نتائج البحث عن (محمد بن أيوب) 50 نتيجة

327 - م: محمد بن أبي أيوب أبو عاصم الثقفي الكوفي، وقيل: محمد بن أيوب.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

327 - م: محمد بن أبي أيوب أَبُو عاصم الثَّقفيُّ الكوفيُّ، وَقِيلَ: محمد بْن أيوب. [الوفاة: 151 - 160 ه]
عَنْ: الشعبي، وقيس بْن مسلم، ويزيد الفقير،
وَعَنْهُ: وكيع، وأبو نعيم، وخلاد بْن يحيى.
وثّقه أحمد، وغيره.
وورد أَنَّهُ عرض القرآن عَلَى أَبِي عَبْد الرَّحْمَن السلمي.

252 - محمد بن أيوب بن ميسرة بن حلبس أبو بكر الجبلاني الدمشقي.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

252 - مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ بْنِ مَيْسَرَةَ بْنِ حَلْبَسَ أَبُو بَكْرٍ الْجُبْلانِيُّ الدِّمَشْقِيُّ. [الوفاة: 171 - 180 ه]
عَنْ: أَبِيهِ،
وَعَنْهُ: أَبُو مُسْهِرٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ الصُّورِيُّ، وَهِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، وَآخَرُونَ. -[734]-
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: لا بَأْسَ بِهِ، وَأَبُوهُ صَالِحُ الْحَدِيثِ.

22 - د: أحمد بن محمد بن أيوب البغدادي. صاحب المغازي أبو جعفر الوراق.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

22 - د: أحمد بن محمد بن أيّوب البَغْداديُّ. صاحب المغازي أبو جعفر الورّاق. [الوفاة: 221 - 230 ه]
كان ناسخًا للفضل بن يحيى البرمكيّ،
سَمِعَ: إبراهيم بن سَعْد، وأبا بكر بن عياش.
وَعَنْهُ: أبو داود، وعلي بن عبد العزيز البَغَويّ، وعبد الله بن أَحْمَد بن حَنْبَلٍ، وَمحمد بن يحيى المروزي، وآخر من روى عنه أبو يعلى.
قال عثمان الدارمي: كان أحمد وابن المديني يحسنان القول فيه. وكان يحيى بن معين يحمل عليه.
قلت: رَوَى إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْجُنَيْدِ، عَنِ ابْنِ مَعِينٍ قال: هو كذّاب لم يسمع من إبراهيم.
وروى عبد الخالق بن منصور، عن ابن مَعِين قال: ليس بثقة.
وقال يعقوب بن شبية: ليس هو مِن أصحاب الحديث، ولا يعرفه أحد بالطَّلَب، وإنّما كان ورّاقًا، فذكر أنّه نسخ كتاب " المغازي " لبعض البرامكة، فأمره أن يأتي إبراهيمَ بن سَعْد يصحّحها، فزعم أنّ إبراهيم قرأها عليه وصحّحها.
وقال ابن عَديّ: روى عن إبراهيم بن سعد " المغازي "، وأُنْكِرَت عليه، وَحَدَّثَ عَنْ أبي بكر بن عياش بالمناكير، وهو صالح الحديث ليس بمتروك.
وقال محمد بن سَعْد: مات لأربع بقين من ذي الحجّة سنة ثمانٍ وعشرين.
قلت: له في السُّنَن حديث واحد في الأذان، عن امرأةٍ من الأنصار قالت: " كان بيتي من أطول بيتٍ حول المسجد، فكان بلال يؤذّن عليه الفجر ".

349 - ق: محمد بن أيوب، أبو هريرة الكلابي الواسطي.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

349 - ق: محمد بن أيّوب، أبو هُرَيْرَةَ الكِلابيّ الواسطيّ. [الوفاة: 221 - 230 ه]
عَنْ: عبد العزيز الدراوردي، ومعتمر بن سليمان، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى، ويحيى القطّان، وجماعة.
وَعَنْهُ: أبو زُرْعة، وأبو حاتم، والكُدَيْميّ، ومحمد بن سليمان البَاغَنْديّ، وإسحاق بن إبراهيم البُشْتيّ، وجماعة.
قال أبو حاتم: صالح.

101 - ق: أيوب بن محمد بن أيوب الهاشمي البصري، المعروف بالقلب.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

101 - ق: أيّوب بن محمد بن أيّوب الهاشميّ البَصْريُّ، المعروف بالقُلْب. [الوفاة: 241 - 250 ه]
عَنْ: عبد الواحد بن زياد، وعبد القاهر بن السري، وأبي عوانة.
وَعَنْهُ: ابن ماجه، وابن أبي الدُّنيا، والحسن بن سفيان، وزكريا الساجي، وعلي بن سعيد بن بشير الرازي.

165 - ت ن: الحسين بن محمد بن أيوب، أبو علي السعدي البصري الذارع.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

165 - ت ن: الحسين بن محمد بن أيوب، أبو عليّ السعدي الْبَصْرِيُّ الذارع. [الوفاة: 241 - 250 ه]
عَنْ: ابن عُلَيَّة، وخالد بن الحارث، وحُصَين بن نُمَيْر، وعَثَّام بن عليّ، وفُضَيْل بن سليمان النميري، ويزيد بن زريع.
وَعَنْهُ: الترمذي، والنسائي، وحرب الكرْمانيّ، وأحمد بن عمرو البزار، وأحمد بن الحسن الصوفي، وآخرون.
وقال أبو حاتم: صدوق.
توفي سنة سبع وأربعين.

280 - عبد الله بن محمد بن أيوب بن صبيح، أبو محمد المخرمي.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

280 - عَبْد الله بْن محمد بْن أيّوب بْن صَبيح، أبو محمد المُخَرِّميّ. [الوفاة: 261 - 270 ه]
سَمِعَ: سُفْيَان بن عيينة، ويحيى بن سليم، وعبد الله بْن نُمَيْر، وعليّ بْن عاصم، وجماعة.
وَعَنْهُ: ابنُ صاعد، وابن مَخْلَد، وابن عيّاش القطّان، وإسماعيل الصّفّار، وآخرون.
قَالَ ابنُ أبي حاتم: سمعت منه مع أبي، وهو صدوق. قُلّد القضاء فلم يقبله، واختفى مُدّة. -[353]-
قلت: مات سنة خمس وستين، وقد جاوز التسعين، وآخر من روى حديثه عاليا وهو جزء المروزي والمخرمي المؤتمن بن قميرة.

392 - محمد بن أيوب بن الحسن الفقيه أبو عبد الله النيسابوري.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

392 - محمد بْن أيوب بْن الْحَسَن الفقيه أبو عبد الله النيّسابوريّ. [الوفاة: 261 - 270 ه]
رحل وسَمِعَ: سليمان بْن حرب، وأحمد بْن يُونُس، وسعيد بْن -[397]- مَنْصُور.
وَعَنْهُ: إبراهيم بن محمد بن سفيان، وغيره.
وكان صالحا زاهدا.
مات في ذي الحجة سنة إحدى وستين.

400 - محمد بن أيوب بن يحيى بن ضريس. أبو عبد الله البجلي الرازي.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

400 - محمد بن أيّوب بن يحيى بن ضُرَيْس. أبو عبد الله البَجَليّ الرّازيّ. [الوفاة: 291 - 300 ه]
شيخ الرَّيّ ومُسْنِدُها.
وُلِد في حدود المائتين.
وسَمِعَ: مسلم بن إبراهيم، والقعنبي، ومحمد بن كثير العَبْديّ، وموسى بن إسماعيل، وأبا الوليد، وطبقتهم.
وَعَنْهُ: ابن أبي حاتم ووثَّقه، وعلى بن شَهْريار، وأحمد بن إسحاق بن نيخاب الطّيّبيّ، وإسماعيل بن نُجَيْد، وعبد الله بن محمد بن عبد الوهّاب الرّازيّ، وخلْق كثير.
توفي يوم عاشوراء سنة أربعٍ وتسعين بالرّيّ.
وله كتاب " فضائل القرآن " في أربعة أجزاء سمعناه. وآخر من روى حديثه عالياً أبو روح الهَرَويّ، وكان ذا معرفة وحِفْظ، وعُلُوّ رواية.
وقد أورد ابن عُقْدة وفاته في يوم عاشوراء سنة خمسٍ، والأوّل أصحّ.
وثّقه الخليليّ، وقال: هو محدث ابن محدث. قال: وجَده يَحْيَى من أصحاب سُفْيان الثَّوريّ.

174 - إبراهيم بن عبد الله بن محمد بن أيوب المخرمي البغدادي، أبو إسحاق.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

174 - إبراهيم بن عبد الله بن محمد بن أيّوب المُخَرّميّ البغداديّ، أبو إسحاق. [المتوفى: 304 هـ]
عَنْ: عُبيد الله القواريريّ، وإسحاق بن أبي إسرائيل، وجماعة.
وَعَنْهُ: عُمَر بن الزّيّات، وعُبَيد الله الزُّهْريّ، وجماعة.
قال الإسماعيليّ: صدوق.
وقال الدَّارَقُطْنيّ: حدَّث عن ثقاتٍ بأحاديث باطلة، ليس بثقة.
قلت: تُوُفّي في رمضان.

532 - أيوب بن محمد بن محمد بن أيوب، أبو الميمون الصوري.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

532 - أيّوب بْن محمد بن محمد بن أيّوب، أبو الميمون الصوري. [الوفاة: 301 - 310 هـ]
عَنْ: كثير بْن عُبَيْد، وعليّ بْن معبد، وعطيّة بْن بقيّة، وجماعة.
وَعَنْهُ: أبو عليّ الحصائري، والطَّبَرانيّ، وابن عديّ، وأبو بَكْر الربعي، وغيرهم.
قال الدراقطني: رأيتُ مِن كذبه شيئًا لَا أخبر بهِ الساعة.

89 - إبراهيم بن محمد بن أيوب البغدادي، أبو القاسم الصائغ.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

89 - إبراهيم بْن محمد بْن أيّوب البغداديّ، أبو القاسم الصّائغ. [المتوفى: 313 هـ]
سَمِعَ: عليّ بْن أشْكَاب، والحَسَن الزَّعْفرانيّ، وسمع من ابن قُتَيْبة تصانيفه.
وَعَنْهُ: عليّ بْن عُمَر الحربيّ.
وثّقه الخطيب.

552 - محمد بن أيوب بن مشكان، أبو عبد الله النيسابوري.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

552 - محمد بن أيوب بن مُشكان، أبو عبد الله النيسابوري. [الوفاة: 311 - 320 هـ]
حَدَّثَ عَنْ: المُنْسَجِر بْن الصَّلْت القَزْوينيّ، وأبي عُتْبة الحمصيّ، ومحمد بْن عُمَر بْن أَبِي السَّمْح.
رَوَى عَنْهُ: أبو بَكْر بْن أَبِي دُجَانَة، وأبو هاشم المؤدب، وأبو بكر ابن المقرئ، وجماعة.

200 - محمد بن عبد الله بن محمد بن أيوب الكندي، أبو عبد الله الرهاوي، المعروف بالمنجم.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

200 - مُحَمَّدِ بْن عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّدِ بْن أيوب الكِنْديُّ، أبو عبد الله الرهاويُّ، المعروف بالمُنَجِّم. [المتوفى: 324 هـ]
حَدَّثَ بِدِمَشْقَ عَنْ: الربيع بن سليمان، ومحمد بن عليّ الصائغ، وصالح بن بشْر، وجماعة.
وَعَنْهُ: محمد وأحمد ابنا موسى السَّمْسار، وعبد الوهّاب الكِلابيّ.

457 - محمد بن أيوب بن المعافى، أبو بكر العكبري.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

457 - محمد بن أيّوب بن المُعَافَى، أبو بكر العُكْبريّ. [المتوفى: 329 هـ]
سَمِعَ: الحارث بن أبي أسامة، وإبراهيم الحربيّ، وجماعة.
وَعَنْهُ: ابن بطة.
وكان صالحًا زاهدًا ثقة. قال ابن بَطّة: ما رأيت أفضل منه، مات في رمضان.
قلتُ: آخر مَن روى عَنْهُ أبو الطّيّب محمد بن أحمد بن خاقان العُكْبريّ.

25 - محمد بن أيوب بن حبيب الرقي الصموت، أبو الحسن.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

25 - محمد بْن أيوّب بْن حبيب الرَّقّيّ الصَّمُوت، أَبُو الْحَسَن. [المتوفى: 341 هـ]
نزيل مصر.
سَمِعَ: أَحْمَد بْن مُحَمَّدِ بْن يَحْيَى بْنِ حَمْزَةَ، وهلال بْن العلاء، وصالح بْن عَلِيّ النَّوْفليّ، وجماعة. عَنْهُ: مَسْلَمة بْن القاسم الأندلُسيّ، ومحمد بْن أَحْمَد بْن جُمَيْع، وأبو عبد الله بن منده، والحسن بن إِسْمَاعِيل الضّرّاب، ومحمد بْن أَحْمَد بْن عثمان بْن أَبِي الحديد، وعبد الرحمن بن عمر النّحّاس.
تُوُفّي فِي ربيع الآخر.

100 - أحمد بن محمد بن أيوب، أبو بكر الفارسي الواعظ المفسر،

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

100 - أحمد بن محمد بن أيّوب، أبو بكر الفارسي الواعظ المفسر، [المتوفى: 364 هـ]
نزيل نيسابور.
كان له أتباع ومريدون، وعظ ببخارى فكثر جمعه، وخاف الحنفيّة من تغلُّبه عليهم.
كان يحضر مجلسه نحو عشرة آلاف.
كتب عنه: أبو عبد الله الحاكم.

471 - عبد الله بن محمد بن أيوب بن حيان، أبو محمد الدمشقي القطان الحافظ.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

471 - عبد الله بن محمد بن أيّوب بن حيّان، أبو محمد الدمشقي القطّان الحافظ. [الوفاة: 371 - 380 هـ]
سَمِعَ: أبا بكر الخرائطي، ويعقوب الْجَصَّاص، وأبا العبّاس بن عُقْدَة، ومحمد بن مَخْلدَ، وأبا سعيد ابن الأعرابي، وطبقتهم بالشام، والعراق، والحجاز، والجزيرة.
وَعَنْهُ: تمام الرازي، وعبد الله بن محمد بن إبراهيم بن عطيّة، ومحمد بن عَوْف المُزَني، وجماعة.

244 - إبراهيم بن محمد بن أيوب، أبو إسحاق النيسابوري، الفقيه الواعظ.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

163 - الحسن بن أيوب بن محمد بن أيوب، أبو علي الأنصاري القرطبي الحداد.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

163 - الحسن بن أيّوب بن محمد بن أيّوب، أبو عليّ الأنصاريّ القُرْطُبيّ الحدّاد. [المتوفى: 425 هـ]
روى عن أبي عيسى اللَّيْثيّ، وأبي علي القالي، وأحمد بن ثابت التغلبي، وتفقه على القاضي أبي بكر بن زرب. روى عنه جماعة من العلماء منهم: أبو عمر بن مهدي وقال: كان مقدما في الشورى لسنه، رواية للحديث واللُّغة، ذا دِين وفضل.
تُوُفّي في رمضان، وله سبعٌ وثمانون سنة.

284 - محمد بن أيوب بن سليمان. الوزير، عميد الرؤساء أبو طالب الكاتب البغدادي.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

159 - محمد بن محمد بن أيوب بن محسن، أبو محمد القطواني، السمرقندي،

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

159 - مُحَمَّد بْن مُحَمَّد بْن أيّوب بْن محسّن، أبو محمد القَطَوانيُّ، السمرقنديُّ، [المتوفى: 506 هـ]
وقطوان: على خمسة فراسخ من سمرقند.
كَانَ إمامًا في الوعظ، لَهُ القبول التّامّ مِن الخاصّ والعامّ، سَمِعَ مِن جماعة، وحدَّث، روى عَنْهُ جماعة مِن أهل سَمَرْقَنْد.
وكان مولده في سنة أربع وأربعين وأربعمائة، رماه فرسه فاندقّت عنقه، وتُوُفّي مِن الغد في سادس رجب.

340 - عبد الله بن محمد بن أيوب، أبو محمد الفهري الشاطبي.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

411 - محمد بن أيوب بن محمد بن وهب بن محمد بن وهب بن نوح، الإمام العلامة أبو عبد الله ابن الشيخ الجليل أبي محمد بن أبي عبد الله الغافقي الأندلسي البلنسي.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

411 - مُحَمَّد بْن أيوّب بْن مُحَمَّد بْن وهْب بْن مُحَمَّد بْن وهْب بْن نوح، الإِمام العلامة أبو عبد الله ابن الشيخ الجليل أَبِي مُحَمَّد بْن أَبِي عَبْد الله الغافقيّ الأندلسيّ البَلَنْسي. [المتوفى: 608 هـ]
سَرَقُسطيّ الأصلِ، وُلد ببلنسية في ثلاثين وخمسمائة، أخذ القراءات عن أبي الحسن بن هذيل، وسَمِعَ منه، ومن أَبِي الحَسَن عليّ بْن -[197]- النِّعْمة، وأبي عَبْد الله بْن سعادة، ومحمد بن عبد الرحيم ابن الفَرَس، ووالده أَبِي مُحَمَّد.
ذكره الأبّار، فَقَالَ: تفقّه بأبي بَكْر يَحْيَى بْن عِقَال، واستظهر عَلَيْهِ " المُدَوَّنَة ". وأخذ النّحو عَنْ شيخه ابن النعمة. وأجاز له أبو مروان ابن قزمان، وأبو طاهر السلفي، وجماعة. وكان الدراية أغلبَ عَلَيْهِ من الرواية مَعَ وفور حَظِّه منها وميلِه فيها إِلى الأعلام المشاهير دون اعتبار العُلوِّ. وَلِيَ خطَّة الشُّورى في حياة شيوخه، وزاحمَ الكبار بالحفظ والتّحصيل في صِغره. قَالَ: ولم يكن في وقته بشرق الأندلس له نظير تفننًا واستبحارًا، وكان مِنَ الراسخين في العلم وصدرًا في المشاورين، بارعًا في علم اللّسان والفقه والفُتيا والقراءات. وأمّا عقدُ الشروط، فإليه انتهت الرياسة فيه، وبه اقتدى مَن بعده. ولو عُنِيَ بالتأليف، لأرْبَى عَلَى من سلف. وكان كريمَ الخُلُقِ، عظيمَ القدر، سَمْحًا جوادًا. خطب بجامع بَلَنْسية، وامْتُحْنَ بالولاة والقضاة، وكانوا يستعينون عَلَيْهِ، ويجدون السبيلَ إِلَيْهِ بفضل دُعابةٍ كانت فيه مَعَ غلبة السلامة عَلَيْهِ في إعْلانه وإسراره وكثرة التّلاوة. أقرأ القرآن، وأسمعَ الحديثَ، ودرَّس الفقه، وعلَّمَ العربيةَ، ورحل النّاسُ إِلَيْهِ، وسَمِعَ منه جِلَّة، وطال عمره حتّى أخذ عَنْهُ الآباءُ والأبناءُ. وتلوت عَلَيْهِ بالسَّبْع، وهو أغزر مَن لقيتُ علمًا، وأبعدُهم صيتًا. تُوُفّي في سادس شَوَّال، ورُثي بمراثٍ كثيرة.
قلتُ: وقد أطنب الأبّار في وصفه بأضعاف ما هنا. وممّن قرأ عَلَيْهِ القراءات عَلَم الدّين القَاسِم شيخ شيوخنا، وأَبُو جَعْفَر أَحْمَد بْن علي ابن الفَحَّام المالقيّ.

