التعريفات الفقهيّة للبركتي
معجم مقاليد العلوم للسيوطي
|
التَّزْكِيَة: ضد الْجرْح.
|
|
المراد بقولهم (تزكية الرواة) هو تعديلهم وتوثيقهم.
|
لسان المحدثين (معجم مصطلحات المحدثين)
|
هي كتب الزهد والأخلاق والترغيب والترهيب ، وانظر (كتب الزهد).
وأني لأستأذن القارئ هنا أن أخرج به قليلاً عن موضوع الكتاب إلى الموضوع الذي ينبغي أن يُعنى به كل قارئ ، ذلكم هو مطالعة كتب السلف في التزكية وأعمال القلوب ، عسى أن تصير تلك المطالعة بإذن الله مفتاحاً لتقوى وسبيلاً إلى رقة قلب ووسيلة إلى أن يعرف المرء قدره فيقدِّر حاله حق تقديره فيعترف بنقصه وعجزه وتقصيره ، ومن قرأ سير السلف علم عِظم تفاوت الخلائق في مراتبها ، ومن لا فذلك منه جِدُّ بعيد ، والله هو الموفق إلى كل خير ، بيده الخير وهو فعال لما يريد. أقول: لنقرأ معاً هذا النداء الذي كنتُ نشرته على هيئة مقالة في (ملتقى أهل الحديث) والذكرى تنفع المؤمنين: إنه لمن العجب الذي لا تكاد تقف له على سبب - أو على سبب مقنع - أن ترى المتدينين من المسلمين اليوم يكادون - إلا النادر الذي يستثنيه الله - يشتركون في الجملة في شيء واحد ويتفقون عليه - رغم اختلافهم في أكثر مسائل الدين - ألا وهو التقصيرُ الشديدُ في أعمال القلوب والانحرافُ البعيد عن صراط الزهد في الدنيا، والميلُ عن جادة الرغبة الأكيدة في الآخرة؛ ولذلك ترى معظمهم يكادون يتفقون أيضاً على التقصير في العلوم المتعلقة بهذه المعاني، أعني مسائل الزهد والتزكية والآداب الإيمانية ، وما أنفع تلك المسائل وأخطرها لو كانوا يعلمون. نعم، إن تقصير المسلمين في هذه الأعصر المتأخرة جداً في باب العلم لم يكن مقصوراً على هذه الأبواب من العلوم الشرعية ، ولكنهم قد فرطوا في حق طائفة كبيرة خطيرة من العلوم النافعة والمعارف السامية الماتعة التي تحلى بها أسلافنا وكانت من أسباب حياتهم وسبقهم وثباتهم وصدقهم وكرامتهم وعزِّهم ونفع علمهم وكثرة خيرهم ؛ كتفسير القرآن وتدبره والتوسع في تعلم لغته من أجل الزيادة في تفهم معانيه ومعاني حديث رسوله ﷺ. إلا أن أهم هذه العلوم التي يكادون على تركها يُطْبقون وعلى نسيانها يتفقون هو ما ذُكر أولاً: علمُ التزكية وأعمال القلوب وعلم الأدب والأخلاق، وهما علمان متلازمان وصِنوان مقترنان متكاملان ، أولهما يصحح السلوك الديني ويقوّم العمل لله ويصفيه وينقيه من كل ما يبطله أو يبطئه أو يحْبطه أو يضعفه أو يخل به؛ فهو أساس التقوى وملازمة العبادة؛ وثانيهما يحسن التعامل مع الناس ويهذبه ويلطفه؛ فهو أصل الآداب العالية التي هي مادة الأخلاق العظيمة وشجرة الأذواق الرفيعة؛ فما أكثر من أهمل هذين العلمين العظيمين والأدبين الكريمين من المعاصرين وطوى بساطهما، وأعرض عنهما ولم يتعاطهما، أو اختصرهما اختصاراً مخلاً ، أو اقتصر منهما على ما لا يكاد يذكر أو على ما توهمه منهما وليس منهما أصلاً؛ وما أشدَّ حرمانَ أهل هذه الأزمنة المتأخرة إذ حرموا منهما وما أكبر خسارتهم بذلك وأعظم مصيبتهم به! وإذا كان هذا وصف الداء، فما هو يا ترى دواؤه ؟ إن من أول وأهم ما يعين المرء المسلم - بعد الدعاء والتوكل - على معرفة ربه وعلاج قلبه ويؤدي إلى زيادة يقينه وثبات دينه، ويقويه على الطاعات ويعصمه بإذن الله من المهلكات: هو تكرر قراءة القرآن بإخلاص وتدبر وحضور وتبصر وخشوع وتفكر، ودوام ذكر الله بتعظيم لله وحضور قلب وصدق واحتساب، وكثرة مطالعة الصحاح من كتب الحديث النبوي بمحبة ويقين وتفهم، ثم الانكباب على أقوال السلف وأخبارهم وقصصهم وآثارهم بتأمل وإنصاف وسلامةِ قصد وحسنِ تصور، فإن أقوال الصحابة والتابعين وقصصهم في باب الزهد والتزكية وأعمال القلوب ما هي إلا تفسير لآيات وأحاديث هذا الباب، وشرح لها وتقريب، وما هي إلا أقوال وقصص من هم أعلم منا بنصوص الوحيين وأفقه منا في الدين وأعلم منا بالله تبارك وتعالى رب العالمين وأخشى له وأعظم اجتهاداً في مرضاته، فما أنفعها من آثار وما أرفعها من علوم. إن آثار سلف هذه الأمة الصالحين وأخبار علمائها المتقدمين العاملين وحكايات عبادها المتقين العالمين وزهادها الثقات المأمونين جواهر غالية لا يكاد يستغني عنها إلا محروم، وأعلاق نفيسة لا يكاد يعرض عنها إلا جاهل مغبون، وكواكب هادية في ليل حالك لا يغمض عينيه عن نورها إلا خاسر أو هالك. وإنه لمِمّا لا يكادُ يخفى على أحدٍ من أهل العلم والمعرفة بالدينِ شدة الحاجة في مثل هذا الزمن المليء بالفتن إلى معرفة مناقبِ السلفِ الصالحينَ والاطلاعِ على أحوالهم وسيَرِهم، وتدبر كلماتهم وحِكَمِهم، والانتفاع بوصاياهم وعِبَرِهِم، والاقتداء بهم في أمور الدين كلها ما تعلق منها بالقلب أو باللسان أو بالجوارح. وإن الحاجة إلى هذه الآثار لا تزال تزداد أضعافاً مضاعفة في هذا العصر المادي المجرم، عصر الغثاء والحثالة، الفاسد أهله إلا من رحمه الله - وقليل جداً ما هم - عصر طغيان الشهوات البهيمية، والكفر والإلحاد والبدع والضلالات، والفتن والمحن، والحضارة الممهدة للدجال، عصر سيطرة أعداء الأنبياء على أهل الأرض، عصر المعيشة الضنك نعوذ بالله منها، عصر حب الدنيا وكراهية الموت، وعبادة الدرهم والدينار والزوجة والقطيفة. إنه لا غنى بأهل عصر من الأعصر المتوسطة والمتأخرة عن علم السلف الصالح، بل إن النصائح والوصايا في باب الزهد والتربية لا يكاد يحسنها سواهم، فلا يحسن منا سوى أن نُعنَى بكلامهم في هذا الباب جمعاً وحفظاً وسمعاً وفهماً وتأليفاً وتوضيحاً وتصنيفاً وتنقيحاً، وأما الإضافة إليه أو الاستدراك عليه أو المخالفة له أو الاستغناء عنه: فهيهات؛ لقد كان كلامهم قليلاً مباركاً كثير النفع وأما كلام الخلف فكثير قليل النفع؛ ولقد كان السلف يتكلمون بكلام كأنه الدر فتكلم أقوام من بعدهم بكلام يخرج من أفواههم كأنه القيء! يا باريَ القوسِ برياً ليس يُحْكِمُهُ لا تُفسِدِ القوسَ أَعطِ القوسَ باريها كتب السلف وكلماتهم بقية نور أصيل في هذه الحياة المظلمة، لولا بقايا أنوار السراج المحمدي (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً، وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً)(1) وهي صدى نداء قديم ناصح يحذر الناس عبادة الدنيا وأهلها، ويدعوهم إلى عبادة رب كل شيء ومالكه وخالقه، الذي يُسعِد ويُشقي ويُعز ويُذل ويَهدي ويُضل، وينفع ويضر، ويرفع ويخفض، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، ذلكم الله رب العالمين. كتب السلف وآثارهم في الإيمان والتقوى الزهد والرقائق قبس من التاريخ القديم الزاهر وتحفة السلف لخلفهم ووصية العلماء الناصحين لكل من خافوا عليه الغرور والجهل، ممن جاء بعدهم، إلى يوم الدين؛ وإنها كغيرها مما بين أيدينا من كتب العلم النافعة - بعض حجة الله على الناس، فهل من منتفع منها أو عامل بها؟!. إن مطالعة هذه الآثار القيمة جولة في أعماق التاريخ ممتعة ومحزنة، ومحادثة ميسَّرة ومحاورَة مختصرة، مع أولئك الناس الذين ترجموا - قدر مجهودهم - وحي الله إلى رسوله ﷺ، إلى عمل واقع وتطبيق مشهود. إن كلام السلف في العلوم الشرعية عامة، وفي علم التزكية خاصة، لا يدرك بالفِطَن، ولا يقدَّر بثمن، ولكن هل نفطن له، أو نعرف قدره؟ إنه علم علانا بدرجات، ولكن الجاهل بيننا يظن أنه مستغن عنه ويحسب أن ذلك العلم دون علم المتأخرين بدركات، وهذا موضع التذكير بالمثل الشهير: ويل لعالم أمر من جاهله. إن كلام السلف في الدين معانٍ عظيمة منظومة من درر متناسقة باسقة من قلوب خِيرةِ هذه الأمة وصفوتِها، وأنوارٌ صادرةٌ من تلك الصدور التي ما كان ولن يكون مثلها بعد الصدر الأول من أمة هي خير الأمم وزبدتها. إنه نفحات من الحكمة، ونسمات من رياح الحق، نابعة من تلك القلوب الصلدة الصافية الرقيقة الجليلة العالية المطمئنة، التي ملأها حبُّ الله ففاضت به، وأماتَها خوفُه، وأحياها رجاؤُه، وامتزج فيها الإيمان والقرآن، والصبر والشكر، والمخافة والمعرفة، والرجاء والحياء، والحق والصدق، والخضوع والخشوع، والرأفة والرحمة، والعزة والذل، واليقين والتوكل، والزهد والجد، والشجاعة والقناعة، والعلم والفهم، والهدى والنور. وذلك الكلام هو استنباط العلماء بالله عز وجل من كلامه ومن كلام رسوله ﷺ؛ وهو وصايا الصادقين وكلمات المحسنين(2) ، وكلام المحسنين هو بلا ريب حكمة وأي حكمة، قال تعالى في حق موسى ﷺ: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) [القصص 14] وقال في حق يوسف ﷺ: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ) [يوسف 22]؛ وقال: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) [آخر العنكبوت]. هذه هي صفة أخبارهم، ثم إنها فوق ذلك قد زانتها لقطات مؤثِّرة من حياة أهل الجنة عندما كانوا يسيرون على الأرض، لقطات من ذلك البكاء والأنين والشوق والحنين والدعاء والابتهال والقيام والركوع والسجود والتلاوة والتسبيح والتحميد والتكبير والتهليل والاستغفار والحوقلة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وصهيل الخيول ووقع السيوف والحشرجات والعبرات والآهات والحسرات وأصوات الدموع الواقعة على مواضع السجود، وعبادة الله، بمجاهدة النفس والعدو، وبالكلام والصمت، وبالخوف والرجاء، وبالكرم والحياء، وبالمنع والعطاء، وبالشكر والصبر، وبالحب والبغض، وبالحياة والموت، وبالصحة والمرض، وبالقوة والضعف، وبالفقر والغنى، وببيع النفس والمال، وبالقيام والقعود، وبالركوع والسجود، وبالدعوة والنصيحة، وبالعزلة والخلطة، وباليقظة والمنام. ثم هي بعد ذلك - في الجملة - كلام ممتع مقنع جليل جميل صافٍ وافٍ طيب عذب رائق فائق خارج من قلوب نقية تقية جارٍ على ألسنة فصيحة بليغة عربية. فعليك - يا من يحرص على النافع من العلم ويرجو التوفيق إلى الصالح من العمل - بآثار أسلافنا، فاسمع قصصهم وأخبارهم واجمع حكمهم وآثارهم، واقبل عظاتهم ونصائحهم، أَقبلْ عليها، وعض عليها بناجذيك؛ فإنها فوائد تشد إليها الرحال ونفائس يتنافس فيها الرجال: ارتو من مائها فهو عذب فرات، واقتبس من ضوءها فإنها كواكب هاديات، وتزيّن بفهمها والعمل بها ، قفْ عليها تتدبرها حقَّ تدبرها ، وتقيس نفسك بها بتجرد ، وتتعرَّف حقيقة حالك بواسطتها بتحقق؛ فهي ميزان منضبط يزن به المرء نفسه، وأعمال مستقيمة يعارض بها أعمالَه، وأحوال صحيحة يبصرُ من خلالها حالَه. واعلم أن من رغب عن آثار السلف ووصاياهم وبيانهم للدين، فقد زهد في غير زهيد وأراد تناوش الخير ولكن من مكان بعيد، فأنى له حصوله؟ وأبطأ السير فكيف يتم وصوله؟ واستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، وآثر الظلمة على النور، وتحول من ظل وارف إلى حرور، بل ليعلمْ أنه إذا انتسب إليهم فنسبته زور، وإذا حسب أنه على سبيلهم فجاهل مغرور. هذا ولا بد أن يعلم الواقف على مثل كلامي هذا ونحوه مما فيه تعظيم لآثار السلف ودعوة إلى العناية الشديدة بها، أن هذه الآثار ليست بديلة عن القرآن وحديث النبي ﷺ، ولكنها وسيلة إليهما ومدخل سريع واسع مبارك عليهما، وإنها تفسير لهما، وتدبرٌ فيهما، واستنباط منهما، وفروع باسقة عليهما، وهي - كما تقدم ذكره - أقوال من هم أعلم منا بالقرآن والسنة وأفقه منا في الدين وأنصح للأمة. ثم إن مظان هذه الآثار أصناف كثيرة من كتب التراث الاسلامي ككتب الإيمان والزهد والرقائق والورع والتزكية والتفسير والحديث وكتب الأدب الشرعي والتاريخ والسير والطبقات والمناقب والتراجم والدعوة. والذي اختص منها بهذا النوع من الآثار، أعني كتب الزهد والورع والتزكية، إنما هي في الحقيقة أعلاق نفيسة وجواهر لا يعدلها ثمن، وكيف لا تكون كذلك وهي تدعوك - بأحسن أسلوب وضعه الناس وألطف طريقة ابتكروها وأقوم مسلك مشوا عليه - إلى الزهد في الدنيا والإقبال إلى الآخرة وطلب الجنة بكل جد وكل اجتهاد؛ تدعوك إلى التقوى والورع وتدلك على أسباب زيادة الإيمان بالله وأسباب الاجتهاد في طاعته واجتناب معصيته؛ ترغّبك في العلم النافع والعمل الصالح؛ وتحبب إليك الانتفاع بعلوم القرآن والحديث وآثار السلف الصالحين. إنها كتب جمعها أصحابها - وهم علماء محدثون أو فقهاء أو مفسرون، بل أكثرهم أئمة أعلام - من أقوال رسول الله ﷺ وأقوال الصحابة وعلماء التابعين وحكمائهم الفاضلين وزهادهم المتقين، ومن أخبار تلك الأجيال في دينها وقصصها في تعبدها وزهدها، إنها كتب تقص عليك أحسن القصص بعد كتاب الله وكتب حديث الرسول ﷺ، إنها تطلعك على أفضل تأريخ للناس، أو قل: على تأريخ أفضل الناس، ففيها زهد الأنبياء وحكمهم وزهد الصحابة ووصاياهم وزهد التابعين ونصائحهم. إن مكتبة الزهد والأدب توقف نماؤُها منذ زمن بعيد ثم أهملت إهمالاً عجيباً وتراكم عليها من غبار الزمن وتراب النسيان ما كاد يدفنها، وهبَّ عليها من سموم عبادة الناس للدنيا ما كاد يحرقها، وسال عليها من أودية البدعة والخرافة ما كاد يغرقها؛ ولكن المكتبة الاسلامية القديمة رغم كل ما أصيبت به من نكبات ووقع عليها من جوائح لم يزل فيها بحمد الله بقية طيبة من هذين النوعين من الكتب النفيسة الجليلة ، وفي الزوايا خبايا ؛ ولكن أين أهل هذين العلمين؟! وأين الاعتناء بما بقي من كتبهما؟! ومن يخدم تلك الكتب وينشر علمها كما ينبغي له، ومن يقربها للناس وقد شطَّ وليها وعادت عوادٍ بينهم وبينها وخطوب؟! بل من يقربهم إليها أو يدلهم عليها؟! وهم في واد وهي في واد غيره؛ فإن الأمر اليوم كما وصفه بعض المتقدمين من العلماء إذ قيل له: ما بقي من ينصح، فقال: وهل بقي من يسمع؟! سارت مشرقة وسرت مغرباً ... شتان بين مشرّق ومغرّب فالناس أكثر الناس اليوم تحيط بهم بل بقلوبهم ظلمات الفتن، قد اجتمع عليهم فتن السراء والضراء؛ وأنهكتهم أمراض الشهوات والشبهات؛ ودوختهم وساوس شياطين الجن وزخارف شياطين الإنس؛ الزمن أسرع من أن يتفكروا في أنفسهم، والوقت أضيق من أن يتخلفوا عن أهل الدنيا في مواكبهم؛ الحاجات كثيرة والآمال عريضة والصدور ضيقة والقلوب مريضة والهموم متشعبة متفرقة؛ فالحديث اليوم عن الزهد والورع يكاد يكون حديثاً عن خيال لا حقيقة له أو عن مستحيل لا إمكان لوقوعه؛ بل إن العاقل ليأخذه أحياناً الحياء من ربه أو من نفسه أو من الناس إذا أراد أن يتكلم في مثل هذه الأمور، والله المستعان. وعلى كل حال فلا بد من المحاولة وقوة الرجاء، ولا بد من وصف العلاج وإن قل الآخذون به. ثم إن هذه الكتب غير مشتهرة الاشتهار الكافي بين طلبة العلوم الشرعية اليوم، هذا من جانب؛ ومن جانب آخر فإنه يصد كثيراً من الناس عنها أمور، منها تطويل أكثرها بالأسانيد كما هو حال أكثر الكتب القديمة، ومنها احتواؤها على جملة كثيرة من أحاديث مرفوعة غير صحيحة. وكذلك كثير من كتب الأدب تضمنت - مع ما فيها من أبواب كثيرة في الرقائق وآثار السلف وأخلاقهم - بعض المسائل التي عُني بها الأدباء والأخباريون ونحوهم من الغزل والهزل وأخبار الظلمة ورؤوس المبتدعة، كما هو الحال في بعض أمهات كتب الأدب العربي. وكذلك كثير من الكتب القريبة في موضوعها من كتب الزهد عِيبَ عليها اختلاط حق الكتاب بباطل وحقيقتُه بمبالغة ، كما هو شأن كثير من كتب التصوف. إن خدمة ما وصلنا إليه من كتب الزهد والأدب الاسلامي ونشر علمها حق واجب لا بد من أدائه وخير - إن شاء الله - كثير لا بد من المبادرة إليه. وهذه الخدمة ليست نوعاً واحداً ولا طريقة معينة، بل هي أشكال كثيرة وأنواع متعددة، ليس هذا موضع تفصيلها. إنه لا بد من جمع وتقريب ما ورد من حكم السلف ووصاياهم في الزهد والعبادة والأدب وعرض ذلك بطرائق مختلفة في هيئتها وصورتها مشتركة في غايتها وحقيقتها؛ متطابقة في صحتها واستقامتها؛ فتقدم إلى كل فريق بالأسلوب الأفضل عندهم والترغيب الأمثل لهم والتقريب المكن ، ليكون لكل طالب لها أو راغب فيها أو مدعو إليها النسخة التي تناسبه والطريقة التي تُفْهمه ؛ فليس كل الناس يفهمون (مدارج السالكين) و(مختصر منهاج القاصدين) ولا كل الناس يقنعون بالكتيبات العصرية، وإن كان لها فضل لا ينكره منصف؛ ولكنها دون ما ينبغي بكثير وكثير. إذن لا بد - ونحن في عصر الطباعة والنشر - من خدمة كتب أسلافنا في باب التزكية والزهد والأدب الشرعي وتقديمها سهلة دسمة مقنعة ممتعة حافلة شاملة، وبطرق مناسبة، إلى كثير من المسلمين الذين لا نشك في أنهم قد طال حرمانهم منها وإن لم يشعروا به، واشتدت حاجتهم إليها وإن لم يعرفوا حقيقة ما احتاجوه. لنقدمها إلى كل طالب علم طال من نافع العلم حرمانه. وطالب تقوى قلَّ بين الناس أعوانه. وإلى الشباب قبل ضيعتهم. وآبائهم وأمهاتهم قبل ندامتهم. وإلى كل مربٍّ مخلص قبل أن يخرج زمام الأمر من يده. وإلى كل عابد تفطرت شفتاه في صومه وقدماه في تهجده. وإلى كل خطيب أو واعظ يحرص على رد الناس إلى طريقة خير القرون قبل أن يشتد الأمر في صعوبته ويزداد الليل في ظلمته. وإلى كل داعية جادٍّ يكاد قلبه يتفطر أسى لسوء ما يرى قبل أن يفوت الأوان. بل إلى كل مسلم صادق في إسلامه ثابت على دينه رغم الفتن التي تحيط به من كل مكان. لنقدمها إلى هؤلاء جميعاً - ومن شاء الله من غيرهم - قلادة من الجواهر المجموعة والنوادر المسموعة أو بستاناً من الأزهار البهية والثمار الشهية، ونناشدهم ألا يحرموا أنفسهم من كنوزها ولا قلوبهم من نسيمها ، لتكون بياناً لمراد الله تعالى ومراد رسوله ﷺ؛ ولتكون بإذن الله لمن يطالعها سبب ثبات في جميع الحالات والأوقات وسفينة نجاة وسط هذه الموجات الهائجات المهلكات وسراج هدى في هذه الدروب الشائكات الحالكات ودواء ناجعاً من كل هذه الأدواء والبليات. والآن وفي ختام هذه المقالة أحب أن تقف على فصل وجيز في ذكر بعض الآثار المبينة لبعض فضائل معرفة آثار السلف ومن كان على طريقتهم في أبواب التزكية والزهد؛ وبيان عظم تأثرهم بأخبار الرقائق والوعظ الصحيح؛ فدونكه. 1. روى أبو نعيم في (حلية الأولياء) (5/103) عن مفضل بن غسان قال: قال عمرو [بن قيس الملائي]: حديث أرقق به قلبي وأتبلغ به إلى ربي أحب إلي من خمسين قضية من قضايا شريح. 2. وروى فيه أيضاً (4/313) عن الشعبيّ قال: لو أنَّ رجلاً سافرَ من أقصى الشامِ إلى أقصى اليمنِ فحفظَ كلمةً تنفعُهُ فيما يستقبلُ من عمرِهِ رأيتُ أنَّ سفرَهُ لمْ يَضِعْ. 3. وروى البغوي في (مسند علي بن الجعد) (3) عن بكر بن خنيس عن ضرار يعني بن عمرو عن قتادة قال: باب من العلم يحفظه الرجل لصلاح نفسه وصلاح من بعده أفضل من عبادة حول(4). 4. وروى أبو نعيم في (حلية الأولياء) (5/29) عن حسن بن صالح قال: قال زبيد: سمعت كلمة فنفعني الله عز وجل بها ثلاثين سنة. 5. وروى ابن حبان في (روضة العقلاء) (ص40) عن الحسن البصري قال: لأن يتعلم الرجل باباً من العلم فيعبد به ربه فهو خير له من أن لو كانت الدنيا من أولها إلى آخرها له فوضعها في الآخرة(5). (وانظر الزهد ص268 والمصنف 7/188 ومفتاح دار السعادة 1/118) 6. وقال عباس الدوري في (تاريخه) (3/569): (قال يحيى [بن معين]: ورأيت وكيع بن الجراح أخذ في (كتاب الزهد) يقرؤه؛ فلما بلغ حديثاً منه ترك الكتاب، ثم قام فلم يحدث، فلما كان الغد وأخذ فيه بلغ ذلك الحديث قام أيضاً ولم يحدث؛ حتى صنع ذلك ثلاثة أيام؛ قلت ليحيى: وأي حديث هو؟ قال: حديث مجاهد، قال: أخذ عبد الله بن عمر ببعض جسدي، قال: أخذ رسول الله ﷺ ببعض جسدي، فقال: يا عبد الله بن عمر كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)(6). 7. وروى البيهقي في (شعب الإيمان) (1/544) عن عثمان بن سعيد الدارمي قال: سمعت نعيم بن حماد يقول: كان ابن المبارك إذا قرأ كتاب الرقاق يصير كأنه ثور منحور أو بقرة منحورة من البكاء لا يجترىء أحد منا أن يدنو منه أو يسأله عن شيء إلا دفعه(7). 8. وروى فيه أيضاً (2/288) عن نعيم بن حماد قال: كان ابن المبارك يكثر الجلوس في بيته فيقال له: تكثر الجلوس في بيتك ألا تستوحش؟! فيقول: كيف أستوحش وأنا مع النبي ﷺ وأصحابه والتابعين لهم بإحسان؟! 9. وذكر ابن الجوزي في (صفة الصفوة) (4/137) عن شقيق بن إبراهيم قال: قيل لابن المبارك: إذا صليت معنا لمْ تجلس معنا؟! قال: أذهب أجلس مع الصحابة والتابعين؛ قلنا له: ومن أين الصحابة والتابعون؟! قال: أذهب أنظر في علمي فأدرك آثارهم وأعمالهم؛ ما أصنع معكم؟! أنتم تغتابون الناس! فإذا كانت سنة مئتين فالبعد من كثير من الناس أقرب إلى الله، وفر من الناس كفرارك من أسد وتمسك بدينك يسلم لك. 10. وروى البيهقي في (الشعب) (2/299) عن أحمد بن عبد الله بن أبي الحواري حدثني أخي محمد قال: قال علي بن الفضيل لأبيه: يا أبه ما أحلى كلام أصحاب محمد ﷺ! قال: يا بني وتدري لما حلا؟! قال: لا يا أبه، قال: لأنهم أرادوا به الله تبارك وتعالى. 11. وروى السلمي في (طبقات الصوفية) (ص124-125) والبيهقي في (الشعب) (2/297) عن عبد الله بن محمد بن منازل قال: سئل حمدون القصار: ما بال كلام السلف أنفع من كلامنا؟! قال: لأنهم تكلموا لعز الإسلام ونجاة النفوس ورضى الرحمن، ونحن نتكلم لعز النفس وطلب الدنيا وقبول الخلق. 12. وروى ابن أبي الدنيا في (الورع) (ص50) عن الضحاك قال: أدركت الناس وهم يتعلمون الورع وهم اليوم يتعلمون الكلام. 13. وروى ابن أبي الدنيا في (الصمت) (ص294) عن الليث بن سعد عن عبيد الله بن أبي جعفر عن أبي خلدة قال: أدركت الناس وهم يعملون ولا يقولون وهم اليوم يقولون ولا يعملون. 14. وقال ابن القيم في (الفوائد) (ص104): قال حماد بن زيد: قلت لأيوب: العلم اليوم أكثر أو فيما تقدم؟ فقال: الكلام اليوم أكثر، والعلم فيما تقدم أكثر. 15. وروى أبو خيثمة في (العلم) (ص25) عن شيخه عبد الرحمن بن مهدي عن حماد بن زيد عن أيوب قال: قال رجل لمطرف(8): أفضل من القرآن تريدون؟! قال: لا، ولكن نريد من هو أعلم بالقرآن منا. 16. وروى أبو نعيم في (حلية الأولياء) (8/165) عن رسته الطالقاني قال: قام رجل إلى ابن المبارك فقال: يا أبا عبد الرحمن في أي شيء أجعل فضل يومي؟ في تعلم القرآن أو في طلب العلم؟ فقال: هل تقرأ من القرآن ما تقيم به صلاتك؟ قال: نعم؛ قال: فاجعله في طلب العلم الذي يعرف به القرآن. 17. وروى السلمي في (طبقات الصوفية) (ص127) عن حمدون القصار قال: من نظر في سير السلف عرف تقصيره وتخلفه عن درجات الرجال. 18. وروى البيهقي في (الشعب) (2/303) عن أحمد بن سعيد الدارمي قال: سمعت من علي [بن] المديني كلمة أعجبتني، قرأ علينا حديث الغار ثم قال: إنما نقل إلينا هذه الأحاديث لنستعملها لا لنتعجب منها. 19. وروى المروزي في (تعظيم قدر الصلاة) (1/190) عن ابن جريج قال: قلت لعطاء(9): أقبض بكفي اليمنى على عضدي اليسرى وكفي اليسرى على عضدي اليمنى؟ فكرهه(10) وقال: إنما الصلاة خشوع قال الله: (الذين هم في صلاتهم خاشعون)، فقد عرفتم الركوع والسجود والتكبير ولا يعرف كثير من الناس الخشوع!!. 20. وقال ابن الجوزي في (منهاج القاصدين) كما في (مختصره) (ص396)(11): (ومن أراد أن ينظر في سير القوم، ويتفرج في بساتين مجاهداتهم، فلينظر فى كتابي المسمى بـ ( صفة الصفوة)، فإنه يرى من أخبار القوم ما يعدُّ نفسه بالإضافة إليهم من الموتى، بل من أخبار المتعبدات من النسوة ما يحتقر نفسه عند سماعه ). __________ (1) وراجع ما كتبه المستشرق (فرانز روزنثال) في بيان محتوى كتب التراجم ونحوها ، في كتابه (علم التاريخ عند المسلمين) (ص141-148) ، ترجمة الدكتور صالح أحمد العلي. (2) الأحزاب (3). (4) لا شك أن هذا الكلام ونحوه مما ورد في هذه المقالة مما هو داخل في باب الثناء والتزكية فإنما هو خارج على سبيل التغليب وجارٍ على طريقة التوسع في الكلام؛ وأما التعيين فنحن لا نشهد لأحد من الناس بعينه بأنه محسن بالمعنى الشرعي، أو نشهد لشيء من كلام الناس بعينه بأنه حق، إلا إذا شهد لذلك الدليل الشرعي، وهذا واضح. (5) وورد هذا الأثر في (صفة الصفوة) (3/259) بهذا اللفظ: (باب من العلم يحفظه الرجل يطلب به صلاح نفسه وصلاح الناس أفضل من عبادة حول كامل). (6) كان بعض الحكماء يقول: ليت شعري أي شيء أدرك من فاته العلمُ؟! وأي شيء فات من أدرك العلمَ؟! (مختصر منهاج القاصدين ص22). (7) ونقله الذهبي في (سير أعلام النبلاء) (9/149). (8) وذكره ابن الجوزي في (صفة الصفوة) (4/137-138). (9) مُطَرِّفُ بنُ عبد الله بن الشِّخِّير العامري البصري تابعي جليل حكيم وعابد فاضل، توفي سنة خمس وتسعين، ذكره محمد بن سعد في الطبقة الثانية من أهل البصرة، وقال: (روى عن أبي بن كعب، وكان ثقة له فضل وورع وعقل وأدب، وقال العجلي: كان ثقة ولم ينج بالبصرة من فتنة ابن الأشعث إلا رجلان: مطرف وابن سيرين؛ ولم ينج منها بالكوفة إلا رجلان: خيثمة بن عبد الرحمن وإبراهيم النخعي). انظر (تهذيب الكمال) (28/69). (10) هو ابن أبي رباح، العالم الجبل تلميذ ابن عباس، قال أيوب بن سويد: سمعت الأوزاعي يقول: مات عطاء وهو أرضى أهل الأرض. (الحلية 3/311). (11) أي كره هذا السؤال. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون
|
كتاب التزكية
للصدر، الشهيد، حسام الدين: عمر. مختصر. |
معجم المصطلحات الاسلامية
|
Enhancement الترقية التزكية
|