|
قال عبد الله بن الإمام أحمد في (العلل ومعرفة الرجال) (1): (حدثني حسن بن عيسى قال: سمعت عبد الله بن المبارك وسألته عن عبد السلام بن حرب ، فقال: قد عرفتُه؛ وكان إذا قال: قد عرفته، فقد أهلكه)(2).
يؤخذ من هذا الأثر أن هذه الكلمة من كلمات الطعن الشديد عند عبد الله بن المبارك ؛ ويؤيد ذلك أن ابن المبارك رحمه الله كان من مزاياه في نقده الرواة أنه كان فيه عفَّ اللسان ، خفيف اللفظة ، شديد التوقي ، يكاد يستغني بالإشارة إلى جرح الراوي عن التصريح به، ورَعاً منه واحتياطاً ؛ فإذا اقتضى أمر الدين وواجب النصح أن يجرح ويحذر لم يقصر، ولكن مع التزام الأدب والورع والتقوى والإنصاف ؛ ولعله لذلك لم يكن ليتكلم في أحد من الرواة إلا عند وضوح الحجة على ضعفه أو سقوطه وعند قيام الحاجة إلى ذلك ؛ والأثر المتقدم بتفسيره مثال على ذلك ، وتشفعه الأمثلة الآتية. قال مسلم في مقدمة (صحيحه) (1/18): (حدثني أحمد بن يوسف الأزدي قال سمعت عبد الرزاق يقول: ما رأيتُ ابن المبارك يفصح بقوله "كذاب" إلا لعبد القدوس، فإني سمعته يقول له: كذاب). وقال عبدالله بن الإمام أحمد في (العلل ومعرفة الرجال) (1/391) (3): سمعت أبي ذكر الجلد بن أيوب ، فقال: ليس يسوى حديثه شيئاً. قلت له: الجلد ضعيف ؟ قال: نعم ، ضعيف الحديث. سمعت أبا معمر يقول: ما سمعت ابن المبارك ذكر أحداً بسوء إلا يوماً ذُكر عنده الجلد بن أيوب فقال: أيش حديث الجلد ؟ وما الجلد ؟ من الجلد ؟(4). وقال أبي: قال يزيد بن زريع: ذاك أبو حنيفة لم يجد شيئاً يحتج به إلا بالجلد ! حديث الحيض ). وقال مسلم (1/12): (وحدثني محمد بن عبد الله بن قهزاذ من أهل مرو قال: أخبرني علي بن حسين بن واقد قال: قال عبد الله بن المبارك: قلت لسفيان الثوري: إن عباد بن كثير من تعرف حاله، وإذا حدث جاء بأمر عظيم فترى أن أقول للناس: لا تأخذوا عنه؟ قال سفيان: بلى؛ قال عبد الله: فكنت إذا كنت في مجلس ذكر فيه عباد أثنيت عليه في دينه وأقول: لا تأخذوا عنه!. وقال مسلم في مقدمة (الصحيح) (1/11): (وقال محمد [يعني ابن عبد الله بن قهزاذ]: سمعت علي بن شقيق يقول: سمعت عبد الله بن المبارك يقول على رؤوس الناس: دعوا حديث عمرو بن ثابت، فإنه كان يسب السلف). وقد وصف ابنُ حزم ابنَ المبارك في (المحلى) (7/241) بجمود اللسان وشدة التوقي(5). __________ (1) كذا بالتاء ، وتحتمل أن تكون بالنون خطاً ومعنى ، وهو الأقرب. (2) وانظر ترجمة عبد السلام بن حرب من (ضعفاء العقيلي) و(تهذيب الكمال) (18/68). وقال بعض الباحثين الفضلاء: (وقد حكم ابن حجر على عبد السلام بن حرب في التقريب بقوله (ثقة له مناكير) ، ومعظم أقوال أئمة النقد تفيد توثيق وتعديل هذا الرجل ، فلعل الهلاك الذي فسر به قول ابن المبارك يراد به الضعف ، والله أعلم ). قلت: هذا بعيد ، فهو خلاف الظاهر ، وخلاف العبارة التالية لابن المبارك ، أعني قوله (ما تحملني رجلي إليه)؛ فيظهر أن ابن المبارك كان من الفريق القائلين بشدة ضعف عبد السلام بن حرب ، لكثرة ما يرويه من الغرائب؛ ولقد قام بعض الجهابذة بتحقيق حال عبد السلام بن حرب ؛ وهو الإمام علي بن المديني ؛ فانظر (عسر). (3) قال العقيلي في (الضعفاء) في ترجمة (جلد بن أيوب) (1/222) (4) (حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سمعت أبا معمر يقول ---- ) فذكره. |