247 - محمد ابن القاضي محمد بن أيوب بن محمد بن نوح الغافقي، أبو القاسم.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

247 - مُحَمَّد ابن القاضي مُحَمَّد بن أيوب بن مُحَمَّد بن نوح الغافقيّ، أَبُو الْقَاسِم. [المتوفى: 614 هـ]
سَمِعَ أَبَاه، وأبا الْقَاسِم بن حُبَيْش. وأجاز لَهُ أَبُو مروان بن قزمان.
قَالَ الْأبَّار: وَكَانَ فقيهًا، ماهرًا بالشُّرُوط، شاعرًا، وَلِيَ قضاء المريَّة، ثُمَّ قضاء بَلَنْسِية فلم تُحْمد سيرته، فعُزل، وماتَ بمَرّاكش في جُمَادَى الْأولى، عن نحو ستين سنة.

257 - عيسى، السلطان الملك المعظم شرف الدين ابن السلطان الملك العادل سيف الدين أبي بكر محمد بن أيوب بن شاذي، صاحب دمشق الفقيه الحنفي الأديب.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

257 - عيسى، السلطان الملك المعظم شرف الدّين ابن السّلطان الملك العادل سيف الدّين أَبِي بَكْر مُحَمَّد بْن أيّوب بْن شاذي، صاحب دمشق الفقيهُ الحنفيُّ الأديب. [المتوفى: 624 هـ]
ولد بالقاهرة في سنة ستٍّ وسبعين وخمسمائة، ونشأ بالشام، وحفظ بالقرآن، وتَفَقَّه وَبَرَعَ في المَذْهَبِ، واعتنى " بالجامع الكبير " فشرَحَهُ في عِدّة مُجَلَّدات بمعاونة غيرِه. ولازمَ تاجَ الدِّين الكِنْديّ مُدَّةً، وكان ينزل إلى داره بدرب العَجَم من القَلْعة والكتابُ تحت إبطهِ، فأخذ عنه " كتابَ سِيبَويْه "، وشَرَحَهُ للسِّيرافيّ، وأخذ عنه " الحُجَّة في القراءات " لأبي عليٍّ الفارسي، و" الحماسة " وغير ذلك من الكتب المُطوَّلَة، وحفظَ " الإِيضاحَ " في النَّحْو، وسَمِعَ " المُسْند " من حَنْبَل المُكَبِّر، وسَمِعَ من عُمَر بْن طَبَرْزَد، وغيرِه. ولَهُ ديوان شِعْر.
قال القُّوصيّ: سَمِعْتُ منه ديوانهُ، وصَنَّف في العَرُوض ومع ذلك فما يُقيم الوزن في بعض الأَوْقات. وكان مُحِبًّا لمذهبِهِ، متغاليًا فيه، كثيرَ الاشتغال مع كثرة الأشغال، وكان مُحِبًّا للفضيلة، قد جعل لمن يعرض " المُفَصَّل " للزمخشريّ مائة دينار، ولمن يحفظ " الجامع الكبير " مائتي دينارٍ، ولمن يحفظ " الإيضاحَ " ثلاثين دينارًا، سوى الخِلَع. وقد حجَّ في أيّام والده سَنَةَ إحدى عشرة وستّمائة. وجَدَّد البرك والمَصَانِع، وأحسن إلى الحُجّاج كثيرًا. وبنى سُورَ دمشق والطّارمة التي على باب الحَدِيد والخان الّذي على باب الجابية، وبنى بالقُدس مدرسةً، وبنى عند جعفر الطَّيَّار - رَضِيَ اللَّهُ عنه - مسجدًا. وعمل بمُعان دارَ مَضيف وحَمَّامين. وكانَ قد عزم على تسهيل طريق الحاجّ وأن يبني في كلّ منزلة. وكان يَتَكَلَّم مع العُلماء، ويُناظر، ويبحث. وكان مَلِكًا -[778]- حازِمًا، وافرَ الحُرمةِ، مشهورًا بالشَّجاعَة والإِقدام، وفيه تواضع، وكرمٌ، وحياء. وقد ساقَ على فَرَس واحدٍ من دمشق إلى الإِسكندرية في ثمانية أيّام في حدودِ سَنَة سبعٍ وستّمائة إلى أخيه الملك الكامل محمد، فلمّا التقيا، قال لَهُ الكامل بعد أن اعتنقه والتزمَهُ: اطلع اركب، فقال:
وإذا المَطِيّ بنا بَلَغْنَ مُحَمَّدًا ... فَظُهورُهُنَ على الرِّكابِ حَرَامُ
فطرِب الكامل وأَعجبه.
وكان قد أعدَّ الجواسيس والقُصَّاد، فإنَّ الفِرنج كانوا على كتفه، فلذلك كَانَ يَظْلِمُ، ويَعْسِفُ، ويُصادِر. وأخربَ القدس، لعجزه عن حِفْظه من الفِرنج، وأدار الخُمور، وكان يَمْلِكُ مِن العَرِيش إلى حِمْص والكَرَك والشّوبك وإلى العُلى.
وكان عديمَ الالتفات إلى ما يرغبُ فيه المُلوكُ من الأُبَّهَة والتَّعْظيم، وينهي نوابَه عن مُزَاحمة الملوك في طلوع العَلَم على جبل عرفات. وكان يركب وحدَه مِرارًا عديدة، ثمّ يتبعه غِلْمانُه يتطاردون خلفه. وكان مُكرمًا لأصحابه كأَنَّهُ واحدٌ منهم، ويُصلِّي الْجُمُعة في تربة عَمِّه صلاح الدِّين ويمشي منها إلى تُربة أبيه.
تُوُفّي في سَلْخ ذي القِعْدَة سَنَةَ أربعٍ، ودفن بالقلعة، ثمّ نقل إلى تربته ومدرسته بقاسيون، سامحه الله.
ونقلت من خطِّ الضّياء قال: كَانَ شُجاعًا، فَقِيهًا، وكان يشرب المُسْكِرَ ويجوِّزَ شُرْبَهُ!، وكان ربّما أعطى العَطاء الكثير لمن لا يشرب حَتّى يشربه. وأَسَّسَ ظُلمًا كثيرًا ببلاد الشّام، وأَمَرَ بخراب بيت المقدس، وغيرها من الحُصون.
وقال ابن الأثير: كَانَ عالمًا بعدَّة علومِ، فاضلًا فيها، منها الفقه، ومنها -[779]- علمُ النَّحْو، وكذلك اللّغة. نَفَق العِلْمُ في سُوقِهِ وقصدَهُ العُلماء من الآفاق فأكرَمَهُم وأعطاهم، إلى أن قال: لم يسمع أحدٌ منه ممّن يصحبه كلمةً نزقة. وكان يقول كثيرًا: اعتقادي في الأُصول ما سطَّره أبو جعفر الطّحاويّ. وأوصى أنّ يُدفن في لحدٍ، وأن لا يُبنَى عليه بناءٌ، بل يكون قبره تحتَ السماء، وكان يقول في مرضه: لي عند اللِه في أمر دمياط ما أرجو أنّ يرحمني به.
وقال ابن واصل: كَانَ جُند المُعَظَّم ثلاثة آلاف فارس لم يكن عند أحد من إخوته جُند مثلهم في فرط تَجَمُّلِهم، وحُسنِ زَيِّهم، فكان بِهذا العَسْكر القليل يُقاوم إخوتَهُ، فكان الكاملُ يخافه لِما يتوهَّمهُ من مَيْل عَسْكر مِصْرَ إليه لِما يعلمونه من اعتنائه بأمر أَجناده. وكان المُعَظَّمُ يخطب لأخيه الكامل في بلاده، ويضرب السكّةَ باسمه، ولا يذكر اسمَه مع الكامل. وكان مع شهامته، وعِظَم هيبته قليل التّكّلف جِدًّا، لا يَرْكَبُ في السَّنَاجق السلطانية في غالب أوقاته، بل في جَمْع قليل وعلى رأسه كَلَوْتة صفراء بلا شاش، ويَتَخَرَّق الطُّرَق، ولا يُطَرِّق لَهُ أحدٌ. ولقد رأيتُه بالبيت المُقَدَّس في سَنَةِ ثلاثٍ وعشرين والرجالُ والنِّساءُ يُزاحمونه ولا يردُّهم. ولَمّا كَثُر هذا منه، ضُرِبَ به المَثَلُ، فمن فعلَ فعلًا لا تكلّف فيه قيل: " فعله بالمُعَظَّميّ ". وكان شيخُه في الفقه جمال الدّين الحصيري، تردّد إليه وإلى الكِنْديّ كثيرًا. وكان قد بحث " كتابَ سِيبَويْه " وطالعه مرّات. بلغني أنّ أباه قال لَهُ: كيف خالفتَ أهلك وصِرت حنفيًا؟ قال: يا خَوَنْد إلّا تَرْضَوْنَ أن يكونَ منّا واحدٌ مسلم؟ قاله على سبيل المداعبة.

58 - محمد بن المبارك بن أبي المظفر هبة الله بن محمد ابن الوزير أبي طالب محمد بن أيوب، أبو الحسن البغدادي الحاجب.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

58 - مُحَمَّد بْن المبارك بْن أَبِي المظفَّر هبة اللَّه بْن محمد ابن الوزير أَبِي طَالِب مُحَمَّد بْن أيّوب، أَبُو الْحَسَن البغداديّ الحاجبُ. [المتوفى: 631 هـ]
وُلِد سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة. وسمع من مُحَمَّد بْن مُحَمَّد بْن السَّكَن، ومُحَمَّد بن إسحاق ابن الصابئ، وغيرهما.
وكان يُسمّي نفسه عليًا، وهو مشهورٌ بالكنية. وجدهم وزر للقائم بأمر اللَّه.
روى عَنْهُ بالإجازةِ القاضيان ابن الخويي والتقيُّ سُلَيْمَان، وابنُ الشّيرازيّ، وفاطمةُ بنتُ سُلَيْمَان، وجماعةٌ.
وكان صالحًا، دينًا، متعبِّدًا.
تُوُفّي فجاءةً فِي الخامسِ والعشرين من صَفَر.
وحدَّث عَنْهُ الفاروثيّ.

364 - محمد السلطان الملك الكامل ناصر الدين، أبو المعالي وأبو المظفر ابن السلطان الملك العادل سيف الدين أبي بكر محمد بن أيوب بن شاذي،

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

364 - محمدٌ السُّلطان المُلْك الكامل ناصرُ الدين، أَبُو المعالي وأَبُو المُظَفَّر ابْن السلطانِ الملكِ العادل سيف الدّين أَبِي بَكْر مُحَمَّد بْن أيّوب بْن شاذي، [المتوفى: 635 هـ]
صاحب مصر.
وُلِد بمصر سنة ستٍ وسبعين وخمسمائة. وأجاز له العلامة عبد الله بن بري، وأَبُو عَبْد اللَّه بْن صَدَقَة الحرّانيّ، وعبد الله الرحمن ابن الخِرَقيّ.
قرأتُ بخطِّ ابْن مَسْدي فِي " معجمه ": كَانَ الكاملُ مُحِبًّا فِي الحديث وأهلهِ، حَريصًا عَلَى حفظِه ونَقْله، وللعلمِ عنده سوقٌ قائمةٌ على سوق. خرج له أبو القاسم ابن الصَّفْراويّ " أربعين حديثًا " وسَمِعَها جماعةِ. وحَكَى عَنْهُ ابن مَكْرَم الكاتبُ أن أَبَاهُ العادلَ استجازَ لَهُ السِّلَفِيّ قبل موت السِّلَفِيّ بأيامٍ. -[186]-
قَالَ ابْن مسدي: ثمّ وَقَفْتَ أَنَا عَلَى ذَلِكَ. وأجاز لي ولابني.
قلتُ: وتَمَلَّك الديارَ المصرية أربعين سنة، شَطْرها فِي أيّام والده.
وقيلَ: بل وُلِدَ فِي ذي القَعْدَةِ سنة خمسٍ وسبعين.
قَالَ المُنْذريُّ: أنشأ دارَ الحديثِ بالقاهرة وعَمرَّ القُبَّة عَلَى ضريح الشّافعيّ، وجَرَّ الماءَ من بِرْكة الحَبَش إلى حوض السبيل والسِّقايةِ، وهما عَلَى باب القُبَّة المذكورة. ووقف غير ذَلِكَ من الوقوف عَلَى أنواعٍ من أعمالِ البِرِّ بمصر وغيرها. وله المواقفُ المشهودة فِي الجهاد بدِميْاطَ المدة الطويلة، وأنفقَ الأموالَ الكثيرة.
قلتُ: وأنشأ بالغربِ مدينةً كبيرةً جدًا، وجعلها دار ملكه، وأسكنها جيشَه.
ومن شِعرِه كَتَبَه من دِمياط:
يا مُسْعِفي إنْ كُنْتَ حَقًّا مُسْعِفي ... فَارْحَلْ بغَيرِ تقيّدٍ وتَوَقُّفِ
واطوِ المَنَازلَ والديار ولا تُنخْ ... إلا عَلَى بابِ المَليكِ الأشرفِ
قَبِّل يَدَيْه لا عَدِمتَ وقُل لَهُ ... عَنِّي بِحُسْنِ تعطّفٍ وتَلَطُّفِ
إنْ تَأْتِ صِنْوَكَ عن قريبٍ تَلْقَه ... ما بينَ حَدِّ مهنّدٍ ومُثَقَّفِ
أو تُبْطِ عن إنجادِه فَلِقاؤه ... يَوْمَ القيامةِ فِي عِراصِ المَوْقفِ
وكافحَ العَدُوَّ المخذولَ بَرًّا وبحرًا ليلًا ونهارًا، يَعْرِفُ ذَلِكَ مَنْ شاهده. ولم يَزَلْ عَلَى ذَلِكَ حتى أعزَّ اللَّه الإِسلْام وأهلَه وخَذَلَ الكفرَ وأهلَه. وكانَ مُعَظِّمًا للسُّنَّةِ النَّبوية وأهلها. راغبًا فِي نشرِها والتمسُّكِ بها، مؤُثِرًا للاجتماع مَعَ العلماء والكلامِ مَعهم حَضَرًا وسَفَرًا.
وقالَ غيره: كان الملك الكامل فاضلاً، عادلًا، شهمًا، مهيبًا، عاقلًا، مُحِبًّا للعلماء يُباحِثهم ويفهمُ أشياء. وله شعرٌ حَسَن، واشتغالٌ فِي العلم.
وقيلَ: إنَّه شكَا إِلَيْهِ ركبدارٌ أستاذهُ بأنَّه استخدمه ستةَ أشهرٍ بلا جامكيَّة، -[187]-
فأنزلَ أستاذَه من فرسه، وألبَسَه ثيابَ الركبْدار، وألبس الركبدار ثيابه، وأمره بخدمة الركبدر وحَمْلِ مداسةِ ستةَ أشهر. وكانت الطرق آمنة فِي زمانِه. وقد بَعُثَ ابنه الملك المسعود إقسيس، فافتتحَ اليمنَ والحجازَ وماتَ قبله، ووَرِثَ منه أموالًا عظيمةً. وكانت رايتُه صفراء وفيه يَقُولُ البهاء زهيرٌ:
بكَ اهتزَّ عطفُ الدّين فِي حُلَلِ النصر ... ورُدَّت عَلَى أعقابها مِلَّة الكُفْرِ
يَقُولُ فيها:
وأُقْسِمُ إنْ ذَاقتْ بنو الأصفر الكرى ... لما حملت إلّا بأَعْلامِكَ الصفرِ
ثلاثة أعوامٍ أقمت وأَشْهُرًا ... تُجاهدُ فيهم لا بزيدٍ وَلا عَمْرو
ولَيلَةَ نفرٍ للعَدوِّ رأيتُها ... بكثرةِ مَنْ أَردَيتُه ليلةَ النَّحْرِ
فَيَا لَيْلةً قد شرف اللَّه قَدْرَها ... فَلا غَروَ إنْ سَمَّيتْها لَيلَةَ القَدْرِ
وهي من غُرَرِ القصائدِ.
ولمّا بَلغَتْهُ وفاةُ أخيهِ الأشرفِ سارَ إلى دمشق وقد تملَّكَها أخوهُ الصّالحُ فحاصَرَه وأخَذَها منه ومَلَكَها واستقر بقلعتها فِي جُمَادَى الأولى من السنة، فلم يُمَتَّعْ بها، وعاجَلَتْهُ المَنِيَّةُ، وماتَ بعد شهرين بالقلعةِ فِي بيتٍ صغير، ولم يشعْر أحدٌ بموتِه، ولا حَضَرهُ أحدٌ من شدة هيبته. مَرِضَ بالسُّعال والإسهال نيفًا وعشرين يومًا، وكان فِي رجله نقرسٌ ولم يتحزنِ الناس عليه، ولَحِقَتهم بهتةٌ لما سَمِعُوا بموته. وكان فِيهِ جبروتٌ. ومن عدِله الممزوجِ بالعَسفِ أنَّه شَنَقَ جماعةٌ من الأجنادِ عَلَى آمِد فِي أكيالِ شعير أخذوه، وكذا لما نازل دمشق، بَعَثَ صاحبُ حِمْص رجالَه نَجدةً لإسماعيل، عُدَّتُهم خمسون نفسًا، فأخذهم وشنَقَهم كلَّهم.
ذكرَ شمسُ الدّين مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم الْجَزَرِيّ: أنَّ عمادَ الدّين يحيى البصراويّ الشريفَ قَالَ: حكى لي الخادمُ الّذِي للكامل قَالَ: طلب منى الكاملُ طِستًا حتى يتقيأ فأحضرتهُ. وكان الملكُ الناصرُ داودُ عَلَى الباب ليعودَ عمَّه، فقلت: دَاوُد عَلَى الباب. فقال: ينتظر موتي؟! وانزعج، فخرجت، وقلت: -[188]-
ماذا وقتك، السُّلطانُ منزعج. فنَزَلَ إلى دار سامة، وكان نازلًا بها، ودَخَلْت إلى السلطانِ، فرايتُه قد قضى والطَّسْتُ بين يديه وهو مكبوبٌ عَلَى المِخَدَّةِ.
قَالَ ابن واصل: حكى لي طبيبه، قَالَ: أصابه لمّا دخل قلعة دمشق زكامٌ، فدخل الحمَّام، وصبَّ عَلَى رأسه ماءً شديد الحرارة اتباعا لقول مُحَمَّد بْن زكريا الرازي في كتابٍ سماه " طب ساعة " قالَ: من أصابه زكامٌ، فصب عَلَى رأسه ماء شديد الحرارة، انحلَّ زكامه لوقته. وهذا لا ينبغي ان يعمل عَلَى إطلاقه. قَالَ: فانصَبَّ من دماغه مادةٌ إلى فم مَعِدَتِه فتورَّمت، وعَرضَتْ لَهُ حميّ شديدة، وأراد القَيْء، فنهاهُ الأطباء وقالوا: إن تقيَّأ هَلَكَ، فخالفهم وتقيأ فهلك لوقته.
قالَ ابن واصل: وحكى لي الحكيم رَضِيَ الدّين، قالَ: عرضت له خوانيق فانفقأت، وتقيأ دما كثيرا ومدة، وأراد القيء أيضا، فنهاه أَبِي موفق الدين إِبْرَاهِيم وأشار به بعض الأطباء، فتقيأ، فانصَبَّتْ بقيَّةٌ المادّة إلى قصبَة الرئة، وسدَّتها فمات.
قَالَ ابنُ واصل: استَوْزَرَ فِي أول ملكه وزير ابنه صفيّ الدين ابن شُكْر، فلمَّا مات لم يستَوْزرْ أحدًا، بل كَانَ يباشر الأمور بنفسه. وكان مَلِكًا جليلًا. مَهِيبًا، حازمًا سديد الآراء حَسَن التدبير لممالِكه، عَفيفًا، حَليمًا، عُمِرَت فِي أيامه ديارُ مصر عِمارةً كبيرةً. وكانت عنده مسائلُ غريبةٌ من الفقِه والنحو يوردها، فمن أجاب حَظِيَ عنده.
قَالَ المُنْذريُّ: تُوُفّي بدمشق فِي الحادي والعشرين من رجب.
قلتُ: دُفِنَ بالقلعة فِي تابوت، ثمّ نُقِلَ سنة سبعٍ وثلاثين إلى تُربة بنيت له إلى جانب السميساطية، وفتح لها شباكٌ وبابٌ إلى الجامع الأُمَويّ. وخلَّف وَلَديْنِ؛ الملك العادل أَبَا بَكْر والملك الصّالح أيّوب، والصاحبة.

377 - موسى، السلطان الملك الأشرف مظفر الدين أبو الفتح شاه أرمن ابن الملك العادل أبي بكر محمد بن أيوب.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

377 - مُوسَى، السلطانُ الملكُ الأشرف مُظَفَّرُ الدّين أَبُو الفتح شاه أرمن ابن الملك العادل أَبِي بَكْر مُحَمَّد بْن أيّوب. [المتوفى: 635 هـ]-[196]-
ولد بالقصر بالقاهرة سنة ستٍ وسبعين وخمسمائة. وسمع من عُمَر بْن طَبَرْزَد. وسَمِعَ " صحيح الْبُخَارِيّ " من أبي عبد الله ابن الزُّبَيْدِيّ. رَوَى عَنْهُ الشهابُ القُوصيُّ، وغيرُه. وَحَدَّثَنَا عَنْهُ أَبُو الْحُسَيْن اليُونينيّ بأربعين حديثًا خُرِّجتْ لَهُ.
أعطاهُ أَبُوه أوَّلَ شيء القدس، ثمّ أعطاهُ حَرَّانَ والرُّها. وجهزه أخوه الملك المعظمُ بالخيل والمماليك. وسارَ وتَنَقَّلَتْ بِهِ الأحوال، وجرت له أمورٌ أشرنا إلى كبارها فِي الحوادث. وكسرَ المواصلةَ، وكَسَرَ الخَوارَزميّة والروم. ولُقَّب شاه أرمن لتَملُّكه مدينة خِلاط، وهي قَصبةٌ أرْمينيةَ. وتملك دمشق سنة ستٍ وعشرين وأخذها من الناصر داود ابن المعظم، فأحسن إلى أهلها وعَدَلَ فيهم وأزالَ عنْهُم بعضَ الْجَوْرِ وأحبوه. وكان فِيهِ دينٌ، وخشيةٌ، وعفةٌ فِي الجملة، وسخاءٌ مُفرط حتى لقد قَالَ ابنُ واصل: كَانَ يُطِلقُ الأموالَ الجليلةَ ولم يسمع أنَّ أحدًا من الملوكِ والعُظماء - بعد آل البرمك - فَعَلَ فِعلَه فِي العطاءِ. ومن سعادتِه أَنَّهُ عاد أخوه الأوحدُ بخِلاط، فتماثَلَ ودخل الحَمَّام، فأراد الأشرف الرجوع إلى حَرَّان، فقالَ لَهُ طبيبُ الأوحد: اصبِر؛ فإن الأوحد ميتٌ. فأقامَ ليلةً وماتَ الأوحدُ، فاستولى عَلَى مملكةِ خِلاطَ جميعها.
قلت: إلّا أَنَّهُ كَانَ منهمكًا فِي الخمر والملاهي. وكَانَ مَليحَ الشكلِ، حُلْوَ الشمائلِ، وافرَ الشجاعةِ، يُقالُ: إنه لم تُكْسَر لَهُ رايةٌ قطُّ. وكان يحبُّ الفُقراءَ والصالحين، ويتواضع لهم، ويَزُورهم ويَصِلُهم، ويُجيزُ الشعراءَ. وكان فِي رمضان لا يُغْلِقْ بابَ القلعةِ، ويُخرجُ منها صحون الحَلْواء إلى أماكن الفقراء. وكان ذكيَّا، فَطِنًا، يُشاركُ فِي الصنائعِ، ومحاسُنه كثيرةٌ، اللَّه يسامحُهُ.
قَالَ أَبُو المظفَّر: وكان يحضرُ الملكُ الأشرف مجالسي بخِلاطَ وحَرَّانَ ودمشقَ، وكان عفيفًا. ولمّا كنتُ عنده بخِلاطَ قَالَ لي: والله ما مَدَدْتُ عيني إلى حريم أحدٍ ذكرٍ ولا أنثى. ولقد جاءتني عجوزٌ من عند بيت شاه أرمن صاحبِ خِلاطَ بورقةٍ، فذكرتُ أن الحاجب عليًّا قد أخذَ ضَيْعَتَها، فكتبتُ بإطلاقِها، فقالت العجوز: هِيَ تسألُ الحضورَ بين يديك، فعندها سرٌّ، فقلتُ: -[197]-
بسم اللَّه، فقامت وغابتْ ساعةً ثمّ جاءت بها، فإذا هِيَ امرأةٌ ما رأيتُ أحسن من قدها، ولا أظرفَ من شكلِها، كأنَّ الشمس تحتَ نِقابها، فخَدَمتُ، ووقَفْتُ، فقُمتُ لها، وقُلتُ: أنتِ فِي هذا البلدِ وما أعلم بكِ؟ فسَفَرَتْ عن وجهٍ أضاءَتْ منه المَنْظرةُ، فقلتُ: استتِري، فقالت: ماتَ أَبِي صاحبُ هذه المدينة، واستولى بُكْتُمر عَلَى البلاد، وكانَ لي ضيعة أعيشُ منها أخذها الحاجبُ عليٌ، وما أعيش إلا من عمل النَّقْش وأنا فِي دور الكراء. فبَكَيتُ وأمرتُ لها بقماش، وأن يُصلحَ دار لسكناها، وقلتُ: بسم اللَّه. فقالت العجوزُ: يا خَوَنِد ما جاءت إلى خدمتك إلّا حتى تحظَى بك الليلةَ. فساعةَ سَمِعْتُ كلامها، أوقع اللَّه فِي قلبي تغيُّرَ الزمان، وأن يملكَ خِلاطَ غيري وتحتاج بنتي إلى أن تَقْعُدَ مثل هذه القِعْدَة فقلت: مُعَاذ اللَّه، والله ما هُوَ من شيمتي، ولا خلوتُ بغير محارمي، فخُذيها وانصرفي كريمةً. فقامتْ باكيةً وهي تَقُولُ: صانَ اللَّه عاقبتَك كما صُنْتَني. وحدثني قَالَ: ماتَ لي مملوكٌ بالرُّها، وخَلَّف ولدًا لم يكن فِي زمانه أحسنُ منه، وكان من لا يدري يتَهَّمني بِهِ، وكنت أُحبُّه، وهو عندي أعزُّ من الوَلَد، وبَلَغَ عشرين سنة، فضرب غلامًا لَهُ فمات، فاستغاثَ أولياؤه وأثبتوا أنه قتله وجاؤوا يطلبون الثَأرَ، فاجتمعَ عليهم مماليكي وقالوا: نَحْنُ نُعطيكم عشرَ دياتٍ، فأبَوْا، فطردوهم فوقفوا لي، فقلتُ: سلموه إليهم، فسلموه فقتلوه. خِفْتُ اللَّه أن أمنعهم حقهم لغرض نفسي.
قال أبو المظفَّر: وقضيَّته بحرانَ مشهورةٌ مَعَ أصحابِ الشَّيْخ حياة لمّا بَدَّدُوا المُسكر من بين يديه، وكان يَقُولُ: بها نُصِرتُ.
قَالَ أَبُو المظفَّر: لمّا فارَقْتُ دمشقَ وطلعت إلى الكرك، أقمت عند الناصر، فكُنْتُ أتردّدُ إلى القدس من سنة ستٍ وعشرين إلى سنة ثلاثٍ وثلاثين. ثمّ جرت أسبابٌ أوجبت قُدومي دمشقَ، فسُرَّ بقدومي وزَارني وخَلَعَ عَلِيّ، فامتنعتُ من لُبسِها، فقال: لا بالله ألْبَسْها ولو ساعةً، ليَعلَم الناسُ أنك قد رَضيتَ وزالت الوحشةُ. وبعث لي بغلَه الخاص وعشرَه آلاف درهم، وأقمتُ بدمشق - إلى أن تُوُفّي - فِي أرغدِ عيشٍ معه. -[198]-
وحدثني الفقيهُ محمدٌ اليُونيني، قَالَ: حكى لي فقيرٌ صالح، قَالَ: لمّا مات الأشرفُ رأيتُه فِي المنام وعليه ثيابٌ خضرٌ وهو يَطيرُ مَعَ الأولياءِ، فقلتُ: أيش تعملُ مَعَ هؤلاء وأنت كنتَ تفعلُ وتصنَعُ؟ فتبسَّمَ وقال: الجسدُ الّذِي كَانَ يفعلُ تِلكَ الأفاعيل عندَكم والروح التي كانت تُحِبُّ هؤلاء قد صارتْ معهم.
قَالَ: وقيل: إنّ هذه الأبياتَ من نظْمِه كتبَ بها إلى الْإمَام الناصر:
العبدُ مُوسى طوره لمّا غَدَا ... بَغْدادَ آنُسَ عِنْدها نَارَ الهُدَى
عبدٌ أعَدَّ لَدَى الإلهِ وَسيلةً ... دِينًا ودُنْيا أحْمدًا ومُحَمَّدا
هذا يقُومُ بنصرِه فِي هذه ... عندَ الخطوبِ وذاك شافِعُه غَدَا
وممّا أنشدَه الملكُ الأشرف:
لولا هيف القدّ وغنج المقل ... ما كنت تجرّعت كؤوس العذلِ
فِي حُبِّ مقرطقٍ من التركِ يلي ... أمري وأنا لَهُ وإن أصبحَ لي
وقال أَبُو المظفَّر: كُنتُ أغشى الأشرف فِي مرضه لمّا أحسِّ بوفاته فقلتُ لَهُ: استعدَّ للقاءِ اللَّه فما يضرُّك؟ قَالَ: لا، والله، بل يَنْفَعُني. ففَرَّق البلادَ، وأعتقَ مائتي نفسٍ من مملوك وجارية، ووقَفَ دارَ فَرُّخْشاه التي يقال لها: دارُ السعادة، وبستانَ النَّيْرَبِ عَلَى ابنته، وأوصى لها بجميعِ الجواهر.
وقال سعد الدّين مَسْعُود بْن حَمُّويَه فِي " تاريخه ": وقَفَ دارَ السعادة عَلَى ابنته، وبستانَه بالنَّيْرَبِ، وأوصى لها بجميع الجواهر، وأعتَقَ مائتي مملوك ومائتي جارية. وفي آخرِ ذي الحجّة غُشِيَ عَلَيْهِ حتى ظَنُّوا أَنَّهُ قد مات، فجاءوا بِهِ إلى القلعة من النَّيْرَبِ وقد أفاقَ.
قَالَ ابنُ واصل: خَلَّف بنتًا واحدة تَزَوجها ابنُ عمّها الملكُ الجواد يونسُ لمّا تملَّكَ دمشقَ، فلمّا مَلك عمُّه الصّالح إِسْمَاعِيل دمشق ثانيًا، فسخ نكاحها منه، لأنه حلف بطلاقها فِي أمرٍ وفَعَلَهُ، ثمّ تزوجها ثانية الملكُ المنصور وهي معه إلى الآن. -[199]-
قلتُ: وقد أنشأ جامعَ العُقَيبة وكان حانةً. قَالَ أبو المظفَّر الْجَوْزيّ: جلست فِيهِ لمّا فرغ، فحضر وبكى، وأعتقَ كثيرًا من المماليكِ. وأنشأ بالقلعةِ مسجد أَبِي الدَّرداء، وأنشأ مسجدَ بابِ النصر، ومسجدَ القصبِ، ومسجد جرّاح، وجامعَ بيت الآبار، ودارَ الحديث، وأخرى بالجبل. ولم يخلف ولدًا ذكرًا. وأنشأ دارَ السعادة، وبالنَّيْرَبِ الدهشة، وصُفَّة بُقراط.
ومن حسنات الأشرفِ؛ قَالَ ابْن واصل فِي " تاريخه ": وَقَعَت بدمشق فتنةٌ بين الشّافعيّة والحنابلة بسببِ العقائد، وتعصَّب الشَّيْخ عز الدين ابن عَبْد السلام عَلِي الحنابلة، وجرى بِذَلِك خبطٌ طويل حَتَّى كتب عز الدّين إِلَى الأشرف يقع في الحنابلة، وذكر الناصح ابن الحنبليّ وعرض بأنه ساعدَ عَلَى فتح بابِ السَّلامة لعسكر الملكِ الأفضل والملك الظاهر لمّا حاصرا العادلَ بدمشق. فكتبَ الأشرف بخطِّه - وقد رَأَيْته -: يا عزَّ الدّين الفتنةُ ساكنةٌ، فلعن الله مثيرها. وأما حديثُ بابِ السَّلامة فكما قَالَ الشاعر:
وجرمٌ جَرَّهُ سُفَهَاءُ قومٍ ... فَحَلَّ بِغَير جَانِيهِ العَذَابُ
قَالَ: وقد تابَ الأشرفُ فِي مرضه، وأظْهرَ الابتهال والاستغفار والذِّكّر إلى أن تُوُفّي تائبًا، وخُتِمَ لَهُ بخير.
وقالَ ابْن الْجَوْزيّ: مَرِضَ الملكُ الأشرف في رجب سنة أربع وثلاثين وستمائة مَرَضَيْنِ مختلفين فِي أعلاه وأسفلِه، فكانَ الجرائحيّ يُخرج العظام من رأسه وهو يسبحُ اللَّه تعالى ويَحمَده، واشتدَّ بِهِ ألمه، فلَمَّا يئسَ من نفسه، قَالَ لوزيره ابن جرير: فِي أي شيء تكفنوني؟ فما بَقي فِي قوةٌ تحملُني أكثرَ من غدٍ، فقالَ: عندنا فِي الخزانة نصافي، فقال: حاش لله أن أُكَفَّنَ من الخِزانَة. ثمّ نَظَرَ إلى ابن موسك الأمير، فقالَ: قمُ وأحضرْ وَديعتي. فقامَ وعاد وعلى رأسِه مِئزرُ صوفٍ، ففَتحه فإذا فِيهِ خرقٌ من آثارِ الفقراء. وطاقياتُ قومٍ صالحين مثل الشَّيْخ مَسْعُود الرُّهاويّ، والشيخ يونس البيطار، وفي ذَلِكَ إزارٌ عتيق يُساوي نصفَ درهم أو نحوه فقالَ: هذا يكون عَلِي جسدي أتَّقي بِهِ حرَّ جهنم، فإنّ صاحبَه كَانَ من الأبدالِ، كَانَ حبشيًا أقام بجبل الرُّها مدّةً يَزْرعُ قطعةَ أرضٍ -[200]-
زعفرانًا، ويتقوتُ منها وكنتُ أزوره فأعرض عَلَيْهِ المال فيمتنع، فهو وهبني هذا الإزار وقال لي: أحرمتُ فِيهِ عشرين حَجَّةً.
قلتُ: وأمّا تعظيمُه للفقيه مُحَمَّد اليُونينيّ فأمرٌ زائدٌ، كَانَ عنده بالقلعةِ وهو فِي سماع " الْبُخَارِيّ "، فتوضأ الفقيهُ مرَّةً، فقام ونقض تخفيفته وقدمها إلى يديه ليتنشّف بها أو ليَطَأ عليها - أَنَا أشك - حدثني بذلك شيخنا أبو الحسين ابن اليونينيّ. وقد سارَ مَرةً إلى بَعْلَبَكَّ، فبدأ قبل كلّ شيء، فأتى دار الفقيه، ونَزَلَ فَدَقَّ البابَ، فقيل: من ذا؟ فقال: مُوسَى.
قال أبو المظفر ابن الْجَوْزيّ: ماتَ فِي يوم الخميس رابع المحرَّم ودُفِنَ بالقلعَة. قَالَ: وكان آخر كلامه: لا إله إلا اللَّه، ونُقلِ إلى تُربته بعدَ أربعة أشهر.
وقال سعدُ الدّين فِي " تاريخه ": كَانَ مرضُه دماملَ فِي رأسه ومَخْرجِه. تَنَسَّر جُرْحُه، ودَوَّد، ووَقَعَ منه لحم. وأظهرَ الناسُ عَلَيْهِ حُزْنًا عظيماً. ولبس أجناده وحاشيته البلاسات والحصر، وجاءت نساؤهم إلى بابِ القلعة يَنْدُبْنَ ويَبْكِينَ. وغُلقْتِ الأسواق.

67 - يونس، السلطان الملك الجواد مظفر الدين ابن الأمير مظفر الدين ممدود ابن الملك العادل سيف الدين أبي بكر محمد بن أيوب.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

67 - يونس، السّلطان الملك الجواد مظفَّر الدّين ابن الأمير مظفَّر الدّين ممدود ابن الملك العادل سيف الدّين أَبِي بَكْر مُحَمَّد بْن أيّوب. [المتوفى: 641 هـ]
كَانَ فِي خدمة عمّه الملك الكامل، فوقع بينهما واقع، فغضب وسار إلى عمّه الملك المعظّم، فأقبل عَلَيْهِ وأحسن إِلَيْهِ. ثم عاد إلى مصر واصطلح مَعَ الكامل. فلمّا مات الملك الأشرف جاء مَعَ الكامل إلى دمشق، فلم يلبث الكامل أنْ مات، وتملّك الملك الجواد دمشق. وكان جواداً كلقبه، لكن كان حوله ظلمة. وهو مبذر لما في الخزائن.
قصد الناصر داود والتقاه فانهزم الناصر. وكان المصاف على مكان يقال له: ظهر حمار، فاحتوى الجواد على خزائن الناصر وذخائره، ثم دخل نابلس ونزل بدار المعظم، واحتوى على ما فيها. وولى نوابه بالقدس وأعمالها. فلما بلغ العادل ابن الكامل ذلك خاف منه وأمره برد بلاد الناصر إليه وبالرجوع إلى دمشق. فترحل ودخل دمشق في تجمل عظيم، وزينت دمشق زينة ما سُمِع بمثلها، وتمكّن واستقلّ بالسّلطنة، إلّا أنّ الخطبة للعادل قبل الجواد، فانتدب لَهُ عماد الدّين ابن شيخ الشّيوخ.
وفي وقعة ظهر حمار يقول الجمال بْن عَبْد، وأجاد:
يا فقيهًا قد ضَلَّ سبيلَ الرّشاد ... لَيْسَ يُغْني الْجِدال يوم الْجِلادِ
كيف يُنجي ظهرُ الحمار هزيمًا ... من جوادٍ يكرّ فوق جوادِ
وكان يحبّ الصّالحين والفقراء. وتقلّبت بِهِ الأحوال وعجز عَن مملكة دمشق وتقلقل، فكاتب الملك الصالح نجم الدين ابن الكامل فقدم وسلم إليه دمشق وعوضه بسنجار وعانة، وسار إلى الشرق فلم يتم له الأمر وأخذت منه سنجار وبقي في عانة. وسار إلى بغداد فأنعم عليه، وباع عانة للخليفة بجملة من الذهب، ثم سار إلى الديار المصرية وافدا على الملك الصالح، فهم بالقبض عليه، فتسحب إلى الكرك إلى عند الملك الناصر، فقبض عليه الناصر، ثم انفلت منه وقدم على الملك الصالح إسماعيل صاحب دمشق، فلم يبش به. فقصد ملك الفرنج الَّذِي بالسّاحل صيدا وبيروت، فأكرموه وشهد معهم وقعة قلسوة، وهي قرية من أعمال نابلس، قتلوا فيها ألف مُسْلِم - فنعوذ بالله من مكر اللَّه -. وما أمكنه أن يدفع عَن المسلمين بكلمة. ثُمَّ بعث إليه إسماعيل -[401]-
الأمير ناصر الدين ابن يغمور ليحتال فِي القبض عَلَيْهِ بخديعة، فيُقال: إنّه اتّفق معه عَلَى إِسْمَاعِيل. ثُمَّ إنّ إِسْمَاعِيل ظفر بالجواد وسجنه بحصن عزتا، وسجن ابن يغمور بقلعة دمشق. فطلب الفرنج الملك الجواد من إِسْمَاعِيل، وقالوا: لا بدّ لنا منه. فأظهر أَنَّهُ قد مات، وأهله يقولون: إنّه خنقه - فالله أعلم - ودُفِن فِي شوّال بقاسيون بتُربة المعظّم. ويقال: كانت أمّه إفرنجيّة.

470 - أيوب، السلطان الملك الصالح نجم الدين ابن السلطان الملك الكامل ناصر الدين أبي المعالي محمد ابن السلطان الملك العادل أبي بكر محمد بن أيوب.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

470 - أيّوب، السّلطان الملك الصّالح نجمُ الدّين ابن السّلطان الملك الكامل ناصر الدّين أَبِي المعالي مُحَمَّد ابن السّلطان الملك العادل أَبِي بَكْر مُحَمَّد بْن أيّوب. [المتوفى: 647 هـ]
وُلِدَ سنة ثلاثٍ وستّمائة بالقاهرة، فلمّا قدِم أَبُوهُ دمشقَ فِي آخر سنة خمسٍ وعشرين استنابه عَلَى ديار مصر، فلمّا رجع انتقد عَلَيْهِ أَبُوهُ أحوالًا، ومال عَنْهُ إلى الملك العادل ولده. ولمّا استولى الكامل عَلَى حَرَّان، وعلى حصنِ كيفا وآمِد وسِنْجار سلْطَنَه عَلَى هذه البلاد وأرسله إليها. فلمّا تُوُفّي الكامل تملَّك بعده ديارَ مصر ابنُه العادل أَبُو بَكْر، فطمع الملك الصّالح وقوِيتْ نفسُه، وكاتَبَ الأمراءَ، واستخدم الخَوَارَزْميّة. فاتّفق أنّ الملك الرّحيم لؤلؤ صاحب الموصل قصد الصّالح وهو بسَنْجار، فحاصره حتّى أشرف على أخذ سنجار، فأخرج من السور فِي السّرّ القاضي السَّنْجاريّ، وراح إلى الخَوَارَزْميّة، فوعدهم ومناهم، فجاؤوا وكشفوا عَن سَنْجار، ودفعوا لؤلؤ عَن سِنْجار، وقيل: كسروه. وكان الجواد بدمشق فضعُف عَن سلطنتها، وخاف من الملك العادل، فإنّه أراد القبض عَلَيْهِ، فكاتب الملك الصّالح واتّفق معه عَلَى أن يعطيه سَنْجار، والرقة، وعانة بدمشق. فقدم الملك الصّالح دمشق وتملّكها، وأقام بِهَا أشهرًا من سنة ست -[563]-
وثلاثين، ثُمَّ سار إلى نابلس، وراسل الأمراء المصريين واستمالهم، وكان عمه الصالح إِسْمَاعِيل عَلَى إمرة بَعْلَبَكّ، فقوِيتْ نفسُه عَلَى أخْذ دمشق، وكاتب أهلَها، وساعده الملك المجاهد صاحب حمص، وهجم عَلَى البلد فأخذها، فردّ الملك الصّالح أيّوب ليستدرك الأمر، فخذله عسكره، وبقي فِي طائفةٍ يسيرة، فجهَّز الملك النّاصر دَاوُدَ من الكَرَك عسكرًا قبضوا عَلَى الصّالح بنابلس، وأتوا بِهِ إلى بين يدي النّاصر، فاعتقله عنده مكرَّمًا. وتغيَّر المصريّون عَلَى العادل، وكاتبهم النّاصر، وتوثَّق منهم، ثُمَّ أخرج الصّالح واشترط عَلَيْهِ إن تملَّك أن يُعطِيَه دمشقَ، وأن يُعْطِيَه أموالًا وذخائر. وسار إلى غزّة فبرز الملك العادل بجيشه إلى بِلْبِيس وهو شابٌّ غرّ، فقبض عَلَيْهِ مماليك أَبِيهِ، وكاتبوا الصّالحَ يستعجلونه، فساق هُوَ والنّاصر دَاوُد إلى بلبيس، ونزل بالمخيم السُّلطانيّ وأخوه معتَقَلٌ فِي خِرْكاه. فقام فِي اللَّيْل وأخذ أخاه فِي محفَّة، ودخل قلعة الجبل، وجلس عَلَى كُرْسيّ المُلْك. ثُمَّ ندم الأمراء، فاحترز منهم، ومسك طائفةً فِي سنة ثمان وثلاثين وستمائة.
قال ابن واصل: سار الصّالحُ نجمُ الدّين بعد الاتّفاق بينه وبين ابن عمّه الجواد إلى دمشق، وطلب نجدة من صاحب المَوْصِل لمّا صالحه، فبعث إِلَيْهِ نجدةً. وكان الملك المظفَّر صاحب حماة معه قد كاتَبَه، فقدِما دمشقَ فزيّنت، وتلقّاه الجواد. ثُمَّ تحوّل الجواد إلى دار السّعادة، وهي لزوجته بِنْت الأشرف، فكانت مدة ملكه دمشقَ عشرة أشهر، ثُمَّ ندم الجواد واستقلّ من جاء مع الصّالح، فطلب جماعةً واستمالهم، فأتاه المظفَّر وعاتبه واستحلفه، وضمن لَهُ ما شَرَط لَهُ الصّالح، فخرج من البلد وسار فتسلَّم سَنْجار وغيرها. فعند ذَلِكَ أخرب صاحب حمص سَلَمية، ونقل جميع أهلها إلى حمص أذى لصاحب حماة. فلمّا مات المجاهد ردّ أهلها وعَمَّروها.
وجاءت الخَوارِزْميّة، فاتّفق معهم المظفَّر، ونازل حمصَ وجدَّ فِي القتال، فراسل المجاهد الخَوَارِزْميّة واستمالهم وبذل لهم مالًا، فأخذوه، فعرف المظفَّر فخافهم وردّ إلى حماة، وعادت الخَوَارِزْميّة إلى الشَّرق فأقاموا في -[564]-
بلادهم الّتي أقطعهم الملك الصّالح.
ثُمَّ تواترت كُتُب المظفَّر ورُسُلُه عَلَى الصّالح يحضُّه عَلَى قصْد حمص، وقدِم عَلَى الصّالح عمُّه الصّالح إِسْمَاعِيل من بَعْلَبَكّ، فأظهر لَهُ الوُدَّ وحلف لَهُ، ورجع إلى بلده ليومه.
وأمّا العادل فانزعج بمصر لقدوم أخيه وأخْذه دمشق، وخاف. ثُمَّ ورد عَلَى الصّالح رسول ابن عمّه الناصر داود بمؤازرته بأخذ مصر له بشرط أن تكون دمشق للنّاصر، فأجابه. ثُمَّ برز الصّالح إلى ثَنِيّة العُقَاب، وأقام أيّامًا ليقصد حمص. وجاءه أستاذ داره حسامُ الدّين بْن أَبِي عَلِيّ الهَذبانيّ من الشّرق، فدبَّر الدّولة بعقله وفضله. وجاءته القصاد من أمراء مصر سرًّا يدعونه إلى مصر ليملكها، فتحيَّر هَلْ يقصد مصر أو حمص؟ ثم رجح مصر فترحل إلى الغور، وبلغه مجيء جماعة أمراء من مصر مقفرين، فنزلوا بغزَّة. وكان مَعَ الصّالح نحو ستّة آلاف فارس جياد، وفيهم عمّاه مجيرُ الدّين يعقوب وتقيُّ الدّين عَبَّاس وجماعة من الأمراء المعظَّميّة، وجاءه الأمراء المصريون بخربة اللصوص، ومعه ولده المغيث عمر. وترك بقلعة دمشق ولدَه الصّغير مَعَ وزيره صفيّ الدين ابن مهاجر، فمات الصّبيّ، ثُمَّ سار إلى نحو نابلس، وكان النّاصر دَاوُد بمصر، فنزل بجيشه مدينة نابلس ثلاثة أشهُر.
ولمّا لم يقع اتّفاقٌ بين الصّالح وابن عمّه النّاصر، ذهب النّاصر إلى مصر فتلقّاه العادل واتّفقا عَلَى محاربة الصّالح، ووعده العادل بدمشق.
وتواترت عَلَى الصّالح كُتُب أمراء مصر يستدعونه لأنّه كَانَ أَمْيَز من أخيه وأعظَم وأخْلَق بالمُلْك. وممّن كاتَبَه فخرُ الدّين ابن شيخ الشّيوخ، فعلِم بِهِ العادل فحبسه. واستعمّل الصّالح نوّابه عَلَى أعمال القدس، وغزّة، وإلى العريش. وجهَّزَ عسكرًا إلى غزّة، وضُرِبت خيمته على العوجاء، وعملوا الأزواد لدخول الرّمل، وقدِم عَلَيْهِ رسولُ الخلافة ابن الْجَوْزيّ. وأرسل إلى الصّالح إِسْمَاعِيل ليمضي معه إلى مصر، فتعلَّل واعتذر، وسيَّر إِلَيْهِ ولده الملك المنصور محمودًا نائبًا عَنْهُ، ووعده بالمجيء، وهو فِي الباطن عَمَّالٌ عَلَى أخْذ دمشق.
ودخلت سنة سبْعٍ وثلاثين فبرز العادل إلى بِلْبِيس، وأخذ ابن الْجَوْزيّ فِي الإصلاح بين الأَخَوَين عَلَى أن تكون دمشق وأعمالُها للصّالح مَعَ ما بيده من -[565]-
بلاد الشّرق، ومصر للعادل. وكان مَعَ ابن الجوزي ولده شرف الدين شاب ذكي فاضل، فتردّد فِي هذا المعنى بين الأخَوَيْن حتّى تقارب ما بين الأخوين لولا حدث العمّ إِسْمَاعِيل، فإنّه بقي يكاتب العادل ويُقوّي عزمه ويقول: أنا آخذ دمشق ثانياً لك. ثُمَّ حشد وجمع، وأعانه صاحبُ حمص. ثُمَّ طلب ولده من الصّالح، زعم ليستخلفه ببعلبك وتقدم هُوَ، فنفّذه إِلَيْهِ، ونفّذ ولده الملك المغيث ليحفظ قلعة دمشق، ولم يكن معه عسكر.
وأمّا صاحب حماة فأشفق عَلَى الصّالح وتحيَّل فِي إرسال عسكر ليحفظ لَهُ دمشق، فأظهر أَنَّهُ متألّم خائف، وَأَنَّهُ يريد أن يسلّم حماة إلى الفِرَنج، وأنّ نائبه سيف الدّين ابن أَبِي عَلِيّ قد عرف بهذا منه، وَأَنَّهُ سيفارقه فأظهر الخلاف عَلَيْهِ، فخرج من حماة، وتبعه أكثر العسكر، وطائفة كبيرة من أعيان الحَمَوِيّين خوفًا من الفرنج. ورام المظفر أن يتم هذه الحيلة فما تمّت. فسار الأمير سيفُ الدّين بالنّاس، وقوّى المظفَّر الوهْمَ بأنِ استخدم جماعةً من الفِرنْج وأنزلهم القلعة، فقوي خوفُ الرعية. وتبع سيف الدين خلق، فسار وراءه المظفَّر يُظْهِر أَنَّهُ يسترضيه فما رجع، فنزلوا عَلَى بُحَيْرة حمص، فركب صاحب حمص وأتاهم واجتمع بسيف الدّين مُطْمَئِنًّا. ولو حاربه سيفُ الدّين بجَمْعه لَمَا قدر عَلَيْهِ صاحب حمص، ولَكَان وصل إلى دمشق وضَبَطَها ولَعَزَّ عَلَى الصّالح إِسْمَاعِيل أن يأخذها. فسأل سيف الدّين عَن مَقْدَمه فَقَالَ: هذا الرّجل قد مال إلى الفرنج واعتضد بهم، فطلبنا النّجاة بأنفُسنا. فوانسه الملك المجاهد، وطلب منه دخول حمص ليضيفه، فأجابه سيف الدّين وصعِد معه إلى القلعة. وأظهر لَهُ الإكرام، ثُمَّ بعث إلى أصحابه فدخل أكثرهم حمص، ومن لم يُجِبْ هرب. ثُمَّ قبض المجاهد عليهم وضيّق عليهم، واعتقل الأكابر وعاقبهم وصادرهم حتّى هلك بعضهم فِي حبْسه، وبعضهم خلّص بعد مدّة، وباعوا أملاكهم وأدّوها فِي المصادرة. وهلك فِي الحبْس سيف الدين ابن أَبِي عَلِيّ، وهو أخو أستاذ دار الملك الصالح حسام الدين، ويا ما ذاق من الشّدائد حتّى مات.
وضعُف صاحب حماة ضعفًا كثيرًا، واغتنم ضعفَه صاحبُ حمص فسار وقصد دمشق مؤازرًا لإسماعيل، فصبّحوا دمشق فِي صَفَر سنة سبْعٍ، وأُخِذت بلا قتال. بل تسلَّق جماعةٌ من خان ابن المقدّم من السور، ونزلوا فكسروا قفْلَ -[566]-
باب الفراديس ودخلوا. ثم قصدوا القلعة، وقاتلوا المغيثَ ثلاثة أيّام، فسلَّمت بالأمان، ودخل إِسْمَاعِيل القلعة، وسجن المغيثَ فِي بُرجٍ إلى أن مات به.
فلمّا وردت أخبار أخْذ دمشق فارق الملكَ الصّالحَ سائرُ الأمراء والْجُنْد وطلبوا بلدهم وأهاليهم، وترحّل هُوَ إلى بَيْسان، وفسدت نيّات من معه، وعلموا أنه لا ملجأ لَهُ، وَأَنَّهُ قد تلاشى بالكُلِّيّة، وقالوا لَهُ - حتّى أعمامه وأقاربه -: لا يمكننا المُقامُ معك وأهالينا بدمشق. فأذن لهم فرحلوا بأطلابهم وهو ينظر إليهم، حتّى فارقه طائفةٌ من مماليكه، ولم يبق معه إلّا أستاذ داره وزَيْن الدّين أمير جاندار ونحو سبعين مملوكًا لَهُ. فلمّا جنّه اللّيل أمر أن لا تُشْعل الفوانيس، ثُمَّ رحل فِي اللّيل وردّ إلى جهة نابلس. فحكى لي الأميرُ حسامُ الدّين قَالَ: لمّا رحل السّلطان من منزلته اختلفت كلمة من بقي معهم، فأشار بعضهم بالمضي إلى الشقيف والتحصن به، فلم يره مصلحة، وعلم أن عمه يأخذه ويقبض عليه. وأشار بعضهم بالرّجوع إلى الشّرق، فخاف أن يؤخذ لبُعْد المسافة وقال: ما أرى إلّا التَّوجُّه إلى نابلس فالتجئ إلى ابن عمّي الملك النّاصر. فتوجّه إلى نابلس. فلمّا طلعت الشّمس ورأى مماليكُه ما هُوَ فِيهِ من القِلّة واقَعَهُمُ البكاءُ والنّحيب. واعترضهم جماعةٌ من العربان فقاتلوهم وانتصروا عَلَى العرب، ونزلوا بظاهر نابلس.
وقوي أمرُ الصّالح إِسْمَاعِيل، وجاءته الأمراء وتمكّن. وكان وزيره أمينُ الدّولة سامريًّا أسلم فِي صِباه. وكان عمّه وزيرًا للأمجد صاحب بَعْلَبَكّ، ومات عَلَى دينه.
وأمّا العادل بمصر فإنّه استوحش من النّاصر دَاوُد وتغيَّر عَلَيْهِ، فخلّاه النّاصر، وردَّ إلى الكَرَك ومعه سيفُ الدّين عَلِيُّ بْن قليج فوافق ما تمّ عَلَى الصّالح. فبعث إلى الصّالح يعِده النَّصر، وأشار عَلَيْهِ بالنّزول بدار الملك المعظَّم بنابلس. ثُمَّ نزل النّاصر بعسكره. ثُمَّ أمر يومًا بضرب البُوق، وأوهم أنّ الفِرَنْج قد أغاروا عَلَى ناحيته، فركب معه جماعة الصّالح الّذين معه، فحينئذٍ أمر النّاصر بتسيير الملك الصّالح إلى الكَرَك فِي اللّيل. فلم يَصْحَب الصّالح من غلمانه سوى الأمير رُكْن الدّين بَيْبَرْس الكبير، وبعث معه جاريته أُمَّ خليل شَجَرَ الدُّر، فأُنزل بقلعة الكَرَك بدار السّلطنة. وتقدَّم النّاصر إلى أمّه وزوجته أن يقوما بخدمة الصّالح، وبعث إِلَيْهِ يَقْولُ: إنّما فعلت هذا احتياطًا لئلًا يصل إليك -[567]-
مكروهٌ من أخيك أو عمّك، ولو لم أنقلك إلى الكَرَك لقصداك. ثُمَّ أمر شهابَ الدّين ونَجْمَ الدّين ابنَيْ شيخ الإِسْلَام بملازمة خدمة الصّالح ومؤانسته، وهما من أخصّ أصحاب النّاصر ومن أجناده - وقد وُليّ الشّهاب هذا تدريس الجاروخية بدمشق. ولما تملك الصّالح ديارَ مصر قصداه فأكرمهما وقدّمهما، واستناب شهابَ الدّين عَلَى دار العدل. واستُشْهِد نجمُ الدّين عَلَى دِمياط - وكان أولاد النّاصر دَاوُد لا يزالون فِي خدمة الصّالح بالكَرَك، ولم يفقد شيئًا من الإكرام.
ثُمَّ خيَّر النّاصرُ أصحابَ الصّالح بين إقامتهم عندهُ مكْرَمِين وبين السَّفَر إلى أَيْنَ أحبُّوا، فاختار أكثرُهم المُقامَ عنده، فكان منهم البهاء زهير، وشهاب الدين ابن سعد الدين ابن كسا - وكان والدُه سعدُ الدّين ابنَ عمّةِ الملك الكامل- وأمّا الأستاذ دار حسامُ الدّين ابنُ أَبِي عَلِيّ وزَيْنُ الدّين أميرُ جُنْدَار فطلبا دستوراً، فأذِن لهما، فقدِما عَلَى الصّالح إِسْمَاعِيل، فقبض عَلَى حسام الدّين وأخذ جميع ماله وقيّده، وقيّد جماعةً من أصحاب الصّالح نجم الدّين، وبقوا فِي حبْسه مدّة. ثُمَّ حوّل حسامَ الدّين إلى قلعة بَعْلَبَكّ وضيَّق عَلَيْهِ.
ولمّا بلغ العادلَ ما جرى عَلَى أخيه أظهر الفرح ودقّت البشائر وزُيّنتْ مصر، وبعث يطلبه من النّاصر فأبى عَلَيْهِ.
فلمّا كَانَ فِي أواخر رمضان سنة سبْعٍ طلب الملك النّاصر دَاوُد الصّالح نجم الدّين فنزل إِلَيْهِ إلى نابلس، فضرب لَهُ دِهْليزًا والتفّ عَلَيْهِ خواصّه، ثُمَّ أمر النّاصر بقطع خُطْبة العادل، وخطب للصّالح. ثُمَّ سارا إلى القدس وتحالفا وتعاهدا عند الصّخرة عَلَى أن تكون مصر للصّالح، والشام والشرق للناصر، ثم سارا إلى غزّة. وبلغ ذَلِكَ العادلَ فعظُم عَلَيْهِ، وبرز إلى بلبيس، وسار لنجدته الصالح إسماعيل من دمشق، فنزل بالغوار من أرض السَّواد. ثُمَّ خاف النّاصر والصّالح من جيش يلقاهما وجيشٍ خلفهِما، فرجعا إلى القدس. فما لبِثا أنْ جاءت النجّابون بكُتُب المصريّين يحثّون الصّالح، فقويت نفسُه، وسار مُجِدًّا مَعَ النّاصر، وتملّك مصر بلا كُلْفة، واعتقل أخاه. ثُمَّ جهّز مَن أوهم النّاصر بأنّ الصّالح فِي نيّة القبض عَلَيْهِ فخاف وغضب وأسرع إلى الكَرَك. -[568]-
ثُمَّ تحقّق الصّالحُ فسادَ نِيّات الأشرفيّة وأنّهم يريدون الوثوب عَلَيْهِ، فأخذ فِي تفريقهم والقبْض عليهم. فبعث مقدّم الأشْرفيّة وكبيرَهم أيْبَك الأسمر نائبًا عَلَى جهة، ثُمَّ جهّز مَن قبض عَلَيْهِ، فذُلَّت الأشرفيّة، فحينئذٍ مَسَكَهم عن بُكْرة أبيهم وسجنهم. وأقبل على شراء مماليك الترك والخطائية، واستخدم الأجناد. ثم قبض على أكبر الخدّام شمس الدّين الخاصّ، وجوهر النُّوبيّ، وعلى جماعةٍ من الأمراء الكامليّة، وسجنهم بقلعة صدر بالقرب من أيلة. وأخرج فخرُ الدّين ابنُ الشَّيْخ من حبْس العادل فركب ركبةً عظيمة، ودعت لَهُ الرَّعيَّة لكَرَمه وحسن سيرته، فلم يعجب الصالح ذلك وتخيل، فأمره بلُزُوم بيته، واستوزر أخاه مُعينَ الدّين. ثُمَّ شرع يؤمّر غلْمانه، فأكثَرَ من ذَلِكَ. وأخذ في بناء قلعة الجيزة، واتّخذها سَكَنًا، وأنفق عليها أموالًا عظيمة. وكانت الجيزة قبل متنزهاً لوالده، فشيّدها فِي ثلاثة أعوام، وتحوّل إليها.
وأمّا النّاصر فإنّه اتّفق مَعَ عمه الصّالح إِسْمَاعِيل والمنصور صاحب حمص فاتّفقوا عَلَى الصّالح.
وأمّا الخَوَارِزْميّة فإنّهم تغلَّبوا عَلَى حرّان، وملكوا غيرها من القِلاع، وعاثوا وأخربوا البلاد الْجَزَريّة، وكانوا شرًّا من التّتار لا يعفّون عن قتْلٍ ولا عن سبْي، ولا فِي قلوبهم رحمة.
وفي سنة إحدى وأربعين وقع الصُّلح بين الصّالَحينْ وصاحب حمص، عَلَى أن تكون دمشق للصّالح إِسْمَاعِيل، وأن يُقيم هُوَ والحلبيّون والحمصيّون الخُطْبة فِي بلادهم لصاحب مصر، وأن يُخرج ولده الملك المغيث من اعتقال الصّالح إسماعيل وكذلك أصحاب الملك الصالح مثل حسام الدين ابن أبي علي ومجير الدين ابن أبي زكري؛ فأطلقهم الصالح إسماعيل، وركب الملك المغيث وبقي يسير ويرجع إلى قلعة دمشق، وردّ عَلَى حسام الدّين ما أُخِذَ له، ثم ساروا إلى مصر. واتّفق الملوك عَلَى عداوة النّاصر دَاوُد. وجهّز الصّالح إِسْمَاعِيل عسكرًا يحاصرون عجلون، وهي للنّاصر، وخطب لصاحب مصر فِي بلاده، وبقي عنده المغيث حتّى تأتيه نُسَخ الأَيْمان، ثُمَّ بَطَلَ ذَلِكَ كلُّه. -[569]-
قَالَ ابن واصل: فحدّثني جلالُ الدّين الخِلاطيّ قَالَ: كنت رسولًا من جهة الصّالح إِسْمَاعِيل، فورد عليَّ منه كتابٌ وفي طيّه كتابٌ من الصّالح نجم الدّين إلى الخَوَارِزْميّة يحثُّهم عَلَى الحركة ويُعلِمُهم أَنَّهُ إنّما يصالح عمَّه ليخلص المغيثُ من يده، وَأَنَّهُ باقٍ عَلَى عداوته، ولا بُدّ لَهُ من أخْذ دمشق منه. فمضيت بهذا الكتاب إلى الصّاحب مُعين الدّين، فأوقفته عَلَيْهِ، فما أبدى عَنْهُ عُذْرًا يسوغ. وردّ الصّالحُ إِسْمَاعِيلُ المُغِيثَ إلى الاعتقال، وقطع الخُطْبة، وردّ عسكره عن عجلون، وراسل النّاصرَ واتّفق معه عَلَى عداوة صاحب مصر. وكذلك رجع صاحب حلب وصاحب حمص عَنْهُ، وصاروا كلمةً واحدةً عَلَيْهِ. واعتُقِلت رُسُلُهُم بمصر.
واعتضد صاحب دمشق بالفِرَنج، وسلَّم إليهم القدسَ، وطَبَرَيّة، وعسْقلان. وتجهَّز صاحب مصر للقتال وجهّز البعوث، وجاءته الخَوَارِزْميّة، فساقوا إلى غزّة، واجتمعوا بالمصريّين وعليهم رُكْن الدّين بَيْبَرْس البُنْدُقْدار الصّالحيّ- وليس هُوَ الَّذِي مَلَكَ، بل هذا أكبر منه وأقدم، ثُمَّ قبض عَلَيْهِ الصّالح نجمُ الدّين وأعدمه -.
قَالَ ابن واصل: فتسلَّم الفرنجُ حَرَم القُدس وغيرَه، وعمّروا قلعتَيْ طَبَرَيّة، وعسقلان وحصّنوهما. ووعدهم الصّالح بأنّه إذا مَلَكَ مصرَ أعطاهم بعضها. فتجمّعوا وحشدوا. وسارت عساكر الشّام إلى غزّة، ومضى المنصور صاحب حمص بنفسه إلى عكّا فأجابوه. فسافرتُ أَنَا إلى مصر، ودخلت القُدس فرأيت الرُّهْبان عَلَى الصّخرة وعليها قناني الخمر، ورأيت الجرص فِي المسجد الأقصى، وأُبْطِل الأذان بالحَرَم وأُعْلِن الكُفْر. وقدِم - وأنا بالقدس - النّاصر دَاوُد إلى القُدس فنزل بغربيّه.
وفيها ولّى الملكُ الصّالح قضاءَ مصر للأفضل الخَوْنَجِيّ بعد أنْ عزل ابنَ عَبْد السّلام نفسه بمُدَيْدة.
ولمّا عدّت الخَوَارِزْميّة الفُرات، وكانوا أكثر من عشرة آلاف، ما مرّوا بشيءٍ إلّا نهبوه، وتقهقر الذين بغزّة منهم. وطلع النّاصر إلى الكَرَك، وهربت -[570]-
الفرنج من القدس، فهجمت الخوارزمية القدس، وقتلوا مَن بِهِ مِن النّصارى، وهدموا مقبرة القُمامة، وأحرقوا بِهَا عظام الموتى، ونزلوا بغزّة وراسلوا صاحب مصر، فبعث إليهم الخِلَع والأموال، وجاءتهم العساكر، وسار الأمير حسام الدين ابن أبي عَلِيّ بعسكرٍ ليكون مركزًا بنابلس. وتقدَّم المنصور إِبْرَاهِيم عَلَى الشّاميّين - وكان شَهْمًا شجاعًا قد انتصر عَلَى الخَوَارِزْميّة غير مرّة - وسار بهم، ووافَتْهُ الفِرَنْجُ من عكّا وغيرها بالفارس والرّاجل، ونفّذ النّاصرُ داودُ عسكرَه فوقع المَصَافُّ بظاهر غزة فانكسر المنصور شرّ كسْرة واستحرّ القتْل بالفرنج.
قَالَ ابن واصل: أخذت سيوفُ المسلمين الفرنجَ فأفْنَوْهم قتلاً وأسراً، ولم يفلت منهم إلّا الشّارد، وأسر أيضًا من عسكر دمشق والكَرَك جماعةَ مقدَّمين؛ فحُكيَ لي عن المنصور أَنَّهُ قَالَ: واللَّهِ لقد قصَّرْتُ ذَلِكَ اليوم، ووقع فِي قلبي أنّنا لا نُنْصَر لانتصارنا بالفِرَنج، ووصلتْ عساكرُ دمشق معه فِي أسوأ حال.
وأما مصر فزُيِّنتْ زِينةً لم تُزَيَّن مثلها، وضُرِبت البشائر، ودخلت أسارى الفرنج والأمراء، وكان يومًا مشهودًا بالقاهرة.
ثم عطف حسام الدين ابن أَبِي عَلِيّ، ورُكْنُ الدّين بَيْبَرْس فنازلوا عسقلان وحاصروا الفرنج الّذين تسلّموها، فجُرِح حسام الدّين، ثُمَّ ترحّلوا إلى نابلس، وحكموا عَلَى فلسطين والأغوار، إلّا عجلون فهي بيد سيف الدّين ابن قليج نيابةً للناصر داود. ثم بعث السّلطان الصّالح نجم الدّين وزيرَه مُعِينَ الدّين ابن الشيخ عَلَى جيشه، وأقامه مُقام نفسه، وأنفذ معه الخزائن، وحكّمه فِي الأمور، وسار إلى الشّام ومعه الخَوَارِزْميّة، فنازلوا دمشقَ وبها الصّالح والمنصور صاحب حمص، فذل الصالح إسماعيل وبعث وزيره أمين الدولة متشفعا بالخليفة ليصلح بينه وبين ابن أخيه الصالح؛ فلم يظفر بطائلٍ ورجع. واشتدّ الحصار عَلَى دمشق وأُخذت بالأمان لقلّة مَن مَعَ صاحبها، ولفَنَاء ما بالقلعة من الذّخائر، ولِتَخَليّ الحلبيّين عَنْهُ، فترحّل الصّالح إِسْمَاعِيل إلى بَعْلَبَكّ -[571]-
والمنصور إلى حمص. وتسلّم الصّاحب مُعينُ الدّين القلعةَ والبلدَ.
ولمّا رأت الخَوَارِزْميّة أنّ السّلطان قد تملّك الشّام بهم وهزم أعداءه، صار لهم عليه إدلال كبير، مع ما تقدَّم من نصْرهم لَهُ عَلَى صاحب المَوْصِل وهو بسنجار، فطمعوا في الأخباز العظيمة، فلمّا لم يحصلوا عَلَى شيءٍ فَسَدَتْ نيَّتُهُم لَهُ، وخرجوا عَلَيْهِ، وكاتبوا الأميرَ رُكْنَ الدين بيبرس البندقدار- وهو أكبر أمراء الصالح نجم الدين أيوب، وكان بغزّة - فأصغى إليهم فيما قِيلَ، وراسلوا صاحب الكرك، فنزل إليهم ووافقهم، وتزوج منهم.
قلت: وكانت أمه أيضاً خوارزمية.
ثُمَّ طلع إلى الكَرَك واستولى حينئذٍ عَلَى القدس ونابلس وتلك الناحية، وهرب منه نُوّابُ صاحبِ مصر.
ثُمَّ راسلت الخُوَارَزْميّة الملكَ الصّالحَ إسماعيلَ، وحلفوا لَهُ فسار إليهم، واتّفقتْ كلمةُ الجميع عَلَى حرب صاحب مصر، فقلِق لذلك، وطلب رُكْن الدّين بَيْبَرْس فقدم مصر فاعتقله وكان آخر العهد بِهِ. ثُمَّ خرج بعساكره فخيم بالعباسة، وكان قد نفذ رسوله إلى المستعصم بالله يطلب تقليداً بمصر والشام والشرق، فجاءه التّشريف والطَّوقُ الذَّهَب والمركوب. فلبس التّشريف الأسود والعمامة والجبة، وركب الفرس بالحلْية الكاملة، وكان يومًا مشهودًا.
ثُمَّ جاء الصالح إسماعيل والخوارزمية ونازلوا دمشق وليس بها كبيرُ عسكرٍ، وبالقلعة الطُّوَاشيُّ رشيد، وبالبلد نائبها حسام الدين ابن أَبِي عَلِيّ الهَذبانيّ، فضبطها وقام بحِفْظها بنفسه ليلًا ونهارًا، واشتدّ بِهَا الغلاء، وهلك أهلُها جوعًا ووباءً. وبلغني أنّ رجلًا مات فِي الحبس فأكلوه، كذلك حدثني حسام الدين ابن أَبِيّ عَلِيّ.
فعند ذَلِكَ اتّفق عسكر حلب والمنصور صاحب حمص عَلَى حرب الخُوَارَزْميّة وقصدوهم وتركوا حصار دمشق، وساقوا أيضًا يقصدونهم، فالتقى الجمعان، ووقع المَصَافُّ فِي أوّل سنة أربعٍ وأربعين عَلَى القصب - وهي منزلة عَلَى بريد من حمص من قِبْلِيّها - فاشتدّ القتال والصّالح إِسْمَاعِيل مع الخوارزمية -[572]-
فانكسروا عندما قُتِل مقدَّمُهُم الملكُ حسامُ الدّين بركةُ خان، وانهزموا ولم تقُم لهم بعدها قائمة، قتل بركةَ خان مملوكٌ من الحلبيّين، وتشتّتت الخُوَارَزْميّة، وخدم طائفة منهم بالشّام، وطائفة بمصر، وطائفة مع كشلوخان ذهبوا إلى التّتار وخدموا معهم، وكفى اللَّه شرَّهم. وعُلِّق رأسُ بركةَ خان عَلَى قلعة حلب. ووصل الخبر إلى القاهرة فزُيِّنت، وحصل الصُّلْح التّامّ والوداد بين السّلطان وبين صاحب حمص والحلبيّين.
وأمّا المُحَارِفُ الملكُ إِسْمَاعِيلُ فإنّه التجأ إلى حلب إلى عند ابن ابن أخته الملك النّاصر صلاح الدّين، فأرسل صاحبُ مصر البهاءَ زُهير إلى الناصر صلاح الدين يطلب منه إِسْمَاعِيلَ، فشقّ ذَلِكَ عَلَى النّاصر وقال: كيف يحسن أن يلتجئ إلي خال أَبِي - وهو كبير البيت - وأبعثه إلى من يقتله وأخفِر ذِمَّته؟! فرجع البهاء زُهير.
وأمَّا نائبُ دمشق حسامُ الدّين فإنّه سار إلى بَعْلَبَكّ وحاصرها، وبها أولاد الصّالح إِسْمَاعِيل، فسلّموها بالأمان، ثُمَّ أُرسِلُوا إلى مصر تحت الحَوْطة هم والوزير أمينُ الدّولة والأستاذ دار ناصر الدين ابن يغمور، فاعتُقِلوا بمصر.
وصَفَت البلاد للملك الصّالح. وبقي النّاصر دَاوُد بالكَرَك فِي حُكْم المحصور. ثم رضي السلطان على فخر الدّين ابن شيخ الشّيوخ. وأخرجه من الحبس بعد موت أخيه الوزير معين الدّين، وسيَّره فاستولى عَلَى جميع بلاد النّاصر دَاوُد، وخرّب ضِياع الكَرَك، ثُمَّ نازلها أيّامًا، وقَلَّ ما عند الناصر من المال والذّخائر بِهَا، وقلّ ناصُره، فعمل قصيدةً يعاتب فيها السّلطانَ، ويذكر فيها ما لَهُ من اليد عنده من ذَبّه عَنْهُ وتمليكه ديار مصر، وهي:
قلْ للَّذي قاسمتُه ملكَ اليدِ ... ونهضتُ فيه نهضة المتأسد
عاصيتُ فِيهِ ذوي الحِجَى من أسرتي ... وأطعتُ فِيهِ مكارمي وتودُّدي
يا قاطع الرّحم الّتي صِلتي بِهَا ... كُتبت عَلَى الفَلَك الأثير بعسجدِ
إن كنتَ تقدحُ فِي صريح مناسبي ... فاصبِرْ بعرضك للهيب المرصدِ
عمّي أبوك ووالدي عمٌّ بِهِ ... يعلو انتسابُك كلّ ملكٍ أصْيَدِ
صالا وجالا كالأُسود ضوارياً ... وارتدّ تيّار الفرات المزبد -[573]-
ومنها:
دع سيف مقولي البليغ يذب عن ... أعراضكم بفِرِنْدِهِ المتوقدِ
فهو الَّذِي قد صاغ تاجَ فَخَارِكم ... بمفصَّلٍ من لؤلؤٍ وزبرجدِ
ثُمَّ أخذ يصف نفسه وجُودَه ومحاسنه وسُؤدُدَه، إلى أن قَالَ:
يا مُحرجي بالقول، واللهِ الَّذِي ... خَضَعَتْ لعزّتِهِ جِبَاهُ السُّجّد
لولا مقالُ الهجرِ منكَ لَمَا بَدا ... منّي افتخارٌ بالقريضِ المُنشد
إنْ كنتُ قلتُ خلافَ ما هُوَ شِيمتي ... فالحاكمونَ بمسمعٍ وبمشهدِ
واللهِ يا ابن العمّ لولا خيفتي ... لرميت ثغرك بالعداة المُرّد
لكنّي مّمن يخاف حرامة ند ... ماً يُجرّعني سِمامَ الأُسود
فأراك ربُّك بالهُدَى ما ترتجي ... ليراك تفعل كلَّ فعلٍ مُرشد
لتعيدَ وجهَ المُلك طلْقًا ضاحكًا ... وتردَّ شملَ البيتِ غير مُبدّد
كيلا ترى الأَيامُ فينا فرصة ... للخارجين وَضحكة للحُسّد
ثُمَّ إنّ السّلطان طلب الأمير حسام الدين ابن أَبِي عَلِيّ وولّاه نيابةَ الدّيار المصريّة، واستناب عَلَى دمشق الصّاحبَ جمالَ الدّين يحيى بْن مطروح. ثم قدم الشام، وجاء إلى خدمته صاحبُ حماة الملكُ المنصور- وهو ابن اثنتي عشرة سنة، وصاحب حمص - وهو صغير- فأكرمهما وقرّبهما، ووصل إلى بَعْلَبَكّ، ثُمَّ ردّ إلى دمشق. ثُمَّ قدِم عَلَى نائب مصر حسام الدّين والدُه بدرُ الدّين محمدُ بْنُ أَبِي عَلِيّ، وقَرَابتُهُ علاءُ الدّين، وكانا فِي حبْس صاحب حمص، فلمّا مات أطلقهما ابنه، فَتُوُفّي بدرُ الدّين بعد قدومه بيسير. ثُمَّ رجع السّلطان ومرض فِي الطّريق.
حكى لي الأميرُ حسامُ الدّين قَالَ: لمّا ودّعني السّلطان قَالَ: إنيّ مسافرٌ، وأخاف أن يعرض لي موتٌ وأخي العادل بقلعة مصر فيأخذ البلاد، وما يجري عليكم منه خيرٌ، فإنْ مرضتُ ولو أَنَّهُ حُمى يومٍ فأَعْدِمْه، فإنّه لا خير فِيهِ، وولدي تورانشاه لا يصلحُ للمُلْك، فإنْ بَلَغَكَ موتي فلا تسلِّم البلادَ لأحدٍ من أهلي، بل سلّمْها للخليفة.
وأمّا عسقلان وطبرية، فلما تسلمتهما الفرنج من الصالح إسماعيل بنوهما، وحصّنوا القلعتين فنازلَهَما فخرُ الدّين ابنُ شيخ الشّيوخ بعدما ترحّل عن -[574]-
حصار الكَرَك، ففتحهما وهدمهما. ودُقّت البشائر. وفَتَر السلطان عن أخذ حمص لانتماء صاحبها الأشرف، وأبوه إلى السلطان ومؤازرتهما له. ثم قدم الأشرف للسلطان قلعة شميمس فتسلَّمها. وأمّا حماة فكانت لابن أخته الملك المظفَّر وبها الصّاحبة أخت السّلطان، ثُمَّ تملّكها الملك المنصور ابن المظفر، وتزوج ببنت أخت السّلطان فاطمة خاتون ابْنَة الكامل، وكانت فاطمة بحلب، وهي والدة صاحبها الآن الملك الناصر صلاح الدين ابن العزيز، فزوَّج أختَه بصاحب حماة فِي هذه السّنة، وجاءت إِلَيْهِ فِي تجمُّلٍ عظيم.
ثُمَّ دخلت سنة ستٍّ وأربعين فصرف السّلطان نيابةَ مصر عن حسام الدين بجمال الدين ابن يغمور، وبعث الحسامَ بالمصريّين إلى الشّام، فأقاموا بالصّالحيّة أربعة أشهر.
قَالَ ابن واصل: وأقمتُ مَعَ حسام الدّين هذه المدّة، وكان السّلطان في هذه المدة وقبلها مقيمًا بأشمون طناح، ثُمَّ رجعنا إلى القاهرة.
وفيها خرجت الحلبيّون وعليهم شمسُ الدّين لؤلؤ الأمِينيّ، فنازلوا حمص ومعهم الملك الصّالح إِسْمَاعِيل يرجعون إلى رأيه، فنصبوا المجانيق وحاصروها شهرين، ولم يُنْجِدْها صاحبُ مصر، وكان السّلطان مشغولًا بمرض عرض له في بيضه، ثُمَّ فتح وحصل منه ناسور يعسر برؤه، وحصلت له في رئته بعد قرحة متلفة، لكنّه عازمٌ عَلَى إنجاد صاحب حمص.
ولمّا اشتدّ الخناق بالأشرف صاحب حمص اضطرَّ إلى أن أذعن بالصُّلْح، وطلب العِوَض عن حمص تلّ باشر مُضافًا إلى ما بيده، وهو الرحبة وتدمر، فتسلّمها الأميرُ شمسُ الدّين لؤلؤ الأمينيّ، وأقام بِهَا نوّابًا لصاحب حلب. فلمّا بلغ السّلطانَ وهو مريض أخذ حمص غضب وعظُمَ عَلَيْهِ، وترحّل إلى القاهرة، واستناب بِهَا ابن يغمور، وبعث الجيوش إلى الشّام لاستنقاذ حمص. وسار السّلطان فِي مَحِفَّة، وذلك فِي سنة ستٍّ وأربعين، فنزل بقلعة دمشق وبعث جيشه فنازلوا حمص، ونصبوا عليها المجانيق، فممّا نُصِب عليها منجنيقٌ مغربيّ، ذكر لي الأميرُ حسامُ الدّين أَنَّهُ كَانَ يرمي حجرًا زنته مائة وأربعون رطلاً بالشامي. ونصب عليها قرابغا واثني عشر منجنيقًا سلطانيّة، وذلك فِي الشّتاء.
وخرج صاحب حلب بعسكره فنزل بأرض كَفَرْطاب، ودام الحصار إلى -[575]-
أنْ قدِم الباذرائيّ للصُّلْح بين صاحب حلب وبين السّلطان، عَلَى أن يقرّ حمص بيد صاحب حلب، فوقع الاتّفاق عَلَى ذَلِكَ، وترحّل عسكر السّلطان عن حمص لمرض السّلطان، ولأنّ الفرنج تحرّكوا وقصدوا مصر، وترحّل السّلطان إلى الديّار المصريّة لذلك وهو فِي مَحِفَّة. وكان النّاصر صاحب الكَرَك قد بعث شمسَ الدّين الخُسْروشاهيّ إلى السّلطان وهو بدمشق يطلب منه خبزا بمصر والشَّوْبَك لينزل لَهُ عن الكَرَك، فبعث السّلطان تاج الدّين ابن مهاجر فِي إبرام ذَلِكَ إلى النّاصر، فرجع عن ذَلِكَ لمّا سَمِعَ بحركة الفرنج، وطلب السّلطان نائبَ مصر جمالَ الدين ابن يغمور، فاستنابه بدمشق، وبعث على نيابة مصر حسام الدين ابن أَبِي عَلِيّ، فدخلها فِي ثالث محرَّم سنة سبْعٍ. وسار السّلطان فنزل بأشمون طناح ليكون فِي مقابلة الفرنج إنْ قصدوا دِمياط. وتواترت الأخبار بأن ريذا فرنس مقدَّم الإفرنسيسيّة قد خرج من بلاده فِي جموع عظيمة وشتى بجزيرة قبرص، وكان من أعظم ملوك الإفرنج وأشدهم بأساً. وريذ: بلسانهم الملك.
وشُحِنت دِمياط بالذّخائر، وأحكِمت الشّواني. ونزل فخر الدين ابن الشَّيْخ بالعساكر فنزل عَلَى جيزة دِمياط، فأقبلت مراكب الفرنج فأرست في البحر بإزاء المسلمين فِي صفر. ثُمَّ شرعوا من الغد فِي النّزول إلى البرّ الَّذِي فِيهِ المسلمون. وضربت خيمة حمراء لريذا فرنس، وناوشهم المسلمون القتال، فقُتل يومئذٍ الأميرُ نجمُ الدّين ابنُ شيخ الإِسْلَام، والأمير الوزيريّ، فترحّل فخر الدين ابن الشَّيْخ بالنّاس، وقطع بهم الجسرَ إلى البرّ الشّرقيّ الَّذِي فِيهِ دِمياط، وتقهقر إلى أشمون طناح، ووقع الخذْلان عَلَى أهل دِمياط، فخرجوا منها طول اللَّيل عَلَى وجوههم حتّى لم يبق بها أحد. وكان هذا من قبح رأي فخر الدّين فإنّ دمياط كانت فِي نوبة سنة خمس عشرة وستّمائة أقلّ ذخائر وعددًا، وما قدر عليها الفرنج إلى بعد سنة، وإنّما هرب أهلها لمّا رأوا هربَ العساكر وعلموا مرض السّلطان. فلمّا أصبحت الفرنجُ تملّكوها صَفْوًا بما حَوَت من العُدد والأسلحة والذّخائر والغِلال والمجانيق، وهذه مصيبةٌ لم يجر مثلها. -[576]-
فلمّا وصلت العساكر وأهلِ دِمياط إلى السّلطان، حنق عَلَى الكِنانيّين الشّجعان الّذين كانوا بِهَا، وأمر بهم فشُنِقوا جميعًا، ثُمَّ رحل بالجيش وسار إلى المنصورة، فنزل بِهَا فِي المنزلة الّتي كَانَ أَبُوهُ نزلها، وبها قصرٌ بناه الكامل. ووقع النّفير العام فِي المسلمين، فاجتمع بالمنصورة أمم لا يحصون من المطوعة والعربان والحرافشة، وشرعوا فِي الإغارة عَلَى الفِرنج ومناوشتهم وتخطفهم، واستمر ذلك أشهراً، هذا والسلطان يتزايد مرضه، والأطباء قد آيسته لاستحكام السّلّ بِهِ.
وأمّا الكَرَك فإنّ صاحبها سافر إلى بغداد، فاختلف أولاده، وسار أحدهم إلى الملك الصّالح، فسلَّم إِلَيْهِ الكَرَك، ففرح بِهَا السّلطان مَعَ ما هُوَ فِيهِ من الأمراض، وزُيّنت بلادُه، وبعث إليها الطُّوَاشيّ بدرَ الدّين الصّوابيّ نائبًا، وقدِم عَلَيْهِ آلُ النّاصر دَاوُد فبالغ في إكرامهم وأقطعهم أخبازاً جليلة.
إلى أن قَالَ ابن واصل فِي سيرة الصّالح: وكان مَهِيبًا، عزيز النّفْس، أَبِيَّها، عالِيَها، حَيِّيًا، عفيفًا، طاهرَ اللّسان والذّيل، لا يرى الهزل ولا العبث، شديد الوقار، كثير الصّمت. اشترى من المماليك التُّرْك ما لم يشتره أحدٌ من أهل بيته، حتّى صاروا مُعظم عسكره، ورجّحهم عَلَى الأكراد وأمّرهم، واشترى - وهو بمصر- خلْقًا منهم وجعلهم بِطانته والمحيطين بدِهليزه وسمّاهم البحريّة.
حكى لي حسام الدين ابن أَبِي عَلِيّ أنّ هَؤُلاءِ المماليك مَعَ فَرْط جبروتهم وسطْوتهم كانوا أبلغ مَن يعظّم هيبة السّلطان، فكان إذا خرج وشاهدوا صورته يرعدون خوفًا منه، وَأَنَّهُ لم يقع منه فِي حال غضبه كلمةٌ قبيحةٌ قطّ، أكثر ما يَقْولُ إذا شَتَم: يا متخلّف. وكان كثير الباه لجواريه فقط، ولم يكن عنده فِي آخر وقتٍ غير زوجتين، إحداهما شَجَر الدُّرّ، والأخرى بِنْت العالمة تزوّجها بعد مملوكه الْجُوكنْدار. وكان إذا سَمِعَ الغناء لا يتزعزع ولا يتحرّك، وكذلك الحاضرون يلتزمون حالته كأنما على رؤوسهم الطَّير. وكان لا يستقلّ أحدٌ من أرباب دولته بأمر، بل يراجع بالقَصَص مَعَ الخُدّام، فيوقِّع عليها بما يعتمده كِتاب الإنشاء. وكان يحبّ أهلَ الفضل والدّين، وما كَانَ لَهُ مَيلٌ إلى -[577]-
مطالعة الكتب، وكان كثير العزلة والانفراد، وله نهمة فِي اللَّعِب بالصَّوَالجة وفي إنشاء الأبنية العظيمة الفاخرة.
وقال غير ابن واصل فِي سيرة الملك الصالح: وكان الصالح لا يجتمع بالفضلاء، لأنه لم تكن لَهُ مشاركةٌ بخلاف أَبِيهِ، وكان اجتماعه بالنّاس قليلا جدا، بل كَانَ يقتصر عَلَى نُدمائه المعروفين بحضور مجلس الشراب، كَانَ ملكًا مَهِيبًا، جبّارًا ذا سطوةٍ وجلالة، وكان فصيحًا، حَسَن المحاورة، عفيفًا عن الفواحش، فأمّر مماليكه التُّرْك، وجرى بينه وبين عمّه إِسْمَاعِيل أمورٌ وحروبٌ إلى أن أخذ نوّابه دمشقَ عام ثلاثة وأربعين، وذهب إِسْمَاعِيل إلى بَعْلَبَكّ، ثُمَّ أُخذت من إِسْمَاعِيل بَعْلَبَكّ، وتعثّر والتجأ إلى النّاصر صاحب حلب، ولمّا خرج الملك الصّالح من مصر إلى الشّام خاف من بقاء أخيه، فقتله سرًّا، فلم يُمَتَّع، ووقعت الآكلة في فخذه بدمشق، ونزل الإفرنس ملك الفرنج بجيوشه عَلَى دِمياط فأخذها، فسار إِلَيْهِ الملك الصّالح فِي مَحِفّةٍ حتّى نزل بالمنصورة عليلًا، ثُمَّ عرض لَهُ إسهالٌ إلى أن تُوُفّي ليلة النّصف من شعبان بالمنصورة وأُخْفي موتُه حتّى أُحضِر ولدُه الملكُ المعظَّم من حصن كيفا، وملّكوه بعده.
فذكر سعدُ الدّين: أنّ ابن عمّه فخر الدّين نائب السّلطنة دخل من الغد خيمة السّلطان، وقرَّر مع الطواشي محسن أن يظهر أن السلطان أمر بتحليف النّاس لولده الملك المعظّم، ولوليّ عهده فخر الدين، فتقرر ذلك وطلبوا الناس، فحلفوا إلا أولاد الناصر، توقفوا وقالوا: نشتهي أن نبصر السّلطان، فدخل خادم وخرج، وقال: السّلطان يسلّم عليكم، وقال: ما يشتهي أن تروه فِي هذه الحالة، وقد رسم لكم أن تحلفوا فحلفوا، وجاءتهم من كلّ ناحية، راحت الكَرَك منهم، واسودّت وجوههم عند أبيهم بغدرهم، ومات السّلطان الَّذِي أمّلوه، ثُمَّ عَقِيب ذَلِكَ نفَوْهم من مصر، ونَفَّذ الأميرُ فخرُ الدين نسخ الأيمان إلى البلاد ليحلفوا للمعظَّم.
قلت: وكانت أمّ ولده شَجَر الدر ذات رأي وشهامة، فدولبت الملك مدة شهرين أو أكثر، وجرت لَهَا أمور، وخُطِب لَهَا عَلَى المنابر، وبقي المُلْك بعده فِي مواليه الأتراك وإلى اليوم، وتربته بمدرسته بالقاهرة.

508 - إسماعيل السلطان الملك الصالح عماد الدين أبو الخيش ابن الملك العادل أبي بكر محمد بن أيوب بن شاذي،

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

508 - إِسْمَاعِيل السّلطان الملك الصّالح عمادُ الدين أبو الخيش ابن الملك العادل أَبِي بَكْر مُحَمَّد بْن أيّوب بْن شاذي، [المتوفى: 648 هـ]
صاحب بَعْلَبَكّ، وبُصْرَى ودمشق.
ملك دمشق بعد موت أخيه الملك الأشرف، وركب بأُبَّهة السَّلطنة، وخلع عَلَى الأمراء، وبقي أيّامًا، فلم يَلْبَث أن نازل دمشقَ الملكُ الكاملُ أخوه فأخذها منه وذهب هُوَ إلى بَعْلَبَكّ، ثُمَّ هجم هُوَ وصاحبُ حمص عَلَى دمشق وتملكها فِي سنة سبْعٍ وثلاثين، كما هُوَ مذكور فِي الحوادث.
وبَدَتْ منه هناتٌ عديدة، واستعان بالفِرَنج عَلَى حرب ابن أخيه، وأطلق -[594]-
لهم حصن الشَّقِيف. ثُمَّ أُخذت منه دمشق فِي سنة ثلاثٍ وأربعين، وذهب إلى بَعْلَبَكّ فلم يَقَرّ لَهُ قرار، والتفّ عَلَيْهِ الخُوَارَزْميّة، وتمّت لَهُ خُطُوبٌ طويلة، فالتجأ إلى حلب، وراحت منه بُصْرَى وبَعْلَبَكُّ، وبقي فِي خدمة ابن ابن أخته الملك النّاصر.
فلمّا سار النّاصر لأخذ الدّيار المصريّة ومعه الملك الصّالح أُسِر الصّالح فيمن أُسِر وحُبِس بالقاهرة ومرّوا بِهِ أسيرًا عَلَى تُربة ابن أخيه الصّالح نجم الدّين فصَاحت البحريّة - وهم غلمان نجم الدّين -: يا خَوَنْد أَيْنَ عينُك تُبصر عدوَّك؟.
قَالَ سعد الدّين فِي " تاريخه ": وفي سلْخ ذي القعدة أخرجوا الصّالح إِسْمَاعِيل من القلعة ليلًا ومضوا بِهِ إلى الجبل فقتلوه هناك وعُفي أثرُهُ.
قلت: حصل لَهُ خيرٌ بالقتل، والله يسامحه، وقد رَأَيْت ولديه الملك المنصور والملك السّعيد والد الكامل، وقد روى عن: أَبِيهِ جزءًا من " المحامليات "، قرأه عليه السيف ابن المجد وكان لَهُ إحسان إلى المَقَادِسة، ولكنّ جناياته عَلَى المسلمين ضخمة.
قَالَ ابن واصل: لما أتي بالملك الصالح عماد الدين إِسْمَاعِيل إلى الملك المُعِزّ - وإنّما أُتيَ صبيحة الوقعة - أُوقِف إلى جانبه، قَالَ حسامُ الدّين ابن أَبِي عَلِيّ: فَقَالَ لي المُعِزّ: يا خَونْد حسام الدّين، أما تسلِّم عَلَى المولى الملك الصّالح؟ قَالَ: فدنوت منه وسلّمت عَلَيْهِ ثُمَّ دخل المُعِزّ - وقد انتصر - القاهرة. قَالَ ابن واصل: كان يوما مشهودا، فلقد رأيت الصّالحَ إِسْمَاعِيل وهو بين يدي المُعِزّ، وإلى جانبه الأمير حسام الدين ابن أَبِي عَلِيّ، فحكى لي حسامُ الدّين قَالَ: قلت لَهُ: هَلْ رأيتم القاهرة قبل اليوم؟ قَالَ: نعم، رأيتها مَعَ الملك العادل وأنا صبي، ثم اعتُقل الصّالح بالقلعة أيّامًا، ثُمَّ أتاه ليلة السّابع والعشرين من ذي القعدة عزُّ الدّين أيْبَك الرُّوميّ وجماعةٌ من الصّالحيّة إلى الدّار الّتي هُوَ فيها، وأمروه أن يركب معهم، فركب ومعهم مشعل، ومضوا بِهِ إلى باب القلعة -[595]-
من جهة القرافة، فأطفؤوا المشعل وخرجوا به، فكان آخر العهد بِهِ، فقيل: إنّه خُنِق كما أمر هو بخنق الملك الجواد.
قَالَ: وكان ملكًا شَهْمًا، يقِظًا، محسنًا إلى جنده، كثير التجمل، وكان أَبُوهُ العادل كثير المحبّة لأمّه، وكانت من أحظى حظاياه عنده، ولها مدرسة وتُربة بدمشق.

524 - عبد الله بن محمد بن أيوب الخطيب، أبو محمد التجيبي الجياني.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

524 - عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن أيّوب الخطيب، أَبُو مُحَمَّد التُّجِيبيّ الْجَيّانيّ. [المتوفى: 648 هـ]
روى عن: أَبِي الْحُسَيْن بْن زَرْقون، وَأَبِي الخطّاب بْن واجب، وألّف " جزءًا " فِي السّتْرة فِي الصّلاة ومذاهب النّاس فيها.
سَمِعَ منه ابن الزُّبَيْر الثَّقَفيّ، وقال: تُوُفّي فِي ربيع الْأَوَّل.

261 - داود، السلطان الملك الناصر صلاح الدين، أبو المفاخر، وأبو المظفر ابن السلطان الملك المعظم شرف الدين عيسى ابن العادل محمد بن أيوب بن شاذي بن مروان.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

261 - دَاوُد، السُّلطان الملك النّاصر صلاح الدين، أَبُو المفاخر، وأبو المظفَّر ابن السّلطان الملك المعظّم شرف الدّين عيسى ابن العادل محمد بن أيّوب بن شاذي بن مروان. [المتوفى: 656 هـ]
وُلد بدمشق فِي جُمادى الآخرة في سنة ثلاثٍ وستّمائة. وسمع ببغداد من: أبي الْحَسَن القَطِيعي، وغيره. وبالكَرَك من: ابن اللَّتّي. وأجاز له: المؤيد الطُّوسي، وأبو روْح عَبْد المعزّ. وكان حنفي المذهب، عالِماً، فاضلًا، مُناظراً، -[805]-
ذكيًا، له اليد البيضاء فِي الشعر والأدب، لأنه حصَّل طَرَفًا جيدًا من العلوم فِي دولة أَبِيهِ.
وولي السلطنة فِي سنة أربع وعشرين بعد والده، وأحبه أهل دمشق. ثم سار عمه الملك الكامل من الديار المصرية لأخذ المُلك منه، فاستنجد بعمه الأشرف فجاء لنُصرته ونزل بالدَّهشة، ثم تغيَّر عليه ومال إلى أخيه الكامل، وأوهم النّاصر أنه يُصْلح قضيته، فسار إلى الكامل، واتفقا على النّاصر وحاصراه، كما ذكرنا فِي الحوادث، أربعة أشهر، وأخذا منه دمشق، وسار إلى الكَرَك، وكانت لوالده، وأُعطي معها الصَّلْتَ ونابلس وعجلون وأعمال القُدس. وعقد نكاحه على بِنْت عمه الكامل سنة تسعٍ وعشرين. ثم تغير عليه الكامل تغيُّراً زائدًا، ففارق ابنته قبل الدخول.
ثم إن النّاصر بعد الثلاثين قصد الإِمَام المستنصر بالله وقدم له تُحَفًا ونفائس، وسار إليه على البرية، والتمس الحضورَ بين يديه كما فعل بصاحب إربِل، فامتنعوا عليه، فنَظَمَ هذه:
ودانٍ ألمّت بالكثيب ذوائبُهُ ... وجنحُ الدُّجى وجف تجولُ غياهِبُه
تقهقهُ فِي تلك الرُّبُوع رُعودُهُ ... وتبكي على تلك الطُّلُول سحائبُهْ
أرْقْتُ له لما توالتْ بروقُهُ ... وحُلَّت عزاليه، وأُسبل ساكبُهْ
إلى أن بدا من أشقر الصُّبح قادمٌ ... يُراع له من أُدْهم اللَّيل هاربُهْ
وأصبح ثغرُ الأُقحُوانة ضاحكاً ... تدغدغهُ ريح الصّبا وتُلاعبُهُ
وهي قصيدة طويلة طنّانة يقول فيها:
ألا يا أمير المؤمنين، ومن غدَتْ ... على كاهل الجوْزاء تعْلو مراتبُهْ
أيَحْسنُ فِي شرْع المعالي ودينِها ... وأنت الَّذِي تُعْزى إليه مذاهبُهْ
بأني أخوض الدّوّ والدّوُّ مُقْفر ... سباريته مُغْبرَّةٌ وسباسِبُهْ
وقد رصد الأعداء لي كلَّ مرصدٍ ... فكُلُّهم نحوي تدُبّ عقاربُهْ
وآتيك والعضْبُ المُهنَّد مُصلَتٌ ... طريرٌ شباهُ، قانياتٌ ذوائبُهْ
وأُنزل آمالي ببابك راجياً ... بواهر جاهٍ يبهرُ النَّجْم ثاقبُهْ -[806]-
فتقبلُ مني عبدَ رقٍّ فيغتدي ... له الدهر عبدًا طائعًا لا يغالبُهْ
وتُنعم فِي حقي بما أنت أهلُهُ ... وتُعْلي محلي فالسُّها لا يقاربُهْ
وتُلبسني من نسْج ظِلّك حلة ... يُِشرِّف قدرَ النَّيِّرَيْن جلائبُهْ
وتُركبني نُعمى أياديك مركبًا ... على الفَلَكِ الأعلى تسير مراكبهْ
وتسمحُ لي بالمال، والجاهُ بُغْيتي ... وما الجاهُ إلا بعضُ ما أنتَ واهبُهْ
ويأتيك غيري من بلادٍ قريبةٍ ... له الأمنُ فيها صاحبٌ لا يجانبُهْ
فيلقى دُنُوّاً منك لم ألق مثلهُ ... ويحظى ولا أحظى بما أَنَا طالبُهْ
وينظر من لألاءِ قُدْسك نظرةً ... فيرجع والنّورُ الإماميُّ صاحبُهْ
ولو كان يعلوني بنفسٍ ورُتبةٍ ... وصدقِ وَلاءٍ لستُ فِيهِ أصاقبُهْ
لكُنْتُ أُسلِّي النَّفس عما ترومُهُ ... وكنتُ أذودُ العيْن عما تراقبهْ
ولكنّه مثلي ولو قلت: إنني ... أزيدُ عليه لم يعبْ ذاك عائبُهْ
وما أَنَا ممّن يملأ المالُ عينَهُ ... ولا بِسوى التّقريب تُقضَى مآربُهْ
ولا بالّذي يرضيه دون نظيرهِ ... ولو أنعلت بالنَّيِّرات مراكبُهْ
وبي ظمأٌ رُؤياك منْهلُ رّيهِ ... ولا غرو أن تصفو لي مشاربُهْ
ومن عجبٍ أني لدى البحر واقفٌ ... وأشكو الظَّمأ، والبحر جمٌّ عجائبُهْ
وغيرُ ملُومٍ مَن يؤمُّك قاصدًا ... إذا عَظُمتْ أغراضُه ومذاهبُهْ
فوقعت هذه القصيدة من المستنصر بموقع، وأدخله عليه ليلًا، وتكلَّم معه في أشياء من العلوم والأدب، ثم خرج سرًا. وقصد المستنصر بذلك رعاية الملك الكامل.
ثم حضر النّاصر بالمدرسة المستنصرية، وبحث واعترض واستدل، والخليفة فِي رَوْشن بحيث يسمع، وقام يومئذٍ الوجيه القيرواني ومدح الخليفة فمن ذلك:
لو كنت فِي يوم السقيفة حاضرًا ... كنت المقدَّم والإمام الأورعا
فقال النّاصر: أخطأت، قد كان حاضرًا الْعَبَّاس جدُّ أمير المؤمنين، ولم يكن المقدَّم إلا أَبُو بَكْر، رضى الله عنه، فخرج الأمر بنفْي الوجيه، فذهب إلى مصر، ووُلّي بها تدريس مدرسة ابن شكَّر. ثمَّ إنّ الخليفة خلع على النّاصر -[807]-
داود خلعة مذهبة وخلع على أصحابه، وأعطاه جملة من المال وبعث معه رسولا إلى الكامل يشفع إليه في إخلاص نيته للناصر وإبقاء بلاده عليه، فقدما دمشق وبها الكامل، فخرج لتلقيهما إلى القابون، وأقبل على الناصر، ثم سافر الناصر إلى الكرك ومعه رسول الخليفة، فألبسه الخِلْعة بالكَرَك، وركب بالأعلام الخليفتِيّة وزِيد في ألقابه: " الولي المهاجر ".
ثم وقع بين الكامل والأشرف، وطلب كلٌّ منهما من النّاصر أن يكون معه، فرجح جانب الكامل، وجاءه من الكامل فِي الرّسْليّة القاضي الأشرف ابن الفاضل. ثم سار النّاصر إلى الكامل، فبالغ الكامل فِي تعظيمه وأعطاه الأموال والتُّحف.
ثم اتفق موتُ الملك الأشرف وموت الكامل، وكان النّاصر بدمشق في دار أُسامة، فتشوف إلى السلطنة، ولم يكن حينئذٍ أحد أمْيزَ منه، ولو بذل المال لحلفوا له. ثم سلطنوا الملك الجوادَ، فخرج النّاصر عن البلد إلى القابون، ثم سار إلى عجلون وندِم، فجمع وحشد ونزل على السواحل فاستولى عليها. فخرج الجواد بالعساكر، فوقع المَصَافُّ بين نابلس وجينين، فانكسر النّاصر واحتوى الجواد على خزائنه وأمواله، وكان ثقَلُ النّاصر على سبعمائة جملٍ، فافتقر ولجأ إلى الكرك، ونزل الجواد على نابلس، وأخذ ما فيها للناصر.
وقد طول شيخُنا قطْبُ الدين ترجمة النّاصر وجودها، وهذا مختارٌ منها.
ولما مَلَك الصالح نجمُ الدين أيوب دمشقَ وسار لقصد الديار المصرية جاء عمه الصالح إِسْمَاعِيل وهجم على دمشق فتملكها. فتسحب جيش نجم الدين عَنْهُ، وبقي بنابلس فِي عسكرٍ قليل، فنفذ النّاصر من الكَرَك عسكرًا قبضوا على نجم الدين وأطْلعوه إلى الكَرَك، فبقي معتَقَلًا عنده فِي كرامة. وكان الكامل قد سلَّم القدس إلى الفرنج، فعمّروا في غربيّه قلعة عند موت الكامل واضطراب الأمور واختلاف الملوك، فنزل النّاصر من الكَرَك وحاصرها، ونصب عليها المجانيق فأخذها بالأمان وهدمها، وتملك القدس، وطرد من به من الفرنج إلى بلادهم، فعمل جمال الدّين ابن مطروح: -[808]-
المسجد الأقصى له عادةٌ ... سارت فصارت مَثَلًا سائرا
إذا غدا بالكُفْر مُسْتوطناً ... أن يبعث الله له ناصرا
فناصرٌ طهَّرهُ أولًا ... وناصرٌ طهَّره آخِرا
ثم إنه كلَّم الصالح نجمَ الدين وقال له: إنْ اخرجتك وملكتك الديار المصرية، ما تفعل معي؟ قال: أَنَا غلامك وفي أسْرك، قلْ ما شئت. فاشترط عليه أنْ يعطيه دمشق ويعينه على أخذها وأن يمكنه من الأموال، وذكر شروطًا يتعذَّر الوفاء بها. ثم أَخْرَجَهُ وسار معه وقد كاتَبَه أمراءُ أَبِيهِ الكامل من مصر، وكرهوا سلطنة أخيه العادل. فلمّا ملّك الديار المصرية وقع التسويف من الصالح والمغالطة، فغضب النّاصر ورجع، وقد وقعت الوحشة بينهما. وزعم الصالح أنه إنما حلف له مكرَهاً وقال: كنت فِي قبضته.
وحكى ابن واصل عن صاحب حماه المنصور أن الملك الصالح لما استقر بمصر قال لبعض أصحابه: امض إلى النّاصر وخوِّفه مني بالقبض عليه لعله يرحل عنا. فجاء ذلك وأوهمه، فسارَعَ الخروجَ إلى الكَرَك.
ثم إن الصالح أساء العِشرة فِي حق النّاصر وبعث عسكرًا فاستولوا على بلاد النّاصر، ولم يزل كل وقت يُضايقه ويأخذ أطراف بلاده حتى لم يبق له إلا الكَرَك. ثم فِي سنة أربعٍ وأربعين نازَلَه فخر الدين ابن الشَّيْخ. وحاصره أيامًا ورحل.
وأما النّاصر فقلَّ ما عنده من المال والذخائر، واشتد عليه الأمر، فعمل هذه يعاتب فيها ابنَ عمه الملكَ الصالح:
عمي أبوك، ووالدي عمٌّ، به ... يعلو انتسابك كلَّ ملكِ أصْيدِ
دعْ سيفَ مِقْولي البليغ يذب عن ... أعراضِكم بفِرِنْدِهِ المتوقدِ
فهو الَّذِي قد صاغ تاج فخاركم ... بمفصل من لؤلؤ وزبرجد
لولا مقالُ الهجر منك لما بدا ... مني افتخارٌ بالقريضِ المُنْشَدِ
ثمّ أخذ يفتخر ويذكر جُوده وجلالته، ويعرض باعتقاله للصالح وإخراجه. -[809]-
وفي سنة ستٍّ وأربعين قدِم العلامةُ شمسُ الدين الخُسْروشاهي على الملك الصالح نجم الدين أيوب وهو بدمشق رسولًا من النّاصر، ومعه وُلِد النّاصر الأمجد حَسَن، ومضمون الرسالة: إن تتسلم الكَرَك وتعوضني عَنْهَا الشَّوْبك وخبزًا بمصر. فأجابه ثم رحل إلى مصر مريضًا. ثم انثنى عزْم النّاصر عن ذلك لما بلغه مرضُ الصالح وخروج الفرنج.
ثم دخلت سنة سبْع، وضاقت يدُ النّاصر وعليه كُلَف السّلطنة، فاستناب ابنه الملك المعظَّم عيسى بالكرك، وأخذ ما يعز عليه من الجواهر، ومضى إلى حلب مستجيرًا بصاحبها كما فعل عمُّه الصالح إِسْمَاعِيل، فأكرمه. وسار من حلب إلى بغداد، فأودع ما معه من الجواهر عند الخليفة، وكانت قيمتها أكثر من مائة ألف دينار، ولم يصل بعد ذلك إليها.
وأمّا ولداه الظاهر والأمجد، فإنهما تألما لكونه استناب عليهما المعظَّم، وهو ابن جارية، وهما ابنا بِنْت الملك الأمجد ابن الملك العادل، فأمُّهما بِنْت عمه وبنت عم الصالح، وكانت محسنة إلى الصالح لما كان معتقلًا بالكرك غاية الإحسان، وكان ولداها يأنسان به ويلازمانه، فاتفقا مع أمهما على القبض على الملك المعظَّم فقبضا عليه، واستوليا على الكَرَك، ثم سار الأمجد إلى المنصورة فأكرمه الصالح وبالغ، فكلمه فِي الكَرَك، وتوثَّق منه لنفسه وإخوته، وأن يعطيه خُبزًا بمصر، فأجابه، وسيَّر إلى الكَرَك الطُّواشي بدر الدين الصوابي نائبًا له. فجاء إلى السُّلطان أولاد النّاصر وبيته فأقطعهم إقطاعات جليلة، وفرح بالكرك غاية الفرح مع ما هُوَ فِيهِ من المرض المخوف، وزينت مصر لذلك. وبلغ النّاصر داودَ ذلك وهو بحلب، فعظُم ذلك عليه. ثم لم يلبث الصالح أنْ مات، وتملك بعده ابنه تورانشاه قليلاً، وقُتل، فعمد الصوابي فأخرج الملك المغيث عُمرَ ابن الملك العادل ابن السُّلطان الملك الكامل من حبْس الكَرَك، وملكه الكَرَك والشَّوْبَك.
وجاء صاحب حلب فتملك دمشق، ثم مرض بها مرضًا شديدًا، ومعه الصالح إِسْمَاعِيل والنّاصر دَاوُد. فقيل: إن دَاوُد سعى فِي تلك الأيام فِي السلطنة. فلما عُوفي السُّلطان بَلَغَه ذلك، فقبض عليه وحبسه بحمص، ثمّ أفرج عَنْهُ بعد مدةٍ بشفاعة الخليفة، فتوجه إلى العراق فلم يؤذَنْ له فِي دخول بغداد، فطلب وديعته فلم تحصل له. ثم رد إلى دمشق. ثم سار إلى بغداد في -[810]-
سنة ثلاثٍ وخمسين بسبب الوديعة وليحجَ، وكتب معه النّاصر صاحب الشّام كتابًا إلى الخليفة يشفع فِيهِ فِي رد وديعته، ويخبر برضاه عَنْهُ، فسافَرَ ونزل بمشهد الْحُسَيْن بكربلاء، وسيَّر إلى الخليفة قصيدةً يمدحه ويتلطفه، فلم ينفع ذلك، وهذه القصيدة:
مقامُك أعلى فِي الصدور وأعظمُ ... وحلمُكَ أرجَى فِي النُّفوٍس وأكرمُ
فلا عجبٌ إنْ غُصَّ بالشِّعر شاعر
ٌ
وفُوّهَ مصطكُّ اللهاتِين مُفحمُ ... إليكَ أميرَ المؤمنين توجُّهي
بوجهِ رجاءٍ عنده منكَ أنعُمُ ... إلى ماجدٍ يرجوه كل مُمَجّدٍ
عظيم ولا يرجوه إلا معظَّمُ ... ركبتُ إليه ظهْرَ شماء قفرةٍ
بها تُسرِجُ الأعداءُ خيلاً وتُلجِمُ ... وأشجارها ينعٌ، وأحجارها ظبى
وأعشابُها نبلٌ، وأمواهُها دمُ ... رميتُ فَيَافيها بكل نجيبةٍ
بنسبتها تعلُو الجذِيلُ وشَدْقَمُ ... تُجَاذِبنا فضلَ الأزِمّة بعدما
براهُنَّ موصولٌٌ من السَّيْر مبرمُ ... تساقيْنَ من خمر الدّلال مُدامةً
فلا هنَّ أيقاظٌ، ولا هنّ نوّمُ ... يطسن الحصى فِي جمْرة الَقْيظ بعدما
غدا يتبعُ الجبّار كلبٌ ومِرْزَمُ ... تلوح سباريت الفلا مُسطّراً
بأخفافها منه فصيحٌ وأعجمُ ... تخالُ ابيضاض القاعِ تحتَ احمرارها
قراطيسَ أوراق علاهنَّ عَنْدمُ ... فلما توسّطْن السماوةَ واغْتدَتْ
تلفّتُ نحو الدارِ شوْقاً وتُرزِمُ ... وأصبحَ أصحابي نَشَاوى من السُّرى
تدورُ عليهم كرمه وهو مفحمُ ... تنكَّر للخرّيت بالبِيد عُرْفُهُ
فلا عَلَمٌ يَعْلُو ولا النَّجم ينْجُمُ ... فظلَّ لإِفراط الأسَى متندمًا
وإنْ كان لا يُجدي الأسى والتَّنَدُّمُ ... يشوف الرُّغام ضلّة لهدايةٍ
ومن بالرُّغامِ يهتدي فهو يُرْغَِمُ ... يُناجي فِجاجَ الدّوِّ، والدّوِّ صامتٌ
فلا يسمعُ النَّجْوى، ولا يتكلّمُ ... على حين قال الظّبيُ، والظّلُّ قالصٌ
وإذ مدت الغبراء، فهي جهنَّمُ ... ووسع ميدانُ المنايا لخيلِهِ
وضاقَ مجالُ الريقِ والتحمَ الفمُ ... فوحشُ الرزايا بالرزية حُضّرٌ
وطيرُ المنايا بالمَنيَّةِ حُوَّمُ -[811]-
فلما تبدَّت كربلاء وتبيَّنت ... قِبابٌ بها السِّبْط الشّهيد المكرَّمُ
ولذتُ به مستشفعاً مُتحرماً ... كما يفعل المستشفعُ المتحرِّمُ
فأصبح لي دون البرية شافعًا ... إلى مَن به مُعوجُّ أمري مُقوّم
أنخْتُ ركابي حيث أيقنت أنني ... بباب أميرِ المؤمنين مُخيّمُ
بحيث الأماني للأمان قسيمةٌ ... وحيثُ العطايا بالعواطفِ تقسَّمُ
منها:
عليك أمير المؤمنين تهجُّمي ... بنفسٍ على الجوْزاء لا تتهجَّمُ
تلوم أنْ تغشى الملوك لحاجةٍ ... ولكنها بي عنكَ لا تتلوَّمُ
فصُنْ ماءَ وجهي عن سِواك فإنّه ... مَصُونٌ يصوناه الحياءُ والتكرُّمُ
ألست بعبدٍ حُزْتني عن وراثةٍ ... له عندكم عهدٌ تقادَمَ مُحكمُ
ومثلي يُخب للفُتُوق ورِتقها ... إذا هز خطي، وجُرَّدَ مِخْذّمُ
فلا زلت للآمال تبقى مسلّماً ... وتنتابك الأملاك وهي تُسلّمُ
فحجّ وأتى المدينة وقام بين يدي الحجرة منشداً قصيدة بديعة يقول فيها:
إليك انتطينا اليعملات رواسمًا ... يجُبْنَ الفلا ما بين رضْوى ويذبُلِ
إلى خير من أطْرَتْهُ بالمدح ألسنٌ ... فصدَقها نصُّ الكتاب المُنَزَّلِ
إليك - رسول الله - قمتُ مُجمجماً ... وقد كل عن نقل البلاغةِ مِقولي
وأدهشني نورٌ تألقَ مشرقًا ... يلوحُ على سامي ضريحكَ من علِ
ثَنَتني عن مدحي لمجدك هيبة ... يراع لها قلبي ويرعد مفصلي
وعِلمي بأن الله أعطاك مِدحة ... مفصّلُها فِي مُجملاتِ المُفصّلٍ
ثم أحضر شيخ الحرم والخدّام، ووقف بين يدي الضّريح متمسكاً بسجف الحُجْرة، وقال: اشهدوا أن هذا مقامي مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد دخلتُ عليه متشفعاً به إلى ابن عمه أمير المؤمنين فِي رد وديعتي. فأعظم الناس هذا وبكوا، وكُتب بصورة ما جرى إلى الخليفة.
ولما كان الرَّكب فِي الطريق خرج عليهم أَحْمَد بن حجي بن بُريد من آل مُرِّي يريد نهب الرَّكْب، فوقع القتال وكادوا يظفرون بأمير الحاجّ، فجاء -[812]-
النّاصر يشق الصفوف، وكلَّم أَحْمَد بن حجي، وكان أَبُوهُ حجي صاحبًا للناصر وله عليه أيادٍ، فانقاد له. ثم جاء النّاصر ونزل بالحلة، وقُرِّر له راتبٌ يسير، ولم يحصل له مقصود. فجاء إلى قرقسياء ومنها إلى تِيه بني إسرائيل، وانضم إليه عربان، وذلك فِي أوائل سنة ستٍّ هذه، أو قُبيل ذلك، فخاف المغيث منه فراسله وأظهر له المَوَدّة، وخدعه المغيث إلى أن قبض عليه وعلى من معه من أولاده، وحبسه بطور هارون، فبقي به ثلاث ليالٍ. واتفق أن المستعصم بالله دهمه أمرُ التّتار فنفَّذ إلى صاحب الشّام يستمدُّه، ويطلب منه جيشًا يكون عليهم النّاصر دَاوُد، فبعث صاحب الشّام الملك النّاصر يطلب النّاصر من المغيث، فاخرجه المغيث، فقدِم دمشقَ ونزل بقرية البُويْضا بقرب البلد، وأخذ يتجهَّز للمسير، فلم ينْشب أنْ جاءت الأخبار بما جرى على بغداد، فلا قوة إلا بالله. وعرض طاعونٌ بالشّام عقيب ما تم على العراق، فطُعن النّاصر في جنْبه.
قال ابن وصل: وكثُر الطاعون بالشّام مع بُعْد مسافة بغداد، حكى جالينوس أنه وقعت ملحمة فِي بلاد اليونان فوقع الوباء بسببها فِي بلاد النوبة مع بُعد المسافة.
قال ابن واصل: حكى لي عَبْد الله بن فضل أحد ألزام النّاصر داود قال: اشتدّ الوباء فتسخّطنا به، فقال لنا النّاصر: لا تفعلوا، فإنه لما وقع بعَمَواس زمن عُمَر رضي الله عَنْهُ قال بعض الناس: هذا رجز. فذكر الخبر بطوله، وأن مُعاذًا قال: اللهم أدْخل على آل مُعاذ منه أوْفى نصيب. فمات مُعاذ وابنُه. ثم ابتهل النّاصر وقال: اللهم اجعلنا منهم وارزُقنا ما رزقتهم. ثم أصبح من الغد أو بعده مطعونًا. قال عَبْد الله: وكنت غائبًا فجئت إليه وهو يشكو ألمًا مثل طعن السِّيف فِي جنْبه الأيسر.
قال ابن واصل: وحُكى لي ولدهُ المظفَّر غازي أن أَبَاهُ سكن جنبه الأيسر فنام، ثم أنتبه فقال: رَأَيْت جنْبي الأيسر يقول للأيمن: أَنَا صبرت لنوبتي، والليلة نوبتك، فاصبِر كما صبرْت. فلما كان عشيةً شكا ألَمًا تحت جنْبه الأيمن، وأخذ يتزايد، فبينما أَنَا عنده بين الصلاتين وقد سقطت قواه، إذْ أخذته سنةٌ فانتبه وفرائصُه ترعد، فقال لي: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم والخِضر عليه السلام، فدخلا إلي، وجلسا عندي، ثم انصرفا. فلما كان فِي آخر النهار قال: ما بقي فِي رجاء، فتهيأ فِي تجهيزي. فبكيتُ وبكى الحاضرون، فقال: لا تكن -[813]-
إلا رجلًا. لا تعمل عمل النساء. وأوصاني بأهله وأولاده، ثم قمت فِي الليلة فِي حاجة، فحدّثني بعضُ من تركتُه عنده من أهله أنه أفاق مرعوبًا فقال: بالله تقدَّموا إلى فإني أجد وحشةً. فسُئل: ممَّ ذلك؟ فقال: أرى صفًا عن يميني فيهم أَبُو بَكْر وسعد وصُورهم جميلة، وثيابهم بيض، وصفًا عن يساري صُورهم قبيحة فيهم أبدان بلا رؤوس، وهؤلاء يطلبوني، وهؤلاء يطلبوني، وأنا أريد أروح إلى أهل اليمين. وكلما قال لي أهل الشمال مقالتهم قلت: والله ما أجيء إليكم، خلوني، ثمّ أغفى عنه إغفاءةً، ثم استيقظ وقال: الحمد لله خلصت منهم.
قلت: وذكر أَنَّهُ رَأَى النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد جاء وجلس عنده. ثم قال: ما بقي في رجاء، وقال لابنه شهاب الدين غازي: تهيأ فِي تجهيزي، فبكى فثبته وقال: لا تغيِّر هيئتك.
وتُوُفّي ليلة الثامن والعشرين من جُمادى الأولى. وركب السُّلطان إلى البُوَيْضا، وأظهر التّأسُّف عليه والحُزْن، وقال: هذا كبيرنا وشيخنا. ثم حُمِل إلى تُربة والده بسفح قاسيون. وكانت أمه خُوارزميّة عاشت بعده مدة.
وكان جوادًا مُمَدَّحاً. ولم يزل فِي نَكَدٍ وتعب لأنه كان ضعيف الرّأي فيما يتعلق بالمملكة. وكان مُعْتنياً بتحصيل الكُتُب النفيسة، وتفرَّقت بعد موته، وقد وفد عليه راجح الحِلّي الشاعر وأمتدحه، فوصل إليه منه ما يزيد على أربعين ألف درهم، أعطاه على قصيدةٍ واحدةٍ ألفَ دينار. وأقام عنده الخُسْروشاهي، فوصله بأموالٍ جمَّة.
قال أَبُو شامة: تملك النّاصر دمشق بعد أَبِيهِ نحوًا من سنة، ثم اقتصر له على الكَرَك وأعماله. ثم سُلِبَ ذلك كله - كما سُلِبه الإسكندر بن فيلبس - وصار متنقلًا فِي البلاد، موكَّلاً عليه، وتارة فِي البراري إلى أن مات موكَّلاً عليه بالبُوَيْضا قِبْلِي دمشق، وكانت لعمه مُجير الدين ابن العادل. صُلِّي عليه عند باب النصر، ودُفِن عند أَبِيهِ بدَيْر مُرَّان.
قلت: وقد روى عَنْهُ الدمياطي حديثًا وقصيدة، فقال: أخبرنا العلاّمة الفاضل الملك الناّصر. -[814]-
وقال ابن واصل: عُمُرُهُ نحو ثلاثٍ وخمسين سنة، وكان قد استولى عليه الشَّيْب استيلاء كثيراً.

468 - محمد بن غازي بن محمد بن أيوب بن شاذي، السلطان الملك الكامل ناصر الدين أبو المعالي ابن الملك المظفر ابن العادل

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

468 - محمد بْن غازي بْن محمد بن أيوب بن شاذي، السُّلطان المُلْك الكامل ناصرُ الدين أَبُو المعالي ابن الملك المظفر ابن العادل [المتوفى: 658 هـ]
صاحب ميافارقين.
تملك البلدَ بعد وفاة أبيه سنة خمسٍ وأربعين وستمائة.
ذكره الشَّيْخ قُطْبُ الدين، فقال: كَانَ ملكًا جليلًا دينًا، خيرًا، عالِمًا، عادلًا، مَهيبًا، شجاعًا، مُحسِنًا إلى رعيته، كثير التعبد والخشوع، لم يكن فِي بيته من يضاهيه فِي الدين وحُسْن الطريقة، استشهد بأيدي التّتار بعد أخذ ميافارقين منه، وقطع رأسُه، وطيف بِهِ فِي البلاد بالمغاني والطبول، ثُمَّ عُلْق بسور باب الفراديس، فلمّا انكسروا دفنه المسلمون بمسجد الرأس الَّذِي داخل باب الفراديس، وكان رحمه الله أولا يداري التّتار، فلمّا خَبِرَهم انقبض منهم، ولما رآهم عَلَى قصده قِدم دمشق مستنجدًا بالسلطان الملك النّاصر، فاكرمه غاية الإكرام، وقدم لَهُ تقادم جليلة، ووعده بالنجدة، فرجع إلى ميافارقين، ولم يمكن الناصر أن ينجده، ثم إن هولاكو سير ابنه أشموط لمحاصرته، فنازله نحوًا من عشرين شهرًا، وصابَرَ الكاملُ القتالَ حتى فني أكثرُ أهل البلد، وعمهم القتلُ والوباء والغلاء المفرط والعدم. -[899]-
قلت: حدّثني شيخنا تاج الدّين محمود بْن عَبْد الكريم الفارقي، قَالَ: سار الملك الكامل ابن غازي إلى قلاع بنواحي آمد فافتتحها، ثُمَّ سير إليها أولاده وأهله، وكان أَبِي فِي خدمته، فرحل بنا إلى حصن من تِلْكَ الحصون، فعبر علينا التّتار فاستنزلوا أولاد الكامل بالأمان، ومروا بهم علينا، وعُمري يومئذٍ سبْعُ سنين، ثُمَّ إنهم حاصروا ميافارقين، فبقوا نحو ثمانية أشهُر، فنزل عليهم الثلج والبرد حتى هلك بعضهم، وكان المُلْك الكامل يخرج إليهم ويحاربهم وينكي فيهم، فهابوه، ثُمَّ إنهم بنَوا عليهم مدينة بإزاء البلد بسورٍ وأبرجة، وأما أهل ميافارقين فنفدت أقواتُهم وجاعوا، حتى كَانَ الرجل يموت فِي البيت فيأكلون لحمه، ثُمَّ وقع فيه موتان، وفتر التّتر عن قتالهم وصابروهم، وفني أهل البلد، وفي آخر الأمر خرج بعض الغلمان إلى التّتار، فأخبروهم بجِلية الأمر، فما صدقوه وقالوا: هذه خديعة، ثُمَّ تقربوا إلى السور فبقوا عنده شهرا لَا يجسرون عَلَى الهجوم، فدلى إليهم مملوك الكامل حبالا، فطلعوا إلى السور، فبقوا أسبوعًا لَا يجسرون عَلَى النزول إلى البلد، وكان قد بقي فيها نحو سبعين نفسًا بعد ألوفٍ من النّاس، ثُمَّ دخلت التّتار عَلَى الكامل دارَه وأمنوه، وعذبوا أربعين رجلًا عَلَى المال كانوا قد اشتروا أمتعةُ كثيرة وذخائرَ ونفائسَ من الغلاء، فاستصفوهم ثُمَّ قتلوهم، وقدموا بالكامل عَلَى هولاكو، وهو بالرها، وهو قاصدٌ حلب، فإذا هُوَ يشرب، فناول الكاملَ كأسًا من الخمر، فامتنع وقال: هذا حرام، فقال هولاكو لامرأته: ناوليه أنتِ، والتّتار أمرُ نسائهم فوق أمرهم، فناولَتْه فأبى، وسب هولاكو وبصق في وجهه، وكان قبل ذَلِكَ قد سار إلى التّتار، ورأى القان الكبير، وعندهم فِي اصطلاحهم أن من رأي وجه القان لَا يموت، فلمّا واجه هولاكو بهذا الفِعل استشاط غضبًا وقتله.
وكان الكامل شديد البأس، قويّ النَّفْس، آلت بِهِ الحال إلى ما آلت ولم ينقهر للتّتار، بحيث إنهم أتوه بأولاده وحريمه إلى تحت السور، وكلّموه فِي أن ينزل بالأمان، فقال: ما لكم عندي إلّا السيفَ.

172 - عبد الله بن إسماعيل بن محمد بن أيوب، الملك المسعود ابن الملك الصالح.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

26 - شاذي بن داود بن عيسى بن محمد بن أيوب بن شاذي، الملك الظاهر، غياث الدين

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

26 - شاذي بْن دَاوُد بْن عيسى بْن مُحَمَّد بْن أيوب بْن شاذي، الملك الظاهر، غياث الدّين [المتوفى: 681 هـ]
ابن صاحب " الكرك " الملك النّاصر.
وُلِد وأبوه صاحب دمشق حينئذٍ سنة خمسٍ وعشرين، ونشأ بالكرك، وسمع من أبي المنجى ابن اللّتي، وحدَّث بدمشق.
وكان ديَّنًا، خيّرًا، متواضعًا، عاقلًا، يتعانى زيّ العرب كعمِّه الملك القاهر، وأمه هي ابنة الأمجد حسن ابن العادل.
توفي بالغور.

148 - أبو بكر، الملك العادل ابن صاحب الكرك، الملك الناصر داود بن عيسى بن محمد بن أيوب.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

148 - أَبُو بَكْر، الملك العادل ابن صاحب الكَرَك، الملك النّاصر دَاوُد بْن عيسى بْن مُحَمَّد بْن أيوب. [المتوفى: 682 هـ]
رئيس فاضل، عاقل، محتشم، محبوب الصّورة، روى عَنْ ابن اللّتّي، ومات فِي رمضان.

560 - يوسف بن داود بن عيسى بن أبي بكر محمد بن أيوب، الشيخ الملك الأوحد نجم الدين أبو المحاسن ابن السلطان الملك الناصر صلاح الدين،

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

560 - يُوسُف بْن دَاوُد بْن عِيسَى بْن أبي بَكْر مُحَمَّد بْن أيّوب، الشَّيْخ الملك الأوحد نجم الدِّين أبو المحاسن ابن السّلطان الملك الناصر صلاح الدِّين، [المتوفى: 698 هـ]
صاحب الكَرَك.
وُلِدَ سنة ثمانٍ وعشرين وستّمائة بقلعة الكَرَك، وسمع من أبي المنجى بْن اللَّتّيّ وغيره، وكان شيخًا مهيبًا، جليلًا، رئيسًا، عاقلًا، من أُولي الفضل والدّيانة، وكان يحلق رأسه ويلبس بزيّ الرؤساء، روى عَنْهُ الدمياطيّ فِي " معجمه "، وسمع منه: البِرْزاليّ والمقاتليّ والطّلبة، وقرأت عليه " جزء أَبِي الجهم "، وكان فِيهِ إيثار وإحسان، أقام بدمشق وأقام بالقدس، وبه تُوُفّي فِي رابع ذي الحجّة، وشيّعه الخْلق، ودُفِن برباطه شماليّ مسجد بيت المقدس.

إبراهيم بن عبد الله بن محمد بن أيوب المخرمي

ميزان الاعتدال في نقد الرجال

روى عن القواريري، وسعيد الجهمي () وطبقتهما.
وقال فيه الإسماعيلي: صدوق، لكن قال الدارقطني: ليس بثقة.
حدث عن ثقات بأحاديث باطلة.
قلت: آخر من تأخر من أصحاب هذا أبو حفص بن الزيات، وساق الخطيب بطريقين عن المخرمي: حدثنا القواريري، حدثنا جعفر بن سليمان، عن مالك بن دينار، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: إن الله يوحى إلى الحفظة لا تكتبوا على الصوام بعد العصر سيئة.
قال الدارقطني: هذا باطل.
الحسين بن محمد بن عبيد () في خبر () عال سمعناه من طريق ابن برهان الغزال،
عنه، قال: حدثنا إبراهيم بن عبد الله، حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن رجاء، حدثنا مالك عن نافع، عن ابن عمر: أن عمر كتب إلى سعد: إذا أتاك كتابي فادع نضلة ابن معاوية وجهزه في ثلاثمائة وقل له: امض إلى حلوان، فأتاها فرزقه الله تعالى، وأصابوا متاعا كثيرا وأثاثا.
قال: وأرهقهم العصر، فألجئوا الغنيمة إلى سفح الجبل، فقام نضله فأذن.
فقال: الله أكبر، الله أكبر.
فأجابه مجيب من الجبل: كبرت كبيرا يا نضلة..الحديث.
مات أبو إسحاق المخرمي في سنة أربع وثلثمائة، وأبوه فصدوق يروى عن ابن عيينة.

محمد بن أيوب اليمامي

ميزان الاعتدال في نقد الرجال

عن أبي هريرة.
وعنه الأوزاعي، وعكرمة ابن عمار.
مجهول.
قلت: لا، ولكن يجهل، أسمع عن أبي هريرة أم لا.
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت