سير أعلام النبلاء
|
3432- أبو عثمان المَغْرِبِيّ 1:
الإِمَامُ القُدْوَةُ, شَيْخُ الصُّوْفِيَّةِ, أَبُو عُثْمَانَ سَعِيْدُ بنُ سلَّام المَغْرِبِيُّ القَيْرَوَانِيُّ, نزيلُ نَيْسَابُوْرَ. سَافرَ وحَجَّ وَجَاورَ مُدَّةً, وَلَقِيَ مشَايخَ مِصْرَ وَالشَّامِ, وَكَانَ لاَ يظهرُ أَيَّامَ الحَجِّ. قَالَ الحَاكِمُ: خَرجْتُ مِنْ مَكَّةَ متحسِّرًا عَلَى رُؤيَتِهِ, ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا لِمِحْنَةٍ، وقَدِمَ نَيْسَابُوْرَ, فَاعتزلَ النَّاسَ أَوَّلاً, ثُمَّ كَانَ يَحْضُرُ الجَامعَ. وَقَالَ السُّلَمِيُّ: كَانَ أَوحدَ المشَايِخِ فِي طَريقَتِهِ, لَمْ نَرَ مِثلَهُ فِي علوِّ الحَالِ، وَصَوْنِ الوَقْتِ, امتُحِنَ بِسببِ زُورٍ نُسِبَ إِلَيْهِ, حَتَّى ضُربَ وشُهِرَ عَلَى جملٍ, فَفَارقَ الحرمَ. وَقَالَ الخَطِيْبُ: وَكَانَ من كبار المشايخ, له أحوال وكرامات. قَالَ الحَاكِمُ: سَمِعْتُهُ يَقُوْلُ وَقَدْ سُئِل: الملاَئِكَةُ أَفضلُ أَمِ الأَنْبِيَاءُ؟ فَقَالَ: القُربَ القُربَ, هُمْ أَقربُ إِلَى الحَقِّ وَأَطهرُ. صَحِبَ أَبُو عُثْمَانَ بِالشَّامِ أَبَا الخَيْرِ التِّينَاتِيّ، وَلَقِيَ أَبَا يَعْقُوْبٍ النَّهْرَجُوري. قَالَ السُّلَمِيُّ: سَمِعْتُهُ يَقُوْلُ: لِيَكُنْ تدبُّرك فِي الخلقِ تَدَبُّرَ عِبْرَةٍ، وتدبُّرك فِي نَفْسِكَ تَدَبُّرَ مَوْعِظَةٍ, وَتَدَبُّرُكَ فِي القُرْآنِ تَدَبُّرَ حقيقَةٍ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: {{أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآن}} [النِّسَاء: 82] . جَرَّأَكَ بِهِ عَلَى تلاَوتِهِ, وَلَوْلاَ ذَلِكَ لَكَلَّتِ الأَلسُنُ, عَنْ تلاَوتِهِ. وَقَالَ: مَنْ أَعطَى الأَمَانِيَ نَفْسَهُ قطعَتْها بِالتَّسويفِ وَبَالتَّوَانِي. وسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ: عُلومُ الدَّقَائِقِ عُلومُ الشَّيَاطينِ، وَأَسلمُ الطُّرقِ مِنَ الاغترَارِ لزومُ الشَّريعَةِ. تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَلاَثٍ وَسَبْعِيْنَ وَثَلاَثِ مائة. __________ 1 ترجمته في تاريخ بغداد "9/ 112"، والمنتظم لابن الجوزي "7/ 122"، والعبر "2/ 365"، والنجوم الزاهرة لابن تغري بردي "4/ 144"، وشذرات الذهب لابن العماد الحنبلي "3/ 81". |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
98 - سعيد بن سَلام، أبو عثمان المغربي الصّوفي العارف، [المتوفى: 373 هـ]
نزيل نَيْسَابُور. مولده بالقَيْروَان، ولقي الشّيوخ بمصر والشام، وجاور بمكّة مدة، وكان لا يظهر في الموسم. قال الحاكم: وأنا ممّن خرج من مكّة متحسّرًا على رؤيته، ثم خرج منها لمحنةٍ لحقته، وقدم نَيْسَابُور، واعتزل النّاسَ أوّلًا، ثم كان يحضر الجامع، وسمعته يقول: وقد سُئل: الملائكة أفضل أم الأنبياء؟ فقال: القربَ القربَ هم أقرب إلى الحق وأطهر. صحِب أبو عثمان بالشّام أبا الخير الأقْطَع، ولقي أبا يعقوب النَّهْرجوري. قال السُّلمي: كان أوحد المشايخ في طريقه، ولم نر مثله في عُلُوّ الحال وصَوْن الوقت، امتُحِن بسبب زور نسب إليه حتى ضُرب وشُهُر على جملٍ، -[389]- وطافوا به، فحمله على مفارقة الحَرَم والخروج منه إلى نَيْسَابُور. وقال الخطيب: كان من كبار المشايخ، له أحوال مذكورة وكرامات مشهورة. قال غالب بن علي: دخلت عليه يوم موته، فقلت له: كيف تجد نفسك؟ قال: أجد مولّي كريمًا، إلّا أنّ القدوم عليه شديد. وقال السُّلَمي: سمعته يقول: تَدَبُّرْك في الخَلْق تدبُّر عبْرَةٍ، وتَدبُّرْك في نفسك تدبّر مَوْعظة، وتدبُّرْك في القرآن تدبُّر حقيقةٍ ومكاشفةٍ، قال الله تعالى: " أفلا يتدبرون القرآن " جرَّأك به على تلاوَة خِطابِهِ، ولولا ذاكَ لَكَلّت الألسُنُ عن تَلاوتِهِ. وقال: من أعطى نفسه الأماني قَطَعَها بالتَّسْوِيف والتواني. وله كلام جليل من هذا النّوع، وَتُوُفِّي في هذه السّنة. وقال السُّلَمي: سمعته يقول: علوم الدّقائق علوم الشّياطين. وأسلم الطُّرُق من الاغترار لزوم الشريعة. |