نتائج البحث عن (التاريخ الهجري) 2 نتيجة

وأما التاريخ الهجري فهو التاريخ الذي يبدأ بهجرة نبينا الكريم خاتم النبيين محمد ﷺ ، إلى المدينة المنورة ، وكان اختيار ذلك التاريخ بأمرٍ من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه.
تكلم على مبدأ التاريخ الهجري وغيرِه ، من القدماء ، الإمام الطبري في تاريخه (2/253 وما بعدها) ، وغيرُه من المؤرخين والأخباريين ، وتبعهم على ذلك جماعة ممن جاء بعدهم من المؤرخين والأدباء(1).
ولقد رأيت أن أذكر هنا بعض ما فيه بيان لأصل التاريخ الهجري وبعضِ التواريخ الأخرى ، وبعضَ الفوائد المتعلقة بذلك ، ناقلاً لذلك من كلام الأديب المؤرخ صلاح الدين الصفدي من مقدمة كتابه الشامل الحافل (الوافي بالوفيات) ، ومن كلام الحافظ المؤرخ أبي الخير السخاوي في كتابه المحرر (فتح المغيث) ، فقد ذكرا فيهما مما يتعلق بهذا الباب أموراً تشتد الحاجة إلى معرفتها ويبعد أن يزهد فيها طالبٌ حريص ؛ قال الصفدي رحمه الله (1/9-10):
(المقدمة:
وفيها فصول:
الأول: كانت العرب تورخ في بني كنانة من موت كعب بن لؤي ؛ فلما كان عامُ الفيل أرخت منه ، وكانت المدة بينهما مية وعشرين سنة ؛ قال صاحب "الأغاني" أبو الفرج: إنه لما مات الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم أرخت قريش بوفاته مدةً ، لأعظامها إياه ، حتى إذا كان عامُ الفيل جعلوه تاريخاً ؛ هكذا ذكره ابن داب ؛ وأما الزبير بن بكار فذكر أنها كانت تؤرخ بوفاة هشام بن المغيرة تسع سنين إلى أن كانت السنة التي بنوا فيها الكعبة فأرخوا بها ؛ انتهى.
وأرخ بنو إسماعيل عليه السلام من نار إبراهيم عليه السلام إلى بنائه البيت ، ومن بنائه البيت الى تفرُّق مَعَدّ ، ومن تفرق معد إلى موت كعب بن لؤي.
ومن عادة الناس ان يؤرخوا بالواقع المشهور والأمر العظيم ، فأرَّخ بعضُ العرب بعام الخنان ، لشهرته ، قال النابغة الجعدي:
فمن يك سائلاً عني فإني ... من الفتيان أيامن الخُنَان(2)

مضت مئة لعام ولدت فيه ... وعامٌ بعد ذاك وحجتان
وقد أبقت صروفُ الدهر مني ... كما أبقت من السيف اليماني
وكانت العرب قديماً تورخ بالنجوم ، وهو أصل قولك "نجَّمتُ على فلان كذا ، حتى يؤدّيه في نجوم").
ثم قال (1/11-16): (زعم بعضهم أن أقدم التواريخ تاريخ القبط ، لأنه بعد انقضاء الطوفان.
وأقرب التواريخ المعروفة تاريخ يزدجرد بن شهريار الملك الفارسي ، وهذا هو تاريخ أرخه المسلمون عند افتتاحهم بلاد الأكاسرة ، وهي البلاد التي تسمى بلاد إيران شهر.
وأما التاريخ المعتضدي فما أظنه تجاوز بلاد العراق.
وفيما بين هذه التواريخ تواريخ القبط والروم والفرس وبني إسرائيل وتاريخ عام الفيل.
وأرخ الناس بعد ذلك من عام الهجرة.
