دستور العلماء للأحمد نكري
|
الِاسْتِنْجَاء: اسْتِعْمَال الْحجر أَو المَاء.
|
التعريفات الفقهيّة للبركتي
|
الاستنجاء: هو إزالة نجس عن سبيليه بنحو الماء، أو تقليلُه بنحو الحجر، وهو من النجو: وهو ما يخرج من البطن، أو من النجوة: وهي الارتفاع من الأرض، لأن الرجل كان إذا أراد قضاء الحاجة تستَّر بنجوة فقال ذهب ينجو قاله النسفي. الاستنشاق: تطهير الأنف بالماء وهو الاستنثار، والنَّثْرة: الفرجة بين الشاربين حِيال وَتَرَة الأنف وقيل: هي الخيشوم وما والاه.
|
الموسوعة الفقهية الكويتية
|
التَّعْرِيفُ:
1 - مِنْ مَعَانِي الاِسْتِنْجَاءِ: الْخَلاَصُ مِنَ الشَّيْءِ، يُقَال: اسْتَنْجَى حَاجَتَهُ مِنْهُ، أَيْ خَلَّصَهَا. وَالنَّجْوَةُ مَا ارْتَفَعَ مِنَ الأَْرْضِ فَلَمْ يُعْلِهَا السَّيْل، فَظَنَنْتَهَا نَجَاءَكَ. __________ ( x661 ;) حديث " أنه صلى الله عليه وسلم تمضمض. . . " أخرجه الأئمة الستة من حديث مالك عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه، قال شهدت عمرو بن أبي حسن سأل عبد الله بن زيد عن وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا بتور من ماء، فتوضأ لهم وضوء رسول الله صلى الله عليه وسل فأكفأ على يده من التور، فغسل يديه ثلاثا، ثم أدخل يديه في التور، فمضمض واستنشق واستنثر ثلاثا بثلاث غرفات. . . (نصب الراية 1 / 10 ط مطبعة دار أكامدن 1357 هـ) . (2) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص 39 ط العثمانية، والمجموع 1 / 357، والشرح الصغير 1 / 47 ط مصطفى الحلبي، والمغني 1 / 120، 121. وَأَنْجَيْتُ الشَّجَرَةَ وَاسْتَنْجَيْتُهَا: قَطَعْتُهَا مِنْ أَصْلِهَا. (1) وَمَأْخَذُ الاِسْتِنْجَاءِ فِي الطَّهَارَةِ، قَال شِمْرٌ: أَرَاهُ مِنْ الاِسْتِنْجَاءِ بِمَعْنَى الْقَطْعِ، لِقَطْعِهِ الْعَذِرَةَ بِالْمَاءِ، وَقَال ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَأْخُوذٌ مِنَ النَّجْوَةِ وَهِيَ مَا ارْتَفَعَ مِنَ الأَْرْضِ، لأَِنَّهُ إِذَا أَرَادَ قَضَاءَ الْحَاجَةِ اسْتَتَرَ بِهَا. (2) وَقَدِ اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ الْفُقَهَاءِ فِي تَعْرِيفِ الاِسْتِنْجَاءِ اصْطِلاَحًا، وَكُلُّهَا تَلْتَقِي عَلَى أَنَّ الاِسْتِنْجَاءَ إزَالَةُ مَا يَخْرُجُ مِنَ السَّبِيلَيْنِ، سَوَاءٌ بِالْغَسْل أَوِ الْمَسْحِ بِالْحِجَارَةِ وَنَحْوِهَا عَنْ مَوْضِعِ الْخُرُوجِ وَمَا قَرُبَ مِنْهُ. وَلَيْسَ غَسْل النَّجَاسَةِ عَنِ الْبَدَنِ أَوْ عَنِ الثَّوْبِ اسْتِنْجَاءً. (3) الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الاِسْتِطَابَةُ: 2 - الاِسْتِطَابَةُ هِيَ بِمَعْنَى الاِسْتِنْجَاءِ، تَشْمَل اسْتِعْمَال الْمَاءِ وَالْحِجَارَةِ. وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهَا خَاصَّةٌ بِاسْتِعْمَال الْمَاءِ، فَتَكُونُ حِينَئِذٍ أَخَصَّ مِنْ الاِسْتِنْجَاءِ. وَأَصْلُهَا مِنَ الطِّيبِ، لأَِنَّهَا تُطَيِّبُ الْمَحَل بِإِزَالَةِ مَا فِيهِ مِنَ الأَْذَى، وَلِذَا يُقَال فِيهَا أَيْضًا الإِْطَابَةُ (4) . ب - الاِسْتِجْمَارُ: 3 - الْجِمَارُ: الْحِجَارَةُ، جَمْعُ جَمْرَةٍ وَهِيَ الْحَصَاةُ. __________ (1) لسان العرب. (2) لسان العرب، والمغني 1 / 111 ط مكتبة القاهرة. (3) حاشية القليوبي 1 / 42. (4) المغني 1 / 111، والمجموع 2 / 73. وَمَعْنَى الاِسْتِجْمَارِ: اسْتِعْمَال الْحِجَارَةِ وَنَحْوِهَا فِي إزَالَةِ مَا عَلَى السَّبِيلَيْنِ مِنَ النَّجَاسَةِ (1) . ج - الاِسْتِبْرَاءُ: 4 - الاِسْتِبْرَاءُ لُغَةً: طَلَبُ الْبَرَاءَةِ، وَفِي الاِصْطِلاَحِ: طَلَبُ الْبَرَاءَةِ مِنَ الْخَارِجِ بِمَا تَعَارَفَهُ الإِْنْسَانُ مِنْ مَشْيٍ أَوْ تَنَحْنُحٍ أَوْ غَيْرِهِمَا إِلَى أَنْ تَنْقَطِعَ الْمَادَّةُ، فَهُوَ خَارِجٌ عَنْ مَاهِيَّةِ الاِسْتِنْجَاءِ، لأَِنَّهُ مُقَدِّمَةٌ لَهُ (2) . د - الاِسْتِنْقَاءُ: 5 - الاِسْتِنْقَاءُ: طَلَبُ النَّقَاوَةِ، وَهُوَ أَنْ يَدْلُكَ الْمَقْعَدَةَ بِالأَْحْجَارِ، أَوْ بِالأَْصَابِعِ حَالَةَ الاِسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ حَتَّى يُنَقِّيَهَا، فَهُوَ أَخَصُّ مِنْ الاِسْتِنْجَاءِ، وَمِثْلُهُ الإِْنْقَاءُ. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: هُوَ أَنْ تَذْهَبَ لُزُوجَةُ النَّجَاسَةِ وَآثَارُهَا. (3) حُكْمُ الاِسْتِنْجَاءِ: 6 - فِي حُكْمِ الاِسْتِنْجَاءِ - مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ - رَأْيَانِ لِلْفُقَهَاءِ: الأَْوَّل: أَنَّهُ وَاجِبٌ إِذَا وُجِدَ سَبَبُهُ، وَهُوَ الْخَارِجُ، وَهُوَ قَوْل الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْغَائِطِ فَلْيَذْهَبْ مَعَهُ بِثَلاَثَةِ أَحْجَارٍ، يَسْتَطِيبُ بِهِنَّ، فَإِنَّهَا تُجْزِي عَنْهُ (4) وَقَوْلِهِ: لاَ يَسْتَنْجِي __________ (1) رد المحتار 1 / 230، وحاشية الدسوقي 1 / 110. (2) ابن عابدين 1 / 229. (3) المغني 1 / 119. (4) حديث " إذا ذهب أحدكم إلى الغائط. . . " رواه أبو داود والنسائي عن عائشة (سنن أبي داود 1 / 41 بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد ط مطبعة السعادة بمصر 1369 هـ، وسنن النسائي 1 / 38 بشرح السيوطي ط البابي الحلبي الأولى 1383 هـ) . أَحَدُكُمْ بِدُونِ ثَلاَثَةِ أَحْجَارٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ (1) وَفِي لَفْظٍ لَهُ: لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِدُونِ ثَلاَثَةِ أَحْجَارٍ، (2) قَالُوا: وَالْحَدِيثُ الأَْوَّل أَمْرٌ، وَالأَْمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ. وَقَال: فَإِنَّهَا تُجْزِي عَنْهُ وَالإِْجْزَاءُ إِنَّمَا يُسْتَعْمَل فِي الْوَاجِبِ، وَنَهَى عَنْ الاِقْتِصَارِ عَلَى أَقَل مِنْ ثَلاَثَةٍ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ، وَإِذَا حَرَّمَ تَرْكَ بَعْضِ النَّجَاسَةِ فَجَمِيعُهَا أَوْلَى (3) . 7 - الرَّأْيُ الثَّانِي: أَنَّهُ مَسْنُونٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ. وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ، وَرِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ. فَفِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي: الاِسْتِنْجَاءُ مُطْلَقًا سُنَّةٌ لاَ عَلَى سَبِيل التَّعْيِينِ مِنْ كَوْنِهِ بِالْحَجَرِ أَوْ بِالْمَاءِ، وَهُوَ قَوْل الْمُزَنِيِّ (4) مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وَنَقَل صَاحِبُ الْمُغْنِي مِنْ قَوْل ابْنِ سِيرِينَ فِيمَنْ صَلَّى بِقَوْمٍ وَلَمْ يَسْتَنْجِ، قَال: لاَ أَعْلَمُ بِهِ بَأْسًا. قَال الْمُوَفَّقُ: يُحْتَمَل أَنَّهُ لَمْ يَرَ وُجُوبَ الاِسْتِنْجَاءِ. وَاحْتَجَّ الْحَنَفِيَّةُ بِمَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ مِنْ قَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، مَنْ فَعَل فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لاَ فَلاَ حَرَجَ (5) قَال فِي مَجْمَعِ الأَْنْهُرِ: __________ (1) حديث " لا يستنجي أحدكم بدون. . . " رواه مسلم عن سلمان الفارسي (صحيح مسلم 1 / 224 بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ط البابي الحلبي) . (2) حديث " لقد نهانا أن نستنجي بدون. . . " رواه مسلم من حديث سلمان الفارسي - مطولا - وفيه: " أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار " (صحيح مسلم 1 / 223 بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ط البابي الحلبي الأولى 1374 هـ - 1955 م) . (3) المغني 1 / 112، وحاشية الدسوقي 1 / 111، ونهاية المحتاج وحواشيه 1 / 128، 129. (4) حاشية القليوبي 1 / 42، والذخيرة 1 / 35. (5) حديث " من استنجى فليوتر، من فعل فقد أحسن. . . " أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن حبان والبيهقي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا. قال الشوكاني: ومداره على أبي سعيد الحبراني الحمصي وفيه اختلاف: قيل إنه صحابي، قال الحافظ: ولا يصح، والراوي عنه حصين الحبراني وهو مجهول. وقال أبو زرعة: شيخ. وذكره ابن حبان في الثقات، وذكر الدارقطني (نيل الأوطار 1 / 116، 117 ط دار الجيل، والمستدرك 1 / 158 نشر دار الكتاب العربي) . لأَِنَّهُ لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمَا انْتَفَى الْحَرَجُ عَنْ تَارِكِهِ. (1) وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنَّهُ نَجَاسَةٌ قَلِيلَةٌ، وَالنَّجَاسَةُ الْقَلِيلَةُ عَفْوٌ. (2) وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ لِلْحَنَفِيَّةِ: الاِسْتِنْجَاءُ خَمْسَةُ أَنْوَاعٍ. أَرْبَعَةٌ فَرِيضَةٌ: مِنَ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَالْجَنَابَةِ، وَإِذَا تَجَاوَزَتِ النَّجَاسَةُ مَخْرَجَهَا. وَوَاحِدٌ سُنَّةٌ، وَهُوَ مَا إِذَا كَانَتِ النَّجَاسَةُ قَدْرَ الْمَخْرَجِ. وَقَدْ رَفَضَ ابْنُ نُجَيْمٍ هَذَا التَّقْسِيمَ، وَقَرَّرَ أَنَّ الثَّلاَثَةَ هِيَ مِنْ بَابِ إِزَالَةِ الْحَدَثِ، وَالرَّابِعُ مِنْ بَابِ إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ الْعَيْنِيَّةِ عَنِ الْبَدَنِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الاِسْتِنْجَاءِ، فَلَمْ يَبْقَ إِلاَّ الْقِسْمُ الْمَسْنُونُ. وَأَقَرَّ ابْنُ عَابِدِينَ التَّقْرِيرَ. (3) وَقَال الْقَرَافِيُّ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ أَنَّ مَنْ تَرَكَ الاِسْتِنْجَاءَ وَصَلَّى بِالنَّجَاسَةِ أَعَادَ، قَال: وَلِمَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْعُتْبِيَّةِ: لاَ إِعَادَةَ عَلَيْهِ، ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيثَ الْمُتَقَدِّمَ: مَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، مَنْ فَعَل فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لاَ فَلاَ حَرَجَ وَقَال: الْوِتْرُ يَتَنَاوَل الْمَرَّةَ الْوَاحِدَةَ، فَإِذَا __________ (1) مجمع الأنهر 1 / 65 ط عثمانية. (2) البحر الرائق 1 / 253، وفتح القدير 1 / 48. (3) البحر الرائق وحاشية ابن عابدين عليه 1 / 252. نَفَاهَا لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ، وَلأَِنَّهُ مَحَلٌّ تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى فَيُعْفَى عَنْهُ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ عِنْدَ مَالِكٍ قَوْلاً بِعَدَمِ الْوُجُوبِ. (1) ثُمَّ هُوَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ لِمُوَاظَبَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَبَنَى ابْنُ عَابِدِينَ عَلَى ذَلِكَ كَرَاهَةَ تَرْكِهِ، وَنَقَلَهُ أَيْضًا عَنِ الْبَدَائِعِ. وَنَقَل عَنِ الْخُلاَصَةِ وَالْحِلْيَةِ نَفْيَ الْكَرَاهَةِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ لاَ سُنَّةٌ، بِخِلاَفِ النَّجَاسَةِ الْمَعْفُوِّ عَنْهَا فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْحَدَثِ فَتَرْكُهَا يُكْرَهُ. (2) وَقْتُ وُجُوبِ الاِسْتِنْجَاءِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِوُجُوبِهِ: 8 - إِنَّ وُجُوبَ الاِسْتِنْجَاءِ إِنَّمَا هُوَ لِصِحَّةِ الصَّلاَةِ. وَلِذَا قَال الشَّبْرَامَلُّسِيِّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: لاَ يَجِبُ الاِسْتِنْجَاءُ عَلَى الْفَوْرِ، بَل عِنْدَ الْقِيَامِ إِلَى الصَّلاَةِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا، بِأَنْ دَخَل وَقْتُ الصَّلاَةِ وَإِنْ لَمْ يُرِدْ فِعْلَهَا فِي أَوَّلِهِ. فَإِذَا دَخَل وَقْتُ الصَّلاَةِ وَجَبَ وُجُوبًا مُوَسَّعًا بِسَعَةِ الْوَقْتِ، وَمُضَيَّقًا بِضِيقِهِ. ثُمَّ قَال: نَعَمْ، إِنْ قَضَى حَاجَتَهُ فِي الْوَقْتِ، وَعَلِمَ أَنَّهُ لاَ يَجِدُ الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ، وَجَبَ اسْتِعْمَال الْحَجَرِ فَوْرًا. (3) عَلاَقَةُ الاِسْتِنْجَاءِ بِالْوُضُوءِ، وَالتَّرْتِيبُ بَيْنَهُمَا: 9 - الاِسْتِنْجَاءُ مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ قَبْلَهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالرِّوَايَةُ الْمُعْتَمَدَةُ لِلْحَنَابِلَةِ، فَلَوْ أَخَّرَهُ عَنْهُ جَازَ وَفَاتَتْهُ السُّنِّيَّةُ، لأَِنَّهُ إِزَالَةُ نَجَاسَةٍ، فَلَمْ تُشْتَرَطْ لِصِحَّةِ الطَّهَارَةِ، كَمَا لَوْ كَانَتْ عَلَى غَيْرِ الْفَرْجِ. __________ (1) الذخيرة 1 / 205. (2) رد المحتار 1 / 224، والبحر الرائق 1 / 253. (3) حاشية الشبراملسي على نهاية المحتاج 1 / 128 - 129. وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ لاَ يُعَدُّ مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ، وَإِنِ اسْتَحَبُّوا تَقْدِيمَهُ عَلَيْهِ. أَمَّا الرِّوَايَةُ الأُْخْرَى عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: فَالاِسْتِنْجَاءُ قَبْل الْوُضُوءِ - إِذَا وُجِدَ سَبَبُهُ - شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلاَةِ. فَلَوْ تَوَضَّأَ قَبْل الاِسْتِنْجَاءِ لَمْ يَصِحَّ، وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ اقْتَصَرَ صَاحِبُ كَشَّافِ الْقِنَاعِ. قَال الشَّافِعِيَّةُ: وَهَذَا فِي حَقِّ السَّلِيمِ، أَمَّا فِي حَقِّ صَاحِبِ الضَّرُورَةِ - يَعْنُونَ صَاحِبَ السَّلَسِ وَنَحْوِهِ - فَيَجِبُ تَقْدِيمُ الاِسْتِنْجَاءِ عَلَى الْوُضُوءِ. وَعَلَى هَذَا، فَإِذَا تَوَضَّأَ السَّلِيمُ قَبْل الاِسْتِنْجَاءِ، يَسْتَجْمِرُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالأَْحْجَارِ، أَوْ يَغْسِلُهُ بِحَائِلٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ، وَلاَ يَمَسُّ الْفَرْجَ. (1) وَقَوَاعِدُ الْمَذَاهِبِ الأُْخْرَى لاَ تَأْبَى ذَلِكَ التَّفْصِيل. عَلاَقَةُ الاِسْتِنْجَاءِ بِالتَّيَمُّمِ، وَالتَّرْتِيبُ بَيْنَهُمَا: 10 - لِلْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ اتِّجَاهَانِ: الاِتِّجَاهُ الأَْوَّل: أَنَّهُ يَجِبُ تَقْدِيمُ الاِسْتِجْمَارِ عَلَى التَّيَمُّمِ، وَهَذَا رَأْيُ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ أَحَدُ احْتِمَالَيْنِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَقَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. وَعَلَّل الْقَرَافِيُّ ذَلِكَ بِأَنَّ التَّيَمُّمَ لاَ بُدَّ أَنْ يَتَّصِل بِالصَّلاَةِ، فَإِذَا تَيَمَّمَ ثُمَّ اسْتَنْجَى فَقَدْ فَرَّقَهُ بِإِزَالَةِ النَّجْوِ. وَعَلَّل الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى ذَلِكَ بِأَنَّ التَّيَمُّمَ لاَ يَرْفَعُ الْحَدَثَ، وَإِنَّمَا تُسْتَبَاحُ بِهِ الصَّلاَةُ، وَمَنْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ يُمْكِنُهُ إِزَالَتُهَا لاَ تُبَاحُ لَهُ الصَّلاَةُ، فَلَمْ تَصِحَّ نِيَّةُ الاِسْتِبَاحَةِ، كَمَا لَوْ تَيَمَّمَ قَبْل الْوَقْتِ. وَالاِتِّجَاهُ الثَّانِي: أَنَّ التَّرْتِيبَ هُنَا لاَ يَجِبُ، وَهُوَ __________ (1) تحفة الفقهاء 1 / 13، ونهاية المحتاج 1 / 115، 129، والخرشي 1 / 141، والمغني 1 / 82، وكشاف القناع 1 / 60. الاِحْتِمَال الثَّانِي عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَالْقَوْل الآْخَرُ لِلْحَنَابِلَةِ. قَال الْقَرَافِيُّ: كَمَا لَوْ تَيَمَّمَ ثُمَّ وَطِئَ نَعْلَهُ عَلَى رَوْثٍ، فَإِنَّهُ يَمْسَحُهُ وَيُصَلِّي. وَقَال الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: لأَِنَّهُ طَهَارَةٌ فَأَشْبَهَتِ الْوُضُوءَ، وَالْمَنْعُ مِنَ الإِْبَاحَةِ لِمَانِعٍ آخَرَ لاَ يَقْدَحُ فِي صِحَّةِ التَّيَمُّمِ، كَمَا لَوْ تَيَمَّمَ فِي مَوْضِعٍ نُهِيَ عَنِ الصَّلاَةِ فِيهِ، أَوْ تَيَمَّمَ وَعَلَى ثَوْبِهِ نَجَاسَةٌ. وَقِيل عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: لاَ يَصِحُّ تَأْخِيرُهُ عَنِ التَّيَمُّمِ قَوْلاً وَاحِدًا. (1) حُكْمُ اسْتِنْجَاءِ مَنْ بِهِ حَدَثٌ دَائِمٌ: 11 - مَنْ كَانَ بِهِ حَدَثٌ دَائِمٌ، كَمَنْ بِهِ سَلَسُ بَوْلٍ وَنَحْوِهِ، يُخَفَّفُ فِي شَأْنِهِ حُكْمُ الاِسْتِنْجَاءِ، كَمَا يُخَفَّفُ حُكْمُ الْوُضُوءِ. فَفِي قَوْل الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: يَسْتَنْجِي وَيَتَحَفَّظُ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ لِكُل صَلاَةٍ بَعْدَ دُخُول الْوَقْتِ. فَإِذَا فَعَل ذَلِكَ وَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ لَمْ يَلْزَمْهُ إِعَادَةُ الاِسْتِنْجَاءِ وَالْوُضُوءِ بِسَبَبِ السَّلَسِ وَنَحْوِهِ، مَا لَمْ يَخْرُجِ الْوَقْتُ عَلَى مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الْحَنَابِلَةِ. أَوْ إِلَى أَنْ يَدْخُل وَقْتُ الصَّلاَةِ الأُْخْرَى عَلَى الْمُعْتَمَدِ مِنْ قَوْلَيِ الْحَنَابِلَةِ. (2) وَأَمَّا عَلَى قَوْل الْمَالِكِيَّةِ: فَلاَ يَلْزَمُ مَنْ بِهِ السَّلَسُ التَّوَضُّؤُ مِنْهُ لِكُل صَلاَةٍ، بَل يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ مَا لَمْ يَشُقَّ، فَعِنْدَهُمْ أَنَّ مَا يَخْرُجُ مِنَ الْحَدَثِ إِذَا كَانَ مُسْتَنْكِحًا - أَيْ كَثِيرًا يُلاَزِمُ كُل الزَّمَنِ أَوْ جُلَّهُ، بِأَنْ __________ (1) المغني 1 / 82، والذخيرة 1 / 205. (2) الاختيار 1 / 29، ونهاية المحتاج وحواشيه 1 / 315 - 320، وكشاف القناع 1 / 196. يَأْتِيَ كُل يَوْمٍ مَرَّةً فَأَكْثَرَ - فَإِنَّهُ يُعْفَى عَنْهُ، وَلاَ يَلْزَمُهُ غَسْل مَا أَصَابَ مِنْهُ وَلاَ يُسَنُّ، وَإِنْ نَقَضَ الْوُضُوءَ وَأَبْطَل الصَّلاَةَ فِي بَعْضِ الأَْحْوَال، وَسَوَاءٌ أَكَانَ غَائِطًا، أَمْ بَوْلاً، أَمْ مَذْيًا، أَمْ غَيْرَ ذَلِكَ. (1) مَا يُسْتَنْجَى مِنْهُ: 12 - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ مِنَ السَّبِيلَيْنِ الْمُعْتَادَ النَّجِسَ الْمُلَوِّثَ يُسْتَنْجَى مِنْهُ حَسْبَمَا تَقَدَّمَ. أَمَّا مَا عَدَاهُ فَفِيهِ خِلاَفٌ، (2) وَتَفْصِيلٌ بَيَانُهُ فِيمَا يَلِي: الْخَارِجُ غَيْرُ الْمُعْتَادِ: 13 - الْخَارِجُ غَيْرُ الْمُعْتَادِ كَالْحَصَى وَالدُّودِ وَالشَّعْرِ، لاَ يُسْتَنْجَى مِنْهُ إِذَا خَرَجَ جَافًّا، طَاهِرًا كَانَ أَوْ نَجِسًا. أَمَّا إِذَا كَانَ بِهِ بِلَّةٌ وَلَوَّثَ الْمَحَل فَيُسْتَنْجَى مِنْهَا، فَإِنْ لَمْ يُلَوِّثِ الْمَحَل فَلاَ يُسْتَنْجَى مِنْهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ الْقَوْل الْمُقَدَّمُ عِنْدَ كُلٍّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَالْقَوْل الآْخَرُ عِنْدَ كُلٍّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: يُسْتَنْجَى مِنْ كُل مَا خَرَجَ مِنَ السَّبِيلَيْنِ غَيْرِ الرِّيحِ. (3) الدَّمُ وَالْقَيْحُ وَشَبَهُهُمَا مِنْ غَيْرِ الْمُعْتَادِ: 14 - إنْ خَرَجَ الدَّمُ أَوِ الْقَيْحُ مِنْ أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ فَفِيهِ قَوْلاَنِ لِلْفُقَهَاءِ: __________ (1) حاشية الدسوقي 1 / 71، 111، والفواكه الدواني 1 / 133. (2) مراقي الفلاح بحاشية الطحطاوي ص 24 - 25، والذخيرة 1 / 200، والمغني 1 / 111، وكشاف القناع 1 / 60. (3) رد المحتار 1 / 223، وحاشية الدسوقي 1 / 113، ونهاية المحتاج 1 / 138، والمغني 1 / 111، وكشاف القناع 1 / 60. الأَْوَّل: أَنَّهُ لاَ بُدَّ مِنْ غَسْلِهِ كَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ، وَلاَ يَكْفِي فِيهِ الاِسْتِجْمَارُ. وَهَذَا قَوْلٌ عِنْدَ كُلٍّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، لأَِنَّ الأَْصْل فِي النَّجَاسَةِ الْغَسْل، وَتَرْكُ ذَلِكَ فِي الْبَوْل وَالْغَائِطِ لِلضَّرُورَةِ، وَلاَ ضَرُورَةَ هُنَا، لِنُدْرَةِ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْخَارِجِ. وَاحْتَجَّ أَصْحَابُ هَذَا الْقَوْل أَيْضًا بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِغَسْل الذَّكَرِ مِنَ الْمَذْيِ (1) وَالأَْمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ. قَال ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: اسْتَدَلُّوا بِأَنَّ الآْثَارَ كُلَّهَا عَلَى اخْتِلاَفِ أَلْفَاظِهَا وَأَسَانِيدِهَا لَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ الاِسْتِجْمَارِ، إِنَّمَا هُوَ الْغَسْل. كَالأَْمْرِ بِالْغَسْل مِنَ الْمَذْيِ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ. وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنَّهُ يُجْزِئُ فِيهِ الاِسْتِجْمَارُ، وَهُوَ رَأْيُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَقَوْلٌ لِكُلٍّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَهَذَا إنْ لَمْ يَخْتَلِطْ بِبَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ. وَحُجَّةُ هَذَا الْقَوْل، أَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَشُقَّ فِيهِ الْغَسْل لِعَدَمِ تَكَرُّرِهِ، فَهُوَ مَظِنَّةُ الْمَشَقَّةِ. وَأَمَّا الْمَذْيُ فَمُعْتَادٌ كَثِيرٌ، وَيَجِبُ غَسْل الذَّكَرِ مِنْهُ تَعَبُّدًا، وَقِيل: لاَ يَجِبُ. (2) مَا خَرَجَ مِنْ مَخْرَجٍ بَدِيلٍ عَنِ السَّبِيلَيْنِ: 15 - إِذَا انْفَتَحَ مَخْرَجٌ لِلْحَدَثِ، وَصَارَ مُعْتَادًا، اسْتَجْمَرَ مِنْهُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَلاَ يَلْحَقُ بِالْجَسَدِ، لأَِنَّهُ أَصْبَحَ مُعْتَادًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَلِكَ الشَّخْصِ الْمُعَيَّنِ. __________ (1) حديث: " إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بغسل الذكر. . . . " أخرجه البخاري ومسلم عن علي رضي الله عنه (فتح الباري 1 / 379 ط السلفية، وصحيح مسلم بتحقيق محمد عبد الباقي 1 / 247 ط عيسى الحلبي) . (2) فتح القدير 1 / 150، والبحر الرائق 1 / 253، والذخيرة 1 / 200، والقليوبي 1 / 43. وشرح منظومة المعفوات للشرنبلالي ص 25 ط دمشق، والمغني 1 / 114. وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: إِذَا انْسَدَّ الْمَخْرَجُ الْمُعْتَادُ وَانْفَتَحَ آخَرُ، لَمْ يُجْزِئْهُ الاِسْتِجْمَارُ فِيهِ، وَلاَ بُدَّ مِنْ غَسْلِهِ، لأَِنَّهُ غَيْرُ السَّبِيل الْمُعْتَادِ. وَفِي قَوْلٍ لَهُمْ: يُجْزِئُ. وَلَمْ يُعْثَرْ عَلَى قَوْل الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. (1) الْمَذْيُ: 16 - الْمَذْيُ نَجِسٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، فَهُوَ مِمَّا يُسْتَنْجَى مِنْهُ كَغَيْرِهِ، بِالْمَاءِ أَوْ بِالأَْحْجَارِ. وَيُجْزِئُ الاِسْتِجْمَارُ أَوْ الاِسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ مِنْهُ. وَكَذَلِكَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِي قَوْلٍ هُوَ خِلاَفُ الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ، وَهُوَ الأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَرِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. أَمَّا فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهِيَ الرِّوَايَةُ الأُْخْرَى عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، فَيَتَعَيَّنُ فِيهِ الْمَاءُ وَلاَ يُجْزِئُ الْحَجَرُ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: كُنْت رَجُلاً مَذَّاءً، فَاسْتَحْيَتْ أَنْ أَسْأَل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَكَانِ ابْنَتِهِ، فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ بْنَ الأَْسْوَدِ فَسَأَلَهُ، فَقَال: يَغْسِل ذَكَرَهُ وَأُنْثَيَيْهِ وَيَتَوَضَّأُ. وَفِي لَفْظٍ يَغْسِل ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ. (2) وَإِنَّمَا يَتَعَيَّنُ فِيهِ الْغُسْل عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إِذَا خَرَجَ بِلَذَّةٍ مُعْتَادَةٍ، أَمَّا إِنْ خَرَجَ بِلاَ لَذَّةٍ أَصْلاً فَإِنَّهُ يَكْفِي فِيهِ الْحَجَرُ، مَا لَمْ يَكُنْ يَأْتِي كُل يَوْمٍ عَلَى وَجْهِ السَّلَسِ، فَلاَ يُطْلَبُ فِي إِزَالَتِهِ مَاءٌ وَلاَ حَجَرٌ، بَل يُعْفَى عَنْهُ. (3) __________ (1) الذخيرة 1 / 203، والمغني 1 / 118. (2) حديث علي رضي الله عنه: " كنت رجلا مذاء " رواه البخاري ومسلم وأبو داود والبيهقي، وتفرد أبو داود بلفظ " وأنثييه " (فتح الباري 1 / 379 ط السلفية، وصحيح مسلم 1 / 247 بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، وسنن أبي داود 1 / 142 ط السعادة، وسنن البيهقي 1 / 115 ط دار المعرفة) . (3) الطحطاوي على الدر 1 / 164، والذخيرة للقرافي 1 / 200. الْوَدْيُ: 17 - الْوَدْيُ خَارِجٌ نَجِسٌ، وَيَجْزِي فِيهِ الاِسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ أَوْ بِالأَْحْجَارِ عِنْدَ فُقَهَاءِ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ. (1) الرِّيحُ: 18 - لاَ اسْتِنْجَاءَ مِنَ الرِّيحِ. صَرَّحَ بِذَلِكَ فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ. فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: هُوَ بِدْعَةٌ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ عِنْدَهُمْ مُحَرَّمٌ، وَمِثْلُهُ مَا قَالَهُ الْقَلْيُوبِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، بَل يَحْرُمُ، لأَِنَّهُ عِبَادَةٌ فَاسِدَةٌ. وَيُكْرَهُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ. قَال الدُّسُوقِيُّ: لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَيْسَ مِنَّا مَنِ اسْتَنْجَى مِنْ رِيحٍ (2) وَالنَّهْيُ لِلْكَرَاهَةِ. وَقَال صَاحِبُ نِهَايَةِ الْمُحْتَاجِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: لاَ يَجِبُ وَلاَ يُسْتَحَبُّ الاِسْتِنْجَاءُ مِنَ الرِّيحِ وَلَوْ كَانَ الْمَحَل رَطْبًا. وَقَال ابْنُ حَجَرٍ الْمَكِّيُّ: يُكْرَهُ مِنَ الرِّيحِ إِلاَّ إِنْ خَرَجَتْ وَالْمَحَل رَطْبٌ. وَاَلَّذِي عَبَّرَ بِهِ الْحَنَابِلَةُ: أَنَّهُ لاَ يَجِبُ مِنْهَا، وَمُقْتَضَى اسْتِدْلاَلِهِمُ الآْتِي الْكَرَاهَةُ عَلَى الأَْقَل. قَال صَاحِبُ الْمُغْنِي: لِلْحَدِيثِ مَنِ اسْتَنْجَى مِنْ رِيحٍ فَلَيْسَ مِنَّا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الصَّغِيرِ. وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي قَوْله تَعَالَى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى __________ (1) حاشية الطحطاوي على الدر 1 / 164، وحاشية القليوبي 1 / 43. (2) حديث " ليس منا من استنجى من ريح، أخرجه ابن عساكر في تاريخه من حديث جابر بن عبد الله بلفظ " من استنجى من الريح فليس منا " وفيه شرفي بن قطامي. قال في الميزان: له نحو عشرة أحاديث فيها مناكير وساق هذا منها. وقال الساجي: شرفي ضعيف. وفي اللسان عن النديم: (فيض القدير 6 / 6 ط المكتبة التجارية 1357 هـ) . الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} . الآْيَةَ (1) إِذَا قُمْتُمْ مِنَ النَّوْمِ. وَلَمْ يَأْمُرْ بِغَيْرِهِ، يَعْنِي فَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لأََمَرَ بِهِ، لأَِنَّ النَّوْمَ مَظِنَّةُ خُرُوجِ الرِّيحِ، فَدَل عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجِبُ، وَلأَِنَّ الْوُجُوبَ مِنَ الشَّرْعِ، وَلَمْ يَرِدْ بِالاِسْتِنْجَاءِ هَاهُنَا نَصٌّ، وَلاَ هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، لأَِنَّ الاِسْتِنْجَاءَ شُرِعَ لإِِزَالَةِ النَّجَاسَةِ، وَلاَ نَجَاسَةَ هَاهُنَا. (2) الاِسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ: 19 - يُسْتَحَبُّ بِاتِّفَاقِ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ الاِسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ. وَقَدْ وَرَدَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ إنْكَارُ الاِسْتِنْجَاءِ بِهِ، وَلَعَل ذَلِكَ لأَِنَّهُ مَطْعُومٌ. وَالْحُجَّةُ لإِِجْزَاءِ اسْتِعْمَال الْمَاءِ مَا رَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَال: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْخُل الْخَلاَءَ، فَأَحْمِل أَنَا وَغُلاَمٌ نَحْوِي إِدَاوَةً مِنْ مَاءٍ وَعَنَزَةً، فَيَسْتَنْجِيَ بِالْمَاءِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (3) وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: مُرْنَ أَزْوَاجَكُنَّ أَنْ يَسْتَطِيبُوا بِالْمَاءِ فَإِنِّي أَسْتَحْيِيهِمْ، وَإِنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْعَلُهُ. (4) __________ (1) سورة المائدة / 6 (2) البحر الرائق 1 / 252، وحاشية الدسوقي 1 / 113، ونهاية المحتاج 1 / 138، وحاشية القليوبي 1 / 42، والمغني 1 / 111. (3) حديث: " كان النبي صلى الله عليه وسلم يدخل الخلاء. . . " رواه البخاري ومسلم واللفظ له (فتح الباري 1 / 252 ط السلفية، وصحيح مسلم 1 / 227 بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ط البابي الحلبي) . (4) حديث " مرن أزواجكن أن يستطيبوا بالماء. . . " رواه الترمذي عن عائشة رضي الله عنها واللفظ له، وقال: حديث حسن صحيح. ورواه النسائي وأحمد في مسنده (سنن الترمذي 1 / 30 بتحقيق أحمد شاكر ط البابي الحلبي، وسنن النسائي 1 / 42 - 43 بشرح السيوطي وبحاشية السندي ط الأولى 1348 هـ المطبعة المصرية بالأزهر، والفتح الرباني 1 / 285 ط مطبعة الإخوان المسلمين) . وَقَدْ حَمَل الْمَالِكِيَّةُ مَا وَرَدَ عَنِ السَّلَفِ مِنْ إِنْكَارِ اسْتِعْمَال الْمَاءِ بِأَنَّهُ فِي حَقِّ مَنْ أَوْجَبَ اسْتِعْمَال الْمَاءِ. وَحَمَل صَاحِبُ كِفَايَةِ الطَّالِبِ مَا وَرَدَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ مِنْ قَوْلِهِ: وَهَل يَفْعَل ذَلِكَ إِلاَّ النِّسَاءُ؟ عَلَى أَنَّهُ مِنْ وَاجِبِهِنَّ. (1) الاِسْتِنْجَاءُ بِغَيْرِ الْمَاءِ مِنَ الْمَائِعَاتِ: 20 - لاَ يُجْزِئُ الاِسْتِنْجَاءُ بِغَيْرِ الْمَاءِ مِنَ الْمَائِعَاتِ عَلَى قَوْل الْجُمْهُورِ: الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ تُعَدُّ ضَعِيفَةً فِي الْمَذْهَبِ. قَال الْمَالِكِيَّةُ: بَل يَحْرُمُ الاِسْتِنْجَاءُ بِمَائِعٍ غَيْرِ الْمَاءِ لِنَشْرِهِ النَّجَاسَةَ. وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ إِلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَتِمَّ الاِسْتِنْجَاءُ - كَمَا فِي إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ - بِكُل مَائِعٍ طَاهِرٍ مُزِيلٍ، كَالْخَل وَمَاءِ الْوَرْدِ، دُونَ مَا لاَ يُزِيل كَالزَّيْتِ، لأَِنَّ الْمَقْصُودَ قَدْ تَحَقَّقَ، وَهُوَ إِزَالَةُ النَّجَاسَةِ. ثُمَّ قَدْ قَال ابْنُ عَابِدِينَ: يُكْرَهُ الاِسْتِنْجَاءُ بِمَائِعٍ غَيْرِ الْمَاءِ، لِمَا فِيهِ مِنْ إِضَاعَةِ الْمَال بِلاَ ضَرُورَةٍ. (2) أَفْضَلِيَّةُ الْغَسْل بِالْمَاءِ عَلَى الاِسْتِجْمَارِ: 21 - إِنَّ غَسْل الْمَحَل بِالْمَاءِ أَفْضَل مِنْ الاِسْتِجْمَارِ، لأَِنَّهُ أَبْلَغُ فِي الإِْنْقَاءِ، وَلإِِزَالَتِهِ عَيْنَ النَّجَاسَةِ وَأَثَرَهَا. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ: الأَْحْجَارُ أَفْضَل، ذَكَرَهَا __________ (1) المغني 1 / 112، والذخيرة 1 / 201، وكفاية الطالب 1 / 142، والمجموع 2 / 101. (2) البحر الرائق 1 / 254، وحاشية الدسوقي 1 / 113، والمجموع 1 / 115. صَاحِبُ الْفُرُوعِ. وَإِذَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِأَنِ اسْتَجْمَرَ ثُمَّ غَسَل كَانَ أَفْضَل مِنَ الْكُل بِالاِتِّفَاقِ. وَبَيَّنَ النَّوَوِيُّ وَجْهَ الأَْفْضَلِيَّةِ بِقَوْلِهِ: تَقْدِيمُ الأَْحْجَارِ لِتَقِل مُبَاشَرَةُ النَّجَاسَةِ وَاسْتِعْمَال الْمَاءِ، فَلَوِ اسْتَعْمَل الْمَاءَ أَوَّلاً لَمْ يَسْتَعْمِل الْحِجَارَةَ بَعْدَهُ، لأَِنَّهُ لاَ فَائِدَةَ فِيهِ. وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ التَّرْتِيبُ بِتَقْدِيمِ الاِسْتِجْمَارِ عَلَى الْغَسْل مُسْتَحَبٌّ، وَإِنْ قَدَّمَ الْمَاءَ وَأَتْبَعَهُ الْحِجَارَةَ كُرِهَ، لِقَوْل عَائِشَةَ: مُرْنَ أَزْوَاجَكُنَّ أَنْ يُتْبِعُوا الْحِجَارَةَ الْمَاءَ فَإِنِّي أَسْتَحْيِيهِمْ، وَإِنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْعَلُهُ. (1) وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ قِيل: الْغَسْل بِالْمَاءِ سُنَّةٌ، وَقِيل: الْجَمْعُ سُنَّةٌ فِي زَمَانِنَا. وَقِيل: سُنَّةٌ عَلَى الإِْطْلاَقِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي الْبَحْرِ الرَّائِقِ. هَذَا وَقَدِ احْتَجَّ الْخَرَشِيُّ وَغَيْرُهُ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَاءِ وَالْحَجَرِ بِأَنَّ أَهْل قُبَاءَ كَانُوا يَجْمَعُونَ بَيْنَهُمَا، فَمَدَحَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} (2) وَحَقَّقَ النَّوَوِيُّ أَنَّ الرِّوَايَةَ الصَّحِيحَةَ فِي ذَلِكَ لَيْسَ فِيهَا أَنَّهُمْ كَانُوا يَجْمَعُونَ بَيْنَهُمَا، وَإِنَّمَا فِيهَا أَنَّهُمْ يَسْتَنْجُونَ بِالْمَاءِ. (3) مَا يُسْتَجْمَرُ بِهِ: 22 - الاِسْتِجْمَارُ يَكُونُ بِكُل جَامِدٍ إلاَّ مَا مُنِعَ مِنْهُ وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ، وَهَذَا قَوْل جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، وَمِنْهُمْ __________ (1) حديث " مرن أزواجكن أن يتبعوا الحجارة الماء. . . " سبق تخريجه ف / 19. (2) سورة البقرة / 222. (3) البحر الرائق 1 / 254، والمجموع 2 / 100، وحاشية الدسوقي 1 / 110، 111، والخرشي 1 / 148، وكشاف القناع 55، والفروع 1 / 51. الإِْمَامُ أَحْمَدُ فِي الرِّوَايَةِ الْمُعْتَمَدَةِ عَنْهُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ: لاَ يُجْزِئُ فِي الاِسْتِجْمَارِ شَيْءٌ مِنَ الْجَوَامِدِ مِنْ خَشَبٍ وَخِرَقٍ إِلاَّ الأَْحْجَارَ، لأَِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِالأَْحْجَارِ، وَأَمْرُهُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، وَلأَِنَّهُ مَوْضِعُ رُخْصَةٍ وَرَدَ فِيهَا الشَّرْعُ بِآلَةٍ مَخْصُوصَةٍ، فَوَجَبَ الاِقْتِصَارُ عَلَيْهَا، كَالتُّرَابِ فِي التَّيَمُّمِ. وَالدَّلِيل لِقَوْل الْجُمْهُورِ: مَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ خُزَيْمَةَ قَال: سُئِل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الاِسْتِطَابَةِ فَقَال: بِثَلاَثَةِ أَحْجَارٍ لَيْسَ فِيهَا رَجِيعٌ (1) فَلَوْلاَ أَنَّهُ أَرَادَ الْحَجَرَ وَمَا فِي مَعْنَاهُ لَمْ يَسْتَثْنِ الرَّجِيعَ، لأَِنَّهُ لاَ يُحْتَاجُ لِذِكْرِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِ الرَّجِيعِ بِالذِّكْرِ مَعْنًى. وَعَنْ سَلْمَانَ قَال: قِيل لَهُ: قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ كُل شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَ قَال: فَقَال: أَجَل، لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِل الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ. أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَل مِنْ ثَلاَثَةِ أَحْجَارٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ عَظْمٍ (2) . __________ (1) الرجيع: الروث والعذرة، كما في المصباح مادة (رجع) . وحديث: " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الاستطابة فقال: بثلاثة أحجار. . . . " رواه أبو داود وابن ماجه والبغوي عن خزيمة بن ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصححه الشوكاني وكذلك شعيب الأرناؤوط (الأم 1 / 22 ط الكليات الأزهرية، وسنن ابن ماجه 1 / 114 تحقيق فؤاد عبد الباقي، وشرح السنة بتحقيق شعيب الأرناؤوط 1 / 365 ط المكتب الإسلامي 1390 هـ، ونيل الأوطار 1 / 117 ط دار الجيل، وعون المعبود 1 / 15 ط الهند) . (2) حديث سلمان أنه قال: قيل له: " قد علمكم نبيكم. . . " أخرجه مسلم (صحيح مسلم 1 / 223 ط عيسى الحلبي) . وَفَارَقَ التَّيَمُّمَ، لأَِنَّ الْقَصْدَ هُنَا إزَالَةُ النَّجَاسَةِ، وَهِيَ تَحْصُل بِغَيْرِ الأَْحْجَارِ، أَمَّا التَّيَمُّمُ فَهُوَ غَيْرُ مَعْقُول الْمَعْنَى. الاِسْتِجْمَارُ هَل هُوَ مُطَهِّرٌ لِلْمَحَل؟ 23 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي هَذَا عَلَى قَوْلَيْنِ: الأَْوَّل: أَنَّ الْمَحَل يَصِيرُ طَاهِرًا بِالاِسْتِجْمَارِ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ كُلٍّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. قَال ابْنُ الْهُمَامِ: وَاَلَّذِي يَدُل عَلَى اعْتِبَارِ الشَّرْعِ طَهَارَتُهُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يُسْتَنْجَى بِرَوْثٍ أَوْ عَظْمٍ، وَقَال: إِنَّهُمَا لاَ يُطَهِّرَانِ (1) فَعُلِمَ أَنَّ مَا أُطْلِقَ الاِسْتِنْجَاءُ بِهِ يُطَهِّرُ، إِذْ لَوْ لَمْ يُطَهِّرْ لَمْ يُطْلَقْ الاِسْتِنْجَاءُ بِهِ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ. وَكَذَلِكَ قَال الدُّسُوقِيُّ الْمَالِكِيُّ: يَكُونُ الْمَحَل طَاهِرًا لِرَفْعِ الْحُكْمِ وَالْعَيْنِ عَنْهُ. وَالْقَوْل الثَّانِي: وَهُوَ الْقَوْل الآْخَرُ لِكُلٍّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَقَوْل الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّ الْمَحَل يَكُونُ نَجِسًا مَعْفُوًّا عَنْهُ لِلْمَشَقَّةِ. قَال ابْنُ نُجَيْمٍ: ظَاهِرُ مَا فِي الزَّيْلَعِيِّ أَنَّ الْمَحَل لاَ يَطْهُرُ بِالْحَجَرِ. وَفِي كَشَّافِ الْقِنَاعِ لِلْحَنَابِلَةِ: أَثَرُ الاِسْتِجْمَارِ نَجِسٌ يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ فِي مَحَلِّهِ لِلْمَشَقَّةِ. وَفِي الْمُغْنِي: وَعَلَيْهِ لَوْ عَرَقَ كَانَ عَرَقُهُ نَجِسًا. (2) 24 - وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ الرُّطُوبَةَ إِذَا أَصَابَتِ الْمَحَل بَعْدَ الاِسْتِجْمَارِ يُعْفَى عَنْهَا. __________ (1) حديث: " أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يستنجى بروث. . . " رواه الدارقطني عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وقال إسناده صحيح (سنن الدارقطني 1 / 56 ط شركة الطباعة الفنية المتحدة، ونصب الراية 1 / 220) . (2) البحر الرائق 1 / 254، وفتح القدير 1 / 149، وحاشية الدسوقي 1 / 111، والمغني 1 / 118. قَال ابْنُ نُجَيْمٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: بِنَاءً عَلَى الْقَوْل بِأَنَّ الْمَحَل بَعْدَ الاِسْتِجْمَارِ نَجِسٌ مَعْفُوٌّ عَنْهُ، يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَتَنَجَّسُ السَّبِيل بِإِصَابَةِ الْمَاءِ. وَفِيهِ الْخِلاَفُ الْمَعْرُوفُ فِي مَسْأَلَةِ الأَْرْضِ إِذَا جَفَّتْ بَعْدَ التَّنَجُّسِ ثُمَّ أَصَابَهَا الْمَاءُ، وَقَدِ اخْتَارُوا فِي الْجَمِيعِ عَدَمَ عَوْدِ النَّجَاسَةِ، فَلْيَكُنْ كَذَلِكَ هُنَا. ثُمَّ نُقِل عَنِ ابْنِ الْهُمَامِ قَوْلُهُ: أَجْمَعَ الْمُتَأَخِّرُونَ - أَيْ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ - عَلَى أَنَّهُ لاَ يَنْجَسُ الْمَحَل بِالْعَرَقِ، حَتَّى لَوْ سَال الْعَرَقُ مِنْهُ، وَأَصَابَ الثَّوْبَ وَالْبَدَنَ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ لاَ يَمْنَعُ (أَيْ لاَ يَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّلاَةِ) . وَنَقَل الْقَرَافِيُّ عَنْ صَاحِبِ الطِّرَازِ وَابْنِ رُشْدٍ: يُعْفَى عَنْهُ لِعُمُومِ الْبَلْوَى. قَال: وَقَدْ عُفِيَ عَنْ ذَيْل الْمَرْأَةِ تُصِيبُهُ النَّجَاسَةُ، مَعَ إمْكَانِ شَيْلِهِ، فَهَذَا أَوْلَى، وَلأَِنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ كَانُوا يَسْتَجْمِرُونَ وَيَعْرَقُونَ. وَالْقَوْل الآْخَرُ: قَالَهُ الشَّافِعِيَّةُ، وَابْنُ الْقَصَّارِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: لاَ يَنْجَسُ إِنْ لَمْ تَتَعَدَّ الرُّطُوبَةُ مَحَل الاِسْتِجْمَارِ، وَيَنْجَسُ إِنْ تَعَدَّتْ النَّجَاسَةُ مَحَل الْعَفُوِّ. (1) الْمَوَاضِعُ الَّتِي لاَ يُجْزِئُ فِيهَا الاِسْتِجْمَارُ: أ - النَّجَاسَةُ الْوَارِدَةُ عَلَى الْمَخْرَجِ مِنْ خَارِجِهِ: 25 - إِنْ كَانَ النَّجَسُ طَارِئًا عَلَى الْمَحَل مِنْ خَارِجٍ أَجْزَأَ فِيهِ الاِسْتِجْمَارُ فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ الْحَجَرَ لاَ يُجْزِئُ فِيهِ، بَل لاَ بُدَّ مِنْ غَسْلِهِ بِالْمَاءِ. وَهُوَ قَوْلٌ آخَرُ لِلْحَنَفِيَّةِ. وَمِثْلُهُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، مَا لَوْ طَرَأَ عَلَى __________ (1) البحر الرائق 1 / 254، والذخيرة 1 / 205، وحاشية الشبراملسي على النهاية 1 / 137. الْمَحَل الْمُتَنَجِّسِ بِالْخَارِجِ طَاهِرٌ رَطْبٌ، أَوْ يَخْتَلِطُ بِالْخَارِجِ كَالتُّرَابِ. وَمِثْلُهُ مَا لَوِ اسْتَجْمَرَ بِحَجَرٍ مُبْتَلٍّ، لأَِنَّ بَلَل الْحَجَرِ يَتَنَجَّسُ بِنَجَاسَةِ الْمَحَل ثُمَّ يُنَجِّسُهُ. وَكَذَا لَوِ انْتَقَلَتِ النَّجَاسَةُ عَنِ الْمَحَل الَّذِي أَصَابَتْهُ عِنْدَ الْخُرُوجِ، فَلاَ بُدَّ عِنْدَهُمْ مِنْ غَسْل الْمَحَل فِي كُل تِلْكَ الصُّوَرِ. (1) ب - مَا انْتَشَرَ مِنَ النَّجَاسَةِ وَجَاوَزَ الْمَخْرَجَ: 26 - اتَّفَقَتِ الْمَذَاهِبُ الأَْرْبَعَةُ عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ إِنْ جَاوَزَ الْمَخْرَجَ وَانْتَشَرَ كَثِيرًا لاَ يُجْزِئُ فِيهِ الاِسْتِجْمَارُ، بَل لاَ بُدَّ مِنْ غَسْلِهِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الاِسْتِجْمَارَ رُخْصَةٌ لِعُمُومِ الْبَلْوَى، فَتَخْتَصُّ بِمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى، وَيَبْقَى الزَّائِدُ عَلَى الأَْصْل فِي إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ بِالْغَسْل. لَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي تَحْدِيدِ الْكَثِيرِ، فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْكَثِيرَ مِنَ الْغَائِطِ هُوَ مَا جَاوَزَ الْمَخْرَجَ، وَانْتَهَى إِلَى الأَْلْيَةِ، وَالْكَثِيرُ مِنَ الْبَوْل مَا عَمَّ الْحَشَفَةَ. وَانْفَرَدَ الْمَالِكِيَّةُ فِي حَال الْكَثْرَةِ بِأَنَّهُ يَجِبُ غَسْل الْكُل لاَ الزَّائِدِ وَحْدَهُ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّ الْكَثِيرَ هُوَ مَا زَادَ عَنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ، مَعَ اقْتِصَارِ الْوُجُوبِ عَلَى الزَّائِدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، خِلاَفًا لِمُحَمَّدٍ، حَيْثُ وَافَقَ الْمَالِكِيَّةَ فِي وُجُوبِ غَسْل الْكُل. (2) __________ (1) نهاية المحتاج 1 / 133، 134، ورد المحتار 1 / 224، وكشاف القناع 1 / 56، وحاشية الطحطاوي على الدر 1 / 164. (2) حاشية الدسوقي 1 / 111، 112، والمجموع 1 / 125، ونهاية المحتاج 1 / 134، وكشاف القناع 1 / 56، والفروع 1 / 51، والبحر الرائق 1 / 254، وغنية المتملي ص 29 والفتاوى الهندية 1 / 50. ج - اسْتِجْمَارُ الْمَرْأَةِ: 27 - يُجْزِئُ الْمَرْأَةَ الاِسْتِجْمَارُ مِنَ الْغَائِطِ بِالاِتِّفَاقِ، وَهَذَا وَاضِحٌ. أَمَّا مِنَ الْبَوْل فَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لاَ يُجْزِئُ الاِسْتِجْمَارُ فِي بَوْل الْمَرْأَةِ، بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا. قَالُوا: لأَِنَّهُ يُجَاوِزُ الْمَخْرَجَ غَالِبًا. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: يَكْفِي فِي بَوْل الْمَرْأَةِ - إِنْ كَانَتْ بِكْرًا - مَا يُزِيل عَيْنَ النَّجَاسَةِ خِرَقًا أَوْ غَيْرَهَا، أَمَّا الثَّيِّبُ فَإِنْ تَحَقَّقَتْ نُزُول الْبَوْل إِلَى ظَاهِرِ الْمَهْبِل، كَمَا هُوَ الْغَالِبُ، لَمْ يَكْفِ الاِسْتِجْمَارُ، وَإِلاَّ كَفَى. وَيُسْتَحَبُّ الْغَسْل حِينَئِذٍ. أَمَّا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ فَفِي الثَّيِّبِ قَوْلاَنِ الأَْوَّل: أَنَّهُ يَكْفِيهَا الاِسْتِجْمَارُ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُهُ. وَعَلَى كِلاَ الْقَوْلَيْنِ لاَ يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ غَسْل الدَّاخِل مِنْ نَجَاسَةٍ وَجَنَابَةٍ وَحَيْضٍ، بَل تَغْسِل مَا ظَهَرَ، وَيُسْتَحَبُّ لِغَيْرِ الصَّائِمَةِ غَسْلُهُ. (1) وَمُقْتَضَى قَوَاعِدِ مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُجَاوِزِ الْخَارِجَ الْمَخْرَجَ كَانَ الاِسْتِنْجَاءُ سُنَّةً. وَإِنْ جَاوَزَ الْمَخْرَجَ لاَ يَجُوزُ الاِسْتِجْمَارُ، بَل لاَ بُدَّ مِنَ الْمَائِعِ أَوِ الْمَاءِ لإِِزَالَةِ النَّجَاسَةِ. وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِكَيْفِيَّةِ اسْتِجْمَارِ الْمَرْأَةِ. (2) مَا لاَ يُسْتَجْمَرُ بِهِ: 28 - اشْتَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِيمَا يُسْتَجْمَرُ بِهِ خَمْسَةُ شُرُوطٍ: (1) أَنْ يَكُونَ يَابِسًا، وَعَبَّرَ غَيْرُهُمْ بَدَل الْيَابِسِ __________ (1) المجموع 1 / 111، وحاشية الدسوقي 1 / 111، والخرشي 1 / 148، ونهاية المحتاج وحاشية الشبراملسي 1 / 129، وكشاف القناع 1 / 56، 57، والمغني 1 / 118، والطحطاوي على مراقي الفلاح ص 26. (2) ابن عابدين 1 / 226. بِالْجَامِدِ. (2) طَاهِرًا. (3) مُنَقِّيًا. (4) غَيْرَ مُؤْذٍ. (5) وَلاَ مُحْتَرَمٍ. وَعَلَى هَذَا فَمَا لاَ يُسْتَنْجَى بِهِ عِنْدَهُمْ خَمْسَةُ أَنْوَاعٍ: (1) مَا لَيْسَ يَابِسًا. (1) (2) الأَْنْجَاسُ. (2) (3) غَيْرُ الْمُنَقِّي، كَالأَْمْلَسِ مِنَ الْقَصَبِ وَنَحْوِهِ. (3) (4) الْمُؤْذِي، وَمِنْهُ الْمُحَدَّدُ كَالسِّكِّينِ وَنَحْوِهِ. (4) (5) الْمُحْتَرَمُ (5) وَهُوَ عِنْدَهُمْ ثَلاَثَةُ أَصْنَافٍ: أ - الْمُحْتَرَمُ لِكَوْنِهِ مَطْعُومًا. ب - الْمُحْتَرَمُ لِحَقِّ الْغَيْرِ. ج - الْمُحْتَرَمُ لِشَرَفِهِ. وَهَذِهِ الأُْمُورُ تُذْكَرُ فِي غَيْرِ كُتُبِ الْمَالِكِيَّةِ أَيْضًا، إِلاَّ أَنَّهُمْ لاَ يَذْكُرُونَ فِي الشُّرُوطِ عَدَمَ الإِْيذَاءِ، وَإِنْ كَانَ يُفْهَمُ الْمَنْعُ مِنْهُ بِمُقْتَضَى الْقَوَاعِدِ الْعَامَّةِ لِلشَّرِيعَةِ. (6) __________ (1) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 1 / 113، وفتح القدير 1 / 148. (2) رد المحتار 1 / 226، وحاشية الدسوقي 1 / 113، وفتح القدير 1 / 148، والعدوي على الخرشي 1 / 151، ونهاية المحتاج 1 / 131. (3) رد المحتار 1 / 226، وفتح القدير 1 / 148، وحاشية الدسوقي 1 / 113، 114، ونهاية المحتاج مع حاشية الرشيدي 1 / 131، وكشاف القناع 1 / 56. (4) رد المحتار 1 / 226، وحاشية الدسوقي 1 / 113. (5) غنية المتملي ص 39، وفتح القدير 1 / 150، وحاشية الدسوقي 1 / 113، ونهاية المحتاج 1 / 132، 133، وكشاف القناع 1 / 58. ( x666 ;) حاشية الدسوقي 1 / 113، ونهاية المحتاج 1 / 131، والمغني 1 / 117، ورد المحتار 1 / 229. وَهُمْ وَإِنِ اتَّفَقُوا عَلَى هَذِهِ الاِشْتِرَاطَاتِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ، فَإِنَّهُمْ قَدْ يَخْتَلِفُونَ فِي التَّفَاصِيل، وَقَدْ يَتَّفِقُونَ. وَيُرْجَعُ فِي تَفْصِيل ذَلِكَ إِلَى كُتُبِ الْفِقْهِ. هَل يُجْزِئُ الاِسْتِنْجَاءُ بِمَا حَرُمَ الاِسْتِنْجَاءُ بِهِ: 29 - إِذَا ارْتَكَبَ النَّهْيَ وَاسْتَنْجَى بِالْمُحَرَّمِ وَأَنْقَى، فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَابْنِ تَيْمِيَّةَ مِنَ الْحَنَابِلَةِ، كَمَا فِي الْفُرُوعِ: يَصِحُّ الاِسْتِنْجَاءُ مَعَ التَّحْرِيمِ. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: لأَِنَّهُ يُجَفِّفُ مَا عَلَى الْبَدَنِ مِنَ الرُّطُوبَةِ. وَقَال الدُّسُوقِيُّ: وَلاَ إِعَادَةَ عَلَيْهِ فِي الْوَقْتِ وَلاَ فِي غَيْرِهِ. أَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فَلاَ يُجْزِئُ الاِسْتِنْجَاءُ بِمَا حَرُمَ لِكَرَامَتِهِ مِنْ طَعَامٍ أَوْ كُتُبِ عِلْمٍ، وَكَذَلِكَ النَّجِسُ. أَمَّا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ فَلاَ يُجْزِئُ الاِسْتِجْمَارُ بِمَا حَرُمَ مُطْلَقًا، لأَِنَّ الاِسْتِجْمَارَ رُخْصَةٌ فَلاَ تُبَاحُ بِمُحَرَّمٍ. وَفَرَّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الاِسْتِجْمَارِ بِالْيَمِينِ - فَإِنَّهُ يُجْزِئُ الاِسْتِجْمَارُ بِهَا مَعَ وُرُودِ النَّهْيِ - بِأَنَّ النَّهْيَ فِي الْعَظْمِ وَنَحْوِهِ لِمَعْنًى فِي شَرْطِ الْفِعْل، فَمَنْعُ صِحَّتِهِ، كَالْوُضُوءِ بِالْمَاءِ النَّجِسِ. أَمَّا بِالْيَمِينِ فَالنَّهْيُ لِمَعْنًى فِي آلَةِ الشَّرْطِ، فَلَمْ يُمْنَعْ، كَالْوُضُوءِ مِنْ إنَاءٍ مُحَرَّمٍ. وَسَوَّوْا فِي ذَلِكَ بَيْنَ مَا وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ الاِسْتِجْمَارِ بِهِ كَالْعَظْمِ، وَبَيْنَ مَا كَانَ اسْتِعْمَالُهُ بِصِفَةٍ عَامَّةٍ مُحَرَّمًا كَالْمَغْصُوبِ. قَالُوا: وَلَوْ اسْتَجْمَرَ بَعْدَ الْمُحَرَّمِ بِمُبَاحٍ لَمْ يُجْزِئْهُ وَوَجَبَ الْمَاءُ، وَكَذَا لَوِ اسْتَنْجَى بِمَائِعٍ غَيْرِ الْمَاءِ. وَإِنِ اسْتَجْمَرَ بِغَيْرِ مُنَقٍّ كَالْقَصَبِ أَجْزَأَ الاِسْتِجْمَارُ بَعْدَهُ بِمُنَقٍّ. وَفِي الْمُغْنِي: يُحْتَمَل أَنْ يُجْزِئَهُ الاِسْتِجْمَارُ بِالطَّاهِرِ بَعْدَ الاِسْتِجْمَارِ بِالنَّجِسِ، لأَِنَّ هَذِهِ النَّجَاسَةَ تَابِعَةٌ لِنَجَاسَةِ الْمَحَل فَزَالَتْ بِزَوَالِهَا. (1) كَيْفِيَّةُ الاِسْتِنْجَاءِ وَآدَابُهُ: أَوَّلاً: الاِسْتِنْجَاءُ بِالشِّمَال: 30 - وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عِنْدَ أَصْحَابِ الْكُتُبِ السِّتَّةِ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا بَال أَحَدُكُمْ فَلاَ يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَإِذَا أَتَى الْخَلاَءَ فَلاَ يَتَمَسَّحْ بِيَمِينِهِ. (2) فَقَدْ نَهَى الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الاِسْتِنْجَاءِ بِالْيَمِينِ، وَحَمَل الْفُقَهَاءُ هَذَا النَّهْيَ عَلَى الْكَرَاهَةِ، وَهِيَ كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، كَمَا اسْتَظْهَرَ ابْنُ نُجَيْمٍ. وَكُل هَذَا فِي غَيْرِ حَالَةِ الضَّرُورَةِ أَوِ الْحَاجَةِ، لِلْقَاعِدَةِ الْمَعْرُوفَةِ: الضَّرُورَاتُ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ. (3) فَلَوْ يُسْرَاهُ مَقْطُوعَةً أَوْ شَلاَّءَ، أَوْ بِهَا جِرَاحَةٌ جَازَ الاِسْتِنْجَاءُ بِالْيَمِينِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ. هَذَا، وَيَجُوزُ الاِسْتِعَانَةُ بِالْيَمِينِ فِي صَبِّ الْمَاءِ، وَلَيْسَ هَذَا اسْتِنْجَاءً بِالْيَمِينِ، بَل الْمَقْصُودُ مِنْهُ مُجَرَّدُ إِعَانَةِ الْيَسَارِ، وَهِيَ الْمَقْصُودَةُ بِالاِسْتِعْمَال. (4) __________ (1) البحر الرائق 1 / 255، وحاشية الدسوقي 1 / 114، والنهاية 1 / 133، والمغني 1 / 116، وكشاف القناع 1 / 58. (2) حديث: " إذا بال أحدكم فلا يمس ذكره بيمينه. . . " أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود - واللفظ له (فتح الباري 1 / 254 ط السلفية، وصحيح مسلم 1 / 25 بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، وسنن أبي داود 1 / 37 ط مطبعة دار السعادة بمصر 1369 هـ) . (3) مجمع الأنهر 1 / 66، والبحر الرائق 1 / 255، وحاشية الدسوقي 1 / 105، والمجموع 1 / 108، ونهاية المحتاج 1 / 137، وكشاف القناع 1 / 51. (4) البحر الرائق وحاشية ابن عابدين عليه 1 / 255، ونهاية المحتاج 1 / 137، وكشاف القناع 1 / 51. ثَانِيًا: الاِسْتِتَارُ عِنْدَ الاِسْتِنْجَاءِ: 31 - الاِسْتِنْجَاءُ يَقْتَضِي كَشْفَ الْعَوْرَةِ، وَكَشْفُهَا أَمَامَ النَّاسِ مُحَرَّمٌ فِي الاِسْتِنْجَاءِ وَغَيْرِهِ، فَلاَ يَرْتَكِبُ لإِِقَامَةِ سُنَّةِ الاِسْتِنْجَاءِ، وَيَحْتَال لإِِزَالَةِ النَّجَاسَةِ مِنْ غَيْرِ كَشْفٍ لِلْعَوْرَةِ عِنْدَ مَنْ يَرَاهُ. (1) فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِحَضْرَةِ النَّاسِ، فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: مِنَ الآْدَابِ أَنْ يَسْتُرَ عَوْرَتَهُ حِينَ يَفْرُغُ مِنْ الاِسْتِنْجَاءِ وَالتَّجْفِيفِ، لأَِنَّ الْكَشْفَ كَانَ لِضَرُورَةٍ وَقَدْ زَالَتْ. (2) وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ فِي التَّكَشُّفِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ رِوَايَتَانِ: الْكَرَاهَةُ، وَالْحُرْمَةُ. (3) وَعَلَيْهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ سَتْرُ الْعَوْرَةِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الاِسْتِنْجَاءِ مُسْتَحَبًّا عَلَى الأَْقَل. ثَالِثًا: الاِنْتِقَال عَنْ مَوْضِعِ التَّخَلِّي: 32 - إِذَا قَضَى حَاجَتَهُ فَلاَ يَسْتَنْجِي حَيْثُ قَضَى حَاجَتَهُ. كَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ - قَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا كَانَ اسْتِنْجَاؤُهُ بِالْمَاءِ - بَل يَنْتَقِل عَنْهُ، لِئَلاَّ يَعُودَ الرَّشَاشُ إلَيْهِ فَيُنَجِّسَهُ. وَاسْتَثْنَوُا الأَْخْلِيَةَ الْمُعَدَّةَ لِذَلِكَ، فَلاَ يُنْتَقَل فِيهَا. وَإِذَا كَانَ اسْتِنْجَاؤُهُ بِالْحَجَرِ فَقَطْ فَلاَ يَنْتَقِل مِنْ مَكَانِهِ، لِئَلاَّ يَنْتَقِل الْغَائِطُ مِنْ مَكَانِهِ فَيَمْتَنِعَ عَلَيْهِ الاِسْتِجْمَارُ. أَمَّا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَحَوَّل مِنْ مَكَانِهِ الَّذِي قَضَى فِيهِ حَاجَتَهُ لِلاِسْتِجْمَارِ بِالْحِجَارَةِ أَيْضًا، كَمَا يَتَحَوَّل لِلاِسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ، وَهَذَا إِنْ خَشِيَ التَّلَوُّثَ. (4) __________ (1) الدرر على الغرر 1 / 33، ومراقي الفلاح مع حاشية الطحطاوي ص 27، ورد المحتار 1 / 225. (2) غنية المتملي 1 / 31. (3) الإنصاف 1 / 97. (4) نهاية المحتاج 1 / 127، وشرح التحفة 1 / 122، وكشاف القناع 1 / 55. رَابِعًا: عَدَمُ اسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ حَال الاِسْتِنْجَاءِ: 33 - مِنْ آدَابِ الاِسْتِنْجَاءِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: أَنْ يَجْلِسَ لَهُ إلَى يَمِينِ الْقِبْلَةِ، أَوْ يَسَارِهَا كَيْ لاَ يَسْتَقْبِل الْقِبْلَةَ أَوْ يَسْتَدْبِرَهَا حَال كَشْفِ الْعَوْرَةِ. فَاسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ أَوِ اسْتِدْبَارُهَا حَالَةَ الاِسْتِنْجَاءِ تَرْكُ أَدَبٍ، وَهُوَ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ، كَمَا فِي مَدِّ الرِّجْل إِلَيْهَا. وَقَال ابْنُ نُجَيْمٍ: اخْتَلَفَ الْحَنَفِيَّةُ فِي ذَلِكَ، وَاخْتَارَ التُّمُرْتَاشِيُّ أَنَّهُ لاَ يُكْرَهُ، وَهَذَا بِخِلاَفِ التَّبَوُّل أَوِ التَّغَوُّطِ إِلَيْهَا فَهُوَ عِنْدَهُمْ مُحَرَّمٌ. (1) وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: يَجُوزُ الاِسْتِنْجَاءُ مَعَ الاِتِّجَاهِ إِلَى الْقِبْلَةِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، لأَِنَّ النَّهْيَ وَرَدَ فِي اسْتِقْبَالِهَا وَاسْتِدْبَارِهَا بِبَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ، وَهَذَا لَمْ يَفْعَلْهُ. (2) خَامِسًا: الاِسْتِبْرَاءُ: 34 - وَهُوَ طَلَبُ الْبَرَاءَةِ مِنْ خَارِجٍ، وَيَخْتَلِفُ بِطِبَاعِ النَّاسِ، إلَى أَنْ يَسْتَيْقِنَ بِزَوَال الأَْثَرِ. (3) وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (اسْتِبْرَاء) . سَادِسًا: الاِنْتِضَاحُ وَقَطْعُ الْوَسْوَسَةِ: 35 - ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: أَنَّهُ إِذَا فَرَغَ مِنْ الاِسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَنْضَحَ فَرْجَهُ أَوْ سَرَاوِيلَهُ بِشَيْءٍ مِنَ الْمَاءِ، قَطْعًا لِلْوَسْوَاسِ، حَتَّى إِذَا شَكَّ حَمَل الْبَلَل عَلَى ذَلِكَ النَّضْحِ، مَا لَمْ يَتَيَقَّنْ خِلاَفَهُ. __________ (1) شرح منية المصلي ص 28، والطحطاوي على مراقي الفلاح ص 29، والبحر الرائق 1 / 256. (2) المجموع 1 / 80. (3) ابن عابدين 1 / 230. وَهَذَا ذَكَرَهُ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ يَفْعَل ذَلِكَ إِنْ كَانَ الشَّيْطَانُ يُرِيبُهُ كَثِيرًا. (1) وَمَنْ ظَنَّ خُرُوجَ شَيْءٍ بَعْدَ الاِسْتِنْجَاءِ فَقَدْ قَال أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: لاَ تَلْتَفِتْ حَتَّى تَتَيَقَّنَ، وَالْهُ عَنْهُ فَإِنَّهُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِنَّهُ يَذْهَبُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. (2) |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
* الاستنجاء:
هو إزالة الخارج من السبيلين بالماء. |
معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية
|
في اللغة: الذهاب إلى النجوة من الأرض لقضاء الحاجة.
والنّجوة: المرتفعة منها، كانوا يستترون بها إذا قعدوا للتخلّي، فكنوا بالنّجوة عن الحدث، كما كنوا عنه بالغائط كراهة لذكر اسمه الخاصّ به، فإن من عادتهم التّأدّب في ألفاظهم واستعمال الكنايات في كلامهم صونا للألسنة والأسماع عمّا تصان عنه الأبصار. قال في «فتح القدير» : هو إزالة ما على السبيل من النجاسة، يقال: نجى وأنجى: إذا أحدث، وأصله من النّجوة، وهو المكان المرتفع، لأنه يسترها وقت قضاء الحاجة، ثمَّ قالوا: استنجى: إذا مسح موضع النّجو، وهو ما يخرج من البطن أو غسله، وقيل: من نجا الجلد: إذا قشره، وجاز أن يكون السّين للطّلب كاستخرج، أي: طلب النجو ليزيله. قال ابن عرفة: هو إزالة البول والغائط عن مخرجيهما، وقيل: هو غسل موضع الخبث بالماء مأخوذة من نجوت بمعنى قطعت، فكأن المستنجي يقطع الأذى عنه. قال في «الروض المربع» : هو إزالة خارج من سبيل بماء أو إزالة حكم بحجر أو نحوه، ويسمى الثاني استجمارا من الجمار، وهو الحجارة الصغيرة. «المغني ص 50، وشرح فتح القدير 1/ 187، وشرح متن أبى شجاع للغزى ص 9، وشرح حدود ابن عرفة 1/ 96، والثمر الداني ص 37، والروض المربع ص 25». |