجاربه الذاتية الخاصة والمحدودة. وقد اتجه كثير من مفكري النازية إلى الإشارة إلى أفكاره المعادية لليهود واليهودية كتبرير لآرائهم، ووصفه هتلر بأنه اليهودي الوحيد الذي يستحق الحياة. وكان الفيلسوف اشبنجلر يعتبره أهم ثلاثة قديسين انتجتهم اليهودية (مع إسبينوزا وبعل شيم طوف) . وقد أُصيب فينينجر باكتئاب شديد، دفعه في نهاية الأمر إلى الانتحار بعد بضعة أشهر من إصدار كتابه. وقد طُبع كتابه ثلاثين طبعة وتُرجم إلى عدد كبير من اللغات الأوربية (وهو ما يبيِّن مدى هيمنة الفكر النيتشوي والعرْقي على الوجدان الغربي) . كما نُشر لفينينجر كتاب بعد موته بعنوان عن الأشياء الأخيرة (1918) . وقد كتب الكاتب المسرحي يوهو شاوا سوبول مسرحية عن حياته بعنوان روح يهودي. ويُعتبَر فينينجر في الأدبيات اليهودية ظاهرة مرضية ومثالاً لليهودي الكاره لنفسه، ويُعتبَر انتحاره النتيجة الطبيعية لهذه الكراهية. آرثر تريبتش (1880-1927 ( Arthur Trebitsch كاتب نمساوي يهودي. تلميذ أوتو فينينجر وهيوستون تشامبرلين. تنصَّر وأصبح من أعدى أعداء اليهود. كتب كتاباً بعنوان الروح واليهودية (1919) ألقى فيه اللوم على اليهود لهزيمة الألمان وسقوط الأسرة الحاكمة في ألمانيا والنمسا. وفي كتابه الروح الألمانية واليهودية (1921) ، استخدم تريبتش بروتوكولات حكماء صهيون ليثبت وجود مؤامرة يهودية لإفساد العالم والهيمنة عليه. وطوَّر تريبتش النظرية العرْقية الغربية المعادية لليهود وعرض خدماته على النازيين في النمسا. تيودور لسنج (1872 – 1933) Theoder Lessing مفكر ألماني. ابن طبيب ثري درس التاريخ والفلسفة والطب في بون وميونيخ وتنصَّر (على المذهب البروتستانتي) حينما كان يدرس في فرايبورج (وكان هذا أمراً شائعاً بين أعضاء الجماعة اليهودية في ألمانيا آنذاك) . كتب عدة دراسات عن تاريخ الأفكار من ضمنها شوبنهاور وفاجنر ونيتشه وانحطاط العالم: أوربا وآسيا. كان لسنج مهتماً بدراسة ما يُسمَّى «مبادئ الشخصية القومية» ، وهي دراسة كانت مشبعة آنذاك (في ألمانيا وأوربا على وجه العموم) بالقيم المادية العنصرية التي تحاول تعريف الشخصية بالعودة لبعض مكوناتها المادية (حجم الجمجمة - التراب والدم ... إلخ) . وكانت مثل هذه الدراسات تقسم البشر بشكل صارم وحاد إلى أقسام منفصلة فمنهم الأدنى ومنهم الأعلى. وهذا هو الإطار الفلسفي لفكرة الشعب العضوي (فولك) . وقد هاجم لسنج فرويد باعتباره يهودياً، وهاجم التحليل النفسي باعتباره علماً يهودياً منحلاً، كما هاجم الحياة في الشتتل في سلسلة من المقالات. قدَّم لسنج في كتابه كُره اليهودي لنفسه دراسة طبية لليهود الذين يتسمون بكُرههم لذواتهم. واليهود (حسب تصوُّر لسنج) هو شعب آسيوي لا ينتمي إلى أوربا، جذوره في آسيا (فلسطين) . وتعود قوة اليهود إلى قربهم من الطبيعة والجذور الطبيعية الأولية الكونية (أي أنه تبنَّى رؤية حلولية كمونية تتسم بالواحدية الكونية المادية) . وتكمن مأساة اليهود في أنهم نُزعوا من جذورهم وانفصلوا عن غرائزهم الطبيعية المرتبطة بالأرض بحيث تحوَّل اليهود من كونهم شعباً من الرعاة والفلاحين يعيش في الطبيعة إلى شعب منحل يتسم بالرومانسية الزائدة (يؤمن بأخلاق الضعفاء بدلاً من أخلاق الأقوياء على حد قول نيتشه) . وقد وجد لسنج أن ثمة أقلية من اليهود (المستوطنين الصهاينة) بدأت تعود لتربة فلسطين وأنهم هم الذين يمكنهم أن يبعثوا أمجاد اليهود الغابرة ويمكنهم أن يلعبوا دور الوسيط بين آسيا الروحية وأوربا التكنولوجية. وفكر لسنج في جوهره فكر نازي/صهيوني يُعبِّر بشكل متبلور عن الرفض الكامل والجذري لكل ما هو يهودي. ومع هذا، هاجمه المعادون لليهود بضراوة، وهو ما يدل على غبائهم واختزاليتهم. وقد أُغتيل لسنج على يد النازيين. العداء العربي لليهود واليهودية Arab Anti-Semitism تحاول الأدبيات الصهيونية في الآونة الأخيرة أن تبيِّن أن ظاهرة العداء لليهود واليهودية ظاهرة متأصلة في المجتمعات العربية وفي التراث الإسلامي وفي الحضارة الإسلامية. وهذه المحاولة جزء من المحاولة الصهيونية المستمرة لتشويه صورة العرب والمسلمين. إلا أنها تعبِّر أيضاً عن رغبة الصهاينة الدفينة في تناسي تاريخ الجماعات اليهودية في الغرب، وتراث العداء لليهود واليهودية الثري الطويل الممتد، الذي انتهى بطردهم وإعادة توطينهم في فلسطين في إطار المشروع الصهيوني. وقضية عداء العرب لليهود واليهودية (عداء العرب للسامية) مسألة مركبة متعددة الأبعاد، تختلف عن معاداة اليهود واليهودية في الغرب. فتاريخياً تحوَّلت أعداد من أعضاء الجماعات اليهودية في العالم الإسلامي إلى جماعات وظيفية، ولكنهم لم يكونوا الأقلية الوحيدة التي تضطلع بهذا الدور. فالعالم الإسلامي، على عكس الغرب المسيحي، يضم جماعات دينية وإثنية كثيرة. كما أن النشاط التجاري، والنشاطات المالية والوسيطة على وجه العموم، لم تكن مقصورة على أعضاء الجماعات اليهودية دون غيرهم. ورغم أن اليهود (وبني إسرائيل) أتى ذكرهم في القرآن عشرات المرات وتحت مسميات مختلفة في سياقات معظمها سلبي، إلا أن رؤية الخلاص الإسلامية لم تعط اليهود أية مركزية خاصة، ولذا لم يكن اليهود يمثلون إشكالية خاصة بالنسبة للفقه الإسلامي. وقد ظهرت بعض الأعمال الأدبية والفكرية داخل التشكيل الحضاري العربي والإسلامي تحاول اختزال أعضاء الجماعات اليهودية من خلال صور إدراكية نمطية سلبية، إلا أن اليهود لم يحتلوا أي مركزية خاصة في الوجدان الأدبي والثقافي العربي والإسلامي. وقد استقر وضع أعضاء الجماعات اليهودية داخل الحضارة العربية والإسلامية في إطار مفهوم أهل الذمة الذي حدد حقوقهم وواجباتهم. ومن ثم فلم يعرفوا المذابح أو عمليات الطرد المتكررة التي تسم علاقتهم بالحضارة الغربية في بعض الفترات. هذا لا يعني أن تجربة يهود العالم الإسلامي مع المجتمعات الإسلامية التي ينتمون إليها كانت خالية من التدافع أو الصراع والظلم (الذي يتنافى مع تعاليم الإسلام ومفهوم أهل الذمة) وأنها كانت عصراً ذهبياً ممتداً، فهذا ليس من طبائع البشر ولا من طبيعة المجتمعات البشرية. كل ما نود تأكيده أن أعضاء الجماعات اليهودية تمتعوا بقدر معقول من الاستقرار والطمأنينة، الأمر الذي أدَّى إلى اندماجهم في مجتمعاتهم. ولكن الوضع تغيَّر بشكل حاد في العصر الحديث، فيُلاحَظ انشغال عربي وإسلامي كبير بالشأن اليهودي (وإن كان يُلاحَظ أن الأعمال الأدبية العربية، بما في ذلك الفلسطينية، لا تكترث بأعضاء الجماعات اليهودية) . وبدأت تظهر أدبيات كثيرة كتبها عرب ومسلمون تدور في إطار مفاهيم ومقولات عنصرية (معظمها مستورد من العالم الغربي) . ومن بين هذه المقولات أن اليهود مسئولون عن كل أشرار العالم، كما هو مدوَّن في بروتوكولات حكماء صهيون (الذي يقرأه الكثيرون) ، وفي التلمود (الذي لم يقرأه أحد) . وبدأ الحديث عن المؤامرة التي يحيكها اليهود ضد المسلمين والعرب، وارتبط اليهود بالشيطان وبالصور الإدراكية النمطية الاختزالية السلبية في عقل كثير من العرب والمسلمين. وبدأت تظهر في الصحف والمجلات وعلى أغلفة الكتب صورة اليهودي ذي الأنف المعقوف الذي تقطر أظافره دماً والذي يمتص دماء الآخرين وأموالهم. بل بدأت تظهر تهمة الدم في أرجاء متفرقة، وهو أمر لم يكن معروفاً في العالم الإسلامي من قبل. وتُرجمت البروتوكولات التي يعتقد البعض أنها من كتب اليهود المقدَّسة، كما نُشرت مقتطفات متفرقة من التلمود. بل بدأ بعض المسلمين يرون أن «اليهودية» صفة بيولوجية تورَّث، أي أن اليهودي - حسب هذه الرؤية - هو من وُلد لأم يهودية، وهو تعريف قد يتفق مع العقيدة اليهودية ولكنه لا يتفق ألبتة مع العقيدة الإسلامية التي لا تنظر للدين باعتباره أمراً يورَّث، وإنما هو رؤية يؤمن بها من شاء. ومن المفارقات التي تستحق التسجيل أنه كلما ازداد الرعب من إسرائيل و"اليهود" كلما ازدادت صورة اليهودي سوءاً، وكلما ازداد النموذج التفسيري التآمري الذي ينسب لليهود قوى عجائبية انتشاراً، وهو نموذج يصوِّر اليهود باعتبارهم قوة أخطبوطية لا تُقهَر، فهم يمسكون بكل الخيوط ويُحركون كل القوى (الرأسمالية والاشتراكية) حتى ينفذوا مخططهم اليهودي الجهنمي المستقل، وما اللوبي الصهيوني سوى تعبير جزئي عن مخطط صهيوني أشمل. وهذه النظرة العنصرية الاختزالية تشكل فشلاً أخلاقياً، فهي لا تحاول أن تميز بين الخبيث والطيب، وتضع اليهود، كل اليهود، في سلة واحدة بمن في ذلك على سبيل المثال أعضاء جماعة الناطوري كارتا الذين يقضون معظم أيامهم في الحرب ضد الصهيونية، بمثابرة وإخلاص ودأب نفتقدهم في كثير من العرب هذه الأيام! والرؤية العنصرية حتمية ترى أن من وُلد يهودياً لابد أن يسلك حسب نمط معيَّن وكأن الإله لم يمنحه فطرة سليمة ومقدرة على تمييز الخير من الشر. والنظرة العنصرية الاختزالية، تشكل كذلك فشلاً معرفياً لأن الخريطة الإدراكية التي ستفرزها مثل هذه الرؤية ستكون عامة رمادية كالحة سطحية واحدية لا تساعد كثيراً في فَهْم الواقع. فهي على سبيل المثال لن تساعدنا كثيراً في معرفة توجُّهات أعضاء الجماعات اليهودية المختلفة بكل نتوئها وتموجاتها. فنحن في حاجة لأن نعرف منْ منهم يساند الصهيونية ومنْ يعارضها، ومنْ منهم يجاهر بمناصرتها علناً ويبذل قصارى جهده في التملص منها، ومنْ منهم ناصرها في الماضي، وتنكَّر لها في الحاضر، ومنْ منهم تنكَّر لها في الماضي وبدأ يناصرها في الحاضر، ومنْ منهم توجد لديه إمكانية كامنة لقبولها أو رَفْضها أو التملص منها، ومنْ منهم تجب محاربته ومنْ منهم يمكن تجنيده ومنْ منهم يمكن تحييده، فالرؤية التآمرية العرْقية ترى أن كل يهودي صهيوني وكل صهيوني يهودي، وهي بهذا تتبنَّى الرؤية الصهيونية لليهود، التي تضع اليهود، كل اليهود، في سلة واحدة، هي سلة الشعب اليهودي. والرؤية العنصرية في نهاية الأمر لها مردود سلبي من الناحية النفسية، فهي تنسب لليهود قوة هائلة، الأمر الذي يُولِّد الرعب في نفوس العرب (ولنتخيل صانع القرار العربي الذي يعتقد أن "اليهود" قادرين على كل شيء وأنهم ممسكون بكل الخيوط!) . ومن المفارقات التي تستحق التسجيل أن هذه الرؤية العنصرية تُترجم نفسها إلى كُره أعمى يُطالب بملاحقة اليهود والانتقام منهم وطردهم من أوطانهم والتضييق عليهم. وما ينساه حملة مثل هؤلاء الرؤية أن المواطن اليهودي الذي يتم التضييق عليه وطرده من وطنه يضطر للهجرة إلى فلسطين ليصبح مستوطناً صهيونياً يحمل السلاح ضدنا، فكأن العداء العربي لليهود له مردود صهيوني. ومن المعروف أن الحركة الصهيونية قامت بالتضييق على يهود العراق وخلقت وضعاً صهيونياً بنيوياً اضطرهم للاستيطان في فلسطين. ويحاول بعض المتحدثين العرب رد تهمة العنصرية باللجوء لاعتذاريات أقل ما توصف به أنها مضحكة، وجميعها له طابع قانوني وكأننا نقدِّم مرافعة قانونية شكلية، ليس لها سند في الواقع المتعيِّن. فمثلاً هناك من يقول: "كيف يمكن أن نكون لا ساميين ونحن أنفسنا ساميون؟ " وهي حجة واهية مردود عليها، فالإجابة على هذا السؤال البلاغي الأحمق هي بالإيجاب: "نعم يمكن أن يكون الإنسان سامياً ومعادياً للسامية"، وهناك شواهد كثيرة على ذلك. فيمكن أن يكون الإنسان عربياً ومعادياً للعرب، وظاهرة العداء اليهودي لليهود واليهودية ظاهرة معروفة للدارسين. وهناك حجة أخرى لا تقل تهافتاً عنها وهي أننا لا يمكننا أن نكون "معادين للسامية" لأن اليهود ليسوا ساميين فهم من نسل قبائل الخزر التي تهوَّدت، والخزر عنصر تركي غير سامي. والرد على هذا أن عبارة «العداء للسامية» تعني في واقع الأمر «العداء لليهود واليهودية» ، فسواء كان اليهود ساميين أم لا، تظل القضية مطروحة. وهناك بطبيعة الحال من يشيرون إلى عصر اليهود الذهبي في الحضارة الإسلامية خصوصاً في الأندلس ويستنتجون من هذا العداء أننا بالتالي لسنا معادين لليهود واليهودية باعتبار أنه إذا كان الماضي كذلك، فلابد أن يكون الحاضر كذلك. وهذه مغالطة، فلا يوجد استمرار عضوي بين الحاضر والماضي، ويمكن أن يكون إنسان عنصرياً في مرحلة من حياته ويتخلى عن عنصريته في مرحلة لاحقة، والعكس بالعكس. ويسري هذا على تواريخ كل الشعوب. ومما يجدر ذكره أن كل مراكز البحوث العلمية في العالم العربي والمجلات العلمية المسئولة لا تسقط، إلا فيما ندر وبدون وعي، في هذا الخطاب العنصري، فمعظم هذه المراكز تتناول الشأن اليهودي وظاهرة الصهيونية بطريقة علمية، تحاول تفسيرها وفهمها ولا تختبئ، بطريقة جنينية اختزالية طفولية، وراء منطق المؤامرة. ورغم رفضنا المبدئي للخطاب الاختزالي الواحدي العنصري، ورغم إدراكنا لسلبياته من الناحية الأخلاقية والمعرفية والنفسية، إلا أننا يجب أن نفهم سر ذيوعه وانتشاره وهيمنته على بعض الكُتَّاب الشعبيين (في الصحف والمجلات) وبعض أعضاء النخب العربية السياسية والثقافية. 1 - حينما ظهر «اليهودي» في العصر الحديث على شاشة الوعي العربي والإسلامي فقد ظهر داخل التشكيل الإمبريالي الغربي، وجاء إلى بلادنا ممثلاً له حاملاً لواءه وعميلاً له. وقد قامت هذه الإمبريالية بغرسه غرساً وسطنا داخل إطار الدولة الوظيفية ليقوم على خدمة مصالحها بعد أن اقتطعت جزءاً من الوطن العربي الإسلامي، يقع في وسطه تماماً ومن ثم يقسمه قسمين، وهي منطقة لها دلالة دينية خاصة، إذ تضم القدس والمسجد الأقصى. 2 - قامت الإمبريالية الغربية بتحويل يهود البلاد العربية إلى عنصر وظيفي استيطاني يدين لها بالولاء. وشهدت الجماهير العربية أعضاء الجماعات اليهودية وهم ينسلخون تدريجياً عن التشكيل الحضاري العربي والإسلامي. فعلى سبيل المثال أصبح كل يهود الجزائر مواطنين فرنسيين، واستفاد يهود مصر من الامتيازات الأجنبية وحصلت نسبة مئوية كبيرة منهم على الجنسيات الأجنبية. وقد دعَّم هذا من صورة اليهودي كأجنبي وغريب ومغتصب ومتآمر وعميل، شخص لا انتماء له يبحث عن مصلحته اليهودية. 3 - من المُلاحَظ أن أعضاء الجماعات اليهودية في العالم العربي يوجدون بشكل ملحوظ في الحركات الشيوعية العربية (شأنهم في هذا شأن أعضاء الأقليات في كثير من المجتمعات) . كما لوحظ أن عدداً كبيراً من الرأسماليين ممن راكموا ثروات ضخمة هم أيضاً من أعضاء الجماعات اليهودية. ولعل وجود أعضاد الجماعات اليهودية في كل من الحركات الشيوعية والطبقة الرأسمالية قد دعَّم صورة اليهودي اللا منتمي أو المنتمي لمصالحه اليهودية، ودعَّم فكرة المؤامرة اليهودية. 4 - من الأمور التي رسَّخت فكرة المؤامرة والهيمنة اليهودية على العالم في الوجدان العربي، الدعم الغربي للتجمُّع الصهيوني بغير تحفُّظ أو شروط أو حدود أو قيود. وهو دعم سياسي واقتصادي وعسكري. وكثير من العرب يفترضون أن العالم الغربي عالم عقلاني، تُتخذ فيه القرارات بشكل رشيد يخدم مصالح الدولة، وأنه عالم ديموقراطي تنتشر فيه مُثُل العدل والمساواة وحقوق الإنسان، ولذا حين يقوم الغرب العلماني العقلاني الديموقراطي بتأييد ودعم مشروع غير عقلاني، غير ديموقراطي يستند إلى ديباجات دينية وعلمانية موغلة في الشوفينية ويتسم بضيق الأفق وينكر على الفلسطينيين أبسط حقوقهم، فإن هذا أمر غير مفهوم ولا يمكن تفسيره بطريقة عقلانية. واهتمام الغرب المحموم بالإبادة النازية لليهود (التي مضى عليها ما يزيد عن خمسين عاماً) والإصرار على الاستمرار في تعويض الضحايا وتقديم الاعتذار لهم والتعبير عن الندم عما بَدَر من الألمان وغيرهم قد يكون أمراً محموداً في حد ذاته (فهو في نهاية الأمر تعويض لفئة من ضحايا الحضارة الغربية) إلا أن هذه الظاهرة المحمودة في حد ذاتها تثير الشك حين يلاحظ المواطن العربي والمسلم أن سلسلة كاملة من المذابح قد ارتكبت منذ الخمسينيات حتى منتصف التسعينيات (الجزائر - فيتنام - البوسنة - الشيشان) معظمها في العالم الإسلامي وتم التزام الصمت تجاهها ولم يتحدث أحد عن تعويض أو اعتذار أو توبة أو ندم! هذا في الوقت الذي تستمر الآلة الإعلامية الغربية في التركيز على الهولوكوست دون غيرها. كما أن الزعم الغربي بأن فلسطين في الشرق العربي قُدِّمت لليهود تعويضاً لهم عما حدث لهم في ألمانيا في العالم الغربي، هو أمر يصعُب فهمه. كل هذه الظواهر تثير التساؤلات في نفوس الناس، وبما أنهم لا وقت عندهم للبحث والاستقصاء، لذا تظهر الإجابات الاختزالية السهلة، وصيغة المؤامرة اليهودية صيغة تملك مقدرة هائلة على سد الهوة التي تفصل عقلانية الرؤية الغربية عن لاعقلانية الممارسة الغربية. وما لم يخطر ببال هؤلاء أن عقلانية الغرب ودفاعه عن حقوق الإنسان ليسا مطلقين وأنهما لا ينصرفان لحقوق الإنسان العربي أو المسلم على سبيل المثال. وأن العقلانية تدور في إطار المصالح الإستراتيجية الغربية، التي تم تحديدها بطريقة ليست بالضرورة عقلانية وإنما من خلال مقولات قَبْلية متمركزة حول الغرب، معظمها عنصري. 5 ـ قامت الدولة الصهيونية باعتبارها تعبيراً عن مشروع استيطاني إحلالي عليه أن يلجأ إلى الحد الأقصى من العنف ليتخلص من السكان الأصليين، بما في ذلك الإبادة والطرد والعزل. وقد سمت هذه الدولة نفسها «الدولة اليهودية» فربطت بين اليهودي والعنف والإرهاب. والأسوأ من هذا أن هذه الدولة ادَّعت أنها تتحدث باسم كل يهود العالم أينما كانوا، ومن ثم فهي تتحدث باسم يهود البلاد العربية، بل تطالب بالتعويضات باسمهم، فكأن الدولة الصهيونية تنكر أن أعضاء الجماعات اليهودية مواطنين في بلادهم، وتدعم الصورة الإدراكية العرْقية أن اليهودي لا انتماء له وأنه يدافع عن مصالحه اليهودية وحسب. هذه هي بعض الأسباب التي أدَّت إلى هيمنة الرؤية التآمرية على إدراكنا لليهود في العالم العربي وإلى ذيوع البروتوكولات وغير ذلك من كتابات عنصرية تهدف إلى تفسير الواقع بشكل سريع سهل وإلى تفريغ شحنة الغضب عند كثير من العرب. ولكن تفريغ الشحنة هنا بهذه الطريقة له جوانبه السلبية العديدة، والمطلوب هو أن نفهم أسباب الغضب ونحاول استثماره في إطار مشروع نضالي إنساني يهدف إلى تصفية الجيب الاستيطاني الصهيوني ولا يسقط في العنصرية العمياء. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
الإبادة النازية ليهود أوربا: مشكلة المصطلح
Nazi Extermination of Western Jewry: The Problem of Terminology يُستخدَم مصطلح «الإبادة» في العصر الحديث ليدل على محاولة القضاء على أقلية أو طائفة أو شعب قضاء كاملاً. ويُطلَق مصطلح «إبادة اليهود» (بالإنجليزية: إكستيرمينيشن أوف ذا جوز extermination of the Jews) في الخطاب السياسي الغربي على محاولة النازيين التخلص أساساً من أعضاء الجماعات اليهودية في ألمانيا وفي البلاد الأوربية (التي وقعت في دائرة نفوذ الألمان) عن طريق تصفيتهم جسدياً (من خلال أفران الغاز) . وتُستخدَم أيضاً كلمة «جينوسايد» genocide وهي من مقطعين «جينو» من الكلمة اللاتينية «جيناس» genus» بمعنى «نوع» و «كايديس» caedes بمعنى «مذبحة» . وتُستخدَم أيضاً عبارة «الحل النهائي» للإشارة إلى «المخطط الذي وضعه النازيون لحل المسألة اليهودية بشكل جذري ونهائي ومنهجي وشامل عن طريق إبادة اليهود، أي تصفيتهم جسدياً» . ويُشار إلى الإبادة في معظم الأحيان بكلمة «هولوكوست» وهي كلمة يونانية تعني «حرق القربان بالكامل» (وتُترجم إلى العبرية بكلمة «شواه» ، وتُترجم إلى العربية أحياناً بكلمة «المحرقة» ) . وكانت كلمة «هولوكوست» في الأصل مصطلحاً دينياً يهودياً يشير إلى القربان الذي يُضحَّى به للرب، فلا يُشوى فقط بل يُحرق حرقاً كاملاً غير منقوص على المذبح، ولا يُترك أي جزء منه لمن قدَّم القربان أو للكهنة الذين كانوا يتعيشون على القرابين المقدمة للرب. ولذلك، كان الهولوكوست يُعّدُّ من أكثر الطقوس قداسة، وكان يُقدَّم تكفيراً عن جريمة الكبرياء. ومن ناحية أخرى، كان الهولوكوست هو القربان الوحيد الذي يمكن للأغيار أن يُقدِّموه. ومن العسير معرفة سر اختيار هذا المصطلح، ولكن يمكننا أن نقول إن المقصود عموماً هو تشبيه «الشعب اليهودي» بالقربان المحروق أو المشوي وأنه حُرق لأنه أكثر الشعوب قداسة. كما أن النازيين، باعتبارهم من الأغيار، يحق لهم القيام بهذا الطقس. أو ربما وقع الاختيار على هذا المصطلح ليعني أن يهود غرب أوربا أُحرقوا كقربان الهولوكوست في عملية الإبادة النازية ولم يبق منهم شيء، فهي إبادة كاملة بالمعنى الحرفي. ولكن حينما تستخدم الجماعات المسيحية الأصولية (الحرفية) في الولايات المتحدة كلمة «هولوكوست» فهي تركز على جريمة الكبرياء، إذ ترى أن الإبادة عقاب عادل حاق باليهود بسبب صلفهم وغرورهم وكبريائهم. ويُشار إلى الإبادة أحياناً بأنها «حُربان» وهي كلمة عبرية تُستخدَم للإشارة إلى «هدم الهيكل» ، فكأن الشعب اليهودي هنا هو الهيكل، أو البيت الذي يحل فيه الإله، والإبادة هي تهديم بيت الإله. وهذه الكلمة تُدخل حادثة الإبادة التاريخ اليهودي المقدَّس. وفي الوقت الراهن، تُستخدَم كلمة «هولوكوست» في اللغات الأوربية للإشارة إلى أية كارثة عظمى. فيشير الصهاينة، على سبيل المثال، إلى «الزواج المختلط» بين اليهود بأنه «الهولوكوست الصامت» (بالإنجليزية: سايلانت هولوكوست silent Holocaust) . وحينما يُصعِّد العرب من مقاومتهم للمستوطنين الصهاينة فإنهم ـ حسب المصطلح الصهيوني ـ يهددونهم بالهولوكوست. واستخدمت إحدى الصحف هذا المصطلح للإشارة إلى إحدى صفقات أسلحة الميراج بين ليبيا وفرنسا. كما استخدم أحد المتحدثين الصهاينة كلمة «هولوكوستي» وهي اسم صفة مشتق من هولوكوست فأشار إلى أحد الأفلام بأنه ليس «هولوكوستيHolocausty» بما فيه الكفاية. وهذا الاستخدام المستمر والممجوج للمصطلح يؤدي إلى نتائج كوميدية أحياناً. إذ تساءل أحد دعاة حماية البيئة في نبرة جادة قائلاً: «كيف يمكن أن نستنكر الهولوكوست ضد اليهود، ونحن نذبح ستة مليون دجاجة يومياً؟» ، أي أنه ساوى بذلك بين الطبيعي والإنساني، وبين الدجاجة واليهودي، ودفع بالنموذج العلماني الشامل إلى نتيجته المنطقية وأطلق استنكاره هذا. ويتم في الوقت الحاضر الاتجار بالهولوكوست وتوظيفها بشكل ممجوج لخدمة الأهداف الصهيونية والتجارية. وقد ظهرت مجموعة من المصطلحات المشتقة من كلمة «هولوكوست» والتي تُعبِّر عن الاستياء العميق من عملية التوظيف هذه. فنحت أحد الكُتَّاب كلمة «هولوكيتش Holokitsch» لوصف الكُتب والأفلام عن موضوع الهولوكوست والتي تُنتَج وتُنشَر بهدف تحقيق الربح، حيث إنها تحاول إثارة العواطف واستغلالها على أسوأ وجه. وكلمة «كيتش» في اللغة الألمانية تعني الأعمال الفنية الشعبية الرديئة. كما ظهرت عبارة «هولوكوست بيزنس Holocaust business» أي «مشروع الهولوكوست التجاري» ، بمعنى توظيف الهولوكوست تجارياً لتحقيق الأرباح العالية. ومن العبارات الأخرى المتواترة عبارة «هولوكوست مانيا Holocaust mania» ، أي «الإنشغال الجنوني أو المرضي بالإبادة» . ومن المعروف أن هناك عدة شعوب قامت من قبل بإبادة شعوب أخرى أو على الأقل بإبادة أعداد كبيرة منها. ووردت في العهد القديم أوامر عديدة بإبادة سكان أرض كنعان وطردهم. ولكن من الثابت تاريخياً أن العبرانيين والكنعانيين تزاوجوا، وأن معظم ادعاءات الإبادة قد تكون من قبيل التهويلات التي تتواتر في كثير من الوثائق القديمة أو تكون ذات طابع مجازي. وربما يكون قد تم فعلاً إبادة سكان مدينة أو اثنتين، لكن هذا لم يكن النمط السائد نظراً لتدني المستوى العسكري لدى العبرانيين، كما أن استيطان العبرانيين لم يتم عن طريق الغزو دفعة واحدة وإنما عن طريق التسلل أيضاً. ويستند الاستعمار الاستيطاني الإحلالي الغربي إلى الإبادة، فهذا ما فعله سكان أمريكا الشمالية البيض بالسكان الأصليين، وهي عملية استمرت حتى أواخر القرن التاسع عشر. وفي تصوُّرنا أن ما يميِّز تجربة الإبادة النازية عن التجارب السابقة أنها تمت بشكل واع ومخطط ومنظَّم وشامل ومنهجي ومحايد، عن طريق استخدام أحدث الوسائل التكنولوجية وأساليب الإدارة الحديثة (أي أنها تجربة حديثة تماماً، منفصلة عن القيمة) . وهذه السمات مرتبطة بتزايد معدلات الترشيد والعلمنة الشاملة وتحييد الواقع كله (الإنسان والطبيعة) وتحويله إلى مادة استعمالية ليست لها قداسة خاصة، وذلك حتى يمكن التحكم (الإمبريالي) فيه وإخضاعه للتجريب بلا تمييز بين الإنسان والحيوان أو بين الألماني واليهودي، وهو ما نسميه في مصطلحنا «الحوسلة» ، أي تحويل كل شيء، وضمن ذلك الإنسان، إلى وسيلة. ومن ثم فهناك فارق ضخم بين الإبادة (الحديثة) وبين المذابح في المجتمعات التقليدية، إذ كانت المذابح تتم عادةً بشكل تلقائي غير منظم وغير منهجي وغير مخطط. ويمكن في هذا المضمار أن نذكر «ليلة الزجاج المحطم» (بالألمانية: كريستال ناخت Kristallnacht) حينما قامت الجماهير الألمانية في العديد من مدن ألمانيا بالهجوم على أعضاء الجماعة اليهودية. ويُقال إن الغضب الشعبي لم يكن تلقائياً وإنما تم بتخطيط من القيادات النازية التي كانت مجتمعة في ميونخ. كما أن إلقاء القبض على أعداد من اليهود بعد الحادث يدل على أن الأمر لم يكن تلقائياً تماماً. ويصف بعض الدارسين ليلة الزجاج المحطم بأنها هجوم شعبي شبه منظَّم على اليهود (بوجروم) ، ولكن نظراً لضآلة عدد الضحايا، لم يكن بوسع الدولة النازية أن تتخلص من ملايين اليهود باستخدام هذه الآلية البدائية التقليدية التي تعتمد على إثارة غضب الجماهير. ولذا، كان لابد من اللجوء إلى آليات أخرى أكثر حداثة، ووجد النازيون ضالتهم في مؤسسات الدولة الحديثة مثل التكنولوجيا المتقدمة التي تمتلكها، وأجهزة الإعلام التابعة لها، وأساليب الإدارة الحديثة الرشيدة. ويذهب هؤلاء الباحثون إلى أن الدولة النازية ما كان بوسعها أن تحقق غرضها بهذه السرعة وبهذه الكفاءة بدون هذه الآليات المتقدمة! ونستخدم في هذه الموسوعة مصطلح «الإبادة النازية ليهود أوربا» ، وهو ـ في تصوُّرنا ـ مصطلح أكثر تفسيرية وحياداً من المصطلحات المستخدمة في اللغات الأوربية والعبرية، فكلمتا «هولوكوست» و «شواه» تحملان إيحاءات دينية. ومصطلح «الحل النهائي» يحدد مجاله الدلالي بشكل قاطع لا يتفق مع مضمونه الحقيقي. أما مصطلحنا فقد حَدَّد الظاهرة النازية من حيث هي ظاهرة أوربية داخل سياق التاريخ الألماني والأوربي، ومن حيث هي ظاهرة لم تحدث في سياق التاريخ العالمي. كما أنها تُضمر الإشارة للإبادة النازية للأقليات والشعوب الأخرى. وكلمة «إبادة» كما نستخدمها لا تعني بالضرورة التصفية الجسدية، وإنما تعني «استئصال شأفة اليهود» بجميع الطرق وضمنها التهجير القسري (الترانسفير) وغيره من الطرق. ولذلك فنحن نشير أحياناً «للإبادة بالمعنى الخاص والمحدد للكلمة» ، أي «التصفية الجسدية المتعمَّدة» ، كما نشير «للإبادة بالمعنى العام للكلمة» وهي عملية "إبادة اليهود من خلال التهجير والتجويع وأعمال السخرة، وأخيراً التصفية الجسدية المتعمَّدة". ويمكننا هنا أن نقتبس كلمات أحد أهم خبراء الإبادة في التاريخ، أي الزعيم النازي أدولف هتلر. فقد عبَّر عن إعجابه بإبادة الهنود الحمر (على يد المستوطنين البيض) عن "طريق التجويع أو القتال غير المتكافئ". (انظر: «إشكالية الحل النهائي ومؤتمر فانسي» ) . كما أننا لا نهمل ما نسميه «اختفاء اليهود» من خلال عوامل طبيعية مختلفة تقع خارج نطاق الإبادة النازية، بالمعنى العام أو الخاص (انظر: «موت الشعب اليهودي» ) . الهولوكوست (الإبادة ( Holocaust (Extermination) «هولوكوست» كلمة يونانية تعني «حرق القربان بالكامل» وهي بالعبرية «شواه» ، وتُترجَم إلى العربية أحياناً بكلمة «المحرقة» . وتُستخدَم كلمة «هولوكوست» في العصر الحديث عادةً للإشارة إلى إبادة اليهود، بمعنى تصفيتهم جسدياً، على يد النازيين. المحرقة Shoah «المحرقة» ترجمة عربية للمصطلح العبري «شواه» ، وهو بدوره ترجمة للمصطلح اليوناني «هولوكوست» . ويُستخدَم المصطلح للإشارة إلى الإبادة النازية لليهود. الإبادة وتفكيك الإنسان كإمكانية كامنة في الحضارة الغربية الحديثة Extermination and Deconstruction of Man as a Potentiality in Modern Western Civilization لابد أن نؤكد ابتداءً أن التحولات الاقتصادية والسياسية في أي مجتمع لا تتم في فراغ مهما يكن مستوى هذه التحولات عمقاً أو ضحالة. فالمناخ الفكري والثقافي والنفسي يساعد على تحقيق بعض الإمكانات الكامنة في الواقع المادي وإجهاض البعض الآخر، وعلى تحديد المسار النهائي لهذا الواقع إلى حدٍّ كبير. وتبني ألمانيا النازية لسلاح الإبادة كوسيلة لحل بعض المشاكل التي واجهها المجتمع الألماني لم يكن لينبع من الاعتبارات الاقتصادية أو السياسية وحدها، فهو أمر مرتبط تماماً بإطار ثقافي وحضاري ونفسي أوسع. ويمكننا القول بأن ثمة عناصر تسم التشكيل الحضاري الغربي الحديث جعلت الإبادة احتمالاً كامناً فيه وليست مجرد مسألة عَرَضية، وولَّدت داخله استعداداً للتخلص من العناصر غير المرغوب فيها عن طريق إبادتها بشكل منظم ومخطط. وتحققت هذه الإمكانية بشكل غير متبلور في لحظات متفرقة، ثم تحققت بشكل شبه كامل في اللحظة النازية النماذجية. وقد قام الإنسان الغربي بعملية الإبادة النازية وغيرها من عمليات الإبادة لا رغم حضارته الغربية وحداثته، وإنما بسببها. ولكن قبل أن نتوجه لقضية النزعة الإبادية في الحضارة الغربية، لابد أن نشير إلى وضع اليهود داخل الحضارة الغربية حتى عصر النهضة. فالمسيحية الغربية لم تُطوِّر مفهوماً واضحاً خاصاً بالأقليات في المجتمع الغربي ولم تُشرِّع لهم ولم تحدد وضعهم القانوني، واكتفت بمفهوم المحبة إطاراً عاماً. وقد صنَّفت الكاثوليكية الغربية اليهود باعتبارهم شعباً شاهداً، يقف في تدنيه وضِعَته «شاهداً» على عظمة الكنيسة وانتصارها. ولم يكن الأمر مختلفاً كثيراً على المستويين الاجتماعي والاقتصادي، حيث تحوَّل اليهود إلى جماعة وظيفية، وهي جماعة تُعرَّف في ضوء وظيفتها وفائدتها ونفعها (فهي مادة استعمالية) لا قداسة لها. وهذه الرؤية تعني «حوسلة» اليهود، ولكنها في الوقت نفسه تعني ضرورة الحفاظ عليهم وحمايتهم من الهجمات الشعبية. فالكنيسة الكاثوليكية كانت تحتاج إلى هذا الشاهد الأزلي على عظمتها. كما أن الطبقات الحاكمة (النبلاء الإقطاعيون والملوك) كانت في حاجة إلى اليهود كأداة طيعة من أدوات الاستغلال وامتصاص فائض القيمة من الجماهير (كان يُطلَق على اليهود كلمة «الإسفنجة» ، لأنهم يمتصون فائض القيمة من الجماهير ثم يقوم الحاكم الإقطاعي باعتصار ما جمعوه من ثروة من خلال الضرائب) . ولذا، وعلى عكس ما يتصور البعض، كان العداء لليهود حركة شعبية موجهة ضد الطبقات الحاكمة وضد الكنيسة مُمثَّلين في الرمز المحسوس المباشر اليهود، وكانت الكنيسة الكاثوليكية ومعها النبلاء هم حماة اليهود. وتغيَّر الوضع مع ظهور عصر النهضة وبداية التشكيل الحضاري الغربي الحديث بشكل جوهري. إذ ظهرت البروتستانتية التي رفضت فكرة الشعب الشاهد ولكنها تبنت بدلاً منها العقيدة الألفية الاسترجاعية التي ترى أن المسيح سيعود مرة أخرى للأرض ويؤسس مملكته على الأرض لمدة ألف عام، وكان كل هذا مشروطاً بعودة اليهود إلى أرض الميعاد وتنصيرهم. فكأن اليهودي ظل مجرد أداة (كما هو الحال في الرؤية الكاثوليكية) ولكنه أداة لا يتم الحفاظ عليها وإنما لابد من نقلها (ترانسفير) إلى فلسطين وتذويبها في المنظومة المسيحية. وتزامن هذا مع ظهور البورجوازيات المحلية والدولة القومية التي اضطلعت بكثير من وظائف الجماعة الوظيفية اليهودية التي لم يعد لها نفع. ولذا، كانت المسألة اليهودية في أوربا تُناقش في إطار مدى نفع اليهود، فكان أعداء اليهود يبينون أنهم لا فائدة لهم، أما المدافعون عنهم (ومنهم المتحدثون باسم اليهود) فكانوا يركزون على «فائدة» اليهود ونفعهم. وطُرح تصور مفاده أنه يجب زيادة حقوق اليهود زيادة طردية مع زيادة نفعهم، فإن زاد الواحد زاد الآخر (وهو ما يعني أن تَناقُص نفعهم يعني تفاقم مشاكلهم) . وقد قُسِّم اليهود إلى أقسام مختلفة تم تنظيمها بشكل هرمي. ففي أعلى الهرم كان يوجد أكثر اليهود نفعاً، وهؤلاء كانوا يتمتعون بكافة الحقوق التي يتمتع بها أي مواطن ألماني، وفي قاعدة الهرم كان يوجد اليهود غير النافعين الذين لا يتمتعون بأية حقوق ولذا كانوا يُصنَّفون ضمن من يجب التخلص منه وذلك بترحيلهم (بالإنجليزية: ديسبوزابل ترانسفيرابل disposable transferable) . وساهمت كل هذه العناصر ولا شك في خلق الاستعداد الكامن والتربة الخصبة والتبادل الاختياري (بالإنجليزية: اليكتيف أفينيتي elective affinity في مصطلح ماكس فيبر) بين الحضارة الغربية وعملية إبادة اليهود. ولكن العنصر الحاسم ـ في تصورنا ـ في ظهور النزعة الإبادية (ضد اليهود وغيرهم من الأقليات والجماعات والشعوب) هو الرؤية الغربية الحديثة للكون. وهي رؤية يمكن وصفها بإيجاز شديد بأنها رؤية مادية واحدية (حلولية كمونية) تعود جذورها إلى عصر النهضة في الغرب. وقد اتسع نطاقها وازدادت هيمنتها إلى أن أصبحت هي النموذج التفسيري الحاكم مع منتصف القرن التاسع عشر، عصر الإمبريالية والداروينية والعنصرية. وقد بدأت هذه الرؤية بمرحلة إنسانية هيومانية وضعت الإنسان في مركز الكون وتبنت منظومات أخلاقية مطلقة، تنبع من الإيمان بالإنسان باعتباره كائناً مختلفاً عن الطبيعة/المادة، سابقاً عليها، له معياريته ومرجعيته وغائيته الإنسانية المستقلة عنها (وهذا شكل من أشكال العلمانية الجزئية) . ولكن هذه الرؤية الإنسانية المادية تطورت من خلال منطق النسق المادي الذي يساوي بين الإنسان والطبيعة ومن خلال تَصاعُد معدلات الحلولية والعلمنة وانفصال كثير من مجالات النشاط الإنساني (الاقتصاد ـ السياسة ـ الفلسفة ـ العلم) عن المعيارية والمرجعية والغائية الإنسانية إلى أن فقد الإنسان مركزيته ومطلقيته وأسبقيته على الطبيعة/المادة وتحوَّل إلى جزء لا يتجزأ منها وأصبح هو الآخر مادة، منفصلة عن المرجعية والغائية والمعيارية الإنسانية (وهذه هي العلمانية الشاملة) . وفي هذا الإطار ظهرت الأخلاق النفعية المادية التي تُعفي الإنسان من المسئولية الأخلاقية، فهي مستمدة من الطبيعة/المادة ومن قوانينها المتجاوزة للعواطف والغائيات والأخلاقيات الإنسانية. ومن ثم تَحرَّر الإنسان الغربي من أية مفاهيم متجاوزة مثل مفهوم «الإنسان ككل» أو «الإنسانية جمعاء» أو «صالح الإنسانية» ، كما تحرر من القيم المطلقة مثل «مستقبل البشرية» و «المساواة» و «العدل» ، وجعل من نفسه المركز والمطلق المنفصل تماماً عن كل القيم والغائيات الإنسانية العامة، وأصبح هو نفسه تجسيداً لقانون الطبيعة ولحركة المادة وتحول إلى مرجعية ذاته، وقانون ذاته، ومعيارية ذاته، وغائية ذاته، ومن ثم أصبح من حقه أن يحوسل العالم كله وجميع شعوب الأرض لخدمة صالحه كما عرَّفه هو. وبذا تحوَّلت الإنسانية (الهيومانية) الغربية إلى إمبريالية وأداتية ثم إلى عنصرية، وانقسم البشر إلى سوبرمنsupermen إمبرياليين يتحكمون في كل البشر والطبيعة، وإلى سبمنsubermen دون البشر أداتيين يذعنون لإرادة السوبرمن ولقوانين الطبيعة والمادة. وهذا ما نسميه «النفعية الداروينية» وهي المنظومة التي تذهب إلى أن من يملك القوة له «الحق» في أن يوظِّف الآخرين لخدمة مصالحه، مستخدماً في ذلك آخر المناهج العلمية وأحدث الوسائل التكنولوجية، متجرداً من أية عواطف أو أخلاق أو أحاسيس كلية أو إنسانية باعتبار أن الإنسان إن هو إلا مادة في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير، ومن ثم فمثل هذه الأحاسيس هي مجرد أحاسيس ميتافيزيقية أو قيم نسبية مرتبطة بالزمان والمكان، وليس لها أية ثبات أو عالمية. وتتبدَّى مادية هذه المنظومة وواحديتها في عدد من المصطلحات التي حققت قدراً من الذيوع في النصف الثاني من القرن التاسع عشر حين أخذت المنظومة في التبلور وحينما تحددت معالم المشروع الإمبريالي الغربي والنظرية العرْقية الغربية. ومن أهم هذه المصطلحات، من منظور هذه الدراسة، ما يلي: «المادة البشرية» (بالإنجليزية: هيومان ماتيريال human material) - «الفائض البشري» (بالإنجليزية: هيومان سيربلاس human surplus) - «مادة استعمالية» (بالإنجليزية: يوسفول ماتر useful matter) . فكان يُشار إلى البشر باعتبارهم «مادة بشرية» يمكن توظيفها، أما من لا يمكن توظيفه فكان يُشار إليه باعتباره «مادة بشرية فائضة» (وأحياناً «غير نافعة» ) . وهذه المادة الفائضة كان لابد وأن تُخضع لشكل من أشكال المعالجة، فكانت إما أن تُصدَّر (ترانسفير) أو تُعاد صياغتها أو تُباد إن فشلت معها كل الحلول السابقة. وترد هذه المصطلحات (وغيرها) في كتابات مفكري العنصرية الغربية مثل ماكس نوردو (قبل اعتناقه الصهيونية) وفي الأدبيات النازية (كان أيخمان يشير إلى اليهود المرحلين إلى فلسطين باعتبارهم «من أفضل المواد البيولوجية» ) . وفي الأدبيات الصهيونية (كتاب هرتزل دولة اليهود) . ولنلاحظ أن كل المصطلحات تُضمِر البُعدين الإمبريالي والأداتي، الدارويني والبرجماتي، فالإنسان مادة تُوظَّف، مجرد موضوع، ولكن هناك أيضاً من يُوظِّف، فهو ذات نشطة فعالة. لكن كلاً من الذات الإمبريالية والموضوع الأداتي يدوران في إطار الرؤية المادية الواحدية. فالسوبرمن والسبمن ينتميان إلى عالم وثني حلولي كموني. ولا يزال هذا هو المفهوم السائد للنفس البشرية، رغم تواري المصطلحات التي تُعبِّر عن المفهوم بشكل متبلور. ومع هذا يُفصح النموذج عن نفسه بشكل فاضح، وتعاود المصطلحات الشفافة الظهور. ففي عام 1996 تكشفت فضيحة تخلي حكومة الولايات المتحدة عن بعض عملائها من الفيتناميين ممن تم تجنيدهم ليعملوا كجواسيس لحسابها. وممن قبضت عليهم المقاومة الفيتامينية، إذ أنها بدلاً من أن تحاول العمل على الإفراج عنهم، آثرت الراحة وأعلنت أنهم لاقوا حتفهم حتى يُغلَق ملفهم تماماً ولا تُصدع رأسها. وقد برَّر أحد الجنرالات الأمريكيين موقف حكومته بقوله إن هؤلاء العملاء أصبحوا بعد القبض عليهم مجرد «ممتلكات لا قيمة لها» (بالإنجليزية: أن فايابل أستس unviable assets) ، أي مادة بشرية فائضة لم يعد لها نفع بالنسبة للسوبرمان الذي قام باستخدامها. وهذه هي النواة المعرفية والأخلاقية الأساسية للحضارة الغربية الحديثة. وهي نواة نمت وترعرعت وعبَّرت عن نفسها من خلال ثنائية الإمبريالي والأداتي، والسوبرمان والسبمان، فتزايدت معدلات اليقينية العلمية من ناحية، الأمر الذي أدَّى إلى تَزايُد إحساس الإنسان الغربي بذاته وبقوة إرادته ومقدرته على البطش (خصوصاً بين النخبة الإمبريالية الحاكمة) . كما تزايدت في الوقت نفسه معدلات النسبية المعرفية والأخلاقية، الأمر الذي أدَّى إلى ضمور حس الإنسان الغربي الخُلقي وضمور قدرته على اتخاذ القرار، كما عَمَّقت قابليته للإذعان للقانون الموضوعي العام المجرد (اللاإنساني) كقيمة مطلقة لابد من العمل بمقتضاها والسير بهديها دون تساؤل (خصوصاً بين الجماهير) . وسنورد فيما يلي بعض العناصر التي ساعدت على تعميق هذا الاتجاه العام في الحضارة الغربية. وتجدر ملاحظة أن كثيراً من العناصر التي سنوردها قد يكون لها وجهان أحدهما إمبريالي (بالنسبة للسوبرمن) والآخر أداتي (بالنسبة للسبمن) ، فالوجهان متداخلان، وإن كان هناك من يُوظِّف فلابد أن يوجد من يُوظَّف: 1 ـ تصاعدت معدلات المشيحانية (أو المهدوية) العلمية أو العلموية، أي التبشير بأن التراكم المعرفي العلمي والتقدم التكنولوجي والتنظيم التكنوقراطي الدقيق (المنفصل عن القيمة) سيجعل الإنسان قادراً على التحكم في ذاته وفي واقعه تماماً، وعلى التوصل إلى الحلول النهائية لمشاكله كافة (الاقتصادية والسياسية والفلسفية والنفسية) ، وإلى فرض هذه الحلول النهائية المجردة العلمية الدقيقة (المستمدة من عالم الطبيعة/المادة البسيطة) على الواقع الاجتماعي والإنساني، فيتخلص الإنسان من مشاكله (دفعة واحدة أو تدريجياً) ويستأصل كل ما يقع خارج حدود الحل النهائي أو يعوقه عن التحقق أو يعوق ظهور الإنسان الجديد الكامل (الذي يختلف عن الإنسان كما نعرفه) . فهذا الإنسان الكامل يتحكم في نفسه تماماً، ويبرمجها، أو يمكن برمجته. ومن هنا ظهر الاهتمام بعلوم جديدة مثل تحسين النسل (والهندسة الوراثية) . ومن هنا العداء الشديد للتشوهات الخلقية وللأمراض النفسية، بل فكرة المرض نفسها باعتبارها تعبيراً عن الانحراف عن المعيار الطوباوي النهائي. ولكن حينما يُهيمن هذا المعيار يتم تأسيس الفردوس الأرضي، اليوتوبيا التكنولوجية التكنوقراطية، دولة النعيم المقيم في الأرض المؤسس على العلم والتكنولوجيا، وتُعلَن نهاية التاريخ والإنسان كما نعرفه. وهذا الحل النهائي سيعفي الإنسان من مسئولية الاختيار الأخلاقي إذ أن كل شيء سيكون مخططاً مبرمجاً، خاضعاً لهندسة اجتماعية صارمة، وتحت السيطرة السياسية والتكنوقراطية الكاملة. ولنا أن نلاحظ أنه سيكون هناك دائماً نخبة من السوبرمن تقرر طبيعة الحل أو البرنامج النهائي ومتى يمكن إعلان نهاية التاريخ وكيفية اتخاذ الإجراءات اللازمة للوصول لتلك اللحظة، وإلى جانب النخبة ستوجد قاعدة عريضة من السبمن يُدْفَع بها دفعاً نحو اليوتوبيا. 2 ـ ظهور أيديولوجيات علمانية شاملة (مثل الماركسية أو الاشتراكية العلمية والفاشية والنازية) ذات طابع مشيحاني قوي وذات رؤية خلاصية تدور حول مطلق علماني مادي شامل، وتنطلق من الإيمان بالعلم والتكنولوجيا والتنظيم. هذا لا يعني أن الأيديولوجيات العلمانية الأخرى ترفض العلم مصدراً وحيداً للوصول إلى المعرفة ولتوليد القيم فهذا هو إطارها المرجعي الوحيد، ولكن ما يحدث مع أيديولوجيات مثل النازية والماركسية (في نزعتها الستالينية) أن منطق العلمانية الشاملة يُعبِّر عن نفسه بشكل كامل يتسم بدرجة عالية من التبلور، خصوصاً حينما يسانده جهاز الدولة المركزية الحديثة. 3 ـ مع تَزايُد معدلات العلمنة الشاملة، لم يَعُد من الممكن تصنيف البشر على أساس ديني (متجاوز للقوانين الطبيعية/المادية) ، فلم يكن ثمة مفر من تصنيفهم على أساس مادي موضوعي طبيعي كامن (حالّ) فيهم، وليس مفارقاً لهم. ولهذا، طُرح الأساس البيولوجي العرْقي أساساً وحيداً وأكيداً لتصنيفهم. وتم المزج بين هذه النظرية شبه العلمية ونظرية أخرى شبه علمية وهي الداروينية الاجتماعية، وكانت الثمرة هي النظرية الغربية في التفاوت بين الأعراق ذات الطابع الدارويني. وتُقسِّم هذه النظرية الجنس البشري بأسره إلى أعراق لكلٍ منها سماته التي يمكن تحديدها علمياً. ومن ثم يمكن تصنيف البشر إلى أعراق راقية عليا: الآريون وبخاصة النورديون، وأعراق دنيا: الزنوج والعرب واليهود. وتَفوُّق العنصر الآري الأبيض على كل الشعوب الأخرى يعطيه حقوقاً مطلقة كثيرة تتجاوز أية منظومات قيمية وأي حديث عن المساواة. وكلمة «آريان Aryan» ، أي «آري» ، مشتقة من اللغة السنسكريتية ومعناها «سيِّد» . وقد استُخدم المصطلح في بداية الأمر للإشارة إلى مجموعة من اللغات الإيرانية ثم الهندية الأوربية، إذ طرح العالم الألماني ماكس مولر (1823 ـ 1900) نظرية مفادها أن هناك جنساً يُسمَّى «آرياس» كان يتحدث اللغة الهندية الأوربية التي تفرعت عنها اللغات الهندية الأوربية الأخرى جميعاً ابتداءً بالهندوستانية وانتهاء بالإنجليزية. كما استُخدم المصطلح للإشارة إلى الشعوب الهندية الأوربية التي انتشرت في جنوب آسيا وشمال الهند في العصور القديمة. وكان جوزيف جوبينو (1816 ـ1882) من أهم المفكرين الذين أشاعوا هذه الفكرة، فكان عادةً ما يضع الآريين مقابل الساميين، وكان ثمة تَرادُف مُفترَض بين الآرية والهيلينية مقابل السامية. وقام المفكرون العرْقيون الغربيون بتطوير المفهوم فذهبوا إلى أن هذا الجنس الآري انتشر من شمال الهند وإيران عبر الإستبس، إلى أوربا، وهو جنس يتسم ـ حسب نظريتهم ـ بالجمال والذكاء والشجاعة وعمق التفكير والمقدرة على التنظيم السياسي، وبأنه المؤسس الحقيقي للحضارة وبتفوقه على الساميين والصفر والسود. ونبه هيوستون ستيوارت تشامبرلين (1855 ـ 1927) إلى أن النورديين هم أرقى الآريين، فهم الجنس السيد، أما اليهود والسود والعرب فيشغلون أدنى درجات السلم العرْقي. بينما ذهب دعاة النظرية العرْقية إلى أن التزاوج بين أعضاء الأجناس المختلفة يؤدي إلى تدهور العرْق الأسمى الذي يجب أن يحتفظ بنفسه قوياً نقياً حتى يضمن لنفسه البقاء والتماسك العضوي. وبطبيعة الحال، صُنِّف أعضاء الأجناس الأدنى باعتبارهم غير نافعين من منظور المطلق العرْقي (الشعب العضوي) لأنهم خطر على تماسك الشعب (أو العرْق) وعلى تجانسه، وعدم التماسك يؤذي المصلحة العليا للدولة لأن التماسك يؤدي إلى زيادة الكفاءة الإنتاجية، وإلى زيادة قوة الدولة في مقدرتها على البقاء والانتشار والهيمنة. 4 ـ مع تَصاعُد معدلات العلمنة ظهرت كذلك فكرة الفولك أو الشعب العضوي الذي تربطه بأرضه وثقافته رابطة عضوية حتمية لا تنفصم عراها، وهنا تحل الرابطة الإثنية محل الرابطة العرْقية، ولكنها لا تختلف عنها في كمونيتها وحتميتها وفي تحولها إلى أساس تأكيد التفاوت بين الشعوب. ويُلاحَظ أن الشعب العضوي باعتباره قيمة مطلقة ومرجعية ذاته يتجاوز كل القيم، ولكن صفة المطلق هنا لا تنسحب على الإنسان باعتباره فرداً قادراً على الاختيار الأخلاقي الحر وإنما على مجموعة من البشر لها سماتها الجماعية ومصالحها المشتركة وحقوقها المطلقة! 5 ـ تزايدت معدلات النسبية المعرفية، فعالم الطبيعة/المادة هو عالم حركي لا ثبات فيه ولا حدود، بحيث أصبح الإنسان يشك في وجود أية حقيقة يقينية. وهذا الشك لا ينصرف إلى الحقيقة وحسب وإنما إلى الموضوع ثم إلى الذات. وقد انتهى الأمر بالفلسفة الغربية إلى إنكار الكليات والميتافيزيقا وظهرت الفلسفة المعادية للفلسفة والميتافيزيقا وأي شكل من أشكال الثبات، بما في ذلك ثبات الطبيعة البشرية. وهي فلسفة النسبية المعرفية الكاملة التي تصل إلى حالة من السيولة الكاملة وتنكر الذات والموضوع والمركز ومفهوم الطبيعة البشرية وإمكانية المعرفة والأخلاق وأي شكل من أشكال المعيارية (ما بعد الحداثة) . ورغم أن النازية تسبق ظهور ما بعد الحداثة بعدة أجيال إلا أن كثيراً من العناصر التي أدَّت إلى ظهور ما بعد الحداثة كانت قد تشكلت وتبلورت وكانت الفلسفة الغربية قد دخلت عصر السيولة. ولعله ليس من قبيل الصدفة أن هايدجر، بنزعته النيتشوية، والذي خرجت ما بعد الحداثة من تحت عباءته، أيَّد النازية بلا تحفظ، وكان النازيون يعتبرونه فيلسوفهم. 6 ـ تَزايُد معدل انفصال الحقائق والعلم الطبيعي عن القيمة، والتجريب عن العقل، بحيث أصبح التجريب، المنفصل عن أية غائيات إنسانية أو أخلاقية، هدفاً في حد ذاته. وترجم هذا نفسه إلى ما يُسمَّى العلم المحايد، المتجرد تماماً من القيمة. ولكن هناك دائماً من يقرر القيمة ونوعية التجارب التي ستُجرى. 7 ـ تعاظمت قوة الدولة المركزية وهيمنتها وتحويلها ذاتها إلى مطلق، ومن ثم أصبح الدفاع عن مصلحة الدولة القومية (ظالمة كانت أم مظلومة) مسألة لا تقبل النقاش ولا تخضع لأية معيارية، والانحراف عن هذا الهدف النهائي المطلق هو الخيانة العظمى وعقوبتها الإعدام. ويُلاحَظ أن مصطلحات مثل «مصلحة الدولة العليا» ليس لها مضمون أخلاقي، وتَقبُّلها يعني تَقبُّل المجردات غير الإنسانية. 8 ـ ظهرت مؤسسات بيروقراطية قوية (حكومية وغير حكومية) تولت كثيراً من الوظائف التي كانت تتولاها الأسرة في الماضي، وتقوم بعملية الاختيار بالنيابة عن الإنسان الفرد الأمر الذي يعني تَزايُد ضمور الحس الخلقي وانكماش ما يُسمَّى «رقعة الحياة الخاصة» . 9 ـ كانت هذه المؤسسات ترى نفسها ذاتاً مطلقةً تُعبِّر عن مصلحة الدولة (التي تُعبِّر عن إرادة الشعب) وقد جعلت جل همها أن تنفِّذ المطلوب منها تنفيذه بأقل التكاليف وأكثر الوسائل كفاءة، دون أخذ أية اعتبارات خُلقية في الاعتبار. 10ـ تزايدت معدلات الترشيد والتنميط والميكنة وهيمنة النماذج الكمية والبيروقراطية على المجتمع بكل ما ينجم عن ذلك من ترشيد للبيئة المادية والاجتماعية وترشيد للإنسان من خارجه وداخله. 11 ـ تَصاعَد نفوذ مؤسسات الدولة المركزية «الأمنية» البرانية والجوانية وزادت مقدرتها على قمع الأفراد وتوجيههم «وإرشادهم» من الداخل والخارج. ورغم أهمية مؤسسات القمع المباشر البراني مثل المخابرات والبوليس السري، إلا أن المؤسسات الأمنية الجوانية، مثل المؤسسات التربوية والإعلام، كانت تفوقها في الأهمية. فإذا كانت المؤسسات البرانية تقوم بتوجيه الفرد بغلظه من الخارج، فالمؤسسات الثانية تقوم بترشيده من الداخل ببطء وبشكل روتيني يومي لا يشعر هو به حتى يصل به الأمر إلى تَمثُّل، ثم استبطان، رؤية الدولة تماماً، فينظر إلى الواقع من خلال عيونها دون حاجة إلى قمع خارجي، ويحيِّد ذاته وحسه الخلقي، ويصبح المجتمع أو الدولة أو العلم الطبيعي المصدَر الوحيد للقيمة المطلقة، وفي نهاية الأمر ينظر إلى نفسه باعتباره جزءاً من آلة كبرى، وتصبح مهمته الأساسية، وربما الوحيدة، هي التكيف البرجماتي مع دوران الآلة. 12 ـ تزايدت معدلات التجريد في المجتمع، ومن المعروف أن عمليتي التجريد والترشيد هما عمليتان متلازمتان، إذ لا يمكن الترشيد دون تجريد، أي نزع الصفات الخاصة عن الشيء والتركيز على الصفات العامة فيه والتي تجمع بينه وبين الأشياء الأخرى حتى يتسنى استيعابه داخل الآلة الاجتماعية. ويؤدي التجريد إلى ابتعاد الواقع الحي بحيث لا يدركه المرء بشكل مباشر متعين له قيمة، إذ يصبح شيئاً له مواصفات محددة يمكن تقسيمه إلى أجزاء يمكن استبدال بعضها، وينطبق هذا على البشر انطباقه على الأشياء. ويرى أورتيجا جاسيت أن عملية التجريد مرتبطة تمام الارتباط بعملية نزع الصبغة الإنسانية (بالإنجليزية: دي هيومانايزيشن dehumanization) . وقد نجحت عمليات التجريد المتزايدة في جعل القيمة الأخلاقية شيئاً بعيداً للغاية لا علاقة له بفعل الإنسان المباشر. ولنضرب مثلاً من صناعة الأسلحة الكيماوية الفتاكة: تُقسَّم عملية إنتاج المبيد البشري إلى عدة وظائف صغيرة، كل وظيفة تُشكِّل حلقة تؤدي إلى ما بعدها وحسب. ولأنها مجرد حلقة، فهي محايدة تماماً ولا معنى لها، إذ لا يوجد أي مضمون خلقي لعملية إضافة محلول لآخر. ومن ثم، تظل النهاية الأخلاقية (حرق البشر وإبادتهم) بعيدة للغاية. والعامل أو الموظف المسئول عن هذه الحلقة سيبذل قصارى جهده في أداء عمله الموكل إليه دون أية أعباء أخلاقية، ومن ثم تستمر الآلة الجهنمية في الدوران من خلال الحلقات والتروس، ولا يتحمل أي شخص مسئولية إبادة البشر، إذ أن مسئولية العامل أو الموظف مسئولية فنية تكنوقراطية وليست مسئولية أخلاقية. 13 ـ ومن المظاهر الأخرى للتجريد في المجتمع الحديث ممارسة العنف عن طريق مؤسسات متخصصة تقوم بتحقيق أهدافها بشكل مؤسسي رشيد (أي مقنن) ومنظم لا دخل فيه للعواطف. وعادةً ما تتم عمليات التعذيب وغيرها من أعمال العنف بعيداً عن الناس في أطراف المدينة، داخل مكاتب أنيقة تم تقسيمها بعناية فائقة. وعادةً ما يتم التعذيب بأساليب علمية بحيث لا يترك أثراً على جسد الضحايا. وإن تم قتلهم فعادةً ما يمكن التخلص من جثثهم بطريقة نظيفة عالية الكفاءة. 14 ـ تظهر عمليتا التجريد والترشيد في استجابة البشر للعنف والإبادة، إذ تحل الحسابات الرشيدة محل الاستجابة التلقائية والعواطف بحيث يمكن للإنسان أن يكبت أية أحاسيس بالشفقة أو الانفعال الغريزي داخله أو الإحساس التلقائي المباشر ويَحل محل ذلك كله قدر عال من الانضباط والتخطيط. ويمكن القول بأن ما تم إنجازه في الحضارة الغربية الحديثة هو القضاء على الشخصية التقليدية ذات الولاء لمطلق خُلقي ثابت يتجاوز عالم المادة والتاريخ (ومن ثم فهي شخصية تعيش في ثنائيات وتعددية) وحلَّت محلها الشخصية الحركية المتغيرة والمتقلبة مع حركة المادة، التي لا ولاء عندها لأية ثوابت أو مطلقات والتي تحررت من أية قيم أو غائية، فهي تعيش في عالم الواحدية المادية المعقم من القيم المتجاوزة. هذه الشخصية يمكن أن تتبدَّى من خلال إمبريالية داروينية مليئة باليقينية العلمية توظِّف الكون (الطبيعة والإنسان) لصالحها، ويمكن لها أن تتبدَّى من خلال إذعان أداتي فتصبح شخصية نمطية تعاقدية برجماتية ذات بُعد واحد، تستبطن تماماً النماذج السائدة في المجتمع والتي تروجها الأجهزة الأمنية للمجتمع وضمن ذلك الإعلام، وهي شخصية نسبية هزيلة مهتزة لا تثق في ذاتها ولا رؤيتها ولا هويتها ولا منظوماتها ولذا يتحدد تَوجُّهها حسب ما يصدر لها من أوامر تأتي لها من عل، ويتحدد ولاؤها استناداً إلى المصلحة المادية المتغيرة التي يتم تعريفها مدنياً وقومياً وعلمياً وموضوعياً (من خلال الجهات المسئولة واللجان المتخصصة والسوبرمن) ومن ثم يمكنها أن تطيع الأوامر البرانية وتنفذ التعليمات بدقة متناهية. وهي شخصية ذات عقل أداتي لا تفكر في الغايات وإنما في الوسائل والإجراءات وحسب، وفي أحسن السبل لإنجاز ما أوكل لها من مهام دون تساؤل عن مضمونها الأخلاقي أو هدفها الإنساني. وحينما ظهرت هذه الشخصية، أصبح من الممكن أن تقرر الدولة وأعضاء النخبة إبادة عناصر غير نافعة في المجتمع (الفائض البشري) أو في وطن آخر أو قارة بأسرها تشكل مجالاً حيوياً للدولة صاحبة القرار. ولم يعد هذا جريمة إذ لا توجد قوانين مطلقة خارجة عن الدولة، أو هي «جريمة قانونية مشروعة» ،إن صح القول، تكتسب مشروعيتها من أن الدولة توافق عليها وتباركها، بل تشجع عليها وتضرب على يد كل من يعارضها أو يحجم عن اقترافها. وهناك على كلٍّ المؤسسات المتخصصة لتنفيذ الجريمة، وهي مؤسسات بيروقراطية منفصلة عن القيمة، تتجاوز الخير والشر، ولا تسأل عن السبب وإنما عن الوسيلة (أي أنها ملتزمة بالترشيد الإجرائي وأخلاقيات الصيرورة) ، والعاملون في مثل هذه المؤسسات لا يتخذون قرار قتل الأطفال، على سبيل المثال، بأنفسهم، ولا ينفذون جريمة القتل بأيديهم فاللجان المتخصصة التي تضم السوبرمن تجتمع على أعلى مستوى وتناقش المسألة بطريقة علمية وبيروقراطية وفي لغة محايدة وتتخذ القرارات في ضوء ما تراه هي الصالح العام. ثم يصدر الأمر في نهاية الأمر، لا بالقتل أو التصفية الجسدية وإنما بالقيام بعمليات «التطهير العرْقي» أو «الحل النهائي» أو خدمة «مصلحة الدولة العليا» . ثم يُقسَّم القرار إلى مئات التفاصيل التي يقوم بها آلاف الموظفين التنفيذيين من الجنود والعمال والفلاحين والمهنيين الذين لن يشعروا بهذا الطفل الذي سيُقتَل في غابات فيتنام أو في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين أو في معسكرات الاعتقال النازية. وحتى إذا شعر الإنسان في أعماق أعماقه بلا أخلاقية القرار، فسوف يكون قد تعلم من الآليات ما يجعله قادراً على إسكات حسه الخُلقي. فالإنسان الحديث أصبح بوسعه، بحسه العملي، ومن خلال الحسابات الرشيدة والتسويغ العلمي الموضوعي المحايد الصارم والنسبية الكاملة التي تجعل الأمور متساوية، تبرير أي شيء وقبول أي وضع، فتمكن التضحية بالجزء في سبيل الكل، والأقلية في سبيل الأغلبية، والمرضى في سبيل الأصحاء، والعجزة في سبيل الشباب. ومع سيطرة حب البقاء، باعتبار أن البقاء قيمة مطلقة، فإن الجميع يمكن أن يتعاونوا مع الدولة من قبيل تقليل الخسائر (إذ لا توجد قيم مطلقة أو مرجعية متجاوزة يمكن للفرد أن يؤمن بها ويموت من أجلها ويحاكم البشر والأمم كافة من منظورها) . ثم تتكفل المؤسسات الإعلامية للدولة بتصفية كل ما تبقى من أحاسيس إنسانية أو أخلاقية "متخلفة" تشكل ثنائية لا تريد أن تختفي. وبهذا المعنى يمكن القول بأن الحضارة الغربية الحديثة (في جانب هام من جوانبها) هي تعبير عن التراجع التدريجي والمستمر للفلسفة الإنسانية الهيومانية التي تؤكد استقلالية الإنسان عن الطبيعة/المادة ومقدرته على تجاوزها وعلى تطوير منظومات قيمية ومعرفية تضعه في مركز الكون. هذا التَراجُع يقابله تَصاعُد مستمر ومطرد للحلولية الكمونية المادية (أي الواحدية المادية أو وحدة الوجود المادية أو العلمانية الشاملة) التي تُهمِّش الإنسان ومنظوماته المعرفية والأخلاقية جميعاً وتُسوِّيه بالظواهر الطبيعية وترده إلى عناصره الأولية المادية، أي تقوم بتفكيكه وتذويبه تماماً في الطبيعة/المادة، فتلغيه وتبيده ككائن له قيمة مطلقة، مستقل عن قوانين الحركة الطبيعية/المادية. وقد يكون من المفيد والطريف في الوقت نفسه أن نربط مصطلحي «الإبادة» (بالإنجليزية: إكسترمينيشن extermination) و «التفكيك» (بالإنجليزية: دي كونستراكشن deconstruction) بمجموعة من المصطلحات الأخرى التي استخدمها علم الاجتماع الغربي لوصف بعض الجوانب السلبية للحداثة الغربية، وكلها ت فيد تهميش وتفكيك وتَراجُع وضمور وذبول وغياب الإنساني والأخلاقي لصالح ما هو غير إنساني ومحايد ومتشيئ: 1 ـ «دي سنترينج مان decentering man» أي «إزاحة الإنسان عن المركز» ، بمعنى «إفقاد الإنسان مركزيته في الكون» . 2 ـ «دي برسونالايزيشن depersonalization» أي «إسقاط السمات الشخصية» . 3 ـ «ديس انتشانتمنت أوف ذي ورلد disenchantment of the world» أي «تحرير العالم من سحره وجلاله» ، بمعنى أن يصبح العالم مادة محضة لا أسرار فيها، يمكن للعقل الإحاطة بها ومعرفة قوانينها والتحكم فيها. 4 ـ «دي سانكتيفيكيشن desanctification» أو «دي ساكرالايزيشن desacralization» أي «نزع القداسة عن الظواهر كافة [ومنها الإنسان] بحيث تصبح لا حرمة لها وينظر لها نظرة مادية لا علاقة لها بما وراء الطبيعة» . 5 ـ «دي ميستفيكيشن demystification» أي «نزع السر عن الظواهر [بما في ذلك الإنسان] » . 6 ـ «دي نيودينج denuding» أي «تعرية كل الظواهر من أية مثاليات [ومنها الإنسان] حتى تظهر على حقيقتها المادية» . 7 ـ «دي هيومانايزيشن dehumanization» أي «تجريد الإنسان من خصائصه الإنسانية» . وهكذا تبدأ عملية العلمنة الشاملة (بعد المرحلة الإنسانية الهيومانية الأولى) بإزاحة الإنسان عن المركز ثم نزع الجوانب الشخصية عنه بحيث يصبح شيئاً ليست له خصوصية أو تفرُّد. ثم «يُحرَّر» العالم من سحره وجماله فيصبح الإنسان والطبيعة مادة محضة، ثم تنزع عنه كل قداسة وتُهتَك كل أسراره، ويُعرَّى من أية مثاليات لنصل إلى نوع من أنواع الإباحية الأخلاقية المعرفية إذ يصبح الإنسان لحماً يُوظَّف في مزارع البيض في الجنوب الأمريكي أو مصانع الرأسماليين في لندن أو يُرسل إلى معسكرات السخرة والإبادة في ألمانيا أو يُصوَّر في مجلات إباحية في كل أو أي مكان. والمحصلة النهائية لكل هذا هي نزع الصفة الإنسانية عن الإنسان وتحويله إلى مادة محضة، قابلة للحوسلة. وهذه هي قمة العلمنة الشاملة والتفكيك الكامل. ونحن نربط كل هذه المصطلحات وغيرها بمصطلح «نهاية التاريخ» باعتبار أن نهاية التاريخ هي النقطة التي يتم التحكم فيها في كل شيء وينتهي الإنسان كما نعرفه، أي الإنسان الذي يشغل مركز الكون متجاوزاً النظام الطبيعي. ونحن لا نزعم أن الرؤية الواحدية المادية تؤدي حتماً وبشكل مطلق إلى الإبادة والتفكيكية. كل ما نؤكده أن مثل هذه الرؤية تخلق التربة الخصبة لانتشار الآراء النفعية الداروينية المادية التي تترعرع فيها الاتجاهات والأفكار الإبادية والتفكيكية وتتحقق. الآريون Aryans انظر: «الإبادة وتفكيك الإنسان كإمكانية كامنة في الحضارة الغربية الحديثة» . تحول الإمكانية الإبادية إلى حقيقة تاريخية Historical Realization of the Genocidal Potential هذه القابلية أو الإمكانية الكامنة للإبادة، ولتفكيك الإنسان لعناصره المادية الأساسية لاستخدامها على أكمل وجه، تحققت أول ما تحققت بشكل جزئي وتدريجي في التجربة الاستعمارية الغربية بشقيها الاستيطاني والإمبريالي. فقد خرجت جيوش الدول الغربية الإمبريالية تحمل أسلحة الدمار والفتك والإبادة، وحَوَّل الإنسان الغربي نفسه إلى سوبرمان له حقوق مطلقة تتجاوز الخير والشر، ومن أهمها حق الاستيلاء على العالم وتحويله إلى مجال حيوي لحركته ونشاطه وتحويل العالم بأسره إلى مادة خام، طبيعية أو بشرية. فاعتُبرت شعوب آسيا وأفريقيا (الصفراء والسوداء المتخلفة) مجرد سبمن، مادة بشرية تُوظَّف في خدمته، كما اعتُبر العالم مجرد مادة طبيعية تُوظَّف في خدمة دول أوربا وشعوبها البيضاء المتقدمة، واعتُبرت الكرة الأرضية مجرد مجال حيوي له يصدِّر له مشاكله. بل لم تفرق الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية الشاملة في نهاية الأمر بين شعوب آسيا وأفريقيا وشعوب العالم الغربي، فالجميع مادة بشرية، نافعة أو غير نافعة، ضرورية أو فائضة. فكان العمال يُنظر لهم باعتبارهم مادة بشرية نافعة، ومصدراً لفائض القيمة، أما المتعطلون فهم مادة بشرية فائضة. وصُنِّف المجرمون (وفي مرحلة أخرى، المعوقون والمسنون) مادةً بشريةً غير نافعة. وهذه المادة يجب أن «تُعالج» ، وكانت الوسيلة الأساسية للمعالجة هي تصدير المادة البشرية الفائضة إلى مكان آخر لتحويلها إلى مادة نافعة إن أمكن (مع عدم استبعاد «الحلول الأخرى» إن استلزم الأمر) . وكانت أولى عمليات " المعالجة " هي نقل الساخطين سياسياً ودينياً (البيوريتان) إلى أمريكا، والمجرمين والفاشلين في تحقيق الحراك الاجتماعي في أوطانهم إلى أمريكا وأستراليا. وتبعتها عمليات ترانسفير أخرى تهدف جميعاً إلى تحقيق صالح الإنسان الغربي: ـ نقْل سكان أفريقيا إلى الأمريكتين لتحويلهم إلى مادة استعمالية رخيصة. ـ نقْل جيوش أوربا إلى كل أنحاء العالم، وذلك للهيمنة عليها وتحويلها إلى مادة بشرية وطبيعية تُوظَّف لصالح الغرب. ـ نقْل الفائض البشري من أوربا إلى جيوب استيطانية غربية في كل أنحاء العالم، لتكون ركائز للجيوش الغربية والحضارة الغربية (فيما يُعَد أكبر حركة هجرة في التاريخ) . ـ نقْل كثير من أعضاء الأقليات إلى بلاد أخرى (الصينيين إلى ماليزيا ـ الهنود إلى عدة أماكن ـ اليهود إلى الأرجنتين) كشكل من أشكال الاستعمار الاستيطاني، إذ أن هذه الأقليات تشكل جيوباً استيطانية داخل البلاد التي تستقر فيها. ـ نقْل كثير من العناصر المقاتلة من آسيا وأفريقيا وتحويلهم إلى جنود مرتزقة في الجيوش الغربية الاستعمارية، مثل الهنود (خصوصاً السيخ) في الجيوش البريطانية. وفي الحرب العالمية الأولى، تم تهجير 132 ألفاً من مختلف أقطار المغرب لسد الفراغ الناجم عن تجنيد الفرنسيين، بالإضافة إلى تجنيد بعضهم مباشرةً للقتال (وهذه هي أول «هجرة» لسكان المغرب العربي، وقد استمرت بعد ذلك تلقائياً) . ـ مع ظهور فكر حركة الاستنارة في الغرب تم تعريف الناس حسب نفعهم للمجتمع والدولة وقد طُبِّق هذا المعيار على كل المواطنين وبخاصة أعضاء الأقليات. فتم تقسيم اليهود في كثير من البلاد الغربية ـ كما أسلفنا ـ بحيث أصبح غير النافعين قابلين للترحيل. ـ في هذا الإطار المعرفي الترانسفيري، تمت عملية الاستيطان الصهيونية التي هي في جوهرها تصدير لإحدى مشاكل أوربا الاجتماعية (المسألة اليهودية) إلى الشرق. فيهود أوربا هم مجرد مادة (فائض بشري لا نفع له داخل أوربا يمكن توظيفه في خدمتها في فلسطين) ، والعرب أيضاً مادة (كتلة بشرية تقف ضد هذه المصالح الغربية) ، وفلسطين كذلك مادة، فهي ليست وطناً وإنما هي جزء لا يتجزأ من الطبيعة/المادة تُطلَق عليه كلمة «الأرض» . فتم نقل العرب من فلسطين ونُقل اليهود إليها، وتمت إعادة صياغة كل شيء بما يتلاءم مع مصالح الإنسان الغربي. ـ تمت عمليات ترانسفير ضخمة بعد الحرب العالمية الأولى، فنُقل سكان يونانيون من تركيا إلى اليونان، وسكان أتراك من اليونان إلى تركيا، كما نُقل سكان ألمان من بروسيا الشرقية بعد ضمها إلى بولندا. وهذه العمليات هي التي أوحت لهتلر بعمليات نقل اليهود خارج الرايخ. بل إنه في السنين الأخيرة من حكم الرايخ طوَّر هملر جنرال بلان أوست Generalplan Ost لنقل 31 مليوناً «غير ألمان» من أوربا الشرقية وتوطين ألمان بدلاً منهم. وما يهمنا في هذا كله هو نزع القداسة عن البشر كافة (في الشرق والغرب) وتحويلهم إلى مادة استعمالية ليست لها قيمة مطلقة، ولا علاقة لها بأية معيارية. ولكن لنركز على التجربة الاستيطانية الغربية في جميع أنحاء العالم، خصوصاً في أمريكا الشمالية، وهي تجربة كانت تفترض ضرورة إبادة تلك العناصر البشرية الثابتة التي كانت تقف عقبة كأداء في طريق الإنسان الغربي وتحقيق مشروعه الإمبريالي. وقد قبلت الجماهير الأوربية عملية الإبادة الإمبريالية وساهمت فيها بحماس شديد، لأن هذه العملية كانت تخدم مصالحها، كما أوهمتها الدول الإمبريالية ذات القبضة الحديدية في الداخل والخارج. وتُعدُّ العقيدة البيوريتانية (أو التطهرية) ، عقيدة المستوطنين البيض في أمريكا الشمالية، هي أولى الأيديولوجيات الإمبريالية الإبادية التي كانت تغطيها ديباجات دينية كثيفة. فكان هؤلاء المتطهرون يشيرون إلى هذا الوطن الجديد باعتباره «صهيون الجديدة» أو «الأرض العذراء» فهي «أرض بلا شعب» . وكان المستوطنون يشيرون إلى أنفسهم باعتبارهم «عبرانيين» ، وللسكان الأصليين باعتبارهم «كنعانيين» أو «عماليق» (وكلها مصطلحات توراتية إبادية، استخدمها معظم المستوطنين البيض فيما بعد في كل أرجاء العالم متجاهلين تماماً القيم المسيحية المطلقة مثل المحبة والإخاء) . وكان كل هذا يعني في واقع الأمر إبادة السكان الأصليين حتى يمكن للمستوطنين البيض الاستقرار في الأرض الخالية الجديدة! وقد تم إنجاز هذا من خلال القتل المباشر، أو نقل الأمراض المختلفة (كأن تُترَك أغطية مصابة بالجدري كي يأخذها الهنود فينتشر الوباء بينهم ويتم إبادتهم تماماً) . وكانت الحكومة البريطانية في عصر الملك جورج الثالث تعطي مكافأة مالية لكل من يحضر فروة رأس هندي قرينة على قتله. واستمرت هذه التقاليد الغربية الإبادية بعد استقلال أمريكا، بل تصاعدت بعد عام 1830 حين أصدر الرئيس جاكسون قانون ترحيل الهنود، والذي تم بمقتضاه تجميع خمسين ألفاً من هنود الشيروكي من جورجيا وترحيلهم (ترانسفير) أثناء فصل الشتاء سيراً على الأقدام إلى معسكر اعتقال خُصِّص لهم في أوكلاهوما. وقد مات أغلبهم في الطريق (وهذا شكل من أشكال الإبادة عن طريق التهجير [ترانسفير] ، فهو شكلاً ترانسفير من مكان لآخر ولكنه فعلاً ترانسفير من هذا العالم للعالم الآخر) . ووصلت العملية الإبادية إلى قمتها في معركة ونديد ني Wounded Knee (الركبة الجريحة) عام 1890. وكانت الثمرة النهائية لعمليات الإبادة هذه أنه لم يبق سوى نصف مليون من مجموع السكان الأصليين الذي كان يُقدر بنحو 6.5مليون عام 1500 لدى وصول الإنسان الأبيض، أي أنه تمت إبادة ستة مليون مواطن أصلي (وهو رقم سحري لا يذكره أحد هذه الأيام) ، إذا لم نحسب نسبة التزايد الطبيعي (يُقدر البعض أن العدد الفعلي الذي تم إبادته منذ القرن السادس عشر حتى بداية القرن العشرين قد يصل إلى عشرات الملايين) . وقد تكرر نفس النمط في أستراليا التي كان يبلغ عدد سكانها الأصليين 2 مليون عند استيطان البيض للقارة في عام 1788 لم يبق منهم سوى 300 ألف. ولا تزال عملية إبادة السكان الأصليين مستمرة في البرازيل وأماكن أخرى (وإن كان بشكل أقل منهجية وخارج نطاق الدولة) . وترتبط بالتجربة الاستيطانية في أمريكا الشمالية عمليات نقل ملايين الأفارقة السود للأمريكتين لتحويلهم إلى عمالة رخيصة. وقد تم نقل عشرة ملايين تقريباً، ومع هذا يجب أن نتذكر أن كل أسير كان يقابله بوجه عام عشرة أموات كانوا يلقون حتفهم إما من خلال أسباب «طبيعية» بسبب الإنهاك والإرهاق وسوء الأحوال الصحية أو من خلال إلقائهم في البحر لإصابتهم بالمرض. وكانت أعمال السخرة الاستعمارية في أفريقيا ذاتها لا تقل قسوة. ففي كتابه رحلة إلى الكونغو (1927) ، يُبيِّن أندريه جيد كيف أن بناء السكة الحديد بين برازفيل والبوانت السوداء (مساحة طولها 140 كيلو متر) احتاجت إلى سبعة عشر ألف جثة. ويمكن أن نتذكر أيضاً حفر قنال السويس بنفس الطريقة وتحت نفس الظروف وبنفس التكلفة البشرية. وقد ورد في إحدى الدراسات أن عدد المواطنين الأوربيين الذين لهم علاقة بعمليات التطهير العرْقي والإبادة داخل أوربا (إما كضحايا أو كجزارين) يصل إلى مائة مليون، فإذا أضفنا إلى هذا عدد المتورطين في عمليات القمع والإبادة الاستعمارية في الكونغو وفلسطين والجزائر وفيتنام وغيرها من البلدان فإن العدد حتماً سوف يتضاعف. ولكن الإمكانية الإبادية الكامنة التي تحققت بشكل غير متبلور وجزئي في التجربة الإمبريالية والاستيطانية الغربية، تحققت بشكل نماذجي كامل في الإبادة النازية أو في «اللحظة النازية النماذجية» في الحضارة الغربية، أي اللحظة التي تبلور فيها النموذج وأفصح عن نفسه بشكل متبلور فاضح، دون زخارف أو ديباجات (ولذا أذهلت الجميع، وضمنهم المدافعون عن النموذج في صوره الأقل تبلوراً وأكثر اعتدالاً) . وكان النازيون يُدركون تمام الإدراك أن نظامهم النازي وممارساته الإبادية هما ثمرة طبيعية للتشكيل الحضاري الإمبريالي الغربي الحديث. وقد بيَّن كاتبو سيرة حياة هتلر أن أولى تجارب الإنسان الغربي الاستعمارية الاستيطانية، أي تجربته في أمريكا الشمالية، كانت تجربة مثالية أوحت له بكثير من أفكاره التي وضعها موضع التنفيذ فيما بعد. وكما يقول المؤرخ جون تولاند إن هتلر، في أحاديثه الخاصة مع أعضاء الحلقة المقرَّبة إليه، كثيراً ما كان يعبِّر عن إعجابه بالمستوطنين الأمريكيين وطريقة " معالجتهم " لقضية الهنود الحمر. فقد قاموا بمحاولة ترويضهم عن طريق الأسر، أما هؤلاء الذين رفضوا الرضوخ فكان يتم إبادتهم من خلال "التجويع أو القتال غير المتكافئ ". ويقول يواقيم فست إن حروب هتلر القارية المستمرة كانت محاكاة للنموذج الاستعماري الغربي في أمريكا الشمالية. وبالفعل صرح هتلر في إحدى خطبه بأنه حين قام كورتيز وبيزارو (وهما من أوائل القواد الاستعماريين الإسبان) بغزو أمريكا الوسطى والولايات الشمالية من أمريكا الجنوبية، فهم لم يفعلوا ذلك انطلاقاً من أي سند قانوني وإنما من الإحساس الداخلي المطلق بالتفوق. فاستيطان الإنسان الأبيض لأمريكا الشمالية، كما أكد هتلر، لم يكن له أي سند ديموقراطي أو دولي، وإنما كان ينبع من الإيمان بتفوق الجنس الأبيض. ولذا في مجال تبريره للحرب الشرسة التي شنها على شرق أوربا قال هتلر: " إن هناك واجباً واحداً: أن نؤلمن هذه البلاد من خلال هجرة الألمان الاستيطانية وأن ننظر إلى السكان الأصليين باعتبارهم هنوداً حمراً ". وأكد هتلر أن الحرب التي تخوضها ألمانيا ضد عناصر المقاومة في شرق أوربا لا تختلف كثيراً عن كفاح البيض في أمريكا الشمالية ضد الهنود الحمر. ومن هنا كان هتلر يشير إلى أوربا الشرقية باعتبارها "أرضاً عذراء" و"صحراء مهجورة " ("أرض بلا شعب" في المصطلح الصهيوني) . وقد بيَّن ألفريد روزنبرج، أثناء محاكمته في نورمبرج، هذه العلاقة العضوية بين العنصرية النازية والمشروع الغربي الإمبريالي، فأشار مثلاً إلى أنه تعرَّف لأول مرة على مصطلح «الإنسان الأعلى» (السوبرمان) في كتاب عن الاستعماري الإنجليزي كتشنر، وأن مصطلح «الجنس المتفوق» أو «الجنس السيد» مأخوذ من كتابات العالم الأمريكي الأنثروبولوجي ماديسون جرانت والعالم الفرنسي لابوج، وأن رؤيته العرْقية هي نتيجة أربعمائة عام من البحوث العلمية الغربية، فالنازية - كما أكد روزنبرج لمحاكميه - جزء من الحضارة الغربية. ولعل أكبر دليل على أن الإبادة إمكانية كامنة، تضرب بجذورها في الحضارة الغربية الحديثة، أنها لم تكن مقصورة على النازيين وإنما تشكل مرجعية فكر وسلوك الحلفاء، أعداء النازيين الذين قاموا بمحاكمتهم بعد الحرب! فإرنست همنجواي، الكاتب الأمريكي، كان يُطالب بتعقيم الألمان بشكل جماعي للقضاء على العنصر الألماني. وفي عام 1940 قال تشرشل إنه ينوي تجويع ألمانيا وتدمير المدن الألمانية وحرقها وحرق غاباتها. وقد عبَّر كاتب يُسمَّى كليفتون فاديمان عن هذا الموقف الإبادي بشكل متبلور. ولم يكن فاديمان هذا شخصية ثانوية في المؤسسة الثقافية الأمريكية فقد كان محرر مجلة النيو يوركر (وهي من أهم المجلات الأمريكية) ورئيس إحدى الوكالات الأدبية التي أنشأتها الحكومة الأمريكية إبَّان الحرب بغرض الحرب النفسية. وقد شن حملة كراهية ضارية ضد الألمان (تشبه في كثير من الوجوه الحملة التي شنها الغرب ضد العرب في الستينيات والتي يشنها ضد المسلمين والإسلام في الوقت الحاضر) وجعل الهدف منها "إضرام الكراهية لا ضد القيادة النازية وحسب، وإنما ضد الألمان ككل ... فالطريقة الوحيدة لأن يفهم الألمان ما نقول هو قتلهم ... فالعدوان النازي لا تقوم به عصابة صغيرة ... وإنما هو التعبير النهائي عن أعمق غرائز الشعب الألماني، فهتلر هو تَجسُّد لقوى أكبر منه، والهرطقة التي ينادي بها هتلر عمرها 2000 عام". ومثل هذا الحديث لا يختلف كثيراً عن الحديث عن عبء الرجل الأبيض وعن الخطر الإسلامي ومن قبله الخطر الأصفر. وقد اشترك بعض الزعماء والكُتَّاب اليهود في هذه الحملة، فصرح فلاديمير جابوتنسكي عام 1934 بأن مصلحة اليهود تتطلب الإبادة النهائية لألمانيا، «فالشعب الألماني بأسره يُشكِّل تهديداً لنا» . ولكن يمكن القول بأن كتاب الكاتب الأمريكي اليهودي تيودور كاوفمان بعنوان لابد من إبادة ألمانيا هو من أهم الكتب المحرضة على الإبادة، وقد استفادت منه آلة الدعاية النازية وبيَّنت أبعاد المؤامرة الإبادية ضد الألمان، وهو ما شكَّل تبريراً لفكرة الإبادة النازية نفسها. وقد ورد في هذا الكتاب أن كل الألمان، مهما كان توجههم السياسي (حتى لو كانوا معادين للنازية، أو شيوعيين، أو حتى محبين لليهود) لا يستحقون الحياة، ولذا لابد من تجنيد آلاف الأطباء بعد الحرب ليقوموا بتعقيمهم حتى يتسنى إبادة الجنس الألماني تماماً خلال ستين عاماً! وكان هناك حديث متواتر عن ضرورة «هدم ألمانيا» ، وعن «تحويل ألمانيا إلى بلد رعوية» (بالإنجليزية: باستوراليزيشن patsoralization) ، أي هدم كل صناعاتها ومؤسساتها الحديثة (كما حدث لمحمد علي) . ونجحت غارات الحلفاء على المدن الألمانية في إبادة مئات الألوف من المدنيين (من الرجال والأطفال والنساء والعجائز) وتحطيم كل أشكال الحضارة والحياة. وقد بلغ عدد ضحايا الغارات على مدينة درسدن الألمانية وحدها 200 ألف قتيل. كما استمرت النزعة الإبادية بعد الحرب، فقامت قوات الحلفاء بوضع مئات الألوف من الجنود الألمان في معسكرات اعتقال وتم إهمالهم عن عمد، فتم تصنيفهم على أساس أنهم DEFS وهي اختصار عبارة «ديس آرميد إنيمي فورسيز disarmed enemy forces» أي «قوات معادية تم نزع سلاحها» بدلاً من تصنيفهم «أسرى حرب» . وإعادة التصنيف هذه كانت تعني في واقع الأمر حرمانهم من المعاملة الإنسانية التي تنص عليها اتفاقيات جنيف الخاصة بأسرى الحرب، وبالفعل قضى 793.239 جندي ألماني نحبهم في معسكرات الاعتقال الأمريكية عام 1945،كما قضى 167 ألف نحبهم في معسكرات الاعتقال الفرنسية نتيجةً للجوع والمرض والأحوال الصحية السيئة (حسبما جاء في دراسة لجيمس باك James Bacque) ، وفي الوقت ذاته كان يوجد 13.5 مليون طرد طعام في مخازن الصليب الأحمر، تعمدت سلطات الحلفاء عدم توزيعها عليهم. ولم تقتصر الإبادة على التصفية الجسدية بل كانت هناك إبادة ثقافية، فقد قام الحلفاء بما سُمِّي «عملية نزع الصبغة النازية عن ألمانيا» (بالإنجليزية: دي نازيفيكيشن denazification) للقضاء على النازيين في الحياة العامة، فأُقيمت 545 محكمة دائمة على الأقل يتبعها طاقم من الفنيين والسكرتارية عددهم اثنان وعشرون ألفاً. وقام الأمريكيون بتغطية ثلاثة عشر مليون حالة (أي معظم الذكور الألمان البالغين) ، وتم توجيه الاتهام إلى ثلاثة ملايين وسبعمائة ألف، أُجريت لهم محاكمات عاجلة. وأدين تسعمائة وثلاثون ألفاً منهم، وصدرت أحكام بشأنهم من بينها 169.282حكماً بتهمة ارتكاب جرائم نازية لا مجرد التعاون مع النظام النازي. وأصدر البريطانيون 22.296 حكماً والفرنسيون 17.353 حكماً، والروس ثمانية عشر ألف حكم. وبحلول عام 1945، كان قد تم طرد 141 ألف ألماني من وظائفهم، من بينهم معظم المدرسين في منطقة الاحتلال الأمريكية، وزُج بعدد أكبر من هؤلاء في السجن. وتظهر نفس النزعة الإبادية في استجابة الحلفاء لليابان، فقبل اكتشاف القنبلة الذرية، كان الجنرال الأمريكي كورتيس لي ماي يقوم بتحطيم مدن اليابان الواحدة تلو الأخرى بشكل منهجي لم يسبق له مثيل في التاريخ. فخلال عشرة أيام في مارس 1945، قامت الطائرات الأمريكية بطلعات جوية بلغ عددها 11.600، تم خلالها إغراق 32 ميل مربع من أكبر أربع مدن يابانية بالقنابل، وهو ما أدَّى إلى محو هذه المساحات وكل ما عليها من الوجود وتسببت في مقتل150.000. أما الغارات الجوية على طوكيو يوم 25 مايو 1945، فتسببت في اندلاع عاصفة نارية ضخمة حتى أن قائدي الطائرات المقاتلة كانوا يشمون رائحة لحم البشر المحترق وهم على ارتفاع آلاف الأقدام. وأدَّت هذه الغارات إلى مقتل الآلاف وتشريد مليون شخص على الأقل. وكانت عملية الإبادة من الشمول لدرجة أن الجنرال جروفز المسئول عن مشروع مانهاتن لإنتاج القنبلة النووية كان «يخشى» ألا يجد أي هدف سليم يمكن أن يُلقي عليه بقنابله ويدمره. ورغم أن الولايات المتحدة كانت تعرف أن اليابانيين كانوا قد بدأوا يفكرون بشكل جاد في إنهاء الحرب، فقد رأى الجنرال جروفز ضرورة استخدام القنبلة مهما كان الأمر (بعد أن تم إنفاق 2 بليون دولار في تطويرها وهو ما يُعادل 26 بليون دولار بحسابات اليوم) . كما أن ترومان كان يشعر بعدم الثقة في نفسه أمام تشرشل وستالين، ولذا كان يود أن يذهب للاجتماع بهم وهو في موقع قوة، خصوصاً وأن الدب الروسي كان قد بدأ في التضخم. ومن ثم، كان لابد من إلقاء القنبلة الذرية بغض النظر عن عدد الضحايا أو حجم التدمير. وكان الجنرال جروفز «محظوظاً» (كما تقول بعض الدراسات) إذ وجد ضالته المنشودة في هيروشيما التي كان يقطنها 280 ألف نسمة ووجد أنها محاطة بتلال يمكن أن تُحوِّل المدينة إلى جهنم حقيقية بعد الانفجار إذ أنها ستركز الحرارة. وبالفعل قُتل فور وقوع الانفجار 70 ألف مدني ومات 130 ألف آخرون بعد عدة شهور متأثرين بحروقهم من الإشعاع. وكأن هيروشيما لم تكن كافية، فأُلقيت قنبلة أخرى على ناجازاكي، أدَّت هي الأخرى إلى مقتل 70 ألف آخرين، غير مئات الألوف الآخرىن الذين لقوا مصرعهم فيما بعد. فما بين ألمانيا واليابان تم إبادة وإصابة حوالي مليوني شخص معظمهم من المدنيين. كما يجب أن نتذكر عمليات الإبادة التي قام بها النظام الستاليني ضد الشعوب الإسلامية في الخانات التركية (التي أصبحت الجمهوريات السوفيتية الإسلامية) . وكان عدد شعب التتار وحده يساوي عدد سكان روسيا، أما الآن فهو لا يُكوِّن سوى نسبة مئوية ضئيلة، ومصيره بهذا لا يختلف كثيراً عن مصير السكان الأصليين في أستراليا وأمريكا الشمالية. وقد استمر النظام الستاليني في عمليات الإبادة المنهجية والمنظمة لأعدائه الطبقيين مثل الكولاك الذين قاوموا تحويل مزارعهم إلى مزارع جماعية، بل تم إبادة كثير من أعضاء الحزب الشيوعي ممن عارضوا الديكتاتور. وكانت الإبادة تأخذ أشكالاً مختلفة مثل الإعدام والعمل في معسكرات السخرة. وقد بلغ عدد الضحايا 20 مليون مات منهم 12 مليون على الأقل في معسكرات الجولاج: هذا حسب التقديرات المحافظة، أما أعداء النظام الستاليني فيقولون إن عدد الضحايا بلغ 50 مليوناً! وبعد حوالي نصف قرن لا تزال عمليات الإبادة والتطهير العرْقي على قدم وساق في البوسنة والهرسك والشيشان ولا تزال بعض الدول الغربية تراقب هذا بحياد غير عادي. إبادة الآخر إذن آلية أساسية استخدمها التشكيل الحضاري الإمبريالي الغربي في تحقيق رؤيته ومثالياته الداروينية، ومع هذا تظل الإبادة النازية لليهود لها مركزية خاصة، فكيف نفسِّر هذا؟ تعود هذه المركزية، فيما أعتقد، إلى حداثة الإبادة النازية ومنهجيتها، الأمر الذي جعلها تقض مضجع الإنسان الغربي، فمشروعه الحضاري يستند إلى العلم المتجرد من القيمة وعبقرية حضارته تكمن في الترشيد المتزايد. كما أن الإبادة الاستعمارية كانت تتم دائماً "هناك" بعيداً عن أوربا، في آسيا وأفريقيا، أما الإبادة النازية فتمت «هنا» على أرض الحضارة الغربية، وعلى بُعد أمتار من منازل المواطنين العاديين. كما أن العناصر التي أُبيدت لم تكن داكنة اللون أو صفراء، وإنما «مثلنا تماماً» . وأخيراً يشغل اليهود مكانة خاصة في الوجدان الغربي الديني والحضاري، فاليهودي يقف دائماً على الهامش، موضع تقديس وكُره عميقين، وحينما صرعته الإبادة النازية تنبه الإنسان الغربي إلى الإمكانية الكامنة، التي تقف فاغرة فاهها، في قلب حضارته الحديثة. السياق الحضاري الألماني للإبادة German Cultural Context of the Extermination تناولنا في المدخل السابق الإطار الحضاري الغربي العام للإبادة، ويمكننا الآن أن نترك المنظور العام لنركز على حالة محددة وهي الإبادة الألمانية النازية ليهود أوربا. ويمكن القول بأن المنظومة المعرفية العلمانية الإمبريالية اكتسبت حدةً خاصة في ألمانيا لأسباب عديدة من بينها تقاليد وحدة الوجود (الحلولية الكمونية) القوية التي تعود إلى جيكوب بومه والمعلم إيكهارت، وهي تقاليد ورثتها الفلسفة المثالية الألمانية وعمّقتها ووصلت إلى ذروتها في فلسفة فخته الذي جعل من الذات مركز الكون وتصورها قادرة على خلق العالم. ولكن فخته في الوقت نفسه طالب بالقضاء على الفرد (الشخص الإمبريقي) وكان يحلم «بجمهورية الألمان» التي يُجنَّد كل ذكر فيها من سن العشرين حتى موته، فهي جمهورية جنود لا مواطنين. وقد ربطت الفلسفة الألمانية المثالية الإنسان الفرد بالمطلق الذي يمكن أن يتجسد في الفرد، كما يمكن للفرد أن يذوب فيه. وحتى يصل الفرد إلى المطلق أُعيد تعريف العقل وتم توسيع نطاقه ولم تَعُد هناك حدود تفصل بين عقل الفرد والعقل المطلق، ففقد العقل هويته وأصبح لاعقلانياً. وقد وصلت الحلولية الألمانية إلى قمتها في منظومة هيجل الشاملة التي تساوي بين المقدَّس والزمني، ثم يبلغ الحلول منتهاه في فلسفة نيتشه وفلسفات الحياة. في هذا الإطار تم تعيين "مطلقات" مختلفة تكون هي موضع الحلول والكمون. وكان أول المطلقات هو الشعب الألماني العضوي (فولك) موضع الحلول والكمون، وصاحب الرسالة. وقد وُلدت القومية الألمانية في أتون الحروب وتحت شعار الوحدة والمركزية، وصاحب ذلك تعميق مفهوم الشعب العضوي، والإصرار على الانتماء الكامل غير المشروط مقياساً وحيداً للولاء، وطُرح شعار «ألمانيا فوق الجميع» الذي تبناه أعضاء الشعب الألماني، وبُذلت المحاولات لإعادة صياغة الشخصية الألمانية لضمان ولائها للدولة المطلقة. وقد بلغت سطوة هذا المفهوم حداً جعلته يبتلع المنظومة الدينية نفسها، فاختلطت الديباجات الدينية بالقيم القومية بحيث تطلب الانتماء للشعب العضوي الألماني الانتماء إلى المسيحية البروتستانتية. ولكن مما يجدر ذكره أن هذه البروتستانتية كانت بروتستانتية ثقافية أو إثنية ( «عقيدة أبائنا» ) تركز على المشاعر الدينية دون العقيدة الدينية، ولذا كان بوسعها أن تتصالح ببساطة مع النيتشوية والداروينية (يشير المفكر البروتستانتي الألماني بول تيليخ إلى نيتشه باعتباره مفكراً بروتستانتياً كبيراً) . وقد نتج عن ذلك تَنصُّر أعداد هائلة من يهود ألمانيا حتى يندمجوا " ثقافياً " في مجتمعهم الألماني. ووصلت نسبة هؤلاء أحياناً إلى ما يزيد عن 50% من مجموع يهود برلين (الذين كانوا يشكلون معظم يهود ألمانيا في أواخر القرن التاسع عشر) . ولكن في إطار مفهوم الشعب العضوي يصبح مثل هذا التنصر عملية "تسلل" و"تآمر"، فصفات الشعب العضوي صفات موروثة تجري في العروق وفي أرض الأجداد. وبالفعل لوحظ تصاعد معدلات العداء لليهود في الفكر الألماني العلماني. فكتب ولهلم مار (1818 ـ 1904) كتابه المهم انتصار اليهودية على الألمانية: من منظور غير ديني (1862) . كما نشر فاجنر وبول أنطون دي لاجارد وهنريش فون تراتيشكة كتاباتهم المعادية لليهود. ثم نأتي لأهم المفاهيم في الحلولية الكمونية المادية وهو مفهوم الدولة، التي تشغل مكاناً خاصاً في التفكير الرومانسي الألماني. وكما تم ربط الفرد بالمطلق، ثم ربط مفهوم الحرية بالدولة، بحيث لا تتحقق الحرية إلا من خلال الدولة (ومن هنا جنود فخته الأحرار!) . ويصل هذا الاتجاه إلى ذروته (أو هوته) في فلسفة هيجل حيث تصبح الدولة هي المطلق، بل تجسيداً له، وهي الإطار السياسي الذي يمكن للشعب العضوي أن يُعبِّر عن نفسه من خلاله. إن الدولة أصبحت هي المطلق مجازياً وحرفياً ولذا طالب هيجل الإنسان بأن يعبد الدولة كما لو كانت إلهاً سماوياً، وهذه هي قمة الحلولية الوثنية (التي ستُعبِّر عن نفسها بشكل سوقي من خلال النازية والصهيونية فيما بعد) . وقد تزامن هذا مع تزايد النزعة التاريخانية (تحت تأثير هيجل وغيره) بحيث لم يعد من الممكن أن يسأل الإنسان هل هذا الفعل خيِّر أم شرير، إذ أصبح السؤال الوحيد الممكن هو: هل يتفق هذا مع اللحظة التاريخية أو لا؟ كما انتشرت الأفكار الداروينية بشكل متطرف، التي تُهمِّش الإنسان الفرد تماماً. وقد واكب هذه النسبية الأخلاقية تزايد الإيمان بالعلم المنفصل عن القيمة والغائية الإنسانية، فتعقيم المعوقين كان أمراً مقبولاً في الطب الألماني مع بداية القرن العشرين (الأمر الذي يعني أن أعداداً كبيرة من الأطباء الألمان اليهود كانوا متورطين في هذه الرؤية. ومن المعروف أن الأطباء اليهود لم يُطردوا من مهنة الطب في ألمانيا إلا في عام 1933) .كما عرف الألمان أسلوب الانتفاع من الجثث البشرية قبل ظهور النازي، أي أن تزايد إطلاق الدولة واكبه تهميش الفعل الأخلاقي الفردي والمسئولية الفردية فتم استيعاب الفرد في الكل الشامل. وكان الشاعر هايني من أكثر المفكرين إدراكاً لخطر الحلولية الكمونية التي تجعل الإنسان إلهاً على الأرض، وفي الوقت نفسه تجعل الدولة إلهاً على الأرض. فقال إن فيلسوف الطبيعة سيعقد تحالفاً مع قوى الطبيعة الكونية وسيوقظ القوى الشيطانية لوحدة الوجود الألمانية التي ستضرم الشهوة للحرب (التي تسم الألمان القدامى) حيث لا يحارب الجندي ليدمر ويكسب المعركة، وإنما يحارب من أجل الحرب. هذه هي بعض مكونات السياق الحضاري الألماني للنازية وللإبادة النازية لليهود (ولغيرهم) . وقد تشابكت هذه المكونات وتصاعدت حدتها وبلغت حداً عالياً من التبلور في العقيدة النازية، التي تشكل تعبيراً صافياً ونماذجياً عن المُثُل العليا للحضارة العلمانية الغربية وعن النموذج الحاكم الكامن فيها. والعقيدة النازية لم تفعل أكثر من وضع هذه المُثُل موضع التنفيذ بشكل أكثر تطرفاً من المعتاد، إذ طبقت الأفكار بشكل أكثر ثورية وأكثر منهجية وشمولاً على البشر كافة. النازية والحضارة الغربية Nazism and Western Civilization كلمة «نازي» مأخوذة بالاختصار والتصرف (بهدف التهكم) من العبارة الألمانية «ناشيونال سوشياليستيش دويتش أربايتربارتي National Sozialistische Deutsche Arbeiterpartei» (NSDAP) ، أي «الاشتراكية القومية» ، وهي حركة عرْقية داروينية شمولية، قادها هتلر وهيْمنت على مقاليد الحكم في ألمانيا، وعلى المجتمع الألماني بأسره. والحركة النازية هي حركة سياسية وفكرية، ضمن حركات سياسية فكرية أخرى تحمل نفس السمات، ظهرت داخل التشكيل الحضاري الغربي بعد الحرب العالمية الأولى. كانت النواة الأساسية للحركة النازية هي حزب صغير يُسمَّى «حزب العمال الألمان» أُسِّس في جو البطالة والثورة الاجتماعية عام 1918 بعد هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى وإذلالها على يد الدول الغربية المنتصرة. وكان المنظِّر الأساسي للحزب هو جوتفريد فيدر الذي نادى بعقيدة لها صبغة قومية قوية وطابع اشتراكي، تدعو إلى ملكية الدولة للأرض وتأميم البنوك. وكان من أوائل من انضم لعضوية هذا الحزب محاربون قدامى مثل رودولف هس وهرمان جورنج، ومثقفون محبطون مثل ألفريد روزنبرج وب. ج. جوبلز وهتلر نفسه، وشخصيات أخرى مثل يوليوس سترايخر. وقد ازدادت عضوية الحزب لأنه توجه إلى المخاوف الكامنة لدى قطاعات كبيرة من الألمان من الشيوعيين والبلاشفة، وإلى حنقها على معاهدة فرساي التي أذلت ألمانيا وحولتها إلى ما يشبه المستعمرة، وعلى جمهورية وايمار المتخاذلة التي قبلت هذا الوضع، وإلى إحساس الجماهير بالضياع في المجتمع الحديث وإحساسهم بالقلق وعدم الطمأنينة نتيجة تآكل المجتمع التقليدي. ورغم أن الحزب كان يُسمَّى «حزب العمال» ، فإنه لم يضم كثيراً من العمال بين أعضائه، ولم ينضم له من العمال سوى العاطلين عن العمل. وأُعيد تنظيم الحزب عام 1920 وسُمِّي «حزب العمال الألماني الاشتراكي القومي» وترأسه هتلر الذي حصل على تأييد لودندورف (بطل الحرب العالمية الأولى) وعديد من رجال الصناعة الذين رأوا أن بإمكان هتلر تقويض دعائم النظام السياسي القائم، الذي لم يكن يسمح لهم باتباع سياسة رأسمالية حرة تماماً، كما أنهم رأوا أن وجوده يمثل الفرصة الوحيدة أمامهم لوقف تقدم الشيوعيين. وقد تزايد نفوذ الحزب مع اتساع نطاق الكساد الاقتصادي. وحل كتاب هتلر كفاحي محل برنامج جوتفريد فيدر (الذي تحول إلى مجرد ناطق بلسان هتلر) ، كما تراجع الخطاب الاشتراكي وحل محله خطابٌ نازيٌ أكثر تبلوراً ومادية. وسار الحزب النازي بخطى واسعة في الفترة من 1930 حتى 1932، ووصلت عضويته إلى مليونين بحيث أصبح الحزب الثاني في ألمانيا أثناء فترة الكساد الكبير الذي بدأ عام 1929، وهي فترة شهدت تآكل مدخرات الطبقة الوسطى الألمانية وانتشار الحركات الإباحية والبغاء والفوضوية وتَعاظُم نفوذ الشيوعيين. ورغم أن هتلر خسر انتخابات الرئاسة عام 1932 أمام هندنبرج، إلا أن حزبه النازي أصبح أكبر حزب ألماني على الإطلاق. وقد فشل المستشار فون بابن في الاحتفاظ بأغلبية تمكنه من الحكم في البرلمان، فأُجريت انتخابات أخرى. وكان هتلر قد حصل إبَّان ذلك على الدعم المالي من رجال المال والصناعة في وادي الراين الذين كانوا يهدفون إلى احتوائه واستخدامه كأداة. وكان هتلر يستخدم خطابين مختلفين: أحدهما للجماهير، والآخر لرجال المال. وقد احتجت بعض العناصر الاشتراكية في الحزب على الاتجاه المتزايد نحو اليمين، ولكن هتلر نجح في القضاء على هذه العناصر. وفي عام 1933، قام الرئيس هندنبرج بتعيين هتلر مستشاراً. وحينما اندلع حريق في مبنى البرلمان، قام هتلر بطرد النواب الشيوعيين بعد أن ألقى التبعة عليهم. ثم اقترع البرلمان على منح هتلر سلطات شاملة، ومن ثم أنجز هتلر ثورته القانونية. وفي يونيه 1934، أصبح الحزب النازي هو الحزب الأوحد، وقام هتلر بتصفية البقية الباقية من العناصر العسكرية في حزبه بطريقة دموية، وكان من بينهم إرنست روم رئيس قوات العاصفة. كما قام هتلر بضرب اليمين، فأثبت بذلك أنه لم يكن مجرد أداة في يد المموِّلين أو بقايا النظام الملكي فأمم المصارف وبعض الصناعات. ومع هذا، استفادت العناصر الرأسمالية من خلال سيطرة الدولة على كثير من القطاعات الاقتصادية، وأُلغيت اتحادات العمال، وفقد العمال حقوقهم، وتم استيعابهم في مؤسسات الحزب، وتم التنسيق بين جميع مؤسسات الدولة والحزب. كما أصبحت الخدمة العامة إجبارية، ثم فُرض التجنيد الإجباري وأُخضعت ألمانيا كلها لنظام مركزي قوي. وأُلغي استقلال الولايات، وأُخضعت لهيمنة الفوهرر وأجهزته مباشرة، بل أسس الحزب كنيسة ألمانية بهدف السيطرة على الكنائس البروتستانتية. وفي عام 1936، بدأت خطة السنوات الأربع لإعادة تسليح ألمانيا، وإعادة تنظيم الاقتصاد انطلاقاً من الاعتماد على الذات. وقد حقق النازيون نجاحاً اقتصادياً باهراً، الأمر الذي زاد من التفاف الجماهير حولهم، حيث تم القضاء على البطالة وبُنيت منشآت عامة عديدة، ثم سيطر هتلر على حزبه سيطرة كاملة، وتولى هملر رئاسة الجستابو (البوليس السري) عام 1936. وبعد موت هندنبرج، أصبح هتلر رئيساً للدولة لا يقاسمه السلطة أحد. ونجح في استصدار قرار عام 1934 بتأسيس الرايخ الثالث الذي سيدوم ألف عام (والرايخ هو ألمانيا أو الإمبراطورية الألمانية المقدَّسة حيث يمتد الرايخ الأول من تاريخ تأسيس الإمبراطورية الرومانية المقدَّسة عام 962 حتى انحلالها عام 1806، والرايخ الثاني هو الإمبراطورية الألمانية منذ 1871 وحتى 1918، أما الرايخ الثالث فهو الدولة النازية من 1933) ، وأصبح هو حاكم (فوهرر) ألمانيا بلا منازع. وبدأ هتلر في تنفيذ مخططه الإمبريالي في الداخل والخارج صدوراً عن الرؤية النازية للعالم التي استمدت ملامحها الأساسية من الحضارة الغربية: 1 ـ السمة الأساسية للمنظومة النازية هي علمانيتها الشاملة وواحديتها المادية الصارمة. وقد هاجم ألفريد روزنبرج (أهم «الفلاسفة» النازيين) المسيحية باعتبارها عقيدة يهودية تدافع عن المطلقات. وفي كتابه أسطورة القرن العشرين حاول أن يُبيِّن بعض الأطروحات الأساسية للنازية، فالروح والعرْق هما شيء واحد، فالعرْق إن هو إلا التعبير البراني عن الروح، والروح إن هي إلا التعبير الجواني عن العرْق (وهذا لا يختلف كثيراً عن تصور الفلسفة الألمانية المثالية عن تماثل الروح والطبيعة) ، والروح العرْقية هي التي تحرك التاريخ. بل إن روزنبرج كان مدركاً للحلولية كنمط نهائي، إذ يؤكد أن الروح الألمانية تُعبِّر عن انتصار فكرة الحرية وعن التصوف الحقيقي، تصوف المعلم إيكهارت، وهي صوفية مسيحية اسماً ومظهراً وحسب، ولكن يجب أن تُفهم باعتبارها تزايد حرية الروح إلى أن تصل إلى المرحلة التي تتحرر فيها تماماً من الإله نفسه. وكان روزنبرج، انطلاقاً من عقيدته العرْقية هذه، يعطي مواعظ نارية عن أسطورة الدم. ولكن هتلر، بذكائه الشديد، حاول أن يُبقي هذه النقطة من برنامجه غامضة حتى لا يستفز الجماهير ولا يواجه الكنيسة بشكل علني. وقد عقد اتفاقاً مع الكنيسة الكاثوليكية غير أنه لم يلتزم به وأرسل بكثير من رجال الدين إلى المحرقة. وقد أسس هتلر "كنيسة" ألمانية بهدف السيطرة على الكنائس البروتستانتية، وتطهير فكرة القومية الألمانية من العناصر المسيحية التي دخلت عليها. وكان الالتحاق بهذه الكنيسة القومية ـ ومن ثم الانفصال عن المنظومة المسيحية ـ شرطاً أساسياً للانضمام إلى فرق الحرس الخاص المعروفة بالإس. إس. وفي السنوات الأخيرة من حكم النازي، وضع هتلر مخططاً شاملاً للقضاء على الكنائس المسيحية بشكل كامل، حتى تسود الواحدية المادية وقيم القومية العضوية والولاء الكامل لألمانيا ولدولة الرايخ الثالث. وكل سمات النازية الأخرى تنبع من رؤيتها العلمانية الإمبريالية الشاملة. 2 ـ تتضح مادية النازيين الصارمة في إنكارهم للطبيعة البشرية وثباتها فكل شيء من منظورهم خاضع للتغير والحوسلة. ويمكن القول بأن ثمة نزعة مشيحانية علموية مادية قوية هي التي تعطي النازية تفردها واختلافها عن الأيديولوجيات العلمانية الأخرى. فالنازية دفعت بكثير من المقولات الكامنة في الرؤية العلمانية الشاملة إلى نتيجتها المنطقية، ولم تعد تَقْنَع بتغيير العالم وإنما كانت تطمح إلى تغيير النفس البشرية ذاتها (وعلى كلٍّ، هذا الاتجاه أمر كامن في كل الطوباويات التكنولوجية التي تعود بداياتها إلى بداية عصر النهضة في الغرب) . ومن هنا اهتمام النازيين بعلم مثل علم تحسين النسل (بالإنجليزية: إيوجينكس eugenics) وإعادة تنظيم العالم من خلال سياسات بيولوجية وضعية. ومن هنا حربهم الشديدة ضد الأمراض النفسية والجسمانية وضد كل انحراف عن المعيارية العلمية الصارمة (ومن هنا نجد أنهم قاموا بإبادة الأقزام!) . 3 ـ آمن النازيون بفكرة الدولة باعتبارها مطلقاً علمانياً متجاوزاً للخير والشر. وحدَّد هتلر المطلق الأول والأوحد (الدولة) بدقة غير عادية حين قال إنه لابد من تحقيق العدالة وتوظيفها في خدمة الدولة، أي أنه لا يوجد مفهوم مطلق للعدالة، وإنما تتحدد العدالة بمقدار تحقيق نفع الدولة. والدولة كمطلق هي الإطار الذي يُعبِّر الشعب العضوي (فولك) الألماني من خلاله عن إرادته. 4 ـ تبنت النازية النظرية العرْقية الداروينية الغربية، وأكدت التفوق العرْقي للشعب الألماني على كل شعوب أوربا، ولشعوب أوربا على كل شعوب العالم. ورفض هتلر فكرة المساواة بين البشر باعتبارها فكرة دينية ("حيلة يهودية مسيحية"، "نوع من التنويم المغناطيسي تمارسه اليهودية الغازية للعالم بمساعدة الكنائس المسيحية" (. 5 ـ من الأفكار الأساسية في الفكر النازي فكرة الشعب العضوي (فولك) الذي تُوجَد وحدة عضوية بين أعضائه من جهة، وبين حضارتهم والأرض التي يعيشون عليها من جهة أخرى، وهي وحدة لا تنفصم عراها. ولا يمكن لهذا الشعب أن يحقق كل إمكانياته إلا بعد أن يضم إليه مجاله الحيوي (الأرض في الثالوث الحلولي العضوي) حتى تكتمل الدائرة العضوية. أما العناصر الغريبة الأجنبية فهي تؤدي إلى إعاقة هذا التكامل العضوي الصارم، وبالتالي فهي عناصر ضارة لابد من استبعادها. 6 ـ من العبارات المتواترة في الخطاب العضوي النازي عبارة «الدم والتربة» ، وهي ترجمة للعبارة الألمانية «بلوت أوند بودين Blut und Boden» ، وهي من الشعارات الأساسية للنازية والمرتبطة بفكرة الشعب العضوي. وهذه العبارة النيتشوية تمجد آداب الفلاحين وعواطفهم باعتبارها تجسيداً للصفتين الأساسيتين اللتين يستند إليهما رقي الجنس الألماني؛ الدم الألماني والتربة الألمانية. وهي تحول الدم والتربة إلى المرجعية أو الركيزة النهائية التي يستند إليها النسق المعرفي والأخلاقي. وشعار «الدم والتربة» هو مثل جيد على ما نسميه «الواحدية المادية الكونية» التي تسم الأنساق الحلولية الكمونية، حيث يصبح المطلق كامناً في المادة لا متجاوزاً لها، ويُنصِّب شعبٌ من الشعوب نفسه إلهاً على بقية الشعوب، فدمه وتربته يحويان كل القداسة ويعطيانه حقوقاً مطلقة لا يمكن النقاش بشأنها. ولكن هذه الحلولية هي حلولية بدون إله، فثالوث القومية العضوية: الدم ـ التربة ـ الشعب، ليس إلا صدىً للثالوث الحلولي الوثني: الإله ـ الطبيعة ـ الإنسان. ويبدو أن الدم، باعتباره حامل القداسة وباعتباره الصلة التي تربط الإنسان والأرض، يحل محل الإله. (وقد وجدت هذه العبارة طريقها إلى الفكر والخطاب الصهيوني (. 7 ـ وقد ترجم كل هذا نفسه إلى مفهوم العرْق السيد، وهو العرْق الآري الألماني التيوتوني الذي سيحتفظ بنقائه العرْقي ويؤسس أمة تتألف من الحكام المحاربين والمفكرين، قدرها المحتوم أن تحكم الأعراق الدنيا وتعيش على عملها وتحقق السيادة على العالم. وهذه الأمة ستنظم نفسها على شكل هرمي تقف على قمته نخبة تتسم بالصفات العرْقية الأكثر تفوقاً، وعلى قمة الهرم يقف الفوهرر: التجسد المادي والمحسوس والتاريخي للمطلق العلماني (الشعب العضوي والدولة) . وكان تنظيم الحزب النازي تعبيراً عن نفس الرؤية، فقد استعار هتلر من التنظيمات الشيوعية فكرة الخلية والتنظيم الهرمي للحزب والانضباط الداخلي، واستعار من الفاشية الإيطالية فكرة ميليشيا الحزب ذات الزي الموحَّد، وهؤلاء هم مرتدو القمصان البُنيَّة وكان يُشار إليهم بالحرفين إس. آيه S. A..، وهما اختصار عبارة «شتورم أبتايلونج Sturm Abteilung» أي «قوات العاصفة» . أما «النخبة» ، فهم فرق الإس. إس S. S. وهما اختصار للعبارة الألمانية «شوتس ستافل Schutz Staffel» ومعناها «نخبة الأمن» أو «الحرس الخاص» ، وكانوا يرتدون قمصاناً سوداء وشارة الموت. وكان للحزب تحيته الخاصة بأن يرفع العضو ذراعه اليمنى ويقول: "هايل هتلر". وأصبح الصليب المعقوف رمزه، كما كان له نشيده الخاص. 8 ـ رأت العقيدة النازية أن هذا الهرم الألماني المنظم، لابد أن يسيطر على العالم بأسره. وقد استفادت هنا من الفكر الجغرافي السياسي (الجيوبولوتيكي) الغربي. إذ رأى النازيون أن ألمانيا أمة حركية من حقها أن تحصل على مجال يتناسب مع قوتها وحيويتها، وهو مجال أوسع مما سمحت به معاهدة فرساي. 9 ـ انطلاقاً من كل هذا وُضعت ألمانيا فوق الجميع وأصبح للألمان حقوق مطلقة فيما تصوروا أنه مجالهم الحيوي. وقد رأى النازيون أنه يجب على الشعب الألماني أن يستيقظ من سباته ويتنبه للخطر، وأن يغزو مجاله الحيوي حتى يصبح مجالاً ألمانياً صرفاً خالياً من السلاف. 10 ـ لكن الشعوب العضوية (فولك) تحتاج دائماً إلى آخر تستمد منه هويتها. والآخر هنا هو كل من يقف في طريق تحقيق الأطروحات النازية، وهم في هذه الحالة السلاف بالدرجة الأولى، الذين يشغلون المجال الحيوي في الخارج. أما في الداخل، فكانت توجد عناصر عديدة غير نافعة مستهلكة دون أن تكون منتجة، وأحياناً ضارة، من بينها المعوقون والشواذ جنسياً والشيوعيون والغجر والمصابون بأمراض وراثية مزمنة، بل الأقزام. ولذا كان النازيون يرون ضرورة إبادة العناصر الضارة في الداخل والخارج: السكان السلاف الذين يعيشون داخل المجال الألماني الحيوي، والغجر ممن لا نفع لهم، واليهود خصوصاً الأقلية المالية اليهودية. 11 ـ ولكن لنركِّز على أعضاء الجماعة اليهودية وحدهم، لا بسبب أهميتهم المطلقة ولكن بسبب أهميتهم من منظور هذه الموسوعة. كان اليهود ـ حسب التصور النازي ـ من أهم القطاعات غير النافعة، بل الضارة، فهم يتركزون في القطاعات الهامشية للاقتصاد، مثل تجارة الرقيق الأبيض. ورغم أنهم مثل البكتريا والطفيليات التي تعيش على الآخرين، إلا أنهم يدَّعون أنهم يُشكِّلون عرْقاً سامياً وشعباً مختاراً، ولذا فهم يحاولون دائماً الهيمنة على الحياة السياسية والاقتصادية للشعوب الأخرى. ويشير هتلر إلى أن اليهود سيطروا على عالم المال في ألمانيا، وأنهم يحيكون مؤامرة عالمية للسيطرة ولذا فهم يحاولون إشعال الحروب والثورات (وهذه هي الأفكار الأساسية في بروتوكولات حكماء صهيون، وفي كتاب إدموند دروموند فرنسا اليهودية، وهما من أكثر الكتب شيوعاً في أوربا في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر) . كما بيَّن هتلر أن الماركسية والماسونية ليستا إلا مجرد حيل يهودية للسيطرة على العالم. وقد صُنِّف اليهود أحياناً باعتبارهم سلافيين، لأن كثيراً منهم كانوا «أوست يودين Ostjuden» «، أي من يهود شرق أوربا. وأُلقي اللوم على اليهود باعتبارهم مسئولين عن هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى وعن إذلالها. ولذا قرر الألمان أن يجعلوا المجال الحيوي الألماني خالياً من اليهود بالألمانية: يودين راين (Judenrein) . وقد بدأ النظام النازي حملته على اليهود عقب تعيين هتلر مستشاراً في 30 يناير عام 1933. ففي أبريل عام 1933 نُظِّمت مقاطعة للأعمال التجارية اليهودية، ثم استُبعد اليهود من كثير من الوظائف العامة. وفي أبريل 1935، استُبعد الأطفال اليهود من النظام التعليمي. وفي سبتمبر من نفس العام، صدرت قوانين نورمبرج التي نزعت عن أعضاء الجماعة اليهودية حقهم في أن يكونوا مواطنين بالرايخ، تنفيذاً لفكرة الشعب العضوي والشعب العضوي المنبوذ، ومُنعت الزيجات المُختلَطة بين اليهود والآريين. وفي عام 1938، مُنع اليهود من العمل في الوظائف الوسيطة كأن يكونوا وكلاء وبائعين ومديري عقارات ومستشارين في الأعمال التجارية. وأدَّى اغتيال عضو في السفارة الألمانية في باريس على يد يهودي بولندي في 9 ـ 10 نوفمبر 1938 إلى قيام ثورة شعبية ضد اليهود تُعرف باسم «كريستال ناخت « «أي ليلة الزجاج المحطم» أُحرق خلالها أربعمائة معبد ونُهب كثير من المتاجر والمنازل الخاصة، وتم القبض على الألوف منهم وفُرضت غرامة على اليهود (ككل) . وبعد ذلك بدأ النظام النازي في عملية الإبادة والحل النهائي النازي للمسألة اليهودية والتي استمرت حتى نهاية الحرب. وكما سنبين فيما بعد لم يكن النظام النازي عشوائياً لاعقلانياً في اضطهاده لأعضاء الجماعات اليهودية، بل إن كلمة «اضطهاد» ذاتها قد لا تنطبق على علاقة النازيين بأعضاء الجماعات اليهودية إذ أن ما حدد هذه العلاقة هو مدى نفع اليهودي وإمكانية توظيفه. 12 ـ أشرنا من قبل إلى تَراجُع الجوانب الاشتراكية (الإنسانية) في برنامج الحزب النازي الذي كان يحوي بلا شك بعض المطلقات الإنسانية (مثل فكرة العدل وضرورة التكافل) ، وظهور رؤية مادية واحدية صارمة في ماديتها وواحديتها تنفي المطلقات والثوابت والماهيات كافة، رؤية علمانية شاملة تنزع القداسة عن كل شيء بحدة وشراسة وتُسقط تماماً فكرة الحرمات. وهذا التحول عن الإنسانية (الهيومانية) والسقوط التدريجي والمطرد في الواحدية المادية هو نمط التطور الأساسي في الحضارة الغربية الحديثة، حيث تطورت من رؤية إنسانية (علمانية جزئية) تحوي مطلقات إلى رؤية علمانية إمبريالية شاملة تنفي المطلقات والثوابت والكليات كافة. 13 ـ تنطوي الرؤية النازية للكون، شأنها شأن كل الرؤى المادية، على إشكالية أساسية داخلها، وهي مشكلة الأساس الفلسفي والمعرفي الذي تستند إليه منظومات الإنسان الأخلاقية. وقد حسم النازيون هذه القضية بتصورهم أن العلم (الطبيعي) قادر على مساعدة الإنسان على التوصل إلى حلول لجميع المشاكل، وضمن ذلك المشاكل الإنسانية والأخلاقية والروحية. ومن ثم فالعلم هو وحده القادر على تحديد الصالح والطالح والخيِّر والشرير وهو وحده المرجعية النهائية. ولذا طالب النازيون بضرورة تطبيق قيم العلم والمنفعة المادية على الإنسان والمجتمع، وآمن النازيون بالمنفعة المادية كمعيار أخلاقي للحكم على الواقع. وبالفعل، اتسم النازيون بالحياد العلمي الشديد في تعاملهم مع الواقع ومع البشر، واستخدموا مقاييس علمية رشيدة لا تشوبها أية قيم أخلاقية أو عاطفية أو غائية، وتحوَّل كل البشر، وضمن ذلك الألمان، إلى مادة بشرية. ومن ثم، قُسِّم العالم كله إلى نافعين وغير نافعين (وهو تقسيم يعود إلى القرن الثامن عشر، عصر العقل المادي والعقلانية المادية) . وتقرر أنه لا يستحق الحياة إلا من ينتج ويستهلك، أما من لا ينتج ويستهلك (بالإنجليزية: يوسلس إيترز useless eaters حرفياً «من يأكلون ولا نفع لهم» ) فمصيره أمر مفروغ منه، فقد صُنِّف على أن حياته لا قيمة لها (بالألمانية: بالاست إكسستينزن Ballastexistenzen) ، وتشكل عبئاً على الاقتصاد الوطني بطبيعة الحال. 14 ـ ولكن كما هو الحال دائماً تخبئ الرؤيةُ العلمية النفعية المحايدة أخلاقياً الرؤيةَ الداروينية النيتشوية، بتأكيدها على فكرة البقاء باعتباره القيمة المطلقة والصراع باعتباره الآلية الوحيدة للبقاء، وهي عملية مادية محضة. فالبقاء هو البقاء المادي، والصراع صراع مادي، والبقاء في هذه الغابة الداروينية الواحدية المادية التي لا تعرف الرحمة أو العدل ليس من نصيب الأرق قلباً أو الأرقى خُلقاً أو الأكثر تراحماً وإنما هو من نصيب الأصلح والأقوى مادياً (فالقوة هي المطلق النهائي) ، والأقوى هو الذي لا تعرف الرحمة طريقاً إلى قلبه والذي يتحلى بأخلاق الأقوياء ويضرب بيد من حديد على الضعفاء بدلاً من أن يأخذ بأيديهم. بعد تَقبُّل النازيين النفع المادي والقوة، باعتبارهما المعيار الأخلاقي الأوحد في منظومة معرفية علمانية مادية شاملة لا تعرف المطلقات الإنسانية أو الأخلاقية أو الدينية، قام المفكرون والعلماء النازيون بتقييم الواقع المحيط بهم من خلال هذه المنظومة الفكرية المادية وصنفوا كثيراً من العناصر باعتبارها غير نافعة (السلاف ـ الغجرـ اليهود ـ المعوقين ... إلخ) ولا يمكن الدفاع عن كل هؤلاء من منظور أخلاقي مطلق، فهذا أمر مرفوض من منظور علماني شامل، نفعي نسبي، مستنير رشيد، ينطلق من حساب دقيق للمدخلات والمخرجات. ومن يريد الدفاع عن نفسه عليه أن يفعل ذلك من داخل المنظور العلمي النفعي المستنير لا من خارجه. وكان قد تم إعداد الآلة المادية النفعية ذات الكفاءة العالية، كما تم تحويل العالم بأسره، على المستويين المعرفي والوجداني، إلى مادة استعمالية خام. ومن جهة أخرى، تم استئناس الشعب الألماني وترشيده وتحييد حسه الخلقي تماماً وإسكات عواطفه، ليكون في انتظار التعليمات والحلول الواقعية العلمية العملية (المادية) النهائية لمشاكله، وهي حلول ستأتيه من مجموعة من رجال الحزب والعلماء وأهل التخصص. وحينما بدأت آلة الإبادة المادية النفعية الموضوعية الجهنمية ذات الكفاءة العالية منقطعة النظير، في الدوران، كانت الإبادة قد تحقَّقت معرفياً ووجدانياً ونظرياً، من خلال النموذج الواحدي المادي، قبل أن تتحقق فعلياً من خلال معسكرات الاعتقال والسخرة والإبادة. إن الأطروحات الأساسية للنازية هي ذاتها الأطروحات الأساسية للحضارة الغربية الحديثة والتشكيل الإمبريالي الغربي. وبالفعل حظيت الحركة النازية في البداية بتأييد رأسمالي غربي لأنها كانت تنظر إلى الاتحاد السوفيتي باعتباره العدو الأكبر (السلافي) للحضارة الآرية، ومن ثم كان الرايخ الثالث من هذا المنظور يشكل قلعة ضد الزحف السلافي الشيوعي. ولكن ستالين كان أكثر دهاءً، حيث عقد حلفاً مع هتلر اقتسما بمقتضاه بولندا والمجال الحيوي المحيط بهما. ثم تحالف الغرب الرأسمالي مع الشرق الاشتراكي ضد هتلر، لا دفاعاً عن المبادئ ولكن لأنه بدأ يهدد مصالحهما معاً. النازية هي وليدة الحضارة الغربية إذن، ومع هذا يتساءل بعض الدارسين الغربيين للإبادة النازية عن الكيفية التي أمكن بها لمجتمع غربي يُقال إنه «متحضر» مثل المجتمع الألماني (مجتمع هيجل وفاجنر وهايدجر) أن يفرز حركة بربرية تماماً كالحركة النازية ثم يُخضع كل أعضاء المجتمع لها. وفي محاولة الإجابة على هذا السؤال، ذهب بعضهم إلى القول بأن النازية هي مجرد انحراف لا عن مسار التاريخ الألماني وحسب وإنما عن مسار التاريخ الغربي ككل. ويذهب المؤرخ الألماني إرنست نولتErnest Nolt (وهو أستاذ في جامعة برلين الحرة يمثل تياراً مراجعاً داخل علم التاريخ في ألمانيا) إلى أن المرحلة النازية ليست مرحلة نماذجية، أي لا ترقى إلى مستوى النموذج والنمط، وإنما هي مرحلة عرضية غير مُمثِّلة لمسار التاريخ في ألمانيا. وهم يُقارنونها بروسيا الستالينية. ويذهب نولت إلى القول بأن النازيين قاموا بعمليات الإبادة خوفاً من أن تُطبَّق عليهم سياسات الإبادة التي كان يطبقها السوفييت منذ عام 1917 على الطبقات والشعوب غير المرغوب فيها، بل يؤكد أن النازيين تعلموا الإبادة والتصفية الجسدية ومعسكرات السخرة من الشيوعية السوفيتية ومن ممارسات ستالين الإبادية؛ فالأصل هو الجولاج، وأوشفيتس هي النسخة. وهناك كثيرون داخل ألمانيا وخارجها يعارضون هذا الرأي ويؤكدون أن سلوك الألمان هو جزء لا يتجزأ من تاريخهم الحضاري (بل هناك من يتطرف إلى درجة القول بأن سلوك الألمان هو في واقع الأمر تعبير عن طبيعتهم الثابتة) . والحوار هنا يتعلق بدلالة الإبادة: هل هي جريمة نازية ضد اليهود، أم جريمة غربية متكررة (نمط متكرر) يُعبِّر عن نموذج معرفي كامن، أم أنها مجرد حادثة؟ ونحن نذهب ـ كما أسلفنا ـ إلى أن الحضارة التي أفرزت الإمبريالية والشمولية والمنفعة المادية والداروينية، وفلاسفة العرْقية الحديثة، هي الحضارة التي أفرزت رؤية إبادية وصلت إلى قمتها في اللحظة النازية. ومن ثم، فإن الإبادة النازية تُعبِّر عن شيء حقيقي أصيل لا في التشكيل الحضاري الألماني وحده وإنما في الحضارة الغربية، وليست مجرد انحراف عن تاريخ ألمانيا أو تاريخ الغرب الحديث. إن جوهر الفكر النازي، متمثلاً في كتابات أدولف هتلر (وغيره من المفكرين النازيين) ، لا يختلف كثيراً عن فكر سير آرثر بلفور صاحب الوعد المشهور (وغيره من الساسة والمفكرين الاستعماريين) . فكلٌ من هتلر وبلفور يدور داخل الإطار الإمبريالي العِرقي المبني على الإيمان بالتفاوت بين الأعراق، وعلى حل مشاكل أوربا عن طريق تصديرها. وكلاهما يؤمن بفكرة الشعب العضوي، وكلاهما يرى في اليهود عنصراً غير مرغوب فيه ويؤكد، من ثم، ضرورة وضع حل نهائي للمسألة اليهودية في أوربا، وكلاهما لا يلتزم بأية منظومة أخلاقية سوى منظومة المنفعة المادية ومنظومة الصراع الداروينية. وقد تم الحل النهائي في حالة بلفور بنقل (ترانسفير) اليهود خارج إنجلترا وأوربا إلى فلسطين. وقد حاول هتلر، في بداية الأمر، أن يحل مسألته اليهودية بشكل نهائي أيضاً، بالطرق الاستعمارية السلمية البلفورية التقليدية، أي التخلص من الفائض البشري اليهودي عن طريق تصديره (ترانسفير) إلى رقعة أخرى خارج ألمانيا. وكان هتلر يدرك أن الترانسفير (تفريغ الأراضي من سكانها ونقلهم) هو جزء من المنظومة الغربية وطريقة حلها للمشاكل. فقد أشار (في أغسطس 1940) إلى أنه تم إفراغ بروسيا الشرقية من سكانها الألمان بعد الحرب العالمية الأولى، وتساءل عن وجه الضرر في نقل 600 ألف يهودي من أراضي الرايخ (وكان هناك مشروع نازي ترانسفيري أكبر وهو نقل 31 مليون «غير ألماني» من شرق أوربا، وهي عبارة بلفورية لا تختلف عن تلك العبارة التي وردت في وعد بلفور حيث تمت الإشارة لسكان فلسطين العرب على أنهم «الجماعات غير اليهودية» ) . وداخل هذا التصور الترانسفيري البلفوري الغربي تحرَّك هتلر لتنفيذ خطته: 1 ـ قام هتلر بشحن عشرة آلاف يهودي وأرسلهم عبر الحدود إلى بولندا في 28 أكتوبر 1938، ولكن الحدود البولندية كانت موصدة دونهم (فبولندا هي الأخرى كانت تود الدفاع عن مصالحها المادية) . 2 ـ استمرت المحاولات النازية التي تستهدف تهجير اليهود حتى نهاية الحكم النازي. فبُذلت المحاولة تلو الأخرى لتوطينهم في سوريا وإكوادور وتم تشجيعهم على الهجرة إلى فلسطين. وكان هناك مشروع صهيوني نازي يُسمَّى «مشروع مدغشقر» يهدف إلى تأسيس دولة يهودية في تلك الجزيرة الأفريقية. ولكن معظم هذه المشروعات فشلت. ولم تُطرح بدائل أخرى، فالمجال الاستعماري الحيوي لألمانيا، بعد هزيمتها في الحرب العالمية الأولى، كان محدوداً. 3 ـ لم تكن الدول الغربية (التي تتباكى حتى الآن على ضحايا الإبادة) ترحب هي الأخرى بالمهاجرين اليهود أو غيرهم (بسبب حالة الكساد الاقتصادي) . وكان هتلر يسمي خطة الترانسفير هذه «الحل الشامل» و «الحل النهائي» ولكن هذا الحل النهائي البلفوري لم يكن متاحاً لهتلر، ولذا لم يكن أمامه سوى استبعاد اليهود بطريقة غير بلفورية، وتتميَّز بكونها أكثر حدة ومنهجية وتبلوراً وسوقية. ومع هذا يميل كثير من العلماء إلى القول بأن «الحل النهائي النازي للمسألة اليهودية» ظل ذا طابع بلفوري حتى النهاية، أي حل نهائي من خلال الترانسفير، أو التهجير القسري إما إلى المستعمرات في آسيا وأفريقيا أو إلى معسكرات العمل والسخرة في ألمانيا، التي لم تكن الأوضاع فيها تختلف كثيراً عن الأوضاع السائدة في المستعمرات. وإذا كان فكر هتلر هو نتاج لحضارة الغرب، خصوصاً في القرن التاسع عشر، والتي تدور داخل الإطار العرْقي العلماني الإمبريالي الدارويني، فلابد أن تكون هناك نقط اتفاق بين هذا الفكر والفكر الصهيوني الذي هو أيضاً نتاج المعطيات الفكرية نفسها. وبالفعل، نجد أن الفكر الصهيوني يتحدث عن اليهود باعتبارهم عناصر بكتيرية. والواقع أن تعبير البكتريا المجازي (وهو تعبير دارويني لا علاقة له بقيم " بالية " مثل المحبة والمساواة والعدل) يستخدمه كل من هتلر ونوردو وهرتزل، الذين يتحدثون عن اليهود باعتبارهم شعباً عضوياً منبوذاً (قارن هذا بكلمات بوبر حيث يتحدث عن اليهود بوصفهم شعباً آسيوياً طُرد من آسيا ولكنها لم تُطرد منه، أي أن آسيا تجري في دمه) . كما أن الصهيونية ترى ضرورة إخلاء أوربا من اليهود، ولعل الخلاف الوحيد هو أن الصهاينة يفضلون الطريقة البلفورية على الطريقة الهتلرية. ويتضح مدى انتماء المنظومة النازية للحضارة الغربية الحديثة في معلومة مخيفة وغريبة ولكنها نماذجية وممثِّلة في ذات الوقت، وهي أن النازيين كانوا يطلقون عبارة «مسلم» على اليهودي الذي تقرر إبادته. فكأن النازيين هم حملة عبء الرؤية الأوربية في مجابهتها مع أقرب الحضارات الشرقية لهم، وهي الحضارة الإسلامية، وهم لم ينسوا قط هذا العبء وهم يبيدون بعضاً من سكان أوربا غير النافعين والذين يقلون تقدماً عن الآخرين. السياق السياسي والاجتماعي الألماني للإبادة German Political and Social Context of the Extermination بعد أن درسنا الإبادة كإمكانية كامنة داخل الحضارة الغربية الحديثة وداخل المجتمع الألماني الحديث، وبعد أن درسنا العناصر الحضارية التي ساعدت على تَحقُّق الإمكانية، بوسعنا أن ندرس العناصر السياسية والاجتماعية الألمانية العامة والعناصر الألمانية اليهودية الخاصة، التي ساهمت بدورها في تحقيق الإمكانية الإبادية. وقد يكون من المنطقي أن نبدأ بتناول أهم العناصر التاريخية في القرن العشرين وأثرها على ألمانيا، أي عملية التحديث أو تحول المجتمع الغربي من النمط التقليدي إلى ما يُسمَّى «النمط العقلاني (المادي) أو الرشيد» في الإنتاج والإدارة، والذي يخضع لعمليات الترشيد. ونحن لا نشير عادةً إلى التحديث إلا عندما نتناول العالم الثالث، وذلك بسبب وضوح هذه العملية فيه، وبسبب كونها عملية مازلنا نعيشها في وقتنا الحاضر. لكن عملية التحديث هي المدخل الأساسي لفهم كثير من الظواهر في العالم الغربي منذ القرن الرابع عشر، برغم أنها تأخذ أشكالاً أكثر تركيباً وتقدماً هناك. ولعل من أهم الحقائق التي تسم عملية التحديث أو التصنيع في ألمانيا، أنها بدأت في وقت متأخر قليلاً بالنسبة لغرب أوربا. فالجهود الرامية لتحديث ألمانيا ظلت متعثرة ولم تحرز تقدماً إلا في سبعينيات القرن الماضي بعد الحرب البروسية الفرنسية نظراً لعدم وجود سلطة مركزية. ولكن الوضع تغيَّر بعد أن أحرزت بروسيا انتصارها الساحق على فرنسا، وبعد أن ضمت الألزاس واللورين، إذ قامت بتوحيد ألمانيا، ثم حققت عملية التحديث من خلال قفزات هائلة في فترة وجيزة نسبياً، بحيث أصبحت ألمانيا من كبريات الدول الصناعية لا يفوقها سوى إنجلترا، بل إنها تفوقت على إنجلترا ذاتها في بعض الجوانب. وعادةً ما يؤدي التحديث السريع إلى اضطرابات اجتماعية، لأنه لا يتيح الفرصة أمام أعضاء كثير من الجماعات والأقليات الإثنية والدينية للتأقلم مع الوضع الجديد، بحيث يمكنهم إعادة تحديد ولائهم وإعادة صياغة هويتهم بما يتفق مع متطلبات الولاء للدولة القومية الحديثة. وقد ظهر هذا الوضع، أول ما ظهر، حينما سعت الدولة الألمانية الجديدة، ذات التوجه البروتستانتي الواضح أو ذات الديباجات البروتستانتية، إلى وضع كل النشاطات الاقتصادية والثقافية تحت سيطرتها، وهذا أمر أساسي في عملية الترشيد. وعلى سبيل المثال، حاولت الدولة الجديدة السيطرة على النظام التعليمي بأكمله، ومن ثم، تدخلت في عملية تعيين (وفصل) المدرسين في المدارس الكاثوليكية حتى يمتثلوا لأوامرها هي ولا يخضعوا لسلطان الكنيسة، وحتى تتحول الأقلية الكاثوليكية من جماعة شبه ألمانية لها سماتها الخاصة يتوزع ولاؤها بين القيم الدينية المطلقة والقيم القومية العضوية إلى جماعة ألمانية خالصة تدين بالولاء للدولة وحدها. وقد أدَّى هذا إلى صدام بين الدولة والكتلة الكاثوليكية الضخمة، وأُطلق على هذا الصدام مصطلح «كولتوركامبف Kulturkampf» أي «الكفاح الثقافي» (وقد وقف أعضاء الجماعة اليهودية إلى جانب الدولة ضد أعضاء الجماعة الكاثوليكية) . وأدَّى التحديث السريع إلى اقتلاع أعداد كبيرة من الجماهير الريفية من مجتمعاتهم المترابطة (جماينشافت) والإلقاء بهم في المدن الضخمة التي تسود فيها العلاقات التعاقدية (جيسليشافت) . وتزايدت درجة الاغتراب بين أعضاء الطبقة الوسطى وغيرها من الطبقات، حيث تغيَّر أسلوب حياتهم نتيجةً لازدياد حجم المدن بسرعة مذهلة وظهور مؤسسات قومية رأسمالية ضخمة لم يألفوها. وفي مثل هذه الظروف، يبحث أعضاء المجتمع في العادة عن عقيدة متكاملة تجيب عن أسئلتهم وتمنحهم الطمأنينة التي يفتقدونها في المجتمع الجديد وتحميهم من وحشية وتائر التغير السريع. وحيث إن العقائد الشمولية تقوم بهذه المهمة على أكمل وجه، فقد وجدت تربة خصبة في ألمانيا. (ويقف هذا الوضع على الطرف النقيض من التحديث التدريجي البطيء في غرب أوربا الذي سمح بترسيخ قيم الفردية والليبرالية ثم بهيمنة البورجوازية في نهاية الأمر على المجتمع ككل بمختلف أعضائه ومؤسساته) . وتم التحديث في ألمانيا تحت ظروف خاصة (التحديث المتأخر الذي تزامن مع توحيد ألمانيا) . وقد نجح بسمارك في استغلالها ببراعة فائقة، حيث اكتشف أن العناصر الثورية في الطبقة الوسطى والبورجوازية تبنَّت قضية توحيد ألمانيا وربطت بينها وبين قضية القضاء على القوى التقليدية والمحافظة في المجتمع والتي كان من صالحها أن تبقي على وضع التجزئة. لكن بسمارك توصل إلى صيغة عقائدية تسمح بفصل الهدف الأول عن الثاني، كما تسمح باستغلال قضية الوحدة في تصفية العناصر الليبرالية والثورية مثلما يحدث في العالم الثالث في الوقت الحاضر عندما تُطرح قضايا قومية يُقال لها «مصيرية» للتحكم في الجبهة الداخلية ولتصفية أية جيوب معارضة باسم الإجماع القومي ("في تلك اللحظة المصيرية من تاريخ الأمة") . وانطلاقاً من هذا، تبنت القوى والطبقات المحافظة والأرستقراطية، بقيادة بسمارك، قضية توحيد ألمانيا وضرورة قيام سلطة مركزية، بعد أن أصبحت موضع إجماع قومي، ثم أنجزت هذا الهدف التاريخي في نهاية الأمر. ولذا، كان بوسع هذه القوى أن تبرم هدنة بينها وبين البورجوازية بحيث تحتفظ هي بالقيادة السياسية لألمانيا على أن تستفيد البورجوازية من النتائج الاقتصادية لعملية التوحيد، أي أن عملية التحديث في ألمانيا تمت تحت مظلة القوى التقليدية المحافظة مثلما كان الحال، وإن تباينت صورته، في دول شرق أوربا. ومن ثم، ظهر مجتمع حديث يُدار بشكل حديث من قبَل طبقة تقليدية ذات مُثُل تسلطية شمولية، وهذا مغاير تماماً لنمط التحديث في كلٍّ من فرنسا وإنجلترا. ومن الحقائق الأساسية التي كثيراً ما نغفل عنها، أن التحديث في العالم الغربي، في أوربا الغربية خاصة، ارتبط ارتباطاً كاملاً وعضوياً بالمشروع الاستعماري الغربي. ولا يمكن رؤية عملية التحديث (والتراكم الرأسمالي المرتبط به) ، في فرنسا وإنجلترا وهولندا وبلجيكا وأمثالها، خارج إطار التوسع الاستعماري وتحويل شعوب آسيا وأفريقيا إلى ما يشبه الطبقة العاملة (مصدر فائض القيمة) بالنسبة إلى شعوب الغرب (ولذا فنحن نفضل الحديث عن «التراكم الإمبريالي» ) . ومما لا شك فيه، أن التوسع الاستعماري يُساهم في التخفيف من حدة كثير من المشاكل الناجمة عن التحديث مثل الأزمات الاقتصادية والانفجارات السكانية، وذلك عن طريق تصديرها إلى المستعمرات. ولكن ألمانيا لم يكن لها مشروع استعماري مستقل نظراً لانقسامها، وقد مرت عليها مرحلة الاستعمار المركنتالي (التجاري) في القرنين السادس عشر والسابع عشر، كما مرت عليها مرحلة الاستعمار في إطار المنافسة الحرة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. ولم تدخل ألمانيا الحلبة الاستعمارية إلا في مرحلة الرأسمالية الاحتكارية بعد أن كانت إنجلترا وفرنسا (ومن قبلهما إسبانيا والبرتغال) قد التهمتا معظم أنحاء العالم. وبطبيعة الحال، سعت ألمانيا، بعد أن تسارعت وتيرة التحديث داخلها، إلى بسط نفوذها على بعض مناطق العالم، فأنشأت علاقات وثيقة مع الدولة العثمانية وحلَّت محل بريطانيا وفرنسا كحليفة كبرى، كما احتلت بعض المناطق في أفريقيا بل في أوربا ذاتها. وقد تحطم المشروع الاستعماري لألمانيا تماماً في الحرب العالمية الأولى، إذ اقتسم الحلفاء (المنتصرون) مستعمراتها فيما بينهم ولم يعد لها مجال استعماري حيوي تقوم بتصدير مشاكلها إليه. ويمكن القول بأن معاهدة فرساي لم تحطم المشروع الاستعماري الألماني وحسب، بل حطمت المشروع التحديثي الألماني، وحولت ألمانيا نفسها إلى ما يشبه المستعمرة. وقد مُنعت ألمانيا من الاتحاد مع النمسا، مع أن ذلك كان مطلباً للشعبين الألماني والنمساوي كليهما. كما تم استقطاع أجزاء كبيرة منها ضُمت إلى كلٍّ من الدنمارك وبولندا وفرنسا وبلجيكا وليتوانيا. ووُضعت منطقة السار، الغنية بالفحم، تحت إشراف عصبة الأمم لمدة خمسة عشر عاماً أُديرت مناجمها أثناءها عن طريق فرنسا. وعلاوة على هذا، تم تحديد حجم الجيش الألماني الذي سلِّم كميات هائلة من الزاد والعتاد الحربي للحلفاء، وخُفضت كمية الذخيرة المسموح بإنتاجها، وخُفضت قوة السلاح البحري ولم يُسمَح بوجود قوات جوية بتاتاً، كما فُرضت غرامة مالية كبيرة على ألمانيا. وفضلاً عن ذلك، تقرر أن تحتل قوات الحلفاء الضفة اليسرى للراين لمدة خمسة عشر عاماً للتأكد من تنفيذ شروط المعاهدة. وألغى الحلفاء المنتصرون المعاهدات التجارية المبرمة بين ألمانيا والدول الأخرى، وصُودرت الودائع المالية الألمانية في الخارج، وأُنقص حجم البحرية التجارية الألمانية إلى عُشر حجمها. وكل هذه الإجراءات تذكر المرء بما حدث لمحمد علي، صاحب أول تجربة تحديث في الشرق العربي، والذي هدَّد ظهوره الخطط الغربية للاستيلاء على تركة الدولة العثمانية، رجل أوربا المريض. وفي نهاية الأمر، كان على ألمانيا أن تدفع غرامة عينية قدرها 20 مليار مارك ذهبي، على أن تدفع جزءاً منها فوراً وجزءاً منها بعد حين. وتم تحديد الغرامة في نهاية الأمر، في أبريل 1921، بمقدار 132 مليار مارك ذهبي. وبرغم معارضة جميع الأحزاب الألمانية لتلك الشروط، اضطرت جمهورية وايمار في النهاية إلى أن ترضخ. وكما هو الحال في مثل هذه المواقف، حينما تُجْرح الكبرياء الوطنية لشعب ما، ذاع بين الألمان الاعتقاد بأن ألمانيا لم تُهزم وإنما طعنها الثوريون والليبراليون واليهود من الخلف. وأدَّى الوضع المذكور إلى تدهور سعر المارك من 4.20 مارك للدولار في عام 1914 إلى 162 ماركاً للدولار، ثم إلى سبعة آلاف مارك عام 1922. وقد احتلت فرنسا منطقة الروهر عام 1923 بحجة فشل ألمانيا في إرسال شحنة من الخشب على سبيل التعويض العيني، ثم قامت القوات الفرنسية والبلجيكية بإلقاء القبض على العمال الألمان الذين رفضوا العمل في المناجم، وفُرض حصار اقتصادي تم بمقتضاه فصل منطقة الروهر وكذلك وادي الراين المحتلين عن ألمانيا، الأمر الذي كان يشكل ضربة اقتصادية هائلة لألمانيا، خصوصاً بعد أن تم استقطاع منطقة سيلزيا العليا الغنية بالفحم. وبناءً على ذلك، هبط المارك إلى 160 ألفاً للدولار في عام 1923 ثم إلى 4.200.000.000.000 في نوفمبر 1923. ولأن جمهورية وايمار لم تضع أية قيود على حرية رأس المال، فقد استفاد كثير من الرأسماليين (ومنهم أعداد كبيرة من أعضاء الجماعات اليهودية) من هذا الوضع، وحققوا أرباحاً هائلة وراكموا الثروات في وقت كانت فيه معظم طبقات الشعب الألماني تعاني من الفقر والهوان. وبذلت حكومة ألمانيا قصارى جهدها لإصلاح هذا الوضع. وبالفعل، تم تحديد ديون ألمانيا وطريقة دفعها، وبدأت قوات الحلفاء في الانسحاب مع أوائل الثلاثينيات، ثم عقدت الجمهورية بعض القروض لاستثمارها في الاقتصاد الألماني حتى ظهرت بعض علامات التحسن والاستقرار. ولكن هذا الاستقرار كان يعتمد بالدرجة الأولى على القروض الخارجية، ومن ثم، أدَّت أزمة الرأسمالية العالمية عام 1929 وانهيار البورصة في نيويورك إلى انهيار الوضع في ألمانيا، فوصل عدد العاطلين فيها عن العمل إلى ما يزيد على ستة ملايين (أي نحو ثلث مجموع القوى العاملة في الفترة 1930 ـ 1932) ، وانخفض الدخل بنسبة 43%، وفقدت الطبقة الوسطى ما تبقى لديها من مدخرات. هذا هو السياق الاجتماعي والسياسي العام الذي أدَّى إلى احتدام التناقضات والثورات داخل المجتمع الألماني والذي أدَّى في نهاية الأمر إلى تَفجُّر الوضع الداخلي وظهور الأفكار الشمولية الاستبعادية وإلى ظهور إمبريالية تتجه نحو «الداخل» الأوربي بعد أن حُرمت من "الخارج" الآسيوي والإفريقي " العالمي". فقد اتجه المشروع الاستعماري الألماني بكل قوته، حينما استعادها، نحو الداخل، أي نحو الشعوب السلافية المجاورة والأقليات المختلفة مثل الغجر واليهود، حيث اعتبر المناطق التي تعيش فيها مجاله الحيوي، الذي لابد من تفريغه من تلك العناصر التي لا تنتمي إلى الفولك والتي تعوق تحقيقه لمصلحته وأهدافه. السياق السياسي والاجتماعي الألماني اليهودي للإبادة Jewish-German Political and Social Context of the Extermination ولكن إلى جانب هذه الظروف الألمانية العامة، كانت هناك ظروف خاصة بأعضاء الجماعة اليهودية في ألمانيا ساهمت في تحويل الموقف المتفجر إلى وضع مدمر بالنسبة لهم ولغيرهم من الأقليات، وهو ما سنتناوله في هذا الجزء. لم يكن للجماعة اليهودية في ألمانيا وزن عددي يذكر. فمن الناحية الكمية المحضة، لم يكن أعضاؤها يُشكلون أي تحدٍّ خاص للأغلبية الألمانية الساحقة كما يبيِّن الجدول التالي: السنة / عدد اليهود / النسبة الى عدد السكان 1871 / 512150 / 1.22% 1880 /512612 / 1.24% 1890 /567884 / 1.15% 1900 /586833 / 1.04% 1910 /615.021 / 0.95% ويُلاحَظ من الجدول السابق أن الجماعة اليهودية لم تكن آخذة في التزايد برغم الانفجار السكاني في أوربا في القرن التاسع عشر (زاد عدد يهود شرق أوربا بين عامي 1800 و1935 بنحو ستة أضعاف) . كما أن نسبة يهود ألمانيا إلى عدد السكان كانت آخذة في التناقص، وقد تزايد هذا الاتجاه عام 1910 بسبب التنصُّر والزواج المختلط الذي بلغت نسبته بين عامي 1921 و1927 نحو 44.5% من جملة الزيجات اليهودية. ولذا، لم تكن المسألة اليهودية في ألمانيا كامنة في الكم كما كان الوضع (إلى حدٍّ ما) في شرق أوربا، وإنما في الكيف، وعلى وجه التحديد في الوضع الوظيفي المتميِّز لأعضاء الجماعة اليهودية الذي تأثر تأثراً عميقاً بعملية التحديث في ألمانيا. فقد كان أعضاء الجماعة، حتى نهاية القرن الثامن عشر، يعيشون أساساً في الريف والمدن الصغيرة. ولكن، مع بدايات القرن التاسع عشر وظهور الاقتصاد الجديد، هاجرت أعداد هائلة منهم إلى المدن الكبرى. ومع نهاية القرن، كانت أغلبيتهم تقيم في المدن الكبرى مثل براسلاو وليبزج وكولونيا، بالإضافة إلى هامبورج وفرانكفورت، وكانت برلين تضم ثُلث يهود ألمانيا. وأدَّى تركز يهود ألمانيا في المدن إلى وضوح تمايزهم الوظيفي والمهني، وهي ظاهرة موغلة في القدم في دول وسط أوربا، وخصوصاً في ألمانيا. فلقد كان أعضاء الجماعة اليهودية في الإمارات الألمانية يُشكِّلون، في العصور الوسطى، جماعة وظيفية وسيطة تضطلع بدور التاجر والصيرفي والمرابي، ثم تم طردهم من عدة مدن وإمارات ألمانية، فهاجروا منها إلى مدن وإمارات ألمانية أخرى. ولكن، مع حلول القرن السادس عشر، سُمح لليهود بالاستقرار في كثير من المدن والإمارات التي كانوا قد طُردوا منها، وتم استقدامهم كعنصر تجاري نشط لديه رأس المال اللازم والاتصالات الدولية. وكان يهود المارانو (الذين طُردوا من شبه جزيرة أيبريا) من أهم هذه العناصر. وعادةً ما كان يتم استقدام اليهود، سواء في العصور الوسطى أو في القرن السادس عشر، بأمر من الإمبراطور أو الأمير أو النخبة الحاكمة، فكان أعضاء الجماعات اليهودية يتبعون النخبة الحاكمة (أو أحد أعضائها) بشكل مباشر ويُشكِّلون مصدر دخل كبير لها، وكان الممولون اليهود يقومون باعتصار الجماهير من خلال الفوائد الضخمة التي يُحصِّلونها على قروضهم. ولكن النخبة الحاكمة كانت تستولي على نسبة ضخمة من الأرباح في نهاية الأمر عن طريق الضرائب التي تفرضها على أعضاء الجماعات اليهودية. وفي القرن السادس عشر ظهرت مهنة يهودي البلاط الذي يدير الخزانة الملكية ويعقد الصفقات والقروض بالنيابة عن الأمراء ويمول الحروب ويدير الاتصالات التجارية اللازمة، أي أن أعضاء الجماعة اليهودية في ألمانيا كانوا مرتبطين بالحاكم ملتصقين به ومتميِّزين طبقياً ومهنياً عن بقية أفراد الشعب، وهو وضع ازداد تبلوراً في القرن التاسع عشر، كما يبيِّن الجدول التالي الخاص بتوزيع أعضاء الجماعة اليهودية في المهن والحرف المختلفة: المهنة أو الحرفة / 1895 / 1903 الزراعة / 1.4% / 1.3% الصناعة / 19.3% / 22.03% التجارة والنقل / 56.0% / 50.6% عمال أجراء / 0.4% / 0.6% مهن حرة / 6.1% / 6.5% أعمال حرة / 16.7% / 19.0% وكان وجود بعض أعضاء الجماعة اليهودية كوسطاء أمراً واضحاً جداً، فقد تركزوا في صناعة الأثاث والملابس الجاهزة وارتبطوا بالصيرفة والمحال التجارية، الأمر الذي حولهم إلى شخصيات مكروهة من الطبقة الوسطى، خصوصاً في ظروف الأزمة. واتضح كذلك وجود اليهود في مهنة الإقراض وتحصيل ريع الملكيات الزراعية (بالنيابة عن أصحاب الأملاك) ، كما عملوا تجار مواش، الأمر الذي جعلهم مكروهين من الفلاحين. وقبل الحرب العالمية الثانية، كان عدد يهود ألمانيا لا يزيد على 1% وكان يهود برلين يُشكِّلون 5% من سكانها، ومع هذا كانوا يُشكِّلون النسب التالية في بعض القطاعات الاقتصادية في برلين: النسبة / القطاع الاقتصادي 70% / من مجموع أصحاب الحوانيت 30% / من مجموع تجار الملابس 25% / في تجارة الأثاث 17% / من مجموع العاملين في المصارف 10% / من الأطباء 16% / من المحامين ومن الإحصاءات الأخرى ذات الدلالة أن يهود برلين الذين كانوا يشكلون ـ كما أسلفنا ـ 5% من سكانها كانوا يدفعون 30% من جملة الضرائب، وكان يهود فرانكفورت الذين يشكلون 7% من سكانها يدفعون 28% من ضرائبها، كما بلغت نسبة أصحاب الأعمال ومديري البنوك من اليهود في برلين 55.15% في عام 1882، ثم هبطت إلى 32.6% في عام 1925 (وهي أيضاً نسبة عالية) . وتقول الموسوعة اليهودية العالمية إن الهبوط في النسبة المئوية لم يصاحبه هبوط في النفوذ، إذ كان اليهود، في بعض السنوات، يُديرون أهم ثلاثة بنوك تتحكم في 60% من نسبة الإقراض في بعض السنوات، وكانوا يديرون نحو ثلاثة أرباع القروض الأجنبية التي مُنحت لألمانيا من عام 1924 إلى عام 1929. كما سيطر اليهود على 57.32% من صناعة المعادن في عام 1930. وهكذا، ارتبط اليهود في العقل الألماني بالمشروع الحر والمضاربات والسياسات الليبرالية. ومن جهة أخرى، كان والتر راتناو (وزير التعمير ثم وزير الخزانة في حكومة وايمار) يهودياً، كما كان واضع دستور هذه الجمهورية (التي استمرت فترة قصيرة) يهودياً أيضاً. وكانت هذه الجمهورية ترمز في العقل الألماني لليبرالية المتخاذلة المتهالكة أمام هجوم أعداء ألمانيا. ومن قبيل المفارقات أن أعضاء الجماعة اليهودية ارتبطوا بالمثل الليبرالية في وقت كان فيه المجتمع الألماني (ككل) يتخلى، بعد تَعثُّر التحديث، عن هذه المُثٌل ليبحث عن طرق أخرى شمولية لحل مشاكله. ولعل في هذا الارتباط الوثيق بين الرأسمالية الألمانية ويهود ألمانيا ما يُفسِّر النقد الاشتراكي الثوري العنيف لليهود باعتبارهم ممثلين للرأسمالية، ولليهودية باعتبارها دين الاقتصاد الجديد. ولعل هذا يُفسِّر أيضاً السبب في أن ماركس يَقرن اليهودية بروح التجارة ويُوحِّد بينهما، ويرى أن إله إسرائيل الطماع هو المال. وهذا التراث الاشتراكي في نقد الشخصية اليهودية نابع من تربة ألمانية أساساً، حيث كان اليهود ممثلين بشكل واضح في الطبقات الرأسمالية. ولا ينطبق هذا، بأية حال، على شرق أوربا حيث تحوَّلت البورجوازية الصغيرة والجماعات اليهودية إلى بروليتاريا تعاني من ويلات الفقر. وبرغم هذا الربط بين الجماعات اليهودية والرأسمالية في ألمانيا، فقد انضم عدد كبير من المثقفين اليهود إلى الحركات الثورية فيها، وكان ارتباطهم بها على المستوى الفردي واضحاً وضوح الارتباط الجماعي لليهود بالرأسمالية. فكان رئيس حكومة بافاريا الثورية (البلشفية) يهودياً، وكان كثير من قيادات الحركة الثورية المتطرفة (مثل روزا لوكسمبرج) من اليهود، وكان هناك شبح ماركس يرفرف على الجميع. ثم اتضح عام 1917 الوجود اليهودي الملحوظ في الثورة البلشفية (التي كان يُطلَق عليها في بعض الأوساط «الثورة اليهودية» ) . وهكذا، ارتبط اليهودي بالصناعة والاستغلال والمشروع الحر، وكذلك بالثورة الاشتراكية المتطرفة والحركات الثورية، أي أن اليهودي أصبح رمزاً جيداً لهذا المجتمع الحديث (جيسيلشافت) المبني على التعاقد والتنافس، والذي قوض دعائم المجتمع الألماني المترابط (جماينشافت) ، وأصبح بؤرة تتجمع فيها مخاوف الطبقة الوسطى التي كانت آخذة في التدهور الاجتماعي والطبقي بسبب التضخم والبطالة. بل أصبح رمزاً لكل تلك القوى، من اليمين واليسار، التي أودت بألمانيا وفرضت عليها أن تذعن للحلفاء. وحينما استأنفت ألمانيا عملية التحديث بعد الحرب، تمت هذه العملية بقروض أجنبية وتحت رعاية الدولة، أي أن النمط الاقتصادي السائد في ألمانيا لم يكن فيه مجال للرأسمال الحر تماماً ولا للنمط الاشتراكي الجمعي. وارتطمت الدولة النازية بكل من الرأسمال الحر الذي ارتبط به اليهود واليسار المتطرف الذي وُجد فيه اليهود بشكل ملحوظ. وساهمت العوامل السابقة جميعاً، بشكلٍّ أو بآخر، في عزل أعضاء الجماعة اليهودية عن بقية التشكيل السياسي الحضاري الألماني. ولكن العنصرين التاليين كانا حاسمين في فصلهما عن سواد الشعب الألماني، وفي تهميشهما تماماً. والعنصران هما: 1ـ العلاقة الخاصة بين أعضاء الجماعة اليهودية والمشروع الاستعماري الألماني: تعود العلاقة الخاصة بين أعضاء الجماعة اليهودية والمشروع الاستعماري الألماني إلى منتصف القرن التاسع عشر، وتُعتبَر امتداداً لظاهرة يهود البلاط ولارتباط أعضاء الجماعة بالحاكم. (تُعَدُّ عائلة روتشيلد مثلاً جيداً على ذلك، حيث كانت آخر أسرة من أسر يهود البلاط وهي أيضاً أول أسرة يهودية ثرية تتولى مشاريع الاستيطان الصهيوني) . والجدير بالذكر أن وضع اليهود تحسن كثيراً في منتصف القرن التاسع عشر مع توحيد ألمانيا، فقد كان ثلاثة من أهم مستشاري بسمارك من اليهود. ويُقال إن اليهودي المتنصِّر فريدريك ستاهل هو مُنظِّر الدعوة إلى العسكرية البروسية. والواقع أن بسمارك كان يفكر، حسب تقاليد النخبة الحاكمة الألمانية، في استخدام اليهود دائماً في مشاريعه. ويظهر ذلك الاتجاه بشكل أوضح في تفكير إمبراطور ألمانيا (ويلهلم الثاني) الذي كان يرى إمكان استخدام اليهود في مشروعه الاستعماري، كما كان واعياً بالقدرات المالية لليهود وحجم اتصالاتهم الدولية. وكانت مفاوضات هرتزل، مع إمبراطور ألمانيا، تدور داخل هذا الإطار وتنطلق من هذا التفاهم الضمني. وفي الوقت نفسه، كانت المنظمة الصهيونية في ألمانيا لا تكف عن الحديث عن نفع اليهود وإمكان استخدامهم في المشاريع الاستعمارية الألمانية، وتوطينهم في فلسطين أو في غيرها تحت راية الاستعمار الألماني. وقامت جمعية الغوث الألمانية اليهودية بالمساهمة في النشاط الاستطاني الصهيوني باسم الاستعمار الألماني، كما كان يُنظَر إلى العنصر اليهودي من شرق أوربا (المتحدث باليديشية) باعتباره عنصراً ألمانياً، يمكن تسخيره في صالح المشروع الألماني الاستيطاني. وكما هو معروف، صدر وعد بلفور الذي ينطوي، بشكل ضمني، على إمكان تحويل اليهود إلى عناصر تدين بالولاء للاستعمار الإنجليزي. ورغم هذا، استمرت رئاسة المنظمة الصهيونية الموجودة آنذاك في ألمانيا في التقرب إلى النظام الحاكم، واستمرت في بذل المحاولات لاستصدار وعد بلفوري ألماني. ولكن هذه الجهود لم تُثمر، بسبب علاقة ألمانيا الخاصة بالدولة العثمانية ورفض الخليفة العثماني الموافقة على المشروع الصهيوني حتى ولو تم في إطار المشروع الاستعماري الألماني. ومع هذا، أصدرت الحكومة الألمانية (بعد صدور وعد بلفور) تصريحاً مبهماً يشبه وعد بلفور من بعض الوجوه، تَعد فيه بمساعدة المشروع الصهيوني على أمل أن تجند يهود العالم لصالحها وتكسبهم إلى صفها. وقد جاء هذا التصريح متأخراً، ولم يؤد في النهاية إلى شيء يُذكر. ولكن ما يهمنا في هذا السياق هو أن التعامل مع اليهود (باعتبارهم جزءاً من المشروع الاستعماري الألماني) يُعتبَر (في جوهره) تهميشاً لهم من منظور المشروع القومي الألماني، فهو يعطيهم حقوقاً للاستيطان في فلسطين، كما يمنحهم الحق في التمتع برعاية الحكومة الألمانية «خارج» ألمانيا، الأمر الذي يعني ضمناً إنكار حقوقهم «داخلها» . فقد كان الاستعمار الاستيطاني هو الإطار الذي يتم من خلاله تصدير الفائض البشري غير المرغوب فيه إلى الشرق. ولكن القيادة الصهيونية، بقبولها هذا الإطار، رضيت بالتعريف الضمني الكامن لليهود كعنصر غريب غير منتم يجب أن يتم تصديره عن طريق التهجير. وهذا، على كل حال، هو التعريف الصهيوني (الواضح) لليهود. 2 ـ تهميش اليهود من خلال هجرة يهود شرق أوربا: تسبَّبت الهجرة الكثيفة ليهود اليديشية في أعقاب تعثُّر التحديث في شرق أوربا في تهميش اليهود وفصلهم عن التشكيل القومي الألماني العضوي. ومن الجدير بالذكر أن الهجرة اليهودية الحديثة اتسمت بأنها هجرة داخلية في أوربا (أي من بلد أوربي إلى آخر) حتى عام 1880. ولم تبدأ الهجرة عبر الأطلنطي بشكل مكثف إلا بعد ذلك التاريخ. وقد هاجر، في المرحلة الأولى بصفة خاصة، مئات الألوف، ووصلت أعداد كبيرة منهم إلى إنجلترا وتسببوا في استصدار وعد بلفور لتحويل سيل الهجرة عنها، كما وصلت أعداد لا بأس بها إلى ألمانيا. ومما زاد الأمور سوءاً أن ألمانيا قامت، في نهاية القرن الثامن عشر، بضم بولندا التي كانت تضم يهوداً من المتحدثين باليديشية (أوست يودين، أي يهود شرق أوربا) ، وهو ما كان يعني أن يهاجر هؤلاء إلى المدن الألمانية الكبرى. وبالفعل، انتقل معظم يهود بوزنان إلى ألمانيا، وكذا أعداد كبيرة من يهود جاليشيا. ولا شك في أن ظهور هذه الكتلة الضخمة من يهود شرق أوربا ذوي الطابع الجيتوي المنغلق، والذين لا يوجد لديهم (كغرباء مُقتَلعين) التزام قوي بالمعايير الأخلاقية المحلية أو بالقيم الغربية، كما يفتقرون إلى الكفاءات المطلوبة في التعامل مع أوربا الحديثة والاقتصاد الجديد، كان يمثل تهديداً للموقع الطبقي لليهود ولمكانتهم الاجتماعية. وقد شهدت سنوات العشرينيات من هذا القرن هجرة يهودية ضخمة من بولندا بسبب الأزمة الاقتصادية. وقد أشرنا من قبل إلى النسبة المرتفعة من الزيجات المُختلَطة بين يهود ألمانيا، ويمكن أن نضيف هنا أننا نعتقد أن النسبة كانت عالية للغاية بين اليهود من أصل ألماني، ولكن الإحصاءات لا تذكر سوى المتوسط العام دون أن تُفرِّق بين يهود شرق أوربا المقيمين في ألمانيا واليهود من أصل ألماني. وبوجه عام كان يهود ألمانيا يختفون، بينما كان يهود الشرق يحلون محلهم، أي أن الطابع العام للجماعة اليهودية كان آخذاً في التغير وفي اكتساب طابع غير ألماني (كانت نسبة اليهود الأجانب بين يهود ألمانيا هي 2.7 % عام 1880، ارتفعت إلى 12.8% عام 1910، ولا شك أنها استمرت في التزايد بعد هذا التاريخ) . وتحوَّلت ألمانيا، بعد الحرب العالمية الأولى، إلى مركز للثقافة العبرية نتيجةً لهرب عديد من الكتاب اليهود من روسيا، فتم تأسيس دار نشر عبرية، كما أسست الحركة الصهيونية كثيراً من المدارس لتعليم العبرية. (وهو اتجاه أيده النازيون فيما بعد ودعموه لأنهم كانوا يرون ضرورة عبرنة اليهود باعتبارهم شعباً عضوياً مستقلاً عن الشعب العضوي الألماني. ولنا أن نلاحظ أن الدولة النازية سبقت الدولة الصهيونية في تبنِّي كثير من مشارع العبرنة) . وكان من شأن هذا كله أن أصبح العنصر اليهودي مرة أخرى عنصراً عضوياً متماسكاً غريباً يقف خارج المجتمع أو على هامشه. ولذا، كان أحد المطالب الأساسية لأعداء اليهود وقف الهجرة من شرق أوربا لأنها تأتي بالغرباء. وكانت حقوق اليهود الأجانب مثار نقاش حتى في عهد جمهورية وايمار الليبرالي، ولهذا نجد بعض الألمان، ممن لا يمكن اتهامهم بمعادة اليهود، يطالبون بعدم السماح ليهود الشرق بامتلاك عقارات باعتبارهم أجانب لا باعتبارهم يهوداً. بل لقد طُرحت القضية نفسها داخل المنظمات اليهودية ذاتها: هل يُمنح اليهود الأجانب، الذين كانوا يشكلون أحياناً الأغلبية في بعض المجتمعات، حق التصويت في الانتخابات؟ وبالفعل، قرر كثير من هذه التجمعات السماح ليهود الشرق بالانضمام إليها بدون ممارسة حق التصويت. ولعل تأسيس جمعية الغوث كان يهدف إلى إبعاد يهود الشرق عن ألمانيا حتى لا يتأثر وضع اليهود داخلها، كما هو الحال مع جمعيات الغوث الأخرى (التوطينية) التي أنشأها أثرياء اليهود في الغرب (أمثال هيرش وروتشيلد) . وظهرت في هذه المرحلة جمعيات يهودية، مثل: التنظيم المركزي للمواطنين الألمان من أتباع العقيدة اليهودية (وهي جمعية يهودية تدعو إلى الاندماج) ، وجمعية غوث يهود ألمانيا (وهي جمعية خيرية قامت بنشاط استيطاني في فلسطين كما أشرنا) ، وغير ذلك من جمعيات دينية وثقافية. وتم تأسيس اتحاد عام لهذه الجمعيات في أواخر العشرينيات. ولكن الأمر الذي يجدر ذكره، من وجهة نظر هذه الدراسة، هو تأسيس فرع للمنظمة الصهيونية في ألمانيا (بل أصبح المقر الرئيسي داخل ألمانيا منذ عام 1904) . وترأس فرع ألمانيا رجل ألماني متزوج من يهودية من شرق أوربا (كورت بلومنفلد) طرح شعارات قومية عضوية كانت تسبب الكثير من الحرج لأعضاء الجماعة الذين كانوا يحاولون الاندماج. وتُوِّجت جهوده باستصدار قرار بوزنان الصهيوني عام 1912 الذي جعل من الهجرة إلى فلسطين هدفاً أساسياً لكل يهودي. وظل الصهاينة، ومعظمهم من أصل شرق أوربي، يتقبلون مختلف المنطلقات القومية العضوية. فدافع مارتن بوبر عن علاقة التربة بالدم، كما دافع عن أن اليهود شعب آسيوي أساساً. وتحدث ناحوم جولدمان عن اليهود كعنصر هدام في كل المجتمعات لأنهم غرباء، وتحدث جيكوب كلاتسكين عن ازدواج الولاء عند اليهود، وتحدث حاييم وايزمان عن اليهود باعتبارهم عنصراً فائضاً يقف في حلق الأمة الألمانية، وهي شعارات تعود كلها لتيودور هرتزل وماكس نوردو اللذين وضعا أساس الصهيونية الألمانية. وأشاعت هذه الدعاية صورة سلبية للغاية عن أعضاء الجماعة اليهودية وعن عدم إمكان دمجهم في الشعب العضوي الألماني. وفي هذا المناخ، ظهر هتلر وظهرت النازية. وأثناء محاكمات نورمبرج، أصر الزعماء النازيون، الواحد تلو الآخر، على أنهم تعلموا ما تعلموه عن المسألة اليهودية من أدبيات الصهاينة. ورغم هذا الجو الهستيري الصهيوني النازي، ظلت الجماعة اليهودية رافضة للمنطق الصهيوني واستمرت في مقاومة المنطق النازي. ومع وصول هتلر للحكم، استولى الصهاينة على قيادة الجماعة اليهودية وطرحوا برنامجاً عام 1933 لإعادة صياغة الجماعة اليهودية في ألمانيا وتعليم اليهود ما يتفق مع التقاليد الصهيونية، وذلك عن طريق مزج القومية بالدين بهدف تهجيرهم خارج ألمانيا. وقد وَصفت جمعية التنظيم المركزي للمواطنين الألمان هذا الموقف من قبل الصهاينة بأنه طعنة في الخلف. أما النازيون، فوافقوا على الطرح الصهيوني للقضية وقدَّموا التأييد والدعم للأنشطة والمؤسسات الصهيونية. وكانت كل هذه الأسباب النابعة من الملابسات التاريخية والسياسية والحضارية العامة (أي المرتبطة بالمجتمع الألماني ككل) ، والخاصة (أي المرتبطة بالجماعة اليهودية على وجه التحديد) ، هي التي أدَّت إلى ارتطامهم بالنظام النازي وإلى إبادة أعداد كبيرة منهم (بالمعنيين العام والخاص اللذين نطرحهما، أي الإبادة من خلال التجويع والسخرة والتهجير والإبادة من خلال التصفية الجسدية) . الإبادة النازية للغجر Nazi Extermination of Gypsies ارتبطت عبارة «الإبادة النازية» بكلمة «اليهود» بحيث استقر في الأذهان أن النازيين لم يبيدوا سوى اليهود. وقد ساعد الإعلام الغربي والصهيوني على ترسيخ هذه الفكرة حتى أصبح دور الضحية حكراً على اليهود. بل تطور الأمر إلى حد أنه إذا ما أراد باحث أن يبيِّن أن الإبادة النازية لم تكن مقصورة على اليهود، وإنما هي ظاهرة شاملة ممتدة تشمل الغجر والسلاف والبولنديين وغيرهم، فإنه يصبح هدفاً لهجوم شرس. ونحن نرى أن ثمة اتجاهاً كامناً نحو الإبادة في الحضارة العقلانية المادية الحديثة، وأنه تحقق بدرجات متفاوتة من الحدة والتبلور واتخذ أشكالاً مختلفة. وإحدى لحظات التحقق المتبلورة هي الإبادة النازية للغجر، التي ورد الوصف التالي لها في إحدى منشورات اليونسكو. كانت إبادة الغجر مُدرجة في برنامج ألمانيا النازية. وكان لدى شرطة إقليم بافاريا الألماني منذ عام 1899 قسمٌ خاص «بشئون الغجر» يتلقى نسخاً من قرارات المحاكم المكلّفة بالبت في المخالفات التي يرتكبها الغجر. وتحوَّل هذا القسم عام 1929 إلى «مركز وطني» مقره ميونيخ، وحُظر على الغجر منذ ذلك التاريخ التنقل بدون تصريح الشرطة. وكان الغجر الذين يزيد أعمارهم على السادسة عشرة ولا يعملون يُجبرون على العمل لمدة سنتين في مركز من مراكز التأهيل. وابتداءً من عام 1933، وهو تاريخ وصول هتلر إلى الحكم، زادت تلك القيود شدة وصرامة. وطُرد الغجر الذين لا يحملون الجنسية الألمانية، وزُجّ بالباقين في المعتقلات بحجة أنهم «غير اجتماعيين» . ثم بدأ الاهتمام بالبحث في الخصائص العِرقية للغجر، فأعلن الدكتور هانز جلوبكه ـ أحد المساهمين في صياغة قوانين نورمبرج ـ عام 1936 ـ أن الدم الذي يجري في عروق الغجر «دم أجنبي» . ثم صنَّفهم الأستاذ هانز ف. حينثر في فئة مستقلة تمثل مزيجاً عرْقياً غير محدَّد (إذ لم يستطع نفي أصلهم الآري) . وبلغت الخصائص العرْقية لدى الغجر من الأهمية درجة أهلتها لأن تصلح موضوعاً لرسالة دكتوراه. ومما قالته إيفا جوستين مساعدة الدكتور ريتّر في قسم الأبحاث العِرقية بوزارة الصحة (عند مناقشة رسالتها) إن الدم الغجري «يُشكِّل خطراً بالغاً على صفاء الجنس الألماني» . ووجَّه طبيب يُدعَى الدكتور بورتشي مذكرة إلى هتلر يقترح فيها فرض الأشغال الشاقة على الغجر وتعقيمهم بالجملة نظراً لأنهم "يُشكِّلون خطراً على نقاء دم الفلاحين الألمان". وفي 14 ديسمبر عام 1936، صدر قرار أدى إلى تفاقم أوضاع الغجر إذ وصمهم بأنهم «مجرمون معتادون على الإجرام» . وفي نهاية عام 1937 وخلال عام 1938 شُنت حملات اعتقال جماعية عديدة ضد الغجر وخُصِّص لهم جناح في معتقل بوخنولد، وكانت قوائم الوفيات في كثير من المعسكرات تحوي أسماء غجرية يُذكَر منها: ماوتهاوسن وجوسن وداوتمرجن وناتلزفايلر وفلوسنبورج. وفي رافنسبروك، راحت كثيرات من نساء الغجر ضحايا لتجارب أطباء الشرطة العسكرية الهتلرية الإس. إس. (ss) . وفي عام 1938، أصدر هملر بنفسه أمراً بنقل مقر المركز الوطني لشئون الغجر إلى برلين. وفي السنة نفسها اعتُقل ثلاثمائة غجري كان قد استقر بهم المقام في قرية مانفويرت حيث كانوا يملكون الحقول والكروم. وقد أمر هملر بتصنيف الغجر في الفئات التالية: غجري صرف (Z) ، وخلاسي يغلب عليه العرْق الغجري (ZM+) ، وخلاسي يغلب عليه العرْق الآري (ZM-) ، وخلاسي يتساوى فيه العرْقان الغجري والآري (ZM) . ويميِّز المؤرخ ح. بلِّنج في كتابه ألمانيا وإبادة الجنس بين أساليب مختلفة لإبادة الجنس تتمثل في الإبادة عن طريق إزالة القدرة على الإنجاب واختطاف الأطفال، والإبادة عن طريق الزج في المعتقلات، والإبادة عن طريق الإفناء. وقد عُقِّمت في مستشفى برسلدورف - لبيرنفلد نساء غجريات متزوجات من غير الغجر، ومات بعضهن على أثر تعقيمهن وهنَّ حوامل. وفي رافنسبروك، قام أطباء الإس. إس. بتعقيم مائة وعشرين فتاة غجرية صغيرة. وكان من أمثلة الإبادة الجماعية عن طريق الاعتقال ترحيل خمسة آلاف غجري من ألمانيا إلى جيتو لودز في بولندا، وكانت ظروف المعيشة في هذا الجيتو من الفظاعة بحيث لم ينج أحد من هؤلاء الغجر من الهلاك. ومع ذلك فإن الطريقة التي كان يؤثرها النازيون هي طريقة الإفناء المباشر. ويُعتقد أن قرار إبادة الغجر بالإفناء اتُخذ في ربيع عام 1941 عندما شُكِّل ما عُرف باسم «فرق الإعدام» . ولكي يتحقق ذلك كان يتعيَّن جمع الغجر في أماكن محددة. فمنذ صدور قرار هملر في 8 ديسمبر 1938، كانت أماكن سكنى الغجر قد أصبحت معروفة لدى الشرطة، ثم جاء قرار 17 نوفمبر 1939 ليحظر عليهم ترك منازلهم أو ليضعهم تحت طائلة الحبس في معسكرات الاعتقال. ورُحل ثلاثون ألف غجري إلى بولندا فلاقوا حتفهم في معتقلات الموت في بلزك وتربلينكا وسوبيبور ومايدانك، شأنهم شأن آلاف آخرين رُحلوا من بلجيكا وهولندا وفرنسا إلى معتقل أوشفيتس. ويروي هويس، قائد المعتقل، في مذكراته أنه كان بين المعتقلين شيوخ يناهزون المائة سنة من العمر ونساء حوامل وأعداد كبيرة من الأطفال. كذلك يروي بعض السجناء الذين نجوا من الهلاك، كما يسرد كولكا وكرواس في كتابهما المعنون مصنع الموت، قصة مذبحة الغجر الرهيبة التي وقعت في ليلة 31 يوليه عام 1944. وفي بولندا، كان الغجر يُقتلون في معسكرات الموت أو يُعدمون في البراري. وامتد نطاق القتل إلى الاتحاد السوفيتي عندما اندلعت نيران الحرب بين الألمان والسوفييت، فكانت فرق الإعدام التابعة للإس. إس. تسير مع الجيوش الألمانية، وكانت القبور الجماعية تملأ مناطق البلطيق وأوكرانيا والقرم. وفي ليلة 24 ديسمبر 1941 أُعدم رمياً بالرصاص في سيمفيروبول ثمانمائة غجري من الرجال والنساء والأطفال. وحينما زحفت الجيوش النازية، كان الغجر يُعتقلون أو يُرحلون إلى المعسكرات أو يُقتلون. وفي يوغسلافيا، كان الغجر واليهود يُعدمون في غابة باجنيس. ومن الصعب تقدير عدد الغجر الذين كانوا يعيشون في أوربا قبل الحرب العالمية الثانية وعدد ضحايا هذه الحرب. ويُقدِّر المؤرخ راؤول هيلبرج عدد الغجر في ألمانيا قبل الحرب بأربعة وثلاثين ألف نسمة؛ أما عدد من بقي منهم على قيد الحياة بعدها فغير معروف. ويتبيَّن من تقارير فرق الإعدام أن عدد الضحايا في روسيا وأوكرانيا والقرم بلغ ثلاثمائة ألف غجري، بينما تُقدر السلطات اليوغسلافية عدد القتلى من الغجر بثمانية وعشرين ألفاً في الصرب وحدها. أما عدد الضحايا في بولندا، فمن الصعب تقديره وإن كان المؤرخ تيننباوم يؤكد أن الشعب الغجري فقد على الأقل خمسمائة ألف من أبنائه. هذا، مع العلم بأن الشعب الغجري شعب عريق وكثير النسل (على عكس اليهود) .وعلى كل حال، ومهما اختلفت النسب، فإن نسبة من أُبيد من الغجر (إلى عددهم الكلي) يفوق نسبة من أُبيد من اليهود. مارتن هايدجر (1889 – 1976 (والنازية Martin Heidegger and Nazism في كتابه المعنون الحداثة الرجعية: التكنولوجيا والثقافة والسياسة في جمهورية فايمار والرايخ الثالث يُبيِّن جيفري هيرف أن الحداثة لم تكن حركة نحو اليمين أو نحو اليسار، إذ يرى أن هناك حداثة رجعية فاشية هي حداثة انتصار الإرادة على العقل، والروح المبدعة على الحدود. وفي إطار هذه الحداثة ترتبط الإرادة المنتصرة بالعنصر الجمالي الذي يصبح هو وحده مبرر الحياة، ولذا تُعَّلق (أي تُعطَّل) كل المعايير الأخلاقية وتهيمن الرغبة التي لا تعرف أية حدود. وفي حديثه عن هذه الحداثة الرجعية يُبيِّن هيرف أن مصادرها متعددة، يذكر من بينها ما يلي: الرومانسية ـ أيديولوجية الفولك ـ المصطلح الوجودي عن الذات والأصالة ـ الداروينية الاجتماعية ـ فلسفات الحياة Lebensphilosophie ـ احتفاء نيتشه بالجمال الذي يتجاوز الأخلاق أو الذي لا علاقة له بالأخلاق (بالإنجليزية: أمورال amoral) ـ الاحتفال بالجمال باعتباره معياراً «أخلاقياً» ـ تمجيد التكنولوجيا وربطها بالقيم المتجاوزة للأخلاق. ويستمر هيرف، عبر كتابه، في تعداد هذه العناصر وغيرها. ونحن نرى أنه رغم دقة ملاحظاته وجدَّتها إلا أن كتالوج العناصر الذي قدَّمه يتسم بعدم الترابط. وقد يكون من الأجدى أن نرى نمطاً عاماً في الحضارة الغربية: تصاعد معدلات الحلولية الكمونية والانتقال من العقلانية المادية (المتجاوزة للقيمة والأخلاق والغائية الإنسانية) إلى اللاعقلانية المادية (المتجاوزة للقيمة والأخلاق والغائية الإنسانية) والتأرجح بين الذات والموضوع (وهو نمط عام يصل إلى قمته في فلسفة ما بعد الحداثة) . وفلسفة مارتن هايدجر (1889 ـ 1976) ، الوجودي والفينومينولوجي، هي جزء من هذا النمط العام. وهو يُعَدُّ من أهم فلاسفة القرن العشرين في الغرب، إن لم يكن أهمهم على الإطلاق، وينزله البعض منزلة أفلاطون وهيجل. وقد تأثر هايدجر بأعمال جيكوب بومه والمعلم إيكهارت ونيتشه وكيركجارد وهوسرل، ويبدو أن الفكر الغنوصي ترك أثراً عميقاً فيه. وكتابه الأساسي: الوجود والزمن (1927) ، بالإضافة إلى كتبه الأخرى: كانط ومشكلة الميتافيزيقا (1929) ، وماهية الحقيقة (1943) ، ومدخل إلى الميتافيزيقا (1935) ، ورسالة حول الإنسانية (1947) ، وما الفلسفة (1955 (. ونقطة انطلاق هايدجر هي الوجود، فالسؤال الأساسي عنده هو: ما معنى الوجود؟ فهو السؤال الذي يجب أن يسأله كل إنسان ليصبح إنساناً. ويذهب هايدجر إلى أن الخلل الأساسي في الأنطولوجيا الغربية أنها سقطت في ثنائية راديكالية فظنت أن الوجود هو كيان موضوعي مفارق للذات ثم قامت بفصل الواحد، وبحدة، عن الآخر، فحوَّلت العالم الموضوعي إلى مادة لا أسرار فيها ولا سحر خاضعة للحَوْسَلة منفصلة تماماً عن الذات، كما تحوَّل الإنسان إلى عقل أداتي وذات متعجرفة متكبرة تنفصل تماماً عن واقعها وتتعالى عليه بدلاً من التفاعل معه، تحاول أن تغزو الكون بدلاً من أن تعيشه، وتحاول أن تفرض صورتها على الكون وتحتل مركزه وتحوسله. وتتجلى هذه الرؤية من خلال فلسفة ديكارت وفكر حركة الاستنارة والفلسفة الوضعية والنزعة التكنولوجية. وفي محاولة تجاوز هذه الثنائية يرفض هايدجر العودة للإله، كما يرفض أن يعود إلى الذات المستقلة، وبدلاً من ذلك يطرح مشروعه الفلسفي الذي يصفه هو نفسه بأنه عملية هدم (بالإنجليزية: ديستراكشن destruction ـ بالألمانية: ديستروكسيون destruktion) للفلسفات السابقة، بل لكل الأنطولوجيا الغربية، أنطولوجيا الذات والموضوع (ويتحول الهدم [ديستراكش] إلى تفكيك بالإنجليزية: «ديكونستراكشن deconstruction» في خطاب دريدا الفلسفي، الذي يدين بالكثير لفلسفة هايدجر (. وجوهر عملية التفكيك أو الهدم هذه هو الاقتراب من الواقع بدون المنظار الديكارتي بحيث يتجاوز الدارس ثنائية الذات والموضوع وينظر إلى الوجود (شأنه في هذا شأن فلاسفة عالم الحياة) باعتباره الاثنين معاً. ومن هنا اهتمام هايدجر (ونيتشه من قبله) بالفلسفة اليونانية قبل سقراط، وهي فلسفة لم تعان في تصوره من انقسام الذات والموضوع. ونحن نذهب إلى أن هذا الانقسام الحاد بين الذات والموضوع هو سمة أساسية في كل الرؤى الحلولية الكمونية المادية التي ترفض فكرة المركز المفارق للمادة المنزه عنها، وتحاول أن تعين مركزاً كامناً أو حالاً فيها، فتجده إما في الإنسان أو في الطبيعة، إما في الذات أو في الموضوع. وتحسم هذه الثنائية الصلبة ذاتها إلى واحدية مادية بذوبان الذات في الموضوع، أو الموضوع في الذات (وإن كان البديل الأول هو الأكثر شيوعاً) . وهو انقسام لم تسلم منه الفلسفة اليونانية أو أية فلسفة حلولية كمونية مادية، قبل سقراط أو بعده، في اليونان أو خارجها. ونمط الثنائية الصلبة التي تؤدي إلى واحدية يظهر بوضوح في فلسفة هايدجر. يتناول هايدجر قضية الوجود من خلال مفهوم «دازاين Dasein» وهي كلمة ألمانية تعني حرفياً «الوجود هناك» (بالإنجليزية: بينج ذير being there) أي «الوجود في العالم» . وفي سياق فلسفة هايدجر يمكن ترجمتها إلى «الإنسان» أو «حالة كون الإنسان إنساناً» (بالإنجليزية: ذي مود أوف بينج هيومان the mode of being human) . وأهم خصائص وجود الإنسان أن وجوده لا يشبه وجود الشيء، فقانونه هو عدم التعين، فهو كائن غير ثابت، ليست له طبيعة محددة. وبما أن لكل فرد الحق في أن يقول «أنا» ، فإن الوجود الإنساني يتغيَّر من فرد لآخر. فهذا الأنا ليس جوهراً، أي ليس موضوعاً ثابتاً تجرى عليه التغيرات، بل هو ينبوع للإمكانات واستعداد لتحققها (عبد الرحمن بدوي (. وتوجد هذه الذات الإنسانية في عالم الصيرورة والزمان، لا فكاك لها منه، وليس لها وجود مستقل عنه. بل إن وجودها نفسه هو ثمرة علاقتها مع العالم المادي ومع الآخرين، ومع هذا لا تُردُّ الذات إلى واقع خارج عنها ولا تُستوعَب تماماً فيه. فالعلاقة بين الذات والموضوع علاقة جدلية. فالواقع الذي نتفاعل معه يصوغنا بقدر ما نصوغه نحن، ونمتلكه بمقدار ما يمتلكنا. والذات هي إمكانية دائمة ومشروع مستمر وحوار مستمر مع العالم. وعملية الحوار هذه تعني الصيرورة الدائمة، فالواقع الذي نتفاعل معه مركب تماماً، ولا يمكن إخضاعه لعملية الرد الفينومينولوجي أو التجريد الإيديتيكي التي تعلق الواقع (على الطريقة الهوسرلية) . ولا يمكننا استنفاد معناه تماماً ولا يمكن حوسلته أو استيعابه في مقولات منطقية مجردة عامة (ومن هنا عجز العلم الطبيعي عن فهم الوجود (. والإنسان كائن أُلقي به في عالم ليس من صنعه، ولكنه مع هذا عالمه الوحيد، ولا يمكن للإنسان أن يأخذ موقفاً تأملياً محايداً من هذا العالم، فنحن نصبح جزءاً من الأشياء التي في وعينا، ولذا فإن الإنسان ليس كائناً عارفاً وإنما هو كائن قلق بشأن مصيره في عالم غريب عنه. ويتسم الإنسان بأنه ليس لديه ردود فعل (موضوعية) للأحداث، فهو «يستجيب» لها، ومن ثم فالإنسان محتم عليه الاختيار ومحاولة فهم العالم. واللغة من أهم العناصر في الوجود الإنساني، فهي أساسية له (بل إنها توجد قبل جود الإنسان الفرد) ، وهي طريقة انفصال الإنسان عن الوجود ليشعر الإنسان بالدهشة تجاهه بل يشعر بوجوده (على عكس الكائنات الأخرى، والوجود بالنسبة لها كينونة وليس حضوراً، فهي كائنة في الوجود لا تعيشه) . ولكن اللغة هي أيضاً أداة اتصالنا مع العالم ومع الآخرين. ولكنها أداة ليست موصلة تماماً لا يمكنها الإفصاح تماماً عما لا يمكن تسميته، ولذا فاللغة لا يمكن أن تمثل الواقع كما أن اللغة تفقد حدتها بسبب تفاهة اللغة السائدة. ولعل هذا هو الذي حدا بهايدجر أن يحاول تطوير مصطلحه الخاص تماماً وأن ينحت كلمات جديدة ويلجأ للعب بالكلمات حتى يُفصح عن رؤيته الخاصة (كما فعل دريدا بعده متأثراً به) . كما أن هايدجر كان يذهب إلى أن لغة الشعر أكثر قدرة على التوصيل من اللغة العادية. ومع هذا كان يذهب إلى أن بعض الأفعال مثل «يستقر» و «يرى» تكشف عن الحقائق الأولية للوجود الإنساني. لكن الإنسان كمشروع مستمر وإمكانية غير متحققة قد يفقد ذاته ويصبح «الهُم» . وهي عبارة تعني ببساطة «الشخصية المتوجهة نحو الآخر» (بالإنجليزية: أذر دايركتيد other directed) والإنسان الاجتماعي بالمعنى السلبي، أو الإنسان المستوعَب تماماً في الأعراف الاجتماعية وآراء الآخرين (ولكن هايدجر يصر دائماً على تحاشي المصطلحات السوسيولوجية ويفضل المصطلحات الفلسفية الأنطولوجية التي ينحتها بسرعة وغزارة تسبب كثيراً من الصداع الذي لا مبرر له) . هذا «الإنسان الهُم» هو إنسان ذو بُعد واحد يحكم على نفسه بمعايير الآخرين ويُستوعَب في الآخرين ويسقط في لغو الحديث الذي يقف على الطرف النقيض من الحوار، فالحوار هو أن ترى الآخرين باعتبارهم بشراً (دازاين) لهم وجودهم الخاص المتعين، لا باعتبارهم أشياء موضوعية (داس مان: الهُم) بحيث يمكن الدخول معهم في علاقة حميمة تكشف شخصيتهم الأصيلة والحقيقية. والإنسان الهُم هذا لا يشعر بالدهشة الحقيقية وإنما يتسم بحب الاستطلاع، وحب الاستطلاع هو الرغبة في اقتناء الجديد والمختلف دون أي إحساس حقيقي بالدهشة. وحتى لا يسقط الإنسان في حالة الهُم هذه فهو دائماً في حاجة إلى الإحساس بالرهبة (بالألمانية: أنجست Angst، وبالإنجليزية: دريد dread) ويظهر هذا الإحساس عندما يدخل الإنسان في علاقة مع العدم من خلال إدراكه للموت (وهي لحظة لا يمكن للعلوم الطبيعية أن تدركها ولا يمكن للحياة اليومية أن تتعايش معها) . وعندما يمارس الإنسان الإحساس بالقلق وبتناهي الوجود الإنساني وبزمنيته، تسقط التفاصيل اليومية ويتوارى العالم العادي ويتفتح الوجود ويكشف عن نفسه وتكتشف الذات أصالتها وإمكانياتها وضمنها إمكانية الحرية والاختيار، حرية أن تختار الذات نفسها وأن تمسك بنفسها، ومن ثم تكتشف الذات قدرتها على تجاوز العالم وعلى الخروج من حدودها الضيقة (الهُم) لا لتعرف العالم وحسب ولتكون فيه وإنما لتوجد فيه، أي أن يتحقق وجودها الأصيل والحقيقي في العالم في الزمان. وتصل قمة الحرية إلى حرية الإنسان في أن يقابل الموت. ورغم حديث هايدجر عن العلاقة الجدلية التفاعلية التبادلية بين الذات والموضوع، ورغم محاولته المستميتة أن يحافظ على المسافة بين الذات والموضوع إلا أنهما يلتحمان (بسبب غياب المركز المفارق) بعد فترة من التأرجح (المأساوي أحياناً، والملهاوي أحياناً أخرى) بين الذات المطلقة التي لا حدود لها ولا قيود عليها والتي تلتهم الموضوع، والموضوع المطلق، الذي يتجاوز كل شيء، وضمن ذلك الإنسان الفرد، ويبتلع كل الذوات، أي أن هايدجر يتأرجح فلسفياً بين العقل الإمبريالي النيتشوي الدارويني والعقل الأداتي البرجماتي. فلنأخذ على سبيل المثال مفهوم هايدجر للتاريخ الإنساني، التاريخ بالنسبة له ليس تاريخاً متعيناً، وإنما هو زمان وحسب، تجربة ذاتية وجودية، يصبح الوجود من خلالها حضوراً، أي تجربة فريدة معاشة، وهكذا يختفي أي مركز مفارق للإنسان ولا تبقى إلا الذات. (وسنرى كيف أن الذات الهتلرية تبتلع الموضوع الألماني بل كل الوجود) . ويحدث الشيء نفسه للذات، إذ يذهب هايدجر إلى أن الذات لا يمكن أن تكون نفسها في أية لحظة، فهي في حالة صيرورة مقلقة، ولا يمكن للإنسان الفرد أن يمسك بوجوده تماماً، فوجود الإنسان يسبقه دائماً كمشروع غير متحقق بعد، وهو مشروع دائم لا ينتهي، ومن ثم فالوجود الفرد إن هو إلا وهم. وللخروج من هذه الحالة اقترح هايدجر، كما أسلفنا، تجربة الرهبة (أنجست) الناجمة عن مواجهة الموت والعدم والتأمل فيهما. ولكن هذا ليس هو الحل الوحيد، فهناك الحل الألماني المثالي/المادي المألوف، أي افتراض أن الذات والوجود هما شيء واحد، أو أن كليهما موضع الحلول. ولكن هذا الحل الألماني هو حل مؤقت إذ عادةً ما تنحل هذه الوحدة العضوية الكاملة إلى عنصر واحد يغلب الآخر، وهو عادةً العنصر الموضوعي الذي يطوق الذات ويذيبها فيه، أي أن الوحدة العضوية تتحول إلى واحدية مادية. وهذا أمر متوقع تماماً، فالفرد القلق المنعزل الملئ بالقلق والرهبة (أنجست) سيحاول بأقصى جهده أن يخرج من حالة العزلة هذه، حالة الوهم، وإحدى وسائل الخروج التوحد بالذات الجماعية، بالوجود الجمعي بديل الإله (وهذا هو الحل الذي اقترحه هيجل ودوركهايم وغيرهما (. والعنصر الموضوعي أو الكلي هنا هو الوجود. وقد لاحظ أحد مؤرخي الفلسفة أن مضمون كلمة «وجود» عند هايدجر لا يختلف كثيراً عن مضمون كلمة «إله» في الفكر البروتستانتي. ولذا فهو يتحدث عن أن "الوجود يدعونا" و "يخبئ نفسه" و"يكشف عن نفسه لنا ". ولكن هذا الإله إله مادي، ولهذا يأخذ أشكالاً مادية مختلفة، وهكذا نكتشف أن الوجود يصبح أحياناً الطبيعة، ومن ثم يطرح هايدجر فكرة المجتمع العضوي الذي يلتحم فيه الإنسان بالطبيعة وبالآخرين (ومن هنا سُمِّي «فيلسوف الغابة السوداء» ) . وتظهر عملية تطويق الموضوع للذات في أن كلمة «دازاين Dasien» لم تعد تعني «وجود الفرد بشكل متعيِّن في الواقع» بل تصبح "الوجود الفردي باعتباره شكلاً من أشكال الوجود الجماعي". ويضيق نطاق الحلول ويتركز فبدلاً من الإنسانية ككل باعتبارها مركزاً للحلول (كما كانت تدَّعي الهيومانية الغربية) يصبح مركز الحلول هو "الوجود الألماني". ("الألمان شعب مختار، مفعم بقوى الأرض والدم، وعلى الطلبة أن يعلنوا التزامهم بذلك" ـ "لقد أدَّت الثورة الاشتراكية الوطنية إلى انقلاب كامل في الوجود الألماني" ـ " الفرد في حد ذاته [أينما كان] لا قيمة له، فأهم شيء هو مصير شعبنا" ـ "أيها الطالب الألماني، خلال تجوالك ومسيراتك الطويلة، تلمَّس بقدميك أراضي الجبال والغابات والأودية في الغابات السوداء فإنك تلمس الأرض التي أنجبت البطل. دونما سلاح، أطلق البطل نظراته متحدياً البنادق الموجهة إليه وعانق النهار وجبال موطنه حتى يموت وعيناه مثبتتان على الأرض الألمانية وعلى الشعب الألماني والرايخ") . وتزداد درجات تركز الحلول ويضيق نطاقه وبدلاً من الشعب الألماني تصبح الدولة الألمانية هي موضع الحلول فيتحدث هايدجر عن "وجود الدولة" (بالألمانية: دازاين ديس شتاتيس Dasein des Staates) "أهم شيء هو مصير شعبنا في دولته". "لقد أيقظ هتلر الإرادة لوجود الدولة في الفولك» . ونصح هايدجر الشباب بأن تنمو شجاعتهم دائماً «لينقذوا جوهر الشعب ولإعلاء القوى الداخلية للشعب في إطار الدولة". وهكذا يهيمن الموضوع أو الذات الجماعية تماماً، ولكن التأرجح مع هذا لا يتوقف إذ تتزايد درجات الحلول تركزاً وضيقاً إلى أن نصل إلى الذروة وننتقل من الموضوع إلى الذات مرة أخرى حين يتم استيعاب الدولة نفسها في الإنسان الفرد الأسمى، هتلر، الذي "جمع إرادة الأمة في فرد واحد". "إن الفوهرر نفسه، هو وحده، الحقيقة الألمانية في الحاضر والمستقبل، وهو قانونها ... هايل هتلر"، أي أن المبدأ الواحد، جوهر وحدة الوجود المادية، يصبح أولاً الوجود الجمعي والوجود كطبيعة، ثم يضيق نطاقه ويتركز فيصبح الشعب الألماني، ثم الدولة الألمانية، وأخيراً الفوهرر. وكما قال هايدجر، إن قاعدة وجود الإنسان الألماني «يجب ألا تكون هي فرضيات أو نظريات [رفض الميتافيزيقا] ، فالفوهرر، هو وحده، حقيقة الحاضر والمستقبل قانونهما، فهو منقذ شعبنا ... هو المعلم ورائد الروح الجديدة» (من رسالة هايدجر إلى الفوهرر) ، هو مركز الحلول، هو الإله المادي والوثن الأعظم. لكل هذا ينحل الدازاين تماماً في الذات النيتشوية: "إن الفلسفة تقف وراء هتلر، لأن هتلر يقف إلى جانب الوجود". وتظهر علمانية هايدجر الشاملة، وماديته الراديكالية النيتشوية الجديدة، في تحريضه الجامعة الألمانية على أن تخوض غمار حرب حاسمة بروح الاشتراكية الديموقراطية (النازية) التي يجب ألا تخنقها أية نزعات إنسانية (هيومانية) أو مفاهيم مسيحية. كما تظهر هذه العلمانية المادية الشاملة في تبنيه للحل الصهيوني للمسألة اليهودية، إذ كان يرى ضرورة توطين اليهود في فلسطين أو أي مكان آخر خارج ألمانيا وأوربا. كان النازيون يعتبرون هايدجر فيلسوفهم، ونحن نرى أنهم كانوا على حق في تصورهم هذا. فقد انضم هايدجر إلى الحزب النازي عام 1933 وكان من أعز أصدقائه بيوجين فيشر، وهو ممن دافعوا عن القتل الموضوعي أو الأداتي للمعوقين وعن إبادة اليهود. وانطلاقاً من رؤيته النازية دافع هايدجر عن المشروع الصهيوني الذي يطالب بطرد اليهود من أوطانهم (باعتبارهم شعباً عضوياً) ليُعاد توطينهم في فلسطين (باعتبارها وطناً قومياً لهم) . كما كانت زوجة هايدجر نفسها ترى أن الأمومة هي الحفاظ على الميراث العرْقي. وقد تنكر هايدجر لأستاذه هوسرل عام 1933 لأنه يهودي، وكان يتجسس على زملائه لحساب السلطة النازية، وهو ما أدَّى إلى طرد بعضهم. (يُوثق كتاب فيكتور فارياسVictor Farias [عام 1987] هذا الجانب من حياة هايدجر الفلسفية) . ومن الجدير بالملاحظة أن أستاذاً ألمانياً اسمه جيدو شنيبرجر Guido Schneeberger نشر عام 1961 كتاباً يضم 217 نصاً نازياً لهايدجر. ويبدو أن هايدجر أدرك خطأه عام 1934 ومن ثم استقال من رئاسة جامعة فرايبورج. ولكن من المعروف أنه استمر مع هذا في دفع اشتراكات العضوية في الحزب النازي حتى نهاية الحرب العالمية الثانية. وقد كتب المفكر الألماني كارل أوديث في مذكراته أنه تحدث مع هايدجر عام 1936 وأن هايدجر عبَّر عن إيمانه الكامل بهتلر، وأخبره أن الطريقة النازية هي الطريقة الأمثل لألمانيا. وحتى بافتراض أن هايدجر ابتعد عن النازية السياسية، فمما لا شك فيه أن نسقه الفلسفي ظل كما هو، يُشكِّل تربة خصبة لظهور الأفكار النازية، شأنه في هذا شأن كل «فلسفات الحياة» اللاعقلانية المادية. كان هايدجر يتصور أن النازية هي روح العالم المتجسدة التي ستزاوج بين التكنولوجيا والثقافة ("رسالة الشعب الألماني") . وهو لم يكن مخطئاً تماماً في تصوره، فقد قام النازيون بالفعل بمزاوجة التكنولوجيا والثقافة الألمانية، بل إنهم كانوا يرون أن التكنولوجيا هي التعبير البراني عن إرادة القوة الألمانية، وكانوا يرون أن ألمانيا بوجودها بين روسيا والولايات المتحدة أصبح بوسعها أن تزاوج بين التكنولوجيا وروح الشعب، فالتكنولوجيا الألمانية تنبع من أعماق الحضارة Kultur الألمانية. وهي روح مطلقة لا تتقيد بأية قيم بورجوازية، روح لا متناهية لا تعرف سوى القيم الجمالية. وهكذا أمسك بروميثيوس الجديد بالنار، مسلحاً بحس جمالي عميق وبشهية لا تعرف الحدود وبإدراك للذات كمطلق، فأحرق الأخضر واليابس. وقد أدرك هايدجر تدريجياً أن هذا الالتحام النازي بين الذات والموضوع وبين التكنولوجيا والثقافة، خارج إطار المنظومات الأخلاقية، هو في واقع الأمر مرض وليس حلاً. ولكن إدراكه هذا ظل مقصوراً على الحالة النازية وحسب، ولهذا لم يراجع منظومته الفلسفية. ولا تمثل رؤية هايدجر العلمانية الإمبريالية الشاملة انحرافاً عن مسار الحضارة الغربية الحديثة، فهي جزء من نمط عام متكرر يتمثل في التأرجح بين الذات والموضوع، وفي حسم هذا الصراع لصالح الموضوع أو لصالح الموضوع متجسداً في الذات الإمبريالية، كما يتمثل الانتقال التدريجي من العقلانية المادية إلى اللاعقلانية المادية التي تتضح في تقديس هيجل للدولة البروسية (إله يسير على الأرض!) وأفكار نيتشه الداروينية عن إرادة القوة وميول ياسبرز النازية والتوجهات النازية والصهيونية لبول دي مان تلميذ هايدجر النشيط المخلص. والنازية ما هي إلا تجلٍ متبلور لهذا الاتجاه حين أصبح الدازاين الألماني الجمعي هو الفولك الذي تجسد في هتلر واحد وأصبح الآخرون مثل أيخمان، منفذين عاديين تسير وراءهم الملايين. ويمكن فهم نازية هايدجر، شأنها شأن صهيونيته، من خلال هذا السياق. فالنازي الإمبريالي الذي يُجسد إرادة القوة يُحوسل الآخرين ويُحركهم ليخدم مصالحه أو مصالح أمنية، فهو ينقل اليهود إلى فلسطين (أو ينقل الفلسطينيين منها) أو إلى معسكرات الاعتقال واللاجئين، حسبما تمليه عليه الظروف الطارئة والمصالح المادية الثابتة وموازين القوى، دون التقيد بأية قيم أخلاقية، إذ لا توجد إلا قيم جمالية. ومن المعروف أن النازيين تمسكوا بالقيم الجمالية أيما تمسك، فكانت واجهات معسكرات الاعتقال من الطراز التيرولي، كما كان الجنود الألمان يسمعون موسيقى موتسارت وفاجنر بينما كان يُساق الملايين إلى معسكرات الاعتقال التي تتسم بالانضباط الشديد. ولعل إدراك العالم الغربي للنزعة الإمبريالية (الإبادية) الكامنة في مشروع هايدجر الحضاري الحديث هو ما يدفعه لإخفائها بشتى الوسائل والطرق ومن ذلك محاولة إخفاء الحقائق الصلبة. ولهذا تبذل جهود مضنية لإخفاء حقيقة أن دول الحلفاء (التي تتباكى الآن على ضحايا النازية) لم تفتح أبوابها للمهاجرين من المناطق التي وقعت تحت نفوذ النازي، وأن قوات الحلفاء (بقيادة إيزنهاور) لم تكن متحمسة لضرب السكك الحديدية المؤدية لمعسكرات الاعتقال لتوفير الطاقة العسكرية. وفي هذا الإطار يمكن أن نفهم ما حدث لجيدو شنيبرجر فقد وجد صعوبة بالغة في نشر كتابه عن نازية هايدجر، وحينما نشره بطريقته الخاصة، اختفى الكتاب من أرفف المكتبات، ثم قوبل بالصمت من المؤسسات الأكاديمية (التي تلتزم الصمت أيضاً تجاه توجهات ياسبرز ودي مان النازية) ، فعدم التزام الصمت يعني فتح باب الاجتهاد فيما يتصل بالنازية ودلالتها المركزية بالنسبة للحضارة الغربية الحديثة، الأمر الذي لا يمكن لهذه الحضارة تحمله، إذ قد تشكل ضربة في العمق. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
إشكالية انفصال القيمة الأخلاقية والغائية الإنسانية عن العلم والتكنولوجيا
The Problematic of Value-free Science and Technology Divorced From Human Teleology رغم هيمنة الرؤية العلمانية الإمبريالية الشاملة على الإنسان الغربي (بجانبيها النفعي المادي الحيادي الأداتي والدارويني الصراعي الإمبريالي) ، ورغم حوسلتها للعالم وتحويلها المنفعة المادية والقوة إلى قيمة مطلقة متجاوزة للخير والشر، إلا أن هناك من لا يتقبل هذه الرؤية ولا يذعن لها ويثير قضايا مهمة ذات طابع أخلاقي وإنساني من أهمها قضية تطبيق المعايير العلمية المنفصلة عن القيمة وعن الغائية الإنسانية وتطبيق المنظومة الأخلاقية الداروينية النفعية المادية على الإنسان والمجتمع الإنساني. فقد أسس النازيون منظومتهم ـ كما أسلفنا ـ استناداً إلى مفاهيم علمية أو شبه علمية مثل النظرية الداروينية (وما يترتب عليها من مفاهيم مثل التفاوت بين الأعراق والمجال الحيوي والشعب العضوي) ، كما تبنوا الرؤية العلمية المتجردة تماماً من القيمة ومن الغائيات الإنسانية باعتبار أن العلم وما يتولَّد عنه من قوانين وقيم مادية هو القيمة الحاكمة الكبرى والمرجعية النهائية للإنسان. وقد حقق النازيون نجاحاً منقطع النظير في هذا المضمار فركزوا على محاولة التحكم الكامل في كل العناصر البشرية الخاضعة لهم وتطبيق الحسابات الرشيدة المحايدة التي تهدف إلى تعظيم الإنتاج والأرباح وتقليل الاستهلاك والخسائر. ومن ثم يمكن القول بأن الإبادة النازية لليهود وغيرهم هي التحقق الكامل للرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية الشاملة التي تم من خلالها حوسلة كل شيء بطريقة علمية محايدة رشيدة حديثة. ويتبدَّى هذا في عدة أوجه سنوجزها فيما يلي: 1 ـ كان النظام النازي بمنزلة يوتوبيا تكنولوجية تكنوقراطية حقة تم تنظيمها تنظيماً هرمياً، ففي قاعدته تقف جماهير الشعب العضوي المتماسك تعلوه نخبة من العلماء والساسة، يدورون جميعاً في إطار واحد هو الدولة القومية التي تَجُّب مصالحها كل المصالح. وعلى قمة الهرم يقف الفوهرر: التجسد المادي والمحسوس للمطلق العلماني (الشعب العضوي والدولة) الذي تركزت فيه جميع القوى الحيوية الكامنة في النسق، وهو القادر على تحريكها، وهو القادر على حسم كل الاختيارات السياسية والاجتماعية والأخلاقية، تساعده النخبة العلمية والسياسية الحاكمة. هذا الهرم الدارويني المنظم تنظيماً دقيقاً تحرك بشكل محايد ليدافع عن مصلحته، كما يراها هو، وعن منفعته، كما حددها هو، أو كما حددتها النخبة الحاكمة من علماء وساسة! وكانت حركة الهرم النازي تتسم بالحياد الصارم، والتجرد المذهل من القيم والعواطف والغائيات الإنسانية. وكانت واحدة من أهم مؤسسات الإبادة تُدعَى «مؤسسة تدعيم القومية الألمانية» ، وقد أُسِّست عام 1939 لتوظيف العناصر الألمانية غير المرغوب فيها. وكان هملر (الذي أُسندت له مهمة إدارة هذه المؤسسة القومية) يرى أنها تجسد قيمة قومية عضوية مطلقة، فهي تخدم المصالح العليا المطلقة لألمانيا، وكان رجاله يؤدون واجبهم بأمانة وإخلاص شديدين لوطنهم. 2 ـ أدار هملر مؤسسته بطريقة حديثة للغاية تبدت في كيفية استخدامه لليهود من خلال واحد من أهم أسس الإدارة الحديثة فيما يُسمَّى «الإدارة الذاتية» ، إذ كوَّن، انطلاقاً من الرؤية الداروينية النفعية، نخبة من اليهود نواتها الأساسية أعضاء المجالس اليهودية والموظفون الملحقون بها، تدور حولها قطاعات أخرى مثل العمال اليهود في مصانع الذخيرة، وبعض الشخصيات اليهودية العامة، وتم وصفهم جميعاً بأنهم «يهود يتمتعون بالحماية من الترحيل» نظراً لنفعهم. (وهو امتداد للتقسيم الغربي القديم لليهود والذي ظل سائداً منذ العصور الوسطى حتى أوائل القرن التاسع عشر وإن كان قد اكتسب عمقاً خاصاً في القرن الثامن عشر وعصر الاستنارة وظهور مبدأ المنفعة) . وقد أصبح هؤلاء أداة ذات كفاءة عالية في يد الإدارة النازية وتعاونوا معها تماماً. 3 ـ وكانت عمليات السخرة والإبادة حديثة رشيدة بمعنى الكلمة يتم إنجازها من خلال إجراءات محايدة. فعلى سبيل المثال، استُخدم خط التجميع (بالإنجليزية: أسمبلي لاين assembley line) في عملية فرز المساجين (والمعروف أن خط التجميع استُخدم في الأصل في المذبح [السلخانة] في شيكاغو، حيث رأى أحد مؤسسي علم الإدارة الحديثة أنه يمكن توفير الوقت والجهد بأن تُعلَّق جثث الحيوانات الواحدة تلو الأخرى على سير متحرك أمام الجزارين، لكي يقومون بتنظيفها وإعدادها) . وقد طُبِّق نفس الأسلوب على المساجين، فكانوا يقفون صفاً واحداً ويُعطَى كل واحد منهم رقم، ثم يتم فرزهم، وهي طريقة أكثر كفاءة من التصنيف على أساس الأسماء. والملاحَظ أن عملية التوحيد والتنميط، مثلها مثل المركزية، تُعدُّ خطوة أساسية في عملية الترشيد ويتطلبها النموذج الآلي المادي، إذ لا تمكن التعامل مع كل المعطيات بكفاءة عالية إن كانت غير متجانسة. فإن اختلفت العناصر أو الوحدات، الواحدة عن الأخرى، أدَّى هذا إلى بطء دولاب العمل. والنموذج الآلي المادي الهندسي يفترض تَشابُه جميع العناصر حتى يمكن معالجتها مادياً وآلياً وهندسياً. وقد طبَّق أيخمان هذه الآلية على نطاق واسع، خصوصاً في حالة ترحيل يهود المجر. ويُقال إنه لم يكن من الممكن إنجاز مهمة الترحيل هذه إلا من خلال خط التجميع. 4 ـ كانت آليات السخرة والإبادة كلها تتسم بتعظيم الإنتاج والمنفعة. ومن أطرف الآليات وأجداها اقتصادياً وأقلها إيلاماً وأكثرها شيوعاً إرسال اليهود إلى معسكرات العمل بالسخرة لتزويد الشركات الألمانية بالعمالة الرخيصة، وهو ما أفاد الاقتصاد الوطني الألماني فحقق تقدماً هائلاً لا يمكن للمراقب الموضوعي المحايد المتجرد من كل التحيزات الغائية والأخلاقية إلا أن يقر به. فكان يتم فرز المساجين بعناية شديدة، حيث يُوجَّه القادرون على العمل إلى أعمال السخرة، ومن ثم لا يُبدَّد شيء. وكان المعتقلون يعملون لساعات طويلة، ويعيشون دون حد الكفاف الأمر الذي جعل من الممكن تحقيق أرباح هائلة وإنتاجية منقطعة النظير. 5 ـ يبدو أن النازيين استفادوا بواحدة من أهم التجارب الحضارية الغربية، وهي التجربة الإمبريالية، إذ أُرسل اليهود أحياناً إلى جيتوات، أسسها النازيون خصيصاً، وكانت تأخذ شكل مناطق "قومية" مستقلة لها مجالسها التي تحكمها ونظامها المصرفي المستقل وعملتها الخاصة ونظامها التعليمي الخاص، أي أن كلاً منها كانت جيتو/دولة أو دولة/جيتو تدخل في علاقة تبادل كولونيالية مع الدولة النازية. فكانت الجيتوات تزود الدولة النازية بالعمالة والخدمات وبعض السلع نظير أن تزودها الدولة النازية بالغذاء والملابس. ولكن علاقة التبادل كانت غير متكافئة لصالح الدولة النازية بحيث تكون الخدمات والعمالة الخارجة من الجيتو أكبر من قيمة ما يحصل عليه سكان الجيتو من المواد الغذائية التي كانت دائماً أقل من أن تفي باحتياجات العاملين اليهود، أي أن العلاقة كانت تؤدي إلى انتقال فائض القيمة إلى النازيين وإلى إبادة العاملين واستهلاكهم كأداة إنتاج سريعة. ولذا يمكن القول بأن العلاقة بين الجيتو والدولة النازية كانت علاقة كولونيالية لا تختلف كثيراً عن علاقة إنجلترا بمستعمراتها أو علاقة الولايات المتحدة ببعض الدول العربية وغير العربية التي تسيطر عليها. 6 ـ لم يتخل النازيون قط عن حداثتهم وحيادهم، فكان يتم تقرير من يجب إبادته، ومن يجب الإبقاء عليه وتسخيره بعد دراسة عملية موضوعية، متمعنة ودقيقة، تتفق مع القواعد الصارمة للترشيد المادي. فقد قُسِّم أعضاء الجماعات اليهودية إلى يهود نافعين ومن ثم لا يمكن نقلهم، ويهود غير نافعين ومن ثم يمكن نقلهم والتخلص منهم. ولم تكن ظروف الحرب تعوق الألمان عن التحلي بالموضوعية الكاملة. فعلى سبيل المثال، حينما وصلت القوات الألمانية إلى شبه جزيرة القرم ووجدت فيها بعض اليهود القرّائين، بيَّن لهم هؤلاء أنهم ليسوا يهوداً بالمعنى العام والسائد، وأنهم لا علاقة لهم باليهود من أتباع اليهودية الحاخامية ولا يتسمون بما يتسم به اليهود عموماً من طفيلية (كما تزعم أدبيات العداء لليهود في العالم الغربي) . وأرجأ النازيون تنفيذ عملية الإبادة والتهجير، وأرسلوا بأحد الضباط إلى برلين ليدرس القضية بشكل موضوعي رغم ظروف الحرب. وبالفعل توصَّل هذا الضابط/الباحث إلى أن القرّائين لا يتسمون بالسيكولوجية أو الطبيعة اليهودية، وأخذ النازيون بتقريره، ولذا لم يُطبَّق على اليهود القرّائين قرار الإبادة. بل قرر النازيون، انطلاقاً من الرؤية النفعية البرجماتية المرنة، تجنيد بعض العناصر القادرة من بين اليهود القرّائين في القوات النازية. وانطلاقاً من الرؤية النفعية المرنة نفسها طوَّر النازيون مقياساً محدداً لتعريف من هو الآري، ولكنه كان مقياساً مرناً منفتحاً، ولذا كان الشخص السلافي، الذي يتسم بقدر كاف من الصفات العرْقية البيولوجية الألمانية (من بينها الطول ولون العيون) ، يُعاد تصنيفه "آرياً" ثم يُلحق ببرنامج خاص للأرينة (أي التحويل للآرية) ليتعلم الألمانية والسلوك الألماني الأصيل. وكانت هناك مؤسسة خاصة تُسمَّى Ru SHA المكتب الرئيسي للعرْق والتوطين، كانت مهمتها هي تحديد الصفات الآرية وإمكانية الألمنة. (وانطلاقاً من الرؤية البرجماتية نفسها صُنِّف اليابانيون، حلفاء الألمان، «آريون شرفيون» رغم انتمائهم للجنس الأصفر!) . وفي مؤتمر فانسي (الذي عُقد في 20 يناير 1942) أبدى المجتمعون اهتماماً شديداً بتصنيف الضحايا تصنيفاً دقيقاً إذ قُسِّموا إلى أربعة أقسام: فكان القسم الأول يضم من ستتم إبادته على الفور، أما القسم الثاني فكان يضم من ستتم إبادته (إنهاكه) من خلال الجوع والعمل بالسخرة. ويضم القسمان الثالث والرابع من يُعقم ومن يمكن أن يؤلمن (على التوالي) . وقد قام النازيون بالتمييز بين الإبادة من خلال الجوع والإبادة من خلال العمل، ففي عام 1942 وجد الجيش الألماني أن المنهج الثاني من الإبادة أكثر رشداً من الأول فقام بتبنيه. 7 ـ كان النازيون حريصين كل الحرص على استخدام مصطلح علمي محايد لا يحمل أية دلالات عاطفية غير علمية، فإحدى مؤسسات الإبادة كانت تحمل اسم تي فور T4، وهو اسم يصلح لأية شركة تجارية أو سياحية أو حتى أي دواء مقوٍ، وهو منسوب إلى الشارع الذي تقع فيه المؤسسة وإلى رقم المبنى (تيرجارتن شتراسه رقم 4 Tiergarten Strasse، أي 4 شارع حديقة الحيوان) . ومن أسماء المؤسسات الأخرى «جمعية نقل المرضى» أو «المؤسسة الخيرية للعناية المؤسسية» . وكان يُشار إلى عملية الإبادة بنفس المصطلح، فيتم أولاً «الإخلاء» ، يليه «النقل» (الترانسفير) ثم «إعادة التوطين» ، وأخيراً «الحل النهائي» . (ويستخدم الصهاينة نفس الخطاب، فهم يستخدمون كلمة مثل «ترانسفير» للإبعاد. وحينما فر الفلسطينيون من قراهم عام 1948 خوفاً من الإرهاب الصهيوني، وصف وايزمان هذا الفرار بأنه عملية «تنظيف» ) . وتحييد المصطلح مسألة أساسية في التفكير النازي، فعملية تسييس العمال وترشيد حياتهم، أي السيطرة عليهم وعلى حياتهم الخاصة أُطلق عليها اسم «القوة من خلال المرح» ، وكان مكتوباً على معسكر أوشفيتس «العمل سيحقق لك الحرية» . وكما أسلفنا، فقد جرى الحديث عن إبادة المعوقين وغيرهم باعتبارها نوعاً من «الصحة العرْقية» ومن «علاج الأمراض الوراثية الخطيرة» ، وكانت إبادة المجرمين والمتخلفين تُوصَف بأنها «تجنب العدوى والقضاء على الجراثيم» ، وأفران الغاز هي "أدشاش"، والعملية كلها هي عملية "تطهير" لا أكثر ولا أقل. ويُلاحَظ أن كل المصطلحات لا تذكر أية إبادة (بالمعنى العام أو الخاص الذي نطرحه) ، ولذا فهي تجعل عملية إبادة البشر تبدو وكأنها مسألة مجردة وبعيدة، ومن ثم مقبولة تماماً. 8 - كانت عملية تحييد المصطلح بداية عملية تحييد كامل للإدراك، فالمصطلح المحايد للغاية يقترب من المصطلح العلمي الدقيق المنفصل عن القيمة، إذ لا توجد فيه عواطف حُب أو كُره، وهو يحاول أن يصف الظاهرة من الخارج باعتبارها مجرد موضوع، دون أن يعطيها أي معنى إنساني داخلي أو أية قيمة خاصة، بحيث ينظر الموظف النازي أو الألماني إلى الضحية وكأنه ينظر إلى موضوع وحسب؛ حركة مادية خارجية ومادة استعمالية خام خاضعة للإجراءات. وقد كان المشرفين على عمليات الإبادة المختلفة يتم تدريبهم على التحلي بالبرود والتجرد للحفاظ على الحياد وكفاءة الأداء. وقد حذَّرت القيادة النازية من استخدام العنف بلا مبرر، فقد كانت تدافع عما سماه أحد المؤرخين «الإرهاب الرشيد» (أدان بن جوريون "تعذيب العرب بلا مبرر"أثناء حرب 1948، وهو ما يعني أن التعذيب الرشيد مسموح به) . وفي إحدى خطبه بيَّن هتلر أن " الإبادة الشاملة لابد أن تُنفَّذ ببرود وبطريقة نظيفة… وأن تصفية العناصر المطلوب تصفيتها لابد أن يتم بطريقة محايدة دون أي نزعات سادية (فمثل هذه النزعات تدل في واقع الأمر على العنف الإنساني الذي يتنافى مع المثل الأعلى النازي) . ولذا كان على رؤساء معسكرات الاعتقال أن يوقِّعوا إقراراً كل ثلاثة شهور بأنهم لم يسيئوا معاملة المساجين". وفي خريف عام 1942 أعلن هملر أن إطلاق النار على اليهود لأسباب شخصية (أو صادية أو جنسية) يعاقب عليها القانون بالإعدام. وكان الجنود الألمان ممنوعين من إساءة معاملة الضحايا حتى وهم في طريقهم إلى أفران الغاز، لأن هذا يعني شكلاً من أشكال الانفعال والانغماس العاطفي الذي يتنافى مع الحياد العلمي، والتجرد من العواطف والتحيزات والقيم أمر أساسي ومطلوب. وعند اكتشاف أي انحراف عن الخط المحايد، كانت القيادة النازية تعاقب المنحرفين. وقد أصدر هملر توجيهاً لمن يعملون معه بالتدخل الفوري إذا ما تجاوز أحد قادة معسكرات الاعتقال حدوده. وقد وُجِّه اللوم إلى أحد الضباط لأنه كان يحيط أسر الضحايا علماً بإعدام أقاربهم على كارت بوستال مفتوح بدلاً من ظرف مغلق! ويبدو أن الدكتور راشر، العالم النازي، تجاوز هو الآخر الخطوط المحايدة (!) حتى أنه أغضب هملر الذي أمر بإعدامه هو وزوجته قبل نهاية الحرب بقليل. كما أُعدم قائد معسكر بوخنوالد وزوجته (عاهرة بوخنوالد) التي كانت مغرمة بصنع الشمعدانات ومنافض السجائر من أشلاء البشر، الأمر الذي يتجاوز حدود المعقولية والحياد والحوسلة. وقد أوضح المواطن النازي جوزيف كرامر أنه سمَّم ثمانين امرأة بالغاز أثناء خدمته في أوشفيتس. وحينما سُئل عن مشاعره، صرح ببرود أنه لم تكن لديه أية مشاعر على الإطلاق، وقال للقضاة: " لقد تلقيت أمراً بقتل ثمانين من النزلاء بالطريقة التي قلتها لكم. وبالمناسبة هذا هو الأسلوب الذي تدربت عليه "، فهو يرى نفسه باعتباره «موظفاً فنياً» وحسب، ملتزماً بالترشيد الإجرائي ولا يصدع مخه بالقيم الأخلاقية أو بالمطلقات (فهذه مجرد ميتافيزيقا!) . وحينما صدر قانون التعقيم والذي شمل الحالات المتطرفة لإدمان الكحول، حاول البعض استصدار استثناء للمحاربين القدامى ممن أدمنوا الكحول نتيجة إصابات في المخ لحقت بهم أثناء الخدمة العسكرية في الحرب العالمية الأولى. ولكن الحياد العلمي لا يعرف أي استثناءات ولذا رُفض الطلب، «لأنه لو أُعفي هؤلاء لتم إعفاء المحاربين القدامي الذين أصيبوا في شجار في الشارع، ثم المصابين نتيجة العمل في المصانع» ، الأمر الذي يتناقض مع النموذج العقلاني المادي والنمطية التي يتطلبها الموقف العلمي الصارم. 9 ـ تبدَّى الموقف الحيادي الدارويني في موقف النازيين من العلم، وزعمهم انفصاله عن القيمة وعن الغائية الإنسانية، في واحد من أهم المفاهيم الطبية (العلمية المحايدة) في القرن التاسع عشر، وهو مفهوم «الصحة العرْقية» ، الذي ينطلق من ضرورة الحفاظ على وحدة الشعب العضوي وعلى بقائه (فهما سر تفوقه ورقيه) عن طريق التخلص من العناصر الضارة أو غير النافعة (التي تُعدُّ تعبيراً عن انهيار العرْق وانحطاطه) ؛ وثمة كتابات عديدة بجميع اللغات الأوربية في هذا الموضوع. ومن أهم المفاهيم المرتبطة بالصحة العرْقية مفهوم اليوثينيجيا euthenesia أو ما يُسمَّى «القتل الرحيم» (وإن كان من الأفضل تسميته «القتل العلمي» أو «القتل المحايد» أو «القتل الأداتي» أو «القتل الموضوعي» ) ، أي التخلص من المعوقين وغيرهم (مثل المرضى بأمراض مزمنة) عن طريق التصفية الجسدية. وقد يبدو هذا المفهوم لنا مخيفاً، ولكن في إطار الرؤية المادية الشاملة المحضة، وفي داخل إطار دارويني نيتشوي، يصبح الأمر منطقياً ومتسقاً مع نفسه (ولذا، نجد كاتباً مثل برنارد شو أو هـ. جـ. ويلز يدافع عن مثل هذا المفهوم) . وقد أصدرت النخبة النازية عدة قوانين لضمان الصحة العرْقية، فوضعوا البشر تحت تصنيفات مختلفة: أ) المستهلكون الذين لا نفع اقتصادي لهم: مثل المعتوهين والمتخلفين عقلياً والمصابين بالشيزوفرنيا (انفصام الشخصية) والأطفال المعوقين والأفراد المتقدمين في السن والمصابين بالسل، والمرضى الميئوس من شفائهم. بل كان يُضَم لهؤلاء الجنود الألمان الذين أصيبوا أثناء العمليات العسكرية، فعلاجهم كان يُشكِّل عبئاً على ميزانية الدولة. ب) المنحلون: وهم الشيوعيون والشواذ جنسياً وعدد كبير من أعداء المجتمع الذين يتسمون بالسلوك غير الاجتماعي (مدمنو الكحول والعاهرات والمجرمون ومدمنو المخدرات ومن لا مأوى لهم) . جـ) أعضاء الأجناس الدنيا: مثل السلاف والغجر واليهود والأقزام، فهم غرباء داخل الفولك الألماني ولا يوجد مبرر قوي لوجودهم إلا باعتبارهم مادة خاماً تُوظَّف لصالح الجنس الآري الأرقى، خاصةً أن بعضهم، مثل البولنديين، يشغلون المجال الحيوي لألمانيا. وفي 14 يوليه 1933 (في اليوم التالي لتوقيع المعاهدة مع الفاتيكان) ، أصدر النازيون قانوناً يُسمَّى «قانون التعقيم» لمنع بعض القطاعات البشرية (المعوقين ـ المرضى النفسيين ـ المرضى بالصرع ـ العمى الوراثي ـ الصمم الوراثي ـ التشوه الخلقي ـ الإدمان المتطرف للكحول) من التكاثر. وبالفعل، تم تعقيم أربعمائة ألف مواطن ألماني. وفي عام 1935، صدر قانون بمنع العلاقات الجنسية بين اليهود وأعضاء الأعراق غير الراقية من جهة والألمان من جهة أخرى، وذلك للحفاظ على النقاء العرْقي. وأُعلن عام 1939 عاماً يراعي فيه المواطن واجب التمتع بصحة جيدة وطُلب من كل طبيب أو داية أن تُبلغ عن أي مولود جديد معوق. وبدأت عملية القتل الموضوعي (أو العلمي أو المحايد) لهؤلاء الذين لا يمكن شفاؤهم مثل المعوقين وغيرهم (مشروع تي فور T4) . وظهرت وثائق تبين أنه قُتل سبعون ألف معوق وعاجز يأكلون ولا ينتجون (حرفياً: «آكلون غير نافعين» أي «أفراد يأكلون ولا ينتجون» [بالإنجليزية: يوسلس إيترز useless eaters] ) يُشكِّلون عبئاً على الاقتصاد الوطني ويعوقون التقدم. وقد تمت إبادتهم بمقتضى برنامج «تجنب العدوى والقضاء على الجراثيم» (أي برنامج إبادة المجرمين والمتخلفين وربما المسنين) . وأدَّى ذلك إلى توفير 239.067.020 كيلو جراماً من المربى في العام (كما جاء في إحدى الدراسات العلمية الألمانية الرصينة) . وأُنشئت لجنة للعلاج العلمي للأمراض الوراثية الخطيرة أوصت بقتل الأطفال المشوهين. وكان هؤلاء وغيرهم يُرسلون إلى مستشفيات. فكانوا يوضعون في عنابر خاصة ثم يتم الإجهاز عليهم عن طريق أفران غاز مخبأة على هيئة أدشاش، ومحارق لحرق الجثث. وقد طُبِّق المعيار نفسه، بعض الوقت، على الجنود الألمان الجرحى في الحرب، إذ أن عملية علاجهم كانت ستُكلف الدولة الكثير. ثم طُبِّقت عمليات الإبادة هذه بصورة أوسع على أسرى الحرب. وقد صُنِّف اليهود باعتبارهم مرضى، وذلك نظراً لعدم نقائهم العرْقي. ومن ثم أصبح من الضروري إبادتهم، شأنهم شأن العناصر الألمانية غير النافعة. ومن جهة أخرى، تم توسيع نطاق برنامج القتل المحايد أو العلمي ليضم المجرمين كافة، يهوداً وغير يهود. وكان اليهود يُعتبرون أيضاً ذوي استعداد إجرامي طبيعي بسبب اختلاط خصائصهم الوراثية. ولذا، طُبق البرنامج على اليهود الموجودين في المستشفيات جميعاً. 10 ـ ومن أهم تجليات الحياد العلمي ذات العائد المرتفع التي اتسمت بها الإبادة، تلك التجارب العلمية التي كان النازيون يجرونها على خنازير التجارب البشرية وهي تجارب منفصلة تماماً عن أية منظومات قيمية. فكان النازيون يختارون بعض العناصر التي لها أهمية تجريبية خاصة لإجراء التجارب عليها. وكان هذا يتم بسهولة ويسر وسلاسة؛ لأن البشر تحولوا إلى موضوع أو مادة محايدة في عقول القائمين على هذه التجارب. فعلى سبيل المثال، كان طبيب بوخنوالد (الدكتور هانس إيسيل) يقوم بعمليات استئصال دون تخدير ليدرس أثرها. وأُجريت تجارب أخرى على نزلاء معسكرات الاعتقال لا تقل رهبة عن تجارب إيسيل. وكان بعضهم يُطلَق عليه الرصاص لاختبار فعاليته في الحرب، وعُرّض آخرون لغازات سامة في عمليات اختبارية. وكان البعض يوضعون في غرفة مفرغة من الهواء لمعرفة المدة التي يستطيع الإنسان خلالها أن يظل حياً وهو على ارتفاعات عالية أو بدون أوكسجين. وكان الأوكسجين يُقلل تدريجياً ويخفض الضغط، فتزداد آلام خنازير التجارب البشرية شيئاً فشيئاً حتى تصبح آلاماً لا يمكن احتمالها حتى تنفجر رئاتهم. كما كان الضغط الداخلي على أغشية طبلات الآذان يسبب لهم عذاباً يوصلهم إلى حد الجنون. وكان الدكتور راشر، وهو عالم نازي آخر، شمولياً في أبحاثه إلى درجة عالية، فقام بتزويد غرف الضغط في النهاية بمبردات تجبر عيناته على مواجهة شروط أقرب ما تكون إلى الارتفاعات العالية. وكان راشر مسئولاً أيضاً عن الكثير من تجارب التجميد التي يتعرض فيها الأشخاص إلى البرد الشديد المستمر حتى الموت. وكان الهدف معرفة مدة مقاومتهم، وبقائهم أحياء، وما الذي يمكن صنعه لإطالة حياة الطيارين الذين يسقطون في مياه متجمدة. وكان بعض نزلاء داخاو ضمن ضحايا راشر أو ضمن خنازير تجارية (إن أردنا التزام الدقة والحياد العلميين) . فكان يتم غمر الضحايا/الخنازير في وعاء ضخم أو كانوا يُتركون عُراة في الخارج طوال الليالي الثلجية. وفي أواخر شتاء عام 1943، حدثت موجة برد شديدة، فتُرك بعض السجناء عراة في الخلاء أربع عشرة ساعة، تجمدت خلالها أطرافهم وسطوح أجسامهم الخارجية وانخفضت درجة حرارتهم الداخلية. وكان أسلوب العمل هو تجميد السجناء تدريجياً مع متابعة النبض والتنفس ودرجة الحرارة وضغط الدم وغير ذلك. وكانت هناك تجارب أخرى من بينها تدفئة أشخاص مثلجين. وبناءً على تقرير راشر، أُجريت أكثر من أربعمائة تجربة على ثلاثمائة ضحية. وقد مات من هؤلاء زهاء تسعين شخصاً نتيجةً لمعالجتهم، وجُنَّ عددٌ ممن بقى. أما الآخرون، فقد قُتلوا لكيلا يتحولوا إلى شهود مزعجين فيما بعد. وقد توصل راشر إلى حقائق علمية جديدة تتحدى كثيراً من المقولات العلمية السائدة في عصره. وأُجريت بالطبع تجارب لا حصر لها على نزلاء أحياء في معسكرات الاعتقال، من بينها الحقن بالسم أو بالهواء أو البكتريا، معظمها مؤلم وكلها قاتلة، كما أُجريت تجارب زرع الغرغرينا في الجروح وترقيع العظام وتجارب التعقيم. وفي الإطار التجريبي نفسه كان يتم اختيار التوائم وإرسالهم إلى الطبيب النازي الشهير الدكتور منجل لإجراء تجارب علمية فريدة عليهم، لا يمكن للعلماء الآخرين القيام بها نظراً لعدم توفر العينات اللازمة. فكان يفصل التوأمين ويضعهما في غرفتين منفصلتين، ثم يعذب أحدهما أحياناً ليدرس أثر عملية التعذيب على الآخر، بل كان يقتل أحدهما لدراسة أثر هذه العملية على الآخر. وكما قال بريمو ليفي: إن ألمانيا النازية هي المكان الوحيد الذي كان بوسع العلماء أن يدرسوا فيه جثتى توأمين قُتلا في نفس اللحظة. ويُقال إن دراسات منجل على التوائم لا تزال أهم الدراسات في هذا المجال، ولا تزال الجامعات الألمانية والأمريكية تستفيد من النتائج التي توصل إليها الباحثون العلميون الألمان في ظروف فريدة لم تُتح لعلماء غيرهم من قبل من بعد. وقد أُثيرت مؤخراً قضية مدى أخلاقية الاستفادة من معلومات تم الحصول عليها في مثل هذه الظروف التجريبية الجهنمية، وبهذه الطريقة الموضوعية الشيطانية. وقد أجرى بعض العلماء تجارب على أمخاخ الضحايا وقد اختار د. برجر، التابع لإدارة الإس. إس. عدداً من العينات البشرية (79 يهودياً ـ بولنديان ـ 4 آسيويين ـ 30 يهودية) تم إرسالهم لمعسكر أوشفيتس ثم قتلهم بناء على طلب عالم التشريح الأستاذ الدكتور هيرت الذي أبدى رغبة علمية حقيقية في تكوين مجموعة كاملة وممثلة من الهياكل العظمية اليهودية (كما كان مهتماً بدراسة أثر الغازات الخانقة على الإنسان) . أما الدكتور برجر نفسه فكان مهتماً بالآسيويين وجماجمهم، وكان يحاول أن يكوِّن مجموعته الخاصة. ويبدو أن عملية جمع الجماجم هذه وتصنيفها لم تكن نتيجة تخطيط محكم، وإنما نتيجة عفوية للرؤية النفعية المادية المتجردة من القيمة. إذ ورد إلى علم البروفسور هاليروفوردن أنباء عن إبادة بعض العناصر البشرية «التي لا تستحق الحياة» ، فقال للموظف المسئول بشكل تلقائي: «إن كنتم ستقتلون كل هؤلاء، فلماذا لا تعطوننا أمخاخهم حتى يمكن استخدامها؟، فسأله: كم تريد؟ فأجاب: عدد لا يحصى، كلما زاد العدد كان أفضل. ويقول البروفسور المذكور إنه أعطاهم بعد ذلك الأحماض اللازمة والقوارير الخاصة بحفظ الأمخاخ. وكم كانت فرحة البروفسور حينما وجد أمخاخ معوقين عقليين (في غاية الجمال، على حد قوله) و «أمخاخ أطفال مصابة بأمراض الطفولة أو تشوهات خلقية» . وقد لاحظ أحد العاملين في مركز من مراكز البحوث أن عدد أمخاخ الأطفال المتوفرة لإجراء التجارب أخذت تتزايد بشكل ملحوظ، ونتيجةً لهذا تم الحصول على مواد مهمة تلقي الضوء على أمراض المخ. ومن أطرف الأمثلة الموضوعية قضية البروفسير النازي كلاوس الذي اكتشف البعض أنه يعيش مع سكرتيرته اليهودية، وفي «دفاعه» عن نفسه قال إنه يواجه مشكلة في دراسته لليهود وهي أنه لا يمكنه أن يعيش بينهم ولذا كان عليه أن يحصل على «مُخْبر» أو «دليل» (بالإنجليزية: إنفورمانت informant) أو عينة مُمثِّلة يمكنه دراستها عن قرب، فهي بالنسبة له لم تكن سوى موضوع للدراسة فكان يراقبها «كيف تأكل وكيف تستجيب للناس وكيف تقوم بتركيب الجُمل بطريقة شرقية عربية» [كذا] . ويتضح حياد النازيين وحسهم العملي الفائق، بشكل آخر تماماً. فقد كانوا على استعداد لأن يطوِّعوا النظرية العرْقية ذاتها لمتطلبات الواقع. فاليابانيون (أعضاء الجنس الأصفر، حسب الرؤية النازية) أُعيد تصنيفهم «آريين شرقيين» ، بسبب عمق التحالف بين ألمانيا النازية واليابان ذات النزعة الإمبريالية، ولم يكن اليابانيون هم وحدهم الذين حظوا بهذا الشرف، فهناك «برامج الأرينة» للسلاف ممن كانوا يتسمون بنسبة 80% من السمات الآرية. بل قد بدأت تظهر قرائن على أن آلاف الجنود الألمان كانوا يهوداً أو نصف يهود، رغم أن القانون الألماني في ظل الحكم النازي كان يمنع، اعتباراً من عام 1935، أي شخص ينحدر عن أجداد يهود أن يشغل وظيفة ضابط في الجيش الألماني (الديلي تلجراف ديسمبر 1996) . وكان مكتب الأفراد في الجيش الألماني (عام 1944، أي قرب نهاية الحرب) على علم بوجود سبع وسبعين ضابطاً من ذوي الرُتب العالية من أصول مُختلَطة يهودية أو متزوجين من يهوديات. ومع هذا وقَّع هتلر شهادات تبيِّن أنهم من «ذوي الدم الألماني» ، أي ينتمون للعرْق الألماني. ومن بين هؤلاء الفيلد مارشال أبرهارد ميلخ، الذي كان نصف يهودي (حسب التعريف النازي) ومع هذا كان يشغل منصب نائب هرمان جورنج، قائد السلاح الجوي الألماني، والخلف المختار لهتلر. وقد غض جورنج الطرف عن هذه الحقيقة، بل زوَّر المعلومات المتعلقة بوالد نائبه. وتبيِّن الوثائق التي تم كشف النقاب عنها مؤخراً أن القيادة النازية منحت وسام الصليب الفارس، أعلى وسام عسكري ألماني، إلى عسكريين سبق أن طُردوا من الخدمة بسبب انحدارهم من أصل يهودي ثم أُعيدوا إليها. وتتضح المفارقة في تلك الزيارة التي قام بها أحد كبار الضباط الألمان لوالده الذي كان قد نُقل إلى أحد معسكرات الاعتقال والسخرة. وقد حرص الضابط على أن يرتدي النياشين والأوسمة التي مُنحت له بسبب مشاركته في الحملات العسكرية التي شنها النظام النازي، هذا النظام الذي كان يقوم بإبادة أعضاء كثير من الأقليات الإثنية والدينية، ومن بينهم أعضاء الجماعات اليهودية. إن المفارقة هنا تدل على حس عملي عميق مستعد لتجاوز كل الأفكار المسبقة للتعامل بكفاءة مادية بالغة مع الواقع العملي وتجاوز الميتافيزيقا والمطلقات والكليات. وحينما وجد النازيون فرصة للاستفادة من أعضاء الجماعات اليهودية، هذه المادة البشرية الاستعمالية النافعة، لم يترددوا في تعديل عقائدهم الدينية العرْقية نفسها. 11 ـ ولكن إلى جوار المادة البشرية الاستعمالية النافعة التي تُجرى عليها التجارب وتُدرس بعناية وموضوعية وحياد، كانت هناك المادة التي لا يُرجى منها نفع أو الضارة من منظور النازيين، وكان أمثال هؤلاء يُبادون ببساطة شديدة من خلال عمليات التصفية الجسدية السريعة، التي تقوم بها جماعات خاصة أو فرق متنقلة تقف وراء خطوط الجيوش الألمانية (بالألمانية: آينساتس جروبين Einsatzgruppen) . وكانت طريقة الإبادة هذه سريعة وغير مكلفة إذ كانت تُقام مقابر جماعية يُلقى فيها بالضحايا بعد أن يحفروها بأنفسهم. كما كانت الإبادة تتم أحياناً بواسطة سيارات مجهزة بحجرة غاز يتم التخلص فيها من الضحايا دون حاجة إلى نقلهم إلى معسكرات الإبادة. وقد تم التخلص بهذه الطريقة من جرحى الحرب الألمان ممن لا يُرجى لهم شفاء أو ستتكلف عملية تمريضهم الكثير، كما تمت إبادة أعداد كبيرة من أعضاء النخبة الثقافية البولندية، والفائض السكاني الروسي. 12 ـ وحتى بعد قرار الإبادة) بمعنى التصفية الجسدية) ، كان ديدن النازيين دائماً هو الحوسلة الكاملة وتعظيم الفائدة والحرص الكامل على ممتلكات الدولة وخدمة مصالحها، ولذا كان يتم تجريد الضحايا من أية مواد نافعة (حتى من الحشوات الذهبية التي في أسنانهم) ، ولا شك في أن هذا ساهم في تحسين ميزان المدفوعات الألماني. وقد أشرنا من قبل إلى استخدام الأمخاخ البشرية ولكن يبدو أن عملية التوظيف كانت أعمق من ذلك بكثير فقد كانت البقايا البشرية (مثل الشعر) تُستخدَم في حشو المراتب، ويُقال إنها كانت مريحة للغاية وزهيدة الأسعار. ولم يكن الرماد البشري يُستخدَم كشكل من أشكال السماد وحسب، وإنما كمادة عازلة أيضاً. وكانت العظام البشرية تُطحن وتُستخدَم في أغراض صناعية مفيدة مختلفة. بل يُقال إن بعض الأنواع الفاخرة من الصابون صُنعت من الشحومات البشرية. (ومع هذا، صدرت مؤخراً دراسات تشكك في هذا) . كانت الجدوى الاقتصادية لمعسكرات الإبادة إذن عالية للغاية، كما كان التحكم كاملاً، أي أنها عملية رشيدة بالمعنى الفيبري، إذ يرى ماكس فيبر أن رشد الحضارة الغربية الحديثة ينصرف إلى الإجراءات وحسب، ولا ينطبق على الأهداف فهو ترشيد مادي إجرائي أداتي، منفصل عن القيم والعاطفة، وأنه لهذا السبب سينتهي بالإنسان إلى «القفص الحديدي» حيث يوجد فنيون بلا قلب؛ حسّيون غير قادرين على الرؤية، وهذا لا يختلف كثيراً عن معسكرات الاعتقال والإبادة. وقد أشار أحد العلماء الذين درسوا الظاهرة النازية إلى أن العلماء النازيين تبنوا ما سموه موقفاً موضوعياً متجرداً من الأحكام القيمية، ولكن هذا الموقف العلمي ذاته جعل كل شيء ممكناً. فقتل المصابين بالأمراض العقلية، إن كان لازماً للبحث العلمي الموضوعي، يصبح أمراً مقبولاً وربما مرغوباً فيه. وتتبلور هذه النقطة في قضية المسئولية الخُلقية للتنفيذيين النازيين، فهناك من ينطلق من المنظور الترشيدي المادي الإجرائي المنفصل عن القيمة ويذهب إلى أن المواطن النازي الذي اشترك في عمليات الإبادة لم يكن سوى بيروقراطي، موظف تنفيذي ("عبد المأمور"، كما نقول بالعامية المصرية) ، يؤدي عمله بكفاءة عالية، ويُنفذ ما يصدر إليه من أوامر تأتيه من علٍ، ولا يتساءل عن مضمونها الأخلاقي ويُنفذها حتى لو تنافت مع القيم الأخلاقية والإنسانية المطلقة. فهذا الموظف لا يدين بالولاء الكامل إلا للدولة والوطن ولا يعيش في ازدواجية الدين والدولة أو الأخلاق والدولة، فالمطلق الوحيد الذي يؤمن به، شأنه في هذا شأن أي إنسان علماني شامل، هو الدولة والوطن، ولذا فعليه أن يذعن لما يصدر له من أوامر تأتيه من هذه الدولة التي تخدم صالح الوطن. وهذا ينطبق على الأوامر النازية الخاصة بالإبادة! ولكن هناك آخرون، ممن يؤمنون بالمطلقات الأخلاقية والإنسانية، يذهبون إلى أن الإنسان الفرد كائن حر مسئول، ولذا فعليه أن يتحمل المسئولية الأخلاقية الكاملة لما يأتيه من أفعال، ومن ثم عليه أن يقف ضد عمليات إبادة الضعفاء (من المسنين والمعوقين وأعضاء الأقليات) ، حتى لو كانت عملية الإبادة تخدم «الصالح العام» أي صالح الدولة والوطن! أي أن الإنسان الفرد يدين بالولاء لمجموعة من القيم الأخلاقية والإنسانية المطلقة تتجاوز ولاءه للدولة والوطن وكفاءة الأداء في الوظيفة. وهذه إشكالية فلسفية وأخلاقية وإنسانية عميقة تواجهها المنظومة العلمانية الشاملة، فهي منظومة فلسفية تنكر الميتافيزيقا والثنائيات والمطلقات وتؤكد نسبية المعرفة وكل القيم الأخلاقية، وهو ما يعني، بطبيعة الحال، غياب المرجعية المتجاوزة (التي تتجاوز الأفراد) وظهور المرجعية المادية الكامنة، حين يحدد كل إنسان قيمه بنفسه دون العودة إلى أية مطلقات أو ثوابت إنسانية (كما يدعو فكر ما بعد الحداثة) . وإذا كان الألمان، انطلاقاً من المرجعية المادية الكامنة فيهم، قد حدَّدوا قيمهم الأخلاقية على أسس نفعية مادية داروينية، وسلكوا على هذا الأساس، فكيف يمكن لنا أن نتجاوز ذاتيتهم الكامنة فيهم؟ وكيف يمكن لنا أن نهيب بقيم أخلاقية وإنسانية، عامة مطلقة، تقع خارج نطاق مُثُلهم الذاتية؟ كيف يمكن أن نفعل ذلك إن كنا نحن أنفسنا نؤمن بالنسبية المطلقة؟ كيف يمكن اختراق المطلق الذاتي؟ كيف يمكن أن نبيِّن للشعب المختار، صاحب الحقوق المطلقة، المسلح بالمدافع الرشاشة والقنابل النووية، أن ثمة إنسانية عامة وثمة قيم أخلاقية عامة، إن كنا نحن أنفسنا نسبيين، علمانيين شاملين حركيين نرفض الثبات ولا نرى إلا حركة المادة وقوانينها الصماء؟ يقول البعض ممن يحاول اتخاذ موقف أخلاقي دون الإهابة بأية مرجعية متجاوزة، إن الإنسان بوسعه أن يأخذ موقفاً ذاتياً وجودياً، ويرفض إبادة الآخر بإصرار وعناد، أي أن الإنسان بوسعه أن يتبنى موقفاً أخلاقياً دون السقوط في الميتافيزيقا ودون الإهابة بأية مرجعية متجاوزة أو كليات مجردة. ولكن هل يمكن محاكمة الآخر من هذا المنظور إن كان لا يؤمن به؟ ألا يعني هذا أنني أفرض ذاتيتي الأخلاقية الوجودية على ذاتيته الداروينية النفعية المادية؟ هذه هي الإشكالية التي نبهنا لها ماكس فيبر وغيره من علماء الاجتماع والمفكرين الغربيين حينما بدأوا في إطلاق التحذيرات، منذ أواخر القرن التاسع عشر، من العلم المنفصل عن القيمة، وهي إشكالية تثيرها، وبحدة، الإبادة النازية لليهود والأطفال والمعوقين والعجزة والغجر، وكل من لا فائدة له، من المنظور النازي. والحوار الدائر في الغرب بشأن الإبادة يُركِّز على تفاصيل مثل عدد الضحايا وهل هم يهود فقط أو غيرهم (مما أسميه «لعبة الأرقام» ) ويهمل قضية إنسانية جوهرية مثل هذه تتجاوز حدود الإبادة النازية لتصل إلى مستوى المجتمع الحديث بأسره، ومستقبل الإنسان على هذه الأرض. وقد أثيرت مؤخراً قضية وثيقة الصلة تماماً بقضية انفصال العلم عن القيمة ألا وهي قضية انفصال الإجراءات الديموقراطية عن القيمة. فالديموقراطية هي في واقع الأمر اتفاق على مجموعة من الإجراءات تمكن من خلالها معرفة رأي الأغلبية، وجوهر هذه الإجراءات كمي، أي حساب عدد الأصوات المؤيدة والمعارضة، فإن زادت الأصوات المؤيدة عن الأصوات المعارضة ولو صوتاً واحداً تم تمرير مشروع القانون، وإن نقصت ولو صوتاً واحداً رُفض المشروع. فالاتفاق هنا اتفاق بشأن الإجراءات وحسب (وقوانين اللعبة، كما تُسمَّى) ، وليس متصلاً بمضمونها أو اتجاهها، فهذه أمور تحددها العملية الديموقراطية نفسها، دون الالتزام بأية قيم أو مرجعيات مسبقة، أي أن الديموقراطية تدور في إطار النسبية الكاملة ولا تتقيد بأية قيم أخلاقية مطلقة. ومن ثم سُمِّيت الأخلاق الحاكمة للديموقراطية بأنها «أخلاقيات الإجراءات والصيرورة» (بالإنجليزية: إثيكس أوف بروسيس ethics of process) . فالديموقراطية، شأنها شأن الترشيد الإجرائي، معقمة من الميتافيزيقا والكليات والمطلقات والثوابت. فكما أن العلم انفصل عن الغائيات والقيم الإنسانية وأصبح مرجعية نفسه، انفصلت الإجراءات الديموقراطية عن الغائيات والقيم الإنسانية وأصبحت مرجعية ذاتها، ولا يمكن محاكمتها من خلال مرجعية متجاوزة لها. والقضية التي تثيرها النازية هي أن هتلر وصل إلى الحكم من خلال إجراءات ديموقراطية سليمة، تماماً كما أن المشروع الإمبريالي الغربي قامت به حكومات تم انتخابها بطرق ديموقراطية سليمة. ومن المعروف أن عمليات السخرة والإبادة التي قام بها النظام النازي كانت تحظى بموافقة الأغلبية الساحقة للشعب الألماني. وهذا لا يختلف كثيراً عما حدث في الولايات المتحدة حينما قامت الحكومة الأمريكية بوضع ألوف المواطنين الأمريكيين من أصل ياباني في معسكرات اعتقال إبَّان الحرب العالمية الثانية كإجراء أمني، وقد حظى القرار العنصري الإرهابي بموافقة الأغلبية. وتصبح القضية أكثر خطورة حينما تظهر بين جماهير الشعب نزعات عسكرية وإمبريالية تتجاوز طموحات النخبة الحاكمة، الأمر الذي يضطرها إلى القيام بعمليات عسكرية عدوانية لتحظى برضى الجماهير. ويُلاحَظ أثناء حملات الرئاسة الأمريكية أن حكومة الولايات المتحدة تأخذ مواقف عسكرية متشددة قد لا تضطر لاتخاذها بعد الانتخاب. وتظهر المشكلة بشكل أكثر حدة حينما يرى أحد الشعوب أن قطاع الاتجار في المخدرات هو عصب اقتصادها الوطني، وتُنتخب حكومة تدافع عن مثل هذه السياسة. ومؤخراً رشحت إحدى نجمات أفلام الإباحية نفسها في انتخابات البرلمان الإيطالي، وكانت حملتها الانتخابية تتلخص في خلعها لملابسها لإقناع وإغواء الناخبين (وقد نجحت في حملتها وتم انتخابها بالفعل بتفوق) . وفي الجيوب الاستيطانية، مثل إسرائيل وجنوب أفريقيا، عادةً ما تحكمها حكومات تم انتخابها بطريقة ديموقراطية لا شبهة فيها، وهذه الجيوب تستند إلى فعل سرقة تاريخي تقبل به أغلبية المستوطنين الساحقة، وتصوت (بل تقاتل) من أجل استمراره. ففعل الاغتصاب الإرهابي يحظى بدعم سياسي وقبول ديموقراطي. والسؤال الآن هو: هل علينا أن نقبل بمثل هذه القرارات (ابتداءً من الإبادة النازية وانتهاءً بقبول المخدرات والإباحية واغتصاب الأوطان) باعتبار أنها تعبير عن إرادة الشعب وصوت الجماهير طالما أنها اتبعت الإجراءات الديموقراطية السليمة، أم ينبغي علينا أن نرفض مثل هذه القرارات الديموقراطية، استناداً إلى مرجعية أخلاقية متجاوزة للإجراءات الديموقراطية؟ ولكن هل يحق لنا أن نسأل أي سؤال يقع خارج نطاق أخلاقيات الإجراءات والصيرورة؟ ألا يُشكِّل هذا سقوطاً في الميتافيزيقا والماهوية والمطلقية؟ توظيف الإبادة Instrumentalization of the Holocaust تتسم المجتمعات الغربية الحديثة بمقدرتها الفائقة على حوسلة كل شيء، دون أي اعتبار لقداسة أو محرمات، ويحدث الشيء نفسه بالنسبة للإبادة. وتبدأ عملية توظيف الإبادة ـ على يد الصهاينة ـ بمحاولتهم فرض معنى صهيوني ضيق علىها باعتبارها جريمة العصر التي ارتكبها الألمان والأغيار ضد اليهود فحسب. ثم تُعطي واقعة الإبادة مكانة محورية في تاريخ أوربا وتاريخ العالم. ولذا صدرت عشرات الأفلام والدراسات والأعمال الفنية لحفر الإبادة في الذاكرة باعتبارها واقعة حدثت لليهود وحدهم، لا باعتبارها جريمة ارتكبتها الحضارة الغربية ضد قطاعات كبيرة من سكانها. وقد دخلت دراسة الهولوكوست عشرات الجامعات والكليات الأمريكية، وأُقيمت نصب تذكارية للإبادة بالعبرية والإنجليزية في واشنطن ونيويورك ولوس أنجلوس وغيرها. وأنشأت الحكومة الأمريكية المجلس الأمريكي للتذكير بالإبادة، وتم إنشاء متحف تُخلَّد فيه ذكرى الإبادة النازية في واشنطن بجوار المتاحف القومية الأمريكية. وباسم الإبادة، حاولت المؤسسة الصهيونية التدخل (دون نجاح كبير) في انتخابات الرئاسة في النمسا عام 1986، واعترضت بشدة (دون نجاح مرة أخرى) على زيارة الرئيس الأمريكي ريجان لمقبرة بتبرج الألمانية التذكارية لمجرد أن بعض المدفونين فيها من رجال قوات الصاعقة النازية. ومن أهم أشكال توظيف الإبادة لصالح الصهيونية هو استخدامها كسحابة كثيفة لتبرير الفظائع التي ارتكبتها وترتكبها الدولة الصهوينة ضد الفلسطينيين. كما تُوظَّف الإبادة في جمع التعويضات التي تمول الكيان الاستيطاني الصهيوني (بلغ حجم التعويضات الألمانية وحدها 70 بليوناً من الدولارات في 35 عاماً) . ومن المعروف أن هذه التعويضات التي تلقتها الدولة الصهيونية انعشت الاقتصاد الإسرائيلي، ومكنت الدولة الصهيونية من شراء مزيد من الأسلحة والمستوطنات والقنابل العنقودية! والتعويضات تعني، في واقع الأمر، حصول إسرائيل (وبعض أعضاء الجماعات اليهودية) على مقابل مالي تعويضاً عن الآلام التي لحقت بهم. وهذا يخفف من البُعد الأخلاقي للقضية، إن لم يكن يلغيه. ففي موقف مماثل رفضت الصين أن تتقاضى تعويضات مالية من اليابان على جرائمها ضد الصينيين باعتبار أن قبول التعويضات فيه تنازل عن الحق الأدبي، وفيه تخلٍّ عن المنظور الأخلاقي (المطلق) حيث تتحول القضية إلى ما يشبه المقايضة. ومن الواضح أن عملية توظيف الإبادة تتم من منظور نفعي مادي انتقائي محض، لا علاقة له بالقيم الأخلاقية. وفي هذا الإطار يثير بعض الدارسين قضية علاقة الدولة الصهيونية مع بعض الشخصيات والدول التي كانت لها علاقة بالنظام النازي. إذ لا تُمانع إسرائيل البتة في توثيق علاقتها مع بعض حكومات دول أمريكا اللاتينية التي تأوي مجرمي الحرب النازيين (الذين تزعم إسرائيل أنها تطاردهم في كل زمان ومكان!) مادام هذا يخدم مصلحتها. وقد تعاونت إسرائيل مع حكومة جنوب أفريقيا العنصرية التي كانت معروفة بتعاطفها الكامل مع النظام النازي. وقامت باستضافة رئيس وزراء جنوب أفريقيا السابق، بلثازا فورستر، وهو جنرال سابق في الحركة الوطنية في جنوب أفريقيا الموالية للنازيين والتي كانت تقاوم المجهود الحربي للحلفاء، وقد اعتُقل لمدة عشرين شهراً بسبب اشتراكه في المقاومة. ورغم مرور عشرات السنين إلا أنه لم يُنكر موقفه الموالي للنازية. وقد سمحت له الحكومة الصهيونية بوضع إكليل من الزهور على ياد فاشيم (النصب التذكاري) المقام لضحايا الإبادة النازية لليهود، الأمر الذي دفع جريدة الجيروساليم بوست (الصهيونية) إلى الاحتجاج وإلى الإشارة إلى الحقيقة البدهية التي أغفلتها إسرائيل وهي أن اليهود ينبغي عليهم ألا يرتبطوا بأحد المؤيدين السابقين للنازية. وفي مجال توظيف الإبادة يلجأ الصهاينة أحياناً لاختلاق القصص أو تزييف الحقائق كما حدث في حادثة آن فرانك (1929 ـ 1945) ، وهي فتاة ألمانية هاجرت إلى هولندا مع أسرتها بعد وصول هتلر إلى السلطة في عام 1933. وحينما قرر النازيون إرسال أختها إلى معسكرات العمل، اضطرت هي وأسرتها إلى الاختباء، فعاشوا في مخبئهم ما يزيد على عام، ثم أُلقي القبض عليهم ورُحِّلوا إلى معسكرات الاعتقال حيث لقيت آن وأختها حتفهما بسبب المرض. ويُقال إن آن فرانك كتبت، أثناء فترة اختبائها، مذكراتها التي نُشرت بعد الحرب وتُرجمت إلى الإنجليزية. وهناك الكثير من الشكوك التي تحيط بهذه المذكرات إذ يُقال إنها لم تكتبها بنفسها بل كتبها أبوها (أو بعض من حوله) بعد موتها بطريقة مثيرة ليحقق من ورائها ربحاً مالياً. ولهذا فهي لا تُعتبَر وثيقة تاريخية يُعتد بها. ومع أنها ليست ذات قيمة أدبية كبيرة، إلا أنها أصبحت مصدراً لعدة أفلام ومسرحيات. كما غدت آن فرانك إحدى الأساطير التي تُستخدَم لتحويل الإبادة النازية من جريمة غربية ضد قطاعات بشرية عديدة داخل التشكيل الحضاري الغربي (تضم السلاف والغجر والجماعات اليهودية) إلى جريمة ألمانية ضد اليهود وحسب. وأصبح المنزل الذي اختبأت فيه أسرة فرانك متحفاً. وتحاول الدعاية الصهيونية توظيف واقعة الإبادة في تعبئة أعضاء الجماعات اليهودية (باعتبارهم الضحية الوحيدة) وراء الأهداف الصهيونية. ولتحقيق هذا يحاول الصهاينة أن يجعلوا من الإبادة حجر الزاوية الذي تستند إليه الوحدة بين يهود العالم في إسرائيل وخارجها. فالإبادة، بعد فرض المعنى الصهيوني عليها، تنهض دليلاً على رفض العالم لليهود، وعلى أن الأغيار يتربصون دائماً بالضحية اليهود الذين يُقدَّمون قرباناً على المحرقة. وهذا تأكيد للمقولة الصهيونية الخاصة بأزلية معاداة الأغيار لليهود وحتميتها، ومن ثم يتعيَّن على يهود العالم الهجرة إلى الوطن القومي. (ولكن يهود العالم، مع هذا، يتصرفون على أساس أن الإبادة أمر مستحيل الوقوع مرة أخرى، ومن الصعب أن يخطط المرء على أساس حادثة استثنائية وفريدة) . ويحاول الصهاينة تقديم قراءة كاملة لما يسمونه «التاريخ اليهودي» بحيث تصبح الإبادة أهم معلم فيه، فيُقال «قبل الإبادة» و «بعد الإبادة» ، تماماً مثل «قبل هدم الهيكل» و «بعد هدم الهيكل» . ويُشار للإبادة بأنها «حُربان» وهي كلمة عبرية تستخدم للإشارة إلى «هدم الهيكل» . والإبادة هي إذن هدم الهيكل للمرة الثالثة، الأمر الذي يدخلها دورة التاريخ اليهودي المقدَّس. بل يذهب بعض المفكرين الدينيين اليهود إلى أن الإبادة غيَّرت من النسق الديني اليهودي ذاته. ولذا، فإن من الضروري، حسب رأيهم، الحديث عن «لاهوت ما بعد أوشفيتس» ، أو «لاهوت الإبادة» الذي يرى حادثة الإبادة باعتبارها حادثة مطلقة لا يمكن فهمها، وهي أكثر الحوادث أهمية وقداسة، ويصبح الشعب اليهودي هو المسيح المصلوب. وينادي هؤلاء المفكرون بحتمية أن تصبح الإبادة هي المرجعية الأساسية لليهود، ومن ثم ضرورة مناقشة مدى عدالة الرب، وهل هو رب خيِّر أم شرير، وهل يتدخل في التاريخ بمنحه الغرض والغاية أم يترك التاريخ في حالة فوضى كاملة؟ كما أن البقاء (بقاء الشعب اليهودي) يصبح هو المطلق الوحيد الذي يَجُبُّ سائر الاعتبارات الأخلاقية الأخرى ويصبح النقطة المرجعية النهائية الوحيدة. ويساعد التركيب الجيولوجي لليهودية على السماح بإفراز مثل هذه الأفكار وإعطائها قسطاً من الشرعية. (ومما يجدر ذكره أن الجماعات الأصولية ذات التوجه الصهيوني المسيحي الواضح ترى أن الإبادة هي بالفعل دليل على أن الرب قد هجر اليهود بسبب الذنوب التي اقترفوها) . ويذهب بعض المفكرين الدينيين اليهود (الأرثوذكس) إلى أن الإبادة ذات مغزى ديني عميق، فيرى بعضهم أن إبادة اليهود هي هدم الهيكل الثالث وأن هتلر هو أداة الخالق في حرق اليهود، كما يذهبون إلى أنهم بمثابة الماشيَّح المذبوح الذي سيُولَد العالم من جديد بعد ذبحه. (ولكن هناك رأي مغاير لهذا، إذ يذهب بعض الحاخامات [مثل مناحم هارتوم وإليعازر شاخ، الأب الروحي لحزبي شاس وديجيل هاتورا] إلى أن الإبادة لها حقاً مغزى ديني ولكنها عقاب على خطيئة اليهود لابتعادهم عن تنفيذ الأوامر والنواهي، وسوف يقوم الإله بتدميرهم مرة أخرى إن لم يندموا ويعودوا عن طريق المعصية) . وقد جعلت المؤسسة العسكرية الخوف من الإبادة أحد أسس الإستراتيجية الصهيونية، فقد أشار كل من أبا إيبان ورابين إلى حدود إسرائيل قبل عام 1967 بأنها «حدود أوشفيتس» . وهناك قدر كبير من الادعاء في هذه التشبيهات وصل إلى قمته حينما قال مناحيم بيجين إن ياسر عرفات حينما كان مُحاصَراً في بيروت يشبه هتلر في مخبئه، فالقائد الفلسطيني المحاصر والذي اغتُصبت أرض شعبه يشبه القائد النازي المُحاصَر الذي جيَّش جيوشه وأرسلها إلى الشعوب المجاورة ليستولي على أراضيها ويستعبدهم أو يبيد أعداداً منهم. وفي هذا تزييف كامل للحقائق، ولكن هذه هي عقلية العنصري الفاشي الذي يرى أنه عضو في الشعب المختار، ولذا فهو دائماً مضطهد، حتى حينما يقوم بتدمير الآخرين. وقد نجح الصهاينة في ترسيخ واقعة الإبادة النازية ليهود أوربا في وجدان الأغلبية العظمى من الإسرائيليين. فالصحف لا تكف عن الكتابة عنها. وهناك يوم محدَّد لإحياء ذكرى الإبادة يُسمَّى «يوم الذكرى (يوم هازكرون) » ويقع في يوم 4 ايار، أي قبل عيد الاستقلال والذي يقع في يوم 5 آيار (وهو اليوم الذي يحتفل فيه المستوطنون بإنشاء الدولة الصهيونية على أرض فلسطين بعد طرد سكانها منها) . ويبدأ اليوم بإطلاق صفارة إنذار في كل أنحاء الدولة في مغرب اليوم السابق فتُنكس الأعلام، وتُغلَق دور اللهو بأمر القانون، وتُقام الصلوات في المعابد اليهودية وتُوقد الشموع فيها، كما تُعلن صفارات الإنذار في الصباح عن دقيقتين حداداً يتوقف فيهما النشاط تماماً في الدولة الصهيونية بكاملها. ثم تُطلَق صفارة إنذار أخرى للإعلان عن انتهاء اليوم وبداية عيد الاستقلال. وقد لاحَظ الفيلسوف الديني الإسرائيلي اليهودي يشياهو لابيوفيتش أن الاحتفال بيوم الذكرى يزداد حدة عاماً بعد عام لأن قائمة أسماء الضحايا تزداد يوماً بعد يوم. بل تؤكد بعض الأبحاث الإسرائيلية أن شبح الكارثة لا يزال منعكساً وجاثماً على عقل الإسرائيليين من الجيل الثاني. ويرى واحد وستون بالمائة من الإسرائيليين أن الكارثة كانت عنصراً أساسياً من عناصر قيام الدولة الإسرائيلية والمسوغ الأساسي له. ويعتقد اثنان وستون بالمائة أن قيام الدولة الإسرائيلية يمنع حدوث كارثة مماثلة في المستقبل. ومما لا شك فيه أن الإحساس بخطر الإبادة إحساس حقيقي متجذر في الوجدان الإسرائيلي. ولكننا نذهب إلى أن أساسه الحقيقي ليس خطر الإبادة على يد النازيين، وإنما هو الطبيعة الاستيطانية للتجمع الصهيوني الذي لم يضرب بجذوره في المنطقة، وبخاصة أن أصحاب الأرض الأصليين لم تتم إبادتهم، بل لم يكفوا عن المقاومة، الأمر الذي يخلق عند الإسرائيليين ما نسميه «عقدة الشرعية» والخوف الدائم من عودة صاحب الأرض الذي يؤكد حضوره كذبهم (أرض بلا شعب) ، بل قد يؤدي إلى غيابهم في نهاية الأمر. ولكن بدلاً من أن يواجه المستوطنون حقيقة وضعهم كمستوطنين ومغتصبين للأرض، وبدلاً من أن يدركوا الأصل الحقيقي لمشاعرهم ومخاوفهم، فإنهم يتجاهلونها ويفرضون عليها هذا التفسير الصهيوني. فالإدراك الحقيقي سيُفقدهم ثقتهم بأنفسهم وإحساسهم بشرعية وجودهم وأخلاقيته، أما التفسير الصهيوني فسيسبغ عليهم المزيد من الشرعية وسيزيد إصرارهم على حقهم في البقاء وإبادة كل من يقف في طريق الضحية الوحيدة للمجازر؛ المهددة دائماً وأبداً بالإبادة! وقد لاحظ بعض التربويين أن هذا التركيز على فكرة الإبادة، كفكرة رئيسية في وجدان أعضاء الجماعات اليهودية داخل وخارج إسرائيل، يسبب لهم مشاكل نفسية عميقة، إذ لا يمكن أن يعيش الإنسان حياة نفسية سوية، وسط بلاد العالم أو بين أحد الشعوب، وهو يعتقد أنهم قد يبيدونه تماماً في أية لحظة وأنه الضحية الوحيدة. ولذا، بدأت ترتفع أصوات للتحذير من خطورة هذا الاتجاه. ولكن الصهيونية عقيدة تستند شرعيتها إلى الكوارث التي حاقت باليهود في الماضي والتي قد تحيق بهم في المستقبل، ومن ثم، فإن أية رؤية مُركَّبة للتاريخ تسحب هذه الشرعية منها. وعلى هذا، فليس من المتوقع أن يتغيَّر هذا الاتجاه في القريب. احتكار الإبادة Monopolizing the Holocaust يحاول الصهاينة احتكار دور الضحية لليهود وحدهم دون غيرهم من الجماعات أو الأقليات أو الشعوب، بحيث تُصوَّر الإبادة النازية باعتبارها جريمة موجهة ضد اليهود وحدهم. ولهذا يرفض الصهاينة والمدافعون عن الموقف الصهيوني أية محاولة لرؤية الإبادة النازية باعتبارها تعبيراً عن نمط تاريخي عام يتجاوز الحالة النازية والحالة اليهودية. كما يرفض الصهاينة تماماً محاولة مقارنة ما حدث لليهود على يد النازيين بما حدث للغجر أو البولنديين على سبيل المثال، أو بما حدث لسكان أمريكا الأصليين على يد الإنسان الأبيض أو ما يحدث للفلسطينيين على أيديهم. وتثبت الدراسات التاريخية أن الإبادة النازية لم تكن موجهة ضد اليهود وحسب، فعدد ضحايا الحرب العالمية الثانية من جميع الشعوب الأوربية يبلغ ما بين خمسة وثلاثين وخمسين مليوناً. وأظهر معرض لحكومة بولندا كان يطوف أمريكا عام 1986 أن أكبر معسكرات الاعتقال هو أوشفيتس وأن التركيز النازي كان أساساً على البولنديين والاشتراكيين واليهود والغجر (بهذا الترتيب) لتفريغ بولندا جزئياً وتوطين الألمان فيها. وتوحي الأدبيات الصهيونية بأن العالم كله تجاهل اليهود وتركهم يلاقون حتفهم ومصيرهم وحدهم. ولكن من الواضح أن المسألة أكثر تركيباً من ذلك بكثير. فصحيح أن بعض الشعوب ساعدت النازيين، كما حدث في النمسا، ولكن البعض الآخر ساعد اليهود وآواهم كما حدث في بلغاريا (خصوصاً بين أعضاء الجماعة الإسلامية) وفي الدنمارك وفنلندا ورومانيا وإيطاليا وهولندا. وفي فرنسا، تم تسليم خمسة وسبعين ألف يهودي للقوات النازية، ولكن تمت، في الوقت نفسه، حماية أضعاف هذا العدد. كما رفض السلطان محمد الخامس تطبيق القوانين النازية على يهود المغرب رغم مطالبة حكومة فيشي الفرنسية بذلك. ولا يمكن أيضاً تجاهل جهود الحكومة السوفيتية في نقل مئات الآلاف من اليهود بعيداً عن المناطق التي احتلها النازيون (رغم تحالفها في بداية الأمر مع هتلر) . وتتجاهل التواريخ الصهيونية كل هذا، تماماً مثلما تتجاهل العلاقة الفكرية والفعلية بين النازية والصهيونية والزعامات الصهيونية التي تعاونت مع النازيين. ولكن هناك من يتحدى هذا الاحتكار الصهيوني للإبادة، وقد بدأت الكنيسة الكاثوليكية المواجهة حين قامت بتنصيب الأخت تريزا بنديكتا قديسةً. والأخت تريزا هي إيديث شتاين سكرتيرة الفيلسوف الألماني مارتن هايدجر، وكانت يهودية. وعندما قرأت قصة حياة القديسة تريزا شعرت بإحساس ديني غامر وتنصرت وتكثلكت ثم ترهبنت، وقام النازيون باعتقالها وقتلها. ويُصر الصهاينة على أن سبب قتلها هو كونها يهودية بينما ترى الكنيسة أنها راهبة كاثوليكية استُشهدت من أجل عقيدتها. والحادثة الثانية هي الخاصة بدير الراهبات الكرمليات في أوشفيتس، الذي طالب اليهود بإزالته وتمسكت المؤسسة الكاثوليكية في بولندا بالإبقاء عليه. وقد قامت معركة إعلامية ساخنة بين الطرفين. وكتب باتريك بيوكانان (الصحفي والمرشح الجمهوري في انتخابات الرئاسة الأمريكية عام 1996) ما نتصور أنه خير احتجاج على هذا الموقف في مقال بعنوان «الكاثوليك ليسوا بحاجة إلى محاضرات في الأخلاق من سفاح عصابة شتيرن السابق» جاء فيه: "وفي متحف المذبحة النازية، هناك ثلاثة ملايين يهودي بولندي سيظلون في الذاكرة، ولكن ماذا عن ثلاثة ملايين تقريباً من الأوكرانيين والصرب والليتوانيين والمجريين واللاتفيين والإستونيين، نُحروا في ساحات القتل على أيدي الوثنيين العنصريين في برلين وعلى أيدي الملحدين المتعاونين معهم في موسكو؟ وما الذي يتطلبه الأمر حتى يكون المرء ضحية من الدرجة الأولى؟ فإذا كانت ذكرى الضباط اليهود الذين ماتوا إلى جانب إخوانهم الكاثوليك في كاتين قد خُلدت بنجمة داود، فلماذا لا يتم تخليد ذكرى المليون كاثوليكي الذين أفنُوا في أوشفيتس بصليب؟ وإذا كان التذكار حيوياً، فلماذا يُستثنى المسيحيون؟ ". ونحن، بطبيعة الحال، نرى أن الإبادة لم تكن موجهة ضد اليهود وحسب، وإنما ضد سائر العناصر التي اعتُبرت، من منظور النازية، غير نافعة، خصوصاً وأنه لو انتصرت قوات روميل في العلمين لامتدت آلة الفتك النازية إلى أعراق يعتبرها النازيون متدنية (مثل العرب) . ومن ثم، فإن احتكار الصهاينة واقعة الإبادة ليس له ما يبرره في الواقع التاريخي. إنكار الإبادة والخطاب الحضاري الغربي Denial of the Holocaust and Western Cultural Discourse «إنكار الإبادة» مصطلح يتواتر الآن في الصحف الغربية وفي بعض الأدبيات الخاصة بالإبادة النازية لليهود، وهو يشير إلى أي كتاب أو مؤلف تجرَّأ صاحبه وكتب دراسة (علمية أو غير علمية) تطعن فيما ذهب إليه الكثيرون من أن عدد ضحايا النازية من اليهود ستة ملايين، أو تثير الشكوك بخصوص أفران الغاز وغاز زيكلون بي. وقد صدرت في السنوات الأخيرة عدة كتب ودراسات تدور حول هذا المحور: 1 ـ كتب بول راسينيه Paul Rassinier في الخمسينيات دراسة ضخمة بعنوان أسطورة غرف الغاز. وكان المؤلف قد رُحِّل إلى أحد معسكرات الاعتقال. وفند في كتابه وجود مثل هذه الغرف أساساً وبيَّن أنها أكذوبة تاريخية وأورد إحصاءات ديموجرافية (رسمية) عن عدد اليهود في كل أوربا قبل الحرب وبعدها، وعقب صدور الكتاب حُوكم راسينيه وناشره وعُوقب بالسجن (مع إيقاف التنفيذ) كما فُرضت عليه غرامة مالية فادحة. 2 ـ من أهم الكتب التي صدرت في هذا المجال كتاب البروفسور آرثر باتس Arthur Butz الأستاذ بجامعة نورث ويسترن أكذوبة القرن العشرين الذي يثير الشكوك حول عملية الإبادة نفسها. ولا يزال البروفسير باتس يُدرِّس في الجامعة في الولايات المتحدة. 3 ـ أصدر روبير فوريسون R. Faurisson (أستاذ الأدب في جامعة ليون) سلسلة مقالات ثم مؤلفاً كبيراً كتب مقدمته اللغوي الأمريكي الشهير نعوم تشومسكي يثبت أنه لم تكن هناك أصلاً أفران غاز. 4 ـ تقدَّم هنري روكيه Henri Roquesبرسالة للدكتوراه إلى جامعة نانت يُشكك فيها في وجود غُرف الإعدام بالغاز «زيكلون بي» . وقد أجازت الجامعة الرسالة ومنحته الدرجة العلمية بامتياز. ولكن الحكومة الفرنسية ألغت قرار اللجنة وسحبت منه الدرجة. ويُعَدُّ هذا التدخل سابقة ليس لها مثيل في تاريخ الجامعات الفرنسية الذي يمتد ألف عام. 5 ـ أصدر ستاجليش Staglish، أحد قضاة مدينة هامبورج، كتاباً بعنوان أسطورة أوشفيتس. والكتاب هو رسالة للدكتوراه كان القاضي قد قدمها إلى جامعة جوتينجن، وتوصَّل فيها إلى أن كثيراً من النصوص وشهادات الشهود بخصوص معسكر أوشفيتس أو عما كان يجري فيه غير صحيح بالمرة ومليئة بالتناقضات. وقد أُجيزت الدكتوراه بالفعل. وما إن صدر الكتاب حتى قررت الجامعة سحب الدكتوراه من الرجل. كما أصدرت السلطات القضائية قراراً بخصم 10% من راتبه. 6 ـ يتعرض المؤرخ البريطاني ديفيد إيرفينج David Irving للمطاردة منذ نهاية الثمانينيات لأنه ينكر الإبادة رغم أن مجلة ذا نيويورك ريفيو أوف بوكس The New York Review of Books وصفته بأنه "يعرف عن الاشتراكية الوطنية (أي النازية) أكثر من أي عالم آخر متخصص في هذا الحقل، وأشارت إلى كتابه عن حرب هتلر بأنه أحسن دراسة عن الجانب الألماني في الحرب". ورغم كل هذا طُرد من كندا وبعد ذلك من أستراليا، ومُنع من إلقاء محاضراته فيهما. وأصدرت إحدى المحاكم الألمانية حكماً بتغريمه عشرة آلاف مارك لمجرد أنه نفى أن اليهود كانوا يموتون في غرف الغاز في معسكر أوشفيتس. وقد وصل هذا الاتجاه إلى ذروته (أو هوته) مع صدور قانون فابيوس (رقم 43) في مايو 1990 المسمى «قانون جيسو» (وهو اسم النائب الشيوعي الذي َتبنَّى هذا القانون) . ويُحرِّم هذا القانون أي تشكيك في الجرائم المقترفة ضد الإنسانية بإضافة المادة 24 مكرر إلى قانون حرية الصحافة عام 1881، جاء فيها: "يُعاقب بإحدى العقوبات المنصوص عليها في الفقرة السادسة من المادة 24، كل من ينكر وجود أي من الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية كما وردت في المادة 6 من النظام الأساسي للمحكمة العسكرية الدولية الملحق باتفاق لندن الموقع في 8 أغسطس 1945". وقد يظن المرء لأول وهلة أن كل القضايا المرتبطة بالإبادة النازية مثل: هل هي حقيقة أم مجرد اختلاق؟ وعدد الضحايا اليهود، وهل يبلغ عددهم ستة ملايين بالفعل أم أنه أقل من ذلك بكثير؟ هي قضايا تم حسمها تماماً في الأوساط العلمية. وقد يظن المرء كذلك أن الدراسات السابقة هي دراسات عنصرية تآمرية كتبها مهيجون يحاولون إثبات أن اليهود وراء كل الشرور والجرائم. ولكن الأمر أبعد ما يكون عن ذلك، فهي دراسات علمية، ذات مقدرة تفسيرية معقولة تتناول قضايا خلافية. وهي دراسات تطرح وجهة نظر قد تكون متطرفة أو خاطئة (والوصول إلى قدر من الحقيقة في مثل هذه الأمور الخلافية أمر جد عسير) ، إلا أنها تدلل على وجهة نظرها من خلال الأرقام والحقائق والمعلومات. ومما لا شك فيه أن هناك المئات من الكتب الأخرى التي كتبها بعض المؤلفين العنصريين، ومثل هذه الكتب لا تستحق القراءة لأنها كتابات عصبية متشنجة لا تبرهن على وجهة نظرها بطريقة علمية تفسيرية هادئة. ولكن الإعلام الغربي والصهيوني يُهاجم هذه الكتب بشدة، العلمي منها وغير العلمي، ويشجبها بعصبية واضحة، ويهيج ضدها بطريقة غوغائية، ويوجه الاتهام لكل من تسول له نفسه أن يُنكر الإبادة أو يثير الشكوك حول موضوع الملايين الستة حتى لو كان من العلماء المتخصصين، مع العلم بأن هناك دراسات كتبها علماء إسرائيليون يُعبِّرون فيها عن شكوكهم بخصوص رقم ستة ملايين. ولعله كان من الأجدى أن يميِّز الإعلام الغربي بين الدراسات العلمية والدراسات غير العلمية، وأن يُخضع الدراسات العلمية للنقد العلمي الهادئ، وأن يُطالب بفتح كل الملفات السرية والأرشيفات الغربية والشرقية لنتبيَّن مدى صحة هذه الأطروحات. وقد أصبح هذا متيسراً بعد سقوط الاتحاد السوفيتي إذ أصبحت وثائقه متاحة للدراسة. ولعل حالة ديمانجوك الذي اتُهم بأنه «إيفان الرهيب» ، الذي اشترك في إبادة اليهود وغيرهم في معسكر تربلينكا، تكون مثلاً على الخطوات المطلوب اتخاذها. فقد كانت كل الدلائل التي جمعها الأمريكيون والإسرائيليون تبيِّن أن ديمانجوك هو إيفان الرهيب، وأصدرت المحاكم الإسرائيلية حكماً ضده بالفعل. ولكن، بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، ظهرت وثائق تبيِّن بما لا يقبل الشك أن هناك شخصاً آخر هو الذي قام بعمليات الإبادة فأُفرج عن ديمانجوك. ومن الصعب فهم تلك الاستجابة الهستيرية لدى الإعلام الغربي والصهيوني إزاء عمليات إثارة الشكوك حول الإبادة وعدد الستة ملايين، ومع هذا فلنحاول تناول هذه الظاهرة غير العقلانية. ونحن نذهب إلى أن الخطاب الحضاري الغربي له حدوده التي يفرضها على عملية الإدراك. فقد قام الغرب بتحديد معنى الإبادة النازية لليهود ومستواها التعميمي والتخصيصي، فقام باختزالها وفرض منطق غربي ضيق عليها من خلال التلاعب بالمستويات التعميمية والتخصيصية، ومن خلال نزعها من سياقها الغربي، الحضاري والسياسي الحديث. 1 ـ بالنسبة للمسئول عن الجريمة: تُخضَع الإبادة النازية لعمليتين متناقضتين: أ) يتم تضييق نطاق المسئولية إلى أقصى حد بحيث تصبح الإبادة النازية جريمة ارتكبها الألمان وحدهم ضد اليهود. ب) يتم توسيع نطاق المسئولية إلى أقصى حد بحيث تختفي كل الحدود وتصبح الإبادة النازية ليهود أوربا جريمة كل الأغيار بشكل مطلق، أو جريمة كلٍّ من الألمان والأغيار، أو الألمان باعتبارهم أغياراً، أو الألمان بموافقة وممالأة الأغيار. 2 ـ بالنسبة للضحية: تُخضَع الإبادة كذلك لعمليتين متناقضتين: أ) يتم تضييق نطاق الجريمة إلى أقصى حد بحيث تصبح جريمة موجهة ضد اليهود وحدهم، لا ضد الملايين من اليهود وغير اليهود (من الغجر والسلاف وغيرهم) . ب) يتم تعميم الجريمة إلى أقصى حد بحيث تصبح جريمة موجهة ضد اليهود، كل اليهود، لا يهود العالم الغربي وحسب. وبعد أن تم تعريف الإبادة بهذه الطريقة، وبعد أن تم التلاعب بالمستويات التعميمية والتخصيصية وضبطها بما يتفق مع مصلحة الغرب، قام الغرب بأيقنة الإبادة، أي جعلها مثل الأيقونة تشير إلى ذاتها حتى لا يمكن التساؤل بشأنها، فهي مصدر المعنى النهائي. وكما قال دان داينر إن أوشفيتس هي أرض لا يمتلكها أحد، هي فراغ يبتلع كل التفسيرات التاريخية (فهو يشبه الثقوب السوداء التي تتحطم فيها قوانين الضوء والزمان) . فأوشفتس هو "المعيار المطلق الذي يُحكَم من خلاله على التاريخ، ولا يمكن أن يصبح هو نفسه جزءاً من التاريخ"، وهو كلام لا معنى له بطبيعة الحال، فأوشفيتس حدث تاريخي، وقع في الزمان، ولا يصلح أن يكون معياراً أخلاقياً أو تاريخياً يُحكم به على كل الأمور الإنسانية في كل زمان ومكان (ألا يشكل هذا قمة التمركز الأوربي حول الذات [بالإنجليزية: إيورو سنترستي Euro-Centricity] ) . ولكن مثل هذا الكلام الأجوف له معنى داخل الخطاب الحضاري الغربي بسبب عملية الأيقنة التي أشرنا لها (وتجدر ملاحظة أن الأيقنة ليست مقصورة على المفكرين اليهود وإنما تشمل أعداداً كبيرة من غير اليهود) . فالإبادة بهذا المعنى أصبحت من المسلمات، التي تُشكِّل فَهْم الإنسان الغربي المسبق، شأنها في هذا شأن مقولة " عبء الرجل الأبيض " في القرن التاسع عشر، وشأن إحساس الغرب بمركزيته في القرن العشرين أو الإيمان بالتقدم المادي وتحقيق الذات باعتبارهما الغاية النهائية لوجود الإنسان في الأرض. والمسلمات هي الركيزة الأساسية للنموذج، فهي التي تحدد حلاله وحرامه، وما هو مقدَّس وما هو مدنَّس. ومن ثم أصبح التساؤل بشأن الإبادة هو تساؤل بشأن إحدى المسلمات (المقدسات أو المطلقات، إن شئت) وهو ما لا يمكن لأية حضارة، مهما بلغت من سعة صدر وليبرالية وتعددية قبوله. وقد يُقال إنهم في الغرب ينتجون أفلاماً تُعرِّض بالسيد المسيح عليه السلام مثل فيلم سكورسيزيScorsese "الإغواء الأخير للمسيح"، وأعمالاً فنية مثل لوحة الفنان أندريه سيرانو Andre Serrano الشهيرة بعنوان "فلتتبول على المسيح" (Piss Christ) حيث وَضَع الفنان صورة المسيح على الصليب في البول، وعرضها في معرض قامت الدولة بتمويله، إن كانوا يفعلون ذلك فلم لا يقبلون بفتح ملفات الإبادة؟ والرد على هذا هو أن السيد المسيح لم يعد ضمن المقدسات، أما الإبادة فقد أصبحت كذلك. وقل الشيء نفسه عن الشذوذ الجنسي، فحتى الستينيات كان الخطاب الغربي يرى أن ثمة معيارية ما وثمة انحراف عنها، ولهذا كان هناك مفهوم للشذوذ والانحراف، ولكن مع غياب المعيارية تآكل بالتالي مفهوم الشذوذ تماماً، وبالتدريج أصبح الشذوذ شكلاً من أشكال تأكيد الحرية الفردية المطلقة (التي تتجاوز أية معيارية اجتماعية) ، وتعبيراً عن حق الفرد في اختيار الهوية الجنسية التي تعجبه والتي يمكنه من خلالها تحقيق ذاته على أفضل وجه ممكن. وبذلك تحوَّل الشذوذ الجنسي من كونه انحرافاً إلى علامة من علامات التفرد وتعبيراً نماذجياً متبلوراً عن المنظومة الحضارية والأخلاقية السائدة في المجتمع في تمركزها حول الذات والمتعة (وفي عدم اكتراثها بالقيم الدينية والاجتماعية أو بأية ثوابت إنسانية) . وأصبح تقبل الشذوذ الجنسي علامة من علامات التحضر وسعة الأفق والتعددية، وأصبح رفضها دليلاً قاطعاً على تزمت الشخص وتطرفه بل "أصوليته". لكل هذا أصبح من الممكن، داخل الخطاب الحضاري الغربي، ربط الشذوذ بالمقدسات العلمانية (المادية) الجديدة. وهذا بالضبط ما يفعله الروائي الأمريكي اليهودي ليف روفائيل، فهو يربط بين الشذوذ الجنسي والهولوكوست، فبطل إحدى رواياته يهودي يخاف من تأكيد الأبعاد الثلاثة لهويته: هويته اليهودية، وهويته كشاذ جنسي، وهويته كأحد ضحايا الهولوكوست. فيقوم صديقه الذي يعيش معه بتشجيعه على تجاوز مخاوفه. ومنذ عدة سنوات أُقيم مؤتمر للشواذ والسحاقيات في إسرائيل، وأقام أعضاء المؤتمر صلاة القاديش في نصب ياد فاشيم من أجل الشواذ جنسياً والسحاقيات ممن سقطوا ضحايا للاضطهاد النازي. ولا شك في أن ربط الشذوذ الجنسي بالهوية اليهودية بالهولوكوست تصدمنا، ولكن علينا أن ندرك ما هو مقدَّس وما هو مدنَّس في خطاب الآخر قبل أن نشعر بالصدمة، والهولوكوست أيقونة مقدَّسة والشذوذ أمر عادي، بل أمر محبب، ومن يدري لعله أصبح أمراً له «قداسته» الخاصة، ونحن لا نعرف بعد، إذ أننا لا نتابع ما يجري هناك بكفاءة عالية؟ ولنا الآن أن نطرح السؤال التالي: لم تم تحويل الإبادة إلى أيقونة مقدَّسة، ومسلمة نهائية؟ والإجابة على هذا السؤال تتطلب منا الانتقال من عالم القرائن والوثائق والاستشهادات إلى عالم محفوف بالمخاطر وهو عالم الخطاب الحضاري والنماذج الحضارية. ولذا سنحاول أن نقدح زناد الفكر وأن نقنع بإجابات ذات مقدرة تفسيرية معقولة وليست ذات طابع يقيني عال. وسوف نعمد بدايةً إلى استبعاد الصيغة العربية الجاهزة للإجابة على كل الأسئلة، أي «اللوبي الصهيوني» أو «المؤامرة اليهودية» أو «النفوذ اليهودي» وغير ذلك من مقولات ما أنزل الله بها من سلطان لأنها تُفسِّر كل شيء ببساطة بالغة، وما يُفسِّر كل شيء بهذه البساطة لا يُفسِّر شيئاً على الإطلاق! ونحن نذهب إلى أن ثمة خطاباً غربياً واحداً فيما يتصل بالإبادة، يتفرع عنه الخطاب الصهيوني، وهو خطاب لا يختلف عن الخطاب الغربي العام إلا في التفاصيل، فهما يكادان يكونان وجهين لعملة واحدة، وعلاقة الواحد بالآخر هي علاقة الكل بالجزء والأصل بالفرع. وتتلخص خصوصية الخطاب الصهيوني في تعميق الجوانب اليهودية وفي إضافة ديباجات يهودية (دينية وإثنية) كثيفة. فالخطاب الصهيوني ينزع، هو الآخر، حادثة الإبادة من سياقها الحضاري والتاريخي الغربي، ويتلاعب بالمستوى التعميمي والتخصيصي، فيُحوِّل واقعة الإبادة من جريمة ارتكبتها الحضارة الغربية ضد مجموعات بشرية داخلها إلى جريمة ألمانية أو جريمة الأغيار ضد اليهود. ولكن الخطاب الصهيوني (انطلاقاً من مفهوم الشعب المختار والحلولية اليهودية التي تسبغ القداسة على اليهود) يُعمِّق عملية التخصيص فتتحوَّل الإبادة من قضية اجتماعية تاريخية إنسانية إلى إشكالية غير إنسانية تستعصي على الفهم الإنساني، وإلى سر من الأسرار يتحدى العقل، وإلى نقطة نهائية ميتافيزيقية تتجاوز الزمان والمكان والتاريخ. والاختلاف هنا هو اختلاف في الدرجة وليس في النوع، إذ تظل هناك وحدة أساسية، ولذا لا يجوز في الخطاب السياسي الغربي والصهيوني تشبيه إبادة أية أقلية بإبادة اليهود. ويمكننا الآن أن ندرج بعض الأبعاد التي أدَّت إلى أيقنة الإبادة: 1 ـ يعيش الغرب في إطار أن الإبادة جريمة ألمانية نازية وحسب ضد اليهود وحدهم، وليست حلقة في سلسلة الجرائم الإبادية التي ارتكبتها الحضارة الغربية ضد شعوب العالم، والتي تنبع من رؤيتها النفعية المادية الإمبريالية المتجردة من القيمة. وقد استقر هذا المفهوم وأصبح إطاراً مرجعياً ينظر الإنسان الغربي إلى نفسه وإلى تاريخه من خلاله. وعملية الأيقنة تفصل هذه الجريمة عن نمط حضاري عام متكرر ولا تُذكِّر هذه الحضارة بماضيها الإبادي، كما تعفيها من مسئولية الجريمة النازية ذاتها. ورغم أن الإبادة هي إحدى ثمرات النازية والعلم المنفصل عن القيمة، فإن عملية أيقنة الإبادة تصاحبها عملية أخرى، وهي عملية تهميش النازية ومنظومتها القيمية رؤيتها للكون، بحيث تصبح النازية وجرائمها مجرد انحراف عن الحضارة الغربية. والتخلي عن هذا الإطار (الذي يُأيقن الإبادة ويُهمِّش النازية) سيكشف فضيحة الحضارة الغربية ومسئوليتها عن هذه الجريمة البشعة المنظمة وعن غيرها من الجرائم التي هي جزء من نمط عام متكرر. وفي هذه الإطار يمكن فهم الحرج الزائد الذي يسببه اكتشاف تورط كثير من الشخصيات الفكرية الأساسية في الحضارة الغربية (مثل هايدجر) مع النازيين، ومحاولة إخفاء هذه الحقيقة وغيرها من الحقائق (مثل تلكؤ أيزنهاور في ضرب القطارات التي كانت تقل اليهود إلى معسكرات الاعتقال والسخرة، ورفض الدول الغربية فتح أبوابها للمهاجرين) . فإبراز تورط هايدجر وغيره قد يشير إلى تورط الحضارة بأسرها وقد يقوض المعنى الغربي المفروض على الإبادة. 2 ـ لا يمكن إنكار الدور الذي يلعبه شعور الغربيين بالذنب تجاه ما حدث لليهود على يد النازيين. ولكن الإحساس بالذنب هنا يوجه نحو الأيقونة (الفريدة التي تشير إلى ذاتها) ومن ثم يتحول من إحساس خُلقي عميق ورغبة في إقامة العدل إلى حالة شعورية تدغدغ الأعصاب بل إلى مصدر راحة، إذ يمكن للإنسان الغربي أن يهنئ نفسه بأنه لا يزال يمارس مثل هذه المشاعر النبيلة. وبدلاً من أن يحفز الشعور بالذنب الإنسانَ الغربي إلى التصدي لما يجري في العالم من عمليات إبادة (تقوم بها حكوماته أو تقف موقف «الحياد» تجاهها) فإنه يتجه نحو تأكيد تفرد الهولوكوست والمبالغة في أهوالها، وبالتالي يتحول الحس الخُلقي إلى حس جمالي أو حالة شعورية لا تُترجم نفسها أبداً إلى فعل فاضل؛ إلى أمر بالمعروف ونهي عن المنكر. وأيقنة الإبادة بذلك تغطي على ما يجري من مذابح سواء في فيتنام أو البوسنة والهرسك أو الشيشان أو لبنان. 3 ـ لكن الفضيحة الأساسية التي تغطيها عملية أيقنة الإبادة النازية هي الجريمة التي ارتكبتها الحضارة الغربية في حق الشعب الفلسطيني الذي طُرد من أرضه بموجب وعد بلفور وقرار هيئة الأمم المتحدة وبدعم كل الدول الغربية. فإذا كانت الجريمة هي حقاً جريمة الألمان على وجه الخصوص أو الأغيار على وجه العموم، وضد اليهود على وجه العموم وضد اليهود وحدهم كما يدَّعي الخطاب الحضاري الغربي، فلابد إذن من حلها على مستوى عالمي وألماني، ولابد من تعويض الضحايا اليهود وحسب وإهمال الضحايا الآخرين. ومن ثم، يصبح من المنطقي أخذ (لا اغتصاب) فلسطين من "الأغيار" وردها «لليهود» بسبب الجرم الذي حاق بهم على يد هؤلاء الأغيار. كما يمكن أخذ التعويضات من الألمان وتمويل المستوطن الصهيوني باعتباره المأوى الذي "عاد" إليه ضحايا الإبادة. وإذا كانت الإبادة هي حقاً جريمة موجهة ضد اليهود وحسب، فإن المتحدثين اليهود هم وحدهم أصحاب الحق في فرض المعنى الذي يريدونه على الواقعة، وهم وحدهم أصحاب الحق في التعويض. 4 ـ ترتكز المنظومة الغربية التحديثية بأسرها إلى العلم المنفصل عن القيمة وعن الغائية الإنسانية. ورغم الإدراك المتزايد لوحشية هذا الافتراض، فإنه لا يزال هو المقولة المعرفية الحاكمة. وفتح باب الاجتهاد بخصوص الإبادة يعني في واقع الأمر فتح باب الاجتهاد بخصوص الأساس الفلسفي الذي تستند إليه الحداثة الغربية بأسرها. 5 ـ ويمكننا الآن أن نثير قضية ليست ذات علاقة مباشرة بالإبادة، إلا أنها قد تلقي الضوء على عملية أيقنتها. فالمجتمعات الغربية مجتمعات تسيطر عليها العلمانية الشاملة، وتسود فيها النسبية المعرفية والأخلاقية، ولذا فهي تعيش بلا مقدَّسات أو ميتافيزيقا، وهو أمر مستحيل بالنسبة لمعظم البشر. إذ يبدو أن حياة الإنسان لابد أن يكون فيها شيء مقدَّس ما، فإن لم يكن الإله فيمكن أن يكون أي شيء، وكل شيء. وما حدث بالنسبة للإنسان الغربي أنه فقد إيمانه بمقدَّساته الدينية التقليدية، فأخذ يبحث عن مقدَّسات مادية حديثة يمكنه أن يدركها بحواسه الخمس (المصدر الوحيد للمعرفة بالنسبة له) وبوسعه أن يُقسِّم العالم من خلالها إلى مقدَّس ومدنَّس، وإلى محرَّم ومباح. إن الإنسان الغربي دائب البحث عن ميتافيزيقا علمانية مادية، تريحه نفسياً ولا تُحمِّله أية أعباء أخلاقية (مثل الإيمان بالأطباق الطائرة أو علاقة الأبراج بمصير الإنسان وسلوكه) . ويبدو أنه وجد ضالته في الإبادة النازية لليهود التي تولِّد فيه إحساساً لذيذاً بالذنب، لا يكلفه أي جهد أخلاقي. وقد تحولت الإبادة إلى أيقونة تجسِّد ميتافيزيقا كاملة من خلال علمنة المفاهيم الدينية المسيحية، إذ أصبح اليهود (في لاهوت موت الإله وفي الخطاب الحضاري الغربي ككل) هم المسيح المصلوب وأصبح ظهور الدولة اليهودية هو قيامه. والصلب والقيام هنا أمران ماديان يتمان داخل الزمان والتاريخ. فكأن الإبادة النازية لليهود هي الأيقونة العلمانية الشاملة المقدَّسة في الوجدان الغربي، فهي مفهوم قبلي بُنيت عليها مجموعة من المفاهيم الأخرى، فإن سقطت الأيقونة سقط كل ما بُني عليها وأصبح من الضروري مراجعة كل شيء، وهو أمر صعب للغاية على البشر. وهذا لا يعني بطبيعة الحال إنكار أهمية البُعد الصهيوني للاستجابة الغربية الهستيرية. 1 ـ لا يمكن إنكار وجود قدر كبير من الضغط الذي تمارسه المؤسسات اليهودية والصهيونية للإبقاء على الوضع المعرفي والمعلوماتي القائم، الذي يُحقق لها فوائد جمّة. كما أن هناك الآلاف من أعضاء الجماعات اليهودية ممن تقاضوا التعويضات الألمانية عما لحق بهم من أذى وممن لا يزالون يطالبون بها، وهؤلاء أيضاً أصبحوا جزءاً من "جماعة مصالح" تحوَّلت إلى جماعة ضغط. وليس من صالح هؤلاء كشف حقيقة ما حدث. 2 ـ أصبح الخطاب الصهيوني يستند بشكل شبه كامل إلى الإبادة النازية، وأصبحت الشرعية الصهيونية ذاتها تستند إلى حادث الإبادة. والشرعية عادةً لا تستند إلا إلى مطلقات، لا يمكن إخضاعها للتساؤل. ويميل كاتب هذه الموسوعة إلى القول بأن معسكرات الاعتقال والسخرة والإبادة حقيقة مادية لا شك فيها، وأن أفران الغاز هي الأخرى حقيقة (ومن ثم لا يمكن إنكار الإبادة باعتبارها تصفية جسدية متعمدة) . ولكن حجم هذه الأفران ومدى كفاءتها وعدد ضحاياها ودلالة هذه الحقائق المادية وتفسيرها تظل كلها موضوعات قابلة للاجتهاد والفحص العلمي والوثائقي بل تتطلبها، فهي موضوعات خلافية. وهناك فيما يبدو مصلحة للبعض في أن يُضخمها أو يُقلل من أهميتها. فإذا كان الحياد الكامل مستحيلاً في مثل هذه الأمور (كما في غيرها) ، فلابد، على الأقل، أن ننفصل إلى حدٍّ ما عن الظاهرة موضع الدراسة ونُعيد قراءة الوثائق المتاحة ونطالب بإتاحة كل الوثائق السرية، وخصوصاً أن الموضوع أصبح موضوعاً تاريخياً مر عليه أكثر من خمسين عاماً. إشكالية الحل النهائي ومؤتمر فانسي The Problematic of the Final Solution and the Wannsee Conference تزعم الأدبيات الصهيونية أنه في 20 يناير 1942 عُقد مؤتمر يُسمَّى «مؤتمر فانسي» بهدف التنسيق بين الوزارات المختلفة التي اشتركت هي والحزب النازي وقوات الإس. إس. في محاولة تنفيذ الحل النهائي، باعتباره التصفية الجسدية لليهود. ويُقال إن رينهارد هايدريش دعي إلى هذا المؤتمر بناء على خطاب من هرمان جورنج بتاريخ 31 يوليه 1941، وأشار إلى «الحل الكامل للمسألة اليهودية» . وقد أعد أيخمان الإحصاءات والبيانات اللازمة لمناقشة الموضوع. وحضر المؤتمر كبار موظفي الدولة والحزب وناقشوا كيفية تهجير اليهود وإرسالهم إلى معتقلات العمل والسخرة. وعبارة «الحل الكامل» هي صيغة أخرى لعبارة «الحل النهائي» (بالألمانية: إندلوسونج Endlosung) التي ترد في بعض الأدبيات النازية، وتعني في الأدبيات الغربية التي تتناول الحركة النازية «المخطط الواعي الذي وضعه النازيون لحل المسألة اليهودية بشكل جذري ونهائي ومنهجي وشامل عن طريق إبادة اليهود» ، أي بمعنى تصفيتهم جسدياً. والمفترض أن هذا المخطط تم تنفيذه من خلال المؤسسات الحكومية النازية. (وهذا المعنى خلافي كما سنبين فيما بعد) . ويمكن القول بأن مقولة «الحل النهائي» ، مثلها مثل مقولة «نهاية التاريخ» ، كامنة في بنية الأيديولوجيا النازية، وفي كثير من الأيديولوجيات الأخرى الشبيهة التي تعتمد العلم الطبيعي مصدراً أساسياً وربما وحيداً للمعرفة والقيم الأخلاقية. فهذه الأيديولوجيات تؤمن بإمكانية، أو حتى بحتمية، التقدم الدائم من خلال تراكم المعرفة حتى تتم معرفة قوانين الحركة أو قوانين الضرورة أو القوانين الطبيعية (التي تسري على الطبيعة والإنسان) . ومن خلال هذه المعرفة الكاملة أو شبه الكاملة، يمكن ترشيد الواقع تماماً والهيمنة عليه ووضع الحلول النهائية لكل المشاكل وإعلان «نهاية التاريخ» (كما فعل فوكوياما في الولايات المتحدة في أواخر الثمانينيات) . والنازية، من هذا المنظور، ما هي إلا إحدى هذه الأيديولوجيات. ومن ثم، فحتى لو لم يعلن النازيون الحل النهائي، فإن الفكرة كامنة في بنية الفكر الغربي والنازي. وعلى كلٍ، لا يمكن فهم التجارب الاستيطانية الإحلالية، سواء في الولايات المتحدة أو في أستراليا أو فلسطين، إلا في إطار فكرة الحل النهائي الذي يُطبَّق على السكان الأصليين، هنوداً كانوا أم فلسطينيين، ويمكن إنجاز الحل النهائي إما عن طريق الإبادة أو عن طريق التهجير. ووعد بلفور وثيقة سياسية تهدف إلى وضع حل نهائي للمسألة اليهودية عن طريق التهجير. والمسألة الفلسطينية أو العربية، من هذا المنظور، هي نتيجة لعدم تطبيق الحل النهائي الصهيوني أو سببها الفشل في تطبيق هذا الحل حتى الآن. وقد عبَّر عن هذا المعنى صراحةً رحبعام زئيف (رئيس حزب موليديت) الذي انضم إلى الوزارة الإسرائيلية وطالب صراحةً بتهجير العرب، فقد بيَّن بما لا يقبل الشك أن مقولة «الحل النهائي» مقولة أساسية في الفكر الصهيوني، وتنتمي إلى عائلة من الأيديولوجيات الغربية الحديثة التي تبحث عن حل جذري ونهائي ومنهجي لمشكلتها السكانية كما فعل المستوطنون الأمريكيون من قبل، وكما فعل النازيون في ألمانيا، وكما يفعل الصرب في البوسنة والهرسك، وكما يفعل المستوطنون الغربيون في كل زمان ومكان! ويمكننا الآن أن نثير قضية ترادف عبارة «الحل النهائي» مع عبارة «الإبادة كتصفية جسدية» ، كما تزعم الأدبيات الصهيونية، وهو ترادف ينكره رجاء جارودي، وغيره من الدارسين، للأسباب التالية: 1 ـ لوحظ عدم ورود لفظ «الإبادة كتصفية جسدية» مقروناً بعبارة «الحل النهائي» في أية مذكرة نازية. وقد بيَّن ريمون آرون وجاك فيوريت (عام 1979) - في ختام مؤتمر عُقد خصيصاً لهذه القضية وغيرها من القضايا المتعلقة بالإبادة النازية ليهود أوربا - أنه لم يتم العثور على أية مذكرة تحمل هذا المعنى رغم كل الجهود المبذولة. وقد وافقهما المؤرخ الصهيوني النزعة وولتر لاكير على رأيهما هذا (عام 1981) ، ولذا أضاف أن مثل هذا الأمر لم َيصدُر قط. 2 ـ يروج بعض الصهاينة فكرة مؤداها أنه لم يتم العثور على مثل هذه المذكرة لسبب بسيط وهو أن النازيين كانوا يستخدمون لغة مشفرة أو رمزية حتى لا يكتشف أحد أمرهم. والرد على مثل هذا الرأي ـ كما بيَّن جارودي ـ هو الإشارة إلى عدد لا حصر له من الوثائق النازية تضم أوامر صريحة بإبادة السكان الذكور في ستالينجراد (على سبيل المثال) وقتل الجنود البريطانيين الذين يتم أسرهم أثناء تأديتهم بعض العمليات الخاصة (الكوماندوز) ، وقتل المسنين بالوسائل العلمية. فلماذا يُشفر النازيون الأوامر الخاصة بإبادة اليهود وحدهم؟ 3 - حينما يذكر النازيون الإبادة فهي بديل ضمن بدائل عديدة، كما أنها تتم بعدة طرق. فقد تحدَّث هتلر عن الإبادة من خلال "التجويع والقتال غير المتكافئ"، بل تحدَّث عن "هجرة الألمان الاستيطانية" في شرق أوربا وحرب ألمانيا ضد عناصر "المقاومة الشعبية" باعتبارها شكلاً من أشكال الإبادة (وهو تعريف جيد للإبادة يخرج بها عن معناها الضيق المباشر، ويُوسِّع حقلها الدلالي بحيث تصبح الحروب الاستعمارية حروب إبادة، ويصبح الاستعمار الاستيطاني الصهيوني الذي يلجأ إلى التجويع والقتال غير المتكافئ وتهجير اليهود وضرب المقاومة الشعبية أيضاً شكلاً يُصنَّف بكل تأكيد ضمن أشكال الإبادة) . وبغض النظر عن رؤية هتلر للتاريخ، فإن مؤتمر فانسي قد قسَّم طريقة التخلص من العناصر غير الاجتماعية غير المرغوب فيها من خلال أربعة طرق مختلفة: التعقيم أو الإبادة بالجوع أو الإبادة بالعمل أو حتى من خلال برنامج الألمنة. 4 ـ كان النازيون يتحركون في إطار الحل الإمبريالي للمسألة اليهودية وهو تصديرها للخارج. وقد بيَّن هتلر أنه يميِّز بين معاداة اليهود العاطفية ومعاداة اليهود المنهجية، فالأولى تنتهي بالمجازر، أما الثانية فتنتهي بتهجير (ترانسفير) اليهود. وقد حدد هتلر مشروعه بالنسبة لليهود باعتباره عملية تهجير. وفي رده على سؤال وُجه إليه في اجتماع عام بشأن حقوق اليهود الإنسانية، قال: «ليبحث اليهودي عن حقوقه الإنسانية في دولته فلسطين» . وفي 10 أغسطس 1941 دافع هتلر عن الحل الشامل للمسألة اليهودية باعتباره نقل 600 ألف من أراضي الرايخ. وكانت مجلة الإس. إس. قد استخدمت العبارة نفسها بهذا المعنى في عددها الصادر في 24 نوفمبر 1938 حين تحدثت عن الحل الشامل باعتباره «الفصل والعزل الكلي لليهود» . 5 ـ طبق النازيون هذه الرؤية الإمبريالية (الصهيونية) على اليهود، ولذا بدأ الحل النهائي بتهجير اليهود من أصل بولندي إلى بولندا، ولكن الحدود أُوصدت دونهم. ثم طرح النازيون مشاريع صهيونية عديدة تهدف إلى توطين اليهود وتأسيس وطن قومي لهم في أي مكان خارج أوربا (أكوادور ـ سوريا ـ مدغشقر) . وقد تعاون النازيون مع الصهاينة انطلاقاً من قبول هذا الحل الصهيوني النازي للمسألة اليهودية فتم توقيع معاهدة الهعفراة للمساعدة في تهجير اليهود إلى فلسطين. وحقق النازيون بعض النجاح في هذا المضمار إذ بلغ عدد اليهود الذين هاجروا من ألمانيا وحدها حوالي 150 ألف (بين 1933 ـ 1938) وهي نسبة مئوية عالية. وظل النازيون يدافعون عن فكرة تهجير اليهود، وكانوا لا يكفون عن الشكوى من أن سيل الهجرة لم يكن سريعاً بما فيه الكفاية، ومن أن الدول الغربية توصد أبوابها في وجه المهاجرين اليهود. وفي السنين الأخيرة للحرب، بعد مؤتمر فانسي (يناير 1942) وبعد وقوع مساحات شاسعة من الأرض السوفيتية البولندية في أيدي النازيين، بدأت فكرة توطين اليهود فيها تراود النازيين ( «ترحيل اليهود إلى الشرق» في المصطلح النازي) . وقد جاء في مذكرة رسمية بتاريخ 10 فبراير 1942 صادرة من وزارة الخارجية الألمانية ما يلي: «إن الحرب ضد الاتحاد السوفيتي وفرت لنا أراضي جديدة لتنفيذ الحل النهائي. وقد قرر الفوهرر أنه بدلاً من إرسال اليهود إلى مدغشقر فسيقوم بإرسالهم إلى الشرق. ولذا ليس هناك ما يدعو إلى التفكير في مدغشقر باعتبارها [مجال] الحل النهائي» . وكل هذا يعني في واقع الأمر أن الحل النهائي هو حل صهيوني إقليمي، يعني التخلص من اليهود عن طريق ترحيلهم (ترانسفير) من مكان لآخر، تماماً كما فعلت الحضارة الغربية مع اليهود حيث نقلتهم إلى فلسطين، وكما فعل الصهاينة مع الفلسطينيين بنقلهم منها. 6 ـ كان النازيون في حاجة ماسة للأيدي العاملة، فلماذا تُضيِّع آلة الحرب النازية وقتها في إبادة الملايين بدلاً من توظيفهم في أعمال السخرة؟ ومن الواضح أن النازيين كانوا أكثر رشداً ونفعية مما يتصوره الدارسون الصهاينة. فكانوا يزيدون من عدد العمال الذين يعملون نظير دولار واحد في اليوم للاستفادة من العمالة الرخيصة. وقد أرسل هملر مذكرة إلى أحد رؤساء معسكرات الإبادة (بتاريخ 25 يناير 1942) يخبره فيها أن يستعد لاستقبال 200 ألف يهودي حيث ستسند للمعسكر مهام اقتصادية مهمة. وفي مايو 1944 أصدر هتلر أمراً باستخدام 200 ألف يهودي كعمال في أحد المشاريع الإنسانية. وقد أصدرت قيادة الإس. إس S. S. أمراً بمنح مكافأة لكل السجناء (ومنهم اليهود) الذين أبلوا بلاءً حسناً في العمل. كما وفرت المؤسسات النازية لهؤلاء العاملين كل الأنشطة الترفيهية، وضمنها بيت دعارة، لزيادة الإنتاجية. 7 ـ حينما يرد لفظ «الإبادة» في نصوص نازية فإنه لم يكن يعني دائماً «التصفية الجسدية» ، ففي 26 مارس 1941 في حفل افتتاح معهد فرانكفورت لدراسة المسألة اليهودية أشار أحد المتحدثين إلى الإبادة (بالألمانية: فولكشتود Volkstod) باعتبارها الحل الشامل للمسألة اليهودية وعُرِّف هذا الحل بأنه «أن يترك اليهود أوربا» . وقد أفاض المتحدث وقال إنه يمكن أن يترك اليهود أوربا عن طريق وضعهم في معسكرات عمل في بولندا (حيث يتم إفقارهم) أو في مستعمرة. ولعل تجربتي جيتو وارسو وتيرس آينشتات (وغيرهما من التجارب) قد تمتا في هذا الإطار. 8 ـ لوحظ أثناء محاكمات نورمبرج أن المدّعين الذين مثلّوا الحلفاء كانوا يحاولون قصارى جهدهم أن يلووا عنق بعض الكلمات الألمانية ليترجموها بكلمة «إبادة» . فكلمة «أوسروتونج Ausrottung» على سبيل المثال، والتي تعني «استئصال شأفة» شيء ما بأية طريقة فعلية أو مجازية تُرجمت إلى «إبادة» بمعنى «تصفية جسدية متعمدة» ، مع أن النازيين استخدموا في إحدى وثائقهم عبارة «استئصال شأفة المسيحية» ، ولم يُفسِّر أحد هذه العبارة باعتبارها مخططاً نازياً لإبادة المسيحيين. 9 ـ ما تهمله كثير من الدراسات الغربية هو ما يمكن تسميته «الاختفاء» ، أي اختفاء أعداد كبيرة من اليهود من خلال عوامل طبيعية مثل الزواج المختلط والموت بسبب الغازات والأوبئة أثناء الحرب. لكل هذا فعبارة «الحل النهائي» تعني ما تقول دون زيادة أو نقصان، ومن ثم فهي لا تعني بالضرورة «تصفية جسدية متعمدة» ، وقد تعني «تصفية من خلال التهجير وأعمال السخرة» . معسكرات الاعتقال (السخرة والإبادة) Concentration and Extermination Camps أُقيمت معسكرات الاعتقال في ألمانيا عام 1933 بعد استيلاء النازيين على الحكم، فكان البوليس السري الألماني (جستابو) يقوم بالقبض على خصوم الحكومة النازية واحتجازهم في هذه المعسكرات. وحين عظم نفوذ الجستابو وأُعطي الحرية المطلقة في التصرف، أصبحت عمليات القبض تتم على نطاق واسع، فقُبض على جماعات بأكملها ثم أُرسلت إلى معسكرات الاعتقال. ولم تكن هذه العمليات موجهة ضد اليهود بالذات، وإنما كان يُعتقل كل من يشكل خطراً على الدولة الجديدة بغض النظر عن دينه أو جنسيته. وقد وقعت أول حادثة موجهة ضد اليهود في نوفمبر 1938 عندما وُضع عشرون ألف يهودي في هذه المعسكرات في داخاو وبوخنوالد. ومن معسكرات الاعتقال الشهيرة الأخرى، معسكر برجن بلسن. وقد أُقيمت ستة معسكرات للاعتقال والإبادة في بولندا، وهذه المعسكرات هي: 1 ـ كلمنو (بالقرب من لودز) . 2 ـ بلزك (بالقرب من لفوف ولوبلين) . 3 ـ سوبيبور (بالقرب من لوبلين) . 4 ـ مايدانيك (على حدود لوبلين) . 5 ـ تربلينكا. 6 - أوشفيتس ـ بيركناو، وهو أشهرها جميعاً. وقد أُرسل إلى هذه المعسكرات كثير من الضحايا اليهود والغجر والسلاف وغيرهم، من كل أنحاء أوربا. ويُقال إن كل معسكر كان مزوداً بأدوات متنوعة للإبادة مثل فرق إطلاق النيران، وأدشاش المياه التي تطلق الغاز، والمحارق. ومع هذا يثير كثير من الباحثين الشكوك حول وجود أفران الغاز أصلاً وقد صدرت عدة دراسات موثقة في هذا الشأن. كما تُثار الشكوك حول استخدام غاز زايكلون بي Zyclon B. في أفران الغاز. إذ تشير معظم الدراسات إلى أن استخدام مثل هذا الغاز يتطلب احتياطات فنية عالية، مكلفة للغاية (يجب أن تكون الغرفة محكمة تماماً ـ لابد من تهويتها لمدة عشر ساعات بعد استخدامها ـ يجب أن تكون المفاصل مصنوعة من الإسبستوس أو التيفلون) . ومثل هذه الاحتياطات لم تكن متوفرة للألمان تحت ظروف الحرب، وهو ما يعني استحالة استخدامه على نطاق واسع. وقد ورد كل هذا في تقرير ليوشتر Leuchter Report، الذي كان يعمل مستشاراً لولاية ميسوري وكان متخصصاً في مثل هذه الأمور (ومما له دلالته أن كثيراً من حكومات الولايات المتحدة، التي كانت تستخدم هذا الغاز في عمليات إعدام المجرمين، قررت الاستغناء عنه، بسبب تكلفته العالية) . وثمة نظرية تذهب إلى أن غُرف الغاز الموجودة إنما كانت غُرف غاز لتعقيم الخارجين والداخلين إلى المعسكر. أما المقابر الجماعية فهي مقابر الآلاف الذين لقوا حتفهم بعد انتشار الأوبئة كالملاريا والتيفود، وهو أمر مُتوقَّع في ظل ظروف الحرب وفقر الرعاية الصحية. ويرى أنصار هذه النظرية أن الإبادة لم تكن عملية منظمة مقصودة تمت دفعة واحدة، وإنما تمت نتيجةً لعناصر مختلفة فرضت نفسها بسبب ظروف الحرب مثل سوء التغذية والأوبئة وغيرها، وأن من أُبيدوا بطريقة منهجية منظمة أعداد صغيرة جداً، وهي قضية خلافية. ويُقال إن كثيرين ممن أُبيدوا بطريقة منظمة لم تكن إبادتهم بدافع الحقد العنصري وإنما كانت جزءاً من محاربة النازيين للمرض وللتشوهات والانحرافات النفسية والخلقية. ولذا حينما كان يندلع وباء في أحد المعسكرات لم يكن النازيون يلجأون لمحاربته (فهذا أمر مكلف، بخاصة في ظروف الحرب) وإنما كانوا يلجأون للتخلص من المرضى بطريقة عملية سريعة. ولم تكن معسكرات الاعتقال مخصصة لليهود وحدهم وإنما كانت أداة من أدوات النظام النازي تُستخدَم لتحقيق أهدافه القومية، بل إن عدد ضحاياها من غير اليهود يفوق عدد ضحاياها من اليهود. ومن المهم بمكان أن نضع معسكرات الاعتقال والإبادة في سياقها الحضاري والمعرفي العام. فمنذ بداية التشكيل الحضاري الغربي الحديث أصبحت معسكرات الاعتقال والإبادة نمطاً متكرراً، حيث تم نقل سكان أمريكا الأصليين (الهنود الحمر) إلى معسكرات اعتقال منعزلة كان يُطلَق على كل واحد منها اسم «ريزيرفيشن reservation» تمهيداً لإبادتهم بشكل مباشر أو غير مباشر. وكانت عملية النقل ذات طابع إبادي. وكان السود، الذين يجري اصطيادهم في أفريقيا ونقلهم (ترانسفير) إلى أمريكا، يتم وضعهم في معسكرات أيضاً ويسكنون في مساكن هي أقرب ما تكون إلى معسكرات السخرة. وفي الحرب العالمية الثانية، وضعت الولايات المتحدة الغالبية الساحقة من المواطنين الأمريكيين من أصل ياباني في معسكرات مماثلة. وفي جنوب أفريقيا قامت حكومة التفرقة اللونية (الأبارتهايد) البيضاء بوضع المواطنين الأصليين في معازل جماعية يُقال لها "البانتوستان". وغني عن القول إن هذا الوضع لا يختلف كثيراً عما يحدث في فلسطين المحتلة بعد عام 1967. ولم تكن الإبادة مصير كل من يذهب إلى معسكرات الاعتقال، التي كانت أساساً معسكرات سخرة، ولذا نجد أن العدد الأكبر كان يُستخدَم في أعمال السخرة. وقد أُسِّس بجوار أوشفيتس، على سبيل المثال، ثلاثة مصانع كبرى لإنتاج بعض المواد اللازمة للعمليات العسكرية. وكانت الشركات الألمانية تستأجر المعتقلين عشر ساعات يومياً من العمل الشاق مقابل دولار واحد يومياً (وهو موقف كولونيالي تماماً) ، ونظراً لحرصها الشديد على الأيدي العاملة الرخيصة كانت توفر لهم بعض الأنشطة الترفيهية (ضمنها بيت دعارة) . كما اختير عدد من نزلاء المعسكرات لإجراء التجارب الطبية والعلمية عليهم. وكانت المعسكرات تدار بطريقة تتسم بنوع من الإدارة الذاتية، فكان يتم اختيار بعض العناصر من بين المساجين يشكلون نخبة داخل هذه المعسكرات، وتكون بمنزلة حلقة الوصل بين المساجين والألمان. ويُطلَق عليهم اسم «كابو» ،وكان بعضهم من اليهود بطبيعة الحال. وكان كثير من هؤلاء يحرصون على إظهار القسوة نحو المساجين حتى يحظوا برضا الألمان. ومن المعروف أن المساجين الألمان كانوا يُعاملون غالباً بقسوة تفوق ما يعامل به الآخرون لأنهم كانوا يُعتبَرون خونة. واتسمت معسكرات الاعتقال بكفاءتها الشديدة وتحكُّمها الكامل في المادة البشرية التي كانت تُصنَّف بعناية وتُوظَّف على أحسن وجه. وقد حققت هذه المعسكرات عائداً كبيراً للاقتصاد الوطني الألماني. هذا، بخلاف التخلص من أعداد كبيرة من الأفراد الذين يشكلون عبئاً على ألمانيا، أي أن التجربة لا غبار عليها البتة إن نظرنا إليها من منظور نفعي مادي لا يكترث بالمطلقات. وبالطبع، يختلف الأمر تماماً إن نظرنا للقضية من المنظور غير المادي، أي من منظور قداسة الإنسان وحقوقه المطلقة. أوشفيتس Auschwitz يُعَدُّ «أوشفيتس» أهم معسكرات الاعتقال. وكان يُقال دائماً إن عدد ضحايا أوشفيتس هو أربعة ملايين، منهم مليون ونصف مليون يهودي، والباقون غير يهود. والسند الأساسي لأسطورة إبادة هذه الملايين في أوشفيتس هي اعترافات رودولف هس أثناء محاكمات نورمبرج. وقد ثبت أن كثيراً من " أدلة " الاتهامات في محاكمات نورمبرج هي في معظمها اعترافات يدين خلالها المتهمون أنفسهم، بعد أن ظلوا في الأسر عامين أو يزيد تعرضوا فيها للتعذيب والامتهان. وقد استُبعد عدد كبير من الوثائق والشهادات التي كان من شأنها تحطيم الأساطير التي حاول الحلفاء نسجها. وهناك من البحوث ما يشير إلى أن العدد الإجمالي لا يمكن أن يزيد على 1.6 مليون، وأنهم قضوا حتفهم لا من خلال أفران الغاز وإنما بسبب الجوع والمرض، والموت أثناء التعذيب، والانتحار. وفي عام 1994 تم تغيير اللافتة الموضوعة على المعسكر، فبعد أن كانت اللافتة القديمة تتحدث عن مقتل أربعة ملايين رجل وامرأة وطفل أصبحت اللافتة الجديدة تتحدث عن مليون ونصف فقط. وقد أصبح معسكر أوشفيتس (في الخطاب السياسي والحضاري الغربي) رمزاً ودالاً على عدة مدلولات. فهو رمز مباشر على الإبادة النازية لليهود (بمعنى التصفية الجسدية المتعمدة) ، أي أنه الجزء الذي يتبدَّى الكل من خلاله. كما أصبح معسكر أوشفيتس دالاً يشير إلى كل جرائم الإبادة التي تتم بشكل منهجي لا شخصي بيروقراطي (ولكن الصهاينة يرفضون استخدام الاسم على هذا النحو حتى يحتفظ معسكر أوشفيتس بقداسته اليهودية) . ويقول تيودور أدورنو (أحد مفكري مدرسة فرانكفورت) : "لا شعر بعد أوشفيتس"، أي لا يمكن لأي إنسان أن يقرض الشعر بعد أن كشفت الإنسانية عن وجهها القبيح في أوشفيتس. وفي هذا تلاعب بمستويات التعميم والتخصيص، ولعله كان من الأجدر بأدورنو أن يتحدث عن حضارة العقلانية المادية، بدلاً من الحديث العام، العائم الغائم، عن الإنسانية جمعاء. وهذا ما فعله فاكيلاف هافيل، المؤلف المسرحي ورئيس جمهورية التشيك، حينما تحدث عن كبرياء العقل المادي الحديث وغروره الذي يطور مخططات علمية مجردة يحاول فرضها على الحياة الإنسانية (بكل ما تحويه من أسرار لا يسبر لها غور) ويفرض عليها التجانس والتنميط وينتهي به الأمر إلى اختزالها وتدميرها. ثم قال: "وماذا يكون معسكر الاعتقال سوى محاولة من جانب دعاة اليوتوبيا [التكنولوجيا البيروقراطية] أن يتخلصوا من العناصر غير الملائمة [للمخطط التكنولوجي] ؟ ". أما في التفكير الديني (المسيحي واليهودي) في الغرب، فقد أصبح معسكر أوشفيتس رمزاً للعالم المادي الذي لا معنى له والذي لا هدف له ولا غاية، فهو عالم انسحب منه الإله، ولذا يُقال «لاهوت ما بعد أوشفيتس» بمعنى «لاهوت موت الإله» . ويذهب البعض إلى أن معسكر أوشفيتس أصبح مدلولاً (متجاوزاً) لا يمكن لأي دال أن يدل عليه. فالتجربة اليهودية في أوشفيتس لا يمكن فهمها أو تفسيرها وإنما يمكن تجربتها وحسب. ومن لم يعش التجربة لن يفهم ما حدث، ومن ثم فإن كلمة «أوشفيتس» بمثابة الأيقونة حيث يلتحم الدال بالمدلول وتختفي المساحة بينهما، وتصبح الأيقونة (الرمز) هي نفسها ما ترمز إليه. إن أوشفيتس تتجاوز اللغة الإنسانية ولذا "لا شعر بعد أوشفيتس". وفي استخدام مغاير تماماً للكلمة صرح ناحوم جولدمان بأن إسرائيل هي كارثة تاريخية كبرى، تفوق ما حدث في أوشفيتس، ومن ثم تحل الدولة الصهيونية محل أوشفيتس باعتبارها أكبر كارثة حاقت بالجماعات اليهودية في العالم. وقد أصبح معسكر أوشفيتس موضع جدل كبير في الوقت الحالي فقد أُقيم دير للراهبات الكرمليات في بقعة أباد فيها الألمان كثيراً من البولنديين اليهود وغير اليهود، على أن تُقام الصلوات يومياً من أجل الجميع. ولكن بعض القيادات اليهودية في الولايات المتحدة أصرت على ضرورة أن يُزال هذا الدير حتى تظل أوشفيتس رمزاً يهودياً. وقد أذعنت القيادة الكاثوليكية في نهاية الأمر لهذا المطلب. ستة ملايين يهودي: عدد ضحايا الإبادة النازية ليهود أوربا؟ Six Milion Jews: Number of European Jewish Victims of Nazi Extermination? يرد في وسائل الإعلام الغربية رقم «ستة ملايين» باعتباره عدد ضحايا الإبادة النازية لليهود. وقد استقر الرقم تماماً حتى أصبح من البدهيات، ولكن هناك رفضاً مبدئياً للرقم في الأوساط العلمية اليهودية وغير اليهودية. فعلى سبيل المثال قام راؤول هيلبرج في كتابه تدمير يهود أوربا (1985) بتخفيض العدد من ستة إلى خمسة ملايين (بعد دراسة إحصائية مستفيضة للموضوع) . وذكر سيسيل روث، في موسوعته اليهودية، أن الهولوكوست نُفذ بطريقة يصعب معها التحقق من دقة الأرقام، وأن العدد يتراوح بين أربعة ملايين ونصف المليون وستة ملايين يهودي. ويميل المؤرخ الأمريكي اليهودي (صهيوني النزعة) هوارد ساخار إلى الأخذ برقم أربعة ملايين ونصف مليون. وهناك من الأدلة الإحصائية ما يرجح الأخذ برأي ساخار، فالكتاب السنوي ورلد ألماناك لعام 1939 يقدر يهود العالم آنذاك بنحو 15.6 مليون. وفي عام 1950، قُدِّر عددهم بنحو 16.6 مليوناً، في حين قدرته صحيفة نيويورك تايمز عام 1948 بما بين 15.7 و18.6مليون، وهناك تقديرات تذهب إلى أن عددهم أقل من ذلك، وقد يصل إلى ما بين 13 و14 مليوناً. وفي جميع الحالات، لا يمكن أن يزيد عدد من اختفوا على أربعة ملايين. ومؤخراً، ذكر المؤرخ الإسرائيلي يهودا باور، مدير قسم دراسات الهولوكوست في معهد دراسات اليهود في العصر الحديث التابع للجامعة العبرية، أن الرقم ستة ملايين لا أساس له من الصحة، وأن الرقم الحقيقي أقل من ذلك. وبيَّنت بحوث المؤرخ الفرنسي جورج ويلير G. Wellers أن العدد الإجمالي لمن أُبيدوا في أوشفيتس من اليهود وغير اليهود ليس أربعة ملايين وإنما هو 1.6 مليون وحسب، وأن هؤلاء لم يقضوا حتفهم من خلال أفران الغاز وحسب وإنما أيضاً بسبب الجوع والمرض والموت أثناء التعذيب والانتحار. ومما يجدر ذكره أن من يتبنون رقم ستة ملايين وغيره من الأرقام لا يشيرون من قريب أو بعيد إلى ظاهرة اختفاء اليهود من خلال عوامل طبيعية مثل الزواج المختلط وسوء التغذية والغازات والأوبئة (التي تتزايد بسبب ظروف الحرب) . وبغض النظر عن الرقم مليون أو الأربعة أو الستة ملايين، فإن ثمة خللاً أساسياً في المنطق الصهيوني يمكن تلخيص بعض جوانبه فيما يلي: 1 ـ التركيز على اليهود بالذات دون الجماعات الأخرى. فمع أن اليهود عانوا، مثلهم في ذلك مثل غيرهم من ضحايا النازية، إلا أن سياسة هتلر في الإبادة كانت موجهة أيضاً نحو الغجر والكاثوليك والمعارضين السياسيين والمرضى والمتخلفين عقلياً والسلاف عامة والبولنديين والروس على وجه الخصوص. وقد بلغ عدد ضحايا الحرب ما بين خمسة وثلاثين مليوناً وخمسين مليون، وخسر الاتحاد السوفيتي في الحرب العالمية الثانية ما بين سبعة عشر وعشرين مليوناً بين مدنيين وعسكريين، وخسر البولنديون نحو خمسة ملايين بعضهم من اليهود. وخسر الصينيون ما يزيد على عشرة ملايين ماتوا جوعاً أو قتلاً على يد الاحتلال الياباني. 2 ـ التركيز على المدنيين دون العسكريين. ومع ذلك، فإنه من بين العشرين مليون سوفيتي الذين قُتلوا في الحرب، كان هناك أربعة ملايين ونصف مليون مدني والباقون من العسكريين، ناهيك عن عدة ملايين من الألمان أرسلهم هتلر للموت في ساحة القتال. كما كان هناك كثيرون من جنود الحلفاء ضمن من قُتلوا في الحرب. ويجب ألا ننسى الجنود من الأفارقة والآسيويين الذين جُندوا، رغم أنفهم، ليشتركوا في حروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، حيث كانوا يوضعون في الصفوف الأمامية باعتبارهم مادة بشرية رخيصة. 3 ـ التركيز على الماضي دون الحاضر، وعلى ملايين اليهود الذين هلكوا قبل نحو نصف قرن، دون اهتمام مماثل بالملايين التي أُبيدت بعد ذلك. فقد فقدت كمبوتشيا منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية نحو مليوني شخص، وفَقَدت الجزائر أكثر من مليون شخص، وفقدت أفغانستان منذ الغزو السوفيتي عام 1978 نحو مليون قتيل، فضلاً عن مليوني مهاجر داخل البلد وخمسة ملايين مهاجر إلى خارجها حتى صاروا يمثلون نصف مجموع اللاجئين في العالم. 4 ـ وهناك، بطبيعة الحال، مشكلة ملايين الفلسطينيين الذين طُردوا من ديارهم والذين يخضعون لظروف إرهابية شبه دائمة. لكن التشكيك في مدى دقة الرقم (الستة ملايين) لا يعني بحال من الأحوال التشكيك في الجريمة النازية ذاتها، فالجريمة النازية هي إحدى جرائم الحضارة الغربية الحديثة العديدة التي لا يمكن التهوين من شأنها. وما نهدف أساساً إليه من خلال مناقشة هذه الإشكالية هو تصحيح الرقم ووضع الظاهرة في سياق إنساني عام ومنظور تاريخي شامل، بحيث نُحدِّد هويتها باعتبارها جريمة غربية محددة ضد قطاعات بشرية عديدة بدلاً من أن تكون جريمة ألمانية ضيقة أو جريمة عالمية غير محدَّدة ضد اليهود كلهم، وضد اليهود دون سواهم. ونحن بهذا ننقذ واقعة الإبادة من سخافات الإعلام الغربي والصهيوني، ولعبة الأرقام الطفولية التي تخبئ الأبعاد التاريخية والأخلاقية والإنسانية العامة للواقعة. اختفاء وموت الشعب اليهودي بعد الحرب العالمية الأولى Disappearance and Death of the Jewish People after the First World War يروج المدافعون عن الرؤية الصهيونية للإبادة النازية لرقم ستة ملايين، كجزء من عملية الأيقنة وتحويل الإبادة إلى لغز من الألغاز وسر من الأسرار المقدَّسة. وقد أهمل هؤلاء تماماً بعض العناصر التي أدَّت إلى اختفاء اليهود من خلال عناصر طبيعية مختلفة سنتناولها في هذا القسم. فمن المعروف أن الفترة ما بين عامي 1967 و 1982 شهدت تَناقُص عدد يهود العالم مليوناً، فانخفض من 13.837.500 إلى 12.988.600، دون حدوث إبادة بل دون حالة حرب أو أوبئة. وقد تناقص عددهم لمركب من الأسباب أدَّى إلى ما يُسمَّى «موت الشعب اليهودي» . ومن الواضح أن يهود أوربا، أي أغلبية يهود العالم آنذاك، بدأوا يدخلون في مرحلة التناقص ابتداءً من القرن العشرين، للأسباب التالية: 1 ـ أسباب تؤدي إلى العزوف عن الإنجاب وإلى تناقص الخصوبة ومعدلات التكاثر: أ) أدَّت الهجرة اليهودية الكبرى في نهاية القرن التاسع عشر إلى انتقال أعداد كبيرة من اليهود إلى الولايات المتحدة الأمريكية. ويُقال إن هجرة اليهود قضت تقريباً على اليهود في المرحلة العمرية من عشرين إلى أربعين عاماً، وهي مرحلة الخصوبة التي تجعل بإمكان الجماعة أن تُعيد إنتاج نفسها. ب) كان أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب يضطلعون بدور الجماعة الوظيفية الوسيطة، أي بأعمال التجارة والمال. وكانوا، لهذا، مركزين إما في المدن أو المناطق شبه الحضرية. ومع منتصف القرن التاسع عشر، تصاعد هذا الاتجاه وتزايد تركزهم في المدن بحيث أصبحت أغلبيتهم الساحقة تسكن في المدن عشية الحرب العالمية الثانية، فقد كان ثلث يهود روسيا يوجدون في خمس مدن وبقيتهم تعيش في مدن صغيرة. وكان أربعة وثمانون في المائة من يهود الولايات المتحدة يعيشون في ثماني عشرة مدينة كبيرة ونصفهم في نيويورك. كما كان معظم يهود النمسا في فيينا، ومعظم يهود فرنسا في باريس، وهكذا. ومن المعروف أن سكان المدن من أقل القطاعات البشرية خصوبة. جـ) كان اليهود، حتى عشية الحرب العالمية الثانية، جماعة بشرية مهاجرة، ومن المعروف أن أعضاء مثل هذه الجماعات يعزفون عن الإنجاب لعدم استقرارهم. د) كانت هناك عناصر أخرى أدَّت إلى عزوف اليهود عن الإنجاب، من بينها تحسن مستواهم المعيشي، والقلق الذي كان يعيشه أعضاء الجماعات اليهودية في الفترة بين الحربين وإبَّان الحرب العالمية الثانية، وكذلك تزايد معدلات العلمنة وبالتالي زيادة التوجه نحو اللذة وتحقيق الذات، الأمر الذي يقوض من الرغبة في إنجاب الأطفال. وبالفعل، يُلاحَظ تناقص أعداد اليهود وضمنهم يهود اليديشية. فبعد أن كانوا يتمتعون بأعلى نسبة خصوبة وتَكاثُر بين شعوب الإمبراطورية القيصرية في منتصف القرن التاسع عشر، انخفضت النسبة إلى أقل النسب على الإطلاق في عام 1926. فبعد أن كانت 35.9 في الألف، انخفضت إلى 24.8 في الألف. وفي بولندا، انخفضت النسبة من 28.6 في الألف عام 1900 إلى 12.3 في الألف عام 1925 في وارسو، وإلى 11.6 في الألف في لودز عام 1925. أما يهود المجر، فقد انخفضت النسبة بينهم من 33.91 في الألف في بداية القرن الحالي إلى 10.5 في الألف، أي أنها انخفضت نحو 23.4 في الألف. وكانت نسبة المواليد في بروسيا (ألمانيا) 5.2 في الألف عام 1935 و2 في الألف في لندن عام 1932. وقد حدا هذا الوضع بالكُتَّاب اليهود إلى التحذير من أن يهود أوربا قد يختفون تماماً لأن معدلات المواليد لا تعوض الوفيات. وعلى مستوى العالم، كانت النسبة 5.53 في الألف في الفترة 1822 ـ 1840، انخفضت إلى 19.7 في الألف في الفترة 1898 ـ 1902، ثم إلى 9.1 في الألف عام 1929. كما أنها انخفضت إلى ما دون ذلك لمدة عشرين عاماً (1929 ـ 1949) . وكان معدل نسبة المواليد في الفترة 1906 ـ 1910 هو 32 في الألف، ونسبة الوفيات 15 في الألف، والزيادة الطبيعية هي 17 في الألف. ثم انخفضت إلى نحو النصف في نحو خمسة وعشرين عاماً، ففي الفترة 1926 ـ 1930 كانت نسبة المواليد هي 21 في الألف والوفيات 12 في الألف، والزيادة الطبيعية 9 في الألف (انخفضت إلى 8 في الألف عام 1932) . ولا توجد إحصاءات عن الفترة 1935 ـ 1949 لأنها كانت فترة الحرب، كما أنها أصبحت موضوعاً يحجم كثير من الباحثين عن الخوض فيه. 2 ـ عوامل تؤدي إلى الاختفاء: أ) ابتداء من منتصف القرن التاسع عشر كان يتم تجنيد أعضاء الجماعات اليهودية، وهو أمر جديد كل الجدة، إذ كانوا يتمتعون بالإعفاء من الخدمة العسكرية قبل ذلك، كما سقط منهم ضحايا بأعداد كبيرة في الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية. لكن هذا العنصر لا يؤدي إلى انقاص عدد اليهود مباشرة عن طريق سقوطهم قتلى وحسب وإنما بشكل غير مباشر أيضاً عن طريق زيادة معدل العزوف عن الإنجاب. كما أن العناصر القادرة على القتال هي عادةً من الذكور في سن الخصوبة. ب) تزايد نسبة الزواج المُختلَط بدرجة عالية كانت تصل إلى أكثر من 50% في بعض العواصم الأوربية. جـ) تَنصُّر أعداد كبيرة من اليهود، وهو شكل من الأشكال الحادة للاندماج. وقد تزايد المعدل عشية الحرب العالمية الثانية لأسباب عملية منها الهرب من بطش النازي. كما حصل كثير من اليهود على شهادات تعميد من الكنيسة الكاثوليكية حتى يتيسر لهم دخول أمريكا اللاتينية. وآثرت أعداد كبيرة منهم عدم الإفصاح عن هويتهم اليهودية حتى بعد زوال الخطر. د) ينطبق الشيء نفسه على مئات الألوف من الذين هاجروا إلى روسيا السوفيتية هرباً من النازي. فكثير منهم لم يفصح عن انتمائه اليهودي، خصوصاً وأن الاتحاد السوفيتي (سابقاً) كان يترك لكل شخص أن يحدد انتماءه، فلو كان الشخص يهودياً وعرَّف نفسه بأنه «روسي» أو «أوكراني» فإن الأمر متروك له. ومع تآكل الهوية اليهودية، لم يعد هناك دافع قوي لدى كثير من اليهود للإفصاح عن هويتهم. وقد أشار عالم الاجتماع اليهودي لوريا أنجلمان، عشية الحرب العالمية الثانية، إلى ما سماه «العملية ذات الأبعاد الثلاثة» (تناقص المواليد، وتزايد الوفيات، وتزايد معدلات الاندماج) باعتبارها العملية التي ستؤدي إلى الاختفاء الكامل لليهود. 3 ـ ظروف الحرب العالمية الثانية: لابد أن نضيف إلى كل ذلك ظروف الحرب العالمية الثانية التي صعَّدت من كل العناصر السابقة وزادتها حدة، ولابد أن نأخذ في الاعتبار انتشار الأوبئة وسوء التغذية في نفس الفترة. كما ينبغي الإشارة إلى بعض طرق الإبادة البطيئة غير أفران الغاز، مثل أعمال السخرة وعزل اليهود في الجيتو بمناطق مستقلة مزدحمة يعملون ويعيشون فيها تحت حد الكفاف، وهو ما كان يعني المزيد من الجوع والمرض. ويُقال إن نحو ثلث سكان جيتو وارسو قضوا نحبهم بهذه الطريقة، وإنه كان من المتوقع لهم جميعاً أن يُبادوا تماماً خلال عدة أعوام. (وهذا العنصر هو ولا شك عملية إبادة، إذ لا يهم أن يموت الضحية بأفران الغاز أو عن طريق التجويع. ولكننا نذكر هذا العنصر أيضاً حتى تكتمل الصورة لدينا) . كما هلك الآلاف بسبب حالة الحرب ابتداءً من عدم توفر الرعاية الصحية، وانتهاءً بالغارات على المدن، مروراً بأحكام الإعدام التي كان النازيون يصدرونها على اليهود وغيرهم. وإذا أخذنا في الاعتبار كل هذه العناصر يصبح من الصعب أن نعزو اختفاء الستة ملايين يهودي (أو حتى الأربعة ملايين حسب بعض الإحصاءات) إلى أفران الغاز وحدها أو عمليات الإبادة كتصفية جسدية متعمدة فحسب. إشكالية ملاحقة مجرمي الحرب النازيين The Problematic of Hunting down Nazi War Criminals تقوم إسرائيل بتعقب مجرمي الحرب النازيين بروح انتقامية مفترسة لا يمكن أن توصف إلا بالتطرف، خصوصاً أن الحرب انتهت منذ حوالي خمسين عاماً، أي أن الغالبية الساحقة للشعب الألماني كانوا أطفالاً أثناء الحرب أو لم يكونوا قد وُلدوا بعد. كما أن المحاكمات التي أجراها الحلفاء، والتي تمت بمنهجية وشمولية كاملتين، عاقبت الغالبية الساحقة من مجرمي الحرب النازيين والمتعاونين مع النظام النازي. ومع هذا تستمر عمليات الملاحقة والمحاكمة (كما حدث مع أدولف أيخمان وكلاوس باربي وكورت فالدهايم وجون ديمانجوك) . وتهدف المطاردة المستمرة لمجرمي الحرب النازيين إلى تعميق الإحساس الغربي بالذنب تجاه اليهود وتذكير الشعب الألماني، والشعوب التي قاتلت إلى جانب ألمانيا، بمسئوليتها عن هذه الإبادة وإظهار الإبادة كما لو كانت موجهة ضد اليهود وحسب، وتوظيف هذا الشعور في إضفاء شرعية على الوجود الصهيوني في فلسطين. كما تأتي في سياق السعي إلى تعميق إحساس أعضاء الجماعات اليهودية بهويتهم اليهودية وبالمصير اليهودي المشترك، خصوصاً مع تزايد معدلات الاندماج وتآكل الجانب الديني للهوية اليهودية بين أعضاء الجماعات اليهودية في الدول الأوربية والغربية الحديثة. ومن هنا تأتي ضرورة إحياء ذكرى الإبادة بصفة مستمرة عن طريق عمليات المطاردة للنازيين القدامى وتقديمهم إلى المحاكمة في ظل متابعة إعلامية كثيفة. بالإضافة إلى أن التذكير والتلويح بخطر الإبادة قد يدفع أعضاء الجماعات اليهودية إلى الهجرة إلى إسرائيل. وقد نجحت إسرائيل عام 1979 في إلغاء مبدأ تقادم جرائم مجرمي الحرب في ألمانيا الغربية، ولكنها اعتقلت آلافاً منهم مع أن نسبة إدانتهم في النهاية كانت تتراوح بين تسعة في المائة عام 1964 وواحد ونصف في المائة عام 1976. ففي عام 1972، مثلاً، اعتُقل ستة عشر شخصاً بشبهة أنهم مارتن بورمان (نائب هتلر) ، ثم ثبتت براءتهم جميعاً. وتحت الضغط اليومي المكثف، أنشأت وزارة العدل الأمريكية عام 1980 مكتباً للتحقيق مع مئات الأمريكيين من مجرمي الحرب، ولكنها لم تُوفَّق كثيراً في التوصل إليهم. وفي كندا، صرح كثير من الصهاينة بوجود ما لا يقل عن ستة آلاف من مجرمي الحرب، فأُسِّست في أوائل عام 1985 لجنة للبحث عن مجرمي الحرب (لجنة ديشين Deschênes Commission) وقُدِّم لها 2114 اسماً. كما قدَّم سيمون ويزنتال، المتخصص في تعقب مجرمي الحرب، قائمة من 217 اسماً زعم أنهم أعضاء في فرق الإس. إس. من أوكرانيا وعملوا في جاليشيا. وقد استغرق عمل اللجنة سنتين ثم قدمت تقريرها في ديسمبر 1986، وتبين أن هناك عشرين اسماً فقط، من بين 2114 اسماً، أوصت اللجنة إما بمحاكمتهم أو بترحيلهم. أما قائمة ويزنتال، فقد ظهر أن 187 منهم لم يدخلوا كندا قط. ومن الثلاثين الباقين، حضر اثنان بالفعل إلى كندا ثم غادراها، ومات أحد عشر شخصاً، بينما كان هناك ستة عشر شخصاً لم يثبت أي شيء ضدهم. أما المتهم الوحيد الباقي، فلم يمكن الاستدلال عليه. وقد طلبت اللجنة من ويزنتال أن يزودها بمزيد من الأسماء، ولكنه لم يتمكن من ذلك. وهو أمر متوقع بعد أن قام الحلفاء بعملية «نزع الصبغة النازية عن ألمانيا» . وقد بدأ كثيرون يُعبِّرون عن ضيقهم من عملية الملاحقة. فقد ذكرت صحيفة التايمز البريطانية في عام 1972 أن ثمة دلائل متزايدة على أن الرأي العام صار ضد تعقب الشيوخ بدعوى أنهم مجرمون نازيون. وأشارت جريدة ديلي تلغراف البريطانية إلى أن حراس السجون والكثير من الناس في ألمانيا نفسها يتساءلون عن الحكمة في استمرار محاكمات جرائم النازية بعد مرور كل هذه السنوات على انتهاء الحرب. وعندما زار الكاتب الألماني جونتر جراس إسرائيل عام 1971 صارح شعبها بأنه لا يحب عقلية التوراة التي تقول إن على الجيلين الثاني والثالث أن يحملا وزر جيل سبقهما. وتُعدُّ محاكمة أيخمان وكلاوس باربي وديمانجوك وحادثة فالدهايم نموذجاً لعمليات الملاحقة التي تقوم بها إسرائيل، بكل ما تنطوي عليه من دلالات. محاكمة أيخمان Eichmann Trial أدولف أتو أيخمان (1906 ـ 1962) مسئول نازي وضابط في فرق العاصفة، ومن أهم الشخصيات في عملية الإبادة النازية ليهود أوربا. وُلد في ألمانيا لأسرة متواضعة هاجرت إلى النمسا حيث تلقى تعليمه. عمل بائعاً متجولاً ممثلاً لشركة سوكوني فاكوم من عام 1928 وحتى 1933. انضم أيخمان للحزب النازي في عام 1932، وبدأ منذ عام 1934 يعمل في قسم اليهود بالمخابرات الألمانية، حيث أُرسل إلى فلسطين بدعوة من المستوطنين الصهاينة ليدرس التجربة الصهيونية هناك. فبدأ يدرس اليديشية والعبرية والعقيدة اليهودية، وبحلول عام 1938 أصبح حجة في مسألة التنظيمات الصهيونية والهجرة اليهودية، فأرسله النظام النازي إلى النمسا ليساعد في عملية تهجير أعضاء الجماعة اليهودية. وقد أظهر أيخمان كفاءة غير عادية إذ استخدم أسلوب خطوط التجميع، المستخدم في المصانع، لتسهيل العمل. وبعد عودته إلى برلين عام 1939، عُيِّن مديراً لمركز الرايخ للهجرة اليهودية، ثم عُيِّن فيما بعد رئيساً لقسم الشئون اليهودية في الجستابو حيث قام بالإشراف على عملية نقل اليهود إلى معسكرات الاعتقال. قُبض على أيخمان بعد الحرب، ولكن لم تُكتشف هويته الحقيقية، ففر إلى الأرجنتين عام 1945 واختبأ فيها إلى أن عثر عليه عملاء المخابرات الإسرائيلية عام 1960. وساهم في عملية اكتشاف شخصية أيخمان في الأرجنتين المدعي العام في ألمانيا الغربية، الذي وضع المعلومات التي حصل عليها تحت تصرف المخابرات الإسرائيلية، فأوفدت إسرائيل مجموعة من رجال مخابراتها إلى بيونس أيريس حيث تحققت من شخصية أيخمان، وتم اختطافه ونقله بعد عشرة أيام مخدَّراً متخفياً في زي مضيف جوي على متن طائرة إسرائيلية كانت قد جاءت إلى الأرجنتين تحت ستار نقل وفد إسرائيلي رسمي للاشتراك في احتفال الأرجنتين بالذكرى المائة والخمسين لاستقلالها. وبدأت محاكمة أيخمان في 11 أبريل عام 1961 بالقدس المحتلة، حيث وجه إليه المدعي العام الإسرائيلي جدعون هاوزنر تهمة المشاركة في إبادة يهود أوربا، وتولى الدكتور روبرت سرفاتيوس، الذي تخصص في الدفاع عن مجرمي الحرب النازيين، مهمة الدفاع عن أيخمان. ولم يُنكر أيخمان أو محاميه أياً من الاتهامات الموجهة إليه، ولكنهما ركزا دفاعهما أساساً على أن أيخمان لم يكن سوى موظف في مؤسسة حديثة ضخمة يقوم بتنفيذ الأوامر التي يصدرها إليه رؤساؤه كما كان يُفترض فيه أن يفعل، ولذا فهو مجرد بيروقراطي منفذ للإجراءات دون أن يسأل عن الأهداف، وبالتالي يجب أن يُحاكم على مدى كفاءته أو عدم كفاءته في تنفيذ الأوامر لا على مدى تقييمه الأخلاقي لهذه الأهداف، أي أن أيخمان طالب بأن يُنظر إليه باعتباره إنساناً حديثاً أداتياً يهتم بالإجراءات ويدين بالولاء للمؤسسة التي يعمل فيها ولا يكترث بالقضايا الأخلاقية النهائية. ولكن المحكمة رفضت دفعه، وحكمت عليه بالإعدام. وكان بن جوريون، رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك، يهدف من وراء المحاكمة إلى زيادة الوعي اليهودي بين أعضاء التجمع الاستيطاني وأعضاء الجماعات اليهودية في العالم عن طريق تعميق الإحساس بأنهم الضحية الوحيدة وأن الآخرين أو الأغيار (ممثلين في النازيين) لا تأخذهم الرحمة باليهود. ومع هذا، فجرت المحاكمة عدة قضايا لم يكن من أعدوا لها قد انتبهوا إليها: 1 ـ بيَّن أيخمان أن الرؤية الصهيونية لليهود لا تختلف كثيراً عن رؤيته هو، فكلاهما يؤمن بضرورة تهجير اليهود باعتبارهم شعباً عضوياً منبوذاً إلى أرض خاصة بهم، كما أشار أيخمان إلى أن المسئولين طلبوا منه، عند تعيينه في وظيفته، أن يقرأ كتاب هرتزل دولة اليهود، وأنه تأثر به أيما تأثر، وأنه، في هذا، لا يختلف كثيراً عن الزعماء النازيين الذين تأثروا بالفكر الصهيوني وخصوصاً بوبر. 2 ـ أشار أيخمان إلى التعاون بين السلطات النازية والصهاينة، خصوصاً رودولف كاستنر وجويل براند، وأوضح أنه كانت هناك صفقة هُجِّر بموجبها بضعة يهود «من خيرة العناصر البيولوجية» إلى المستوطَن الصهيوني. كما أُرسلت كميات من البضائع إلى هناك في نظير أن تضمن القيادات الصهيونية هدوء اليهود المرحلين إلى معسكرات الاعتقال. 3 ـ أثار سلوك الضحايا اليهود كثيراً من الدهشة، حيث لاقوا حتفهم دون مقاومة، ولعلهم لو قاوموا لعطلوا آلة الحرب النازية التي كانت مرهَقة. وقد نظر الجيل الجديد من أبناء المستوطن الصهيوني إلى سلوكهم هذا باعتباره سلوكاً نموذجياً ليهودي الجيتو الضعيف (مقابل العبراني الجديد القوي) ، وبالتالي نجم عن المحاكمة مزيد من الرفض ليهود العالم. 4 ـ أثناء تقديمه لعريضة الاتهام، بيَّن المدعي العام الإسرائيلي أن الشعب اليهودي تعرض للاضطهاد والطرد والملاحقة في كل البلاد عبر التاريخ. وهنا تلقف محامي الدفاع هذه الأطروحة وتساءل: ما هي طبيعة هذا الشعب الذي يجد نفسه عُرضة للطرد والملاحقة أينما كان؟ ألا يوجد احتمال أن يكون هذا الشعب مسئولاً عما يلحق به من أذى، وأنه شعب مستفز يضطر كل الشعوب في كل زمان ومكان لطرده وملاحقته؟ وقد أُصيب الحاضرون بالذهول من تساؤلات محامي الدفاع. كما أثارت المحاكمة قضايا أخرى مختلفة مثل دور المجالس اليهودية التي شكلها النازيون وعينوا فيها يهوداً، فكانوا أداة تنفيذية في يد النازي، بالإضافة إلى أسئلة أخرى حول دور كثير من الحاخامات الذين لم يشاركوا في تنظيم حركة المقاومة. وقد كانت المحاكمة محط اهتمام دولي، وخصوصاً أن الدولة الصهيونية انتهكت القانون الدولي وسيادة عدة دول (الأرجنتين وألمانيا) باختطاف أيخمان الذي حُكم عليه بالإعدام، ثم أُعدم شنقاً في سجن الرملة وأُحرقت جثته ونُثر رمادها في البحر الأبيض المتوسط. محاكمة كلاوس باربي Klaus Barbie Trial كلاوس باربي، الذي أُطلق عليه لقب «سفاح ليون» ، هو أحد ضباط الجستابو (البوليس السري الألماني) . وأُدين بارتكاب جرائم الحرب في فرنسا إبَّان الحرب العالمية الثانية. وكان باربي قد تولى عام 1942 قيادة قوات الجستابو في مدينة ليون الفرنسية، كما تولى مهمة تعقب عناصر المقاومة الفرنسية والتصدي لنشاطها. وخلال فترة عمله التي استمرت عامين، قام باربي بترحيل 842 شخصاً من ليون إلى معسكرات الاعتقال النازية، كان نصفهم من عناصر المقاومة والنصف الآخر من اليهود. كما أُدين كلاوس باربي بارتكاب عمليات التعذيب والمذابح ضد عناصر المقاومة والمدنيين في ليون والمناطق المحيطة بها. ورغم ذلك، قامت الاستخبارات المضادة التابعة للجيش الأمريكي المتمركز في ألمانيا بتجنيد باربي للعمل لصالحها عام 1947، فتحول باربي إلى مصدر مهم وقيم للمعلومات (خصوصاً فيما يتعلق بالعناصر اليسارية والشيوعية) ، وهو ما دفع المسئولين الأمريكيين إلى عدم الاستجابة للمطالب الفرنسية بتسليمه للسلطات الفرنسية. بل قاموا بتهريبه إلى بوليفيا عام 1951 حيث عاش تحت اسم مستعار هو كلاوس التمان. وقد قُدِّم باربي للمحاكمة غيابياً في فرنسا في 1952 ـ 1954 حيث أدين بارتكاب المذابح والفظائع وصدر ضده حكم بالإعدام. وفي عام 1971، نجح فرنسيان من جماعة صائدي النازيين من العثور عليه. وأثمرت مساعي فرنسا عن طرده من بوليفيا عام 1983، ثم تقديمه للمحاكمة في فرنسا عام 1987 بتهمتين لم يتم توجيههما إليه من قبل، وصدر ضده حكم بالسجن مدى الحياة. غير أن محاكمته أثارت اهتماماً واسعاً داخل فرنسا وخارجها، حيث تخوَّف بعض أعضاء الجماعة اليهودية من أن ذلك قد يثير المشاعر المعادية لهم أو قد تتحول المحاكمة إلى منبر لنفي الإبادة النازية. ومن ناحية أخرى، انتقد بعض الفرنسيين المحاكمة باعتبار أن الأعمال التي ارتكبها باربي لا تختلف كثيراً عما ارتكتبه قوات الحلفاء حين قتلت المدنيين العزل أثناء قصفها للمدن الألمانية. حادثة فالدهايم Waldheim Affair أثناء حملته الانتخابية لرئاسة النمسا عام 1986، أُثيرت ضد كورت فالدهايم (الأمين العام السابق للأمم المتحدة) قضية ما يُسمَّى «ماضيه النازي» . وقد تزَّعم الحملة ضده المؤتمر اليهودي العالمي الذي اتهم فالدهايم بإخفاء جوانب من ماضيه أثناء الحرب العالمية الثانية وبالكذب حين ادعى عدم ارتباطه بالنازي بأي شكل من الأشكال، مؤكداً أنه كان عضواً في اتحاد الطلبة النازي، وأنه التحق (على حد زعم المؤتمر) بإحدى وحدات قوات العاصفة، بل أُلحق في نهاية عام 1942 بالقوات الألمانية في سالونيكا والتي تولَّت ترحيل اليهود من اليونان إلى معسكرات الاعتقال وقامت بعمليات عسكرية وحشية ضد المقاومة اليوغسلافية ومؤيديها من المدنيين. وفي إطار حملته المكثفة ضد فالدهايم، كشف المؤتمر اليهودي العالمي النقاب عن بعض الوثائق التي ادعى أنها تؤكد إدانة فالدهايم ومن أهمها ملف «أودلو كانمر» (أو القرار) اليوغسلافي الذي ضم قائمة بأسماء الأشخاص الذين كانت السلطات اليوغسلافية تشتبه في تورطهم في ارتكاب جرائم الحرب وكان من بينها اسم فالدهايم. واستناداً إلى هذا الملف، تم ضم اسم فالدهايم إلى ملف لجنة الامم المتحدة لجرائم الحرب. كما قام المؤتمر بإسناد مهمة البحث في ماضي فالدهايم إلى عَالم في التاريخ أشارت نتائج بحثه إلى أن فالدهايم عمل ضابطاً في قسم الاستخبارات العسكرية للجيش المتمركز في غرب البوسنة والذي كانت قواته مسئولة عن ارتكاب المذابح ضد آلاف اليوغسلاف في جبال كوزارا عام 1942، وأن فالدهايم حصل على نوط الشجاعة من الحكومة الكرواتية الموالية لألمانيا في هذه الفترة. وفي ضوء هذه النتائج، حث المؤتمر اليهودي العالمي الحكومة الأمريكية على وضع كورت فالدهايم على قائمة الأجانب غير المرغوب في دخولهم إلى الولايات المتحدة. وقد أقدمت الحكومة الأمريكية على ذلك بالفعل في أبريل عام 1987. ورغم هذه الحملة الإعلامية المكثفة نجح فالدهايم في انتخابات الرئاسة النمساوية، ولكن هذه القضية تركت أثارها على مكانته الدولية حيث رفض كثير من قادة أوربا والولايات المتحدة الالتقاء به أو حتى زيارة النمسا أثناء توليه رئاسة البلاد. وقد نفى فالدهايم مراراً الاتهامات التي وُجِّهت إليه ونفى اشتراكه في عمليات ترحيل لليهود أو في مذابح ضد المقاومة اليوغسلافية واعتبر هذه الاتهامات جزءاً من حملة تشهير وافتراء دولية بدأتها المعارضة النمساوية وتزعمها المؤتمر اليهودي العالمي والصحافة الدولية، وأكد أن ماضيه قد بُحث بشكل واف من قبَل الأجهزة الأمنية النمساوية قبل توليه العمل في السلك الدبلوماسي النمساوي وأيضاً من قبَل أجهزة المخابرات الأمريكية (سي. آي. آيه) والسوفيتية (كي. جي. بي) والإسرائيلية (الموساد) عند ترشيحه لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، ولم تجد أي منها ما يدينه. ولم يتم أبداً إثبات أيٍّ من الاتهامات الموجَّهة ضد فالدهايم، بل تبيَّن فيما بعد أن ملف أودلو كانمر (أهم وثيقة في القضية) تحيط به الشكوك. وقد قامت ثلاث جهات نمساوية وبريطانية ودولية مستقلة بالتحري والبحث في هذه الاتهامات ولم تجد أيٌّ منها ما يدين فالدهايم بأي عمل إجرامي أو يؤكد تورطه فيما نُسب إليه. وقد ساعد ذلك على فك العزلة المضروبة من حوله إلى حدٍّ ما، فالتقى به البابا عام 1987 ثم رئيسا ألمانيا وتشيكوسلوفاكيا عام 1990، كما رحَّبت به عدد من الدول العربية. ومن ناحية أخرى، كانت هذه القضية محاولة ناجحة إلى حدٍّ كبير للنيل من سمعة كورت فالدهايم التي شهدت الأمم المتحدة خلال فترة توليه منصب الأمين العام (1971 - 1982) دعوة ياسر عرفات رئيس منظمة التحرير الفلسطينية، ولأول مرة، لإلقاء كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وكذلك صدور قرار يعتبر الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية. محاكمة ديمانجوك Demanjuk Trial جون ديمانجوك مواطن أمريكي من أصل أوكراني اتُهم بارتكاب جرائم حرب إبَّان الحرب العالمية الثانية. وأشارت الاتهامات والادعاءات الموجَّهة إليه، إلى أنه كان يقاتل في صفوف الجيش السوفيتي حينما وقع في أسر الألمان ورُحِّل إلى أحد معسكرات أسرى الحرب. وأثناء ذلك، وافق ديمانجوك على الانضمام إلى إحدى الوحدات العسكرية المشكلة من الأجانب والعاملة في خدمة قوات الإس. إس. الألمانية. وقد تدرب أولاً في أعمال الحراسة ثم نُقل إلى معسكر تربلينكا حيث أشرف على غرف الغاز وأُطلق عليه لقب «إيفان الرهيب» بسبب قسوته البالغة، وظل في المعسكر حتى إغلاقه عام 1943. ومع انتهاء الحرب، انتقل ديمانجوك إلى الولايات المتحدة حيث عاش حياة هادئة إلى أن علمت السلطات الأمريكية بماضيه، فقامت بتجريده من جنسيته الأمريكية. وفي عام 1986، تم ترحيله إلى إسرائيل حيث قُدِّم للمحاكمة عام 1987 بعد أن وُجِّهت إليه اتهامات بالقتل وارتكاب جرائم ضد الإنسانية وارتكاب جرائم ضد الشعب اليهودي. وقد أكد الدفاع أن هناك خطأً ولبساً في شخصية المتهم، فجون ديمانجوك ليس هو «إيفان الرهيب» ، كما شكك الدفاع في الأدلة المقدمة ضده وفي قدرة الشهود على تذكر أحداث جرت منذ أكثر من 54 عاماً. ورغم ذلك، أُدين ديمانجوك بالتهم الموجهة إليه وحُكم عليه بالإعدام عام 1988. وبطبيعة الحال، حاولت المؤسسة الصهيونية استثمار عملية المحاكمة نفسها، بغض النظر عن نتائجها، في تحقيق أهدافها الخاصة برفع ما يُسمَّى «الوعي اليهودي» بين الأجيال الجديدة من أعضاء الجماعات اليهودية. كما حاولت تذكير العالم (الغربي) بالجرم النازي ضد اليهود، وذلك في محاولة للتغطية على القمع الإرهابي الذي تمارسه إسرائيل للقضاء على الانتفاضة الفلسطينية. ولكن محاكمة ديمانجوك تبين أن هذه العملية تقترب من نهايتها. فقد اعترف بعض المسئولين الأمريكيين (في مكتب التحقيقيات التابع لوزارة العدل الأمريكية) بجرمهم في إخفاء الأوراق التي تثبت أن ديمانجوك ليس إيفان الرهيب. وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي وفتح كثير من الملفات السرية، ظهرت دلائل جديدة تؤكد أن ديمانجوك ليس هو إيفان الرهيب وأنه عمل حارساً في معسكر آخر غير تربلينكا. وكتبت النيويورك تايمز تقول إنه لابد من الإفراج عنه لعدم توافر أية أدلة، ونبه باتريك بوكانان عن الحزب الجمهوري) إلى أن السلطات الإسرائيلية تماطل في إصدار الحكم ببراءة ديمانجوك على أمل أن يموت في السجن ولا تضطر إسرائيل إلى الاعتراف بخطئها. بل إن الصحف الإسرائيلية ذاتها بدأت تنبه إلى أن الاستمرار في مثل هذه المحاكمات قد يؤدي إلى نتائج عكسية. ولعل حكم البراءة الذي اضطرت المحكمة الإسرائيلية العليا إلى إصداره في عام 1993 هو نهاية هذه المهزلة. وقد عاد ديمانجوك فيما بعد إلى الولايات المتحدة. سيمون وزنتال (1908?-) Simon Wiesenthal يهودي من أصل تشيكي تخصص في مطاردة مجرمي الحرب النازيين. وُلد وتعلم في تشيكوسلوفاكيا حيث حصل على شهادة في العمارة عام 1940. اعتقله النازيون في الفترة 1941 - 1945. وبعد الحرب، انضم ويزنتال إلى اللجنة الأمريكية لجرائم الحرب. وأسس عام 1946، هو وآخرون، مركز التوثيق التاريخي اليهودي الذي يوجد الآن في فيينا بالنمسا. وقد نجح ويزنتال في المساعدة على القبض على 1100 مجرم نازي من بينهم أيخمان. وقد نشر ويزنتال مقالاً في التورنتوستار (19 مايو 1971) زعم فيه أن «عدة مئات» من مجرمي الحرب النازيين يعيشون في كندا. وحينما شُكِّلت لجنة للتحقيق لم يُقدَّم سوى 217 اسماً، ولكن ثبت أن غالبيتهم الساحقة (187 اسماً) لم يدخلوا كندا قط، والباقون إما ماتوا أو غادروا كندا أو لم يمكن العثور على أي دليل على تورطهم في جرائم الحرب، وقد أثر هذا كثيراً في مصداقيته. بعض التغيرات التي طرأت على الخطاب الغربي فيما يتصل بالإبادة النازية ليهود أوربا Some Developments of the Western Discourse on the Nazi Extermination of European Jewry رغم كل الهستريا الإعلامية الصهيونية وغير الصهيونية ضد أية محاولة لتناول ظاهرة الإبادة بعقلانية واتزان، يمكن أن نلاحظ تغيرات هامة بدأت تدخل على الخطاب الغربي فيما يتصل بالإبادة النازية: 1 ـ بدأت محاولات إسرائيل في استخدام الإبادة لتبرير استمرارها في ارتكاب الجرائم ضد الفلسطينيين تصبح أمراً ممجوجاً، وبدأ بعض المفكرين اليهود وغير اليهود يُعبِّرون عن رفضهم لمثل هذا المنطق الابتزازي. كما بدأ كثير من يهود العالم يضيقون ذرعاً بجعل الإبادة هي النقطة المرجعية النهائية في رؤيتهم للكون والأغيار. 2 ـ بدأ الخطاب السياسي في الغرب وفي إسرائيل يرفض التابو (التحريم) الذي يمنع تشبيه الإبادة النازية ليهود الغرب بأحداث مماثلة في التاريخ الماضي والوقت الحاضر. وقد تجرأ عدة متحدثين غربيين (من بينهم يهود) على تشبيه ما يحدث للفلسطينيين على يد الإسرائيليين بما حدث لليهود في أوربا على يد النازيين. فعلى سبيل المثال، صرح الكاتب الإسرائيلي يهوشاوا بأنه يفهم الآن سبب جهل الألمان بما حدث لليهود بعد أن رأى الإسرائيليين يرفضون معرفة ما يحدث للفلسطينيين. ويشير اليهود السفارد والشرقيون إلى اليهود الغربيين بأنهم «إشكي نازي» وهو نوع من التلاعب بالألفاظ يشير إلى أن ما كان محرماً أصبح مباحاً. ووصف البروفسير لايبوفيتز سياسة إسرائيل في لبنان بأنها نازية يهودية (بالإنجليزية: جوديو/نازي Judeo-Nazi) . 3 ـ نعتقد أن الأمور بعد توحيد ألمانيا وتحوُّلها إلى قوة عظمى ستتغيَّر كثيراً، وسيُنظَر إلى حادثة الإبادة النازية ليهود أوربا نظرة أكثر تفسيرية وتركيباً واتزاناً. كما أن كثيراً من الوثائق الألمانية والسوفيتية التي لم تُنشَر بعد ستجد طريقها إلى النشر. ولعل هذا يوفر جواً علمياً أكثر استقراراً وطمأنينة، بعيداً عن هستريا الأيقنة الكاملة للإبادة لصالح اليهود، وعن هستريا الإنكار الكامل لها (بالمعنى العام، أي الإبادة عن طريق التجويع والسخرة؛ والمعنى الخاص، أي التصفية الجسدية) . |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
التعاون بين بعض أعضاء الجماعات اليهودية والنازيين
Collaboration between Some Members of the Jewish Communities and the Nazis من الموضوعات التي لم يتم بحثها بالقدر الكافي، لأسباب معروفة، قضية تورُّط بعض أعضاء الجماعات اليهودية (من الصهاينة وغير الصهاينة) في علاقة تعاون وثيقة مع النازيين. وقد أخذ هذا التعاون أشكالاً كثيرة من بينها عدم الاشتراك في المقاومة أو التعاون الاقتصادي والثقافي مع النازيين. ولكن أهم أشكال التعاون وأوثقها هو التعاون المؤسَّسي بين المستوطنين الصهاينة والنظام النازي والنظام الفاشي الذي أخذ شكل معاهدة الهعفراه. ومن أهم الشخصيات الصهيونية التي تعاونت مع النازي ألفريد نوسيج. مقاومة الجماعات اليهودية للنازية Jewish Resistance to Nazism يُثير بعض الدارسين تساؤلاً بخصوص المقاومة اليهودية والصهيونية للنازيين، وهي مسألة خلافية مركبة. ومما يجدر ذكره أنه حين استولى هتلر على السلطة عام 1933، ظلت هناك جيوب رافضة داخل المجتمع الألماني صعَّدت المقاومة ضده من منظور ليبرالي. كما كانت هناك حركة مقاومة ثورية نظمتها الأحزاب الشيوعية والاشتراكية، فالنازية حركة شمولية تقف ضد مصلحة الطبقة العاملة. كما كانت هناك مقاومة من منظور يميني تدعمها قطاعات معينة من الرأسمالية الألمانية الكبيرة. وكانت هناك أيضاً مقاومة من منظور تقليدي أرستقراطي باعتبار أن النازية تقضي على امتيازات الطبقة الأرستقراطية الألمانية التقليدية ومكانتها. إذ كانت النازية، على مستوى من المستويات، عملية تحديث سريعة وراديكالية تمت تحت إشراف عناصر من البورجوازية الصغيرة لا تحترم التقاليد وتقضي على سائر الخصوصيات وتحاول أن تنجز في عشرة أعوام ما أنجزته أوربا في مئات الأعوام. وقد تمركزت المقاومة التقليدية في الجيش ووزارة الخارجية، وكانا يضمان أعداداً كبيرة من أعضاء الطبقة الأرستقراطية. وبالمثل قام البولنديون بحركة مقاومة عنيفة ضد النازيين، هذا بخلاف حركات المقاومة في فرنسا وغيرها من الدول. وقد بيَّن كثير من الكُتَّاب أنه لم تنشأ أية مقاومة يهودية في أرجاء أوربا، مع أن مثل هذه المقاومة كان بوسعها أن تصيب آلة الإبادة النازية بالشلل أو تحد من سرعتها أو تعطلها، خصوصاً أنها كانت مرهَقَة. ولم تبدأ المقاومة اليهودية جدياً في وارسو، التي كان 45 في المائة من سكانها من اليهود، إلا في أوائل عام 1943، عندما بدأت موازين القوى تميل لصالح الحلفاء وحين قررت برلين تدمير حارة اليهود، وكان الوقت قد فات على إنقاذ نزلاء المعسكرات. ومن الأسباب الأساسية التي يطرحها البعض لتفسير ضعف المقاومة اليهودية رغم الشراسة النازية هو الموقف الصهيوني، إذ يبدو أن الصهاينة لم يبدوا حماساً كبيراً في حربهم ضد النازية، وكانوا غير مكترثين بالمقاومة ضد النازيين. وفي مجال هجومه على المشروع الصهيوني، حذر المفكر الاشتراكي كارل كاوتسكي من الآثار الضارة للصهيونية التي توجه جهود اليهود وثرواتهم إلى الاتجاه الخاطئ (الاستيطان في فلسطين) في وقت تتقرر فيه مصائرهم في مسرح مختلف تماماً (أوربا وألمانيا) حيث يجب عليهم أن يركزوا فيه كل قواهم. وكان كاوتسكي يشير بذلك إلى أن ملايين اليهود في شرق أوربا (بين ثمانية وعشرة ملايين) لم يكن من الممكن تهجيرهم إلى فلسطين. وبدلاً من تنظيمهم وتوجيه طاقاتهم، حتى يكونوا مهيئين للدفاع عن أنفسهم حينما تقع الواقعة، كانت القيادات الصهيونية تركز على تهجير بضع مئات منهم إلى أرض الميعاد. ولكن الاعتبارات الصهيونية كانت مختلفة تمام الاختلاف عن ذلك، إذ قرر الصهاينة اتخاذ موقف الحياد من المقاومة، باعتبار أن اليهود لهم مصالحهم وحروبهم المختلفة، وأن هدفهم الوحيد هو تأسيس الدولة الصهيونية. ولذا نادى كثير من الصهاينة بعدم الاشتراك في الحركات المعادية للنازية والفاشية. وقد بيَّن ماريك إيديلمان، أحد قواد تمرد جيتو وارسو، في حديث له مع مجلة هآرتس أن الأبطال الحقيقيين للمقاومة كانوا أعضاء حزب البوند واليهود المعادين للصهيونية والشيوعيين والتروتسكيين والصهاينة اليساريين، أما أعضاء التيار الصهيوني الأساسي فكان موقفهم هو موقف الحياد إياه. وكلما كان النضال ضد النازية يزداد ضراوة، كان الصهاينة يزدادون ابتعاداً عن بقية اليهود. ومن المعروف أن القوات النازية كانت تقيم مجالس لليهود في البلاد التي تحتلها بعد حل كل التنظيمات اليهودية، ويُقال إن أغلبية أعضاء هذه المجالس كانوا من الصهاينة (وإن كان هذا يحتاج إلى مزيد من التمحيص) . ومن الثابت تاريخياً أن المجالس اليهودية كانت أداة ذات كفاءة عالية في إدارة عملية الإبادة. وقد تعاون كثير من الأفراد اليهود (غير الصهاينة) مع النازيين، وهم في هذا لا يختلفون عن مئات الأوربيين الآخرين الذين كانوا مجرد موظفين ينفذون الأوامر التي تَصدُر إليهم. كما لم يكترث يهود فرنسا بنقل اليهود الذين ليسوا من أصل فرنسي، تماماً مثلما أظهر يهود ألمانيا عدم اكتراث بنقل اليهود الأوست يودين (أي يهود شرق أوربا) . بل إن بعض الكُتَّاب اليهود أثاروا قضية دور الحاخامات في أوربا وفشلهم في قيادة حركة المقاومة. ومن المعروف أن قساً كاثوليكياً وواعظاً بروتستانتياً تطوعا للذهاب مع المرحلين إلى معسكرات الاعتقال، بينما لم تلعب الحاخامية دوراً مماثلاً. والموضوع، كما أسلفنا، خلافي للغاية، فثمة نظرية تذهب إلى أن المقاومة لم تكن على أية حال لتجدي فتيلاً، وذلك لأن الأغلبية الساحقة من الشعب الألماني لم تكن تمانع في الإبادة، كما أن آلة الحرب والمخابرات والإبادة الألمانية كانت على درجة عالية من الكفاءة والقدرة على الفتك. ومن الممكن تطبيق نفس المقولة على هؤلاء الأغيار المتهمين بعدم مقاومة النازي، فلعلهم توصلوا هم أيضاً إلى عدم جدوى المقاومة. ولكن هذا القول الذي ينطبق على الجماعة اليهودية في ألمانيا لا يسري بأية حال على يهود بولندا الذين كانوا يُشكِّلون كثافة سكانية لا بأس بها، وكان بوسعهم المقاومة والانضمام إلى الشعب البولندي الذي كان يقاوم الغزو النازي. ومن القضايا الأخرى التي تُثار في هذا السياق موقف المستوطنين الصهاينة. فقد كانت إحدى دعاوى إقامة الدولة الصهيونية أنها ستكون ملجأ لليهود يحميهم من هجمات الأغيار ومذابحهم. ولكن حينما دخلت قوات روميل حدود مصر وبدأت تتقدم نحو الإسكندرية، اكتشف المستوطنون الصهاينة عبث المقاومة، بل ضعت بعض الكيبوتسات خطة للانتحار. والقدرة على الانتحار تختلف بشكل جوهري (في تصورنا) عن المقاومة والإنقاذ. ولكن ما يهمنا هنا هو الإشارة إلى أن الانتحار يفقد الجيب الصهيوني شرعيته كملجأ أخير ونهائي لليهود. ويبدو أن يهود الولايات المتحدة (الذين يُشكِّلون أكبر جماعة يهودية في العالم) لم يلعبوا دوراً فعالاً بما فيه الكفاية في محاولة حماية يهود ألمانيا. وقد حاولت إحدى المنظمات اليهودية الأمريكية، عام 1981، فتح ملف تقصير الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة، ولكنها أغلقته بسرعة بدعوى أن الموضوع محرج ومؤلم، وهو كذلك بالفعل. لكن هذا لا يبرر إغلاق التحقيق، وخصوصاً أن الاتهامات الصهيونية للحكومة الأمريكية والفاتيكان والكنيسة بالتقصير لم تتوقف. الفاشية والصهيونية Fascism and Zionism من أهم الأفكار الغربية التي نبتت الصهيونية في تربتها، الأفكار السياسية الخاصة بالقومية العضوية وبالدولة القومية باعتبارها المرجعية الوحيدة والركيزة الأساسية للنسق، وهي الأفكار التي تصبح تقديساً للدولة وانصياعاً لزعيمها في الأنساق الشمولية. وقد تبنت الصهيونية كل هذه الأفكار وتحركت في إطارها، فأنشأت علاقة مع النظام الفاشي (في إيطاليا) والنظام النازي (في ألمانيا) . وقد أكد موسوليني منذ بداية حكمه أن الفاشيه لا علاقة لها بالعداء لليهود. وفي 30 أكتوبر 1930 أصدر قراراً بدمج كل التجمعات اليهودية في إيطاليا في اتحاد فاشي يمثل كل يهود إيطاليا بغير استثناء، وأصبح هذا الاتحاد إحدى الوكالات الرسمية للحكومة الفاشية. حيث نصت المادة 35 من قانون تأسيس هذا الاتحاد على أن اليهود هم سفراء الفاشية للعالم، وعلى ضرورة أن يشترك اتحاد التجمعات اليهودية في إيطاليا في النشاطات الدينية والاجتماعية ليهود العالم، وأن يحتفظ بعلاقاته الدينية والثقافية معهم. وفي يناير 1923 قام حاييم وايزمان بوصفه رئيس المنظمة الصهيونية بزيارة موسوليني، لمحاورته بشأن الصهيونية والدعم الفاشي الممكن تقديمه إلى الحركة. واكتشف الزعيم الصهيوني أن اعتراض موسوليني على الصهيونية مرده إحساسه بأن الصهيونية أداة لإضعاف الدول الإسلامية لصالح الإمبراطورية البريطانية. فرد وايزمان عليه رداً مقنعاً بيَّن له فيه أن إضعاف الدول الإسلامية سيعود أيضاً على إيطاليا بالنفع، وأضاف أن شروط حكومة الانتداب ذاتها تفتح المجال أمام إيطاليا أو أية دولة أخرى للمشاركة في تطوير هذا البلد (أي تصدير العمالة الفائضة والحصول على امتيازات تجارية، على حد قول وايزمان) ، وأن في وسع إيطاليا أن تفعل ذلك إذ اعتمدت الميزانية اللازمة. وانتهى الاجتماع بتفاهم كامل بين الطرفين، سمح موسوليني على أثره بتعيين يهودي إيطالي في الوكالة اليهودية. وحينما دُعي وايزمان مرة أخرى إلى إيطاليا في سبتمبر 1926، عرض موسوليني أن يُقدم المساعدة للصهاينة كي يبنوا اقتصادهم، وقامت الصحافة الفاشية بنشر مقالات مؤيدة للصهاينة. كما قام ناحوم سوكولوف، باعتباره رئيس اللجنة التنفيذية في المنظمة الصهيونية، بزيارة إيطاليا عام 1927 وصرح بأنه أدرك الطبيعة الحقة للفاشية، وأكد أن اليهود الحقيقيين لم يحاربوا قط ضدها. ولا شك في أن كلماته هذه تحمل معنى التأييد الكامل للنظام الفاشي، وقد تبعته في ذلك المنظمة الصهيونية في إيطاليا. ومن الزعماء الصهاينة الذين زاروا إيطاليا الفاشية، ناحوم جولدمان الرئيس السابق للمؤتمر اليهودي العالمي الذي استمع إلى الزعيم الإيطالي وهو يُعرب عن حماسه للمشروع الصهيوني وعن استعداده الكامل لمساندته. وقد تعلم جابوتنسكي الكثير من الفاشية الغربية، وكان يُعبِّر عن إعجابه الشديد بالدوتشي وفكره، وبالتنظيمات الشبابية الفاشية التي حاولت المنظمات الشبابية التصحيحية التشبه بها في زيها الرسمي. وكال موسوليني المديح والتقريظ لجابوتنسكي حين قال مرة للحاخام ديفيد براتو الذي أصبح فيما بعد حاخام روما: «كي تنجح الصهيونية يجب أن تحصلوا على دولة يهودية لها علم يهودي ولغة يهودية، والشخص الذي يفهم ذلك حقاً هو الفاشي جابوتنسكي» . كما نعت موسوليني نفسه ضمناً بأنه صهيوني يدافع عن فكرة الدولة اليهودية. ورغم أن جابوتنسكي لم يكن يرتاح أحياناً إلى وصفه بالفاشي، فإن موقفه بشكل عام كان موقف المؤيد للفاشية والمعجب بها. النازية والصهيونية: الأصول الفكرية المشتركة والتماثل البنيوي Nazism and Zionism (Common Intellectual Origins and Structural Parallelism) رغم الدعاية الصهيونية الشرسة وتأكيد احتكار اليهود لدور الضحية في عملية الإبادة التي قام بها النازيون ضد كثير من الشعوب والأقليات الإثنية والدينية والعرْقية، فإن ثمة علاقة وطيدة بين الصهيونية والنازية تستحق الدراسة. وقد يكون من المفيد ابتداءً أن نقرر أن النازية والصهيونية ليستا بأية حال انحرافاً عن الحضارة الغربية الحديثة بل يمثلان تيارين أساسيين فيها. ولعل أكبر دليل على أن الصهيونية جزء أصيل من الحضارة الغربية أن الغرب يحاول تعويض اليهود عما لحق بهم على يد النازيين بإنشاء الدولة الصهيونية على جثث الفلسطينيين، وكأن جريمة أوشفيتس يمكن أن تُمحَى بارتكاب جريمة دير ياسين أو مذبحة بيروت أو مذبحة قانا. وقد أنجزت الصهيونية ما أنجزت من اغتصاب للأرض وطرد وإبادة للفلسطينيين من خلال التشكيل الإمبريالي الغربي، واستخدمت كل أدواته من غزو وقمع وترحيل وتهجير. والغرب، الذي أفرز هتلر وغزواته، هو نفسه الذي نظر بإعجاب إلى الغزو الإسرائيلي لجنوب لبنان وبيروت وأنحاء أخرى من العالم العربي. وهو الذي ينظر بحياد وموضوعية داروينية للجريمة التي ارتكبت والتي تُرتكب يومياً ضد الشعب الفلسطيني. ولابد أن نقرر أن الصهيونية لم تقم بعملية إبادة شاملة (بمعنى التصفية الجسدية) للفلسطينيين، إلا أن هذا يرجع إلى اعتبارات عملية عديدة لا علاقة لها بالبنية الإبادية للأيديولوجية الصهيونية، من بينها تأخر التجربة الصهيونية إلى أواخر القرن التاسع عشر، وعدم إعلان الدولة الصهيونية إلا في منتصف القرن العشرين، وهو ما جعل الإبادة مسألة عسيرة بسبب وجود المنظمات الدولية والإعلام. كما كان شأن الكثافة السكانية العربية وتماسك العرب وانتمائهم إلى تشكيل حضاري مركب ومقدرتهم على التنظيم والمقاومة والانتفاضة أن أصبحت الإبادة حلاًّ مستحيلاً (ومع هذا لابد من الإشارة إلى عمليات الإبادة الجسدية والتي تمت في صفد ودير ياسين وكفر قاسم، وغيرها من مدن وقرى في فلسطين، حيث لم تكن الممارسة الصهيونية تهدف إلى تهجير الفلسطينيين، بقدر ما كانت تهدف إلى قتلهم وإبادتهم. وبالمثل كانت عملية صابرا وشاتيلا ذات طابع إبادي واضح) . كما أن الإبادة بمعنى التهجير والتسخير والقمع والاستغلال هي حدث يومي داخل الإطار الصهيوني. إن الحضارة الغربية الحديثة هي التي أفرزت الإمبريالية والنفعية الداروينية والنازية والصهيونية، ولذا فليس من المستغرب أن نجد مجموعة من الأفكار المشتركة بين الرؤيتين النازية والصهيونية التي تُشكِّل الإطار الحاكم لكل منهما: 1 ـ القومية العضوية والتأكيد على روابط الدم والتراب، وهو ما يؤدي إلى استبعاد الآخر (الشعب العضوي المنبوذ (. 2 ـ النظريات العرْقية. 3 ـ تقديس الدولة. 4 ـ النزعة الداروينية النيتشوية. كما يظهر التماثل البنيوي بين النازية والصهيونية في خطابهما. فكلاهما يستخدم مصطلحات القومية العضوية مثل «الشعب العضوي (فولك) » و «الرابطة الأزلية بين الشعب وتراثه وأرضه» و «الشعب المختار» . وقد سُئل هتلر عن سبب معاداته لليهود، فكانت إجابته قصيرة بقدر ما كانت قاسية: "لا يمكن أن يكون هناك شعبان مختاران. ونحن وحدنا شعب الإله المختار. هل هذه إجابة شافية على السؤال؟ ". ويتحدث مارتن بوبر عن أن الرابطة بين اليهود وأرضهم هي رابطة الدم والتربة، ومن ثم يطالب بضرورة العودة إلى فلسطين حيث توجد التربة التي يمكن للدم اليهودي أن يتفاعل معها ويبدع من خلالها، وهي مسألة أشار إليها كل من الكاتبين الصهيونيين ميخا بيرديشفكي وشاؤول تشرنحوفسكي، حيث تحدثا عن الشعب العضوي اليهودي بالعبارات نفسها ونسبا إليه الخصائص نفسها. كما استخدم الصهاينة مفهوم «الدم اليهودي» لتعريف الهوية اليهودية. وأثناء محاكمات نورمبرج، كان الزعماء النازيون يؤكدون، الواحد تلو الآخر، أن الموقف النازي من اليهود تمت صياغته من خلال الأدبيات الصهيونية، خصوصاً كتابات بوبر عن الدم والتربة. وقد أشار ألفريد روزنبرج، أهم المنظرين النازيين، إلى أن «بوبر على وجه الخصوص هو الذي أعلن أن اليهود يجب أن يعودوا إلى أرض آسيا، فهناك فقط يمكنهم العثور على جذور الدم اليهودي» . ولعله، بهذا، كان يشير إلى حديث بوبر عن اليهود باعتبارهم آسيويين حيث يقول «لأنهم إذا كانوا قد طُردوا من فلسطين، ففلسطين لم تُطرد منهم» . ومن الموضوعات الأساسية المشتركة فكرة النقاء العرْقي. وكان سترايخر (المُنظر النازي) يؤكد أثناء محاكمته، أنه تعلم هذه الفكرة من النبي عزرا: لقد أكدت دائماً حقيقة أن اليهود يجب أن يكونوا النموذج الذي يجب أن تحتذيه كل الأجناس، فلقد خلقوا قانوناً عنصرياً لأنفسهم، قانون موسى الذي يقول: "إذا دخلت بلداً أجنبياً فلن تتزوج من نساء أجنبيات". وكانت الأدبيات الصهيونية الخاصة بنقاء اليهود العرْقي ثرية إلى أقصى حد في أوربا حتى نهاية الثلاثينيات. ويستخدم النازيون والصهاينة على حد سواء الخطاب النيتشوي الدارويني نفسه المبني على تمجيد القوة وإسقاط القيمة الأخلاقية. إذ يستخدم الصهاينة ـ شأنهم في هذا شأن النازيين ـ مصطلحاً محايداً، فهم لا يتحدثون عن طرد الفلسطينيين وإنما عن "تهجيرهم" أو "دمجهم في المجتمعات العربية". وهم لا يتحدثون مطلقاً عن «تفتيت العالم العربي» وإنما عن "المنطقة"، ولا يتحدثون عن «الاستيلاء» على القدس وإنما عن "توحيدها" ولا عن الاستيلاء على فلسطين أو «احتلالها» وإنما عن "استقلال" إسرائيل أو عن "عودة الشعب اليهودي" إلى أرض أجداده. ويتضح التطابق بين النازيين والصهاينة بكل جلاء في واحد من أهم التنظيمات النازية. فقد كان النازيون ـ شأنهم شأن أية عقيدة تدور في إطار القومية العضوية ـ يؤمنون بوجود دياسبورا ألمانية ( «أوسلاندويتش Auslandeutsch» ) تربطها روابط عضوية بالأرض الألمانية. وأعضاء هذا الشتات الألماني مثل أعضاء الشتات اليهودي يدينون بالولاء للوطن الأم ويجب أن يعملوا من أجله. وربما لأن العودة للوطن الأم أمر عسير، كما هو الحال مع الصهاينة، اقترح النازيون ما يشبه نازية الشتات (مثل صهيونية الشتات) عن طريق تشجيع الألمان في الخارج على دراسة الحضارة واللغة الألمانيتين. وكان للنازيين ما يشبه المنظمة النازية العالمية التي كانت لها صلاحيات تشبه صلاحيات المنظمة الصهيونية العالمية، وكانت لها مكانة في ألمانيا تشبه من بعض الوجوه مكانة المنظمة الصهيونية في إسرائيل. وقد تعاون الألمان، في كل أنحاء العالم مع السفراء والقناصل الألمان، تماماً كما يتعاون اليهود والصهاينة مع سفراء وقناصل إسرائيل في بلادهم. ولنا أن نلاحظ الأصول الألمانية الراسخة للزعماء الصهاينة الذين صاغوا الأطروحات الصهيونية الأساسية. فتيودور هرتزل وماكس نوردو وألفريد نوسيج وأوتو ووربورج كانوا إما من ألمانيا أو النمسا يكتبون بالألمانية ويتحدثون بها، كما كانوا ملمين بالتقاليد الحضارية الألمانية ويكنون لها الإعجاب ولا يكنون احتراماً كبيراً للحضارات السلافية (وقد غيَّر هرتزل اسمه من «بنيامين» إلى «تيودور» حتى يؤلمن اسمه، وسمَّى ماكس نوردو نفسه بهذا الاسم لإعجابه الشديد بالنورديين) . ولا يختلف زعماء يهود اليديشية عن ذلك، فلغتهم اليديشية هي رطانة ألمانية أساساً. ومن جهة أخرى، كانت لغة المؤتمرات الصهيونية الأولى هي الألمانية، كما توجه الزعماء الصهاينة أول ما توجهوا لقيصر ألمانيا لكي يتبنى المشروع الصهيوني. وقد أكد جولدمان أن هرتزل قد وصل إلى فكرته القومية (العضوية) من خلال معرفته بالفكر والحضارة الألمانيين. وكان كثير من المستوطنين الصهاينة يكنون الإعجاب للنازية، وأظهروا تفهماً عميقاً لها ولمُثُلها ولنجاحها في إنقاذ ألمانيا. بل عدوا النازية حركة تحرر وطني. وقد سجل حاييم كابلان، وهو صهيوني كان موجوداً في جيتو وارسو (حينما كان تحت حكم النازي) ، أنه لا يوجد أي تناقض بين رؤية الصهاينة والنازيين للعالم فيما يخص المسألة اليهودية، فكلتاهما تهدف إلى الهجرة، وكلتاهما ترى أن اليهود لا مكان لهم في الحضارات الأجنبية. وقد ظهرت في ألمانيا، في الثلاثينيات، جماعة من المفكرين الدينيين اللوثريين الذين أدركوا العناصر الفكرية المشتركة بين النازية الصهيونية وأبعادها العدمية. ومن هؤلاء هاينريش فريك الذي حذر اليهود من فكرة الشعب العضوي التي يدافع عنها النازيون والصهاينة، كما عَرَّف كلاً من النازية والصهيونية بأنهما حركتان حولتا النزعة الأرضية (الارتباط بالأرض) والدنيوية (الارتباط بالدنيا) ، وهما من الأمور المادية، إلى كيانات ميتافيزيقية، أي إلى دين. وأشار إلى أن النازية والصهيونية تتبنيان الرأي القائل بأن ألمانيا لا يمكنها أن تقبل اليهود أو تظهر التسامح تجاههم. وفي عام 1926، حدد فيلي ستارك ما تصوره موقف المسيحية من مسألة الشعب العضوي. فأشار إلى نقط التشابه بين الصهيونية والنازية، فكلتاهما تدور حول قيمة مطلقة تحيطها القداسة الدينية، الدم والتربة، وهي قيمة تضرب بجذورها في المشاعر الأسطورية الكونية، وفي ممالك الأرض بدلاً من مملكة السماء. ومن ثم، توصَّل فيلي ستارك إلى أنه لا يوجد أي مجال للتفاهم بين المسيحية وعبادة الشعب العضوي (فولك) الصهيونية أو النازية. كما توصل إلى أن كلاً من الصهيونية (التي تحاول أن تؤسس الهيكل الثالث أي الدولة الصهيونية) والنازية (التي أسست الرايخ الثالث أي الدولة النازية) تجسيد لعدم فهم البُعد المجازي في العقيدة الألفية الاسترجاعية في المسيحية. وبالتالي، فإن كلتا الحركتين ضرب من ضروب المشيحانية السياسية (الأخروية العلمانية) التي تحوِّل الدنيوي المدنَّس إلى مقدَّس، وبذلك يُمثل كل منهما تهديداً لليهودية والمسيحية، بل للجنس البشري بأسره. النيتشوية والصهيونية Nietzscheanism and Zionism تنبع النازية من عدة روافد في الفكر الغربي الحديث لعل أهمها على الإطلاق الفكر الفلسفي الرومانسي الألماني، وبخاصة الفكر النيتشوي أو النيتشوية. وقد يكون من المفيد أن نشير ابتداءً إلى أننا نميِّز بين الفكر النيتشوي وفلسفة نيتشه. ففلسفة نيتشه توجد في أعماله الفلسفية، وهي فلسفة متناقضة تحوي الكثير من الأفكار النبيلة والخسيسة والعاقلة والمجنونة. أما الفكر النيتشوي فهو منظومة شبه متكاملة، استنبطها الإنسان الغربي من أعمال نيتشه وحققت من الذيوع والشيوع ما يفوق أعمال نيتشه الفلسفية. وما يهمنا في دراسة تاريخ الأفكار هو الفكر «النيتشوي» وليس أعماله الفلسفية. فهناك الكثير من النيتشويين ممن لم يقرأوا صفحة واحدة من أعمال نيتشه، بل الذين اتخذوا مواقفهم النيتشوية قبل أن يخط نيتشه حرفاً واحداً. فالخطاب الإمبريالي، منذ لحظة ظهوره في القرن السابع عشر، كان خطاباً نيتشوياً. يتَّسم موقف نيتشه من اليهود بالغموض، فهناك رأي يذهب إلى أنه كان معادياً لليهود. ومما ساعد على تدعيم هذا الرأي أن أخته إليزابيث ـ التي نفذت وصيته الأدبية ـ كانت متزوجة من برنارد فوستر وهو من أهم الداعين إلى معاداة اليهود. بل يُقال إن إليزابيث زيَّفت بعض خطابات نيتشه لتشيع هذه الصورة عنه. لكن مما لا شك فيه أن أعمال نيتشه تحتوي على إشارات لليهود واليهودية تحمل دلالات سلبية. وينبع سخطه على اليهودية بالدرجة الأولى من تصوره أن اليهودية هي أحد أشكال أخلاق الضعفاء. فعندما فقد اليهود دولتهم ولاقوا الاضطهاد وحُرموا من حريتهم في العالم الروماني، تجمَّع لديهم شعور مكبوت بالإساءة وصل إلى أقصى درجات غليانه فوُلدت المسيحية من رحم اليهودية، فهي ديانة التواضع والضعف والعبودية. وأخلاقيات المسيحية ألحقت ضرراً بالغاً بالحضارة الغربية الوثنية، ولكن القيم الأرستقراطية ثارت من جديد في عصر النهضة التي عارض رجالها القيم المسيحية التي سادت في العصور الوسطى. ثم عاد الإصلاح الديني يحاول أن يفرض أخلاق العبيد مرة أخرى، وهذا ما حاولته الثورة الفرنسية بعد ذلك. ووسط ثورة العبيد الأخيرة هذه، ظهر المثل الأعلى القديم مرة أخرى: نابليون. وبسقوطه سقط آخر شعاع نور صادر عن قيم السادة. ولكن هناك جانباً آخر لنيتشه وهو رفضه لمعاداة اليهود، بل إنه اعتبر معاداة اليهود مجرد شكل آخر من أشكال ثورة العبيد الحديثة ضد السادة. كما كان نيتشه معجباً بالعهد القديم وما تصوره أسلوبه غير الأخلاقي ووصاياه التي لا تتضمن أي تهاون أو مساومة. وفي كثير من كتاباته، نجده يكيل المديح لليهود أكثر من الألمان، فاليهود عنصر قوي يتمتع بالصحة، وتدل صلابتهم وإبداعهم على مقدرتهم على القيام بعملية إعادة تقييم القيم. ولكن بغض النظر عن موقف نيتشه من اليهود أو اليهودية يظل ما يعنينا في هذا الجزء من دراستنا هو الفكر النيتشوي وأثره في الفكر الديني اليهودي وفي الفكر الصهيوني. ولفهم هذا الجانب، قد يكون من المفيد أن نعرض لآراء المفكر الصهيوني الروسي أحاد هعام في هذا الموضوع، فهو يرى أن نيتشه لم يفهم اليهودية حق الفهم وخلط بينها وبين المسيحية. والعارفون باليهودية، حسب رأيه، سيكتشفون في التو أنه لا توجد أية حاجة لاستحداث نيتشوية يهودية، ذلك أن الجزء العام (أي الجزء الذي يتجاوز الخصوصية الألمانية) من الفلسفة النيتشوية موجود في اليهودية نفسها منذ قرون عديدة. فاليهودية ديانة لم تستند إلى فكرة الرحمة وحدها، ولم تُلزم الإنسان الأعلى اليهودي بالخضوع للجماهير، كما لو كان الهدف الأساسي من وجوده هو مجرد زيادة سعادة الأغلبية. ويمكن أن نضيف عناصر أخرى لم يذكرها أحاد هعام، فالعقيدة اليهودية، مثلاً، أصبحت نسقاً دينياً حلولياً متطرفاً، وهو ما يعني تحوُّل الشعب اليهودي إلى شعب مقدَّس، مكتف بذاته، يحوي مركزه داخله، لا يمكن الحكم عليه بمعايير أخلاقية خارجة عنه. بل إن الشعب اليهودي، حسب التراث القبَّالي، هو امتداد للخالق في الكون. ووجود الخالق ذاته وتوحده بعد تبعثره (كما جاء في التراث الأسطوري القبَّالي) يتوقف على قيام اليهود بممارسة الأوامر والنواهي. ويُبيِّن أحاد هعام أن المقولة الأساسية النيتشوية، الخاصة بتفوق النموذج الإنساني الأعلى على بقية البشر، هي نفسها مقولة يهودية. ولكن أحاد هعام يُحل فكرة الأخلاق محل القوة، ويشير إلى أن نيتشه يشكو من أنه (حتى الآن) لا توجد محاولة واعية لتعليم الناس بطريقة تؤدي لظهور الإنسان الأعلى، وهو ما يعرقل ظهوره. فالإنسان حيوان اجتماعي، ولذا فإن روح الإنسان الأعلى نفسها لا يمكنها أن تتحرر من الجو الأخلاقي الذي تعيش فيه. ويخلص أحاد هعام من هذا التحليل إلى أنه إذا كان الهدف من الحياة هو الإنسان الأعلى، فيجب أن نقبل بارتباط ظهوره بظهور الأمة الممتازة أو الأمة العليا، أي ينبغي أن تكون هناك أمة لها من السمات الذاتية ما يجعلها على استعداد أكبر للنمو الأخلاقي بالمعنى النيتشوي، ولتنظيم حياتها على أساس قانون أخلاقي يعلو على النموذج العادي. هذه الأمة هي ولا شك التربة الخصبة التي ينبت فيها الإنسان الأعلى. وإذا نظرنا إلى اليهودية من زاوية هذه الفلسفة، لتبين لنا، على حد قول أحاد هعام، أن معظم نقائصها، أو تلك النقائص التي يشير إليها الآخرون والتي يحاول العلماء اليهود أنفسهم إنكارها، تشكل نقطة قوة ولا تحتاج لإنكار أو اعتذار. ومن المعروف للجميع أن اليهود واعون بأنهم متفوقون أخلاقياً على الأمم كافة، وهو وعي يجسد نفسه في فكرة الشعب المختار. والاختيار غير مبني على حكم القوة لأن جماعة يسرائيل هي أصغر الأمم. فقد اختار الإله يسرائيل، لكي يُعبِّر هذا الشعب بشكل متعيِّن في كل جيل عن أعلى نموذج أخلاقي، ولكي يحمل عبء الواجبات الأخلاقية دون اعتبار للربح والخسارة بالنسبة لبقية البشر، بل للحفاظ على وجود هذا النموذج الراقي. ويرى أحاد هعام أن هذه الفكرة تسيطر على الدين اليهودي. ولذلك، لم يحاول اليهود التبشير بدينهم لا بسبب الغيرة (كما يدَّعي الأعداء) ولا التسامح (كما ينادي المعتذرون) ، ولكن لأنهم لا يقبلون أن يجعلوا واجبهم نحو تجسيد النموذج الراقي هو واجب كل البشر، ففي هذا خفض لمستواه وتدن له. وهم في محاولتهم هذه، لن يفرضوا المسئولية على الآخرين ولن يشركوهم فيها، ووصف أحاد هعام للأمة المختارة هو ذاته وصف نيتشه للإنسان الأعلى. ويشير أحاد هعام إلى محاولة بعض العلماء اليهود إضفاء غلالة من المعاصرة على فكرة الشعب المختار، كأن يحاولوا أن يوفقوا بينها وبين فكرة مساواة الشعوب، حيث يرون أن رسالة الشعب المختار هي نشر الخير وطريقة الحياة الخيرة بين كل الشعوب (كما يرى اليهود الإصلاحيون) . ولكن أحاد هعام يرفض هذه الليبرالية، فهو يصر على أن رسالة الشعب هي بكل بساطة أن يقوم بواجبه دون أي اعتبار للعالم الخارجي، لأن تأدية الواجب هي غاية في ذاتها وليست وسيلة لإسعاد العالم. وإذا كان اليهود القدامى قد عبَّروا عن الأمل في أن اليهودية سيكون لها أثر طيب على الأمم الأخرى، فهذا مجرد نتيجة وليس هدفاً، إذ يظل الهدف هو الانتماء لمثل أعلى ونموذج متفوق لا ينتمي إليه الآخرون ولا يشاركون فيه. ويميِّز أحاد هعام بين وحش نيتشه الجميل الأشقر القوي المُدافع عن الجسد والعنف (الذي أصبح المثل الأعلى النازي) وبين الإنسان الأعلى اليهودي الذي يُدافع عن القيم اليهودية الخلقية ويقف ضد العنف، وهذا هو الفارق بين النيتشوية الآرية والنيتشوية اليهودية. ولنلاحظ أن أحاد هعام لا يعترض على بنية النيتشوية التي تستند إلى التفاوت بين الناس وإنما على مضمونها وحسب. وحديثه عن الأخلاق اليهودية لا يُغيِّر من البنية في شيء، فالنيتشوية اليهودية مبنية على فكرة تفوق اليهود وتعاليهم على البشر، وهو الأمر الذي يميزهم بحقوق مطلقة، من بينها، على سبيل المثال، حقهم في أن يعودوا إلى الأرض المقدَّسة متى شاءوا ذلك، وأن يؤسسوا فيها مركزاً روحياً إن أرادوا، وأن يستوطنوها ويعمروها أو يخربوها حسبما تملي مشيئتهم، باعتبارهم السوبر أمة أو الأمة الأعلى (وهذا هو جوهر كل المنظومات المعرفية والخلقية العلمانية الشاملة، بل إن أصحاب المنظومة يجسدون المطلق ويصبحون هم المرجعية الذاتية وتصبح إرادتهم هي الحق المطلق) . فإذا جاء الفيلسوف النيتشوي الصهيوني بعد هذا وأضاف زخارف أخلاقية وأصر على أن تكون الدولة الصهيونية تجسيداً للقيم الأخلاقية النبيلة، فإن الزخارف الأخلاقية تظل مجرد زخارف لا علاقة لها بمنطق النسق العام، بينما يظل العنف هو الجوهر والمحك وقانون البنية. وقد أثبتت التجربة التاريخية (من دير ياسين إلى صابرا وشاتيلا وقانا) أن الأبعاد الأخلاقية إن هي إلا زخارف وأقوال وديباجات، وأن وضع المشروع الصهيوني موضع التنفيذ يفترض قتل العرب وسفك دمائهم. ولم يكن أحاد هعام فريداً في دفاعه عن النيتشوية. فقد تأثر كثير من المفكرين من أعضاء الجماعات اليهودية (خصوصاً الصهاينة منهم) بالفكر النيتشوي. ومن بين هؤلاء مؤسسو الحركة الصهيونية: تيودور هرتزل والفريد نوسيج وماكس نوردو، وكلهم ذوو ثقافة ألمانية، كما تأثر بها مفكرون صهاينة آخرون، مثل: ميخا بيرديشفكي وحاييم برنر وشاؤول تشرنحوفسكي. ولا يمكن فهم كتابات أهم الفلاسفة الدينيين اليهود المحدثين (مارتن بوبر) إلا من خلال نيتشه (وكذا كتابات ليو شستوف) . وتسري القاعدة نفسها على مفكري مدرسة لاهوت موت الإله. وأثر نيتشه على جاك دريدا وإدمون جابيس واضح تماماً. كما أن البُعد النيتشوي في الفكر الصهيوني بُعد أساسي. ولا غرو في هذا فالجميع هم أبناء عصرهم العلماني الإمبريالي الأداتي الشامل. ولكل هذا، فليس من قبيل الصدفة أن يكون التشابه بين الصهيونية والنيتشوية مدهشاً حقاً، ويمكننا أن نوجز ذلك في النقاط التالية: 1 ـ النيتشوية، مثلها مثل الصهيونية، ديانة ملحدة أو حلولية بدون إله، أو هي وحدة وجود مادية ترد الكون بأسره إلى مبدأ زمني واحد هو إرادة القوة والإنسان الأعلى عند نيتشه، وهو إرادة القوة اليهودية وبقاء الشعب اليهودي عند الصهاينة. فبقاء الشعب لا يتحقق إلا من خلال إرادة الشعب ومن خلال قوته الذاتية. 2 ـ النيتشوية، مثلها مثل الصهيونية، تعبير عن توثّن الذات حينما يحل المطلق في الإنسان ويصبح كامناً فيه، فيعبد الإنسان ذاته أو يعبد أسلافه، أي الذات القومية المقدَّسة، باعتبارها تجسيداً لذاته. 3 ـ النيتشوية، مثلها مثل الصهيونية، نسق عضوي دائري يقرن بين البدايات والنهايات، وتسود فيه صورة مجازية عضوية. 4 ـ النيتشوية، مثلها مثل الصهيونية، ديانة داروينية تسبغ نوعاً من الروحية والقداسة على قانون التطور، وتجعل من القوة الأساس الوحيد لأي نسق أخلاقي، وهو ما يُطلَق عليه في المصطلح السياسي الإسرائيلي والغربي «فرض سياسة الأمر الواقع» و «خلق حقائق جديدة» ، وهو ما نسميه «النفعية الداروينية» . 5 ـ الحياة بالنسبة للنيتشوية توسع ونمو واستيلاء على الآخر وهزيمة له، ومعاداة للفكر واحتقار له، وتمجيد للفعل المباشر ولأخلاق السادة الأقوياء، وهذا هو جوهر الصهيونية التي لا يمكنها أن تعيش إلا على التوسع وعلى إلغاء الآخر. والآخر هو أولاً الفلسطينيون الذين يجب أن يختفوا من على وجه الأرض، ثم يهود الدياسبورا الذين يعملون بالأعمال الفكرية ويؤمنون بأخلاق العبيد. 6 ـ وإذا كان نيتشه قد دعا الإنسان إلى أن يعود لحالة الحيوية والطبيعة المقدَّسة ويكون كالحيوان المفترس الأشقر وينبذ العقائد الدينية وأخلاق الضعفاء (يبني منزله بجوار البركان ويعيش في خطر وفي حالة حرب دائمة) ، فقد طرحت الصهيونية نفسها باعتبارها الأيديولوجية التي ستحول يهود المنفى المترهلين الذين يؤمنون بأخلاق الضعفاء إلى وحوش يهود يؤمنون بأخلاق القوة، مفتولي عضلات يحسمون كل القضايا بالقوة ويفرضون رؤيتهم، ولذا فالمستوطنون الصهاينة يعيشون حرفياً بجوار البركان في حالة حرب دائمة. 7 ـ وتفكير نيتشه تفكير نخبوي إذ يرى أن حركة التطور الحقيقية لابد أن تؤدي إلى ظهور أمة مختارة من هذا النوع من الرجال، وما الإنسان العادي سوى الحلقة أو الجسر الموصل إلى هذه المرحلة العليا، التي توجد بطبيعة الحال مرحلة أعلى منها إلى أن نصل إلى الحد الأقصى المطلق غير المعروف. ويسيطر على الصهيونية أيضاً تفكير نخبوي يُحوِّل حياة جماهير اليهود في أرجاء العالم خارج فلسطين إلى مجرد جسر يؤدي إلى ظهور الدولة الصهيونية. كما أن الفكر الصهيوني، بتحويله الأمة إلى مطلق مكتف بذاته، كان يتضمن معرفياً عملية نقل العرب وإبادتهم. 8 ـ وداخل هذه المنظومة ينقسم العالم وبحدة إلى السوبرمن، السادة الأقوياء من أعضاء الشعب العضوي، والسبمن، العبيد الضعفاء الذين ينتمون للفريق الآخر. والسادة الأقوياء لهم حقوق مطلقة فهم يجسدون المبدأ الواحد، أما الضعفاء فإن مآلهم إلى الاختفاء (عن طريق الإبادة بالمعنى العام والخاص) . وعند نيتشه، نجد أن هناك الوحوش الشقراء وهناك بقية الشعوب. وفي المنظومة الصهيونية، هناك من ناحية اليهود أصحاب الحقوق المطلقة، ومن ناحية أخرى الأغيار (خصوصاً الفلسطينيون) الذين لا حقوق لهم، وهذه الحقوق اليهودية المقدَّسة المطلقة تَجُبُّ حقوق الآخرين. 9 ـ الفكر النيتشوي، مثله مثل الفكر الصهيوني، فكر تختفي فيه حدود الأشياء ومعالمها، وهو ينفي التاريخ وحدوده فتظهر حالة من السيولة والنسبية التي لا تحسمها سوى إرادة القوة. ومن هنا حديث بن جوريون عن الجيش الإسرائيلي باعتباره خير مفسر للتوراة، وهو موقف لا يختلف كثيراً عن موقف نيتشه من تفسير النصوص. والنص هنا هو فلسطين التي تحمل معنى عربياً، إذ تقطنها أغلبية عربية وتوجد داخل التاريخ العربي. حيث يقرر الصهاينة أن يفصلوا الدال عن المدلول ويعلنوا أن فلسطين ليست وطناً بل أرضاً والبشر الذين يقطنون فيها ليسوا شعباً، وأن الشعب المرتبط بها هم اليهود وحدهم، والجيش الإسرائيلي هو خير مفسر لهذا النص، فهو الذي سيفرض عليه المعنى الصهيوني! (تماماً كما يفعل نقاد ما بعد الحداثة) . 10 ـ يتحدث نيتشه في كتاباته (دائماً) عن الماضي والمستقبل، ولا يركز عيونه على الحاضر أبداً. ولكن الماضي (دون الحاضر الحي) يتحوَّل إلى أسطورة وأيقونة، والمستقبل بدوره يتحول إلى عصر ذهبي وفردوس أرضي خال من التاريخ. والصهاينة بدورهم لا يتحدثون عادةً إلا عن الماضي العبري (قبل أن تظهر اليهودية وتفسد الشخصية اليهودية بأخلاق الضعفاء) والمستقبل الصهيوني (حين يعود اليهود إلى صهيون ليؤسسوا الدولة الجيتو المعقمة من التاريخ) . 11 ـ ونيتشه، بتفكيره المجرد، لا يتحدث عن السعادة الفردية أو عن السعادة عامةً. فالسعادة من شيم الضعفاء والعبيد، أما الإنسان الأعلى فيعلو على الخير والشر ويتجاهل اللذة والألم. وتجاهل السعادة، كقيمة إنسانية، هو أيضاً إحدى سمات الفكر الصهيوني، فالصهاينة مشغولون بتصوراتهم المشيحانية عن الدولة اليهودية والشعب المختار، وبالتالي فهم ينسون الفرد اليهودي المتعيِّن الذي يعيش في وطنه، فالصهيونية لا تُشكِّل بالنسبة له سوى أيديولوجية مجردة غريبة، لا يمكنه أن يُنظم حياته من خلالها. ومع هذا فهم يدعون إلى تصفية الجماعات اليهودية في الخارج وإنهاء التاريخ اليهودي في المنفى، فهو تاريخ الضعفاء والمهزومين، من وجهة نظرهم. وتُفصح كل هذه العناصر النيتشوية عن نفسها تماماً في كتابات هارولد فيش أحد منظري جماعة جوش إيمونيم، التي تؤمن بضرب من الصهيونية نسميها «الصهيونية الحلولية» أو «الصهيونية العضوية» لأنها نيتشوية كاملة، حيث يتحد الإله بالإنسان اليهودي وبالأرض اليهودية ليكوِّنوا نظاماً مقدَّساً دائرياً مغلقاً عضوياً يُهلك من يقع خارج دائرة القداسة، مثل العرب، ويتمتع بسائر الحقوق من يقع داخلها فيتمتع بسائر الحقوق. ولكن القداسة هي، في واقع الأمر، القوة. ولهذا، يشير أحد مفكري جوش إيمونيم إلى الجيش الإسرائيلي باعتباره القداسة الكاملة. وهذا الخطاب لا يختلف كثيراً عن خطاب الرايخ الثالث. النازية والصهيونية: العلاقة الفعلية Nazism and Zionism: Actual Relations تتعدى العلاقة بين النازية والصهيونية مجرد التماثل البنيوي والتأثير والتأثر الفكريين، إذ أن ثمة علاقة فعلية على مستويات عدة. ولنبدأ بأدناها، وهي كيفية استغلال النازيين للدعاية الصهيونية في الترويج لرؤيتهم. فقد نشر الصهاينة في ألمانيا ذاتها المزاعم الصهيونية الخاصة بالتميز اليهودي العرْقي والانفصال القومي العضوي عن كل أوربا، وذلك حتى قبل ظهور النازيين كقوة سياسية. ففي عام 1912، قدَّم عضوان في المنظمة الصهيونية مشروعاً بإيعاز من كورت بلومنفلد جاء فيه أنه، نظراً للأهمية القصوى للعمل ذي التوجه الفلسطيني (أي الصهيوني) ، يعلن أن من الواجب على كل صهيوني، خصوصاً من يتمتع باستقلال اقتصادي، أن يجعل الهجرة جزءاً عضوياً من برنامج حياته. وقد سُمِّي هذا القرار «قرار بوزن» ، وأصبح منذ ذلك الحين الإطار العقائدي للصهيونية الألمانية التي تخلت بفضله عن أية أبعاد غير قومية ذات طابع خيري أو توطيني، وأصبحت أيديولوجيا قومية عضوية ذات طابع استيطاني. وكان بلومنفلد خبيراً بالمناورات السياسية، ولذلك نجح في تمرير قراره من خلال ما سماه بعض معارضيه «الأغلبية الطارئة» ، أي عن طريق تقديم مشروع القرار أثناء وجود المؤيدين وغياب المعارضين والحصول على موافقة الحاضرين. وقد اتهمه المعارضون بالمزايدة، وفسَّروا تطرفه على أساس أنه يقبض راتبه من المنظمة الصهيونية وليس من الحكومة الألمانية أو أية هيئة أو مؤسسة ألمانية، وأن هذا يسمح له بأن يتخذ مثل هذه المواقف وأن يمرر مثل هذه القرارات التي لا تعكس وضع يهود (أو حتى صهاينة) ألمانيا أو تطلعاتهم. وقد قام الصهاينة الألمان بعد ذلك بتطوير الأيديولوجيا الصهيونية والوصول بأطروحاتها إلى نتائجها المنطقية، أي تصفية الجماعات اليهودية في المنفى (أي العالم) تماماً وإنشاء الدولة الصهيونية. وابتداءً من العشرينيات، بدأ الزعماء الصهاينة في ألمانيا يطلقون التصريحات الصهيونية التي تؤكد الهوية اليهودية العضوية الخالصة وتنكر على اليهود انتماءهم إلى الأمة الألمانية. ففي عام 1920 (قبل ظهور كتاب هتلر كفاحي بثلاثة عشر عاماً) ، ألقى جولدمان خطاباً في جامعة هايدلبرج بيَّن فيه أن اليهود شاركوا بشكل ملحوظ للغاية في الحركات التخريبية، وفي إسقاط الحكومة في نوفمبر 1918، وأصر على أن يهود ألمانيا والشعب الألماني ليست بينهما عناصر مشتركة، وعلى أن الألمان يحق لهم أن يمنعوا اليهود من الاشتراك في شئون الفولك الألماني. أما وايزمان، فقد شبه علاقة الألمان باليهود بصورة مجازية استقاها من عملية الهضم، فقال: إن أي بلد يود تحاشي الاضطرابات المعوية عليه أن يستوعب عدداً محدوداً فقط من اليهود. وكان يرى أن عدد اليهود في ألمانيا أكبر من اللازم، أو بعبارة أخرى يوجد فائض بشري يهودي. وفي الفترة نفسها، وصف كلاتزكين اليهود بأنهم جسم مغروس وسط الأمم التي يعيشون بين ظهرانيها، ولذا فإن من حقهم أن يحاربوا ضد اليهود من أجل تماسُكهم القومي. وهذه كلها موضوعات قديمة مطروحة في كتابات هرتزل ونوردو، الأبوين الروحيين للصهيونية على وجه العموم والصهيونية الألمانية على وجه الخصوص، ولكنها اكتسبت أهمية خاصة من سياقها الزماني والمكاني في ضوء ما حدث بعد ذلك. وهي لا تختلف في جوهرها عن قول إرنست يونجر (المفكر القومي العضوي الذي ألهم النازيين) أن اليهود يتوهمون أن بوسعهم أن يصبحوا ألمانيين في ألمانيا، ولكن هذا أمر غير قابل للتحقق. فاليهود يواجهون خياراً نهائياً: إما أن يكونوا يهوداً في ألمانيا، أو لا يكونوا. وفي ضوء هذا التوجه الصهيوني، لم يكن من الغريب أن يرى هتلر حين وصل إلى الحكم أن كثيراً من الصهاينة على استعداد لتَفهُّم وجهة نظره. فقد صرح الحاخام الصهيوني يواكيم برنز في يناير 1933 أنه لا مكان يمكن لليهود أن يختبئوا فيه. وقال: بدلاً من الاندماج، نرى نحن الصهاينة أنه يجب الاعتراف بالأمة اليهودية وبالعرْق اليهودي. وحينما قام النازيون في 31 يناير 1933 بحرق الكتب التي كانوا يرونها هدامة، كتبت يوديش روندشاو (المجلة الناطقة باسم الاتحاد الصهيوني) تقول إن كثيراً من المؤلفين اليهود خونة تنكروا لجذورهم لأنهم شتتوا جهودهم بإسهامهم في الثقافة الألمانية غير اليهودية. وفي نبرة ترحيب واضحة، صرح إميل لودفيج (الكاتب اليهودي الألماني) بأن ظهور النازيين دفع بالآلاف من اليهود إلى حظيرة اليهودية مرة أخرى بعد أن كانوا قد ابتعدوا عنها. وقال: "ولذا، فأنا شخصياً ممتن لهم". وترد نفس الفكرة النازية الصهيونية على لسان الشاعر الصهيوني حاييم بياليك إذ يرى أن الهتلرية أنقذت يهود ألمانيا، ويضيف: "أنا أيضاً مثل هتلر أؤمن بفكرة الدم". وبكثير من القلق، لاحظ أعضاء الاتحاد المركزي للمواطنين الألمان من أتباع العقيدة اليهودية (وهي جماعة اندماجية تعتبر يهود ألمانيا مواطنين ألمانيين) أنشطة الصهاينة وتصريحاتهم واعتبروها طعنة من الخلف في الحرب ضد الفاشية. ولكن كل هذه المقالات والتصريحات لم تكن سوى افتتاحيات تمهيدية للإعلان الصهيوني الألماني الرسمي الذي أصدرته المنظمة الصهيونية في ألمانيا، في 21 يونيه 1933، بعد وصول النازيين إلى السلطة (إعلان الاتحاد الصهيوني بشأن وضع اليهود في دولة ألمانيا الجديدة) ، Ausserung der Zionistischen Vereinigung fur Deutschland zur Stellung der Juden im Neuen Deutschen Staat. والذي حدَّد طبيعة علاقة الصهاينة بالنظام النازي بشكل واضح لا إبهام فيه. وقد اتخذ الإعلان شكل مذكرة أُرسلت مباشرةً إلى الحزب النازي وهتلر وتم من خلالها تحديد المقولات المشتركة بين النازيين والصهاينة. فقد بدأت المذكرة/الإعلان بتأكيد إمكانية التوصل إلى حل يتفق مع المبادئ الأساسية للدولة الألمانية الجديدة، دولة البعث القومي، ثم طرحت أمام اليهود طريقة جديدة لتنظيم وجودهم. وانتقلت المذكرة بعد ذلك لعرض إطارها السوسيولوجي، فقامت بانتقاد الشخصية اليهودية التي تتسم بالكسل، وبيَّنت أن صعوبة وضع اليهود تنبع من شذوذ النمط الوظيفي الذي يتبعونه، ومن الخلل الكامن في كونهم جماعة تتخذ مواقف فكرية أخلاقية غير متجذرة في تقاليدهم الحضارية الخاصة (أي أنهم قومية عضوية توجد خارج أرضها) . وبعد أن تبنت المذكرة هذا النقد النازي لليهود انتقلت لإيضاح نقط الالتقاء الفلسفية والنظرية بين الصهيونية والنازية، فأكدت أن الصهيونية مثل النازية تمزج الدين بالقومية، فالأصل والدين ووحدة المصير والوعي الجمعي يجب أن تكون كلها ذات دلالة حاسمة في صياغة حياة اليهود. وتؤكد المذكرة أن المنظمة تقبل مبدأ العرْق، أحد ثوابت الرؤية النازية، كأساس لتصنيف الأفراد والجماعات المختلفة ولإنشاء علاقة واضحة مع الشعب الألماني وحقائقه القومية والعرْقية. كما تقوم المذكرة بتعريف اليهود تعريفاً عرْقياً، مبينة أن هدف الصهيونية هو التصدي للزيجات المختلطة والحفاظ على نقاء الجماعة اليهودية. هذا هو الإطار الفلسفي الذي اقترحته المنظمة الصهيونية لتحديد العلاقة بين الصهاينة والنظام النازي، مؤكدةً إمكان تحويله إلى ممارسة وإجراءات. وقد طرحت المنظمة الصهيونية نفسها باعتبارها الحركة الوحيدة القادرة على أن تأتي بحل للمسألة اليهودية يحوز رضا الدولة النازية الجديدة ويتفق مع خُططها، حل يهدف إلى بعث اليهود من الناحية الاجتماعية والثقافية والأخلاقية في إطار فكرة الشعب العضوي ويتبع النموذج النازي. وكما تقول المذكرة الإعلامية: "على تربة الدولة الجديدة، ألمانيا النازية، نريد أن نعيد صياغة بنية جماعتنا بأكملها بطريقة تفيد ألمانيا واليهود في المجال المخصص لهم، فهدف الصهيونية هو تنظيم هجرة اليهود إلى فلسطين". وسيؤدي الإطار النظري الفلسفي المطروح إلى ظهور حقائق اجتماعية جديدة تأخذ شكل نموذج جديد: اليهودي المتجذر في تقاليده الروحية، الواعي بنفسه الذي لا يحس بالحرج تجاه هويته، وهو نموذج مختلف تماماً عن ذلك اليهودي الذي لا جذور له والذي يهاجم الأسس القومية للجوهر الألماني، وهو مختلف أيضاً عن اليهود المندمجين الذين يحسون بالضيق لانتمائهم للجماعة اليهودية وللعرْق اليهودي وللماضي اليهودي (ولابد هنا من ملاحظة أن النموذج اليهودي الجديد لا يختلف في أساسياته عن النموذج النازي) . ثم تمضي المذكرة قائلة إن الصهيونية تأمل أن تحظى بالتعاون مع حكومة معادية لليهود بشكلٍّ أساسي، إذ لا مجال للعواطف عند تناول المسألة اليهودية، فهي مسألة تهم كل الشعوب (وخصوصاً الشعب الألماني) في الوقت الراهن. وفي نهاية المذكرة/الإعلان، شجب الصهاينة جهود القوى المعادية للنازية وهتلر، والتي كانت قد طالبت في ربيع عام 1933 بمقاطعة ألمانيا النازية اقتصادياً. ومما يجدر ذكره أن هذه الوثيقة لم تُكتَشف إلا عام 1962 ولم تُعط الذيوع الذي تستحقه، رغم أنها ُتلقي الكثير من الضوء على علاقة النازيين بالصهاينة. وربما لو عرف مؤرخو الإبادة النازية في الشرق والغرب بها لنظروا إلى الإبادة النازية لليهود نظرة مختلفة بعض الشيء. ونشرت يوديش روندشاو مقالاً تعلن فيه عن استعداد الصهاينة للتعاون مع أصدقاء اليهود وأعدائهم، حيث إن المسألة اليهودية ليست مسألة عاطفية، وإنما هي مسألة حقيقية تهتم بها كل الشعوب. وهذا الموقف امتداد لموقف هرتزل حين ميَّز بين التعصب الديني القديم (وهو مجرد تعصب عاطفي غير منهجي) والمعاداة الحديثة لليهود والتي وصفها بأنها حركة بين الشعوب المتحضرة الغربية تحاول من خلالها التخلص من شبح يطاردها من ماضيها. ويتضمن التمييز هنا شكلاً من أشكال القبول بالمعاداة المنهجية الرشيدة لليهود أو التي تم ترشيدها. وقد تبنى هتلر موقفاً مماثلاً حين ميَّز هو الآخر بين المعاداة العاطفية لليهود والمعاداة المنهجية لهم، إذ تنتهي الأولى بالمجازر، أما الثانية فتنتهي بالحل الصهيوني، أي تهجير جميع اليهود من ألمانيا إلى «وطنهم» فلسطين. وقد حدَّد هتلر مشروعه بالنسبة إلى اليهود على أسس صهيونية ومنهجية رشيدة (وهي القومية العضوية) . كما قرر روزنبرج ضرورة مساندة الصهيونية بكل نشاط «حتى يتسنى لنا أن نرسل سنوياً عدداً محدداً من اليهود إلى فلسطين، أو على الأقل عبر الحدود» . وحينما استولى النازيون على السلطة، سمحوا للصهاينة بالقيام بنشاطاتهم الحزبية، سواء اتخذت شكل اجتماعات أو إصدار منشورات أو جمع تبرعات أو تشجيع الهجرة أو التدريب على الزراعة والحرف، أي أنهم سمحوا لهم بنشاط صهيوني خارجي كامل. كما كانت المجلات الصهيونية هي المجلات الوحيدة غير النازية المسموح لها بالصدور في ألمانيا. وقد وتمتعت هذه المجلات بحريات غير عادية، فكان من حقها أن تدافع عن الصهيونية كفلسفة سياسية مستقلة. وحتى عام 1937، لم يتأثر عدد صفحات يوديش روندشاو بالقرارات الاقتصادية التقشفية التي تقرر بمقتضاها إنقاص عدد صفحات كل المجلات (وضمنها المجلات الآرية) . كما نشرت دور النشر الألمانية أعمال حاييم وايزمان وبن جوريون وآرثر روبين. ويقول إدوين بلاك مؤرخ اتفاقية الهعفراه (أي النقل) ، إن "الصهيونية هي الفلسفة السياسية المستقلة الوحيدة التي وافق عليها النازيون". وقد بيَّنا من قبل عدم اكتراث الصهاينة بالمقاومة اليهودية وغير اليهودية للنازيين. ولكن يبدو أن المسألة كانت تتخطى مجرد عدم الاكتراث بمصير اليهود وعدم الاشتراك في المقاومة، إذ يبدو أن الصهاينة اكتشفوا، أثناء الإرهاب النازي ضد اليهود، ذلك التناقض العميق بين فكرة الدولة اليهودية ومحاولة إنقاذ اليهود. وقد حدد بن جوريون القضية بشكل قاطع (في 7 ديسمبر 1937) حين أكد أن المسألة اليهودية لم تَعُد مشكلة آلاف اليهود المهدَّدين بالإبادة وإنما هي مشكلة الوطن القومي أو المستوطن الصهيوني. وقد أدرك بن جوريون خطورة فصل مشكلة اللاجئين اليهود عن المشروع الصهيوني والتفكير في توطين اللاجئين في أي مكان إن لم تستوعبهم فلسطين. وأكد بن جوريون أنه إن استولت "الرحمة على شعبنا ووجه طاقاته إلى إنقاذ اليهود في مختلف البلاد" فإن ذلك سيؤدي إلى "شطب الصهيونية من التاريخ". وفي العام التالي صرح بن جوريون أمام زعماء الصهيونية العمالية: «لو عرفت أن من الممكن إنقاذ كل أطفال ألمانيا بتوصيلهم إلى إنجلترا، في مقابل أن أنقذ نصفهم وأنقلهم إلى فلسطين ـ فإني أختار الحل الثاني، إذ يتعين علينا أن نأخذ في اعتبارنا، لا حياة هؤلاء الأطفال وحسب، بل كذلك تاريخ شعب إسرائيل» . وإذا كان بن جوريون على استعداد بالتضحية بنصف الأطفال اليهود من أجل الوطن القومي الصهيوني فإن إسحق جرونباوم (رئيس لجنة الإنقاذ بالوكالة اليهودية) قد تجاوز الحدود تماماً، ففي حديث له أمام اللجنة التنفيذية الصهيونية في 18 فبراير 1943، صرح قائلاً إنه لو سُئل إن كان من الممكن التبرع ببعض أموال النداء اليهودي الموحد لإنقاذ اليهود فإن إجابته ستكون «كلاَّ ثم كلاَّ» بشكل قاطع. وأضاف: "يجب أن نقاوم هذا الاتجاه نحو وضع النشاط الصهيوني في المرتبة الثانية ... إن بقرة واحدة في فلسطين أثمن من كل اليهود في بولندا". وكان وايزمان قد عبَّر عن نفس الفكرة النفعية عام 1937 حينما قال: "إن العجائز سيموتون، فهم تراب وسيتحملون مصيرهم، وينبغي عليهم أن يفعلوا ذلك". وانطلاقاً من هذه الرؤية المتمركزة حول المشروع الصهيوني وليس الإنسان اليهودي، لعبت الحركة الصهيونية دوراً حاسماً في تدمير جميع المحاولات الرامية إلى توطين اليهود في أماكن مختلفة من العالم، مثل جمهورية الدومينيكان، حتى يضمن الصهاينة تدفق المادة البشرية اليهودية على فلسطين. ولهذا، التزمت جولدا مائير، مندوبة الحركة الصهيونية في فلسطين، الصمت الكامل حيال مداولات مؤتمر إفيان باعتبارها أمراً لا يخصها (وقد فسَّرت موقفها هذا، فيما بعد، بأنها لم تكن تدري شيئاً عن عمليات الإبادة النازية) . وقد اكتشف النازيون أيضاً عمق تناقض مصالح الصهاينة مع اليهود واتفاق الموقف النازي مع الموقف الصهيوني. فاليهودي الصهيوني الذي يخدم هويته العضوية هو شخص يستحق الاحترام (لأنه يدرك الواقع من خلال إطار عضوي وثني يشبه الإطار النازي) ، على عكس اليهودي المتألمن المندمج الذي يتمسح في الهويات العضوية للآخرين ولا ينجح بطبيعة الحال في اكتسابها، لأنه حبيس هويته اليهودية، شاء أم أبى. ولعل هذا يُفسِّر السبب في أن النازيين اعتبروا أن عدوهم الحقيقي هو اليهود الأرثوذكس والجماعة المركزية للمواطنين اليهود من أتباع العقيدة اليهودية. ولعله يفسر أيضاً لم كانت علاقة الدولة النازية بالمنظمات الصهيونية تتسم بشيء من الود والتفاهم. فبينما كان الأرثوذكس والإصلاحيون يطالبون بمنح اليهود حقوقهم كمواطنين، وباندماجهم في مجتمعاتهم، كان الصهاينة يعارضون الاندماج ويعارضون منح اليهود أي حق، إلا حق الهجرة إلى الوطن القومي اليهودي. لكل هذا قام النظام النازي بتشجيع النشاط الصهيوني ودعم المؤسسات الصهيونية والسماح للمنظمات الصهيونية بممارسة جميع أنشطتها من تعليم وتدريب على الاستيطان ونشر مجلاته، بينما مُنع الاندماجيون والأرثوذكس من إلقاء الخطب، أو الإدلاء بتصريحات، أو جمع التبرعات أو مزاولة أي نشاط آخر. وقد قام كورت جروسمان، في كتاب هرتزل السنوي (الجزء الرابع) ، بدراسة الموضوع، ونشره تحت عنوان "الصهاينة وغير الصهاينة تحت حكم النازي في الثلاثينيات". وألحق الكاتب بالمقال ثماني وثائق نازية تحمل كلها توجيهات للشرطة خاصة بتنظيم النشاط اليهودي في ألمانيا النازية. وأول هذه التوجيهات (رقم 36420/81134 صادر عن الشرطة السياسية في بافاريا بتاريخ 28 يناير 1935، وهو خاص بمنظمات الشباب اليهودي. وجاء فيه أن إعادة بعث المنظمات الصهيونية التي تدرب اليهود تدريباً مهنياً على الزراعة والحرف، قبل تهجيرهم إلى فلسطين، هو أمر في صالح الدولة النازية. بينما جاء في توجيه آخر (رقم 17186/81135 بتاريخ 20 فبراير 1935 أنه "يجب حل المنظمات اليهودية التي تدعو إلى بقاء اليهود في ألمانيا". وقد مُنع مواطن صهيوني (جورج لوبنسكر) عن طريق الخطأ من إلقاء الخطب، ثم صدر توجيه آخر (رقم 19106/11351 ب) ليصحح هذا الوضع، وصدر أمر بالسماح له بممارسة نشاطه «لأنه مدافع بليغ عن الفكرة الصهيونية وتعهد بأن يساعد على هجرة اليهود في المستقبل دون أية عوائق» . كما اهتم النازيون كثيراً بنشاط التصحيحيين. ولهذا، صدر تصريح (رقم 17929/1135 ب) لمنظمتي الشباب القومي الهرتزلي وعصبة الأشداء (بريت هابريونيم) بأن يرتدوا أزياءهم الرسمية أثناء اجتماعاتهم. وقد مُنح التصريح، كما جاء في التوجيه، بشكل استثنائي لأن صهاينة الدولة (أي التصحيحيين) برهنوا على أنهم هم الذين يمثلون المنظمة التي تحاول، بكل السبل، حتى غير الشرعية منها، أن ترسل أعضاءها إلى فلسطين. وكان من شأن التصريح بارتداء الزي أن يحفز أعضاء المنظمات اليهودية الألمانية على الانضمام إلى منظمة الشباب الخاصة بصهاينة الدولة، حيث كان يجري حثهم بشكل أكثر كفاءة على الهجرة إلى فلسطين. وقد صدر تصريح (رقم 19052/1135 ب) للمنظمات الصهيونية بتاريخ 9 يوليه 1935 بجمع التبرعات من أجل تشجيع الهجرة والاستقرار في فلسطين ولشراء الأراضي هناك. ومُنح التصريح "لأن هذه التبرعات تساهم في الحل العملي للمسألة اليهودية". كما شجَّع النازيون المدارس العبرية والمؤسسات الثقافية ذات التوجه اليهودي التي تساعد على إظهار الهوية اليهودية والرجوع عن الاندماج، بل منعوا اليهود من رفع الأعلام الألمانية وسُمح لهم برفع «العَلم اليهودي» (أي عَلم المنظمة الصهيونية) . والملاحَظ أن أشكال التعاون بين النازيين والصهاينة، والتي تناولناها حتى الآن، تمت بشكل غير مقصود (تصريحات صهيونية يستفيد منها النازيون) ، أو هي التقاء عفوي في منتصف الطريق (نشاط صهيوني يشجعه النازيون) . ولكن ثمة أشكالاً أخرى من التعاون الواعي. فهناك دلائل تشير إلى أن الجستابو وفرق الإس. إس S.S. (الصاعقة) ساعدت في تهريب المستوطنين الصهاينة إلى فلسطين، أي أن النازية لم تدعم الصهيونية التوطينية وحسب، بل امتد دعمها إلى الصهيونية الاستيطانية أيضاًَ. ولكن أهم أشكال التعاون مع الصهاينة الاستيطانيين تم من خلال اتفاقية الهعفراه المبرمة بين النظام النازي وصهاينة المُستوطَن (دون علم الصهاينة التوطينيين أو يهود العالم) . ولا تكمن أهمية الاتفاقية في تبيان مدى عمق العلاقة بين الصهاينة والنازيين وحسب، بل إنها تبين أيضاً مدى عمق التناقض بين الصهاينة المستوطنين والصهاينة التوطينيين، وهو تناقض سيطر على الحركة الصهيونية منذ ولادتها ولم تفلح الأيام إلا في زيادته حدة. ويمكن القول بأن إبرام اتفاقية الهعفراه كان أول مواجهة حقيقية بين الفريقين، وقد كسب المستوطنون هذه الجولة الأولى. وتوجد حالات محددة تعاون فيها الصهاينة مع النازيين في عمليات نقل اليهود وإبادتهم (كاستنر ونوسيج) . كما تُوجَد منظمة صهيونية ذات طابع نازي واضح، وهي عصبة الأشداء التي سبقت الإشارة لها. وبالمثل، حاولت منظمة شتيرن تقنين عملية التعاون. وسنتناول أشكال التعاون هذه في بقية هذا الفصل. معاهدة الهعفراه (الترانسفير ( Haavrah (Transfer) Treaty «هعفراه» كلمة عبرية تعني «النقل» أو «الترانسفير» . والنقل هو أحد مكونات الصيغة الصهيونية الأساسية. والهعفراه هو اسم معاهدة وقعها المستوطنون الصهاينة مع النازيين. وقد كان الصهاينة الاستيطانيون في الثلاثينيات يبحثون عن وسائل لدعم المستوطن وحماية مصالحهم بأية طريقة، ومن ذلك التعاون مع النظام النازي، بينما كان صهاينة الخارج التوطينيون وقادة الجماعات اليهودية مشغولين بعمليات إنقاذ يهود ألمانيا، وضمنها تنظيم مقاطعة اقتصادية ضد هذا النظام. ومن أهم الشخصيات القيادية في عملية المقاطعة صمويل أُنترماير المحامي الأمريكي اليهودي (الصهيوني) الذي نجح في تكوين حركة جماهيرية تضم اليهود وغير اليهود بقيادة الرابطة الأمريكية للدفاع عن حقوق اليهود، وأسس منظمة دولية أطلق عليها «الاتحاد اليهودي الاقتصادي العالمي» في أمستردام للتنسيق بين جميع المنظمات الداعية إلى المقاطعة. وشكلت المقاطعة، وخصوصاً في الشهور الأولى، تهديداً خطيراً للنظام النازي. ويذهب إدوين بلاك (مؤلف كتاب الهعفراه، وهو أهم كتاب صدر في الموضوع في جميع اللغات) إلى أنه لو اتحدت المنظمات اليهودية والصهيونية خلف حركة المقاطعة، فلربما كانت قد نجحت في تعبئة الجماهير غير اليهودية، وانضمت بعض الحكومات إليها، ولما نجح النازيون، وخصوصاً في الأشهر الأولى من تسلمهم السلطة، في الإمساك بزمام الأمور "فاستجابة مباشرة وموحَّدة كان من الممكن أن تقصم ظهر ألمانيا قبل شتاء عام 1933". ولكن المستوطنين الصهاينة كانوا قد قرروا تبني خطة تخدم مصالحهم، فسافر الزعيم العمالي الصهيوني ورئيس الدائرة السياسية في الوكالة اليهودية حاييم أرلوسوروف (1899 ـ 1933) إلى ألمانيا لمناقشة إمكانية التعاون والتبادل الاقتصادي معها. وكانت المسألة بالنسبة إلى المستوطنين ملحة للغاية، فقد فشل المستوطن الصهيوني في اجتذاب المهاجرين ولم يصل إليه رأس المال اليهودي المتوقع (وقد تم اغتيال أرلوسوروف بعد عودته من ألمانيا بعدة أيام) . وكان هنريش وولف قنصل ألمانيا العام في القدس قد مهد الجو له وللمبعوثين الصهاينة من بعده عندما كتب مؤيداً وموضحاً المزايا التي سيجنيها النظام النازي من التعاون معهم. وفي النهاية، تم توقيع الاتفاق عام 1933 الذي كان يقضي بأن تسمح السلطات الألمانية لليهود الذين يقررون الهجرة من ألمانيا إلى فلسطين بـ «نقل» جزء من أموالهم إلى هناك رغم القيود التي فرضتها ألمانيا على تداول العملة الصعبة. وكان ذلك يتم بتمكين أولئك اليهود من إيداع المبلغ المسموح بتحويله (ألف جنيه إسترليني) في حساب مغلق يفتح في بنك واسرمان في برلين وبنك ووربورج في هامبورج ثم يُسمَح باستعمال هذا المبلغ فقط لشراء تجهيزات وآلات زراعية مختلفة من ألمانيا ويتم تصديرها إلى فلسطين. وهناك تقوم الشركة ببيع هذه البضائع وتسدد بأثمانها المبالغ المستحقة لمودعيها بعد وصولهم كمهاجرين إلى فلسطين، وتحتفظ بالفرق كعمولة أو ربح لها. وقد تم تعديل الاتفاقية بحيث أصبح في مقدور اليهود الألمان الذين لا ينوون الهجرة مباشرةً، ويريدون مع هذا تأسيس بيت في فلسطين والمساهمة في تطويرها، أن يستعملوا الحساب المغلق وأن يودعوا أموالهم فيه شرط ألا يزيد المبلغ الإجمالي عن ثلاثة ملايين مارك تستعمل لشراء بضائع ألمانية أياً كان نوعها. وأثناء تنفيذ الاتفاقية، اعترضت بعض العناصر في وزارة الخارجية الألمانية على هذه المساهمة النازية في بناء المُستوطَن الصهيوني. كما قام المستوطنون الألمان في فلسطين (من أتباع جماعة فرسان الهيكل) بالضغط ولكن دون جدوى، إذ أن هتلر نفسه قرر وجوب الاستمرار في العمل بالاتفاقية. ويبدو أن الهدف الأساسي والمباشر من الاتفاقية كان (من المنظور النازي) كسر طوق المقاطعة اليهودية في العالم للبضائع الألمانية في أنحاء العالم. وفي محاولة لتوضيح الموقف النازي، قال وزير الاقتصاد الألماني لوزير الخارجية إن الاتفاقية تقدم أحسن ضمان لأقوى تأثير مضاد لإجراءات المقاطعة اليهودية للبضائع الألمانية. كما أكد القنصل الألماني العام في القدس الفكرة نفسها حين قال: "بهذه الطريقة، يمكن أن نقوم نحن الألمان بحملة ناجحة في مواجهة المقاطعة اليهودية في الخارج ضد ألمانيا. وقد يمكننا أن نحدث ثغرة في الحائط". ولاحَظ القنصل أنه في الصراع الدائر، بين الصهاينة التوطينيين (في الخارج) والصهاينة الاستيطانيين (في فلسطين) ، بدأت موازين القوى تتغيَّر لصالح المستوطنين: «إن فلسطين هي التي تعطي الأوامر، ومن الأهمية بمكان أن نحطم المقاطعة في فلسطين في المقام الأول، وسيترك هذا أثره على الجبهة الأساسية في الولايات المتحدة «. وقد أيَّده في ذلك فريتز رايخرت عميل الجستابو في فلسطين حين قال: "إن مهمتنا الأساسية هي أن نمنع، انطلاقاً من فلسطين، توحيد صفوف يهود العالم على أساس العداوة لألمانيا ... لقد دمرنا مؤتمر المقاطعة في لندن من تل أبيب لأن رئيس الهعفراه في فلسطين، بالتعاون الوثيق مع القنصلية الألمانية في القدس، أرسل برقيات إلى لندن أحدثت الأثر المطلوب". ويقول إدوين بلاك: "إن احتمالات انهيار الاقتصاد الألماني بدأ بالتناقص بسرعة بمرور الوقت. فحينما عقد أُنترماير اجتماعاً لاتحاده الدولي في أمستردام في أواخر يوليه 1933، كانت الفرصة لا تزال جيدة. ومع نهاية أغسطس، عند انعقاد المؤتمر الصهيوني الثامن عشر (1933) ، كانت الفرصة صعبة لكنها ممكنة". فماذا حدث في هذا المؤتمر؟ لعل دراسة الوقائع وتوقيتها يعطينا صورة دقيقة ومثيرة عن المعركة بين المستوطنين الصهاينة وصهاينة الخارج التوطينيين وكيفية إدارتها، وكذلك عن بعض الأساليب التي استخدمها المستوطنون لإحكام قبضتهم على الفريق المعادي. فقد وُقِّعت الاتفاقية بشكل مبدئي في 17 أغسطس 1933 وسُوِّيت كل النقط الفنية المعلقة في 22 أغسطس بعد افتتاح جلسات المؤتمر الصهيوني الثامن عشر في براغ (تشيكوسلوفاكيا) . وقد أدرك النازيون الأهمية غير العادية للمؤتمر وركزوا كل جهودهم عليه حتى يتسنى إفشال المحاولات الرامية لإصدار قرارات من شأنها دعم المقاطعة اليهودية. وبعد افتتاح جلسات المؤتمر، ألقى سوكولوف خطبة ملتهبة عن يهود ألمانيا وبؤسهم دون أي ذكر للمقاطعة. ولكن النازيين كانوا يودون إحراز المكاسب الإعلامية التي يطمحون إليها، ولهذا أعلنوا عن الاتفاقية يوم 24 أغسطس، وهو اليوم الذي كان محدداً لمناقشة وضع يهود ألمانيا في المؤتمر، وقد تناقلت صحف أوربا الخبر، وألقى سوكولوف خطبة ملتهبة قال فيها: "إن اليهود يحترمون إسبانيا القديمة أكثر من ألمانيا الحديثة لأن خروج اليهود جميعاً أفضل من إهانتهم على هذا النحو". ورغم أن ألفاظه جاءت غاضبة شكلاً إلا أن مضمونها كان نازياً صهيونياً، فهو لا يتحدث عن حقوق اليهود في أوطانهم وإنما عن حقهم في الخروج الكامل والنهائي منها. وقدَّم الصهاينة التصحيحيون قراراً محدداً خاصاً بالمقاطعة، ولكن العماليين نجحوا في فرض قرارهم. وكان النازيون قد أوقفوا مجلة يوديش روندشاو عن الصدور مدة ستة أشهر، فرُفع عنها الحظر وصدرت في اليوم نفسه وهي تحمل مقالاً تتباهى فيه بأن المؤتمر الصهيوني هزم بأغلبية ساحقة اقتراح التصحيحيين الذي كان يهدف إلى تحويل المنظمة الصهيونية إلى وحدة مقاتلة. وصدرت الصحف النازية مرحبة هي الأخرى بالموقف الإيجابي للمؤتمر. وحينما افتتحت جلسة 25 أغسطس، انهالت برقيات الاحتجاج من يهود العالم لأن الاتفاقية ستهز مصداقية حركة المقاطعة اليهودية من جذورها وتقضي عليها تماماً في نهاية الأمر. فصعَّد النازيون حملتهم الإعلامية الذكية، وأعلنوا يوم 27 أغسطس عن صفقة برتقال ضخمة مع المستوطن الصهيوني (أشار إليها أحد صهاينة الخارج بـ «البرتقالة الذهبية» قياساً على «العجل الذهبي» ) . وأرسل أُنترماير برقية يطلب فيها أن ينكر المؤتمر أن مثل هذه الصفقة قد أبرمت، وهدد بأنه إن كان الأمر حقيقة ولم يتم إلغاء الصفقة، فإن المنظمة الصهيونية الأمريكية ستنسحب من المنظمة الصهيونية. وفي يوم 31 أغسطس، نشرت الحكومة الألمانية النص الكامل لاتفاقية الهعفراه، فقُوبل الحدث بعدم تصديق من جانب يهود الخارج. ونشرت جويش كرونيكل النص باعتباره نكتة نازية رائعة، كما أنكرت الدائرة السياسية للوكالة اليهودية أية علاقة لها بالموضوع، ولكنها تراجعت عن ذلك بالتدريج واعترفت بإبرام الاتفاقية. وفي يوم 2 سبتمبر، طرح العماليون مشروع قرار يحكم سيطرتهم الكاملة على الصهاينة التوطينيين جاء فيه: "كجزء من الانضباط الصهيوني، لا يُسمَح لأي فرد أو مجموعة داخل المنظمة الصهيونية أن يشتغل بالسياسة الخارجية، أو أن يتصل بالحكومات الأجنبية أو بعصبة الأمم، أو أن يقوم بأية نشاطات سياسية من شأنها المساس بصلاحيات اللجنة التنفيذية". ويتضمن هذا القرار تحريماً لكل أشكال الاحتجاج ضد النازية وضمن ذلك اتفاقية الهعفراه. وقد تم التصويت على القرار الساعة الثالثة صباحاً ووُفق عليه، وأُجِّل التصويت على الاتفاقية ذاتها حتى آخر يوم. وبعد طرح مشروع قرار عمالي ومشروع قرار مضاد، قام الزعيم العمالي برل كاتزنلسون فتحدث عن الانضباط وكيف أن مناقشة الهعفراه خرق له، وبيَّن للمؤتمرين أنه توجد، في كل الاجتماعات الديموقراطية، مسائل مهمة لا يمكن مناقشتها. ثم اختتم كلمته قائلاً إن على كل هيئة صهيونية أن تعترف بأن إرتس يسرائيل لها أولوية على أي شيء آخر، وأهم واجب هو إنقاذ حياة اليهود وممتلكاتهم من الخطر الذي يتعرضون له (ورغم أنه استخدم لغة الإنقاذ والإغاثة إلا أنه أحاطها بالإطار الأيديولوجي بتأكيده أولوية المستوطن على أي شيء آخر) . وقد وافق المؤتمر على مشروع القرار العمالي، الذي لم يأت فيه سوى أنه لن يتم اتخاذ أي شيء من شأنه أن يتعارض مع موقف المؤتمر فيما يتصل بالمسألة اليهودية الألمانية، أي أنه لن يقوم أي شخص بأي نشاط وسيُترك الأمر برمته للجنة التنفيذية. وقد وافق المؤتمرون في الجلسة نفسها على أن يصبح علم المنظمة هو علم الدولة، وأن يصبح نشيد الهاتيكفاه النشيد الوطني للدولة عند إنشائها، وأنشد المؤتمرون النشيد واختتمت أعمال المؤتمر. وقد أدركت جويش كرونيكل في 3 سبتمبر أن الاتفاقية لم تكن نكتة نازية خفيفة بل حقيقة صهيونية نازية ثقيلة مريرة، ونشرت جرائد أخرى أنباء الاتفاقية وما حدث في المؤتمر. وكان المؤتمر اليهودي العالمي الثالث على وشك الانعقاد في جنيف في 8 سبتمبر. ولما كانت أنباء الاتفاقية قد أصبحت معروفة ولم يعد هناك أي لبس أو إبهام، فقد كان من الممكن اتخاذ قرار في هذا الشأن. وكانت هذه الفرصة كما يقول إدوين بلاك، هي "الفرصة الأخيرة "أمام اليهود والصهاينة لكي يتخذوا قراراً حاسماً (وخصوصاً أن حركة المقاطعة في الأوساط غير اليهودية كانت آخذة في التزايد) . ولكن المؤتمر اليهودي اجتمع وفشل في اتخاذ قرار محدد بخصوص المقاطعة نتيجة الضغط الصهيوني، واكتفى بتأييد المعارضة التلقائية بين الجماهير. وقد تم إفشال المؤتمر بإشراف الزعيم الصهيوني الأمريكي ستيفن وايز، وكان قد أفشل قبلاً اجتماع أُنترماير في أمستردام ولندن. وحينما عُرضت الاتفاقية مرة أخرى على المؤتمر الصهيوني التاسع عشر (1935) ، بهدف نقضها، رُفض مشروع القرار وتقرر وضع نشاطات الهعفراه كافة تحت إشراف الإدارة الصهيونية. وقد حققت اتفاقية الهعفراه نجاحاً باهراً من وجهة نظر النازيين والصهاينة. فقد نجح النازيون في تصديع أسس المقاطعة اليهودية لألمانيا دون أن يضطروا إلى إجراء أي تعديل في سياستهم تجاه اليهود. وأما بالنسبة إلى المستوطنين، فإن فترة الهعفراه تُعُد أهم فترة في تاريخ المُستوطَن إذ تم تزويده بعدد كبير من أعضاء المادة البشرية المطلوبة وبرأس المال اللازم للبنية التحتية. وقد بلغ عدد اليهود الألمان الذي هاجروا إلى فلسطين في الفترة الواقعة بين عامي 1933 و1941 (بموجب الاتفاقية) نحو 52.300 ويُشكِّلون 25% من مجموع المهاجرين اليهود إلى فلسطين خلال الفترة نفسها. وكان بينهم 6.529رأسمالياً يمثلون إضافة اقتصادية ضخمة للمستوطن و6.700مهاجر من أبناء الطبقة الوسطى المثقفة غالبيتهم من الأطباء والمحامين والمهندسين والصناعيين. كما ذكر ناحوم جولدمان في مذكراته أنه حينما قابل رئيس وزراء تشيكوسلوفاكيا عام 1935، اتهم الرئيس الصهاينة برفضهم الاشتراك في المحاولات الرامية إلى مقاطعة هتلر، بل تخريبها بإبرامهم اتفاقية الهعفراه. وكان تعليق جولدمان الوحيد على ذلك أنه شعر حينذاك بالبؤس والخجل إلى درجة لم يشعر بها من قبل، وأن رئيس الوزراء كان على حق فيما يقول. ومما يجدر ذكره أن اتفاقية الهعفراه ظلت سارية المفعول حتى عام 1939 مع نشوب الحرب العالمية الثانية، ثم توقف العمل بموجبها ولكن دون أن تُلغى رسمياً. المجالس اليهودية Judenrat » المجالس اليهودية» ترجمة للعبارة الألمانية «يودين رات Judenrat» . وهي مجالس كان يقيمها النازيون بين الجماعات اليهودية التي تقع تحت سلطتهم. وكان سلوك أعضاء المجالس يندرج تحت واحد من أربعة أنماط: 1 ـ تعاون من نوع ما في المجالات الاقتصادية والمادية. 2 ـ استعداد للاستجابة للمطالب النازية حين يتعلق الأمر بمصادرة الممتلكات والأشياء المادية الأخرى، مع رفض كامل لتسليم اليهود. 3 ـ قبول اضطراري لإبادة جزء من الجماعة اليهودية على أمل إنقاذ الجزء الآخر. 4 ـ خضوع كامل للمطالب النازية نظير حماية مصالح القيادة اليهودية. ويبدو أن القيادات اليهودية القديمة كانت تسلك وفق النمطين الأولين. ولكن النمطين الثالث والرابع سادا في المراحل الأخيرة حينما ترأست المجالس اليهودية شخصيات يهودية جديدة لم تضطلع بدور القيادة من قبل. وكان النازيون يحاولون، قدر المستطاع، أن يضموا إلى هذه المجالس العناصر الصهيونية أو اليهودية القومية باعتبارها عناصر حديثة تشاركهم الرؤية في أن أوربا ليست وطن اليهود، وأنه يجب إخلاؤها منهم، وأن كفاح اليهود (باعتبارهم شعباً عضوياً [فولك] ) يجب أن ينصرف إلى الهجرة لا إلى المقاومة والثورة. وقد نجحت هذه المجالس في إدارة أمور الجماعات وضمان سكوتها. وكان كثير من الصهاينة أعضاء في هذه المجالس، بل يُقال إن النازيين كانوا يفضلون الصهاينة على غيرهم من اليهود بسبب اتفاق الفريقين في المنطلقات الفكرية بينهما. وتُثير المجالس اليهودية قضية التعاون مع النازيين. وقد عَرَّفت الموسوعة اليهودية (جودايكا) التعاون بأنه علاقة تعني قدراً من المشاركة، وأنها اتفاق إرادي حر بين فريقين. ومن ثم خَلُصت الموسوعة إلى أنه لا يمكن اتهام المجالس اليهودية بالتعاون مع النازيين، لأنها كانت مجرد أداة سلبية خاضعة للضغط النازي تنفذ ما يُطلب منها. كما أن المقاومة على أي حال لم تكن تُجدي فتيلاً لأن المخطط النازي كان لابد أن ُينفَّذ مهما كان حجم المقاومة. ووجهة النظر التي تطرحها الموسوعة اليهودية مقبولة إلى حدٍّ كبير، وتتسم بشيء من التعاطف الإنساني المطلوب مع أفراد وجدوا أنفسهم تحت سكين الجلاد فسلكوا سلوكاً إجرامياً قد لا يوافقون عليه بالضرورة، ولهذا فلا يمكن أن يُعدوا مسئولين عما ارتكبوه من جرائم. لكن التعاطف الإنساني يجب ألا َيعرف أية حدود، ويجب ألا ُيميِّز بين اليهود والأغيار، ولذا ينبغي أن يُطبَّق هذا المعيار على كل من تعاون مع النازيين، فهم أيضاً كانوا يعيشون في ظل الإرهاب النازي، وكثيرون منهم نفذوا تعليمات النازي خشية الإرهاب، ومن ثم لم يكن هناك أي قدر من المشاركة والاختيار الحر. وانطلاقاً من ذلك، فإن محاكمة مجرمي الحرب، خصوصاً من صغار الموظفين، تصبح مسألة غير قانونية وغير إنسانية. بل إن قبول مثل هذه الأطروحة يجعل من الممكن استبعاد جميع المتعاونين تقريباً من قوائم الاتهام، بل تبرئة ساحتهم. فالنظام النازي كان نظاماً حديثاً شمولياً حقق مستوى عالياً من الكفاءة العميقة في الوصول إلى جميع الأفراد وفي محاصرتهم إعلامياً، وكان يمتلك جهازاً أمنياً تنفيذياً قادراً على الحركة السريعة، وعلى معاقبة كل المنحرفين. وكان المنحرفون من الألمان يُعاقبون بقسوة بالغة، لأنهم أعضاء في الشعب الألماني العضوي (المختار) وانحرافهم أمر غير مفهوم وغير مبرر، ويتطلب إنزال عقوبات عليهم تفوق ما ينزل على البشر العاديين من عقوبات. أما افتراض عدم جدوى المقاومة من البداية فهو افتراض خاطئ، إذ يمكن للمرء تخيل ملايين الضحايا من اليهود وغير اليهود وقد رفضوا أن يستقلوا القطارات التي تقلهم إلى معسكرات السخرة والإبادة تحت ظروف الحرب، فلعل مثل هذه المقاومة كانت ستوقف آلة الحرب الألمانية أو على الأقل ترهقها لدرجة تجعل القيادة تعدل عن تنفيذ مخططها الإبادي. وهنا تبرز مسئولية مجالس اليهود، فهي التي قامت بتهدئة الضحايا بشتى الوسائل وبإقناعهم بالرضوخ حتى تم تنفيذ المخطط النازي أو معظمه. ويذهب أيزياه ترانك (في كتاب له صدر عام 1972) إلى أن هناك من يرى أنه لو لم يتبع اليهود تعليمات المجالس اليهودية لتمكن ما يزيد عن نصفهم من الهرب من الإبادة. ويرى المفكر الديني اليهودي ريتشارد روبنشتاين أن تراث يهود العالم، منذ أن تركوا فلسطين بعد تحطيم الهيكل، ولَّد فيهم قابلية للاستسلام والخنوع، وأن هذه القابلية هي التي جعلت بإمكان المجالس اليهودية أن تلعب هذا الدور، وأن تضع أعضاء الجماعات اليهودية في براثن النازي. رابطة الثقافة اليهودية Juedischer Kulturbaund «رابطة الثقافة اليهودية» (بالألمانية: يوديشر كولتوربوند Juedischer Kulturbund) منظمة ألمانية يهودية تأسست في ألمانيا النازية عام 1933، بمبادرة من النظام النازي وبعض المثقفين الألمان اليهود مثل كورت باومان وكورت سنجر ويوليوس باب وفرنر ليفي. وتصدر الجماعة عن الإيمان بفكرة الشعب العضوي والشعب العضوي المنبوذ. حيث ذهبوا إلى أن أعضاء الجماعة اليهودية هم أعضاء في شعب عضوي (فولك) ، ومن ثم لا يحق لهم المشاركة أو المساهمة في الحياة الثقافية العامة في ألمانيا، وهو افتراض قبله الصهاينة وكثير من المثقفين اليهود في ألمانيا وخارجها قبولاً تاماً. وكان مفهوم الشعب العضوي هو القيمة الحاكمة والمسلمة النهائية في المنظومة النازية، ولذا بارك جوبلز وزير الدعاية النازي نفسه فكرة تأسيس الرابطة التي استمرت في نشاطها حتى عام 1941، وكانت بمنزلة المنبر الأساسي للكُتَّاب والموسيقيين اليهود. وقد بلغ عدد أعضائها 17 ألفاً ثم زاد إلى 19 ألفاً بعد عدة شهور، وكان يعمل فيها عدد كبير من الموظفين و125 من الموسيقيين والممثلين والمغنين، وكانت تطبع بعض منشوراتها بالعبرية واليديشية (الوعاء الثقافي لتراث الشعب العضوي) . ونظراً لنجاح الرابطة، تم في عام 1938 تأسيس شبكة قومية من فروع الرابطة في كل أنحاء ألمانيا بلغ عددها 168 فرعاً، وبلغ عدد أعضائها 180 ألفاً (أي أنها كانت تضم معظم يهود ألمانيا الراشدين) ، بل بلغ حجم العضوية في برلين وحدها ما بين 12 ألفاً و18 ألفاً. وبلغ عدد الفنانين اليهود التابعين للرابطة حوالي ألفين. وقامت الرابطة بتنظيم ما يقرب من 8457 برنامجاً تشمل محاضرات وحفلات ومسرحيات وعروضاً فنية. وحققت إيراداً بلغ مليوناً وربع مليون مارك. كما كان لها جريدتها الخاصة. وقد شاركت الرابطة بنشاط ملحوظ في الدعاية النازية، سواء في الداخل أم في الخارج. ففي الداخل، قامت الرابطة بزيادة التماسك العضوي والوعي اليهودي بين أعضاء الجماعة اليهودية، الأمر الذي يعني زيادة عزلتهم وإعطاء مصداقية للرؤية النازية لليهود. أما بالنسبة للخارج، فكانت تعطي صورة مشرقة للحكم النازي في علاقته باليهود وفي سماحه لهم بالإفصاح عن هويتهم العضوية. ورغم أن أغلب البرامج الثقافية والعلمية المقدمة من قبَل الرابطة كانت تخضع لرقابة البوليس السري (جستابو) وغرفة الفنون والثقافة ثم لرقابة قيادات الحزب النازي في برلين، إلا أن السلطات النازية حرصت على استمرار نشاط الرابطة حتى بعد أحداث عام 1938، حينما تم الهجوم على الممتلكات اليهودية وإلقاء أعداد كبيرة من أعضاء الجماعة اليهودية في معسكرات الاعتقال، واستجابت لمطالب رؤساء الرابطة الخاصة بالسماح لهم باستخدام المسارح الألمانية لتقديم عروض الرابطة وتأسيس دور عرض سينمائي خاصة بها. كما عرضت تقديم دعم مالي لها، وقامت بتقديم الأرباح التي حققتها من خلال جريدتها ودور العرض السينمائي إلى المنظمات المختصة بتنظيم هجرة أعضاء الجماعة اليهودية إلى خارج ألمانيا. وقد نجح بعض قادة الرابطة في الهجرة، وتم حل الرابطة بشكل نهائي عام 1941 بأمر من الحكومة. ولم تكن هذه الرابطة حادثة عرضية في تاريخ علاقة النازيين بالجماعة اليهودية. فقد أظهر النازيون دائماً اهتماماً غير عادي بالثقافة اليهودية باعتبارها تعبيراً عن أن الشعب اليهودي شعب عضوي مستقل. ولذا، أسست السلطات النازية أهم متحف يهودي في العالم آنذاك في تشيكوسلوفاكيا (ولا يزال هذا المتحف قائماً) . وفي مستوطنة تيريس آينشتات، ازدهرت الثقافة اليهودية، وكانت الفرق الموسيقية تقدم عروضاً للزوار الأجانب وتصور الأفلام وتوزعها على العالم. ولم يكن سلوك النازيين (هذا) ينم عن أي تسامح أو اضطهاد، وإنما هو تعبير عن إيمان بأن القومية العضوية تشكل أرضية تفاهم مشتركة بينهم وبين الصهاينة، وهي أرضية لا توجد بينهم وبين أي فريق يهودي آخر. تيريس آينشتات Thereseinstadt » تيريس آينشتات Thereseinstadt» مدينة في تشيكوسلوفاكيا (وتُسمَّى «تيريزين» بالتشيكية) حولها النازيون إلى مستوطنة نموذجية بين عامي 1941 و1945. رُحِّل إليها حوالي 150.000يهودي من يهود وسط أوربا وغربها من المتميِّزين أو المسنين أو اليهود من أبناء الزيجات المختلطة. وقد أيد زعماء الجماعة اليهودية في تشيكوسلوفاكيا الخطة، باعتبار أن هذا يعني بقاء يهود تشيكوسلوفاكيا في وطنهم. ويُقال إن الهدف النازي من تأسيس هذه المستوطنة النموذجية كان إعلامياً بحيث تقدم للإعلام العالمي باعتبارها مثالاً على "حياة اليهود الجديدة تحت حماية الرايخ الثالث" (وهو اسم أحد الأفلام التي صُورت في المستوطنة (. وقد أدار المستوطنة مجلس من الكبراء يضم القادة اليهود ويترأسه أحد كبراء اليهود كانت تعينه السلطات الألمانية. وتمتعت المستوطنة بحريات كثيرة، حيث كان لها نظامها التعليمي ونظامها البريدي المستقل ومكتباتها وهويتها الثقافية. ومن ثم، كان من مسئوليات مجلس الكبراء الحفاظ على النظام في المستوطنة وتوزيع العمل فيها وتوطين المستوطنين الجدد والعناية بالصحة وبالمسنين والأطفال والإشراف على النشاط الثقافي. كما كان يتبع المستوطنة نظام قضائي مستقل (أي أن تيريس آينشتات كانت تتمتع بالحكم الذاتي) . وقد سمحت السلطات النازية لسلطات الصليب الأحمر بزيارة المستوطنة وبالاجتماع بمجلس الكبراء. وقد رُحِّل حوالي 140.937 يهودياً إلى مستوطنة تيريس آينشتات من بينهم 33.529 ماتوا فيها، أي حوالي 25%، ورُحِّل حوالي 88.196إلى معسكرات الاعتقال. وحينما تم تحرير المستوطنة وكان يوجد فيها 17.247 شخصاً. وتثير هذه المستوطنة الكثير من القضايا: 1 ـ يُلاحَظ اشتراك المجالس اليهودية مع السلطات النازية في كل الأنشطة سواء الإعداد والتخطيط للمستوطنة أو إدارتها أو مقابلة مندوبي الصليب الأحمر الدولي. وهذا التعاون يثير واحدة من أهم القضايا الأساسية في ظاهرة الإبادة النازية لليهود، أي مدى اشتراك قيادات الجماعات اليهودية في عملية الإبادة. 2 ـ وتثير المستوطنة قضية ترشيد الإبادة، فلم يكن النازيون مجرد جزارين على الطريقة التقليدية، وإنما كانوا يلجأون إلى التخطيط العلمي الدقيق وإلى التفرقة بين اليهود المتميِّزين واليهود العاديين. 3 ـ ويمكن التساؤل أيضاً عما إذا كان هدف النازيين هو توظيف اليهود أم إبادتهم. 4 ـ ولا تختلف علاقة المستوطنة بالسلطات النازية عن علاقة أية دولة في العالم الثالث بالقوة الإمبريالية التي تحكمها، والحريات التي كان يتمتع بها سكان المستوطنة لا تزيد كثيراً عن تلك التي تعرضها الحكومة الصهيونية على سكان الضفة الغربية باسم الحكم الذاتي، وهو ما يجعلنا نذهب إلى القول بأن التجربة النازية جزء لا يتجزأ من الحضارة الغربية. 5 ـ ومن القضايا الأخرى التي تثيرها المستوطنة، عدد اليهود الذين تمت إبادتهم عن طريق أفران الغاز. فالموسوعة اليهودية (جودايكا) تتحدث عن أن ربع سكان هذه المستوطنة المثالية التي تتمتع بظروف خاصة ماتوا بسبب ظروف الحرب، وأنه في أبريل 1945 وصل إلى تيريس آينشتات 14.000 سجين من معسكرات الاعتقال الأخرى، فاجتاحت الأوبئة سكان المستوطنة وهلك منهم ومن المرحلين الجدد الآلاف، واستمرت الأوبئة في حصدهم حتى بعد سقوط النظام النازي. فإذا كانت الأوبئة قد حصدت حياة الألوف قبل بعد انتهاء الحرب، ألا يثير هذا قضية عدد اليهود الذين أُبيدوا عن طريق أفران الغاز؟ جيتو وارسو Warsaw Ghetto أسس النازيون جيتوات كانت تأخذ شكل مناطق قومية تتمتع بقدر كبير من الاستقلال، فكان يتم إخلاء رقعة من إحدى المدن من غير اليهود ثم يُنقل إليها عشرات الآلاف من اليهود. ومن أشهر هذه المناطق جيتو وارسو ولودز وريجا في بولندا ومستوطنة تيريس آينشتات «النموذجية» في بوهيميا. ومن أهم الجيتوات جيتو وارسو الذي بلغ عدد القاطنين فيه عام 1941 حوالي نصف مليون يهودي يعيشون في رقعة صغيرة حولها حائط ارتفاعه ثمانية أقدام، وكان له اثنان وعشرون مدخلاً يقف على كلٍّ منها ثلاثة جنود، أحدهم ألماني والثاني بولندي مسيحي والثالث بولندي يهودي. وكان التعريف الذي تبناه الألمان للهوية اليهودية هو تعريف قوانين نورمبرج وهو أن اليهودي يهودي بالمولد وليس بالعقيدة (وهو التعريف الذي تبنته فيما بعد دولة إسرائيل والذي يستند إليه قانون العودة الصهيوني) . ويجب النظر إلى تجربة الجيتو هذه في ضوء المخطط النازي ذي الطابع الصهيوني الواضح الذي ينطلق من تصور استقلال اليهود كشعب عضوي منبوذ له شخصيته القومية المستقلة. ولذا كان للجيتو مؤسساته المستقلة الخاصة به (عملة خاصة ـ وسائل نقل خاصة ـ خدمة بريدية ـ مؤسسات الرفاه الاجتماعي) . كما سُمح لجيتو وارسو بأن يكون له نظامه التعليمي، وبأن يفتح المكتبات لبيع الكتب واستعارتها، وبأن يصدر جريدته اليومية بل كان له ميليشيا ومحاكم خاصة به، أي أن الجيتو كان بمثابة دولة صغيرة منعزلة ثقافياً واقتصادياً عما حولها، وهو بهذا استمرار لتقاليد القهال والإدارة الذاتية والشتتل التي يمجدها الصهاينة في كتاباتهم، وهو يشبه في كثير من الوجوه الدولة الصهيونية المشتولة في الشرق الأوسط. وكان يدير الدويلة/الجيتو «سلطة يهودية» أو «مجلس كبراء» ، تُعيِّن السلطات النازية أعضاءه. ولكن استقلالية الدويلة/الجيتو لم تكن كاملة، إذ كان الجيتو يقوم باستيراد كل المواد الخام والطعام والملابس التي يحتاجها من سلطة الاحتلال النازية على أن يسدد ثمن الواردات بالمنتجات الصناعية (الملابس والمصنوعات الجلدية) التي كان ينتجها الجيتو. كما كان على المجلس أن يقدم عدداً من العمال يومياً يبيعون عملهم لتسديد واردات الجيتو. وكان العامل البولندي، يهودياً كان أم غير يهودي، يتقاضى ربع ما يتقاضاه العامل الألماني. ولا ندري هل وضع النازيون مخططاً لإبادة يهود جيتو وارسو (بالمعنى الخاص للكلمة، أي بمعنى التصفية الجسدية) من خلال فرض وضع اقتصادي غير متكافئ عليهم بحيث يمكن استنزافهم لصالح النازيين، أم أن عملية الإبادة تمت كنتيجة حتمية، ليست بالضرورة متعمدة، للبنية الاستغلالية التي فرضها النازيون؟ فقيمة السلع التي كان ينتجها الجيتو والخدمات التي يقدِّمها كانت دائماً دون حد الكفاف ولا تفي بالاحتياجات المادية الأساسية للعاملين اليهود الأساسيين، الأمر الذي كان يعني سوء التغذية داخل الجيتو وتناقص عدد سكانه مع ضمان تدفق فائض القيمة بشكل مستمر إلى النازيين. وقد أدَّى عدم تكافؤ العلاقة بين الدولة النازية والدويلة/الجيتو اليهودية إلى أن السكان زادوا فقراً وزادت حاجتهم إلى المواد الغذائية، فكانوا يموتون جوعاً ويهلكون بالتدريج وببطء دون أفران غاز. وقد قام أحد الباحثين بدراسة إحصائية دقيقة لهذه الإبادة التدريجية البطيئة (عن طريق التجويع) مستخدماً جيتو وارسو أساساً لدراسة الحالة. فأشار إلى أن الفترة من 1939 إلى 1942، أي خلال ستة وثلاثين شهراً، شهدت زيادة عدد الوفيات بشكل ملحوظ. فحسب معدل الوفيات بين أعضاء الجماعة اليهودية قبل الحرب كان من المفروض أن يكون عدد الوفيات 12.600 في العام. ولكن الجوع والمرض (وكذا غارات الحلفاء وأحكام الإعدام) أدَّت معاً إلى موت 88.568 ألفاً في العام، وهو عدد يشكل 19% من مجموع سكان جيتو وارسو البالغ عددهم خمسمائة ألف، الأمر الذي يعني أنه كان من الممكن اختفاء كل سكان الجيتو خلال ثمانية أعوام دون أفران غاز. ويمكن أن نضيف أن هذه العملية كانت ستتسارع في السنوات الأخيرة بسبب زيادة ضعف وهزال سكان الجيتو، ومن ثم، فإن خمس أو ست سنوات كانت كافية في تصوُّرنا لإتمام هذه العملية. وكانت علاقة الدولة النازية بدويلة/جيتو وارسو علاقة كولونيالية لا تختلف كثيراً عن علاقة إنجلترا بمستعمراتها أو علاقة الدولة الصهيونية بالسلطة الفلسطينية في غزة وأريحا (كما يتخيلها الصهاينة) . وربما كان الفارق الأساسي هو درجة التحكم، إذ أن جيتو وارسو كان كياناً صغيراً متخلفاً، ومن ثم كان بالإمكان التحكم فيه بدرجة كاملة أو شبه كاملة، على عكس الضفة الغربية وغزة حيث يوجد كيان حضاري مركب يعود إلى أعماق آلاف السنين ويتسم بتجذره، كما أن سكان " المناطق " المحتلة لم يتوقفوا قط عن المقاومة. وكل هذا جعل التحكم في فلسطين المحتلة بعد عام 1967 أمراً صعباً إن لم يكن مستحيلاً. ويدل سلوك الإسرائيليين تجاه السلطة الفلسطينية في غزة وأريحا أنهم استبطنوا هذا الجانب من تجربة يهود أوربا مع النازية. فهم يحاولون أن تكون علاقتهم مع هذه السلطة تشبه في معظم الوجوه علاقة الحكم النازي بالسلطة اليهودية في جيتو وارسو أو مستعمرة تيريس آينشتات. جماعة شتيرن والنازية Stern and Nazism جماعة صهيونية مراجعة حاولت التعاون مع النازيين باعتبار أن ثمة فارقاً عميقاً بين ما سمته الجماعة «مضطهدي الشعب اليهودي» وأعدائه. فمضطهدو الشعب اليهوي أمثال هامان وهتلر موجودون في كل زمان (فالصهاينة يؤمنون بحتمية العداء لليهود واليهودية) . ولكن الأمر جدُّ مختلف بالنسبة لأعداء اليهود، فهؤلاء هم الأجانب الذين يهيمنون على فلسطين ويمنعون اليهود من العودة إليها لينهوا حالة المنفى ويؤسسوا وطنهم القومي فيها. وبناءً على هذه الأطروحة الصهيونية الراديكالية لم يجد أعضاء شتيرن أية غضاضة في التفاوض مع النظم الشمولية بهدف التعاون الوثيق معها. فعقدوا اتفاقاً مع حكومة موسوليني تعترف بمقتضاه الحكومة الفاشية بالدولة الصهيونية على أن يقوم أعضاء شتيرن بالتنسيق مع القوات الإيطالية حين تقوم بغزو فلسطين. ولكن التعاون مع النازيين كان هو الهدف الحقيقي. ولتحقيق هذا الغرض أرسل أعضاء شتيرن مندوباً إلى بيروت (التي كانت تحت سيطرة حكومة فيشي الموالية للنازيين) للتفاوض مع قوات المحور. وقد قابل هذا المندوب، في يناير 1941، مواطنين ألمانيين أحدهما هو أوتو فون هنتج، رئيس القسم الشرقي في وزارة الخارجية الألمانية، والذي كان يشعر بالإعجاب العميق بالصهيونية. وبعد الحرب اكتُشفت وثيقة (في أرشيف السفارة الألمانية في أنقرة) أرسلتها جماعة شتيرن للحكومة الألمانية تتصل بإيجاد حل للمسألة اليهودية في أوربا واشتراك أعضاء جماعة شتيرن إلى جانب القوات النازية في الحرب ضد قوات الحلفاء. وتنص الوثيقة على أن إجلاء الجماهير اليهودية من أوربا هو شرط مسبق لحل المسألة اليهودية. وقد عبَّر كاتب الوثيقة عن وجود نقط تماثل بين النازية والصهيونية. (وصفت شتيرن نفسها بأنها حركة تشبه الحركات الشمولية في أوربا في أيديولوجيتها وبنيتها) . كما تذكر الوثيقة وجود مصالح مشتركة بين النازيين والصهيونية، وتُعبِّر عن تقدير جماعة شتيرن للرايخ الثالث لتشجيعه النشاط الصهيوني داخل ألمانيا وللهجرة الصهيونية إلى فلسطين. وتؤكد الوثيقة ضرورة التعاون بين ألمانيا الجديدة والفولك العبري في المجال السياسي والعسكري. ولم يتلق الجانب الصهيوني رداً، ولذا أرسلت جماعة شتيرن مندوباً آخر في ديسمبر من نفس العام إلى تركيا (بعد احتلال البريطانيين للبنان) ولكن قُبض على هذا العميل. وكان إسحق شامير، رئيس وزراء إسرائيل السابق، عضواً في جماعة شتيرن. ويؤكد الباحث الإسرائيلي باروخ نادل أن شامير كان يعرف بخطة شتيرن للتعاون مع النازيين. وحينما عُيِّن وزيراً للخارجية ثار الرأي العام العالمي بسبب تعيين إرهابي مثله (قام بتدبير عملية اغتيال اللورد موين في القاهرة عام 1942 والكونت فولك برنادوت عام 1948) ، ولكن أحداً لم يتطرق إلى ماضيه النازي. عصبة الأشداء Brit Habiryonim «عصبة الأشداء» (أي الأقوياء) (بالعبرية: «بريت هابريونيم» ) جماعة صهيونية مراجعة أسسها آبا أحيمئير (1898 ـ 1962) ومجموعة من المثقفين الصهاينة مثل الشاعر أوري جرينبرج. وكان معظم مؤسسي الجمعية أعضاء في منظمات صهيونية عمالية ثم استقالوا منها. وقد تبنت الجماعة صياغة صهيونية لا تخفي إعجابها بالفكر النازي أو العنصرية النازية. وكما قال أحد كبار الصهاينة التصحيحيين «نحن التصحيحيين نكن الإعجاب الشديد لهتلر، فهو الذي أنقذ ألمانيا ولولاه لهلكت خلال أربعة أعوام، وسنتبعه إن هو تخلى عن معاداته لليهود» . وكانت مجلة عصبة الأشداء في فلسطين تزخر بالمقالات التي تمجد هتلر والهتلرية. وكان من بين هتافات أعضاء العصبة «ألمانيا لهتلر، وإيطاليا لموسوليني، وفلسطين لجابوتنسكي» . كما مجَّد أعضاء الجمعية الجوانب العسكرية في تاريخ العبرانيين، فكانوا يشبهون أنفسهم بجماعة حملة الخناجر، وهم فريق من جماعة الغيورين كانت تغتال الرومان واليهود الذين يتحالفون معهم، وذلك أثناء التمرد اليهودي الأول في فلسطين بين عامي 66 و73 ميلادية (واسم الجمعية نفسه «بريت هابريونيم» هو اسم إحدى الجمعيات الإرهابية اليهودية في تلك الفترة) . وكان أتباع الجمعية يرون أن الاغتيال السياسي ليس جريمة وإنما هو فعل ذو هدف ومعنى، وأن الدم والحديد هما الطريق الوحيد للتحرر. وكما قال أحميئير، فإن "الماشيَّح لن يأتي راكباً على حمار"، وهو ما يعني أن الماشيَّح الصهيوني سيأتي راكباً دبابة، حاملاً القنابل العنقودية! وتعود أهمية الجمعية إلى تأثيرها في حركة التصحيحيين ككل، فقد تحولت مجلتهم (التي صدرت ابتداءً من يناير 1932) إلى لسان حال العمال التصحيحيين، وشنت حملات شعواء على المعسكر العمالي بأسره. ورغم أن جابوتنسكي كان يحاول أحياناً أن يحتفظ بمسافة بينه وبين أعضاء الجمعية، إلا أنه كان يُعبِّر في خطاباته عن إعجابه بهم وتعاطفه معهم. ولم يتخذ أي إجراء تنظيمي ضدهم بل أطلق على أحيمئير (بنبرة لا تخلو من التهكم) اسم «معلمنا ومرشدنا الروحي» ، كما أن الحاخام إسحق كوك دافع عنهم. وتذكر موسوعة الصهيونية وإسرائيل أن مناحيم بيجين انضم إلى الجناح الراديكالي لحركة التصحيحيين الذي كان مرتبطاً بعصبة الأشداء (لم تذكر الموسوعة في المدخل عن أحميئير أي شيء عن اتجاهاته النازية المذكورة، واكتفت بالإشارة إلى أفكاره "الراديكالية") . وقد استمرت العلاقة بين بيجين وأحميئير حتى بعد إعلان الدولة، فسمح بيجين، باعتباره رئيس حزب حيروت، بأن يكتب أحميئير في الجريدة اليومية للحزب، إلى أن مات عام 1962. ألفريد نوسيج (1864-1943) Alfred Nossig أحد مؤسسي الحركة الصهيونية مع هرتزل، وأهم شخصية يهودية صهيونية متورطة في التعاون مع النازيين، وهو فنان وشاعر وموسيقار من أصل بولندي وخلفية ثقافية ألمانية، كانت مواهبه متعددة ومتنوعة عبَّر عنها من خلال الأدب (قصائد ومسرحيات ومقالات في النقد الأدبي) والموسيقى (لبريتو لإحدى الأوبرات) والنحت (عُرضَت تماثيله في معظم أرجاء أوربا وذاعت شهرته كنحات) . وقد بدأ حياته، شأنه شأن معظم الزعماء الصهاينة، خصوصاً الذين كانوا من أصل ثقافي ألماني، بالمطالبة بالاندماج الكامل لليهود، ثم أصبح محرراً في إحدى الصحف البولندية. وفي عام 1887، نشر كتيبه محاولة لحل المسألة اليهودية (بالبولندية) ، حيث اقترح إنشاء دولة يهودية في فلسطين والدول المجاورة. وقد ترك هذا الكتيب أثراً عميقاً على المثقفين اليهود في أوربا وخصوصاً في جاليشيا. ومنذ ذلك التاريخ، أصبح نوسيج نشيطاً في المجال الصهيوني فألَّف الكتب ودبج المقالات عن موضوع الاستيطان وغيره. وقد يتصوَّر البعض أن ثمة تناقضاً بين نزعته الاندماجية الأولى ونزعته الصهيونية بعد ذلك. ولكن هذا النمط معروف تماماً بين مؤسسي الحركة الصهيونية، ولا سيما أصحاب الخلفية الثقافية الألمانية. فهؤلاء يهود غير يهود، بمعنى أنهم حاولوا الاندماج بل الانصهار في الأغلبية لرفضهم لهويتهم اليهودية (الدينية والعرْقية) . ولكن المجتمع صنفهم «يهوداً» . ولهذا، أخذوا يبحثون عن طريقة أخرى للتخلص من اليهود، ووجدوا ضالتهم في الحل الصهيوني، الذي يرمي إلى نقل (ترانسفير) يهود أوربا خارجها، إلى أن يفرغها من يهودييها في نهاية الأمر. وهذه عملية ستقضي على الفائض البشري وتُسهِّل اندماج القلة التي ستبقى. شارك نوسيج في المؤتمر الصهيوني الأول (1897) ، واصطدم مع هرتزل لأسباب لا تذكرها المراجع التي عدنا إليها. ولكنه استمر في حضور المؤتمرات الصهيونية، وصوت ضد مشروع شرق أفريقيا (باعتبار أنه مشروع بريطاني، بينما كان متحمساً للمشروع الاستعماري الألماني) . ويبدو أن نوسيج كان عضواً في العصبة الديموقراطية، إذ أنه ساهم (عام 1902) مع مارتن بوبر وحاييم وايزمان وليو موتسكين في تأسيس أول دار نشر صهيونية في برلين نشرت العديد من الكتب. ويُعتبَر نوسيج واضع أساس علم الإحصاء الخاص بين الجماعات اليهودية، فنشر أعمالاً بين عامي 1887 و1903 ووضع أساس إنشاء المعهد الإحصائي والسكاني (الديموجرافي اليهودي.) وهدف الصهيونية (حسب تعريف معظم مؤسسيها) هو نقل اليهود من أوربا وإفراغها منهم لحل المسألة اليهودية، ونوسيج ينتمي إلى هذه المنظومة الفكرية التوطينية (الترانسفيرية) . فكان معظم فكره يدور حول تهجير اليهود، وكان هذا يأخذ شكل محاولة زيادة وعيهم بهويتهم اليهودية العضوية حتى َيضمُر ويذوي إحساسهم بالانتماء إلى أوربا. وقد أنجز نوسيج ذلك من خلال أعماله الفنية مثل تماثيله: «اليهودي التائه» و «يهودا المكابي» و «الملك سليمان» و «الجبل المقدَّس» (كان نوسيج يود أن توضع على جبل الكرمل رمزاً للدولة اليهودية) . كما أسس عام 1908 منظمة استيطانية تُسمَّى إيكو AIKO للتعجيل بنقل اليهود. فهو، شأنه شأن نوردو، كان في عجلة من أمره. ولعل طول الانتظار هو الذي دفعه إلى التعاون مع النازيين، لأنهم أيضاً ذوو نزعة توطينية ترانسفيرية. فعمل كمخبر للسلطات النازية إبان الحرب العالمية الثانية، وعيَّنه تشيرنياكوف، رئيس مجلس اليهود في وارسو إبان حكم النازي، عضواً في المجلس ورئيساً لقسم الفنون. ونظراً لمعرفته الوثيقة بأعداد اليهود وتوزعهم ومراحلهم العمرية المختلفة (بسبب دراساته التي أسلفنا الإشارة إليها) ، ونظراً لرغبته العميقة في إفراغ أوربا من يهودييها، وضع نوسيج خطة متكاملة لإبادة اليهود الألمان المسنين والفقراء (غير النافعين) وتهجير الباقين أو إبادتهم. وقد اكتشف أعضاء المقاومة اليهودية في جيتو وارسو تعاونه مع النازي وأنه عضو في الجستابو، فحُكم عليه بالإعدام رمياً بالرصاص ونُفِّذ الحُكم في 22 فبراير 1943. وقد اختفى نوسيج تماماً من الأدبيات الصهيونية والغربية. مردخاي رومكوفسكي (1877-1944 ( Mordechai Rumkowski صهيوني بولندي ورئيس المجلس اليهودي في جيتو لودز خلال الحرب العالمية الثانية. وُلد في روسيا ثم استقر في مدينة لودز مع بداية القرن العشرين. كان عضواً في الحزب الصهيوني العمومي، وقام بتمثيله في لجنة الجماعة اليهودية في لودز. كان رومكوفسكي مؤمناً بأن التعاون مع الألمان سيُعزِّز وضع اليهود، خصوصاً إذا زادت مساهمتهم وأهميتهم بالنسبة للمجهود الحربي الألماني. ولهذا عُيِّن، بعد احتلال الألمان لمدينة لودز عام 1939، رئيساً للمجلس اليهودي فيها، أي كبيراً لليهود، ومنحه المسئولون الألمان في جيتو لودز (الذي ضم 170 ألف يهودي) سلطات إدارية واسعة. وتَعزَّز موضعه القيادي بسبب مهارته التنظيمية، فكان مسئولاً عن إقامة الورش التي أمر الألمان بإنشائها لاستغلال عمل اليهود، والتي بلغ عددها 120 ورشة. ومع مرور الوقت، عمل رومكوفسكي على تركيز جميع السلطات في يده وأصبحت إدارته أكثر استبداداً. وعندما أمرت السلطات الألمانية الجيتو بإصدار عملة نقدية خاصة به (باعتباره كياناً يهودياً مستقلاً بدلاً من استخدام العملة البولندية أو الألمانية) ، طُبعت على الأوراق المالية الجديدة صورته. اشترك رومكوفسكي في عمليات ترحيل ونقل يهود لودز إلى معسكرات الاعتقال الألمانية، وكان مسئولاً مع معاونيه عن تحديد من سيتم ترحيله، الأمر الذي جلب عليه كراهية كثير من سكان الجيتو. وقد ضمت قوائم المرحلين كثيراً من معارضيه داخل الجيتو. وخلال الفترة بين يناير ومايو عام 1942، تم ترحيل 52 ألف يهودي من الجيتو بمعاونة رومكوفسكي الذي ظل مؤمناً بأن التعاون مع الألمان هو أفضل سبيل لتخفيف وطأة هذه المأساة. وقد قام الألمان بتصفية الجيتو في نهاية الأمر عام 1944، ورُحِّل رومكوفسكي مع أسرته إلى معسكر أوشفيتس حيث مات. وتُعَدُّ شخصية رومكوفسكي شخصية مثيرة للجدل في الأدبيات اليهودية التي تؤرخ لفترة الإبادة النازية، حيث يحمِّله البعض مسئولية إبادة يهود جيتو لودز. وهو يُعَدُّ مثلاً جيداً على ذلك التعاون بين قيادات الجماعات والمجالس اليهودية من جهة والسلطات النازية من جهة أخرى. آدم تشرنياكوف (1880-1932 ( Adam Czerniakow صهيوني بولندي ورئيس مجلس الجماعة اليهودية في وارسو خلال الحرب العالمية الثانية. وأول رئيس للمجلس اليهودي في وارسو، والذي شكلته سلطات الاحتلال النازية. كان تشرنياكوف من النشطين في مجال شئون الجماعة اليهودية في بولندا عقب الحرب العالمية الأولى، واهتم بشكل خاص بشئون الحرفيين اليهود الذين كانوا يشكلون 40% من تعداد الجماعة، وقام بالتدريس في شبكة المدارس اليهودية المهنية في وارسو. وانتُخب في الفترة بين عامي 1927 و1934 عضواً في مجلس مدينة وارسو، كما انتُخب قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية مباشرة عضواً في المجلس التنفيذي للجماعة اليهودية، ثم عيَّنه عمدة وارسو بعد اندلاع الحرب رئيساً لمجلس الجماعة اليهودية. وبعد احتلال القوات الألمانية للمدينة، عينته السلطات النازية رئيساً للمجلس اليهودي، وأوكلت إليه مهمة تنظيم الجماعة اليهودية في جيتو خاص بها، وكان على اتصال وثيق بالسلطات النازية، خصوصاً مع قوميسار الجيتو الألماني. وقد وجه بعض أعضاء الجماعة اليهودية انتقادات حادة للمجلس اليهودي ونشاطه وحاول بعضهم إقصاء تشرنياكوف. ويُقال إن تشرنياكوف لم يصدق، عندما بدأت عمليات ترحيل اليهود إلى معسكرات الاعتقال، أنه سيتم ترحيل اليهود بالفعل. ولكنه أدرك في نهاية الأمر أبعاد المخطط، فرفض التعاون مع الألمان ورفض التوقيع على أوامر الترحيل ولم يجد مخرجاً من مأزقه سوى الانتحار. وقد ترك تشرنياكوف يوميات دوَّن فيها جميع الأحداث الهامة التي جرت داخل الجيتو وجميع ملاحظاته ومشاهداته. وتعتبر هذه اليوميات مرجعاً مهماً لأوضاع وظروف جيتو وارسو إبان الاحتلال النازي. وتثير حياة تشرنياكوف قضيتين: أولهما قضية مدى مسئولية القيادات اليهودية عن نجاح النازيين في تنفيذ مخططهم. أما القضية الثانية فهي خاصة بمدى معرفة العالم الخارجي بما كان يدور في ألمانيا من عمليات تهجير وقمع وإبادة، إذ يذهب بعض الدراسين إلى أن العالم بأسره لم يكن يعرف شيئاً عما يدور في ألمانيا النازية وعن عمليات الإبادة، ومن ثم لم يتخذ أية إجراءات للحيلولة دون وقوع مثل هذه العمليات، بينما تصر الأدبيات الصهيونية على أن العالم ترك اليهود وحدهم لمصيرهم، الأمر الذي يعني صدق المعادلة الصهيونية البسيطة: اليهود ضد الأغيار. ولكن تشرنياكوف (وهو، كما بيَّنا، واحد من أهم الشخصيات القيادية اليهودية وكان يعيش داخل بولندا ويترأس الجيتو اليهودي في وارسو، وكانت تربطه علاقة يومية مع السلطات النازية) لم يكن يعرف شيئاً عن الترحيل أو عن أفران الغاز ولم يصدق ما كان يحدث من حوله، وقد تعاون مع النازيين، كما تُقرِّر المراجع الصهيونية، لأنه لم يكن يدرك إطلاقاً ما كان يحدث من حوله، ولم يصل إلى مسامعه شيء إلا في عام 1942، أي قرب نهاية الحرب، فكيف كان يمكن للعالم الخارجي أن يعرف عن الاعتقال والتهجير والإبادة؟ حاييم كابلان (1880-1942 ( Hayyim Kaplan مرب بولندي صهيوني دوَّن يومياته في جيتو وارسو أثناء الاحتلال النازي لبولندا. وُلد في بلوروسيا وتلقى تعليماً تلمودياً في المدرسة التلمودية العليا (يشيفا) ، ثم درس في المعهد الحكومي التربوي في فلنا. وفي عام 1902، استقر في وارسو حيث أسس مدرسة ابتدائية عبرية كانت جديدة في نوعها، وظل مديراً لها لمدة أربعين عاماً، وكان كابلان شديد التحمس للغة العبرية ومن العارفين بها والدارسين لها. وقد تبنى في تدريسه للعبرية الأسلوب أو المنهج المباشر، فكان يدرسها كلغة حية متداولة باستخدام اللهجة السفاردية. وأصدر كابلان عدة كتب بالعبرية يدعو فيها إلى تبني هذا المنهج في التدريس، وذلك رغم المعارضة القوية من المؤمنين بالأساليب التقليدية. كما اشترك كابلان بشكل نشط في جمعية الكُتَّاب والصحفيين اليهود في وارسو ونشر العديد من المقالات وأصدر العديد من المجلات العبرية واليديشية على مدى الأعوام الأربعين التي عمل بها في التدريس. كما أصدر، إلى جانب ذلك، كتباً خاصة بالنحو العبري وكتباً للأطفال تتناول ما يُسمَّى «الثقافة اليهودية» و «التاريخ اليهودي» . وكان كابلان من المؤمنين بالقومية اليهودية، أي الصهيونية، والتاريخ اليهودي الواحد، وكانت يهوديته ذات طابع قومي حيث لم يكن متمسكاً بممارسة الشعائر والتقاليد الدينية. وقد اتجه إلى فلسطين في عام 1936 حيث كان ينوي الاستقرار مع ابنيه اللذين هاجرا للاستيطان بها من قبل، إلا أنه عاد إلى وارسو بعد أن فشل في العثور على عمل. وتعود أهمية كابلان إلى أنه دوَّن يومياته وهو في جيتو وارسو أثناء الاحتلال النازي لبولندا وقبل أن يُدمَّر الجيتو بأكمله. وقد بدأ كابلان في كتابة يومياته بالعبرية ابتداءً من عام 1933 وسجل فيها الأحداث اليومية لمجتمع الجيتو، كما سجل أفكاره وحواراته مع أصدقائه وانطباعاته العديدة. وقد أدان كابلان القيادات اليهودية في الجيتو ومن بينها آدم تشرنياكوف رئيس المجلس اليهودي، الذي كان يقوم بتسليم اليهود إلى النازيين والذي انتحر فيما بعد. وقد نجح كابلان في تهريب يومياته إلى خارج الجيتو قبل أن يلقى حتفه عام 1942. وتتضمن اليوميات إدراكاً كاملاً للتشابه البنيوي بين النازية والصهيونية، إذ يُعبِّر كابلان عن دهشته لاضطهاد النازيين لليهود رغم أن الحل النازي هو نفسه الحل الصهيوني: الاعتراف باليهود كشعب عضوي منبوذ وطنه فلسطين ومن ثم يتعيَّن عليه أن يهاجر إليها. وقد دوَّن كابلان في مذكراته أن هذه الكلمات كانت جديدة على النازيين تماماً، وأنهم لم يصدقوا آذانهم حينما سمعوا ذلك لأول مرة من أحد اليهود. وهذه الملاحظة تدل على مدى جهل كابلان بمستوى المعرفة النازية بالمسألة اليهودية والعقيدة الصهيونية، وتدل على أنه لم يكن متابعاً للتعاون الوثيق بين النازيين والصهاينة في ألمانيا النازية. وتُرجمت يوميات كابلان إلى لغات عدة منها الإنجليزية والألمانية والفرنسية والدنماركية واليابانية، ونُشرت بالإنجليزية تحت عنوان مخطوطات العذاب. كورت بلومنفلد (1884-1963 ( Kurt Blumenfeld أحد الزعماء الصهاينة في ألمانيا، والقوة المحركة للمنظمة الصهيونية فيها. وهو يهودي ألماني وُلد لأسرة مندمجة، ولكنه خَلُص إلى أنه لا جدوى من الانعتاق وأن اليهود لن يكون في وسعهم الاندماج في المجتمع الألماني. تزوج بلومنفلد من فتاة من شرق أوربا، وبعد أن درس في كلية الحقوق في إحدى الجامعات الألمانية، انضم إلى المنظمة الصهيونية وأصبح سكرتيرها الأول عام 1909، ثم أصبح السكرتير العام للجنة التنفيذية للمنظمة الصهيونية العالمية (ورئيس قسم النشر) ، وترأس تحرير مجلة دي فيلت لسان حال المنظمة. وبعد الحرب العالمية الأولى، قام بحملات واسعة لجمع التبرعات للصندوق القومي اليهودي وأصبح رئيساً للمنظمة الصهيونية الألمانية عام 1924، وظل يشغل هذا المنصب حتى عام 1933، أي عندما تولى هتلر السلطة في ألمانيا. وقد هاجر بلومنفلد عندئذ إلى فلسطين واستوطن فيها وأصبح الرئيس التنفيذي للصندوق القومي اليهودي في فلسطين. ومات بلومنفلد عام 1963، ولكن المصادر الصهيونية لا تَذكُر شيئاً عن نشاطه السياسي منذ عام 1944 حتى وفاته، أي مدة عشرين عاماً، وهو أمر يحتاج إلى دراسة. كان بلومنفلد يرى نفسه «نبي» الصهيونية الألمانية في عصر ما بعد الاندماج وفشله، وبدأ يعلن عن مواقفه ويقوم بالجولات الإعلامية داخل ألمانيا وخارجها بوصفه مسئولاً صهيونياً، كما دأب على إلقاء خطب نارية ورفع شعارات سببت كثيراً من الحرج لأعضاء الأقلية اليهودية في ألمانيا. وكان بلومنفلد وراء إصدار ما يُسمَّى «قرار بوزن» الذي أصدرته المنظمة الصهيونية الألمانية عام 1912 وحدَّدت فيه الصهيونية كحركة قومية تُترجم نفسها إلى هجرة إلى فلسطين «الوطن القومي لليهود» . ووصف بلومنفلد هذا القرار بأنه كان بمنزلة إعلان للهجوم على صهيونية الإحسان (الغربية) ، أي الصهيونية التوطينية، وأن الصهيونية بصدوره أصبحت حركة ذات طابع قومي (استيطاني) واضح (وقد اعترف بلومنفلد أيضاً بأن الأعضاء وافقوا على قراره لأنهم لم يدركوا تضميناته السياسية الراديكالية (. رودولف كاستنر (1906-1957 ( Rudolph Kastner أحد زعماء الحركة الصهيونية في المجر. ترأس عدداً من المنظمات الشبابية الصهيونية، ورأس تحرير مجلة أوج كيليت Uj Kelet (أي «الشرق الجديد» ) ، وكان نائب رئيس المنظمة الصهيونية في المجر، ثم أصبح مسئولاً عن «إنقاذ» المهاجرين اليهود من بولندا وتشيكوسلوفاكيا، فقد كان يشغل منصب رئيس لجنة الإغاثة في بوادابست التابعة للوكالة اليهودية. قام كاستنر بالاتصال بالمخابرات المجرية والنازية (التي كان لها عملاء يعملون داخل المجر، حتى قبل احتلال القوات الألمانية لها) ، ثم استمر في التعاون مع النازيين بعد احتلالهم للمجر. وتشير بعض الدراسات إلى أن أيخمان حضر إلى المجر ومعه 150 موظفاً وحسب، وكان يتبعه عدة آلاف من الجنود المجريين، هذا بينما كان يبلغ عدد يهود المجر ما يزيد عن 800 ألف، وهو ما يعني استحالة ترحيلهم إلى معسكرات الاعتقال (السخرة والإبادة) إن قرروا المقاومة. ومع هذا نجح أيخمان في مهمته بفضل تعاون كاستنر معه، إذ يبدو أن كاستنر أقنع أعضاء الجماعة اليهودية في المجر بأن النازيين سيقومون بنقلهم إلى أماكن جديدة يستقرون فيها أو إلى معسكرات تدريب مهني لإعادة تأهيلهم وليس إلى معسكرات الاعتقال. ومقابل ذلك سمحت السلطات النازية (عام 1941) بإرسال 318 يهودياً ثم 1386 يهودياً من أحد معسكرات الاعتقال إلى فلسطين ( «يهود من أفضل المواد البيولوجية» على حد قول أيخمان) . استقر كاستنر في فلسطين عام 1946، وانضم إلى قيادة الماباي ورُشِّح للكنيست الأول. وانتقلت معه مجلة أوج كيليت، وأصبح رئيساً لتحريرها، بل كان يُعَدُّ مسئولاً عن شئون يهود المجر (أو من تبقى منهم) في الحزب الحاكم. ولكن في عام 1952 أرسل المواطن الإسرائيلي مايكل جرينوولد كتيباً لبعض القيادات الصهيونية اتهم فيها كاستنر بالتعاون مع النازيين، وأنه قام بالدفاع عن أحد ضباط الحرس الخامس (الإس. إس.) أثناء محاكمات نورمبرج الأمر الذي أدَّى إلى تبرئته وإطلاق سراحه. وقد قام الحزب الحاكم في إسرائيل بمحاولات مضنية لإنقاذ كاستنر وتبرئته. كما بيَّن كاستنر أثناء محاكمته أنه لم يكن يسلك سلوكاً فردياً وإنما تَصرَّف بناءً على تفويض من الوكالة اليهودية (التي أصبحت الدولة الصهيونية عام 1948) . ولم يكن كاستنر مبالغاً في قوله فالمواطن الإسرائيلي جويل براند كان على علم ببعض خفايا القضية وبمدى تورط النخبة الحاكمة في عملية المقايضة الشيطانية التي تمت. وقد طُلب منه الإدلاء بشهادته، ولكنه آثر ألا يفعل وبدلاً من ذلك كتب كتاباً بعنوان الشيطان والروح يقول فيه «إن لديه حقائق تبعث على الرعب وتدمغ رؤوس الدولة اليهودية (الذين كانوا رؤساء الوكالة اليهودية) » . وأضاف قائلاً «إنه لو نشر مثل هذه الحقائق لسالت الدماء في تل أبيب» . وقد قضت المحكمة الإسرائيلية بأن معظم ما جاء في كتيب جرينوولد يتطابق مع الواقع. وبعد إشكالات قضائية كثيرة، حُسمت المسألة (لحسن حظ الحزب الحاكم) حينما أطلق «أحدهم» الرصاص على كاستنر وهو يسير في الشارع. وقد تمت الجريمة رغم ورود تحذيرات لسلطات الأمن الإسرائيلية عن وجود مؤامرة لاغتيال كاستنر، بل كانت السلطات تعرف موعد تنفيذ المؤامرة. وقد سجل موشيه شاريت، رئيس الوزراء الإسرائيلي، هذه الكلمات في مذكراته: "كاستنر. كابوس مرعب. حزب الماباي يختنق. بوجروم.". ويشير براند في كتابه إلى أن "رجال السياسة الذين يتسمون بالحذر، كانوا لا يعرفون ماذا سيفعلون مع هذا الرجل بعد محاكمته"، وكانوا يفكرون في "إسكاته". العرب والمسلمون والإبادة النازية ليهود أوربا Arabs, Moslems, and the Nazi Extermination of European Jewry لعل من الضروري أن نتناول إشكالية تخصنا وحدنا كعرب وكمسلمين ومسيحيين وهي موقفنا من الإبادة النازية لليهود. أما موقفنا من الإبادة النازية كمسلمين وكمسيحيين فهو واضح تماماً لا لبس فيه. فالقيم الأخلاقية الدينية (الإسلامية والمسيحية واليهودية) لا تسمح بقتل النفس التي حرَّم الله إلا بالحق. وقد جاء في الذكر الحكيم: "من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض، فكأنما قتل الناس جميعاً". (المائدة ـ 32) . ويحاول الغرب إقحام الجريمة النازية داخل التاريخ العربي حتى يُبرِّر غرس الدولة الصهيونية الاستيطانية في وسط الوطن العربي، تعويضاً لليهود عما لحق بهم من أذى داخل التشكيل الحضاري الغربي وداخل حدود أوربا الجغرافية. وتحاول الدعاية الصهيونية، بممالأة الغرب، أن تنجز ذلك من خلال آليتين أساسيتين: 1 ـ تحاول الدعاية الصهيونية جاهدة أن تصوِّر المقاومة العربية للغزو الصهيوني لفلسطين وكأنها دعم مباشر أو غير مباشر للإبادة النازية، لأنها حالت في بعض الأحيان دون دخول المهاجرين اليهود لفلسطين. ومثل هذه الحجة لا أساس لها من الصحة. فالمقاومة العربية لم تكن ضد مهاجرين يبحثون عن المأوى وإنما كانت ضد مستوطنين جاءوا لاغتصاب الأرض وطرد أصحابها، تحت رعاية العالم الغربي، وبدعم من حكومة الانتداب البريطانية (ومن النازيين أنفسهم) ، وفي الوقت الذي كانت الدول الغربية توصد أبوابها دون المهاجرين اليهود. ومهما فعل الصهاينة (يؤيدهم في هذا العالم الغربي دون تحفُّظ) يظل حق المقاومة حقاً إنسانياً مشروعاً بل اجباً على كل إنسان يحترم إنسانيته، ويظل رفض الإنسان للظلم تعبيراً عن نبله وعظمته، بل إنسانيته. 2 ـ تحاول الدعاية الصهيونية أن تبين أن بعض الساسة العرب أظهروا تعاطفاً مع النظام النازي. وهذه أكذوبة أخرى. فمعظم الحكومات العربية وقفت مع الحلفاء (فالعالم العربي على أية حال كان يقع في دائرة الاستعمار الغربي) . كما أن النظرية النازية العرْقية كانت تضع العرب والمسلمين في مصاف اليهود، ولذا فأي تحالف مزعوم كان تحالفاً مؤقتاً لا يختلف عن حلف ستالين/هتلر. وهؤلاء الساسة (وبعض القطاعات الشعبية) ممن أظهروا التعاطف مع النازيين فعلوا ذلك لا كُرهاً في اليهود أو حباً في النازيين، وإنما تعبيراً عن عدائهم للاسعمار الإنجليزي والاستيطان الصهيوني. وهو، على أية حال، تعاطف يُعبِّر عن سذاجة وعن عدم مقدرة على القراءة الجيدة للأحداث، وعن عدم إلمام بطبيعة الغزوة النازية ومدى تَجذُّرها في المشروع الحضاري والإمبريالي الغربي ومدى رفضها العنصري للمسلمين والعرب. ولم يُترجم هذا التعاطف العام نفسه إلى اشتراك فعلي في الجريمة النازية، التي تحتفظ بخصوصيتها كظاهرة حضارية غربية. ولكن كل هذه المحاولات الدعائية الإعلامية الغربية الصهيونية لا تغيِّر شيئاً من الحقائق التاريخية أو الجغرافية أو الأخلاقية، الدينية والإنسانية. فالإبادة النازية لا تُشكِّل جزءاً من التاريخ العربي أو تواريخ المسلمين، ولم يلوث العرب والمسلمون أيديهم بدماء ضحايا النازية من يهود أو سلاف أو غجر. وهذه المحاولات تُبيِّن في نهاية الأمر اتساق الغرب مع نفسه، الذي يُكفر عن جريمة إبادية ارتكبها في ألمانيا بأخرى لا تقل عنها بشاعة في وطننا العربي. ومن المعروف أنه حينما حدث احتكاك مباشر بين المسلمين والعرب من جهة والإبادة النازية من جهة أخرى فإن موقف المسلمين والعرب كان يتسم بالإنسانية. فعلى سبيل المثال قامت الأقلية المسلمة في بلغاريا بدور كبير في حماية أعضاء الجماعات اليهودية من الإبادة، كما أن الملك محمد الخامس عاهل المغرب رفض تسليم رعاياه اليهود إلى حكومة فيشي الفرنسية الممالئة للنازي. وأثناء كتابة هذه الموسوعة لاحظت تكرار كلمة «مسلم» في مقال عن التدرج الاجتماعي في معسكر أوشفيتس، وقال مرجع آخر إن الضحايا الذين كانوا يُقادون لأفران الغاز كانوا يسمونهم تسمية «غريبة» . وقد تبيَّن بعد قراءة عدة مراجع وموسوعات إلى أنهم كانوا يسمون في واقع الأمر «ميزلمان Muselmann» أي «مسلم» بالألمانية، وقد ورد ما يلي في مدخل مستقل في الموسوعة اليهودية Enyclopedia Judaica (جزء 12 ص 537 ـ 538) عنوانه «مسلم» : «ميزلمان» أي مسلم بالألمانية، هي إحدى المفردات الدارجة في معسكرات (الاعتقال) والتي كانت تُستخدَم للإشارة للمساجين الذين كانوا على حافة الموت، أي الذين بدأت تظهر عليهم الأعراض النهائية للجوع والمرض وعدم الاكتراث العقلي والوهن الجسدي. وكان هذا المصطلح يُستخدَم أساساً في أوشفيتس ولكنه كان يُستخدَم في المعسكرات الأخرى» . هذه هي المعلومة، فكأن العقل الغربي حينما كان يدمر ضحاياه كان يرى فيهم الآخر، والآخر منذ حروب الفرنجة هو المسلم. ومن المعروف في تاريخ العصور الوسطى أن العقل الغربي كان يربط بين المسلمين واليهود، وهناك لوحات لتعذيب المسيح تصور الرسول (صلى الله عليه وسلم) وهو يقوم بضرب المسيح بالسياط. إن التجربة النازية هي الوريث الحقيقي لهذا الإدراك الغربي، والنازيون هم حملة عبء هذه الرؤية، وهم مُمثِّلو الحضارة الغربية في مجابهتها مع أقرب الحضارات الشرقية، أي الحضارة الإسلامية. وهم لم ينسوا قط هذا العبء حتى وهم يبيدون بعضاً من سكان أوربا. وهم في هذا لا يختلفون كثيراً عن الغزاة الأسبان للعالم الجديد الذين كانوا يبيدون سكانه الأصليين وكانوا يسمونهم «الترك» أي «المسلمين» . كل ما في الأمر أن نطاق الحقل الدلالي لكلمة «مسلم» تم توسيعه لتشير "للآخر" على وجه العموم، سواء أكان من الغجر أم السلاف أم اليهود (وهذا لا يختلف كثيراً عن توسيع نطاق الحقل الدلالي لكلمة "عربي" في الخطاب الصهيوني لتصبح "الأغيار") . وقد حاول كاتب مدخل «مسلم» في الموسوعة اليهودية أن يفسر أصل استخدام الكلمة، فهو يدَّعي أن الضحايا سُموا «مسلمين» استناداً إلى طريقة مشيهم وحركتهم: "إنهم كانوا يجلسون القرفصاء وقد ثُنيت أرجلهم بطريقة «شرقية» ويرتسم على وجوههم جمود يشبه الأقنعة". والكاتب في محاولة التفسير هذه لم يتخل قط عن عنصريته الغربية أو الصور النمطية الإدراكية، كل ما في الأمر حاول أن يحل كلمة «شرقيين» العامة محل كلمة «مسلمين» المحددة. مسلم Muselmann انظر: «العرب والمسلمون والإبادة النازية ليهود أوربا» . |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
الأغيار (جوييم)
Gentiles; Goyyim «الأغيار» هي المقابل العربي للكلمة العبرية «جوييم» ، وهذه هي صيغة الجمع للكلمة العبرية «جوي» التي تعني «شعب» أو «قوم» (وقد انتقلت إلى العربية بمعنى «غوغاء» و «دهماء» ) . وقد كانت الكلمة تنطبق في بادئ الأمر على اليهود وغير اليهود ولكنها بعد ذلك استُخدمت للإشارة إلى الأمم غير اليهودية دون سواها، ومن هنا كان المُصطلَح العربي «الأغيار» . وقد اكتسبت الكلمة إيحاءات بالذم والقدح، وأصبح معناها «الغريب» أو «الآخر» . والأغيار درجات أدناها العكوم، أي عبدة الأوثان والأصنام (بالعبرية: عوبدي كوخافيم أو مزالوت أي «عبدة الكواكب والأفلاك السائرة» ) ، وأعلاها أولئك الذين تركوا عبادة الأوثان، أي المسيحيون والمسلمون. وهناك أيضاً مستوى وسيط من الأغيار «جيريم» أي «المجاورين» أو «الساكنين في الجوار» (مثل السامريين) . ولا يوجد موقف موحَّد من الأغيار في الشريعة اليهودية. فهي بوصفها تركيباً جيولوجياً تراكمياً، تنطوي على نزعة توحيدية عالمية وأخرى حلولية قومية. وتنص الشريعة اليهودية على أن الأتقياء من كل الأمم سيكون لهم نصيب في العالم الآخر، كما أن هناك في الكتابات الدينية اليهودية إشارات عديدة إلى حقوق الأجنبي وضرورة إكرامه. وتشكل فكرة شريعة نوح إطاراً أخلاقياً مشتركاً لليهود وغير اليهود. ولكن، إلى جانب ذلك، هناك أيضاً النزعة الحلولية المتطرفة، التي تتبدى في التمييز الحادّ والقاطع بين اليهود كشعب مختار أو كشعب مقدَّس يحل فيه الإله من جهة والشعوب الأخرى التي تقع خارج دائرة القداسة من جهة أخرى. فقد جاء في سفر أشعياء (61/5 ـ 6) : "ويقف الأجانب ويرعون غنمكم ويكون بنو الغريب حراثيكم وكراميكم. أما أنتم فتُدعَون كهنة الرب تُسمَّون خدام إلهنا. تأكلون ثروة الأمم وعلى مجدهم تتأمَّرون". كما جاء في سفر ميخا (4/12) : "قومي ودوسي يا بنت صهيون لأني أجعل قرنك حديداً وأظلافك أجعلها نحاساً فتسحقين شعوباً كثيرين"..... وقد ساهم حاخامات اليهود في تعميق هذا الاتجاه الانفصالي من خلال الشريعة الشفوية التي تعبِّر عن تزايد هيمنة الطبقة الحلولية داخل اليهودية، فنجدهم قد أعادوا تفسير حظر الزواج من أبناء الأمم الكنعانية السبع الوثنية (تثنية 7/2 ـ 4) ، ووسعوا نطاقه بحيث أصبح ينطبق على جميع الأغيار دون تمييز بين درجات عليا ودنيا. وقد ظل الحظر يمتد ويتسع حتى أصبح يتضمن مجرد تناول الطعام (حتى ولو كان شرعياً) مع الأغيار، بل أصبح ينطبق أيضاً على طعام قام جوي (غريب) بطهوه، حتى وإن طبَّق قوانين الطعام اليهودية. كما أن الزواج المُختلَط، أي الزواج من الأغيار، غير مُعترَف به في الشريعة اليهودية، ويُنظَر إلى الأغيار على اعتبار أنهم كاذبون في بطبيعتهم، ولذا لا يؤخذ بشهاداتهم في المحاكم الشرعية اليهودية، ولا يصح الاحتفال معهم بأعيادهم إلا إذا أدَّى الامتناع عن ذلك إلى إلحاق الأذى باليهود. وقد تم تضييق النطاق الدلالي لبعض كلمات، مثل «أخيك» و «رجل» ، التي تشير إلى البشر ككل بحيث أصبحت تشير إلى اليهود وحسب وتستبعد الآخرين، فإن كان هناك نهي عن سرقة «أخيك» فإن معنى ذلك يكون في الواقع «أخيك اليهودي» . وقد تحوَّل هذا الرفض إلى عدوانية واضحة في التلمود الذي يدعو دعوة صريحة (في بعض أجزائه المتناقضة) إلى قتل الغريب، حتى ولو كان من أحسن الناس خلقاً. وقد سببت هذه العدوانية اللا عقلية كثيراً من الحرج لليهود أنفسهم الأمر الذي دعاهم إلى إصدار طبعات من التلمود بعد إحلال كلمة «مصري» أو «صدوقي» أو «سامري» محل كلمة «مسيحي» أو «غريب» . وأصبح التمييز ذا طابع أنطولوجي في التراث القبَّالي، وخصوصاً القبَّالاه اللوريانية بنزعتها الحلولية المتطرفة، حيث ينظر إلى اليهود باعتبار أن أرواحهم مستمدة من الكيان المقدَّس، في حين صدرت أرواح الأغيار من المحارات الشيطانية والجانب الآخر (الشرير) والخيرون من الأغيار هم أجساد أغيار لها أرواح يهودية ضلت سبيلها. وقد صاحب كل هذا تزايد مطَّرد في عدد الشعائر التي على اليهودي أن يقوم بها ليقوي صلابة دائرة الحلول والقداسة التي يعيش داخلها ويخلق هوة بينه وبين الآخرين الذين يعيشون خارجها. والواقع أن هذا التقسيم الحلولي لليهود إلى يهود يقفون داخل دائرة القداسة، وأغيار يقفون خارجها، ينطوي على تبسيط شديد، فهو يضع اليهودي فوق التاريخ وخارج الزمان، وهذا ما يجعل من اليسير عليه أن يرى كل شيء على أنه مؤامرة موجهة ضده أو على أنه موظف لخدمته. كما أنه يحوِّل الأغيار إلى فكرة أكثر تجريداً من فكرة اليهودي في الأدبيات النازية أو فكرة الزنجي في الأدبيات العنصرية البيضاء. وهي أكثر تجريداً لأنها لا تضم أقلية واحدة أو عدة أقليات، أو حتى عنصراً بشرياً بأكمله، وإنما تضم الآخرين في كل زمان ومكان. وبذا، يصبح كل البشر أشراراً مدنَّسين يستحيل الدخول معهم في علاقة، ويصبح من الضروري إقامة أسوار عالية تفصل بين من هم داخل دائرة القداسة ومن هم خارجها. وقد تعمقت هذه الرؤية نتيجة الوضع الاقتصادي الحضاري لليهود (في المجتمع الإقطاعي الأوربي) كجماعة وظيفية تقف خارج المجتمع في عزلة وتقوم بالأعمال الوضيعة أو المشينة وتتحول إلى مجرد أداة في يد النخبة الحاكمة. ولتعويض النقص الذي تشعر به، فإنها تنظر نظرة استعلاء إلى مجتمع الأغلبية وتجعلهم مباحاً، وتسبغ على نفسها القداسة (وهي قداسة تؤدي بطبيعة الحال إلى مزيد من العزلة اللازمة والضرورية لأداء وظيفتها) . وبظهور الرأسمالية القومية وتزايد معدلات العلمنة في المجتمعات الغربية، اهتزت هذه الانعزالية بعض الشيء، وظهرت حركة التنوير اليهودية واليهودية الإصلاحية اللتان كانتا تحاولان تشجيع اليهود على الاندماج مع الشعوب. لكن الرؤية الثنائية المستقطبة عاودت الظهور بكل قوتها مع ظهور الصهيونية بحلوليتها الدنيوية (حلولية بدون إله) التي ترى أن اليهود شعب مختلف عن بقية الشعوب لا يمكنه الاندماج فيها، كما شجعت الانفصالية باعتبارها وسيلة مشروعة تحافظ بها أقلية عرْقية على نفسها وتقاليدها وتراثها. فتحاول الصهيونية أن تنشئ سياجاً بين يهود الخارج وبين الآخرين (ومن هنا الاهتمام الشديد بتأكيد ظاهرة معاداة اليهود والإبادة النازية لليهود باعتبارها العلاقة النموذجية والحتمية بين اليهودي والأغيار) . كما أن الصهاينة يشجعون اليهود على الاهتمام بهويتهم اليهودية وبإثنيتهم حتى لا يذوبوا في الآخرين. ويشار في الولايات المتحدة إلى الذكر غير اليهودي على أنه «شيكتس» ، وإلى الأنثى غير اليهودية على أنها «الشيكسا» (وهما كلمتان مضمونهما الدلالي يتضمن فكرة الدنس والنجاسة وعدم الطهارة) . ويشار إلى «الشيكسا» على أنها حيوان مخيف يختطف الأولاد اليهود. ويشار إلى الزواج المختلط على أنه «هولوكوست صامت» ، أي «إبادة صامتة» . وفي الأدبيات الصهيونية العنصرية، فإن الصهاينة يعتبرون العربي على وجه العموم، والفلسطيني على وجه الخصوص، ضمن الأغيار حتى يصبح بلا ملامح أو قسمات (ويشير وعد بلفور إلى سكان فلسطين العرب على أنهم «الجماعات غير اليهودية» أي «الأغيار» ) . وينطلق المشروع الاستيطاني الصهيوني من هذا التقسيم الحاد، فالصهيونية تهدف إلى إنشاء اقتصاد يهودي مغلق، وإلى دولة يهودية لا تضم أي أغيار. ومعظم المؤسسات الصهيونية (الهستدروت، والحركة التعاونية، والجامعات) تهدف إلى ترجمة هذا التقسيم الحاد إلى واقع فعلي، كما أن فكرة العمل العبري تنطلق من هذا التصور. وبعد ظهور الدولة الصهيونية الوظيفية (أي التي يستند وجودها إلى وظيفة محددة تضطلع بها) ، انطلق هيكلها القانوني من هذا التقسيم. فقانون العودة هو قانون عودة لليهود، يستبعد الأغيار من الفلسطينيين. ودستور الصندوق القومي اليهودي يُحرِّم تأجير الأرض اليهودية للأغيار. ويمتد الفصل ليشمل وزارات الصحة والإسكان والزراعة. ومن أطرف تطبيقات هذا المفهوم في الوقت الحاضر، القرار الذي أصدره مؤتمر الدراسات التلمودية الثامن عشر الذي عُقد في القدس عام 1974 وحضره رئيس الوزراء إسحق رابين، والذي جاء فيه ضرورة منع "قيام الطبيب اليهودي بمساعدة المرأة غير اليهودية على الحمل". ومن المعروف أن الشرع اليهودي قد تناول بشيء من التفصيل قضية: هل يجوز للطبيب اليهودي أن يعالج غير اليهودي؟ وقد كان الرد هو النفي في جميع الأحوال، إلا إذا اضطر اليهودي إلى ذلك. وينبغي أن تكون نية الطبيب دائماً هي أن يحمي الشعب اليهودي ونفسه، لا أن يشفي المريض. وقد أجاز بعض الفقهاء اليهود (مثل جوزيف كارو في كتابيه: بيت يوسف والشولحان عاروخ) أن يجرب الأطباء اليهود الدواء على مريض غير يهودي (وهي فتوى كررها موسى إيسيرليز في تعليقه على الشولحان عاروخ) . وقد وردت كل الحقائق السابقة في مقال كتبه إسرائيل شاهاك، ولم ترد نقابة الأطباء الإسرائيلية على اتهاماته. وقد أثبتت بعض استطلاعات الرأي في إسرائيل أن الخوف من الأغيار لا يزال واحداً من أهم الدوافع وراء سلوك الإسرائيليين. وتحاول الدولة الإسرائيلية تغذية هذا الشعور بإحاطة المواطن الإسرائيلي بكم هائل من الرموز اليهودية، فشعار الدولة هو شمعدان المينوراه، وألوان العَلَم مستمدة من شال الصلاة (طاليت) ، وحتى اسم الدولة ذاتها يضمر التضمينات نفسها. بل إن شعار العام الدولي للمرأة، الذي يتضمن العلامة (+ْ) باعتبارها الرمز العالمي للأنثى، تم تغييره في إسرائيل حتى يكتسب الرمز طابعاً يهودياً وحتى لا يشبه الصليب. وقد جاء في التراث الديني التقليدي أنه لا يصح مدح الأغيار. ولذا، فحينما تسلَّم عجنون جائزة نوبل للسلام، مدح الأكاديمية السويدية ولكنه في حواره مع التليفزيون الإسرائيلي، قال: "أنا لم أنس أن مدح الأغيار محرم، ولكن يوجد سبب خاص لمديحي لهم" فقد منحوه الجائزة. جوييم Goyyim «جوييم» كلمة عبرية تعني «الأغيار» (انظر: «الأغيار [جوييم] » ) . الشيكسا (امرأة من الأغيار) Shiksa «شيكسا» كلمة يديشية تعني «الأنثى غير اليهودية» ، والمذكَّر منها هو «شيكتس» . ولا تشير كثير من المعاجم التي ترد فيها الكلمة إلى حقلها الدلالي. فالكلمة مشتقة من كلمة «شيكتس» العبرية التي تعني «حيوان قذر» أو «مخلوق كريه» أو «الرجس» . وهي أيضاً تشير إلى «الذَكَر غير اليهودي» . وحسب الكتابات الدينية التقليدية، فقد كان يتعيًَّن على اليهودي، إن مر على معابد المسيحيين، أن يبصق ويتلو إحدى اللعنات، ثم فقرة من سفر التثنية: «ولا تدخل رجساً إلى بيتك لئَلا تكون محرَّماً مثله. تستقبحه وتكرهه لأنه محرَّم» (7/26) . ويضم النص السابق كلمة «الرجس» ، وهي بالعبرية «شيكتس» كما تقدَّم. شريعة نوح Laws of Noah (Noachian Laws) ورد في سفر التكوين (9/4 ـ 7) ما يُسمَّى «قوانين أو شرائع نوح» ، التي فسرها الحاخامات بأنها سبعة، إذ حظر الإله على نوح وأبنائه عبادة الأوثان والهرطقة وسفك الدماء والزنى والسرقة وأكل لحم الحيوان الحي، كما فُرض عليهم إقامة نظام قانوني، أي تنفيذ الشرائع السابقة. وهذه الشرائع ملزمة لليهود وغير اليهود. أما الأوامر والنواهي (المتسفوت) ، فهي ملزمة لليهود وحدهم. والذي ينفذ هذه الوصايا من غير اليهود يُسمَّى «جرتوشاف» ، أي «مقيم غريب» ، أو حتى «متهود» ، وكان يُعَد من الأخيار. ومنذ البداية، فإن الكتابات الدينية اليهودية وصفت المسلمين على أنهم من النوحيين أي من غير المشركين (ثم ضُم إليهم المسيحيون فيما بعد) . وفي الفكر الديني اليهودي الحديث، أكد كلٌّ من مندلسون وهرمان كوهين على أهمية شريعة نوح، على أنها تشكل الأساس العقلاني لأخلاقيات عالمية مشتركة بين اليهود والأغيار. الخلط المحظور بين النباتات والحيوانات (كيلْئَيم) Prohibited Mixtures of Plants and Animal; Kilayim «الأخلاط المحظورة» هي ترجمة للمُصطلَح «كيلْئَيم» . واليهودية تُحرِّم أخلاط النباتات، أي النباتات المخلوطة (كيلْئَيم زراعين) ، وأخلاط الحيوانات أي الهجين (كيلائيم بهيماه) ، كما تحرم الخلط بين الصوف والكتان (شاتنز) . فقد جاء في سفر اللاويين (19/19) "لا تنز بهائمك جنسين وحقلك لا تزرع صنفين ولا يكن عليك ثوب مصنف من صنفين". وجاء في سفر التثنية (22/9 ـ11) :"لا تزرع حقلك صنفين ... لا تحرث على ثور وحمار معاً. لا تلبس ثوباً مختلطاً صوفاً وكتاناً معاً". وقد أفتى الحاخامات بأن الخلط في الزراعة لا ينطبق إلا على أرض فلسطين. ولاحظ العلماء أن ثمة تشابهاً بين الحظر التوراتي، وبعض الشرائع المماثلة عند الحيثيين. وحظر الخلط تعبير آخر عن الطبقة الحلولية التي تتسم فى أحد أوجهها بالفصل الصارم بين الأشياء وبالثنائية الصلبة. وقد حاول فقهاء اليهود تفسير الحكمة من الحظر فقال أحدهم إنه يتجاوز فهم الإنسان. أما موسى بن ميمون فيرى أن التهجين قد حرم لأن الوثنيين كانوا يلجأون إليه لأسباب غير أخلاقية. أما راشي فقد أفتى بأن الغرض من التحريم هو الطاعة، فالحظر قرار ملكي، وهو متأثر في هذا بخلفيته الإقطاعية الأوربية. أما نحمانيدس، فقد أفتى بأن الغرض هو تذكير الإنسان بألا يغيِّر نظام الطبيعة. وعلى الرغم من هذا، يُلاحَظ أن العبرانيين استخدموا حيوانات مهجنة مثل البغل. والواقع أن الأخلاط المحظورة لم تثر سوى مشاكل ثانوية ليهود العالم باعتبار أنها لا تنطبق إلا على إرتس يسرائيل (فلسطين) . وقد اهتم اليهود الأرثوذكس بالحظر الخاص بالنسيج، فأعلن اتحاد الأبرشيات اليهودية الأرثوذكسية في عام 1941 أنه أنشأ مختبراً خاصاً لفحص الملابس للتأكد من أن القماش لم يخلط فيه الصوف بالكتان. أما في الدولة الصهيونية، فإن الوضع مختلف تماماً إذ أن القوانين الخاصة بالزراعة تنطبق على الأرض التي احتلتها باعتبارها أرض يسرائيل (فلسطين) . ولما كان من المحظور بذر نباتات الأعلاف مع النباتات المنتجة للحبوب، لمنع نباتات الأعلاف من الانتشار على الأرض والاختلاط بالحبوب، فقد لجأ المستوطنون الصهاينة الأرثوذكس إلى زراعة أنواع من النباتات العلفية التي لا تنتشر. وقد لجأ الإسرائيليون إلى التحلَّة أيضاً فيمكن خلط الحبوب بأن يقوم مستوطن صهيوني ببذر حبوب نبات ما في اليوم الأول، ويأتي مستوطن آخر يتظاهر بأنه لا يعرف ما حدث في اليوم السابق ويقوم ببذر حبوب نبات آخر. وقد تم تطوير هذه التحلَّة بأن تُكوَّم حبوب النوع الأول وتُغطَّى بقطعة جوال، ثم يوضع النوع الآخر من الحبوب فوق الجوال، ثم يأتي شخص ويقول أريد هذا الجوال ويأخذه، وبالتالي يتم خَلْط الحبوب «بالصدفة المتعمدة» . الطهارة والنجاسة Purity and Impurity «الطهارة» هي المقابل العربي لكلمة «طُهوراه» العبرية، وتضادها كلمة «نجاسة» أو «طمأه» وهي من «طامي» أي «نجس» . ويعود اهتمام الشريعة اليهودية الحاد بمشاكل الطهارة والنجاسة إلى الطبقة الحلولية داخلها التي تتبدَّى في محاولة دائمة للفصل بين اليهود المقدَّسين والأغيار المدنَّسين. وتنص الشريعة اليهودية على عدة مصادر أساسية للنجاسة الشعائرية أهمها أجساد الموتى (عدد 19/11 وما يليها) ، ولكن توجد مصادر أخرى (سفر اللاويين ـ الإصحاحان 12، 13) . والأشخاص الذين يتصلون بالأشياء النجسة قد ينقلون نجاستهم إلى الآخرين. والأشياء المقدَّسة التي تنجس، مثل القرابين التي تُقدَّم من ذبائح وحبوب، يجب أن تُحرَق. وينبغي على الأشخاص غير الطاهرين ألا يلمسوا الأشياء المقدَّسة، وألا يدخلوا الهيكل أو ملحقاته. وتختلف شعائر التطهر باختلاف مصدر النجاسة فالحمام الطقوسي كان يُعَد كافياً للتطهر من النجاسة الناجمة عن الجماع الجنسي أو القذف، بينما يجب تقديم القرابين الحيوانية للتطهر من النجاسة الناجمة عن الولادة أو غيرها. وكانت أعلى درجات النجاسة ملامسة جثث الموتى، وهذه تتطلب رش الماء المخلوط برماد بقرة صغيرة حمراء. ومع هدم الهيكل، توقف العمل بتلك القوانين المرتبطة به، وأصبحت كلمة «طاهوراه» تشير إلى تغسيل جثة الميت. البقرة الصغيرة الحمراء Red Heifer البقرة الصغيرة الحمراء (بالعبرية «باراه» أو «دوماه» ) بقرة كان رمادها يُستخدَم لتطهير الأشخاص والأشياء التي تدنَّست بملامسة جثث الموتى. وكان يجب أن تكون البقرة "حمراء صحيحة لا عيب فيها ولم يعل عليها نير" (عدد 19/2) . وقد جاء في التلمود أن البقرة لابد أن تكون حمراء تماماً، ليس بها أية تموجات، وحتى وجود شعرتين سوداوين على ظهرها يجعلها لا تصلح لأن تكون بقرة مقدَّسة تفي بهذا الغرض. ويبدو أن الأحمر رمز الخطيئة. والسفر الرابع من السدر السادس في التلمود (سدر طهوروت) يُدعى «باراه» ، ويتناول الشعائر الخاصة بالبقرة الحمراء الصغيرة. ومن المعروف أن جثة الميت من أهم مصادر النجاسة بالنسبة للكهنة، فأي كاهن يلامس جثة يهودي أو يتصل بها، حتى ولو بشكل غير مباشر (كأن يسير على مقبرة أو حتى يوجد في مستشفى أو منزل يضم جثة) فإنها تنجسه، على عكس جثث الأغيار فهي لا تسبِّب أية نجاسة لأنها لا قداسة لها. وإن دنس اليهودي، فهو يظل كذلك دائماً، إلا إذا تم تطهيره بالطريقة التي وردت في سفر العدد (الإصحاح 19) ، والتي تم شرحها في التلمود، وهي طريقة استخدام رماد البقرة الحمراء الصغيرة. وكان هذا الأمر يحدث في الماضي حتى القرن السادس، حين فُقد رماد آخر بقرة حمراء طاهرة. ومنذ ذلك الحين، واليهود جميعاً غير طاهرين. والأغيار على كل حال جميعاً مدَّنسون، ولا يوجد سبيل أمامهم للتطهر. ولأن أرض الهيكل (الموجودة في منطقة المسجد الأقصى) لا تزال طاهرة، فإن دخول أي يهودي إليها يُعَد خطيئة وأمراً محظوراً عليه وبالتالي الصلاة فيه. لماذا لا يضحي اليهود، إذن، ببقرة حمراء ويستخدمون رمادها في عملية التطهير؟ هنا نجد أن الموقف حرج ودائري، إذ أنه لا يمكن أن يُضحي بالبقرة إلا الكهنة الطاهرون، ولكنهم بدون رمادها يظلون نجسين، ولا يوجد مخرج من هذه الورطة الدائرية. ويوجد الآن في إسرائيل معهد لدراسة البقرة الحمراء، وقد اقترحت إحدى المجلات العلمية الدينية في إسرائيل أن تُعزَل امرأة يهودية حامل من إحدى الأسر الكهنوتية داخل منزل يُبنى على أعمدة حتى يُعزَل المنزل نفسه عن أي جثث يهودية قد تكون موجودة تحته، ويقوم رجال آليون بتوليدها، ثم يقومون بعد ذلك على تنشئة الطفل بعيداً عن كل البشر، حتى يصل سنه الثالثة عشرة. ساعتها، يمكنه أن يصبح كاهناً طاهراً فيُضحي بالبقرة الحمراء، وتُحَل المشكلة. وقد اقترح آخرون القيام ببعض الحفائر حول بقايا الهيكل، فقد يُعثَر على زجاجة تضم بقايا رماد البقرة الحمراء، وتُحل بذلك المعضلة. ولكن مجلة تايم نشرت في عدد 16 أكتوبر 1989 أنه تقرَّر أن يبدأ الكهنة في تطهير أجسادهم، وأن ممثلي الحاخامية الأساسية في إسرائيل قضوا أسبوعين في أوربا يبحثون عن جنين بقرة حمراء ليُزرَع في إحدى أبقار مزرعة في إسرائيل. وقد نقلت صحيفة يديعوت أحرونوت عن الحاخام شمارياشور (أحد قادة إحدى الجماعات التي تعمل من أجل إعادة بناء الهيكل) أنه فحص بواسطة عدسة مكبرة بقرة حمراء في كفار حسيديم (يُعتقد أنها وُلدت نتيجة تلقيح اصطناعي لبقرة أمريكية وبقرة إسرائيلية لونها أسود وأبيض) فلم يجد فيها شعرة لونها أسود. ومن ثم فهي صالحة لأن يُضحى بها ويُستخدَم رمادها في عملية التطهير اللازمة لإقامة الطقوس التعبدية ودخول منطقة المسجد الأقصى، حيث يُفترض أن الهيكل كان قائماً من قبل. وقد استنكر بعض الحاخامات هذه المحاولة ووصفوها بأنها قد تؤدي إلى اندلاع الحرب. الحمام الطقوسي (مكفيه) Ritual Bath; Mikveh تعبير «الحمام الطقوسي» يقابل كلمة «مكفيه» العبرية. والحمام الطقوسي هو الحمام الذي يُستخدَم ليتطهر فيه اليهود بعد أن يكونوا قد تنجسوا، كما يُستخدَم الحمام الطقوسي لتطهير الأوعية التي صنعها غير اليهود. وحتى يكون الحمام شرعياً، يجب أن يحتوي على ماء يكفي لتغطية جسد امرأة متوسطة الحجم، ويجب أن يأتي الماء من عين أو نهر. ولا يبيح الشرع لليهود أن يسكنوا في مكان لا يوجد فيه حمام طقوسي. ويتعيَّن على المرأة اليهودية أن تأخذ حماماً طقوسياً بعد العادة الشهرية، وقد جاء في إحدى الصياغات الحاخامية المتطرفة أن على مثل هذه المرأة، وهي في طريقها إلى المنزل، أن تحذر مقابلة فرد من الأغيار، أو خنزير أو كلب أو حمار، وإن قابلت أياً منها فعليها أن تغيِّر طريقها لأنه سينجسها مرة أخرى. وعلى كل من يتهود أن يأخذ حماماً طقوسياً. وعلى سبيل المثال، فقد طلبت الحاخامية من يهود الفلاشاه أن يأخذوا حماماً طقوسياً ليتطهروا حتى تكتمل يهوديتهم، فرفضوا ذلك لأن هذا يفترض نجاستهم. كما أن النساء المتهودات عليهن أن يأخذن حماماً طقوسياً وهن عاريات تحت عيون ثلاثة حاخامات، الأمر الذي ترفضه الكثيرات منهن. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون
|
حجة الأبرار، لدفع الأغيار
.... |
|
- بكسر المعجمة-: هو أن يخيط (أهل الذمة) من ذكر أو غيره بموضع لانعقاد الخياطة عليه كالكتف على ثوبه الظاهر ما يخالف لونه لون ثوبه ويلبسه للتميز.
ملحوظة: قال الشربينى: والأولى باليهود: الأصفر. وبالنصارى: الأزرق أو الأكهب، ويقال له: الرمادي، وبالمجوس: الأحمر أو الأسود. «النظم المستعذب 1/ 100، والإقناع للشربينى 4/ 227». |