وأول من أرخ الكتب من الهجرة عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه ، في شهر ربيع الأول سنة ست عشرة ؛ وكان سبب ذلك أن أبا موسى الأشعري [رضي الله عنه] كتب إلى عمر رضي الله عنه: إنه يأتينا مِن قِبَل أمير المؤمنين كتب لا ندري على أيها نعمل ، قد قرأنا صكّاً منها محله شعبان ، فما ندري أي الشعبانين: الماضي أو الآتي ؟! فعمل عمر رضي الله عنه على كَتْب التاريخ ، فأراد أن يجعل أوله رمضان ، فرأى أن الأشهر الحرم تقع حينئذ في سنتين ، فجعله من المحرم ، وهو آخرها ، فصيَّره أولاً ، لتجتمع في سنة واحدة ؛ وكان قد هاجر ﷺ يوم الخميس لأيام من المحرم فمكث مهاجراً بيْنَ سَيرٍ ومقام ، حتى دخل المدينة شهرين وثمانية أيام.
وقال العسكري في كتاب "الأوائل": أول من أخَّر النيروزَ المتوكلُ ، قال: بَيْنَا المتوكلُ يطوف في متصيَّد له إذ رأى زرعاً أخضرَ ، قال: قد استأذنني عبيدالله بن يحيى في فتح الخراج ، وأرى الزرع أخضر ، فقيل له: إنَّ هذا قد أضرَّ بالناس ، فهم يقترضون ويستسلفون ، فقال: هذا شيء حَدَثَ أم هو لم يزل كذا؟ فقيل له: حادث ، ثُمَّ عُرِّف أن الشمس تَقطع الفلك(3)
في ثلاثمئة وخمسة وستين يوماً وربع يوم(4) ، وأنَّ الروم تكبسُ في كل أربع سنين يوماً ، فيطرحونه من العدد ، فيجعلون شباط ثلاث سنين متواليات ثمانية وعشرين يوماً وفي السنة الرابعة - وهي التي تسمى الكبيس - ينجر(5) - من ذلك الربع يومٌ تام فيصير شباط تسعة وعشرين يوماً ؛ فكانت الفرس تكبس الفضل الذي بين سنتها وبين سنة الشمس في كل مئة وستة عشر سنة شهراً ، وهكذا الكبس - على طوله - أصحُّ من كبس الروم ، لأنه أقرب إلى ما يحصله الحُسّاب من الفضل في سنة الشمس ؛ فلما جاء الإسلام عُطِّل ذلك(6) ، ولم يُعمل به ، فأضرَّ
بالناس ذلك.
وجاء زمن هشام فاجتمع الدهاقنة إلى خالد بن عبد الله القسري فشرحوا له وسألوه أن يؤخرَ النيروز شهراً ، فكَتب إلى هشام بن عبد الملك - وهو خليفة - فقال هشام: أخاف أن يكون هذا من قول الله تعالى " إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ"(7).
فلما كان أيامُ الرشيد اجتمعوا إلى يحيى بن خالد البرمكي وسألوه أن يؤخر النيروز نحوَ شهر ، فعَزم على ذلك ، فتكلم أعداؤه فيه فقالوا: هو يتعصب للمجوسية ، فأضربَ عنه ، فبقي على ذلك إلى اليوم.
فأحضَرَ المتوكلُ(8) إبراهيمَ بن العباس ، وأمره أن يكتب كتاباً في تأخير النيروز بعد أن يحسبوا الأيام ، فوقع العزم على تأخيره إلى سبعة وشعرين يوماً من حزيران ، فكتب الكتاب على ذلك ، وهو كتاب مشهور في رسائل إبراهيم.
وإنما احتذى المعتضد ما فعله المتوكل ، إلا أنه قد قصره في أحد شعر يوماً من حزيران ----.
ثم قُتل المتوكل قبل دخول السنة الجديدة ، وولي المنتصر واحتيج إلى المال فطولب به الناس على الرسم الأول وانتقض ما رسمه المتوكل فلم يُعمل به حتى ولي المعتضد فقال ليحيى بن علي المنجم: قد كثر صحيح الناس في أمر الخراج ، فكيف جعلت الفُرس مع حِكمتها وحسنِ سيرتها افتتاح الخراج في وقت لا يتمكن الناس مِن أدائه فيه ، قال: فشرحت له أمره وقلت: ينبغي أن يُردَّ إلى وقته ويلزم يوماً من أيام الروم ، فلا يقع فيه تغيير ، فقال: الْقَ(9) عبد الله بن سليمان فوافقه على ذلك ، فصرت إليه ووافقته وحسبنا حسابه فوقع في اليوم الحادي عشر من حزيران وأحكم أمره على ذلك وأُثبت في الدواوين.
وكان النيروز الفارسي في وقت نقل المعتضد له يوم الجمعة لإحدى شعرة ليلة خلت من صفر سنة اثنين وثمانين ومئتين ، ومن شهور الروم الحادي عشر من نيسان ، فأخره حسبما أوجبه الكبس ستين يوماً ، حتى رجع إلى وقته الذي كانت الفرس ترده إليه ؛ وكان قد مضى لذلك مئتان واثنتان وثلاثون سنة فارسية ، تكون من سني العرب مئتين وتسعة وثلاثين سنة وبضعة عشر يوماً ؛ ووقع بعد التأخر يوم الأربعاء لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر سنة اثنين وثمانين ومئتين ، ومن شهور الروم الحادي عشر من حزيران ؛ انتهى ما حكاه العسكري ).
ثم تكلم الصفدي على معنى قوله تعالى (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ) الآية ، وعلى حديث (إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض----).
وقال السخاوي رحمه الله في (فتح المغيث) (4/309): (وأول من أمر به عمر بن الخطاب ، وذلك في سنة ست عشرة من الهجرة النبوية من مكة إلى المدينة ؛ واختير لابتدائه أول سنيِّها بعد أن جمع المهاجرين واستشارهم فيه ، لأنها - فيما قيل - غيرُ مختلف فيها ، بخلاف وقت كل من البعثة والولادة ؛ وأما وقت الوفاة فهو وإن لم يُختلف فيه فالابتداء به وجعله أصلاً غير مستحسن عقلاً ، لتهييجه للحزن والأسف ، وأيضاً فوقت الهجرة مما يُتبرك به ، لكونه وقت استقامة ملة الإسلام وتوالي الفتوح وترادف الوفود واستيلاء المسلمين.
ثم اختير أن تكون السنة مفتتحة من شهورها بالمحرم ، لكونه شهر الله ، وفيه يكسى البيت ويضرب الورق ، وفيه يوم تاب فيه قوم فتيب عليهم ، وكان السبب فيه كما رواه ابن جرير من طريق الشعبي أن أبا موسى الأشعري كتب إلى عمر أنه يأتينا منك كتب ليس فيها تاريخ فأرخ)
.
وأخيراً أقول: مما لعله يحتاج إلى تنبيهِ بعض المطالعين عليه هو أنه يوجد جملة من الكتب والبحوث التي تبين ما يناظر التاريخ اليومي الهجري من التاريخ اليومي الميلادي ، أو تبين قواعد ضوابط معرفة تلك المقابلة ؛ وكذلك يوجد بعض البرامج الحاسوبية المعدة لهذا الغرض ؛ وقد أثبت الدكتور محمد التوني في أواخر كتابه (المنهاج في تأليف البحوث وتحقيق المخطوطات) (ص189-217) بداية كل سنة هجرية ، أي اليوم الأول منها ، ووضع بإزائه ما يقابله من التاريخ الميلادي ، بالسنة والشهر واليوم ، كذلك ، فذكر بدايات السنوات من السنة الأولى الهجرية إلى سنة 1492هـ.
__________
(1) من أواخرهم أبو تراب الظاهري فإنَّ له في كتابه (الموزون والمخزون) (ص187-192) فصلٌ عنوانه (كيف كانت العرب تؤرخ قبل الإسلام).
والكتب المحْدثة التي تكلمت على هذا الموضوع أو هي مظنة الكلام عليه كثيرة ، منها (علم التاريخ عند المسلمين) للمستشرق فرانز روزنثال ، و(نشأة التدوين التاريخي عند العرب) ، لحسين نصار ، و(نشأة علم التاريخ عند العرب) للدكتور عبد العزيز الدوري ، وغيرها كثير.
(2) ذكر محقق (الوافي بالوفيات) أن هذه الكلمة وردت في الأصول الخطية هكذا (الختان) ، ثم نبه على أنها وردت في (لسان العرب) و(تاريخ ابن جرير) بلفظ (الخنان) ؛ قلت: وهو الصواب ، جاء في (لسان العرب) (5/216): (والخنان داء يأخذ الناس والإبل ، وقيل: إنه كالزكام) ؛ وقال ابن جرير في (تاريخه) (2/5): (وقال نابغة بني جعدة:
فمن يك سائلاً عني فإني ... من الشُّبّان أزمان الخنان
فجعل النابغة تأريخه ما أرخ بزمان علة كانت فيهم عامة)
.
(3) يعني دورتها السنوية الكاملة.
(4) إذا ضربنا اثني عشر شهراً في ثلاثين يوماً يكون الحاصل (5) يوماً ، ثم في أشهر السنة سبعة أشهر أيّامها (6) يوماً ، فإذا أُضيفت يكون المجموع (7) يوماً ، فإذا طُرح منها النقصُ الذي خُصَّ به شهر شباط - وهو يومان - صار الحاصل الأخير (8) يوماً ، ومعنى هذا أن كل سنة تتزحزح ، أو تتقدم ، عن التي قبلها بمقدار ربع يوم ، فإذا مرت مئة وعشرون سنة صار الفرق شهراً ، أي أن شهر حزيران مثلاً يحل محل شهر أيار ، ولذي لاحظه المتوكل في القصة السابقة قريب من هذا ؛ فكان لا بد من الاحتراز من ذلك ، وقد كان للروم في ذلك الاحتراز طريقة يكررونها كل أربع سنوات ، وللفرس طريقة أخرى يكررونها كل مئة سنة ؛ وتابِعْ قراءة بقية الكلام في المتن تتبين لك تفاصيل المقصود.
(9) وفي نسخة (يتحيز) ، قلتُ: لعلها (ينجُز).
(10) أي الكبس.
(11) التوبة (12).
(13) أي بعد سماعه التفاصيل المتقدمة.
(14) وفي نسخة (الحقْ).

عمر بن الخطاب رضي الله عنه وبداية التاريخ الهجري.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

عمر بن الخطاب رضي الله عنه وبداية التاريخ الهجري.
16 ربيع الأول - 637 م
سبب ذلك أن أبا موسى الأشعري كتب إلى عمر: إنه يأتينا منك كتب ليس لها تاريخ، فجمع عمر الناس للمشورة، فقال بعضهم أرخ لمبعث النبي صلى الله عليه وسلم، صلى الله عليه وسلم، وقال بعضهم: لمهاجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: بل نؤرخ لمهاجرة رسول الله، فإن مهاجرته فرق بين الحق والباطل؛ قاله الشعبي، وقال ميمون بن مهران: رفع إلى عمر صك محله شعبان فقال: أي شعبان؟ أشعبان الذي هو آت أم شعبان الذي نحن فيه؟ ثم قال لأصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ضعوا للناس شيئا يعرفونه، فقال بعضهم: اكتبوا على تاريخ الروم فإنهم يؤرخون من عهد ذي القرنين، فقال: هذا يطول، فقال: اكتبوا على تاريخ الفرس، فقيل: إن الفرس كلما قام ملك طرح تاريخ من كان قبله، فاجتمع رأيهم على أن ينظروا كم أقام رسول الله بالمدينة، فوجدوه عشر سنين، فكتبوا التاريخ من هجرة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقال محمد بن سيرين: قام رجل إلى عمر فقال: أرخوا، فقال عمر: ما أرخوا؟ فقال: شيء تفعله الأعاجم في شهر كذا من سنة كذا، فقال عمر: حسن، فأرخوا، فاتفقوا على الهجرة ثم قالوا: من أي الشهور؟ فقالوا: من رمضان، ثم قالوا: فالمحرم هو منصرف الناس من حجهم وهو شهر حرام، فأجمعوا عليه.
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت