نتائج البحث عن (النّازِيَةُ) 4 نتيجة

(النازية) الحدة والنشاط يُقَال بِقَلْبِه نازية والبادرة يُقَال صدرت عَنهُ نازية وَيُقَال أكمة نازية مُرْتَفعَة عَمَّا حولهَا (ج) نواز ونوازي الْخمر فقاقيعها الَّتِي تطفو على الكأس عِنْد المزج بِالْمَاءِ

(النازية) نظام مشابه للفاشية قَامَ فِي ألمانيا وَبلغ بِهِ هتلر الحكم سنة 1933 وَمعنى الْكَلِمَة الاشتراكية القومية
النّازِيَةُ:
بالزاي، وتخفيف الياء: عين ثرّة على طريق الآخذ من مكة إلى المدينة قرب الصفراء وهي إلى المدينة أقرب وإليها مضافة، قال ابن إسحاق:
ولمّا سار النبي، صلّى الله عليه وسلّم، إلى بدر ارتحل من الرّوحاء حتى إذا كان بالمنصرف ترك طريق مكة يسارا وسلك ذات اليمين على النازية يريد بدرا فسلك ناحية منها حتى جزع واديا يقال له رحقان بين النازية ومضيق الصفراء، كذا قيده ابن الفرات في عدّة مواضع، كأنه من نزا ينزو إذا طفر، والنازية فيما حكي عنه: رحبة واسعة فيها عضاه ومروخ.

الجماعات اليهودية إشكاليات - عداء الأغيار الأزلي لليهود واليهودية - الإبادة النازية والحضارة الغربية الحديثة

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

الإبادة النازية ليهود أوربا: مشكلة المصطلح
‏Nazi Extermination of Western Jewry: The Problem of Terminology
يُستخدَم مصطلح «الإبادة» في العصر الحديث ليدل على محاولة القضاء على أقلية أو طائفة أو شعب قضاء كاملاً. ويُطلَق مصطلح «إبادة اليهود» (بالإنجليزية: إكستيرمينيشن أوف ذا جوز extermination of the Jews) في الخطاب السياسي الغربي على محاولة النازيين التخلص أساساً من أعضاء الجماعات اليهودية في ألمانيا وفي البلاد الأوربية (التي وقعت في دائرة نفوذ الألمان) عن طريق تصفيتهم جسدياً (من خلال أفران الغاز) . وتُستخدَم أيضاً كلمة «جينوسايد» genocide وهي من مقطعين «جينو» من الكلمة اللاتينية «جيناس» genus» بمعنى «نوع» و «كايديس» caedes بمعنى «مذبحة» .
وتُستخدَم أيضاً عبارة «الحل النهائي» للإشارة إلى «المخطط الذي وضعه النازيون لحل المسألة اليهودية بشكل جذري ونهائي ومنهجي وشامل عن طريق إبادة اليهود، أي تصفيتهم جسدياً» .
ويُشار إلى الإبادة في معظم الأحيان بكلمة «هولوكوست» وهي كلمة يونانية تعني «حرق القربان بالكامل» (وتُترجم إلى العبرية بكلمة «شواه» ، وتُترجم إلى العربية أحياناً بكلمة «المحرقة» ) . وكانت كلمة «هولوكوست» في الأصل مصطلحاً دينياً يهودياً يشير إلى القربان الذي يُضحَّى به للرب، فلا يُشوى فقط بل يُحرق حرقاً كاملاً غير منقوص على المذبح، ولا يُترك أي جزء منه لمن قدَّم القربان أو للكهنة الذين كانوا يتعيشون على القرابين المقدمة للرب. ولذلك، كان الهولوكوست يُعّدُّ من أكثر الطقوس قداسة، وكان يُقدَّم تكفيراً عن جريمة الكبرياء. ومن ناحية أخرى، كان الهولوكوست هو القربان الوحيد الذي يمكن للأغيار أن يُقدِّموه.

ومن العسير معرفة سر اختيار هذا المصطلح، ولكن يمكننا أن نقول إن المقصود عموماً هو تشبيه «الشعب اليهودي» بالقربان المحروق أو المشوي وأنه حُرق لأنه أكثر الشعوب قداسة. كما أن النازيين، باعتبارهم من الأغيار، يحق لهم القيام بهذا الطقس. أو ربما وقع الاختيار على هذا المصطلح ليعني أن يهود غرب أوربا أُحرقوا كقربان الهولوكوست في عملية الإبادة النازية ولم يبق منهم شيء، فهي إبادة كاملة بالمعنى الحرفي. ولكن حينما تستخدم الجماعات المسيحية الأصولية (الحرفية) في الولايات المتحدة كلمة «هولوكوست» فهي تركز على جريمة الكبرياء، إذ ترى أن الإبادة عقاب عادل حاق باليهود بسبب صلفهم وغرورهم وكبريائهم.
ويُشار إلى الإبادة أحياناً بأنها «حُربان» وهي كلمة عبرية تُستخدَم للإشارة إلى «هدم الهيكل» ، فكأن الشعب اليهودي هنا هو الهيكل، أو البيت الذي يحل فيه الإله، والإبادة هي تهديم بيت الإله. وهذه الكلمة تُدخل حادثة الإبادة التاريخ اليهودي المقدَّس.

وفي الوقت الراهن، تُستخدَم كلمة «هولوكوست» في اللغات الأوربية للإشارة إلى أية كارثة عظمى. فيشير الصهاينة، على سبيل المثال، إلى «الزواج المختلط» بين اليهود بأنه «الهولوكوست الصامت» (بالإنجليزية: سايلانت هولوكوست silent Holocaust) . وحينما يُصعِّد العرب من مقاومتهم للمستوطنين الصهاينة فإنهم ـ حسب المصطلح الصهيوني ـ يهددونهم بالهولوكوست. واستخدمت إحدى الصحف هذا المصطلح للإشارة إلى إحدى صفقات أسلحة الميراج بين ليبيا وفرنسا. كما استخدم أحد المتحدثين الصهاينة كلمة «هولوكوستي» وهي اسم صفة مشتق من هولوكوست فأشار إلى أحد الأفلام بأنه ليس «هولوكوستيHolocausty» بما فيه الكفاية. وهذا الاستخدام المستمر والممجوج للمصطلح يؤدي إلى نتائج كوميدية أحياناً. إذ تساءل أحد دعاة حماية البيئة في نبرة جادة قائلاً: «كيف يمكن أن نستنكر الهولوكوست ضد اليهود، ونحن نذبح ستة مليون دجاجة يومياً؟» ، أي أنه ساوى بذلك بين الطبيعي والإنساني، وبين الدجاجة واليهودي، ودفع بالنموذج العلماني الشامل إلى نتيجته المنطقية وأطلق استنكاره هذا.

ويتم في الوقت الحاضر الاتجار بالهولوكوست وتوظيفها بشكل ممجوج لخدمة الأهداف الصهيونية والتجارية. وقد ظهرت مجموعة من المصطلحات المشتقة من كلمة «هولوكوست» والتي تُعبِّر عن الاستياء العميق من عملية التوظيف هذه. فنحت أحد الكُتَّاب كلمة «هولوكيتش Holokitsch» لوصف الكُتب والأفلام عن موضوع الهولوكوست والتي تُنتَج وتُنشَر بهدف تحقيق الربح، حيث إنها تحاول إثارة العواطف واستغلالها على أسوأ وجه. وكلمة «كيتش» في اللغة الألمانية تعني الأعمال الفنية الشعبية الرديئة. كما ظهرت عبارة «هولوكوست بيزنس Holocaust business» أي «مشروع الهولوكوست التجاري» ، بمعنى توظيف الهولوكوست تجارياً لتحقيق الأرباح العالية. ومن العبارات الأخرى المتواترة عبارة «هولوكوست مانيا Holocaust mania» ، أي «الإنشغال الجنوني أو المرضي بالإبادة» .
ومن المعروف أن هناك عدة شعوب قامت من قبل بإبادة شعوب أخرى أو على الأقل بإبادة أعداد كبيرة منها. ووردت في العهد القديم أوامر عديدة بإبادة سكان أرض كنعان وطردهم. ولكن من الثابت تاريخياً أن العبرانيين والكنعانيين تزاوجوا، وأن معظم ادعاءات الإبادة قد تكون من قبيل التهويلات التي تتواتر في كثير من الوثائق القديمة أو تكون ذات طابع مجازي. وربما يكون قد تم فعلاً إبادة سكان مدينة أو اثنتين، لكن هذا لم يكن النمط السائد نظراً لتدني المستوى العسكري لدى العبرانيين، كما أن استيطان العبرانيين لم يتم عن طريق الغزو دفعة واحدة وإنما عن طريق التسلل أيضاً. ويستند الاستعمار الاستيطاني الإحلالي الغربي إلى الإبادة، فهذا ما فعله سكان أمريكا الشمالية البيض بالسكان الأصليين، وهي عملية استمرت حتى أواخر القرن التاسع عشر.

وفي تصوُّرنا أن ما يميِّز تجربة الإبادة النازية عن التجارب السابقة أنها تمت بشكل واع ومخطط ومنظَّم وشامل ومنهجي ومحايد، عن طريق استخدام أحدث الوسائل التكنولوجية وأساليب الإدارة الحديثة (أي أنها تجربة حديثة تماماً، منفصلة عن القيمة) . وهذه السمات مرتبطة بتزايد معدلات الترشيد والعلمنة الشاملة وتحييد الواقع كله (الإنسان والطبيعة) وتحويله إلى مادة استعمالية ليست لها قداسة خاصة، وذلك حتى يمكن التحكم (الإمبريالي) فيه وإخضاعه للتجريب بلا تمييز بين الإنسان والحيوان أو بين الألماني واليهودي، وهو ما نسميه في مصطلحنا «الحوسلة» ، أي تحويل كل شيء، وضمن ذلك الإنسان، إلى وسيلة. ومن ثم فهناك فارق ضخم بين الإبادة (الحديثة) وبين المذابح في المجتمعات التقليدية، إذ كانت المذابح تتم عادةً بشكل تلقائي غير منظم وغير منهجي وغير مخطط.
ويمكن في هذا المضمار أن نذكر «ليلة الزجاج المحطم» (بالألمانية: كريستال ناخت Kristallnacht) حينما قامت الجماهير الألمانية في العديد من مدن ألمانيا بالهجوم على أعضاء الجماعة اليهودية. ويُقال إن الغضب الشعبي لم يكن تلقائياً وإنما تم بتخطيط من القيادات النازية التي كانت مجتمعة في ميونخ. كما أن إلقاء القبض على أعداد من اليهود بعد الحادث يدل على أن الأمر لم يكن تلقائياً تماماً.

ويصف بعض الدارسين ليلة الزجاج المحطم بأنها هجوم شعبي شبه منظَّم على اليهود (بوجروم) ، ولكن نظراً لضآلة عدد الضحايا، لم يكن بوسع الدولة النازية أن تتخلص من ملايين اليهود باستخدام هذه الآلية البدائية التقليدية التي تعتمد على إثارة غضب الجماهير. ولذا، كان لابد من اللجوء إلى آليات أخرى أكثر حداثة، ووجد النازيون ضالتهم في مؤسسات الدولة الحديثة مثل التكنولوجيا المتقدمة التي تمتلكها، وأجهزة الإعلام التابعة لها، وأساليب الإدارة الحديثة الرشيدة. ويذهب هؤلاء الباحثون إلى أن الدولة النازية ما كان بوسعها أن تحقق غرضها بهذه السرعة وبهذه الكفاءة بدون هذه الآليات المتقدمة!
ونستخدم في هذه الموسوعة مصطلح «الإبادة النازية ليهود أوربا» ، وهو ـ في تصوُّرنا ـ مصطلح أكثر تفسيرية وحياداً من المصطلحات المستخدمة في اللغات الأوربية والعبرية، فكلمتا «هولوكوست» و «شواه» تحملان إيحاءات دينية. ومصطلح «الحل النهائي» يحدد مجاله الدلالي بشكل قاطع لا يتفق مع مضمونه الحقيقي. أما مصطلحنا فقد حَدَّد الظاهرة النازية من حيث هي ظاهرة أوربية داخل سياق التاريخ الألماني والأوربي، ومن حيث هي ظاهرة لم تحدث في سياق التاريخ العالمي. كما أنها تُضمر الإشارة للإبادة النازية للأقليات والشعوب الأخرى.
وكلمة «إبادة» كما نستخدمها لا تعني بالضرورة التصفية الجسدية، وإنما تعني «استئصال شأفة اليهود» بجميع الطرق وضمنها التهجير القسري (الترانسفير) وغيره من الطرق. ولذلك فنحن نشير أحياناً «للإبادة بالمعنى الخاص والمحدد للكلمة» ، أي «التصفية الجسدية المتعمَّدة» ، كما نشير «للإبادة بالمعنى العام للكلمة» وهي عملية "إبادة اليهود من خلال التهجير والتجويع وأعمال السخرة، وأخيراً التصفية الجسدية المتعمَّدة". ويمكننا هنا أن نقتبس كلمات أحد أهم خبراء الإبادة في التاريخ، أي الزعيم النازي أدولف هتلر.

فقد عبَّر عن إعجابه بإبادة الهنود الحمر (على يد المستوطنين البيض) عن "طريق التجويع أو القتال غير المتكافئ". (انظر: «إشكالية الحل النهائي ومؤتمر فانسي» ) . كما أننا لا نهمل ما نسميه «اختفاء اليهود» من خلال عوامل طبيعية مختلفة تقع خارج نطاق الإبادة النازية، بالمعنى العام أو الخاص (انظر: «موت الشعب اليهودي» ) .
الهولوكوست (الإبادة (
‏Holocaust (Extermination)
«هولوكوست» كلمة يونانية تعني «حرق القربان بالكامل» وهي بالعبرية «شواه» ، وتُترجَم إلى العربية أحياناً بكلمة «المحرقة» . وتُستخدَم كلمة «هولوكوست» في العصر الحديث عادةً للإشارة إلى إبادة اليهود، بمعنى تصفيتهم جسدياً، على يد النازيين.
المحرقة
‏Shoah
«المحرقة» ترجمة عربية للمصطلح العبري «شواه» ، وهو بدوره ترجمة للمصطلح اليوناني «هولوكوست» . ويُستخدَم المصطلح للإشارة إلى الإبادة النازية لليهود.
الإبادة وتفكيك الإنسان كإمكانية كامنة في الحضارة الغربية الحديثة
‏Extermination and Deconstruction of Man as a Potentiality in Modern Western Civilization
لابد أن نؤكد ابتداءً أن التحولات الاقتصادية والسياسية في أي مجتمع لا تتم في فراغ مهما يكن مستوى هذه التحولات عمقاً أو ضحالة. فالمناخ الفكري والثقافي والنفسي يساعد على تحقيق بعض الإمكانات الكامنة في الواقع المادي وإجهاض البعض الآخر، وعلى تحديد المسار النهائي لهذا الواقع إلى حدٍّ كبير. وتبني ألمانيا النازية لسلاح الإبادة كوسيلة لحل بعض المشاكل التي واجهها المجتمع الألماني لم يكن لينبع من الاعتبارات الاقتصادية أو السياسية وحدها، فهو أمر مرتبط تماماً بإطار ثقافي وحضاري ونفسي أوسع.

ويمكننا القول بأن ثمة عناصر تسم التشكيل الحضاري الغربي الحديث جعلت الإبادة احتمالاً كامناً فيه وليست مجرد مسألة عَرَضية، وولَّدت داخله استعداداً للتخلص من العناصر غير المرغوب فيها عن طريق إبادتها بشكل منظم ومخطط. وتحققت هذه الإمكانية بشكل غير متبلور في لحظات متفرقة، ثم تحققت بشكل شبه كامل في اللحظة النازية النماذجية. وقد قام الإنسان الغربي بعملية الإبادة النازية وغيرها من عمليات الإبادة لا رغم حضارته الغربية وحداثته، وإنما بسببها.

ولكن قبل أن نتوجه لقضية النزعة الإبادية في الحضارة الغربية، لابد أن نشير إلى وضع اليهود داخل الحضارة الغربية حتى عصر النهضة. فالمسيحية الغربية لم تُطوِّر مفهوماً واضحاً خاصاً بالأقليات في المجتمع الغربي ولم تُشرِّع لهم ولم تحدد وضعهم القانوني، واكتفت بمفهوم المحبة إطاراً عاماً. وقد صنَّفت الكاثوليكية الغربية اليهود باعتبارهم شعباً شاهداً، يقف في تدنيه وضِعَته «شاهداً» على عظمة الكنيسة وانتصارها. ولم يكن الأمر مختلفاً كثيراً على المستويين الاجتماعي والاقتصادي، حيث تحوَّل اليهود إلى جماعة وظيفية، وهي جماعة تُعرَّف في ضوء وظيفتها وفائدتها ونفعها (فهي مادة استعمالية) لا قداسة لها. وهذه الرؤية تعني «حوسلة» اليهود، ولكنها في الوقت نفسه تعني ضرورة الحفاظ عليهم وحمايتهم من الهجمات الشعبية. فالكنيسة الكاثوليكية كانت تحتاج إلى هذا الشاهد الأزلي على عظمتها. كما أن الطبقات الحاكمة (النبلاء الإقطاعيون والملوك) كانت في حاجة إلى اليهود كأداة طيعة من أدوات الاستغلال وامتصاص فائض القيمة من الجماهير (كان يُطلَق على اليهود كلمة «الإسفنجة» ، لأنهم يمتصون فائض القيمة من الجماهير ثم يقوم الحاكم الإقطاعي باعتصار ما جمعوه من ثروة من خلال الضرائب) . ولذا، وعلى عكس ما يتصور البعض، كان العداء لليهود حركة شعبية موجهة ضد الطبقات الحاكمة وضد الكنيسة مُمثَّلين في الرمز المحسوس المباشر اليهود، وكانت الكنيسة الكاثوليكية ومعها النبلاء هم حماة اليهود.

وتغيَّر الوضع مع ظهور عصر النهضة وبداية التشكيل الحضاري الغربي الحديث بشكل جوهري. إذ ظهرت البروتستانتية التي رفضت فكرة الشعب الشاهد ولكنها تبنت بدلاً منها العقيدة الألفية الاسترجاعية التي ترى أن المسيح سيعود مرة أخرى للأرض ويؤسس مملكته على الأرض لمدة ألف عام، وكان كل هذا مشروطاً بعودة اليهود إلى أرض الميعاد وتنصيرهم. فكأن اليهودي ظل مجرد أداة (كما هو الحال في الرؤية الكاثوليكية) ولكنه أداة لا يتم الحفاظ عليها وإنما لابد من نقلها (ترانسفير) إلى فلسطين وتذويبها في المنظومة المسيحية. وتزامن هذا مع ظهور البورجوازيات المحلية والدولة القومية التي اضطلعت بكثير من وظائف الجماعة الوظيفية اليهودية التي لم يعد لها نفع. ولذا، كانت المسألة اليهودية في أوربا تُناقش في إطار مدى نفع اليهود، فكان أعداء اليهود يبينون أنهم لا فائدة لهم، أما المدافعون عنهم (ومنهم المتحدثون باسم اليهود) فكانوا يركزون على «فائدة» اليهود ونفعهم. وطُرح تصور مفاده أنه يجب زيادة حقوق اليهود زيادة طردية مع زيادة نفعهم، فإن زاد الواحد زاد الآخر (وهو ما يعني أن تَناقُص نفعهم يعني تفاقم مشاكلهم) . وقد قُسِّم اليهود إلى أقسام مختلفة تم تنظيمها بشكل هرمي. ففي أعلى الهرم كان يوجد أكثر اليهود نفعاً، وهؤلاء كانوا يتمتعون بكافة الحقوق التي يتمتع بها أي مواطن ألماني، وفي قاعدة الهرم كان يوجد اليهود غير النافعين الذين لا يتمتعون بأية حقوق ولذا كانوا يُصنَّفون ضمن من يجب التخلص منه وذلك بترحيلهم (بالإنجليزية: ديسبوزابل ترانسفيرابل disposable transferable) .

وساهمت كل هذه العناصر ولا شك في خلق الاستعداد الكامن والتربة الخصبة والتبادل الاختياري (بالإنجليزية: اليكتيف أفينيتي elective affinity في مصطلح ماكس فيبر) بين الحضارة الغربية وعملية إبادة اليهود. ولكن العنصر الحاسم ـ في تصورنا ـ في ظهور النزعة الإبادية (ضد اليهود وغيرهم من الأقليات والجماعات والشعوب) هو الرؤية الغربية الحديثة للكون. وهي رؤية يمكن وصفها بإيجاز شديد بأنها رؤية مادية واحدية (حلولية كمونية) تعود جذورها إلى عصر النهضة في الغرب. وقد اتسع نطاقها وازدادت هيمنتها إلى أن أصبحت هي النموذج التفسيري الحاكم مع منتصف القرن التاسع عشر، عصر الإمبريالية والداروينية والعنصرية. وقد بدأت هذه الرؤية بمرحلة إنسانية هيومانية وضعت الإنسان في مركز الكون وتبنت منظومات أخلاقية مطلقة، تنبع من الإيمان بالإنسان باعتباره كائناً مختلفاً عن الطبيعة/المادة، سابقاً عليها، له معياريته ومرجعيته وغائيته الإنسانية المستقلة عنها (وهذا شكل من أشكال العلمانية الجزئية) . ولكن هذه الرؤية الإنسانية المادية تطورت من خلال منطق النسق المادي الذي يساوي بين الإنسان والطبيعة ومن خلال تَصاعُد معدلات الحلولية والعلمنة وانفصال كثير من مجالات النشاط الإنساني (الاقتصاد ـ السياسة ـ الفلسفة ـ العلم) عن المعيارية والمرجعية والغائية الإنسانية إلى أن فقد الإنسان مركزيته ومطلقيته وأسبقيته على الطبيعة/المادة وتحوَّل إلى جزء لا يتجزأ منها وأصبح هو الآخر مادة، منفصلة عن المرجعية والغائية والمعيارية الإنسانية (وهذه هي العلمانية الشاملة) .

وفي هذا الإطار ظهرت الأخلاق النفعية المادية التي تُعفي الإنسان من المسئولية الأخلاقية، فهي مستمدة من الطبيعة/المادة ومن قوانينها المتجاوزة للعواطف والغائيات والأخلاقيات الإنسانية. ومن ثم تَحرَّر الإنسان الغربي من أية مفاهيم متجاوزة مثل مفهوم «الإنسان ككل» أو «الإنسانية جمعاء» أو «صالح الإنسانية» ، كما تحرر من القيم المطلقة مثل «مستقبل البشرية» و «المساواة» و «العدل» ، وجعل من نفسه المركز والمطلق المنفصل تماماً عن كل القيم والغائيات الإنسانية العامة، وأصبح هو نفسه تجسيداً لقانون الطبيعة ولحركة المادة وتحول إلى مرجعية ذاته، وقانون ذاته، ومعيارية ذاته، وغائية ذاته، ومن ثم أصبح من حقه أن يحوسل العالم كله وجميع شعوب الأرض لخدمة صالحه كما عرَّفه هو. وبذا تحوَّلت الإنسانية (الهيومانية) الغربية إلى إمبريالية وأداتية ثم إلى عنصرية، وانقسم البشر إلى سوبرمنsupermen إمبرياليين يتحكمون في كل البشر والطبيعة، وإلى سبمنsubermen دون البشر أداتيين يذعنون لإرادة السوبرمن ولقوانين الطبيعة والمادة. وهذا ما نسميه «النفعية الداروينية» وهي المنظومة التي تذهب إلى أن من يملك القوة له «الحق» في أن يوظِّف الآخرين لخدمة مصالحه، مستخدماً في ذلك آخر المناهج العلمية وأحدث الوسائل التكنولوجية، متجرداً من أية عواطف أو أخلاق أو أحاسيس كلية أو إنسانية باعتبار أن الإنسان إن هو إلا مادة في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير، ومن ثم فمثل هذه الأحاسيس هي مجرد أحاسيس ميتافيزيقية أو قيم نسبية مرتبطة بالزمان والمكان، وليس لها أية ثبات أو عالمية.

وتتبدَّى مادية هذه المنظومة وواحديتها في عدد من المصطلحات التي حققت قدراً من الذيوع في النصف الثاني من القرن التاسع عشر حين أخذت المنظومة في التبلور وحينما تحددت معالم المشروع الإمبريالي الغربي والنظرية العرْقية الغربية. ومن أهم هذه المصطلحات، من منظور هذه الدراسة، ما يلي: «المادة البشرية» (بالإنجليزية: هيومان ماتيريال human material) - «الفائض البشري» (بالإنجليزية: هيومان سيربلاس human surplus) - «مادة استعمالية» (بالإنجليزية: يوسفول ماتر useful matter) . فكان يُشار إلى البشر باعتبارهم «مادة بشرية» يمكن توظيفها، أما من لا يمكن توظيفه فكان يُشار إليه باعتباره «مادة بشرية فائضة» (وأحياناً «غير نافعة» ) . وهذه المادة الفائضة كان لابد وأن تُخضع لشكل من أشكال المعالجة، فكانت إما أن تُصدَّر (ترانسفير) أو تُعاد صياغتها أو تُباد إن فشلت معها كل الحلول السابقة. وترد هذه المصطلحات (وغيرها) في كتابات مفكري العنصرية الغربية مثل ماكس نوردو (قبل اعتناقه الصهيونية) وفي الأدبيات النازية (كان أيخمان يشير إلى اليهود المرحلين إلى فلسطين باعتبارهم «من أفضل المواد البيولوجية» ) . وفي الأدبيات الصهيونية (كتاب هرتزل دولة اليهود) . ولنلاحظ أن كل المصطلحات تُضمِر البُعدين الإمبريالي والأداتي، الدارويني والبرجماتي، فالإنسان مادة تُوظَّف، مجرد موضوع، ولكن هناك أيضاً من يُوظِّف، فهو ذات نشطة فعالة. لكن كلاً من الذات الإمبريالية والموضوع الأداتي يدوران في إطار الرؤية المادية الواحدية. فالسوبرمن والسبمن ينتميان إلى عالم وثني حلولي كموني.

ولا يزال هذا هو المفهوم السائد للنفس البشرية، رغم تواري المصطلحات التي تُعبِّر عن المفهوم بشكل متبلور. ومع هذا يُفصح النموذج عن نفسه بشكل فاضح، وتعاود المصطلحات الشفافة الظهور. ففي عام 1996 تكشفت فضيحة تخلي حكومة الولايات المتحدة عن بعض عملائها من الفيتناميين ممن تم تجنيدهم ليعملوا كجواسيس لحسابها. وممن قبضت عليهم المقاومة الفيتامينية، إذ أنها بدلاً من أن تحاول العمل على الإفراج عنهم، آثرت الراحة وأعلنت أنهم لاقوا حتفهم حتى يُغلَق ملفهم تماماً ولا تُصدع رأسها. وقد برَّر أحد الجنرالات الأمريكيين موقف حكومته بقوله إن هؤلاء العملاء أصبحوا بعد القبض عليهم مجرد «ممتلكات لا قيمة لها» (بالإنجليزية: أن فايابل أستس unviable assets) ، أي مادة بشرية فائضة لم يعد لها نفع بالنسبة للسوبرمان الذي قام باستخدامها.
وهذه هي النواة المعرفية والأخلاقية الأساسية للحضارة الغربية الحديثة. وهي نواة نمت وترعرعت وعبَّرت عن نفسها من خلال ثنائية الإمبريالي والأداتي، والسوبرمان والسبمان، فتزايدت معدلات اليقينية العلمية من ناحية، الأمر الذي أدَّى إلى تَزايُد إحساس الإنسان الغربي بذاته وبقوة إرادته ومقدرته على البطش (خصوصاً بين النخبة الإمبريالية الحاكمة) . كما تزايدت في الوقت نفسه معدلات النسبية المعرفية والأخلاقية، الأمر الذي أدَّى إلى ضمور حس الإنسان الغربي الخُلقي وضمور قدرته على اتخاذ القرار، كما عَمَّقت قابليته للإذعان للقانون الموضوعي العام المجرد (اللاإنساني) كقيمة مطلقة لابد من العمل بمقتضاها والسير بهديها دون تساؤل (خصوصاً بين الجماهير) .

وسنورد فيما يلي بعض العناصر التي ساعدت على تعميق هذا الاتجاه العام في الحضارة الغربية. وتجدر ملاحظة أن كثيراً من العناصر التي سنوردها قد يكون لها وجهان أحدهما إمبريالي (بالنسبة للسوبرمن) والآخر أداتي (بالنسبة للسبمن) ، فالوجهان متداخلان، وإن كان هناك من يُوظِّف فلابد أن يوجد من يُوظَّف:
1 ـ تصاعدت معدلات المشيحانية (أو المهدوية) العلمية أو العلموية، أي التبشير بأن التراكم المعرفي العلمي والتقدم التكنولوجي والتنظيم التكنوقراطي الدقيق (المنفصل عن القيمة) سيجعل الإنسان قادراً على التحكم في ذاته وفي واقعه تماماً، وعلى التوصل إلى الحلول النهائية لمشاكله كافة (الاقتصادية والسياسية والفلسفية والنفسية) ، وإلى فرض هذه الحلول النهائية المجردة العلمية الدقيقة (المستمدة من عالم الطبيعة/المادة البسيطة) على الواقع الاجتماعي والإنساني، فيتخلص الإنسان من مشاكله (دفعة واحدة أو تدريجياً) ويستأصل كل ما يقع خارج حدود الحل النهائي أو يعوقه عن التحقق أو يعوق ظهور الإنسان الجديد الكامل (الذي يختلف عن الإنسان كما نعرفه) . فهذا الإنسان الكامل يتحكم في نفسه تماماً، ويبرمجها، أو يمكن برمجته. ومن هنا ظهر الاهتمام بعلوم جديدة مثل تحسين النسل (والهندسة الوراثية) . ومن هنا العداء الشديد للتشوهات الخلقية وللأمراض النفسية، بل فكرة المرض نفسها باعتبارها تعبيراً عن الانحراف عن المعيار الطوباوي النهائي. ولكن حينما يُهيمن هذا المعيار يتم تأسيس الفردوس الأرضي، اليوتوبيا التكنولوجية التكنوقراطية، دولة النعيم المقيم في الأرض المؤسس على العلم والتكنولوجيا، وتُعلَن نهاية التاريخ والإنسان كما نعرفه. وهذا الحل النهائي سيعفي الإنسان من مسئولية الاختيار الأخلاقي إذ أن كل شيء سيكون مخططاً مبرمجاً، خاضعاً لهندسة اجتماعية صارمة، وتحت السيطرة السياسية والتكنوقراطية الكاملة. ولنا أن نلاحظ أنه سيكون هناك دائماً نخبة من السوبرمن

تقرر طبيعة الحل أو البرنامج النهائي ومتى يمكن إعلان نهاية التاريخ وكيفية اتخاذ الإجراءات اللازمة للوصول لتلك اللحظة، وإلى جانب النخبة ستوجد قاعدة عريضة من السبمن يُدْفَع بها دفعاً نحو اليوتوبيا.
2 ـ ظهور أيديولوجيات علمانية شاملة (مثل الماركسية أو الاشتراكية العلمية والفاشية والنازية) ذات طابع مشيحاني قوي وذات رؤية خلاصية تدور حول مطلق علماني مادي شامل، وتنطلق من الإيمان بالعلم والتكنولوجيا والتنظيم. هذا لا يعني أن الأيديولوجيات العلمانية الأخرى ترفض العلم مصدراً وحيداً للوصول إلى المعرفة ولتوليد القيم فهذا هو إطارها المرجعي الوحيد، ولكن ما يحدث مع أيديولوجيات مثل النازية والماركسية (في نزعتها الستالينية) أن منطق العلمانية الشاملة يُعبِّر عن نفسه بشكل كامل يتسم بدرجة عالية من التبلور، خصوصاً حينما يسانده جهاز الدولة المركزية الحديثة.

3 ـ مع تَزايُد معدلات العلمنة الشاملة، لم يَعُد من الممكن تصنيف البشر على أساس ديني (متجاوز للقوانين الطبيعية/المادية) ، فلم يكن ثمة مفر من تصنيفهم على أساس مادي موضوعي طبيعي كامن (حالّ) فيهم، وليس مفارقاً لهم. ولهذا، طُرح الأساس البيولوجي العرْقي أساساً وحيداً وأكيداً لتصنيفهم. وتم المزج بين هذه النظرية شبه العلمية ونظرية أخرى شبه علمية وهي الداروينية الاجتماعية، وكانت الثمرة هي النظرية الغربية في التفاوت بين الأعراق ذات الطابع الدارويني. وتُقسِّم هذه النظرية الجنس البشري بأسره إلى أعراق لكلٍ منها سماته التي يمكن تحديدها علمياً. ومن ثم يمكن تصنيف البشر إلى أعراق راقية عليا: الآريون وبخاصة النورديون، وأعراق دنيا: الزنوج والعرب واليهود. وتَفوُّق العنصر الآري الأبيض على كل الشعوب الأخرى يعطيه حقوقاً مطلقة كثيرة تتجاوز أية منظومات قيمية وأي حديث عن المساواة. وكلمة «آريان Aryan» ، أي «آري» ، مشتقة من اللغة السنسكريتية ومعناها «سيِّد» . وقد استُخدم المصطلح في بداية الأمر للإشارة إلى مجموعة من اللغات الإيرانية ثم الهندية الأوربية، إذ طرح العالم الألماني ماكس مولر (1823 ـ 1900) نظرية مفادها أن هناك جنساً يُسمَّى «آرياس» كان يتحدث اللغة الهندية الأوربية التي تفرعت عنها اللغات الهندية الأوربية الأخرى جميعاً ابتداءً بالهندوستانية وانتهاء بالإنجليزية. كما استُخدم المصطلح للإشارة إلى الشعوب الهندية الأوربية التي انتشرت في جنوب آسيا وشمال الهند في العصور القديمة. وكان جوزيف جوبينو (1816 ـ1882) من أهم المفكرين الذين أشاعوا هذه الفكرة، فكان عادةً ما يضع الآريين مقابل الساميين، وكان ثمة تَرادُف مُفترَض بين الآرية والهيلينية مقابل السامية.

وقام المفكرون العرْقيون الغربيون بتطوير المفهوم فذهبوا إلى أن هذا الجنس الآري انتشر من شمال الهند وإيران عبر الإستبس، إلى أوربا، وهو جنس يتسم ـ حسب نظريتهم ـ بالجمال والذكاء والشجاعة وعمق التفكير والمقدرة على التنظيم السياسي، وبأنه المؤسس الحقيقي للحضارة وبتفوقه على الساميين والصفر والسود. ونبه هيوستون ستيوارت تشامبرلين (1855 ـ 1927) إلى أن النورديين هم أرقى الآريين، فهم الجنس السيد، أما اليهود والسود والعرب فيشغلون أدنى درجات السلم العرْقي. بينما ذهب دعاة النظرية العرْقية إلى أن التزاوج بين أعضاء الأجناس المختلفة يؤدي إلى تدهور العرْق الأسمى الذي يجب أن يحتفظ بنفسه قوياً نقياً حتى يضمن لنفسه البقاء والتماسك العضوي. وبطبيعة الحال، صُنِّف أعضاء الأجناس الأدنى باعتبارهم غير نافعين من منظور المطلق العرْقي (الشعب العضوي) لأنهم خطر على تماسك الشعب (أو العرْق) وعلى تجانسه، وعدم التماسك يؤذي المصلحة العليا للدولة لأن التماسك يؤدي إلى زيادة الكفاءة الإنتاجية، وإلى زيادة قوة الدولة في مقدرتها على البقاء والانتشار والهيمنة.
4 ـ مع تَصاعُد معدلات العلمنة ظهرت كذلك فكرة الفولك أو الشعب العضوي الذي تربطه بأرضه وثقافته رابطة عضوية حتمية لا تنفصم عراها، وهنا تحل الرابطة الإثنية محل الرابطة العرْقية، ولكنها لا تختلف عنها في كمونيتها وحتميتها وفي تحولها إلى أساس تأكيد التفاوت بين الشعوب. ويُلاحَظ أن الشعب العضوي باعتباره قيمة مطلقة ومرجعية ذاته يتجاوز كل القيم، ولكن صفة المطلق هنا لا تنسحب على الإنسان باعتباره فرداً قادراً على الاختيار الأخلاقي الحر وإنما على مجموعة من البشر لها سماتها الجماعية ومصالحها المشتركة وحقوقها المطلقة!

5 ـ تزايدت معدلات النسبية المعرفية، فعالم الطبيعة/المادة هو عالم حركي لا ثبات فيه ولا حدود، بحيث أصبح الإنسان يشك في وجود أية حقيقة يقينية. وهذا الشك لا ينصرف إلى الحقيقة وحسب وإنما إلى الموضوع ثم إلى الذات. وقد انتهى الأمر بالفلسفة الغربية إلى إنكار الكليات والميتافيزيقا وظهرت الفلسفة المعادية للفلسفة والميتافيزيقا وأي شكل من أشكال الثبات، بما في ذلك ثبات الطبيعة البشرية. وهي فلسفة النسبية المعرفية الكاملة التي تصل إلى حالة من السيولة الكاملة وتنكر الذات والموضوع والمركز ومفهوم الطبيعة البشرية وإمكانية المعرفة والأخلاق وأي شكل من أشكال المعيارية (ما بعد الحداثة) . ورغم أن النازية تسبق ظهور ما بعد الحداثة بعدة أجيال إلا أن كثيراً من العناصر التي أدَّت إلى ظهور ما بعد الحداثة كانت قد تشكلت وتبلورت وكانت الفلسفة الغربية قد دخلت عصر السيولة. ولعله ليس من قبيل الصدفة أن هايدجر، بنزعته النيتشوية، والذي خرجت ما بعد الحداثة من تحت عباءته، أيَّد النازية بلا تحفظ، وكان النازيون يعتبرونه فيلسوفهم.
6 ـ تَزايُد معدل انفصال الحقائق والعلم الطبيعي عن القيمة، والتجريب عن العقل، بحيث أصبح التجريب، المنفصل عن أية غائيات إنسانية أو أخلاقية، هدفاً في حد ذاته. وترجم هذا نفسه إلى ما يُسمَّى العلم المحايد، المتجرد تماماً من القيمة. ولكن هناك دائماً من يقرر القيمة ونوعية التجارب التي ستُجرى.
7 ـ تعاظمت قوة الدولة المركزية وهيمنتها وتحويلها ذاتها إلى مطلق، ومن ثم أصبح الدفاع عن مصلحة الدولة القومية (ظالمة كانت أم مظلومة) مسألة لا تقبل النقاش ولا تخضع لأية معيارية، والانحراف عن هذا الهدف النهائي المطلق هو الخيانة العظمى وعقوبتها الإعدام. ويُلاحَظ أن مصطلحات مثل «مصلحة الدولة العليا» ليس لها مضمون أخلاقي، وتَقبُّلها يعني تَقبُّل المجردات غير الإنسانية.

8 ـ ظهرت مؤسسات بيروقراطية قوية (حكومية وغير حكومية) تولت كثيراً من الوظائف التي كانت تتولاها الأسرة في الماضي، وتقوم بعملية الاختيار بالنيابة عن الإنسان الفرد الأمر الذي يعني تَزايُد ضمور الحس الخلقي وانكماش ما يُسمَّى «رقعة الحياة الخاصة» .
9 ـ كانت هذه المؤسسات ترى نفسها ذاتاً مطلقةً تُعبِّر عن مصلحة الدولة (التي تُعبِّر عن إرادة الشعب) وقد جعلت جل همها أن تنفِّذ المطلوب منها تنفيذه بأقل التكاليف وأكثر الوسائل كفاءة، دون أخذ أية اعتبارات خُلقية في الاعتبار.
10ـ تزايدت معدلات الترشيد والتنميط والميكنة وهيمنة النماذج الكمية والبيروقراطية على المجتمع بكل ما ينجم عن ذلك من ترشيد للبيئة المادية والاجتماعية وترشيد للإنسان من خارجه وداخله.
11 ـ تَصاعَد نفوذ مؤسسات الدولة المركزية «الأمنية» البرانية والجوانية وزادت مقدرتها على قمع الأفراد وتوجيههم «وإرشادهم» من الداخل والخارج. ورغم أهمية مؤسسات القمع المباشر البراني مثل المخابرات والبوليس السري، إلا أن المؤسسات الأمنية الجوانية، مثل المؤسسات التربوية والإعلام، كانت تفوقها في الأهمية. فإذا كانت المؤسسات البرانية تقوم بتوجيه الفرد بغلظه من الخارج، فالمؤسسات الثانية تقوم بترشيده من الداخل ببطء وبشكل روتيني يومي لا يشعر هو به حتى يصل به الأمر إلى تَمثُّل، ثم استبطان، رؤية الدولة تماماً، فينظر إلى الواقع من خلال عيونها دون حاجة إلى قمع خارجي، ويحيِّد ذاته وحسه الخلقي، ويصبح المجتمع أو الدولة أو العلم الطبيعي المصدَر الوحيد للقيمة المطلقة، وفي نهاية الأمر ينظر إلى نفسه باعتباره جزءاً من آلة كبرى، وتصبح مهمته الأساسية، وربما الوحيدة، هي التكيف البرجماتي مع دوران الآلة.

12 ـ تزايدت معدلات التجريد في المجتمع، ومن المعروف أن عمليتي التجريد والترشيد هما عمليتان متلازمتان، إذ لا يمكن الترشيد دون تجريد، أي نزع الصفات الخاصة عن الشيء والتركيز على الصفات العامة فيه والتي تجمع بينه وبين الأشياء الأخرى حتى يتسنى استيعابه داخل الآلة الاجتماعية. ويؤدي التجريد إلى ابتعاد الواقع الحي بحيث لا يدركه المرء بشكل مباشر متعين له قيمة، إذ يصبح شيئاً له مواصفات محددة يمكن تقسيمه إلى أجزاء يمكن استبدال بعضها، وينطبق هذا على البشر انطباقه على الأشياء. ويرى أورتيجا جاسيت أن عملية التجريد مرتبطة تمام الارتباط بعملية نزع الصبغة الإنسانية (بالإنجليزية: دي هيومانايزيشن dehumanization) .
وقد نجحت عمليات التجريد المتزايدة في جعل القيمة الأخلاقية شيئاً بعيداً للغاية لا علاقة له بفعل الإنسان المباشر. ولنضرب مثلاً من صناعة الأسلحة الكيماوية الفتاكة: تُقسَّم عملية إنتاج المبيد البشري إلى عدة وظائف صغيرة، كل وظيفة تُشكِّل حلقة تؤدي إلى ما بعدها وحسب. ولأنها مجرد حلقة، فهي محايدة تماماً ولا معنى لها، إذ لا يوجد أي مضمون خلقي لعملية إضافة محلول لآخر. ومن ثم، تظل النهاية الأخلاقية (حرق البشر وإبادتهم) بعيدة للغاية. والعامل أو الموظف المسئول عن هذه الحلقة سيبذل قصارى جهده في أداء عمله الموكل إليه دون أية أعباء أخلاقية، ومن ثم تستمر الآلة الجهنمية في الدوران من خلال الحلقات والتروس، ولا يتحمل أي شخص مسئولية إبادة البشر، إذ أن مسئولية العامل أو الموظف مسئولية فنية تكنوقراطية وليست مسئولية أخلاقية.

13 ـ ومن المظاهر الأخرى للتجريد في المجتمع الحديث ممارسة العنف عن طريق مؤسسات متخصصة تقوم بتحقيق أهدافها بشكل مؤسسي رشيد (أي مقنن) ومنظم لا دخل فيه للعواطف. وعادةً ما تتم عمليات التعذيب وغيرها من أعمال العنف بعيداً عن الناس في أطراف المدينة، داخل مكاتب أنيقة تم تقسيمها بعناية فائقة. وعادةً ما يتم التعذيب بأساليب علمية بحيث لا يترك أثراً على جسد الضحايا. وإن تم قتلهم فعادةً ما يمكن التخلص من جثثهم بطريقة نظيفة عالية الكفاءة.
14 ـ تظهر عمليتا التجريد والترشيد في استجابة البشر للعنف والإبادة، إذ تحل الحسابات الرشيدة محل الاستجابة التلقائية والعواطف بحيث يمكن للإنسان أن يكبت أية أحاسيس بالشفقة أو الانفعال الغريزي داخله أو الإحساس التلقائي المباشر ويَحل محل ذلك كله قدر عال من الانضباط والتخطيط.

ويمكن القول بأن ما تم إنجازه في الحضارة الغربية الحديثة هو القضاء على الشخصية التقليدية ذات الولاء لمطلق خُلقي ثابت يتجاوز عالم المادة والتاريخ (ومن ثم فهي شخصية تعيش في ثنائيات وتعددية) وحلَّت محلها الشخصية الحركية المتغيرة والمتقلبة مع حركة المادة، التي لا ولاء عندها لأية ثوابت أو مطلقات والتي تحررت من أية قيم أو غائية، فهي تعيش في عالم الواحدية المادية المعقم من القيم المتجاوزة. هذه الشخصية يمكن أن تتبدَّى من خلال إمبريالية داروينية مليئة باليقينية العلمية توظِّف الكون (الطبيعة والإنسان) لصالحها، ويمكن لها أن تتبدَّى من خلال إذعان أداتي فتصبح شخصية نمطية تعاقدية برجماتية ذات بُعد واحد، تستبطن تماماً النماذج السائدة في المجتمع والتي تروجها الأجهزة الأمنية للمجتمع وضمن ذلك الإعلام، وهي شخصية نسبية هزيلة مهتزة لا تثق في ذاتها ولا رؤيتها ولا هويتها ولا منظوماتها ولذا يتحدد تَوجُّهها حسب ما يصدر لها من أوامر تأتي لها من عل، ويتحدد ولاؤها استناداً إلى المصلحة المادية المتغيرة التي يتم تعريفها مدنياً وقومياً وعلمياً وموضوعياً (من خلال الجهات المسئولة واللجان المتخصصة والسوبرمن) ومن ثم يمكنها أن تطيع الأوامر البرانية وتنفذ التعليمات بدقة متناهية. وهي شخصية ذات عقل أداتي لا تفكر في الغايات وإنما في الوسائل والإجراءات وحسب، وفي أحسن السبل لإنجاز ما أوكل لها من مهام دون تساؤل عن مضمونها الأخلاقي أو هدفها الإنساني.

وحينما ظهرت هذه الشخصية، أصبح من الممكن أن تقرر الدولة وأعضاء النخبة إبادة عناصر غير نافعة في المجتمع (الفائض البشري) أو في وطن آخر أو قارة بأسرها تشكل مجالاً حيوياً للدولة صاحبة القرار. ولم يعد هذا جريمة إذ لا توجد قوانين مطلقة خارجة عن الدولة، أو هي «جريمة قانونية مشروعة» ،إن صح القول، تكتسب مشروعيتها من أن الدولة توافق عليها وتباركها، بل تشجع عليها وتضرب على يد كل من يعارضها أو يحجم عن اقترافها.
وهناك على كلٍّ المؤسسات المتخصصة لتنفيذ الجريمة، وهي مؤسسات بيروقراطية منفصلة عن القيمة، تتجاوز الخير والشر، ولا تسأل عن السبب وإنما عن الوسيلة (أي أنها ملتزمة بالترشيد الإجرائي وأخلاقيات الصيرورة) ، والعاملون في مثل هذه المؤسسات لا يتخذون قرار قتل الأطفال، على سبيل المثال، بأنفسهم، ولا ينفذون جريمة القتل بأيديهم فاللجان المتخصصة التي تضم السوبرمن تجتمع على أعلى مستوى وتناقش المسألة بطريقة علمية وبيروقراطية وفي لغة محايدة وتتخذ القرارات في ضوء ما تراه هي الصالح العام. ثم يصدر الأمر في نهاية الأمر، لا بالقتل أو التصفية الجسدية وإنما بالقيام بعمليات «التطهير العرْقي» أو «الحل النهائي» أو خدمة «مصلحة الدولة العليا» . ثم يُقسَّم القرار إلى مئات التفاصيل التي يقوم بها آلاف الموظفين التنفيذيين من الجنود والعمال والفلاحين والمهنيين الذين لن يشعروا بهذا الطفل الذي سيُقتَل في غابات فيتنام أو في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين أو في معسكرات الاعتقال النازية.

وحتى إذا شعر الإنسان في أعماق أعماقه بلا أخلاقية القرار، فسوف يكون قد تعلم من الآليات ما يجعله قادراً على إسكات حسه الخُلقي. فالإنسان الحديث أصبح بوسعه، بحسه العملي، ومن خلال الحسابات الرشيدة والتسويغ العلمي الموضوعي المحايد الصارم والنسبية الكاملة التي تجعل الأمور متساوية، تبرير أي شيء وقبول أي وضع، فتمكن التضحية بالجزء في سبيل الكل، والأقلية في سبيل الأغلبية، والمرضى في سبيل الأصحاء، والعجزة في سبيل الشباب. ومع سيطرة حب البقاء، باعتبار أن البقاء قيمة مطلقة، فإن الجميع يمكن أن يتعاونوا مع الدولة من قبيل تقليل الخسائر (إذ لا توجد قيم مطلقة أو مرجعية متجاوزة يمكن للفرد أن يؤمن بها ويموت من أجلها ويحاكم البشر والأمم كافة من منظورها) . ثم تتكفل المؤسسات الإعلامية للدولة بتصفية كل ما تبقى من أحاسيس إنسانية أو أخلاقية "متخلفة" تشكل ثنائية لا تريد أن تختفي.
وبهذا المعنى يمكن القول بأن الحضارة الغربية الحديثة (في جانب هام من جوانبها) هي تعبير عن التراجع التدريجي والمستمر للفلسفة الإنسانية الهيومانية التي تؤكد استقلالية الإنسان عن الطبيعة/المادة ومقدرته على تجاوزها وعلى تطوير منظومات قيمية ومعرفية تضعه في مركز الكون. هذا التَراجُع يقابله تَصاعُد مستمر ومطرد للحلولية الكمونية المادية (أي الواحدية المادية أو وحدة الوجود المادية أو العلمانية الشاملة) التي تُهمِّش الإنسان ومنظوماته المعرفية والأخلاقية جميعاً وتُسوِّيه بالظواهر الطبيعية وترده إلى عناصره الأولية المادية، أي تقوم بتفكيكه وتذويبه تماماً في الطبيعة/المادة، فتلغيه وتبيده ككائن له قيمة مطلقة، مستقل عن قوانين الحركة الطبيعية/المادية.

وقد يكون من المفيد والطريف في الوقت نفسه أن نربط مصطلحي «الإبادة» (بالإنجليزية: إكسترمينيشن extermination) و «التفكيك» (بالإنجليزية: دي كونستراكشن deconstruction) بمجموعة من المصطلحات الأخرى التي استخدمها علم الاجتماع الغربي لوصف بعض الجوانب السلبية للحداثة الغربية، وكلها ت
فيد تهميش وتفكيك وتَراجُع وضمور وذبول وغياب الإنساني والأخلاقي لصالح ما هو غير إنساني ومحايد ومتشيئ:
1 ـ «دي سنترينج مان decentering man» أي «إزاحة الإنسان عن المركز» ، بمعنى «إفقاد الإنسان مركزيته في الكون» .
2 ـ «دي برسونالايزيشن depersonalization» أي «إسقاط السمات الشخصية» .
3 ـ «ديس انتشانتمنت أوف ذي ورلد disenchantment of the world» أي «تحرير العالم من سحره وجلاله» ، بمعنى أن يصبح العالم مادة محضة لا أسرار فيها، يمكن للعقل الإحاطة بها ومعرفة قوانينها والتحكم فيها.
4 ـ «دي سانكتيفيكيشن desanctification» أو «دي ساكرالايزيشن desacralization» أي «نزع القداسة عن الظواهر كافة [ومنها الإنسان] بحيث تصبح لا حرمة لها وينظر لها نظرة مادية لا علاقة لها بما وراء الطبيعة» .
5 ـ «دي ميستفيكيشن demystification» أي «نزع السر عن الظواهر [بما في ذلك الإنسان] » .
6 ـ «دي نيودينج denuding» أي «تعرية كل الظواهر من أية مثاليات [ومنها الإنسان] حتى تظهر على حقيقتها المادية» .
7 ـ «دي هيومانايزيشن dehumanization» أي «تجريد الإنسان من خصائصه الإنسانية» .

وهكذا تبدأ عملية العلمنة الشاملة (بعد المرحلة الإنسانية الهيومانية الأولى) بإزاحة الإنسان عن المركز ثم نزع الجوانب الشخصية عنه بحيث يصبح شيئاً ليست له خصوصية أو تفرُّد. ثم «يُحرَّر» العالم من سحره وجماله فيصبح الإنسان والطبيعة مادة محضة، ثم تنزع عنه كل قداسة وتُهتَك كل أسراره، ويُعرَّى من أية مثاليات لنصل إلى نوع من أنواع الإباحية الأخلاقية المعرفية إذ يصبح الإنسان لحماً يُوظَّف في مزارع البيض في الجنوب الأمريكي أو مصانع الرأسماليين في لندن أو يُرسل إلى معسكرات السخرة والإبادة في ألمانيا أو يُصوَّر في مجلات إباحية في كل أو أي مكان. والمحصلة النهائية لكل هذا هي نزع الصفة الإنسانية عن الإنسان وتحويله إلى مادة محضة، قابلة للحوسلة. وهذه هي قمة العلمنة الشاملة والتفكيك الكامل.
ونحن نربط كل هذه المصطلحات وغيرها بمصطلح «نهاية التاريخ» باعتبار أن نهاية التاريخ هي النقطة التي يتم التحكم فيها في كل شيء وينتهي الإنسان كما نعرفه، أي الإنسان الذي يشغل مركز الكون متجاوزاً النظام الطبيعي.
ونحن لا نزعم أن الرؤية الواحدية المادية تؤدي حتماً وبشكل مطلق إلى الإبادة والتفكيكية. كل ما نؤكده أن مثل هذه الرؤية تخلق التربة الخصبة لانتشار الآراء النفعية الداروينية المادية التي تترعرع فيها الاتجاهات والأفكار الإبادية والتفكيكية وتتحقق.
الآريون
‏Aryans
انظر: «الإبادة وتفكيك الإنسان كإمكانية كامنة في الحضارة الغربية الحديثة» .
تحول الإمكانية الإبادية إلى حقيقة تاريخية
‏Historical Realization of the Genocidal Potential

هذه القابلية أو الإمكانية الكامنة للإبادة، ولتفكيك الإنسان لعناصره المادية الأساسية لاستخدامها على أكمل وجه، تحققت أول ما تحققت بشكل جزئي وتدريجي في التجربة الاستعمارية الغربية بشقيها الاستيطاني والإمبريالي. فقد خرجت جيوش الدول الغربية الإمبريالية تحمل أسلحة الدمار والفتك والإبادة، وحَوَّل الإنسان الغربي نفسه إلى سوبرمان له حقوق مطلقة تتجاوز الخير والشر، ومن أهمها حق الاستيلاء على العالم وتحويله إلى مجال حيوي لحركته ونشاطه وتحويل العالم بأسره إلى مادة خام، طبيعية أو بشرية. فاعتُبرت شعوب آسيا وأفريقيا (الصفراء والسوداء المتخلفة) مجرد سبمن، مادة بشرية تُوظَّف في خدمته، كما اعتُبر العالم مجرد مادة طبيعية تُوظَّف في خدمة دول أوربا وشعوبها البيضاء المتقدمة، واعتُبرت الكرة الأرضية مجرد مجال حيوي له يصدِّر له مشاكله. بل لم تفرق الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية الشاملة في نهاية الأمر بين شعوب آسيا وأفريقيا وشعوب العالم الغربي، فالجميع مادة بشرية، نافعة أو غير نافعة، ضرورية أو فائضة. فكان العمال يُنظر لهم باعتبارهم مادة بشرية نافعة، ومصدراً لفائض القيمة، أما المتعطلون فهم مادة بشرية فائضة. وصُنِّف المجرمون (وفي مرحلة أخرى، المعوقون والمسنون) مادةً بشريةً غير نافعة. وهذه المادة يجب أن «تُعالج» ، وكانت الوسيلة الأساسية للمعالجة هي تصدير المادة البشرية الفائضة إلى مكان آخر لتحويلها إلى مادة نافعة إن أمكن (مع عدم استبعاد «الحلول الأخرى» إن استلزم الأمر) .
وكانت أولى عمليات " المعالجة " هي نقل الساخطين سياسياً ودينياً (البيوريتان) إلى أمريكا، والمجرمين والفاشلين في تحقيق الحراك الاجتماعي في أوطانهم إلى أمريكا وأستراليا. وتبعتها عمليات ترانسفير أخرى تهدف جميعاً إلى تحقيق صالح الإنسان الغربي:
ـ نقْل سكان أفريقيا إلى الأمريكتين لتحويلهم إلى مادة استعمالية رخيصة.

ـ نقْل جيوش أوربا إلى كل أنحاء العالم، وذلك للهيمنة عليها وتحويلها إلى مادة بشرية وطبيعية تُوظَّف لصالح الغرب.
ـ نقْل الفائض البشري من أوربا إلى جيوب استيطانية غربية في كل أنحاء العالم، لتكون ركائز للجيوش الغربية والحضارة الغربية (فيما يُعَد أكبر حركة هجرة في التاريخ) .
ـ نقْل كثير من أعضاء الأقليات إلى بلاد أخرى (الصينيين إلى ماليزيا ـ الهنود إلى عدة أماكن ـ اليهود إلى الأرجنتين) كشكل من أشكال الاستعمار الاستيطاني، إذ أن هذه الأقليات تشكل جيوباً استيطانية داخل البلاد التي تستقر فيها.
ـ نقْل كثير من العناصر المقاتلة من آسيا وأفريقيا وتحويلهم إلى جنود مرتزقة في الجيوش الغربية الاستعمارية، مثل الهنود (خصوصاً السيخ) في الجيوش البريطانية. وفي الحرب العالمية الأولى، تم تهجير 132 ألفاً من مختلف أقطار المغرب لسد الفراغ الناجم عن تجنيد الفرنسيين، بالإضافة إلى تجنيد بعضهم مباشرةً للقتال (وهذه هي أول «هجرة» لسكان المغرب العربي، وقد استمرت بعد ذلك تلقائياً) .
ـ مع ظهور فكر حركة الاستنارة في الغرب تم تعريف الناس حسب نفعهم للمجتمع والدولة وقد طُبِّق هذا المعيار على كل المواطنين وبخاصة أعضاء الأقليات. فتم تقسيم اليهود في كثير من البلاد الغربية ـ كما أسلفنا ـ بحيث أصبح غير النافعين قابلين للترحيل.

ـ في هذا الإطار المعرفي الترانسفيري، تمت عملية الاستيطان الصهيونية التي هي في جوهرها تصدير لإحدى مشاكل أوربا الاجتماعية (المسألة اليهودية) إلى الشرق. فيهود أوربا هم مجرد مادة (فائض بشري لا نفع له داخل أوربا يمكن توظيفه في خدمتها في فلسطين) ، والعرب أيضاً مادة (كتلة بشرية تقف ضد هذه المصالح الغربية) ، وفلسطين كذلك مادة، فهي ليست وطناً وإنما هي جزء لا يتجزأ من الطبيعة/المادة تُطلَق عليه كلمة «الأرض» . فتم نقل العرب من فلسطين ونُقل اليهود إليها، وتمت إعادة صياغة كل شيء بما يتلاءم مع مصالح الإنسان الغربي.
ـ تمت عمليات ترانسفير ضخمة بعد الحرب العالمية الأولى، فنُقل سكان يونانيون من تركيا إلى اليونان، وسكان أتراك من اليونان إلى تركيا، كما نُقل سكان ألمان من بروسيا الشرقية بعد ضمها إلى بولندا. وهذه العمليات هي التي أوحت لهتلر بعمليات نقل اليهود خارج الرايخ. بل إنه في السنين الأخيرة من حكم الرايخ طوَّر هملر جنرال بلان أوست Generalplan Ost لنقل 31 مليوناً «غير ألمان» من أوربا الشرقية وتوطين ألمان بدلاً منهم.
وما يهمنا في هذا كله هو نزع القداسة عن البشر كافة (في الشرق والغرب) وتحويلهم إلى مادة استعمالية ليست لها قيمة مطلقة، ولا علاقة لها بأية معيارية. ولكن لنركز على التجربة الاستيطانية الغربية في جميع أنحاء العالم، خصوصاً في أمريكا الشمالية، وهي تجربة كانت تفترض ضرورة إبادة تلك العناصر البشرية الثابتة التي كانت تقف عقبة كأداء في طريق الإنسان الغربي وتحقيق مشروعه الإمبريالي. وقد قبلت الجماهير الأوربية عملية الإبادة الإمبريالية وساهمت فيها بحماس شديد، لأن هذه العملية كانت تخدم مصالحها، كما أوهمتها الدول الإمبريالية ذات القبضة الحديدية في الداخل والخارج.

وتُعدُّ العقيدة البيوريتانية (أو التطهرية) ، عقيدة المستوطنين البيض في أمريكا الشمالية، هي أولى الأيديولوجيات الإمبريالية الإبادية التي كانت تغطيها ديباجات دينية كثيفة. فكان هؤلاء المتطهرون يشيرون إلى هذا الوطن الجديد باعتباره «صهيون الجديدة» أو «الأرض العذراء» فهي «أرض بلا شعب» . وكان المستوطنون يشيرون إلى أنفسهم باعتبارهم «عبرانيين» ، وللسكان الأصليين باعتبارهم «كنعانيين» أو «عماليق» (وكلها مصطلحات توراتية إبادية، استخدمها معظم المستوطنين البيض فيما بعد في كل أرجاء العالم متجاهلين تماماً القيم المسيحية المطلقة مثل المحبة والإخاء) .

وكان كل هذا يعني في واقع الأمر إبادة السكان الأصليين حتى يمكن للمستوطنين البيض الاستقرار في الأرض الخالية الجديدة! وقد تم إنجاز هذا من خلال القتل المباشر، أو نقل الأمراض المختلفة (كأن تُترَك أغطية مصابة بالجدري كي يأخذها الهنود فينتشر الوباء بينهم ويتم إبادتهم تماماً) . وكانت الحكومة البريطانية في عصر الملك جورج الثالث تعطي مكافأة مالية لكل من يحضر فروة رأس هندي قرينة على قتله. واستمرت هذه التقاليد الغربية الإبادية بعد استقلال أمريكا، بل تصاعدت بعد عام 1830 حين أصدر الرئيس جاكسون قانون ترحيل الهنود، والذي تم بمقتضاه تجميع خمسين ألفاً من هنود الشيروكي من جورجيا وترحيلهم (ترانسفير) أثناء فصل الشتاء سيراً على الأقدام إلى معسكر اعتقال خُصِّص لهم في أوكلاهوما. وقد مات أغلبهم في الطريق (وهذا شكل من أشكال الإبادة عن طريق التهجير [ترانسفير] ، فهو شكلاً ترانسفير من مكان لآخر ولكنه فعلاً ترانسفير من هذا العالم للعالم الآخر) . ووصلت العملية الإبادية إلى قمتها في معركة ونديد ني Wounded Knee (الركبة الجريحة) عام 1890. وكانت الثمرة النهائية لعمليات الإبادة هذه أنه لم يبق سوى نصف مليون من مجموع السكان الأصليين الذي كان يُقدر بنحو 6.5مليون عام 1500 لدى وصول الإنسان الأبيض، أي أنه تمت إبادة ستة مليون مواطن أصلي (وهو رقم سحري لا يذكره أحد هذه الأيام) ، إذا لم نحسب نسبة التزايد الطبيعي (يُقدر البعض أن العدد الفعلي الذي تم إبادته منذ القرن السادس عشر حتى بداية القرن العشرين قد يصل إلى عشرات الملايين) . وقد تكرر نفس النمط في أستراليا التي كان يبلغ عدد سكانها الأصليين 2 مليون عند استيطان البيض للقارة في عام 1788 لم يبق منهم سوى 300 ألف. ولا تزال عملية إبادة السكان الأصليين مستمرة في البرازيل وأماكن أخرى (وإن كان بشكل أقل منهجية وخارج نطاق الدولة) .

وترتبط بالتجربة الاستيطانية في أمريكا الشمالية عمليات نقل ملايين الأفارقة السود للأمريكتين لتحويلهم إلى عمالة رخيصة. وقد تم نقل عشرة ملايين تقريباً، ومع هذا يجب أن نتذكر أن كل أسير كان يقابله بوجه عام عشرة أموات كانوا يلقون حتفهم إما من خلال أسباب «طبيعية» بسبب الإنهاك والإرهاق وسوء الأحوال الصحية أو من خلال إلقائهم في البحر لإصابتهم بالمرض.
وكانت أعمال السخرة الاستعمارية في أفريقيا ذاتها لا تقل قسوة. ففي كتابه رحلة إلى الكونغو (1927) ، يُبيِّن أندريه جيد كيف أن بناء السكة الحديد بين برازفيل والبوانت السوداء (مساحة طولها 140 كيلو متر) احتاجت إلى سبعة عشر ألف جثة. ويمكن أن نتذكر أيضاً حفر قنال السويس بنفس الطريقة وتحت نفس الظروف وبنفس التكلفة البشرية.
وقد ورد في إحدى الدراسات أن عدد المواطنين الأوربيين الذين لهم علاقة بعمليات التطهير العرْقي والإبادة داخل أوربا (إما كضحايا أو كجزارين) يصل إلى مائة مليون، فإذا أضفنا إلى هذا عدد المتورطين في عمليات القمع والإبادة الاستعمارية في الكونغو وفلسطين والجزائر وفيتنام وغيرها من البلدان فإن العدد حتماً سوف يتضاعف.
ولكن الإمكانية الإبادية الكامنة التي تحققت بشكل غير متبلور وجزئي في التجربة الإمبريالية والاستيطانية الغربية، تحققت بشكل نماذجي كامل في الإبادة النازية أو في «اللحظة النازية النماذجية» في الحضارة الغربية، أي اللحظة التي تبلور فيها النموذج وأفصح عن نفسه بشكل متبلور فاضح، دون زخارف أو ديباجات (ولذا أذهلت الجميع، وضمنهم المدافعون عن النموذج في صوره الأقل تبلوراً وأكثر اعتدالاً) .

وكان النازيون يُدركون تمام الإدراك أن نظامهم النازي وممارساته الإبادية هما ثمرة طبيعية للتشكيل الحضاري الإمبريالي الغربي الحديث. وقد بيَّن كاتبو سيرة حياة هتلر أن أولى تجارب الإنسان الغربي الاستعمارية الاستيطانية، أي تجربته في أمريكا الشمالية، كانت تجربة مثالية أوحت له بكثير من أفكاره التي وضعها موضع التنفيذ فيما بعد. وكما يقول المؤرخ جون تولاند إن هتلر، في أحاديثه الخاصة مع أعضاء الحلقة المقرَّبة إليه، كثيراً ما كان يعبِّر عن إعجابه بالمستوطنين الأمريكيين وطريقة " معالجتهم " لقضية الهنود الحمر. فقد قاموا بمحاولة ترويضهم عن طريق الأسر، أما هؤلاء الذين رفضوا الرضوخ فكان يتم إبادتهم من خلال "التجويع أو القتال غير المتكافئ ". ويقول يواقيم فست إن حروب هتلر القارية المستمرة كانت محاكاة للنموذج الاستعماري الغربي في أمريكا الشمالية. وبالفعل صرح هتلر في إحدى خطبه بأنه حين قام كورتيز وبيزارو (وهما من أوائل القواد الاستعماريين الإسبان) بغزو أمريكا الوسطى والولايات الشمالية من أمريكا الجنوبية، فهم لم يفعلوا ذلك انطلاقاً من أي سند قانوني وإنما من الإحساس الداخلي المطلق بالتفوق. فاستيطان الإنسان الأبيض لأمريكا الشمالية، كما أكد هتلر، لم يكن له أي سند ديموقراطي أو دولي، وإنما كان ينبع من الإيمان بتفوق الجنس الأبيض. ولذا في مجال تبريره للحرب الشرسة التي شنها على شرق أوربا قال هتلر: " إن هناك واجباً واحداً: أن نؤلمن هذه البلاد من خلال هجرة الألمان الاستيطانية وأن ننظر إلى السكان الأصليين باعتبارهم هنوداً حمراً ". وأكد هتلر أن الحرب التي تخوضها ألمانيا ضد عناصر المقاومة في شرق أوربا لا تختلف كثيراً عن كفاح البيض في أمريكا الشمالية ضد الهنود الحمر. ومن هنا كان هتلر يشير إلى أوربا الشرقية باعتبارها "أرضاً عذراء" و"صحراء مهجورة " ("أرض بلا شعب" في المصطلح الصهيوني) . وقد بيَّن ألفريد روزنبرج،

أثناء محاكمته في نورمبرج، هذه العلاقة العضوية بين العنصرية النازية والمشروع الغربي الإمبريالي، فأشار مثلاً إلى أنه تعرَّف لأول مرة على مصطلح «الإنسان الأعلى» (السوبرمان) في كتاب عن الاستعماري الإنجليزي كتشنر، وأن مصطلح «الجنس المتفوق» أو «الجنس السيد» مأخوذ من كتابات العالم الأمريكي الأنثروبولوجي ماديسون جرانت والعالم الفرنسي لابوج، وأن رؤيته العرْقية هي نتيجة أربعمائة عام من البحوث العلمية الغربية، فالنازية - كما أكد روزنبرج لمحاكميه - جزء من الحضارة الغربية.

ولعل أكبر دليل على أن الإبادة إمكانية كامنة، تضرب بجذورها في الحضارة الغربية الحديثة، أنها لم تكن مقصورة على النازيين وإنما تشكل مرجعية فكر وسلوك الحلفاء، أعداء النازيين الذين قاموا بمحاكمتهم بعد الحرب! فإرنست همنجواي، الكاتب الأمريكي، كان يُطالب بتعقيم الألمان بشكل جماعي للقضاء على العنصر الألماني. وفي عام 1940 قال تشرشل إنه ينوي تجويع ألمانيا وتدمير المدن الألمانية وحرقها وحرق غاباتها. وقد عبَّر كاتب يُسمَّى كليفتون فاديمان عن هذا الموقف الإبادي بشكل متبلور. ولم يكن فاديمان هذا شخصية ثانوية في المؤسسة الثقافية الأمريكية فقد كان محرر مجلة النيو يوركر (وهي من أهم المجلات الأمريكية) ورئيس إحدى الوكالات الأدبية التي أنشأتها الحكومة الأمريكية إبَّان الحرب بغرض الحرب النفسية. وقد شن حملة كراهية ضارية ضد الألمان (تشبه في كثير من الوجوه الحملة التي شنها الغرب ضد العرب في الستينيات والتي يشنها ضد المسلمين والإسلام في الوقت الحاضر) وجعل الهدف منها "إضرام الكراهية لا ضد القيادة النازية وحسب، وإنما ضد الألمان ككل ... فالطريقة الوحيدة لأن يفهم الألمان ما نقول هو قتلهم ... فالعدوان النازي لا تقوم به عصابة صغيرة ... وإنما هو التعبير النهائي عن أعمق غرائز الشعب الألماني، فهتلر هو تَجسُّد لقوى أكبر منه، والهرطقة التي ينادي بها هتلر عمرها 2000 عام". ومثل هذا الحديث لا يختلف كثيراً عن الحديث عن عبء الرجل الأبيض وعن الخطر الإسلامي ومن قبله الخطر الأصفر.

وقد اشترك بعض الزعماء والكُتَّاب اليهود في هذه الحملة، فصرح فلاديمير جابوتنسكي عام 1934 بأن مصلحة اليهود تتطلب الإبادة النهائية لألمانيا، «فالشعب الألماني بأسره يُشكِّل تهديداً لنا» . ولكن يمكن القول بأن كتاب الكاتب الأمريكي اليهودي تيودور كاوفمان بعنوان لابد من إبادة ألمانيا هو من أهم الكتب المحرضة على الإبادة، وقد استفادت منه آلة الدعاية النازية وبيَّنت أبعاد المؤامرة الإبادية ضد الألمان، وهو ما شكَّل تبريراً لفكرة الإبادة النازية نفسها. وقد ورد في هذا الكتاب أن كل الألمان، مهما كان توجههم السياسي (حتى لو كانوا معادين للنازية، أو شيوعيين، أو حتى محبين لليهود) لا يستحقون الحياة، ولذا لابد من تجنيد آلاف الأطباء بعد الحرب ليقوموا بتعقيمهم حتى يتسنى إبادة الجنس الألماني تماماً خلال ستين عاماً!

وكان هناك حديث متواتر عن ضرورة «هدم ألمانيا» ، وعن «تحويل ألمانيا إلى بلد رعوية» (بالإنجليزية: باستوراليزيشن patsoralization) ، أي هدم كل صناعاتها ومؤسساتها الحديثة (كما حدث لمحمد علي) . ونجحت غارات الحلفاء على المدن الألمانية في إبادة مئات الألوف من المدنيين (من الرجال والأطفال والنساء والعجائز) وتحطيم كل أشكال الحضارة والحياة. وقد بلغ عدد ضحايا الغارات على مدينة درسدن الألمانية وحدها 200 ألف قتيل. كما استمرت النزعة الإبادية بعد الحرب، فقامت قوات الحلفاء بوضع مئات الألوف من الجنود الألمان في معسكرات اعتقال وتم إهمالهم عن عمد، فتم تصنيفهم على أساس أنهم DEFS وهي اختصار عبارة «ديس آرميد إنيمي فورسيز disarmed enemy forces» أي «قوات معادية تم نزع سلاحها» بدلاً من تصنيفهم «أسرى حرب» . وإعادة التصنيف هذه كانت تعني في واقع الأمر حرمانهم من المعاملة الإنسانية التي تنص عليها اتفاقيات جنيف الخاصة بأسرى الحرب، وبالفعل قضى 793.239 جندي ألماني نحبهم في معسكرات الاعتقال الأمريكية عام 1945،كما قضى 167 ألف نحبهم في معسكرات الاعتقال الفرنسية نتيجةً للجوع والمرض والأحوال الصحية السيئة (حسبما جاء في دراسة لجيمس باك James Bacque) ، وفي الوقت ذاته كان يوجد 13.5 مليون طرد طعام في مخازن الصليب الأحمر، تعمدت سلطات الحلفاء عدم توزيعها عليهم.

ولم تقتصر الإبادة على التصفية الجسدية بل كانت هناك إبادة ثقافية، فقد قام الحلفاء بما سُمِّي «عملية نزع الصبغة النازية عن ألمانيا» (بالإنجليزية: دي نازيفيكيشن denazification) للقضاء على النازيين في الحياة العامة، فأُقيمت 545 محكمة دائمة على الأقل يتبعها طاقم من الفنيين والسكرتارية عددهم اثنان وعشرون ألفاً. وقام الأمريكيون بتغطية ثلاثة عشر مليون حالة (أي معظم الذكور الألمان البالغين) ، وتم توجيه الاتهام إلى ثلاثة ملايين وسبعمائة ألف، أُجريت لهم محاكمات عاجلة. وأدين تسعمائة وثلاثون ألفاً منهم، وصدرت أحكام بشأنهم من بينها 169.282حكماً بتهمة ارتكاب جرائم نازية لا مجرد التعاون مع النظام النازي. وأصدر البريطانيون 22.296 حكماً والفرنسيون 17.353 حكماً، والروس ثمانية عشر ألف حكم. وبحلول عام 1945، كان قد تم طرد 141 ألف ألماني من وظائفهم، من بينهم معظم المدرسين في منطقة الاحتلال الأمريكية، وزُج بعدد أكبر من هؤلاء في السجن.
وتظهر نفس النزعة الإبادية في استجابة الحلفاء لليابان، فقبل اكتشاف القنبلة الذرية، كان الجنرال الأمريكي كورتيس لي ماي يقوم بتحطيم مدن اليابان الواحدة تلو الأخرى بشكل منهجي لم يسبق له مثيل في التاريخ. فخلال عشرة أيام في مارس 1945، قامت الطائرات الأمريكية بطلعات جوية بلغ عددها 11.600، تم خلالها إغراق 32 ميل مربع من أكبر أربع مدن يابانية بالقنابل، وهو ما أدَّى إلى محو هذه المساحات وكل ما عليها من الوجود وتسببت في مقتل150.000. أما الغارات الجوية على طوكيو يوم 25 مايو 1945، فتسببت في اندلاع عاصفة نارية ضخمة حتى أن قائدي الطائرات المقاتلة كانوا يشمون رائحة لحم البشر المحترق وهم على ارتفاع آلاف الأقدام. وأدَّت هذه الغارات إلى مقتل الآلاف وتشريد مليون شخص على الأقل.

وكانت عملية الإبادة من الشمول لدرجة أن الجنرال جروفز المسئول عن مشروع مانهاتن لإنتاج القنبلة النووية كان «يخشى» ألا يجد أي هدف سليم يمكن أن يُلقي عليه بقنابله ويدمره. ورغم أن الولايات المتحدة كانت تعرف أن اليابانيين كانوا قد بدأوا يفكرون بشكل جاد في إنهاء الحرب، فقد رأى الجنرال جروفز ضرورة استخدام القنبلة مهما كان الأمر (بعد أن تم إنفاق 2 بليون دولار في تطويرها وهو ما يُعادل 26 بليون دولار بحسابات اليوم) . كما أن ترومان كان يشعر بعدم الثقة في نفسه أمام تشرشل وستالين، ولذا كان يود أن يذهب للاجتماع بهم وهو في موقع قوة، خصوصاً وأن الدب الروسي كان قد بدأ في التضخم. ومن ثم، كان لابد من إلقاء القنبلة الذرية بغض النظر عن عدد الضحايا أو حجم التدمير. وكان الجنرال جروفز «محظوظاً» (كما تقول بعض الدراسات) إذ وجد ضالته المنشودة في هيروشيما التي كان يقطنها 280 ألف نسمة ووجد أنها محاطة بتلال يمكن أن تُحوِّل المدينة إلى جهنم حقيقية بعد الانفجار إذ أنها ستركز الحرارة. وبالفعل قُتل فور وقوع الانفجار 70 ألف مدني ومات 130 ألف آخرون بعد عدة شهور متأثرين بحروقهم من الإشعاع. وكأن هيروشيما لم تكن كافية، فأُلقيت قنبلة أخرى على ناجازاكي، أدَّت هي الأخرى إلى مقتل 70 ألف آخرين، غير مئات الألوف الآخرىن الذين لقوا مصرعهم فيما بعد. فما بين ألمانيا واليابان تم إبادة وإصابة حوالي مليوني شخص معظمهم من المدنيين.

كما يجب أن نتذكر عمليات الإبادة التي قام بها النظام الستاليني ضد الشعوب الإسلامية في الخانات التركية (التي أصبحت الجمهوريات السوفيتية الإسلامية) . وكان عدد شعب التتار وحده يساوي عدد سكان روسيا، أما الآن فهو لا يُكوِّن سوى نسبة مئوية ضئيلة، ومصيره بهذا لا يختلف كثيراً عن مصير السكان الأصليين في أستراليا وأمريكا الشمالية. وقد استمر النظام الستاليني في عمليات الإبادة المنهجية والمنظمة لأعدائه الطبقيين مثل الكولاك الذين قاوموا تحويل مزارعهم إلى مزارع جماعية، بل تم إبادة كثير من أعضاء الحزب الشيوعي ممن عارضوا الديكتاتور. وكانت الإبادة تأخذ أشكالاً مختلفة مثل الإعدام والعمل في معسكرات السخرة. وقد بلغ عدد الضحايا 20 مليون مات منهم 12 مليون على الأقل في معسكرات الجولاج: هذا حسب التقديرات المحافظة، أما أعداء النظام الستاليني فيقولون إن عدد الضحايا بلغ 50 مليوناً! وبعد حوالي نصف قرن لا تزال عمليات الإبادة والتطهير العرْقي على قدم وساق في البوسنة والهرسك والشيشان ولا تزال بعض الدول الغربية تراقب هذا بحياد غير عادي.

إبادة الآخر إذن آلية أساسية استخدمها التشكيل الحضاري الإمبريالي الغربي في تحقيق رؤيته ومثالياته الداروينية، ومع هذا تظل الإبادة النازية لليهود لها مركزية خاصة، فكيف نفسِّر هذا؟ تعود هذه المركزية، فيما أعتقد، إلى حداثة الإبادة النازية ومنهجيتها، الأمر الذي جعلها تقض مضجع الإنسان الغربي، فمشروعه الحضاري يستند إلى العلم المتجرد من القيمة وعبقرية حضارته تكمن في الترشيد المتزايد. كما أن الإبادة الاستعمارية كانت تتم دائماً "هناك" بعيداً عن أوربا، في آسيا وأفريقيا، أما الإبادة النازية فتمت «هنا» على أرض الحضارة الغربية، وعلى بُعد أمتار من منازل المواطنين العاديين. كما أن العناصر التي أُبيدت لم تكن داكنة اللون أو صفراء، وإنما «مثلنا تماماً» . وأخيراً يشغل اليهود مكانة خاصة في الوجدان الغربي الديني والحضاري، فاليهودي يقف دائماً على الهامش، موضع تقديس وكُره عميقين، وحينما صرعته الإبادة النازية تنبه الإنسان الغربي إلى الإمكانية الكامنة، التي تقف فاغرة فاهها، في قلب حضارته الحديثة.
السياق الحضاري الألماني للإبادة
‏German Cultural Context of the Extermination

تناولنا في المدخل السابق الإطار الحضاري الغربي العام للإبادة، ويمكننا الآن أن نترك المنظور العام لنركز على حالة محددة وهي الإبادة الألمانية النازية ليهود أوربا. ويمكن القول بأن المنظومة المعرفية العلمانية الإمبريالية اكتسبت حدةً خاصة في ألمانيا لأسباب عديدة من بينها تقاليد وحدة الوجود (الحلولية الكمونية) القوية التي تعود إلى جيكوب بومه والمعلم إيكهارت، وهي تقاليد ورثتها الفلسفة المثالية الألمانية وعمّقتها ووصلت إلى ذروتها في فلسفة فخته الذي جعل من الذات مركز الكون وتصورها قادرة على خلق العالم. ولكن فخته في الوقت نفسه طالب بالقضاء على الفرد (الشخص الإمبريقي) وكان يحلم «بجمهورية الألمان» التي يُجنَّد كل ذكر فيها من سن العشرين حتى موته، فهي جمهورية جنود لا مواطنين. وقد ربطت الفلسفة الألمانية المثالية الإنسان الفرد بالمطلق الذي يمكن أن يتجسد في الفرد، كما يمكن للفرد أن يذوب فيه. وحتى يصل الفرد إلى المطلق أُعيد تعريف العقل وتم توسيع نطاقه ولم تَعُد هناك حدود تفصل بين عقل الفرد والعقل المطلق، ففقد العقل هويته وأصبح لاعقلانياً. وقد وصلت الحلولية الألمانية إلى قمتها في منظومة هيجل الشاملة التي تساوي بين المقدَّس والزمني، ثم يبلغ الحلول منتهاه في فلسفة نيتشه وفلسفات الحياة.
في هذا الإطار تم تعيين "مطلقات" مختلفة تكون هي موضع الحلول والكمون. وكان أول المطلقات هو الشعب الألماني العضوي (فولك) موضع الحلول والكمون، وصاحب الرسالة. وقد وُلدت القومية الألمانية في أتون الحروب وتحت شعار الوحدة والمركزية، وصاحب ذلك تعميق مفهوم الشعب العضوي، والإصرار على الانتماء الكامل غير المشروط مقياساً وحيداً للولاء، وطُرح شعار «ألمانيا فوق الجميع» الذي تبناه أعضاء الشعب الألماني، وبُذلت المحاولات لإعادة صياغة الشخصية الألمانية لضمان ولائها للدولة المطلقة.

وقد بلغت سطوة هذا المفهوم حداً جعلته يبتلع المنظومة الدينية نفسها، فاختلطت الديباجات الدينية بالقيم القومية بحيث تطلب الانتماء للشعب العضوي الألماني الانتماء إلى المسيحية البروتستانتية. ولكن مما يجدر ذكره أن هذه البروتستانتية كانت بروتستانتية ثقافية أو إثنية ( «عقيدة أبائنا» ) تركز على المشاعر الدينية دون العقيدة الدينية، ولذا كان بوسعها أن تتصالح ببساطة مع النيتشوية والداروينية (يشير المفكر البروتستانتي الألماني بول تيليخ إلى نيتشه باعتباره مفكراً بروتستانتياً كبيراً) . وقد نتج عن ذلك تَنصُّر أعداد هائلة من يهود ألمانيا حتى يندمجوا " ثقافياً " في مجتمعهم الألماني. ووصلت نسبة هؤلاء أحياناً إلى ما يزيد عن 50% من مجموع يهود برلين (الذين كانوا يشكلون معظم يهود ألمانيا في أواخر القرن التاسع عشر) .
ولكن في إطار مفهوم الشعب العضوي يصبح مثل هذا التنصر عملية "تسلل" و"تآمر"، فصفات الشعب العضوي صفات موروثة تجري في العروق وفي أرض الأجداد. وبالفعل لوحظ تصاعد معدلات العداء لليهود في الفكر الألماني العلماني. فكتب ولهلم مار (1818 ـ 1904) كتابه المهم انتصار اليهودية على الألمانية: من منظور غير ديني (1862) . كما نشر فاجنر وبول أنطون دي لاجارد وهنريش فون تراتيشكة كتاباتهم المعادية لليهود.

ثم نأتي لأهم المفاهيم في الحلولية الكمونية المادية وهو مفهوم الدولة، التي تشغل مكاناً خاصاً في التفكير الرومانسي الألماني. وكما تم ربط الفرد بالمطلق، ثم ربط مفهوم الحرية بالدولة، بحيث لا تتحقق الحرية إلا من خلال الدولة (ومن هنا جنود فخته الأحرار!) . ويصل هذا الاتجاه إلى ذروته (أو هوته) في فلسفة هيجل حيث تصبح الدولة هي المطلق، بل تجسيداً له، وهي الإطار السياسي الذي يمكن للشعب العضوي أن يُعبِّر عن نفسه من خلاله. إن الدولة أصبحت هي المطلق مجازياً وحرفياً ولذا طالب هيجل الإنسان بأن يعبد الدولة كما لو كانت إلهاً سماوياً، وهذه هي قمة الحلولية الوثنية (التي ستُعبِّر عن نفسها بشكل سوقي من خلال النازية والصهيونية فيما بعد) .
وقد تزامن هذا مع تزايد النزعة التاريخانية (تحت تأثير هيجل وغيره) بحيث لم يعد من الممكن أن يسأل الإنسان هل هذا الفعل خيِّر أم شرير، إذ أصبح السؤال الوحيد الممكن هو: هل يتفق هذا مع اللحظة التاريخية أو لا؟ كما انتشرت الأفكار الداروينية بشكل متطرف، التي تُهمِّش الإنسان الفرد تماماً.
وقد واكب هذه النسبية الأخلاقية تزايد الإيمان بالعلم المنفصل عن القيمة والغائية الإنسانية، فتعقيم المعوقين كان أمراً مقبولاً في الطب الألماني مع بداية القرن العشرين (الأمر الذي يعني أن أعداداً كبيرة من الأطباء الألمان اليهود كانوا متورطين في هذه الرؤية. ومن المعروف أن الأطباء اليهود لم يُطردوا من مهنة الطب في ألمانيا إلا في عام 1933) .كما عرف الألمان أسلوب الانتفاع من الجثث البشرية قبل ظهور النازي، أي أن تزايد إطلاق الدولة واكبه تهميش الفعل الأخلاقي الفردي والمسئولية الفردية فتم استيعاب الفرد في الكل الشامل.

وكان الشاعر هايني من أكثر المفكرين إدراكاً لخطر الحلولية الكمونية التي تجعل الإنسان إلهاً على الأرض، وفي الوقت نفسه تجعل الدولة إلهاً على الأرض. فقال إن فيلسوف الطبيعة سيعقد تحالفاً مع قوى الطبيعة الكونية وسيوقظ القوى الشيطانية لوحدة الوجود الألمانية التي ستضرم الشهوة للحرب (التي تسم الألمان القدامى) حيث لا يحارب الجندي ليدمر ويكسب المعركة، وإنما يحارب من أجل الحرب.
هذه هي بعض مكونات السياق الحضاري الألماني للنازية وللإبادة النازية لليهود (ولغيرهم) . وقد تشابكت هذه المكونات وتصاعدت حدتها وبلغت حداً عالياً من التبلور في العقيدة النازية، التي تشكل تعبيراً صافياً ونماذجياً عن المُثُل العليا للحضارة العلمانية الغربية وعن النموذج الحاكم الكامن فيها. والعقيدة النازية لم تفعل أكثر من وضع هذه المُثُل موضع التنفيذ بشكل أكثر تطرفاً من المعتاد، إذ طبقت الأفكار بشكل أكثر ثورية وأكثر منهجية وشمولاً على البشر كافة.
النازية والحضارة الغربية
‏Nazism and Western Civilization

كلمة «نازي» مأخوذة بالاختصار والتصرف (بهدف التهكم) من العبارة الألمانية «ناشيونال سوشياليستيش دويتش أربايتربارتي National Sozialistische Deutsche Arbeiterpartei» (NSDAP) ، أي «الاشتراكية القومية» ، وهي حركة عرْقية داروينية شمولية، قادها هتلر وهيْمنت على مقاليد الحكم في ألمانيا، وعلى المجتمع الألماني بأسره. والحركة النازية هي حركة سياسية وفكرية، ضمن حركات سياسية فكرية أخرى تحمل نفس السمات، ظهرت داخل التشكيل الحضاري الغربي بعد الحرب العالمية الأولى. كانت النواة الأساسية للحركة النازية هي حزب صغير يُسمَّى «حزب العمال الألمان» أُسِّس في جو البطالة والثورة الاجتماعية عام 1918 بعد هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى وإذلالها على يد الدول الغربية المنتصرة. وكان المنظِّر الأساسي للحزب هو جوتفريد فيدر الذي نادى بعقيدة لها صبغة قومية قوية وطابع اشتراكي، تدعو إلى ملكية الدولة للأرض وتأميم البنوك. وكان من أوائل من انضم لعضوية هذا الحزب محاربون قدامى مثل رودولف هس وهرمان جورنج، ومثقفون محبطون مثل ألفريد روزنبرج وب. ج. جوبلز وهتلر نفسه، وشخصيات أخرى مثل يوليوس سترايخر. وقد ازدادت عضوية الحزب لأنه توجه إلى المخاوف الكامنة لدى قطاعات كبيرة من الألمان من الشيوعيين والبلاشفة، وإلى حنقها على معاهدة فرساي التي أذلت ألمانيا وحولتها إلى ما يشبه المستعمرة، وعلى جمهورية وايمار المتخاذلة التي قبلت هذا الوضع، وإلى إحساس الجماهير بالضياع في المجتمع الحديث وإحساسهم بالقلق وعدم الطمأنينة نتيجة تآكل المجتمع التقليدي. ورغم أن الحزب كان يُسمَّى «حزب العمال» ، فإنه لم يضم كثيراً من العمال بين أعضائه، ولم ينضم له من العمال سوى العاطلين عن العمل. وأُعيد تنظيم الحزب عام 1920 وسُمِّي «حزب العمال الألماني الاشتراكي القومي» وترأسه هتلر الذي حصل على تأييد لودندورف (بطل الحرب العالمية الأولى) وعديد من رجال

الصناعة الذين رأوا أن بإمكان هتلر تقويض دعائم النظام السياسي القائم، الذي لم يكن يسمح لهم باتباع سياسة رأسمالية حرة تماماً، كما أنهم رأوا أن وجوده يمثل الفرصة الوحيدة أمامهم لوقف تقدم الشيوعيين. وقد تزايد نفوذ الحزب مع اتساع نطاق الكساد الاقتصادي. وحل كتاب هتلر كفاحي محل برنامج جوتفريد فيدر (الذي تحول إلى مجرد ناطق بلسان هتلر) ، كما تراجع الخطاب الاشتراكي وحل محله خطابٌ نازيٌ أكثر تبلوراً ومادية.
وسار الحزب النازي بخطى واسعة في الفترة من 1930 حتى 1932، ووصلت عضويته إلى مليونين بحيث أصبح الحزب الثاني في ألمانيا أثناء فترة الكساد الكبير الذي بدأ عام 1929، وهي فترة شهدت تآكل مدخرات الطبقة الوسطى الألمانية وانتشار الحركات الإباحية والبغاء والفوضوية وتَعاظُم نفوذ الشيوعيين. ورغم أن هتلر خسر انتخابات الرئاسة عام 1932 أمام هندنبرج، إلا أن حزبه النازي أصبح أكبر حزب ألماني على الإطلاق. وقد فشل المستشار فون بابن في الاحتفاظ بأغلبية تمكنه من الحكم في البرلمان، فأُجريت انتخابات أخرى. وكان هتلر قد حصل إبَّان ذلك على الدعم المالي من رجال المال والصناعة في وادي الراين الذين كانوا يهدفون إلى احتوائه واستخدامه كأداة.

وكان هتلر يستخدم خطابين مختلفين: أحدهما للجماهير، والآخر لرجال المال. وقد احتجت بعض العناصر الاشتراكية في الحزب على الاتجاه المتزايد نحو اليمين، ولكن هتلر نجح في القضاء على هذه العناصر. وفي عام 1933، قام الرئيس هندنبرج بتعيين هتلر مستشاراً. وحينما اندلع حريق في مبنى البرلمان، قام هتلر بطرد النواب الشيوعيين بعد أن ألقى التبعة عليهم. ثم اقترع البرلمان على منح هتلر سلطات شاملة، ومن ثم أنجز هتلر ثورته القانونية. وفي يونيه 1934، أصبح الحزب النازي هو الحزب الأوحد، وقام هتلر بتصفية البقية الباقية من العناصر العسكرية في حزبه بطريقة دموية، وكان من بينهم إرنست روم رئيس قوات العاصفة. كما قام هتلر بضرب اليمين، فأثبت بذلك أنه لم يكن مجرد أداة في يد المموِّلين أو بقايا النظام الملكي فأمم المصارف وبعض الصناعات. ومع هذا، استفادت العناصر الرأسمالية من خلال سيطرة الدولة على كثير من القطاعات الاقتصادية، وأُلغيت اتحادات العمال، وفقد العمال حقوقهم، وتم استيعابهم في مؤسسات الحزب، وتم التنسيق بين جميع مؤسسات الدولة والحزب. كما أصبحت الخدمة العامة إجبارية، ثم فُرض التجنيد الإجباري وأُخضعت ألمانيا كلها لنظام مركزي قوي. وأُلغي استقلال الولايات، وأُخضعت لهيمنة الفوهرر وأجهزته مباشرة، بل أسس الحزب كنيسة ألمانية بهدف السيطرة على الكنائس البروتستانتية.

وفي عام 1936، بدأت خطة السنوات الأربع لإعادة تسليح ألمانيا، وإعادة تنظيم الاقتصاد انطلاقاً من الاعتماد على الذات. وقد حقق النازيون نجاحاً اقتصادياً باهراً، الأمر الذي زاد من التفاف الجماهير حولهم، حيث تم القضاء على البطالة وبُنيت منشآت عامة عديدة، ثم سيطر هتلر على حزبه سيطرة كاملة، وتولى هملر رئاسة الجستابو (البوليس السري) عام 1936. وبعد موت هندنبرج، أصبح هتلر رئيساً للدولة لا يقاسمه السلطة أحد. ونجح في استصدار قرار عام 1934 بتأسيس الرايخ الثالث الذي سيدوم ألف عام (والرايخ هو ألمانيا أو الإمبراطورية الألمانية المقدَّسة حيث يمتد الرايخ الأول من تاريخ تأسيس الإمبراطورية الرومانية المقدَّسة عام 962 حتى انحلالها عام 1806، والرايخ الثاني هو الإمبراطورية الألمانية منذ 1871 وحتى 1918، أما الرايخ الثالث فهو الدولة النازية من 1933) ، وأصبح هو حاكم (فوهرر) ألمانيا بلا منازع.
وبدأ هتلر في تنفيذ مخططه الإمبريالي في الداخل والخارج صدوراً عن الرؤية النازية للعالم التي استمدت ملامحها الأساسية من الحضارة الغربية:

1 ـ السمة الأساسية للمنظومة النازية هي علمانيتها الشاملة وواحديتها المادية الصارمة. وقد هاجم ألفريد روزنبرج (أهم «الفلاسفة» النازيين) المسيحية باعتبارها عقيدة يهودية تدافع عن المطلقات. وفي كتابه أسطورة القرن العشرين حاول أن يُبيِّن بعض الأطروحات الأساسية للنازية، فالروح والعرْق هما شيء واحد، فالعرْق إن هو إلا التعبير البراني عن الروح، والروح إن هي إلا التعبير الجواني عن العرْق (وهذا لا يختلف كثيراً عن تصور الفلسفة الألمانية المثالية عن تماثل الروح والطبيعة) ، والروح العرْقية هي التي تحرك التاريخ. بل إن روزنبرج كان مدركاً للحلولية كنمط نهائي، إذ يؤكد أن الروح الألمانية تُعبِّر عن انتصار فكرة الحرية وعن التصوف الحقيقي، تصوف المعلم إيكهارت، وهي صوفية مسيحية اسماً ومظهراً وحسب، ولكن يجب أن تُفهم باعتبارها تزايد حرية الروح إلى أن تصل إلى المرحلة التي تتحرر فيها تماماً من الإله نفسه. وكان روزنبرج، انطلاقاً من عقيدته العرْقية هذه، يعطي مواعظ نارية عن أسطورة الدم.

ولكن هتلر، بذكائه الشديد، حاول أن يُبقي هذه النقطة من برنامجه غامضة حتى لا يستفز الجماهير ولا يواجه الكنيسة بشكل علني. وقد عقد اتفاقاً مع الكنيسة الكاثوليكية غير أنه لم يلتزم به وأرسل بكثير من رجال الدين إلى المحرقة. وقد أسس هتلر "كنيسة" ألمانية بهدف السيطرة على الكنائس البروتستانتية، وتطهير فكرة القومية الألمانية من العناصر المسيحية التي دخلت عليها. وكان الالتحاق بهذه الكنيسة القومية ـ ومن ثم الانفصال عن المنظومة المسيحية ـ شرطاً أساسياً للانضمام إلى فرق الحرس الخاص المعروفة بالإس. إس. وفي السنوات الأخيرة من حكم النازي، وضع هتلر مخططاً شاملاً للقضاء على الكنائس المسيحية بشكل كامل، حتى تسود الواحدية المادية وقيم القومية العضوية والولاء الكامل لألمانيا ولدولة الرايخ الثالث. وكل سمات النازية الأخرى تنبع من رؤيتها العلمانية الإمبريالية الشاملة.
2 ـ تتضح مادية النازيين الصارمة في إنكارهم للطبيعة البشرية وثباتها فكل شيء من منظورهم خاضع للتغير والحوسلة. ويمكن القول بأن ثمة نزعة مشيحانية علموية مادية قوية هي التي تعطي النازية تفردها واختلافها عن الأيديولوجيات العلمانية الأخرى. فالنازية دفعت بكثير من المقولات الكامنة في الرؤية العلمانية الشاملة إلى نتيجتها المنطقية، ولم تعد تَقْنَع بتغيير العالم وإنما كانت تطمح إلى تغيير النفس البشرية ذاتها (وعلى كلٍّ، هذا الاتجاه أمر كامن في كل الطوباويات التكنولوجية التي تعود بداياتها إلى بداية عصر النهضة في الغرب) . ومن هنا اهتمام النازيين بعلم مثل علم تحسين النسل (بالإنجليزية: إيوجينكس eugenics) وإعادة تنظيم العالم من خلال سياسات بيولوجية وضعية. ومن هنا حربهم الشديدة ضد الأمراض النفسية والجسمانية وضد كل انحراف عن المعيارية العلمية الصارمة (ومن هنا نجد أنهم قاموا بإبادة الأقزام!) .

3 ـ آمن النازيون بفكرة الدولة باعتبارها مطلقاً علمانياً متجاوزاً للخير والشر. وحدَّد هتلر المطلق الأول والأوحد (الدولة) بدقة غير عادية حين قال إنه لابد من تحقيق العدالة وتوظيفها في خدمة الدولة، أي أنه لا يوجد مفهوم مطلق للعدالة، وإنما تتحدد العدالة بمقدار تحقيق نفع الدولة. والدولة كمطلق هي الإطار الذي يُعبِّر الشعب العضوي (فولك) الألماني من خلاله عن إرادته.
4 ـ تبنت النازية النظرية العرْقية الداروينية الغربية، وأكدت التفوق العرْقي للشعب الألماني على كل شعوب أوربا، ولشعوب أوربا على كل شعوب العالم. ورفض هتلر فكرة المساواة بين البشر باعتبارها فكرة دينية ("حيلة يهودية مسيحية"، "نوع من التنويم المغناطيسي تمارسه اليهودية الغازية للعالم بمساعدة الكنائس المسيحية" (.
5 ـ من الأفكار الأساسية في الفكر النازي فكرة الشعب العضوي (فولك) الذي تُوجَد وحدة عضوية بين أعضائه من جهة، وبين حضارتهم والأرض التي يعيشون عليها من جهة أخرى، وهي وحدة لا تنفصم عراها. ولا يمكن لهذا الشعب أن يحقق كل إمكانياته إلا بعد أن يضم إليه مجاله الحيوي (الأرض في الثالوث الحلولي العضوي) حتى تكتمل الدائرة العضوية. أما العناصر الغريبة الأجنبية فهي تؤدي إلى إعاقة هذا التكامل العضوي الصارم، وبالتالي فهي عناصر ضارة لابد من استبعادها.

6 ـ من العبارات المتواترة في الخطاب العضوي النازي عبارة «الدم والتربة» ، وهي ترجمة للعبارة الألمانية «بلوت أوند بودين Blut und Boden» ، وهي من الشعارات الأساسية للنازية والمرتبطة بفكرة الشعب العضوي. وهذه العبارة النيتشوية تمجد آداب الفلاحين وعواطفهم باعتبارها تجسيداً للصفتين الأساسيتين اللتين يستند إليهما رقي الجنس الألماني؛ الدم الألماني والتربة الألمانية. وهي تحول الدم والتربة إلى المرجعية أو الركيزة النهائية التي يستند إليها النسق المعرفي والأخلاقي. وشعار «الدم والتربة» هو مثل جيد على ما نسميه «الواحدية المادية الكونية» التي تسم الأنساق الحلولية الكمونية، حيث يصبح المطلق كامناً في المادة لا متجاوزاً لها، ويُنصِّب شعبٌ من الشعوب نفسه إلهاً على بقية الشعوب، فدمه وتربته يحويان كل القداسة ويعطيانه حقوقاً مطلقة لا يمكن النقاش بشأنها. ولكن هذه الحلولية هي حلولية بدون إله، فثالوث القومية العضوية: الدم ـ التربة ـ الشعب، ليس إلا صدىً للثالوث الحلولي الوثني: الإله ـ الطبيعة ـ الإنسان. ويبدو أن الدم، باعتباره حامل القداسة وباعتباره الصلة التي تربط الإنسان والأرض، يحل محل الإله. (وقد وجدت هذه العبارة طريقها إلى الفكر والخطاب الصهيوني (.

7 ـ وقد ترجم كل هذا نفسه إلى مفهوم العرْق السيد، وهو العرْق الآري الألماني التيوتوني الذي سيحتفظ بنقائه العرْقي ويؤسس أمة تتألف من الحكام المحاربين والمفكرين، قدرها المحتوم أن تحكم الأعراق الدنيا وتعيش على عملها وتحقق السيادة على العالم. وهذه الأمة ستنظم نفسها على شكل هرمي تقف على قمته نخبة تتسم بالصفات العرْقية الأكثر تفوقاً، وعلى قمة الهرم يقف الفوهرر: التجسد المادي والمحسوس والتاريخي للمطلق العلماني (الشعب العضوي والدولة) . وكان تنظيم الحزب النازي تعبيراً عن نفس الرؤية، فقد استعار هتلر من التنظيمات الشيوعية فكرة الخلية والتنظيم الهرمي للحزب والانضباط الداخلي، واستعار من الفاشية الإيطالية فكرة ميليشيا الحزب ذات الزي الموحَّد، وهؤلاء هم مرتدو القمصان البُنيَّة وكان يُشار إليهم بالحرفين إس. آيه S. A..، وهما اختصار عبارة «شتورم أبتايلونج Sturm Abteilung» أي «قوات العاصفة» . أما «النخبة» ، فهم فرق الإس. إس S. S. وهما اختصار للعبارة الألمانية «شوتس ستافل Schutz Staffel» ومعناها «نخبة الأمن» أو «الحرس الخاص» ، وكانوا يرتدون قمصاناً سوداء وشارة الموت. وكان للحزب تحيته الخاصة بأن يرفع العضو ذراعه اليمنى ويقول: "هايل هتلر". وأصبح الصليب المعقوف رمزه، كما كان له نشيده الخاص.
8 ـ رأت العقيدة النازية أن هذا الهرم الألماني المنظم، لابد أن يسيطر على العالم بأسره. وقد استفادت هنا من الفكر الجغرافي السياسي (الجيوبولوتيكي) الغربي. إذ رأى النازيون أن ألمانيا أمة حركية من حقها أن تحصل على مجال يتناسب مع قوتها وحيويتها، وهو مجال أوسع مما سمحت به معاهدة فرساي.

9 ـ انطلاقاً من كل هذا وُضعت ألمانيا فوق الجميع وأصبح للألمان حقوق مطلقة فيما تصوروا أنه مجالهم الحيوي. وقد رأى النازيون أنه يجب على الشعب الألماني أن يستيقظ من سباته ويتنبه للخطر، وأن يغزو مجاله الحيوي حتى يصبح مجالاً ألمانياً صرفاً خالياً من السلاف.
10 ـ لكن الشعوب العضوية (فولك) تحتاج دائماً إلى آخر تستمد منه هويتها. والآخر هنا هو كل من يقف في طريق تحقيق الأطروحات النازية، وهم في هذه الحالة السلاف بالدرجة الأولى، الذين يشغلون المجال الحيوي في الخارج. أما في الداخل، فكانت توجد عناصر عديدة غير نافعة مستهلكة دون أن تكون منتجة، وأحياناً ضارة، من بينها المعوقون والشواذ جنسياً والشيوعيون والغجر والمصابون بأمراض وراثية مزمنة، بل الأقزام. ولذا كان النازيون يرون ضرورة إبادة العناصر الضارة في الداخل والخارج: السكان السلاف الذين يعيشون داخل المجال الألماني الحيوي، والغجر ممن لا نفع لهم، واليهود خصوصاً الأقلية المالية اليهودية.

11 ـ ولكن لنركِّز على أعضاء الجماعة اليهودية وحدهم، لا بسبب أهميتهم المطلقة ولكن بسبب أهميتهم من منظور هذه الموسوعة. كان اليهود ـ حسب التصور النازي ـ من أهم القطاعات غير النافعة، بل الضارة، فهم يتركزون في القطاعات الهامشية للاقتصاد، مثل تجارة الرقيق الأبيض. ورغم أنهم مثل البكتريا والطفيليات التي تعيش على الآخرين، إلا أنهم يدَّعون أنهم يُشكِّلون عرْقاً سامياً وشعباً مختاراً، ولذا فهم يحاولون دائماً الهيمنة على الحياة السياسية والاقتصادية للشعوب الأخرى. ويشير هتلر إلى أن اليهود سيطروا على عالم المال في ألمانيا، وأنهم يحيكون مؤامرة عالمية للسيطرة ولذا فهم يحاولون إشعال الحروب والثورات (وهذه هي الأفكار الأساسية في بروتوكولات حكماء صهيون، وفي كتاب إدموند دروموند فرنسا اليهودية، وهما من أكثر الكتب شيوعاً في أوربا في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر) . كما بيَّن هتلر أن الماركسية والماسونية ليستا إلا مجرد حيل يهودية للسيطرة على العالم. وقد صُنِّف اليهود أحياناً باعتبارهم سلافيين، لأن كثيراً منهم كانوا «أوست يودين Ostjuden» «، أي من يهود شرق أوربا. وأُلقي اللوم على اليهود باعتبارهم مسئولين عن هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى وعن إذلالها. ولذا قرر الألمان أن يجعلوا المجال الحيوي الألماني خالياً من اليهود بالألمانية: يودين راين (Judenrein) .

وقد بدأ النظام النازي حملته على اليهود عقب تعيين هتلر مستشاراً في 30 يناير عام 1933. ففي أبريل عام 1933 نُظِّمت مقاطعة للأعمال التجارية اليهودية، ثم استُبعد اليهود من كثير من الوظائف العامة. وفي أبريل 1935، استُبعد الأطفال اليهود من النظام التعليمي. وفي سبتمبر من نفس العام، صدرت قوانين نورمبرج التي نزعت عن أعضاء الجماعة اليهودية حقهم في أن يكونوا مواطنين بالرايخ، تنفيذاً لفكرة الشعب العضوي والشعب العضوي المنبوذ، ومُنعت الزيجات المُختلَطة بين اليهود والآريين. وفي عام 1938، مُنع اليهود من العمل في الوظائف الوسيطة كأن يكونوا وكلاء وبائعين ومديري عقارات ومستشارين في الأعمال التجارية. وأدَّى اغتيال عضو في السفارة الألمانية في باريس على يد يهودي بولندي في 9 ـ 10 نوفمبر 1938 إلى قيام ثورة شعبية ضد اليهود تُعرف باسم «كريستال ناخت « «أي ليلة الزجاج المحطم» أُحرق خلالها أربعمائة معبد ونُهب كثير من المتاجر والمنازل الخاصة، وتم القبض على الألوف منهم وفُرضت غرامة على اليهود (ككل) . وبعد ذلك بدأ النظام النازي في عملية الإبادة والحل النهائي النازي للمسألة اليهودية والتي استمرت حتى نهاية الحرب.
وكما سنبين فيما بعد لم يكن النظام النازي عشوائياً لاعقلانياً في اضطهاده لأعضاء الجماعات اليهودية، بل إن كلمة «اضطهاد» ذاتها قد لا تنطبق على علاقة النازيين بأعضاء الجماعات اليهودية إذ أن ما حدد هذه العلاقة هو مدى نفع اليهودي وإمكانية توظيفه.

12 ـ أشرنا من قبل إلى تَراجُع الجوانب الاشتراكية (الإنسانية) في برنامج الحزب النازي الذي كان يحوي بلا شك بعض المطلقات الإنسانية (مثل فكرة العدل وضرورة التكافل) ، وظهور رؤية مادية واحدية صارمة في ماديتها وواحديتها تنفي المطلقات والثوابت والماهيات كافة، رؤية علمانية شاملة تنزع القداسة عن كل شيء بحدة وشراسة وتُسقط تماماً فكرة الحرمات. وهذا التحول عن الإنسانية (الهيومانية) والسقوط التدريجي والمطرد في الواحدية المادية هو نمط التطور الأساسي في الحضارة الغربية الحديثة، حيث تطورت من رؤية إنسانية (علمانية جزئية) تحوي مطلقات إلى رؤية علمانية إمبريالية شاملة تنفي المطلقات والثوابت والكليات كافة.

13 ـ تنطوي الرؤية النازية للكون، شأنها شأن كل الرؤى المادية، على إشكالية أساسية داخلها، وهي مشكلة الأساس الفلسفي والمعرفي الذي تستند إليه منظومات الإنسان الأخلاقية. وقد حسم النازيون هذه القضية بتصورهم أن العلم (الطبيعي) قادر على مساعدة الإنسان على التوصل إلى حلول لجميع المشاكل، وضمن ذلك المشاكل الإنسانية والأخلاقية والروحية. ومن ثم فالعلم هو وحده القادر على تحديد الصالح والطالح والخيِّر والشرير وهو وحده المرجعية النهائية. ولذا طالب النازيون بضرورة تطبيق قيم العلم والمنفعة المادية على الإنسان والمجتمع، وآمن النازيون بالمنفعة المادية كمعيار أخلاقي للحكم على الواقع. وبالفعل، اتسم النازيون بالحياد العلمي الشديد في تعاملهم مع الواقع ومع البشر، واستخدموا مقاييس علمية رشيدة لا تشوبها أية قيم أخلاقية أو عاطفية أو غائية، وتحوَّل كل البشر، وضمن ذلك الألمان، إلى مادة بشرية. ومن ثم، قُسِّم العالم كله إلى نافعين وغير نافعين (وهو تقسيم يعود إلى القرن الثامن عشر، عصر العقل المادي والعقلانية المادية) . وتقرر أنه لا يستحق الحياة إلا من ينتج ويستهلك، أما من لا ينتج ويستهلك (بالإنجليزية: يوسلس إيترز useless eaters حرفياً «من يأكلون ولا نفع لهم» ) فمصيره أمر مفروغ منه، فقد صُنِّف على أن حياته لا قيمة لها (بالألمانية: بالاست إكسستينزن Ballastexistenzen) ، وتشكل عبئاً على الاقتصاد الوطني بطبيعة الحال.

14 ـ ولكن كما هو الحال دائماً تخبئ الرؤيةُ العلمية النفعية المحايدة أخلاقياً الرؤيةَ الداروينية النيتشوية، بتأكيدها على فكرة البقاء باعتباره القيمة المطلقة والصراع باعتباره الآلية الوحيدة للبقاء، وهي عملية مادية محضة. فالبقاء هو البقاء المادي، والصراع صراع مادي، والبقاء في هذه الغابة الداروينية الواحدية المادية التي لا تعرف الرحمة أو العدل ليس من نصيب الأرق قلباً أو الأرقى خُلقاً أو الأكثر تراحماً وإنما هو من نصيب الأصلح والأقوى مادياً (فالقوة هي المطلق النهائي) ، والأقوى هو الذي لا تعرف الرحمة طريقاً إلى قلبه والذي يتحلى بأخلاق الأقوياء ويضرب بيد من حديد على الضعفاء بدلاً من أن يأخذ بأيديهم.
بعد تَقبُّل النازيين النفع المادي والقوة، باعتبارهما المعيار الأخلاقي الأوحد في منظومة معرفية علمانية مادية شاملة لا تعرف المطلقات الإنسانية أو الأخلاقية أو الدينية، قام المفكرون والعلماء النازيون بتقييم الواقع المحيط بهم من خلال هذه المنظومة الفكرية المادية وصنفوا كثيراً من العناصر باعتبارها غير نافعة (السلاف ـ الغجرـ اليهود ـ المعوقين ... إلخ)
ولا يمكن الدفاع عن كل هؤلاء من منظور أخلاقي مطلق، فهذا أمر مرفوض من منظور علماني شامل، نفعي نسبي، مستنير رشيد، ينطلق من حساب دقيق للمدخلات والمخرجات. ومن يريد الدفاع عن نفسه عليه أن يفعل ذلك من داخل المنظور العلمي النفعي المستنير لا من خارجه.
وكان قد تم إعداد الآلة المادية النفعية ذات الكفاءة العالية، كما تم تحويل العالم بأسره، على المستويين المعرفي والوجداني، إلى مادة استعمالية خام. ومن جهة أخرى، تم استئناس الشعب الألماني وترشيده وتحييد حسه الخلقي تماماً وإسكات عواطفه، ليكون في انتظار التعليمات والحلول الواقعية العلمية العملية (المادية) النهائية لمشاكله، وهي حلول ستأتيه من مجموعة من رجال الحزب والعلماء وأهل التخصص.

وحينما بدأت آلة الإبادة المادية النفعية الموضوعية الجهنمية ذات الكفاءة العالية منقطعة النظير، في الدوران، كانت الإبادة قد تحقَّقت معرفياً ووجدانياً ونظرياً، من خلال النموذج الواحدي المادي، قبل أن تتحقق فعلياً من خلال معسكرات الاعتقال والسخرة والإبادة.
إن الأطروحات الأساسية للنازية هي ذاتها الأطروحات الأساسية للحضارة الغربية الحديثة والتشكيل الإمبريالي الغربي. وبالفعل حظيت الحركة النازية في البداية بتأييد رأسمالي غربي لأنها كانت تنظر إلى الاتحاد السوفيتي باعتباره العدو الأكبر (السلافي) للحضارة الآرية، ومن ثم كان الرايخ الثالث من هذا المنظور يشكل قلعة ضد الزحف السلافي الشيوعي. ولكن ستالين كان أكثر دهاءً، حيث عقد حلفاً مع هتلر اقتسما بمقتضاه بولندا والمجال الحيوي المحيط بهما. ثم تحالف الغرب الرأسمالي مع الشرق الاشتراكي ضد هتلر، لا دفاعاً عن المبادئ ولكن لأنه بدأ يهدد مصالحهما معاً.
النازية هي وليدة الحضارة الغربية إذن، ومع هذا يتساءل بعض الدارسين الغربيين للإبادة النازية عن الكيفية التي أمكن بها لمجتمع غربي يُقال إنه «متحضر» مثل المجتمع الألماني (مجتمع هيجل وفاجنر وهايدجر) أن يفرز حركة بربرية تماماً كالحركة النازية ثم يُخضع كل أعضاء المجتمع لها. وفي محاولة الإجابة على هذا السؤال، ذهب بعضهم إلى القول بأن النازية هي مجرد انحراف لا عن مسار التاريخ الألماني وحسب وإنما عن مسار التاريخ الغربي ككل.

ويذهب المؤرخ الألماني إرنست نولتErnest Nolt (وهو أستاذ في جامعة برلين الحرة يمثل تياراً مراجعاً داخل علم التاريخ في ألمانيا) إلى أن المرحلة النازية ليست مرحلة نماذجية، أي لا ترقى إلى مستوى النموذج والنمط، وإنما هي مرحلة عرضية غير مُمثِّلة لمسار التاريخ في ألمانيا. وهم يُقارنونها بروسيا الستالينية. ويذهب نولت إلى القول بأن النازيين قاموا بعمليات الإبادة خوفاً من أن تُطبَّق عليهم سياسات الإبادة التي كان يطبقها السوفييت منذ عام 1917 على الطبقات والشعوب غير المرغوب فيها، بل يؤكد أن النازيين تعلموا الإبادة والتصفية الجسدية ومعسكرات السخرة من الشيوعية السوفيتية ومن ممارسات ستالين الإبادية؛ فالأصل هو الجولاج، وأوشفيتس هي النسخة.
وهناك كثيرون داخل ألمانيا وخارجها يعارضون هذا الرأي ويؤكدون أن سلوك الألمان هو جزء لا يتجزأ من تاريخهم الحضاري (بل هناك من يتطرف إلى درجة القول بأن سلوك الألمان هو في واقع الأمر تعبير عن طبيعتهم الثابتة) . والحوار هنا يتعلق بدلالة الإبادة: هل هي جريمة نازية ضد اليهود، أم جريمة غربية متكررة (نمط متكرر) يُعبِّر عن نموذج معرفي كامن، أم أنها مجرد حادثة؟ ونحن نذهب ـ كما أسلفنا ـ إلى أن الحضارة التي أفرزت الإمبريالية والشمولية والمنفعة المادية والداروينية، وفلاسفة العرْقية الحديثة، هي الحضارة التي أفرزت رؤية إبادية وصلت إلى قمتها في اللحظة النازية. ومن ثم، فإن الإبادة النازية تُعبِّر عن شيء حقيقي أصيل لا في التشكيل الحضاري الألماني وحده وإنما في الحضارة الغربية، وليست مجرد انحراف عن تاريخ ألمانيا أو تاريخ الغرب الحديث.

إن جوهر الفكر النازي، متمثلاً في كتابات أدولف هتلر (وغيره من المفكرين النازيين) ، لا يختلف كثيراً عن فكر سير آرثر بلفور صاحب الوعد المشهور (وغيره من الساسة والمفكرين الاستعماريين) . فكلٌ من هتلر وبلفور يدور داخل الإطار الإمبريالي العِرقي المبني على الإيمان بالتفاوت بين الأعراق، وعلى حل مشاكل أوربا عن طريق تصديرها. وكلاهما يؤمن بفكرة الشعب العضوي، وكلاهما يرى في اليهود عنصراً غير مرغوب فيه ويؤكد، من ثم، ضرورة وضع حل نهائي للمسألة اليهودية في أوربا، وكلاهما لا يلتزم بأية منظومة أخلاقية سوى منظومة المنفعة المادية ومنظومة الصراع الداروينية. وقد تم الحل النهائي في حالة بلفور بنقل (ترانسفير) اليهود خارج إنجلترا وأوربا إلى فلسطين.
وقد حاول هتلر، في بداية الأمر، أن يحل مسألته اليهودية بشكل نهائي أيضاً، بالطرق الاستعمارية السلمية البلفورية التقليدية، أي التخلص من الفائض البشري اليهودي عن طريق تصديره (ترانسفير) إلى رقعة أخرى خارج ألمانيا. وكان هتلر يدرك أن الترانسفير (تفريغ الأراضي من سكانها ونقلهم) هو جزء من المنظومة الغربية وطريقة حلها للمشاكل. فقد أشار (في أغسطس 1940) إلى أنه تم إفراغ بروسيا الشرقية من سكانها الألمان بعد الحرب العالمية الأولى، وتساءل عن وجه الضرر في نقل 600 ألف يهودي من أراضي الرايخ (وكان هناك مشروع نازي ترانسفيري أكبر وهو نقل 31 مليون «غير ألماني» من شرق أوربا، وهي عبارة بلفورية لا تختلف عن تلك العبارة التي وردت في وعد بلفور حيث تمت الإشارة لسكان فلسطين العرب على أنهم «الجماعات غير اليهودية» ) .
وداخل هذا التصور الترانسفيري البلفوري الغربي تحرَّك هتلر لتنفيذ خطته:
1 ـ قام هتلر بشحن عشرة آلاف يهودي وأرسلهم عبر الحدود إلى بولندا في 28 أكتوبر 1938، ولكن الحدود البولندية كانت موصدة دونهم (فبولندا هي الأخرى كانت تود الدفاع عن مصالحها المادية) .

2 ـ استمرت المحاولات النازية التي تستهدف تهجير اليهود حتى نهاية الحكم النازي. فبُذلت المحاولة تلو الأخرى لتوطينهم في سوريا وإكوادور وتم تشجيعهم على الهجرة إلى فلسطين. وكان هناك مشروع صهيوني نازي يُسمَّى «مشروع مدغشقر» يهدف إلى تأسيس دولة يهودية في تلك الجزيرة الأفريقية. ولكن معظم هذه المشروعات فشلت. ولم تُطرح بدائل أخرى، فالمجال الاستعماري الحيوي لألمانيا، بعد هزيمتها في الحرب العالمية الأولى، كان محدوداً.
3 ـ لم تكن الدول الغربية (التي تتباكى حتى الآن على ضحايا الإبادة) ترحب هي الأخرى بالمهاجرين اليهود أو غيرهم (بسبب حالة الكساد الاقتصادي) .
وكان هتلر يسمي خطة الترانسفير هذه «الحل الشامل» و «الحل النهائي» ولكن هذا الحل النهائي البلفوري لم يكن متاحاً لهتلر، ولذا لم يكن أمامه سوى استبعاد اليهود بطريقة غير بلفورية، وتتميَّز بكونها أكثر حدة ومنهجية وتبلوراً وسوقية. ومع هذا يميل كثير من العلماء إلى القول بأن «الحل النهائي النازي للمسألة اليهودية» ظل ذا طابع بلفوري حتى النهاية، أي حل نهائي من خلال الترانسفير، أو التهجير القسري إما إلى المستعمرات في آسيا وأفريقيا أو إلى معسكرات العمل والسخرة في ألمانيا، التي لم تكن الأوضاع فيها تختلف كثيراً عن الأوضاع السائدة في المستعمرات.

وإذا كان فكر هتلر هو نتاج لحضارة الغرب، خصوصاً في القرن التاسع عشر، والتي تدور داخل الإطار العرْقي العلماني الإمبريالي الدارويني، فلابد أن تكون هناك نقط اتفاق بين هذا الفكر والفكر الصهيوني الذي هو أيضاً نتاج المعطيات الفكرية نفسها. وبالفعل، نجد أن الفكر الصهيوني يتحدث عن اليهود باعتبارهم عناصر بكتيرية. والواقع أن تعبير البكتريا المجازي (وهو تعبير دارويني لا علاقة له بقيم " بالية " مثل المحبة والمساواة والعدل) يستخدمه كل من هتلر ونوردو وهرتزل، الذين يتحدثون عن اليهود باعتبارهم شعباً عضوياً منبوذاً (قارن هذا بكلمات بوبر حيث يتحدث عن اليهود بوصفهم شعباً آسيوياً طُرد من آسيا ولكنها لم تُطرد منه، أي أن آسيا تجري في دمه) . كما أن الصهيونية ترى ضرورة إخلاء أوربا من اليهود، ولعل الخلاف الوحيد هو أن الصهاينة يفضلون الطريقة البلفورية على الطريقة الهتلرية.
ويتضح مدى انتماء المنظومة النازية للحضارة الغربية الحديثة في معلومة مخيفة وغريبة ولكنها نماذجية وممثِّلة في ذات الوقت، وهي أن النازيين كانوا يطلقون عبارة «مسلم» على اليهودي الذي تقرر إبادته. فكأن النازيين هم حملة عبء الرؤية الأوربية في مجابهتها مع أقرب الحضارات الشرقية لهم، وهي الحضارة الإسلامية، وهم لم ينسوا قط هذا العبء وهم يبيدون بعضاً من سكان أوربا غير النافعين والذين يقلون تقدماً عن الآخرين.
السياق السياسي والاجتماعي الألماني للإبادة
‏German Political and Social Context of the Extermination

بعد أن درسنا الإبادة كإمكانية كامنة داخل الحضارة الغربية الحديثة وداخل المجتمع الألماني الحديث، وبعد أن درسنا العناصر الحضارية التي ساعدت على تَحقُّق الإمكانية، بوسعنا أن ندرس العناصر السياسية والاجتماعية الألمانية العامة والعناصر الألمانية اليهودية الخاصة، التي ساهمت بدورها في تحقيق الإمكانية الإبادية. وقد يكون من المنطقي أن نبدأ بتناول أهم العناصر التاريخية في القرن العشرين وأثرها على ألمانيا، أي عملية التحديث أو تحول المجتمع الغربي من النمط التقليدي إلى ما يُسمَّى «النمط العقلاني (المادي) أو الرشيد» في الإنتاج والإدارة، والذي يخضع لعمليات الترشيد.
ونحن لا نشير عادةً إلى التحديث إلا عندما نتناول العالم الثالث، وذلك بسبب وضوح هذه العملية فيه، وبسبب كونها عملية مازلنا نعيشها في وقتنا الحاضر. لكن عملية التحديث هي المدخل الأساسي لفهم كثير من الظواهر في العالم الغربي منذ القرن الرابع عشر، برغم أنها تأخذ أشكالاً أكثر تركيباً وتقدماً هناك.
ولعل من أهم الحقائق التي تسم عملية التحديث أو التصنيع في ألمانيا، أنها بدأت في وقت متأخر قليلاً بالنسبة لغرب أوربا. فالجهود الرامية لتحديث ألمانيا ظلت متعثرة ولم تحرز تقدماً إلا في سبعينيات القرن الماضي بعد الحرب البروسية الفرنسية نظراً لعدم وجود سلطة مركزية. ولكن الوضع تغيَّر بعد أن أحرزت بروسيا انتصارها الساحق على فرنسا، وبعد أن ضمت الألزاس واللورين، إذ قامت بتوحيد ألمانيا، ثم حققت عملية التحديث من خلال قفزات هائلة في فترة وجيزة نسبياً، بحيث أصبحت ألمانيا من كبريات الدول الصناعية لا يفوقها سوى إنجلترا، بل إنها تفوقت على إنجلترا ذاتها في بعض الجوانب.

وعادةً ما يؤدي التحديث السريع إلى اضطرابات اجتماعية، لأنه لا يتيح الفرصة أمام أعضاء كثير من الجماعات والأقليات الإثنية والدينية للتأقلم مع الوضع الجديد، بحيث يمكنهم إعادة تحديد ولائهم وإعادة صياغة هويتهم بما يتفق مع متطلبات الولاء للدولة القومية الحديثة. وقد ظهر هذا الوضع، أول ما ظهر، حينما سعت الدولة الألمانية الجديدة، ذات التوجه البروتستانتي الواضح أو ذات الديباجات البروتستانتية، إلى وضع كل النشاطات الاقتصادية والثقافية تحت سيطرتها، وهذا أمر أساسي في عملية الترشيد. وعلى سبيل المثال، حاولت الدولة الجديدة السيطرة على النظام التعليمي بأكمله، ومن ثم، تدخلت في عملية تعيين (وفصل) المدرسين في المدارس الكاثوليكية حتى يمتثلوا لأوامرها هي ولا يخضعوا لسلطان الكنيسة، وحتى تتحول الأقلية الكاثوليكية من جماعة شبه ألمانية لها سماتها الخاصة يتوزع ولاؤها بين القيم الدينية المطلقة والقيم القومية العضوية إلى جماعة ألمانية خالصة تدين بالولاء للدولة وحدها. وقد أدَّى هذا إلى صدام بين الدولة والكتلة الكاثوليكية الضخمة، وأُطلق على هذا الصدام مصطلح «كولتوركامبف Kulturkampf» أي «الكفاح الثقافي» (وقد وقف أعضاء الجماعة اليهودية إلى جانب الدولة ضد أعضاء الجماعة الكاثوليكية) .

وأدَّى التحديث السريع إلى اقتلاع أعداد كبيرة من الجماهير الريفية من مجتمعاتهم المترابطة (جماينشافت) والإلقاء بهم في المدن الضخمة التي تسود فيها العلاقات التعاقدية (جيسليشافت) . وتزايدت درجة الاغتراب بين أعضاء الطبقة الوسطى وغيرها من الطبقات، حيث تغيَّر أسلوب حياتهم نتيجةً لازدياد حجم المدن بسرعة مذهلة وظهور مؤسسات قومية رأسمالية ضخمة لم يألفوها. وفي مثل هذه الظروف، يبحث أعضاء المجتمع في العادة عن عقيدة متكاملة تجيب عن أسئلتهم وتمنحهم الطمأنينة التي يفتقدونها في المجتمع الجديد وتحميهم من وحشية وتائر التغير السريع. وحيث إن العقائد الشمولية تقوم بهذه المهمة على أكمل وجه، فقد وجدت تربة خصبة في ألمانيا. (ويقف هذا الوضع على الطرف النقيض من التحديث التدريجي البطيء في غرب أوربا الذي سمح بترسيخ قيم الفردية والليبرالية ثم بهيمنة البورجوازية في نهاية الأمر على المجتمع ككل بمختلف أعضائه ومؤسساته) .

وتم التحديث في ألمانيا تحت ظروف خاصة (التحديث المتأخر الذي تزامن مع توحيد ألمانيا) . وقد نجح بسمارك في استغلالها ببراعة فائقة، حيث اكتشف أن العناصر الثورية في الطبقة الوسطى والبورجوازية تبنَّت قضية توحيد ألمانيا وربطت بينها وبين قضية القضاء على القوى التقليدية والمحافظة في المجتمع والتي كان من صالحها أن تبقي على وضع التجزئة. لكن بسمارك توصل إلى صيغة عقائدية تسمح بفصل الهدف الأول عن الثاني، كما تسمح باستغلال قضية الوحدة في تصفية العناصر الليبرالية والثورية مثلما يحدث في العالم الثالث في الوقت الحاضر عندما تُطرح قضايا قومية يُقال لها «مصيرية» للتحكم في الجبهة الداخلية ولتصفية أية جيوب معارضة باسم الإجماع القومي ("في تلك اللحظة المصيرية من تاريخ الأمة") . وانطلاقاً من هذا، تبنت القوى والطبقات المحافظة والأرستقراطية، بقيادة بسمارك، قضية توحيد ألمانيا وضرورة قيام سلطة مركزية، بعد أن أصبحت موضع إجماع قومي، ثم أنجزت هذا الهدف التاريخي في نهاية الأمر. ولذا، كان بوسع هذه القوى أن تبرم هدنة بينها وبين البورجوازية بحيث تحتفظ هي بالقيادة السياسية لألمانيا على أن تستفيد البورجوازية من النتائج الاقتصادية لعملية التوحيد، أي أن عملية التحديث في ألمانيا تمت تحت مظلة القوى التقليدية المحافظة مثلما كان الحال، وإن تباينت صورته، في دول شرق أوربا. ومن ثم، ظهر مجتمع حديث يُدار بشكل حديث من قبَل طبقة تقليدية ذات مُثُل تسلطية شمولية، وهذا مغاير تماماً لنمط التحديث في كلٍّ من فرنسا وإنجلترا.

ومن الحقائق الأساسية التي كثيراً ما نغفل عنها، أن التحديث في العالم الغربي، في أوربا الغربية خاصة، ارتبط ارتباطاً كاملاً وعضوياً بالمشروع الاستعماري الغربي. ولا يمكن رؤية عملية التحديث (والتراكم الرأسمالي المرتبط به) ، في فرنسا وإنجلترا وهولندا وبلجيكا وأمثالها، خارج إطار التوسع الاستعماري وتحويل شعوب آسيا وأفريقيا إلى ما يشبه الطبقة العاملة (مصدر فائض القيمة) بالنسبة إلى شعوب الغرب (ولذا فنحن نفضل الحديث عن «التراكم الإمبريالي» ) . ومما لا شك فيه، أن التوسع الاستعماري يُساهم في التخفيف من حدة كثير من المشاكل الناجمة عن التحديث مثل الأزمات الاقتصادية والانفجارات السكانية، وذلك عن طريق تصديرها إلى المستعمرات. ولكن ألمانيا لم يكن لها مشروع استعماري مستقل نظراً لانقسامها، وقد مرت عليها مرحلة الاستعمار المركنتالي (التجاري) في القرنين السادس عشر والسابع عشر، كما مرت عليها مرحلة الاستعمار في إطار المنافسة الحرة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. ولم تدخل ألمانيا الحلبة الاستعمارية إلا في مرحلة الرأسمالية الاحتكارية بعد أن كانت إنجلترا وفرنسا (ومن قبلهما إسبانيا والبرتغال) قد التهمتا معظم أنحاء العالم. وبطبيعة الحال، سعت ألمانيا، بعد أن تسارعت وتيرة التحديث داخلها، إلى بسط نفوذها على بعض مناطق العالم، فأنشأت علاقات وثيقة مع الدولة العثمانية وحلَّت محل بريطانيا وفرنسا كحليفة كبرى، كما احتلت بعض المناطق في أفريقيا بل في أوربا ذاتها. وقد تحطم المشروع الاستعماري لألمانيا تماماً في الحرب العالمية الأولى، إذ اقتسم الحلفاء (المنتصرون) مستعمراتها فيما بينهم ولم يعد لها مجال استعماري حيوي تقوم بتصدير مشاكلها إليه.

ويمكن القول بأن معاهدة فرساي لم تحطم المشروع الاستعماري الألماني وحسب، بل حطمت المشروع التحديثي الألماني، وحولت ألمانيا نفسها إلى ما يشبه المستعمرة. وقد مُنعت ألمانيا من الاتحاد مع النمسا، مع أن ذلك كان مطلباً للشعبين الألماني والنمساوي كليهما. كما تم استقطاع أجزاء كبيرة منها ضُمت إلى كلٍّ من الدنمارك وبولندا وفرنسا وبلجيكا وليتوانيا. ووُضعت منطقة السار، الغنية بالفحم، تحت إشراف عصبة الأمم لمدة خمسة عشر عاماً أُديرت مناجمها أثناءها عن طريق فرنسا. وعلاوة على هذا، تم تحديد حجم الجيش الألماني الذي سلِّم كميات هائلة من الزاد والعتاد الحربي للحلفاء، وخُفضت كمية الذخيرة المسموح بإنتاجها، وخُفضت قوة السلاح البحري ولم يُسمَح بوجود قوات جوية بتاتاً، كما فُرضت غرامة مالية كبيرة على ألمانيا. وفضلاً عن ذلك، تقرر أن تحتل قوات الحلفاء الضفة اليسرى للراين لمدة خمسة عشر عاماً للتأكد من تنفيذ شروط المعاهدة. وألغى الحلفاء المنتصرون المعاهدات التجارية المبرمة بين ألمانيا والدول الأخرى، وصُودرت الودائع المالية الألمانية في الخارج، وأُنقص حجم البحرية التجارية الألمانية إلى عُشر حجمها. وكل هذه الإجراءات تذكر المرء بما حدث لمحمد علي، صاحب أول تجربة تحديث في الشرق العربي، والذي هدَّد ظهوره الخطط الغربية للاستيلاء على تركة الدولة العثمانية، رجل أوربا المريض. وفي نهاية الأمر، كان على ألمانيا أن تدفع غرامة عينية قدرها 20 مليار مارك ذهبي، على أن تدفع جزءاً منها فوراً وجزءاً منها بعد حين. وتم تحديد الغرامة في نهاية الأمر، في أبريل 1921، بمقدار 132 مليار مارك ذهبي. وبرغم معارضة جميع الأحزاب الألمانية لتلك الشروط، اضطرت جمهورية وايمار في النهاية إلى أن ترضخ. وكما هو الحال في مثل هذه المواقف، حينما تُجْرح الكبرياء الوطنية لشعب ما، ذاع بين الألمان الاعتقاد بأن ألمانيا لم تُهزم وإنما طعنها الثوريون

والليبراليون واليهود من الخلف.
وأدَّى الوضع المذكور إلى تدهور سعر المارك من 4.20 مارك للدولار في عام 1914 إلى 162 ماركاً للدولار، ثم إلى سبعة آلاف مارك عام 1922. وقد احتلت فرنسا منطقة الروهر عام 1923 بحجة فشل ألمانيا في إرسال شحنة من الخشب على سبيل التعويض العيني، ثم قامت القوات الفرنسية والبلجيكية بإلقاء القبض على العمال الألمان الذين رفضوا العمل في المناجم، وفُرض حصار اقتصادي تم بمقتضاه فصل منطقة الروهر وكذلك وادي الراين المحتلين عن ألمانيا، الأمر الذي كان يشكل ضربة اقتصادية هائلة لألمانيا، خصوصاً بعد أن تم استقطاع منطقة سيلزيا العليا الغنية بالفحم. وبناءً على ذلك، هبط المارك إلى 160 ألفاً للدولار في عام 1923 ثم إلى 4.200.000.000.000 في نوفمبر 1923. ولأن جمهورية وايمار لم تضع أية قيود على حرية رأس المال، فقد استفاد كثير من الرأسماليين (ومنهم أعداد كبيرة من أعضاء الجماعات اليهودية) من هذا الوضع، وحققوا أرباحاً هائلة وراكموا الثروات في وقت كانت فيه معظم طبقات الشعب الألماني تعاني من الفقر والهوان.
وبذلت حكومة ألمانيا قصارى جهدها لإصلاح هذا الوضع. وبالفعل، تم تحديد ديون ألمانيا وطريقة دفعها، وبدأت قوات الحلفاء في الانسحاب مع أوائل الثلاثينيات، ثم عقدت الجمهورية بعض القروض لاستثمارها في الاقتصاد الألماني حتى ظهرت بعض علامات التحسن والاستقرار. ولكن هذا الاستقرار كان يعتمد بالدرجة الأولى على القروض الخارجية، ومن ثم، أدَّت أزمة الرأسمالية العالمية عام 1929 وانهيار البورصة في نيويورك إلى انهيار الوضع في ألمانيا، فوصل عدد العاطلين فيها عن العمل إلى ما يزيد على ستة ملايين (أي نحو ثلث مجموع القوى العاملة في الفترة 1930 ـ 1932) ، وانخفض الدخل بنسبة 43%، وفقدت الطبقة الوسطى ما تبقى لديها من مدخرات.

هذا هو السياق الاجتماعي والسياسي العام الذي أدَّى إلى احتدام التناقضات والثورات داخل المجتمع الألماني والذي أدَّى في نهاية الأمر إلى تَفجُّر الوضع الداخلي وظهور الأفكار الشمولية الاستبعادية وإلى ظهور إمبريالية تتجه نحو «الداخل» الأوربي بعد أن حُرمت من "الخارج" الآسيوي والإفريقي " العالمي". فقد اتجه المشروع الاستعماري الألماني بكل قوته، حينما استعادها، نحو الداخل، أي نحو الشعوب السلافية المجاورة والأقليات المختلفة مثل الغجر واليهود، حيث اعتبر المناطق التي تعيش فيها مجاله الحيوي، الذي لابد من تفريغه من تلك العناصر التي لا تنتمي إلى الفولك والتي تعوق تحقيقه لمصلحته وأهدافه.
السياق السياسي والاجتماعي الألماني اليهودي للإبادة
‏Jewish-German Political and Social Context of the Extermination
ولكن إلى جانب هذه الظروف الألمانية العامة، كانت هناك ظروف خاصة بأعضاء الجماعة اليهودية في ألمانيا ساهمت في تحويل الموقف المتفجر إلى وضع مدمر بالنسبة لهم ولغيرهم من الأقليات، وهو ما سنتناوله في هذا الجزء.
لم يكن للجماعة اليهودية في ألمانيا وزن عددي يذكر. فمن الناحية الكمية المحضة، لم يكن أعضاؤها يُشكلون أي تحدٍّ خاص للأغلبية الألمانية الساحقة كما يبيِّن الجدول التالي:
السنة / عدد اليهود / النسبة الى عدد السكان
1871 / 512150 / 1.22%
1880 /512612 / 1.24%
1890 /567884 / 1.15%
1900 /586833 / 1.04%
1910 /615.021 / 0.95%
ويُلاحَظ من الجدول السابق أن الجماعة اليهودية لم تكن آخذة في التزايد برغم الانفجار السكاني في أوربا في القرن التاسع عشر (زاد عدد يهود شرق أوربا بين عامي 1800 و1935 بنحو ستة أضعاف) . كما أن نسبة يهود ألمانيا إلى عدد السكان كانت آخذة في التناقص، وقد تزايد هذا الاتجاه عام 1910 بسبب التنصُّر والزواج المختلط الذي بلغت نسبته بين عامي 1921 و1927 نحو 44.5% من جملة الزيجات اليهودية.

ولذا، لم تكن المسألة اليهودية في ألمانيا كامنة في الكم كما كان الوضع (إلى حدٍّ ما) في شرق أوربا، وإنما في الكيف، وعلى وجه التحديد في الوضع الوظيفي المتميِّز لأعضاء الجماعة اليهودية الذي تأثر تأثراً عميقاً بعملية التحديث في ألمانيا. فقد كان أعضاء الجماعة، حتى نهاية القرن الثامن عشر، يعيشون أساساً في الريف والمدن الصغيرة. ولكن، مع بدايات القرن التاسع عشر وظهور الاقتصاد الجديد، هاجرت أعداد هائلة منهم إلى المدن الكبرى. ومع نهاية القرن، كانت أغلبيتهم تقيم في المدن الكبرى مثل براسلاو وليبزج وكولونيا، بالإضافة إلى هامبورج وفرانكفورت، وكانت برلين تضم ثُلث يهود ألمانيا.

وأدَّى تركز يهود ألمانيا في المدن إلى وضوح تمايزهم الوظيفي والمهني، وهي ظاهرة موغلة في القدم في دول وسط أوربا، وخصوصاً في ألمانيا. فلقد كان أعضاء الجماعة اليهودية في الإمارات الألمانية يُشكِّلون، في العصور الوسطى، جماعة وظيفية وسيطة تضطلع بدور التاجر والصيرفي والمرابي، ثم تم طردهم من عدة مدن وإمارات ألمانية، فهاجروا منها إلى مدن وإمارات ألمانية أخرى. ولكن، مع حلول القرن السادس عشر، سُمح لليهود بالاستقرار في كثير من المدن والإمارات التي كانوا قد طُردوا منها، وتم استقدامهم كعنصر تجاري نشط لديه رأس المال اللازم والاتصالات الدولية. وكان يهود المارانو (الذين طُردوا من شبه جزيرة أيبريا) من أهم هذه العناصر. وعادةً ما كان يتم استقدام اليهود، سواء في العصور الوسطى أو في القرن السادس عشر، بأمر من الإمبراطور أو الأمير أو النخبة الحاكمة، فكان أعضاء الجماعات اليهودية يتبعون النخبة الحاكمة (أو أحد أعضائها) بشكل مباشر ويُشكِّلون مصدر دخل كبير لها، وكان الممولون اليهود يقومون باعتصار الجماهير من خلال الفوائد الضخمة التي يُحصِّلونها على قروضهم. ولكن النخبة الحاكمة كانت تستولي على نسبة ضخمة من الأرباح في نهاية الأمر عن طريق الضرائب التي تفرضها على أعضاء الجماعات اليهودية. وفي القرن السادس عشر ظهرت مهنة يهودي البلاط الذي يدير الخزانة الملكية ويعقد الصفقات والقروض بالنيابة عن الأمراء ويمول الحروب ويدير الاتصالات التجارية اللازمة، أي أن أعضاء الجماعة اليهودية في ألمانيا كانوا مرتبطين بالحاكم ملتصقين به ومتميِّزين طبقياً ومهنياً عن بقية أفراد الشعب، وهو وضع ازداد تبلوراً في القرن التاسع عشر، كما يبيِّن الجدول التالي الخاص بتوزيع أعضاء الجماعة اليهودية في المهن والحرف المختلفة:
المهنة أو الحرفة / 1895 / 1903
الزراعة / 1.4% / 1.3%
الصناعة / 19.3% / 22.03%
التجارة والنقل / 56.0% / 50.6%

عمال أجراء / 0.4% / 0.6%
مهن حرة / 6.1% / 6.5%
أعمال حرة / 16.7% / 19.0%
وكان وجود بعض أعضاء الجماعة اليهودية كوسطاء أمراً واضحاً جداً، فقد تركزوا في صناعة الأثاث والملابس الجاهزة وارتبطوا بالصيرفة والمحال التجارية، الأمر الذي حولهم إلى شخصيات مكروهة من الطبقة الوسطى، خصوصاً في ظروف الأزمة. واتضح كذلك وجود اليهود في مهنة الإقراض وتحصيل ريع الملكيات الزراعية (بالنيابة عن أصحاب الأملاك) ، كما عملوا تجار مواش، الأمر الذي جعلهم مكروهين من الفلاحين. وقبل الحرب العالمية الثانية، كان عدد يهود ألمانيا لا يزيد على 1% وكان يهود برلين يُشكِّلون 5% من سكانها، ومع هذا كانوا يُشكِّلون النسب التالية في بعض القطاعات الاقتصادية في برلين:
النسبة / القطاع الاقتصادي
70% / من مجموع أصحاب الحوانيت
30% / من مجموع تجار الملابس
25% / في تجارة الأثاث
17% / من مجموع العاملين في المصارف
10% / من الأطباء
16% / من المحامين

ومن الإحصاءات الأخرى ذات الدلالة أن يهود برلين الذين كانوا يشكلون ـ كما أسلفنا ـ 5% من سكانها كانوا يدفعون 30% من جملة الضرائب، وكان يهود فرانكفورت الذين يشكلون 7% من سكانها يدفعون 28% من ضرائبها، كما بلغت نسبة أصحاب الأعمال ومديري البنوك من اليهود في برلين 55.15% في عام 1882، ثم هبطت إلى 32.6% في عام 1925 (وهي أيضاً نسبة عالية) . وتقول الموسوعة اليهودية العالمية إن الهبوط في النسبة المئوية لم يصاحبه هبوط في النفوذ، إذ كان اليهود، في بعض السنوات، يُديرون أهم ثلاثة بنوك تتحكم في 60% من نسبة الإقراض في بعض السنوات، وكانوا يديرون نحو ثلاثة أرباع القروض الأجنبية التي مُنحت لألمانيا من عام 1924 إلى عام 1929. كما سيطر اليهود على 57.32% من صناعة المعادن في عام 1930. وهكذا، ارتبط اليهود في العقل الألماني بالمشروع الحر والمضاربات والسياسات الليبرالية. ومن جهة أخرى، كان والتر راتناو (وزير التعمير ثم وزير الخزانة في حكومة وايمار) يهودياً، كما كان واضع دستور هذه الجمهورية (التي استمرت فترة قصيرة) يهودياً أيضاً.

وكانت هذه الجمهورية ترمز في العقل الألماني لليبرالية المتخاذلة المتهالكة أمام هجوم أعداء ألمانيا. ومن قبيل المفارقات أن أعضاء الجماعة اليهودية ارتبطوا بالمثل الليبرالية في وقت كان فيه المجتمع الألماني (ككل) يتخلى، بعد تَعثُّر التحديث، عن هذه المُثٌل ليبحث عن طرق أخرى شمولية لحل مشاكله. ولعل في هذا الارتباط الوثيق بين الرأسمالية الألمانية ويهود ألمانيا ما يُفسِّر النقد الاشتراكي الثوري العنيف لليهود باعتبارهم ممثلين للرأسمالية، ولليهودية باعتبارها دين الاقتصاد الجديد. ولعل هذا يُفسِّر أيضاً السبب في أن ماركس يَقرن اليهودية بروح التجارة ويُوحِّد بينهما، ويرى أن إله إسرائيل الطماع هو المال. وهذا التراث الاشتراكي في نقد الشخصية اليهودية نابع من تربة ألمانية أساساً، حيث كان اليهود ممثلين بشكل واضح في الطبقات الرأسمالية. ولا ينطبق هذا، بأية حال، على شرق أوربا حيث تحوَّلت البورجوازية الصغيرة والجماعات اليهودية إلى بروليتاريا تعاني من ويلات الفقر.
وبرغم هذا الربط بين الجماعات اليهودية والرأسمالية في ألمانيا، فقد انضم عدد كبير من المثقفين اليهود إلى الحركات الثورية فيها، وكان ارتباطهم بها على المستوى الفردي واضحاً وضوح الارتباط الجماعي لليهود بالرأسمالية. فكان رئيس حكومة بافاريا الثورية (البلشفية) يهودياً، وكان كثير من قيادات الحركة الثورية المتطرفة (مثل روزا لوكسمبرج) من اليهود، وكان هناك شبح ماركس يرفرف على الجميع. ثم اتضح عام 1917 الوجود اليهودي الملحوظ في الثورة البلشفية (التي كان يُطلَق عليها في بعض الأوساط «الثورة اليهودية» ) .

وهكذا، ارتبط اليهودي بالصناعة والاستغلال والمشروع الحر، وكذلك بالثورة الاشتراكية المتطرفة والحركات الثورية، أي أن اليهودي أصبح رمزاً جيداً لهذا المجتمع الحديث (جيسيلشافت) المبني على التعاقد والتنافس، والذي قوض دعائم المجتمع الألماني المترابط (جماينشافت) ، وأصبح بؤرة تتجمع فيها مخاوف الطبقة الوسطى التي كانت آخذة في التدهور الاجتماعي والطبقي بسبب التضخم والبطالة. بل أصبح رمزاً لكل تلك القوى، من اليمين واليسار، التي أودت بألمانيا وفرضت عليها أن تذعن للحلفاء.
وحينما استأنفت ألمانيا عملية التحديث بعد الحرب، تمت هذه العملية بقروض أجنبية وتحت رعاية الدولة، أي أن النمط الاقتصادي السائد في ألمانيا لم يكن فيه مجال للرأسمال الحر تماماً ولا للنمط الاشتراكي الجمعي. وارتطمت الدولة النازية بكل من الرأسمال الحر الذي ارتبط به اليهود واليسار المتطرف الذي وُجد فيه اليهود بشكل ملحوظ.
وساهمت العوامل السابقة جميعاً، بشكلٍّ أو بآخر، في عزل أعضاء الجماعة اليهودية عن بقية التشكيل السياسي الحضاري الألماني. ولكن العنصرين التاليين كانا حاسمين في فصلهما عن سواد الشعب الألماني، وفي تهميشهما تماماً. والعنصران هما:
1ـ العلاقة الخاصة بين أعضاء الجماعة اليهودية والمشروع الاستعماري الألماني:
تعود العلاقة الخاصة بين أعضاء الجماعة اليهودية والمشروع الاستعماري الألماني إلى منتصف القرن التاسع عشر، وتُعتبَر امتداداً لظاهرة يهود البلاط ولارتباط أعضاء الجماعة بالحاكم. (تُعَدُّ عائلة روتشيلد مثلاً جيداً على ذلك، حيث كانت آخر أسرة من أسر يهود البلاط وهي أيضاً أول أسرة يهودية ثرية تتولى مشاريع الاستيطان الصهيوني) .

والجدير بالذكر أن وضع اليهود تحسن كثيراً في منتصف القرن التاسع عشر مع توحيد ألمانيا، فقد كان ثلاثة من أهم مستشاري بسمارك من اليهود. ويُقال إن اليهودي المتنصِّر فريدريك ستاهل هو مُنظِّر الدعوة إلى العسكرية البروسية. والواقع أن بسمارك كان يفكر، حسب تقاليد النخبة الحاكمة الألمانية، في استخدام اليهود دائماً في مشاريعه. ويظهر ذلك الاتجاه بشكل أوضح في تفكير إمبراطور ألمانيا (ويلهلم الثاني) الذي كان يرى إمكان استخدام اليهود في مشروعه الاستعماري، كما كان واعياً بالقدرات المالية لليهود وحجم اتصالاتهم الدولية. وكانت مفاوضات هرتزل، مع إمبراطور ألمانيا، تدور داخل هذا الإطار وتنطلق من هذا التفاهم الضمني. وفي الوقت نفسه، كانت المنظمة الصهيونية في ألمانيا لا تكف عن الحديث عن نفع اليهود وإمكان استخدامهم في المشاريع الاستعمارية الألمانية، وتوطينهم في فلسطين أو في غيرها تحت راية الاستعمار الألماني. وقامت جمعية الغوث الألمانية اليهودية بالمساهمة في النشاط الاستطاني الصهيوني باسم الاستعمار الألماني، كما كان يُنظَر إلى العنصر اليهودي من شرق أوربا (المتحدث باليديشية) باعتباره عنصراً ألمانياً، يمكن تسخيره في صالح المشروع الألماني الاستيطاني.

وكما هو معروف، صدر وعد بلفور الذي ينطوي، بشكل ضمني، على إمكان تحويل اليهود إلى عناصر تدين بالولاء للاستعمار الإنجليزي. ورغم هذا، استمرت رئاسة المنظمة الصهيونية الموجودة آنذاك في ألمانيا في التقرب إلى النظام الحاكم، واستمرت في بذل المحاولات لاستصدار وعد بلفوري ألماني. ولكن هذه الجهود لم تُثمر، بسبب علاقة ألمانيا الخاصة بالدولة العثمانية ورفض الخليفة العثماني الموافقة على المشروع الصهيوني حتى ولو تم في إطار المشروع الاستعماري الألماني. ومع هذا، أصدرت الحكومة الألمانية (بعد صدور وعد بلفور) تصريحاً مبهماً يشبه وعد بلفور من بعض الوجوه، تَعد فيه بمساعدة المشروع الصهيوني على أمل أن تجند يهود العالم لصالحها وتكسبهم إلى صفها. وقد جاء هذا التصريح متأخراً، ولم يؤد في النهاية إلى شيء يُذكر. ولكن ما يهمنا في هذا السياق هو أن التعامل مع اليهود (باعتبارهم جزءاً من المشروع الاستعماري الألماني) يُعتبَر (في جوهره) تهميشاً لهم من منظور المشروع القومي الألماني، فهو يعطيهم حقوقاً للاستيطان في فلسطين، كما يمنحهم الحق في التمتع برعاية الحكومة الألمانية «خارج» ألمانيا، الأمر الذي يعني ضمناً إنكار حقوقهم «داخلها» . فقد كان الاستعمار الاستيطاني هو الإطار الذي يتم من خلاله تصدير الفائض البشري غير المرغوب فيه إلى الشرق. ولكن القيادة الصهيونية، بقبولها هذا الإطار، رضيت بالتعريف الضمني الكامن لليهود كعنصر غريب غير منتم يجب أن يتم تصديره عن طريق التهجير. وهذا، على كل حال، هو التعريف الصهيوني (الواضح) لليهود.
2 ـ تهميش اليهود من خلال هجرة يهود شرق أوربا:

تسبَّبت الهجرة الكثيفة ليهود اليديشية في أعقاب تعثُّر التحديث في شرق أوربا في تهميش اليهود وفصلهم عن التشكيل القومي الألماني العضوي. ومن الجدير بالذكر أن الهجرة اليهودية الحديثة اتسمت بأنها هجرة داخلية في أوربا (أي من بلد أوربي إلى آخر) حتى عام 1880. ولم تبدأ الهجرة عبر الأطلنطي بشكل مكثف إلا بعد ذلك التاريخ. وقد هاجر، في المرحلة الأولى بصفة خاصة، مئات الألوف، ووصلت أعداد كبيرة منهم إلى إنجلترا وتسببوا في استصدار وعد بلفور لتحويل سيل الهجرة عنها، كما وصلت أعداد لا بأس بها إلى ألمانيا.

ومما زاد الأمور سوءاً أن ألمانيا قامت، في نهاية القرن الثامن عشر، بضم بولندا التي كانت تضم يهوداً من المتحدثين باليديشية (أوست يودين، أي يهود شرق أوربا) ، وهو ما كان يعني أن يهاجر هؤلاء إلى المدن الألمانية الكبرى. وبالفعل، انتقل معظم يهود بوزنان إلى ألمانيا، وكذا أعداد كبيرة من يهود جاليشيا. ولا شك في أن ظهور هذه الكتلة الضخمة من يهود شرق أوربا ذوي الطابع الجيتوي المنغلق، والذين لا يوجد لديهم (كغرباء مُقتَلعين) التزام قوي بالمعايير الأخلاقية المحلية أو بالقيم الغربية، كما يفتقرون إلى الكفاءات المطلوبة في التعامل مع أوربا الحديثة والاقتصاد الجديد، كان يمثل تهديداً للموقع الطبقي لليهود ولمكانتهم الاجتماعية. وقد شهدت سنوات العشرينيات من هذا القرن هجرة يهودية ضخمة من بولندا بسبب الأزمة الاقتصادية. وقد أشرنا من قبل إلى النسبة المرتفعة من الزيجات المُختلَطة بين يهود ألمانيا، ويمكن أن نضيف هنا أننا نعتقد أن النسبة كانت عالية للغاية بين اليهود من أصل ألماني، ولكن الإحصاءات لا تذكر سوى المتوسط العام دون أن تُفرِّق بين يهود شرق أوربا المقيمين في ألمانيا واليهود من أصل ألماني. وبوجه عام كان يهود ألمانيا يختفون، بينما كان يهود الشرق يحلون محلهم، أي أن الطابع العام للجماعة اليهودية كان آخذاً في التغير وفي اكتساب طابع غير ألماني (كانت نسبة اليهود الأجانب بين يهود ألمانيا هي 2.7 % عام 1880، ارتفعت إلى 12.8% عام 1910، ولا شك أنها استمرت في التزايد بعد هذا التاريخ) .

وتحوَّلت ألمانيا، بعد الحرب العالمية الأولى، إلى مركز للثقافة العبرية نتيجةً لهرب عديد من الكتاب اليهود من روسيا، فتم تأسيس دار نشر عبرية، كما أسست الحركة الصهيونية كثيراً من المدارس لتعليم العبرية. (وهو اتجاه أيده النازيون فيما بعد ودعموه لأنهم كانوا يرون ضرورة عبرنة اليهود باعتبارهم شعباً عضوياً مستقلاً عن الشعب العضوي الألماني. ولنا أن نلاحظ أن الدولة النازية سبقت الدولة الصهيونية في تبنِّي كثير من مشارع العبرنة) . وكان من شأن هذا كله أن أصبح العنصر اليهودي مرة أخرى عنصراً عضوياً متماسكاً غريباً يقف خارج المجتمع أو على هامشه. ولذا، كان أحد المطالب الأساسية لأعداء اليهود وقف الهجرة من شرق أوربا لأنها تأتي بالغرباء. وكانت حقوق اليهود الأجانب مثار نقاش حتى في عهد جمهورية وايمار الليبرالي، ولهذا نجد بعض الألمان، ممن لا يمكن اتهامهم بمعادة اليهود، يطالبون بعدم السماح ليهود الشرق بامتلاك عقارات باعتبارهم أجانب لا باعتبارهم يهوداً.
بل لقد طُرحت القضية نفسها داخل المنظمات اليهودية ذاتها: هل يُمنح اليهود الأجانب، الذين كانوا يشكلون أحياناً الأغلبية في بعض المجتمعات، حق التصويت في الانتخابات؟ وبالفعل، قرر كثير من هذه التجمعات السماح ليهود الشرق بالانضمام إليها بدون ممارسة حق التصويت. ولعل تأسيس جمعية الغوث كان يهدف إلى إبعاد يهود الشرق عن ألمانيا حتى لا يتأثر وضع اليهود داخلها، كما هو الحال مع جمعيات الغوث الأخرى (التوطينية) التي أنشأها أثرياء اليهود في الغرب (أمثال هيرش وروتشيلد) .

وظهرت في هذه المرحلة جمعيات يهودية، مثل: التنظيم المركزي للمواطنين الألمان من أتباع العقيدة اليهودية (وهي جمعية يهودية تدعو إلى الاندماج) ، وجمعية غوث يهود ألمانيا (وهي جمعية خيرية قامت بنشاط استيطاني في فلسطين كما أشرنا) ، وغير ذلك من جمعيات دينية وثقافية. وتم تأسيس اتحاد عام لهذه الجمعيات في أواخر العشرينيات. ولكن الأمر الذي يجدر ذكره، من وجهة نظر هذه الدراسة، هو تأسيس فرع للمنظمة الصهيونية في ألمانيا (بل أصبح المقر الرئيسي داخل ألمانيا منذ عام 1904) . وترأس فرع ألمانيا رجل ألماني متزوج من يهودية من شرق أوربا (كورت بلومنفلد) طرح شعارات قومية عضوية كانت تسبب الكثير من الحرج لأعضاء الجماعة الذين كانوا يحاولون الاندماج. وتُوِّجت جهوده باستصدار قرار بوزنان الصهيوني عام 1912 الذي جعل من الهجرة إلى فلسطين هدفاً أساسياً لكل يهودي. وظل الصهاينة، ومعظمهم من أصل شرق أوربي، يتقبلون مختلف المنطلقات القومية العضوية. فدافع مارتن بوبر عن علاقة التربة بالدم، كما دافع عن أن اليهود شعب آسيوي أساساً. وتحدث ناحوم جولدمان عن اليهود كعنصر هدام في كل المجتمعات لأنهم غرباء، وتحدث جيكوب كلاتسكين عن ازدواج الولاء عند اليهود، وتحدث حاييم وايزمان عن اليهود باعتبارهم عنصراً فائضاً يقف في حلق الأمة الألمانية، وهي شعارات تعود كلها لتيودور هرتزل وماكس نوردو اللذين وضعا أساس الصهيونية الألمانية. وأشاعت هذه الدعاية صورة سلبية للغاية عن أعضاء الجماعة اليهودية وعن عدم إمكان دمجهم في الشعب العضوي الألماني. وفي هذا المناخ، ظهر هتلر وظهرت النازية. وأثناء محاكمات نورمبرج، أصر الزعماء النازيون، الواحد تلو الآخر، على أنهم تعلموا ما تعلموه عن المسألة اليهودية من أدبيات الصهاينة.

ورغم هذا الجو الهستيري الصهيوني النازي، ظلت الجماعة اليهودية رافضة للمنطق الصهيوني واستمرت في مقاومة المنطق النازي. ومع وصول هتلر للحكم، استولى الصهاينة على قيادة الجماعة اليهودية وطرحوا برنامجاً عام 1933 لإعادة صياغة الجماعة اليهودية في ألمانيا وتعليم اليهود ما يتفق مع التقاليد الصهيونية، وذلك عن طريق مزج القومية بالدين بهدف تهجيرهم خارج ألمانيا.
وقد وَصفت جمعية التنظيم المركزي للمواطنين الألمان هذا الموقف من قبل الصهاينة بأنه طعنة في الخلف. أما النازيون، فوافقوا على الطرح الصهيوني للقضية وقدَّموا التأييد والدعم للأنشطة والمؤسسات الصهيونية.
وكانت كل هذه الأسباب النابعة من الملابسات التاريخية والسياسية والحضارية العامة (أي المرتبطة بالمجتمع الألماني ككل) ، والخاصة (أي المرتبطة بالجماعة اليهودية على وجه التحديد) ، هي التي أدَّت إلى ارتطامهم بالنظام النازي وإلى إبادة أعداد كبيرة منهم (بالمعنيين العام والخاص اللذين نطرحهما، أي الإبادة من خلال التجويع والسخرة والتهجير والإبادة من خلال التصفية الجسدية) .
الإبادة النازية للغجر
‏Nazi Extermination of Gypsies
ارتبطت عبارة «الإبادة النازية» بكلمة «اليهود» بحيث استقر في الأذهان أن النازيين لم يبيدوا سوى اليهود. وقد ساعد الإعلام الغربي والصهيوني على ترسيخ هذه الفكرة حتى أصبح دور الضحية حكراً على اليهود. بل تطور الأمر إلى حد أنه إذا ما أراد باحث أن يبيِّن أن الإبادة النازية لم تكن مقصورة على اليهود، وإنما هي ظاهرة شاملة ممتدة تشمل الغجر والسلاف والبولنديين وغيرهم، فإنه يصبح هدفاً لهجوم شرس.
ونحن نرى أن ثمة اتجاهاً كامناً نحو الإبادة في الحضارة العقلانية المادية الحديثة، وأنه تحقق بدرجات متفاوتة من الحدة والتبلور واتخذ أشكالاً مختلفة. وإحدى لحظات التحقق المتبلورة هي الإبادة النازية للغجر، التي ورد الوصف التالي لها في إحدى منشورات اليونسكو.

كانت إبادة الغجر مُدرجة في برنامج ألمانيا النازية. وكان لدى شرطة إقليم بافاريا الألماني منذ عام 1899 قسمٌ خاص «بشئون الغجر» يتلقى نسخاً من قرارات المحاكم المكلّفة بالبت في المخالفات التي يرتكبها الغجر. وتحوَّل هذا القسم عام 1929 إلى «مركز وطني» مقره ميونيخ، وحُظر على الغجر منذ ذلك التاريخ التنقل بدون تصريح الشرطة. وكان الغجر الذين يزيد أعمارهم على السادسة عشرة ولا يعملون يُجبرون على العمل لمدة سنتين في مركز من مراكز التأهيل. وابتداءً من عام 1933، وهو تاريخ وصول هتلر إلى الحكم، زادت تلك القيود شدة وصرامة. وطُرد الغجر الذين لا يحملون الجنسية الألمانية، وزُجّ بالباقين في المعتقلات بحجة أنهم «غير اجتماعيين» .
ثم بدأ الاهتمام بالبحث في الخصائص العِرقية للغجر، فأعلن الدكتور هانز جلوبكه ـ أحد المساهمين في صياغة قوانين نورمبرج ـ عام 1936 ـ أن الدم الذي يجري في عروق الغجر «دم أجنبي» . ثم صنَّفهم الأستاذ هانز ف. حينثر في فئة مستقلة تمثل مزيجاً عرْقياً غير محدَّد (إذ لم يستطع نفي أصلهم الآري) . وبلغت الخصائص العرْقية لدى الغجر من الأهمية درجة أهلتها لأن تصلح موضوعاً لرسالة دكتوراه. ومما قالته إيفا جوستين مساعدة الدكتور ريتّر في قسم الأبحاث العِرقية بوزارة الصحة (عند مناقشة رسالتها) إن الدم الغجري «يُشكِّل خطراً بالغاً على صفاء الجنس الألماني» .
ووجَّه طبيب يُدعَى الدكتور بورتشي مذكرة إلى هتلر يقترح فيها فرض الأشغال الشاقة على الغجر وتعقيمهم بالجملة نظراً لأنهم "يُشكِّلون خطراً على نقاء دم الفلاحين الألمان".

وفي 14 ديسمبر عام 1936، صدر قرار أدى إلى تفاقم أوضاع الغجر إذ وصمهم بأنهم «مجرمون معتادون على الإجرام» . وفي نهاية عام 1937 وخلال عام 1938 شُنت حملات اعتقال جماعية عديدة ضد الغجر وخُصِّص لهم جناح في معتقل بوخنولد، وكانت قوائم الوفيات في كثير من المعسكرات تحوي أسماء غجرية يُذكَر منها: ماوتهاوسن وجوسن وداوتمرجن وناتلزفايلر وفلوسنبورج. وفي رافنسبروك، راحت كثيرات من نساء الغجر ضحايا لتجارب أطباء الشرطة العسكرية الهتلرية الإس. إس. (ss) .
وفي عام 1938، أصدر هملر بنفسه أمراً بنقل مقر المركز الوطني لشئون الغجر إلى برلين. وفي السنة نفسها اعتُقل ثلاثمائة غجري كان قد استقر بهم المقام في قرية مانفويرت حيث كانوا يملكون الحقول والكروم. وقد أمر هملر بتصنيف الغجر في الفئات التالية: غجري صرف (Z) ، وخلاسي يغلب عليه العرْق الغجري (ZM+) ، وخلاسي يغلب عليه العرْق الآري (ZM-) ، وخلاسي يتساوى فيه العرْقان الغجري والآري (ZM) .
ويميِّز المؤرخ ح. بلِّنج في كتابه ألمانيا وإبادة الجنس بين أساليب مختلفة لإبادة الجنس تتمثل في الإبادة عن طريق إزالة القدرة على الإنجاب واختطاف الأطفال، والإبادة عن طريق الزج في المعتقلات، والإبادة عن طريق الإفناء.
وقد عُقِّمت في مستشفى برسلدورف - لبيرنفلد نساء غجريات متزوجات من غير الغجر، ومات بعضهن على أثر تعقيمهن وهنَّ حوامل. وفي رافنسبروك، قام أطباء الإس. إس. بتعقيم مائة وعشرين فتاة غجرية صغيرة.
وكان من أمثلة الإبادة الجماعية عن طريق الاعتقال ترحيل خمسة آلاف غجري من ألمانيا إلى جيتو لودز في بولندا، وكانت ظروف المعيشة في هذا الجيتو من الفظاعة بحيث لم ينج أحد من هؤلاء الغجر من الهلاك. ومع ذلك فإن الطريقة التي كان يؤثرها النازيون هي طريقة الإفناء المباشر.

ويُعتقد أن قرار إبادة الغجر بالإفناء اتُخذ في ربيع عام 1941 عندما شُكِّل ما عُرف باسم «فرق الإعدام» . ولكي يتحقق ذلك كان يتعيَّن جمع الغجر في أماكن محددة. فمنذ صدور قرار هملر في 8 ديسمبر 1938، كانت أماكن سكنى الغجر قد أصبحت معروفة لدى الشرطة، ثم جاء قرار 17 نوفمبر 1939 ليحظر عليهم ترك منازلهم أو ليضعهم تحت طائلة الحبس في معسكرات الاعتقال. ورُحل ثلاثون ألف غجري إلى بولندا فلاقوا حتفهم في معتقلات الموت في بلزك وتربلينكا وسوبيبور ومايدانك، شأنهم شأن آلاف آخرين رُحلوا من بلجيكا وهولندا وفرنسا إلى معتقل أوشفيتس.
ويروي هويس، قائد المعتقل، في مذكراته أنه كان بين المعتقلين شيوخ يناهزون المائة سنة من العمر ونساء حوامل وأعداد كبيرة من الأطفال. كذلك يروي بعض السجناء الذين نجوا من الهلاك، كما يسرد كولكا وكرواس في كتابهما المعنون مصنع الموت، قصة مذبحة الغجر الرهيبة التي وقعت في ليلة 31 يوليه عام 1944.
وفي بولندا، كان الغجر يُقتلون في معسكرات الموت أو يُعدمون في البراري. وامتد نطاق القتل إلى الاتحاد السوفيتي عندما اندلعت نيران الحرب بين الألمان والسوفييت، فكانت فرق الإعدام التابعة للإس. إس. تسير مع الجيوش الألمانية، وكانت القبور الجماعية تملأ مناطق البلطيق وأوكرانيا والقرم. وفي ليلة 24 ديسمبر 1941 أُعدم رمياً بالرصاص في سيمفيروبول ثمانمائة غجري من الرجال والنساء والأطفال. وحينما زحفت الجيوش النازية، كان الغجر يُعتقلون أو يُرحلون إلى المعسكرات أو يُقتلون. وفي يوغسلافيا، كان الغجر واليهود يُعدمون في غابة باجنيس.

ومن الصعب تقدير عدد الغجر الذين كانوا يعيشون في أوربا قبل الحرب العالمية الثانية وعدد ضحايا هذه الحرب. ويُقدِّر المؤرخ راؤول هيلبرج عدد الغجر في ألمانيا قبل الحرب بأربعة وثلاثين ألف نسمة؛ أما عدد من بقي منهم على قيد الحياة بعدها فغير معروف. ويتبيَّن من تقارير فرق الإعدام أن عدد الضحايا في روسيا وأوكرانيا والقرم بلغ ثلاثمائة ألف غجري، بينما تُقدر السلطات اليوغسلافية عدد القتلى من الغجر بثمانية وعشرين ألفاً في الصرب وحدها. أما عدد الضحايا في بولندا، فمن الصعب تقديره وإن كان المؤرخ تيننباوم يؤكد أن الشعب الغجري فقد على الأقل خمسمائة ألف من أبنائه. هذا، مع العلم بأن الشعب الغجري شعب عريق وكثير النسل (على عكس اليهود) .وعلى كل حال، ومهما اختلفت النسب، فإن نسبة من أُبيد من الغجر (إلى عددهم الكلي) يفوق نسبة من أُبيد من اليهود.
مارتن هايدجر (1889 – 1976 (والنازية
‏Martin Heidegger and Nazism

في كتابه المعنون الحداثة الرجعية: التكنولوجيا والثقافة والسياسة في جمهورية فايمار والرايخ الثالث يُبيِّن جيفري هيرف أن الحداثة لم تكن حركة نحو اليمين أو نحو اليسار، إذ يرى أن هناك حداثة رجعية فاشية هي حداثة انتصار الإرادة على العقل، والروح المبدعة على الحدود. وفي إطار هذه الحداثة ترتبط الإرادة المنتصرة بالعنصر الجمالي الذي يصبح هو وحده مبرر الحياة، ولذا تُعَّلق (أي تُعطَّل) كل المعايير الأخلاقية وتهيمن الرغبة التي لا تعرف أية حدود. وفي حديثه عن هذه الحداثة الرجعية يُبيِّن هيرف أن مصادرها متعددة، يذكر من بينها ما يلي: الرومانسية ـ أيديولوجية الفولك ـ المصطلح الوجودي عن الذات والأصالة ـ الداروينية الاجتماعية ـ فلسفات الحياة Lebensphilosophie ـ احتفاء نيتشه بالجمال الذي يتجاوز الأخلاق أو الذي لا علاقة له بالأخلاق (بالإنجليزية: أمورال amoral) ـ الاحتفال بالجمال باعتباره معياراً «أخلاقياً» ـ تمجيد التكنولوجيا وربطها بالقيم المتجاوزة للأخلاق. ويستمر هيرف، عبر كتابه، في تعداد هذه العناصر وغيرها.
ونحن نرى أنه رغم دقة ملاحظاته وجدَّتها إلا أن كتالوج العناصر الذي قدَّمه يتسم بعدم الترابط. وقد يكون من الأجدى أن نرى نمطاً عاماً في الحضارة الغربية: تصاعد معدلات الحلولية الكمونية والانتقال من العقلانية المادية (المتجاوزة للقيمة والأخلاق والغائية الإنسانية) إلى اللاعقلانية المادية (المتجاوزة للقيمة والأخلاق والغائية الإنسانية) والتأرجح بين الذات والموضوع (وهو نمط عام يصل إلى قمته في فلسفة ما بعد الحداثة) .

وفلسفة مارتن هايدجر (1889 ـ 1976) ، الوجودي والفينومينولوجي، هي جزء من هذا النمط العام. وهو يُعَدُّ من أهم فلاسفة القرن العشرين في الغرب، إن لم يكن أهمهم على الإطلاق، وينزله البعض منزلة أفلاطون وهيجل. وقد تأثر هايدجر بأعمال جيكوب بومه والمعلم إيكهارت ونيتشه وكيركجارد وهوسرل، ويبدو أن الفكر الغنوصي ترك أثراً عميقاً فيه. وكتابه الأساسي: الوجود والزمن (1927) ، بالإضافة إلى كتبه الأخرى: كانط ومشكلة الميتافيزيقا (1929) ، وماهية الحقيقة (1943) ، ومدخل إلى الميتافيزيقا (1935) ، ورسالة حول الإنسانية (1947) ، وما الفلسفة (1955 (.
ونقطة انطلاق هايدجر هي الوجود، فالسؤال الأساسي عنده هو: ما معنى الوجود؟ فهو السؤال الذي يجب أن يسأله كل إنسان ليصبح إنساناً. ويذهب هايدجر إلى أن الخلل الأساسي في الأنطولوجيا الغربية أنها سقطت في ثنائية راديكالية فظنت أن الوجود هو كيان موضوعي مفارق للذات ثم قامت بفصل الواحد، وبحدة، عن الآخر، فحوَّلت العالم الموضوعي إلى مادة لا أسرار فيها ولا سحر خاضعة للحَوْسَلة منفصلة تماماً عن الذات، كما تحوَّل الإنسان إلى عقل أداتي وذات متعجرفة متكبرة تنفصل تماماً عن واقعها وتتعالى عليه بدلاً من التفاعل معه، تحاول أن تغزو الكون بدلاً من أن تعيشه، وتحاول أن تفرض صورتها على الكون وتحتل مركزه وتحوسله. وتتجلى هذه الرؤية من خلال فلسفة ديكارت وفكر حركة الاستنارة والفلسفة الوضعية والنزعة التكنولوجية.

وفي محاولة تجاوز هذه الثنائية يرفض هايدجر العودة للإله، كما يرفض أن يعود إلى الذات المستقلة، وبدلاً من ذلك يطرح مشروعه الفلسفي الذي يصفه هو نفسه بأنه عملية هدم (بالإنجليزية: ديستراكشن destruction ـ بالألمانية: ديستروكسيون destruktion) للفلسفات السابقة، بل لكل الأنطولوجيا الغربية، أنطولوجيا الذات والموضوع (ويتحول الهدم [ديستراكش] إلى تفكيك بالإنجليزية: «ديكونستراكشن deconstruction» في خطاب دريدا الفلسفي، الذي يدين بالكثير لفلسفة هايدجر (.
وجوهر عملية التفكيك أو الهدم هذه هو الاقتراب من الواقع بدون المنظار الديكارتي بحيث يتجاوز الدارس ثنائية الذات والموضوع وينظر إلى الوجود (شأنه في هذا شأن فلاسفة عالم الحياة) باعتباره الاثنين معاً. ومن هنا اهتمام هايدجر (ونيتشه من قبله) بالفلسفة اليونانية قبل سقراط، وهي فلسفة لم تعان في تصوره من انقسام الذات والموضوع.
ونحن نذهب إلى أن هذا الانقسام الحاد بين الذات والموضوع هو سمة أساسية في كل الرؤى الحلولية الكمونية المادية التي ترفض فكرة المركز المفارق للمادة المنزه عنها، وتحاول أن تعين مركزاً كامناً أو حالاً فيها، فتجده إما في الإنسان أو في الطبيعة، إما في الذات أو في الموضوع. وتحسم هذه الثنائية الصلبة ذاتها إلى واحدية مادية بذوبان الذات في الموضوع، أو الموضوع في الذات (وإن كان البديل الأول هو الأكثر شيوعاً) . وهو انقسام لم تسلم منه الفلسفة اليونانية أو أية فلسفة حلولية كمونية مادية، قبل سقراط أو بعده، في اليونان أو خارجها. ونمط الثنائية الصلبة التي تؤدي إلى واحدية يظهر بوضوح في فلسفة هايدجر.

يتناول هايدجر قضية الوجود من خلال مفهوم «دازاين Dasein» وهي كلمة ألمانية تعني حرفياً «الوجود هناك» (بالإنجليزية: بينج ذير being there) أي «الوجود في العالم» . وفي سياق فلسفة هايدجر يمكن ترجمتها إلى «الإنسان» أو «حالة كون الإنسان إنساناً» (بالإنجليزية: ذي مود أوف بينج هيومان the mode of being human) . وأهم خصائص وجود الإنسان أن وجوده لا يشبه وجود الشيء، فقانونه هو عدم التعين، فهو كائن غير ثابت، ليست له طبيعة محددة. وبما أن لكل فرد الحق في أن يقول «أنا» ، فإن الوجود الإنساني يتغيَّر من فرد لآخر. فهذا الأنا ليس جوهراً، أي ليس موضوعاً ثابتاً تجرى عليه التغيرات، بل هو ينبوع للإمكانات واستعداد لتحققها (عبد الرحمن بدوي (.
وتوجد هذه الذات الإنسانية في عالم الصيرورة والزمان، لا فكاك لها منه، وليس لها وجود مستقل عنه. بل إن وجودها نفسه هو ثمرة علاقتها مع العالم المادي ومع الآخرين، ومع هذا لا تُردُّ الذات إلى واقع خارج عنها ولا تُستوعَب تماماً فيه. فالعلاقة بين الذات والموضوع علاقة جدلية. فالواقع الذي نتفاعل معه يصوغنا بقدر ما نصوغه نحن، ونمتلكه بمقدار ما يمتلكنا. والذات هي إمكانية دائمة ومشروع مستمر وحوار مستمر مع العالم. وعملية الحوار هذه تعني الصيرورة الدائمة، فالواقع الذي نتفاعل معه مركب تماماً، ولا يمكن إخضاعه لعملية الرد الفينومينولوجي أو التجريد الإيديتيكي التي تعلق الواقع (على الطريقة الهوسرلية) . ولا يمكننا استنفاد معناه تماماً ولا يمكن حوسلته أو استيعابه في مقولات منطقية مجردة عامة (ومن هنا عجز العلم الطبيعي عن فهم الوجود (.

والإنسان كائن أُلقي به في عالم ليس من صنعه، ولكنه مع هذا عالمه الوحيد، ولا يمكن للإنسان أن يأخذ موقفاً تأملياً محايداً من هذا العالم، فنحن نصبح جزءاً من الأشياء التي في وعينا، ولذا فإن الإنسان ليس كائناً عارفاً وإنما هو كائن قلق بشأن مصيره في عالم غريب عنه. ويتسم الإنسان بأنه ليس لديه ردود فعل (موضوعية) للأحداث، فهو «يستجيب» لها، ومن ثم فالإنسان محتم عليه الاختيار ومحاولة فهم العالم.
واللغة من أهم العناصر في الوجود الإنساني، فهي أساسية له (بل إنها توجد قبل جود الإنسان الفرد) ، وهي طريقة انفصال الإنسان عن الوجود ليشعر الإنسان بالدهشة تجاهه بل يشعر بوجوده (على عكس الكائنات الأخرى، والوجود بالنسبة لها كينونة وليس حضوراً، فهي كائنة في الوجود لا تعيشه) . ولكن اللغة هي أيضاً أداة اتصالنا مع العالم ومع الآخرين. ولكنها أداة ليست موصلة تماماً لا يمكنها الإفصاح تماماً عما لا يمكن تسميته، ولذا فاللغة لا يمكن أن تمثل الواقع كما أن اللغة تفقد حدتها بسبب تفاهة اللغة السائدة. ولعل هذا هو الذي حدا بهايدجر أن يحاول تطوير مصطلحه الخاص تماماً وأن ينحت كلمات جديدة ويلجأ للعب بالكلمات حتى يُفصح عن رؤيته الخاصة (كما فعل دريدا بعده متأثراً به) . كما أن هايدجر كان يذهب إلى أن لغة الشعر أكثر قدرة على التوصيل من اللغة العادية. ومع هذا كان يذهب إلى أن بعض الأفعال مثل «يستقر» و «يرى» تكشف عن الحقائق الأولية للوجود الإنساني.

لكن الإنسان كمشروع مستمر وإمكانية غير متحققة قد يفقد ذاته ويصبح «الهُم» . وهي عبارة تعني ببساطة «الشخصية المتوجهة نحو الآخر» (بالإنجليزية: أذر دايركتيد other directed) والإنسان الاجتماعي بالمعنى السلبي، أو الإنسان المستوعَب تماماً في الأعراف الاجتماعية وآراء الآخرين (ولكن هايدجر يصر دائماً على تحاشي المصطلحات السوسيولوجية ويفضل المصطلحات الفلسفية الأنطولوجية التي ينحتها بسرعة وغزارة تسبب كثيراً من الصداع الذي لا مبرر له) .
هذا «الإنسان الهُم» هو إنسان ذو بُعد واحد يحكم على نفسه بمعايير الآخرين ويُستوعَب في الآخرين ويسقط في لغو الحديث الذي يقف على الطرف النقيض من الحوار، فالحوار هو أن ترى الآخرين باعتبارهم بشراً (دازاين) لهم وجودهم الخاص المتعين، لا باعتبارهم أشياء موضوعية (داس مان: الهُم) بحيث يمكن الدخول معهم في علاقة حميمة تكشف شخصيتهم الأصيلة والحقيقية. والإنسان الهُم هذا لا يشعر بالدهشة الحقيقية وإنما يتسم بحب الاستطلاع، وحب الاستطلاع هو الرغبة في اقتناء الجديد والمختلف دون أي إحساس حقيقي بالدهشة.

وحتى لا يسقط الإنسان في حالة الهُم هذه فهو دائماً في حاجة إلى الإحساس بالرهبة (بالألمانية: أنجست Angst، وبالإنجليزية: دريد dread) ويظهر هذا الإحساس عندما يدخل الإنسان في علاقة مع العدم من خلال إدراكه للموت (وهي لحظة لا يمكن للعلوم الطبيعية أن تدركها ولا يمكن للحياة اليومية أن تتعايش معها) . وعندما يمارس الإنسان الإحساس بالقلق وبتناهي الوجود الإنساني وبزمنيته، تسقط التفاصيل اليومية ويتوارى العالم العادي ويتفتح الوجود ويكشف عن نفسه وتكتشف الذات أصالتها وإمكانياتها وضمنها إمكانية الحرية والاختيار، حرية أن تختار الذات نفسها وأن تمسك بنفسها، ومن ثم تكتشف الذات قدرتها على تجاوز العالم وعلى الخروج من حدودها الضيقة (الهُم) لا لتعرف العالم وحسب ولتكون فيه وإنما لتوجد فيه، أي أن يتحقق وجودها الأصيل والحقيقي في العالم في الزمان. وتصل قمة الحرية إلى حرية الإنسان في أن يقابل الموت.
ورغم حديث هايدجر عن العلاقة الجدلية التفاعلية التبادلية بين الذات والموضوع، ورغم محاولته المستميتة أن يحافظ على المسافة بين الذات والموضوع إلا أنهما يلتحمان (بسبب غياب المركز المفارق) بعد فترة من التأرجح (المأساوي أحياناً، والملهاوي أحياناً أخرى) بين الذات المطلقة التي لا حدود لها ولا قيود عليها والتي تلتهم الموضوع، والموضوع المطلق، الذي يتجاوز كل شيء، وضمن ذلك الإنسان الفرد، ويبتلع كل الذوات، أي أن هايدجر يتأرجح فلسفياً بين العقل الإمبريالي النيتشوي الدارويني والعقل الأداتي البرجماتي. فلنأخذ على سبيل المثال مفهوم هايدجر للتاريخ الإنساني، التاريخ بالنسبة له ليس تاريخاً متعيناً، وإنما هو زمان وحسب، تجربة ذاتية وجودية، يصبح الوجود من خلالها حضوراً، أي تجربة فريدة معاشة، وهكذا يختفي أي مركز مفارق للإنسان ولا تبقى إلا الذات. (وسنرى كيف أن الذات الهتلرية تبتلع الموضوع الألماني بل كل الوجود) .

ويحدث الشيء نفسه للذات، إذ يذهب هايدجر إلى أن الذات لا يمكن أن تكون نفسها في أية لحظة، فهي في حالة صيرورة مقلقة، ولا يمكن للإنسان الفرد أن يمسك بوجوده تماماً، فوجود الإنسان يسبقه دائماً كمشروع غير متحقق بعد، وهو مشروع دائم لا ينتهي، ومن ثم فالوجود الفرد إن هو إلا وهم.
وللخروج من هذه الحالة اقترح هايدجر، كما أسلفنا، تجربة الرهبة (أنجست) الناجمة عن مواجهة الموت والعدم والتأمل فيهما. ولكن هذا ليس هو الحل الوحيد، فهناك الحل الألماني المثالي/المادي المألوف، أي افتراض أن الذات والوجود هما شيء واحد، أو أن كليهما موضع الحلول. ولكن هذا الحل الألماني هو حل مؤقت إذ عادةً ما تنحل هذه الوحدة العضوية الكاملة إلى عنصر واحد يغلب الآخر، وهو عادةً العنصر الموضوعي الذي يطوق الذات ويذيبها فيه، أي أن الوحدة العضوية تتحول إلى واحدية مادية. وهذا أمر متوقع تماماً، فالفرد القلق المنعزل الملئ بالقلق والرهبة (أنجست) سيحاول بأقصى جهده أن يخرج من حالة العزلة هذه، حالة الوهم، وإحدى وسائل الخروج التوحد بالذات الجماعية، بالوجود الجمعي بديل الإله (وهذا هو الحل الذي اقترحه هيجل ودوركهايم وغيرهما (.

والعنصر الموضوعي أو الكلي هنا هو الوجود. وقد لاحظ أحد مؤرخي الفلسفة أن مضمون كلمة «وجود» عند هايدجر لا يختلف كثيراً عن مضمون كلمة «إله» في الفكر البروتستانتي. ولذا فهو يتحدث عن أن "الوجود يدعونا" و "يخبئ نفسه" و"يكشف عن نفسه لنا ". ولكن هذا الإله إله مادي، ولهذا يأخذ أشكالاً مادية مختلفة، وهكذا نكتشف أن الوجود يصبح أحياناً الطبيعة، ومن ثم يطرح هايدجر فكرة المجتمع العضوي الذي يلتحم فيه الإنسان بالطبيعة وبالآخرين (ومن هنا سُمِّي «فيلسوف الغابة السوداء» ) . وتظهر عملية تطويق الموضوع للذات في أن كلمة «دازاين Dasien» لم تعد تعني «وجود الفرد بشكل متعيِّن في الواقع» بل تصبح "الوجود الفردي باعتباره شكلاً من أشكال الوجود الجماعي". ويضيق نطاق الحلول ويتركز فبدلاً من الإنسانية ككل باعتبارها مركزاً للحلول (كما كانت تدَّعي الهيومانية الغربية) يصبح مركز الحلول هو "الوجود الألماني". ("الألمان شعب مختار، مفعم بقوى الأرض والدم، وعلى الطلبة أن يعلنوا التزامهم بذلك" ـ "لقد أدَّت الثورة الاشتراكية الوطنية إلى انقلاب كامل في الوجود الألماني" ـ " الفرد في حد ذاته [أينما كان] لا قيمة له، فأهم شيء هو مصير شعبنا" ـ "أيها الطالب الألماني، خلال تجوالك ومسيراتك الطويلة، تلمَّس بقدميك أراضي الجبال والغابات والأودية في الغابات السوداء فإنك تلمس الأرض التي أنجبت البطل. دونما سلاح، أطلق البطل نظراته متحدياً البنادق الموجهة إليه وعانق النهار وجبال موطنه حتى يموت وعيناه مثبتتان على الأرض الألمانية وعلى الشعب الألماني والرايخ") . وتزداد درجات تركز الحلول ويضيق نطاقه وبدلاً من الشعب الألماني تصبح الدولة الألمانية هي موضع الحلول فيتحدث هايدجر عن "وجود الدولة" (بالألمانية: دازاين ديس شتاتيس Dasein des Staates) "أهم شيء هو مصير شعبنا في دولته". "لقد أيقظ هتلر الإرادة لوجود الدولة في الفولك» . ونصح هايدجر الشباب

بأن تنمو شجاعتهم دائماً «لينقذوا جوهر الشعب ولإعلاء القوى الداخلية للشعب في إطار الدولة".
وهكذا يهيمن الموضوع أو الذات الجماعية تماماً، ولكن التأرجح مع هذا لا يتوقف إذ تتزايد درجات الحلول تركزاً وضيقاً إلى أن نصل إلى الذروة وننتقل من الموضوع إلى الذات مرة أخرى حين يتم استيعاب الدولة نفسها في الإنسان الفرد الأسمى، هتلر، الذي "جمع إرادة الأمة في فرد واحد". "إن الفوهرر نفسه، هو وحده، الحقيقة الألمانية في الحاضر والمستقبل، وهو قانونها ... هايل هتلر"، أي أن المبدأ الواحد، جوهر وحدة الوجود المادية، يصبح أولاً الوجود الجمعي والوجود كطبيعة، ثم يضيق نطاقه ويتركز فيصبح الشعب الألماني، ثم الدولة الألمانية، وأخيراً الفوهرر. وكما قال هايدجر، إن قاعدة وجود الإنسان الألماني «يجب ألا تكون هي فرضيات أو نظريات [رفض الميتافيزيقا] ، فالفوهرر، هو وحده، حقيقة الحاضر والمستقبل قانونهما، فهو منقذ شعبنا ... هو المعلم ورائد الروح الجديدة» (من رسالة هايدجر إلى الفوهرر) ، هو مركز الحلول، هو الإله المادي والوثن الأعظم. لكل هذا ينحل الدازاين تماماً في الذات النيتشوية: "إن الفلسفة تقف وراء هتلر، لأن هتلر يقف إلى جانب الوجود".
وتظهر علمانية هايدجر الشاملة، وماديته الراديكالية النيتشوية الجديدة، في تحريضه الجامعة الألمانية على أن تخوض غمار حرب حاسمة بروح الاشتراكية الديموقراطية (النازية) التي يجب ألا تخنقها أية نزعات إنسانية (هيومانية) أو مفاهيم مسيحية. كما تظهر هذه العلمانية المادية الشاملة في تبنيه للحل الصهيوني للمسألة اليهودية، إذ كان يرى ضرورة توطين اليهود في فلسطين أو أي مكان آخر خارج ألمانيا وأوربا.

كان النازيون يعتبرون هايدجر فيلسوفهم، ونحن نرى أنهم كانوا على حق في تصورهم هذا. فقد انضم هايدجر إلى الحزب النازي عام 1933 وكان من أعز أصدقائه بيوجين فيشر، وهو ممن دافعوا عن القتل الموضوعي أو الأداتي للمعوقين وعن إبادة اليهود. وانطلاقاً من رؤيته النازية دافع هايدجر عن المشروع الصهيوني الذي يطالب بطرد اليهود من أوطانهم (باعتبارهم شعباً عضوياً) ليُعاد توطينهم في فلسطين (باعتبارها وطناً قومياً لهم) . كما كانت زوجة هايدجر نفسها ترى أن الأمومة هي الحفاظ على الميراث العرْقي. وقد تنكر هايدجر لأستاذه هوسرل عام 1933 لأنه يهودي، وكان يتجسس على زملائه لحساب السلطة النازية، وهو ما أدَّى إلى طرد بعضهم. (يُوثق كتاب فيكتور فارياسVictor Farias [عام 1987] هذا الجانب من حياة هايدجر الفلسفية) . ومن الجدير بالملاحظة أن أستاذاً ألمانياً اسمه جيدو شنيبرجر Guido Schneeberger نشر عام 1961 كتاباً يضم 217 نصاً نازياً لهايدجر.
ويبدو أن هايدجر أدرك خطأه عام 1934 ومن ثم استقال من رئاسة جامعة فرايبورج. ولكن من المعروف أنه استمر مع هذا في دفع اشتراكات العضوية في الحزب النازي حتى نهاية الحرب العالمية الثانية. وقد كتب المفكر الألماني كارل أوديث في مذكراته أنه تحدث مع هايدجر عام 1936 وأن هايدجر عبَّر عن إيمانه الكامل بهتلر، وأخبره أن الطريقة النازية هي الطريقة الأمثل لألمانيا. وحتى بافتراض أن هايدجر ابتعد عن النازية السياسية، فمما لا شك فيه أن نسقه الفلسفي ظل كما هو، يُشكِّل تربة خصبة لظهور الأفكار النازية، شأنه في هذا شأن كل «فلسفات الحياة» اللاعقلانية المادية.

كان هايدجر يتصور أن النازية هي روح العالم المتجسدة التي ستزاوج بين التكنولوجيا والثقافة ("رسالة الشعب الألماني") . وهو لم يكن مخطئاً تماماً في تصوره، فقد قام النازيون بالفعل بمزاوجة التكنولوجيا والثقافة الألمانية، بل إنهم كانوا يرون أن التكنولوجيا هي التعبير البراني عن إرادة القوة الألمانية، وكانوا يرون أن ألمانيا بوجودها بين روسيا والولايات المتحدة أصبح بوسعها أن تزاوج بين التكنولوجيا وروح الشعب، فالتكنولوجيا الألمانية تنبع من أعماق الحضارة Kultur الألمانية. وهي روح مطلقة لا تتقيد بأية قيم بورجوازية، روح لا متناهية لا تعرف سوى القيم الجمالية. وهكذا أمسك بروميثيوس الجديد بالنار، مسلحاً بحس جمالي عميق وبشهية لا تعرف الحدود وبإدراك للذات كمطلق، فأحرق الأخضر واليابس. وقد أدرك هايدجر تدريجياً أن هذا الالتحام النازي بين الذات والموضوع وبين التكنولوجيا والثقافة، خارج إطار المنظومات الأخلاقية، هو في واقع الأمر مرض وليس حلاً. ولكن إدراكه هذا ظل مقصوراً على الحالة النازية وحسب، ولهذا لم يراجع منظومته الفلسفية.
ولا تمثل رؤية هايدجر العلمانية الإمبريالية الشاملة انحرافاً عن مسار الحضارة الغربية الحديثة، فهي جزء من نمط عام متكرر يتمثل في التأرجح بين الذات والموضوع، وفي حسم هذا الصراع لصالح الموضوع أو لصالح الموضوع متجسداً في الذات الإمبريالية، كما يتمثل الانتقال التدريجي من العقلانية المادية إلى اللاعقلانية المادية التي تتضح في تقديس هيجل للدولة البروسية (إله يسير على الأرض!) وأفكار نيتشه الداروينية عن إرادة القوة وميول ياسبرز النازية والتوجهات النازية والصهيونية لبول دي مان تلميذ هايدجر النشيط المخلص.
والنازية ما هي إلا تجلٍ متبلور لهذا الاتجاه حين أصبح الدازاين الألماني الجمعي هو الفولك الذي تجسد في هتلر واحد وأصبح الآخرون مثل أيخمان، منفذين عاديين تسير وراءهم الملايين.

ويمكن فهم نازية هايدجر، شأنها شأن صهيونيته، من خلال هذا السياق. فالنازي الإمبريالي الذي يُجسد إرادة القوة يُحوسل الآخرين ويُحركهم ليخدم مصالحه أو مصالح أمنية، فهو ينقل اليهود إلى فلسطين (أو ينقل الفلسطينيين منها) أو إلى معسكرات الاعتقال واللاجئين، حسبما تمليه عليه الظروف الطارئة والمصالح المادية الثابتة وموازين القوى، دون التقيد بأية قيم أخلاقية، إذ لا توجد إلا قيم جمالية. ومن المعروف أن النازيين تمسكوا بالقيم الجمالية أيما تمسك، فكانت واجهات معسكرات الاعتقال من الطراز التيرولي، كما كان الجنود الألمان يسمعون موسيقى موتسارت وفاجنر بينما كان يُساق الملايين إلى معسكرات الاعتقال التي تتسم بالانضباط الشديد.
ولعل إدراك العالم الغربي للنزعة الإمبريالية (الإبادية) الكامنة في مشروع هايدجر الحضاري الحديث هو ما يدفعه لإخفائها بشتى الوسائل والطرق ومن ذلك محاولة إخفاء الحقائق الصلبة. ولهذا تبذل جهود مضنية لإخفاء حقيقة أن دول الحلفاء (التي تتباكى الآن على ضحايا النازية) لم تفتح أبوابها للمهاجرين من المناطق التي وقعت تحت نفوذ النازي، وأن قوات الحلفاء (بقيادة إيزنهاور) لم تكن متحمسة لضرب السكك الحديدية المؤدية لمعسكرات الاعتقال لتوفير الطاقة العسكرية. وفي هذا الإطار يمكن أن نفهم ما حدث لجيدو شنيبرجر فقد وجد صعوبة بالغة في نشر كتابه عن نازية هايدجر، وحينما نشره بطريقته الخاصة، اختفى الكتاب من أرفف المكتبات، ثم قوبل بالصمت من المؤسسات الأكاديمية (التي تلتزم الصمت أيضاً تجاه توجهات ياسبرز ودي مان النازية) ، فعدم التزام الصمت يعني فتح باب الاجتهاد فيما يتصل بالنازية ودلالتها المركزية بالنسبة للحضارة الغربية الحديثة، الأمر الذي لا يمكن لهذه الحضارة تحمله، إذ قد تشكل ضربة في العمق.

الجماعات اليهودية إشكاليات - عداء الأغيار الأزلي لليهود واليهودية - بعض إشكاليات الإبادة النازية ليهود أوربا

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

إشكالية انفصال القيمة الأخلاقية والغائية الإنسانية عن العلم والتكنولوجيا
‏The Problematic of Value-free Science and Technology Divorced From Human Teleology
رغم هيمنة الرؤية العلمانية الإمبريالية الشاملة على الإنسان الغربي (بجانبيها النفعي المادي الحيادي الأداتي والدارويني الصراعي الإمبريالي) ، ورغم حوسلتها للعالم وتحويلها المنفعة المادية والقوة إلى قيمة مطلقة متجاوزة للخير والشر، إلا أن هناك من لا يتقبل هذه الرؤية ولا يذعن لها ويثير قضايا مهمة ذات طابع أخلاقي وإنساني من أهمها قضية تطبيق المعايير العلمية المنفصلة عن القيمة وعن الغائية الإنسانية وتطبيق المنظومة الأخلاقية الداروينية النفعية المادية على الإنسان والمجتمع الإنساني. فقد أسس النازيون منظومتهم ـ كما أسلفنا ـ استناداً إلى مفاهيم علمية أو شبه علمية مثل النظرية الداروينية (وما يترتب عليها من مفاهيم مثل التفاوت بين الأعراق والمجال الحيوي والشعب العضوي) ، كما تبنوا الرؤية العلمية المتجردة تماماً من القيمة ومن الغائيات الإنسانية باعتبار أن العلم وما يتولَّد عنه من قوانين وقيم مادية هو القيمة الحاكمة الكبرى والمرجعية النهائية للإنسان. وقد حقق النازيون نجاحاً منقطع النظير في هذا المضمار فركزوا على محاولة التحكم الكامل في كل العناصر البشرية الخاضعة لهم وتطبيق الحسابات الرشيدة المحايدة التي تهدف إلى تعظيم الإنتاج والأرباح وتقليل الاستهلاك والخسائر. ومن ثم يمكن القول بأن الإبادة النازية لليهود وغيرهم هي التحقق الكامل للرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية الشاملة التي تم من خلالها حوسلة كل شيء بطريقة علمية محايدة رشيدة حديثة. ويتبدَّى هذا في عدة أوجه سنوجزها فيما يلي:

1 ـ كان النظام النازي بمنزلة يوتوبيا تكنولوجية تكنوقراطية حقة تم تنظيمها تنظيماً هرمياً، ففي قاعدته تقف جماهير الشعب العضوي المتماسك تعلوه نخبة من العلماء والساسة، يدورون جميعاً في إطار واحد هو الدولة القومية التي تَجُّب مصالحها كل المصالح. وعلى قمة الهرم يقف الفوهرر: التجسد المادي والمحسوس للمطلق العلماني (الشعب العضوي والدولة) الذي تركزت فيه جميع القوى الحيوية الكامنة في النسق، وهو القادر على تحريكها، وهو القادر على حسم كل الاختيارات السياسية والاجتماعية والأخلاقية، تساعده النخبة العلمية والسياسية الحاكمة.
هذا الهرم الدارويني المنظم تنظيماً دقيقاً تحرك بشكل محايد ليدافع عن مصلحته، كما يراها هو، وعن منفعته، كما حددها هو، أو كما حددتها النخبة الحاكمة من علماء وساسة! وكانت حركة الهرم النازي تتسم بالحياد الصارم، والتجرد المذهل من القيم والعواطف والغائيات الإنسانية. وكانت واحدة من أهم مؤسسات الإبادة تُدعَى «مؤسسة تدعيم القومية الألمانية» ، وقد أُسِّست عام 1939 لتوظيف العناصر الألمانية غير المرغوب فيها. وكان هملر (الذي أُسندت له مهمة إدارة هذه المؤسسة القومية) يرى أنها تجسد قيمة قومية عضوية مطلقة، فهي تخدم المصالح العليا المطلقة لألمانيا، وكان رجاله يؤدون واجبهم بأمانة وإخلاص شديدين لوطنهم.

2 ـ أدار هملر مؤسسته بطريقة حديثة للغاية تبدت في كيفية استخدامه لليهود من خلال واحد من أهم أسس الإدارة الحديثة فيما يُسمَّى «الإدارة الذاتية» ، إذ كوَّن، انطلاقاً من الرؤية الداروينية النفعية، نخبة من اليهود نواتها الأساسية أعضاء المجالس اليهودية والموظفون الملحقون بها، تدور حولها قطاعات أخرى مثل العمال اليهود في مصانع الذخيرة، وبعض الشخصيات اليهودية العامة، وتم وصفهم جميعاً بأنهم «يهود يتمتعون بالحماية من الترحيل» نظراً لنفعهم. (وهو امتداد للتقسيم الغربي القديم لليهود والذي ظل سائداً منذ العصور الوسطى حتى أوائل القرن التاسع عشر وإن كان قد اكتسب عمقاً خاصاً في القرن الثامن عشر وعصر الاستنارة وظهور مبدأ المنفعة) . وقد أصبح هؤلاء أداة ذات كفاءة عالية في يد الإدارة النازية وتعاونوا معها تماماً.

3 ـ وكانت عمليات السخرة والإبادة حديثة رشيدة بمعنى الكلمة يتم إنجازها من خلال إجراءات محايدة. فعلى سبيل المثال، استُخدم خط التجميع (بالإنجليزية: أسمبلي لاين assembley line) في عملية فرز المساجين (والمعروف أن خط التجميع استُخدم في الأصل في المذبح [السلخانة] في شيكاغو، حيث رأى أحد مؤسسي علم الإدارة الحديثة أنه يمكن توفير الوقت والجهد بأن تُعلَّق جثث الحيوانات الواحدة تلو الأخرى على سير متحرك أمام الجزارين، لكي يقومون بتنظيفها وإعدادها) . وقد طُبِّق نفس الأسلوب على المساجين، فكانوا يقفون صفاً واحداً ويُعطَى كل واحد منهم رقم، ثم يتم فرزهم، وهي طريقة أكثر كفاءة من التصنيف على أساس الأسماء. والملاحَظ أن عملية التوحيد والتنميط، مثلها مثل المركزية، تُعدُّ خطوة أساسية في عملية الترشيد ويتطلبها النموذج الآلي المادي، إذ لا تمكن التعامل مع كل المعطيات بكفاءة عالية إن كانت غير متجانسة. فإن اختلفت العناصر أو الوحدات، الواحدة عن الأخرى، أدَّى هذا إلى بطء دولاب العمل. والنموذج الآلي المادي الهندسي يفترض تَشابُه جميع العناصر حتى يمكن معالجتها مادياً وآلياً وهندسياً. وقد طبَّق أيخمان هذه الآلية على نطاق واسع، خصوصاً في حالة ترحيل يهود المجر. ويُقال إنه لم يكن من الممكن إنجاز مهمة الترحيل هذه إلا من خلال خط التجميع.

4 ـ كانت آليات السخرة والإبادة كلها تتسم بتعظيم الإنتاج والمنفعة. ومن أطرف الآليات وأجداها اقتصادياً وأقلها إيلاماً وأكثرها شيوعاً إرسال اليهود إلى معسكرات العمل بالسخرة لتزويد الشركات الألمانية بالعمالة الرخيصة، وهو ما أفاد الاقتصاد الوطني الألماني فحقق تقدماً هائلاً لا يمكن للمراقب الموضوعي المحايد المتجرد من كل التحيزات الغائية والأخلاقية إلا أن يقر به. فكان يتم فرز المساجين بعناية شديدة، حيث يُوجَّه القادرون على العمل إلى أعمال السخرة، ومن ثم لا يُبدَّد شيء. وكان المعتقلون يعملون لساعات طويلة، ويعيشون دون حد الكفاف الأمر الذي جعل من الممكن تحقيق أرباح هائلة وإنتاجية منقطعة النظير.
5 ـ يبدو أن النازيين استفادوا بواحدة من أهم التجارب الحضارية الغربية، وهي التجربة الإمبريالية، إذ أُرسل اليهود أحياناً إلى جيتوات، أسسها النازيون خصيصاً، وكانت تأخذ شكل مناطق "قومية" مستقلة لها مجالسها التي تحكمها ونظامها المصرفي المستقل وعملتها الخاصة ونظامها التعليمي الخاص، أي أن كلاً منها كانت جيتو/دولة أو دولة/جيتو تدخل في علاقة تبادل كولونيالية مع الدولة النازية. فكانت الجيتوات تزود الدولة النازية بالعمالة والخدمات وبعض السلع نظير أن تزودها الدولة النازية بالغذاء والملابس. ولكن علاقة التبادل كانت غير متكافئة لصالح الدولة النازية بحيث تكون الخدمات والعمالة الخارجة من الجيتو أكبر من قيمة ما يحصل عليه سكان الجيتو من المواد الغذائية التي كانت دائماً أقل من أن تفي باحتياجات العاملين اليهود، أي أن العلاقة كانت تؤدي إلى انتقال فائض القيمة إلى النازيين وإلى إبادة العاملين واستهلاكهم كأداة إنتاج سريعة. ولذا يمكن القول بأن العلاقة بين الجيتو والدولة النازية كانت علاقة كولونيالية لا تختلف كثيراً عن علاقة إنجلترا بمستعمراتها أو علاقة الولايات المتحدة ببعض الدول العربية وغير العربية التي تسيطر عليها.

6 ـ لم يتخل النازيون قط عن حداثتهم وحيادهم، فكان يتم تقرير من يجب إبادته، ومن يجب الإبقاء عليه وتسخيره بعد دراسة عملية موضوعية، متمعنة ودقيقة، تتفق مع القواعد الصارمة للترشيد المادي. فقد قُسِّم أعضاء الجماعات اليهودية إلى يهود نافعين ومن ثم لا يمكن نقلهم، ويهود غير نافعين ومن ثم يمكن نقلهم والتخلص منهم. ولم تكن ظروف الحرب تعوق الألمان عن التحلي بالموضوعية الكاملة. فعلى سبيل المثال، حينما وصلت القوات الألمانية إلى شبه جزيرة القرم ووجدت فيها بعض اليهود القرّائين، بيَّن لهم هؤلاء أنهم ليسوا يهوداً بالمعنى العام والسائد، وأنهم لا علاقة لهم باليهود من أتباع اليهودية الحاخامية ولا يتسمون بما يتسم به اليهود عموماً من طفيلية (كما تزعم أدبيات العداء لليهود في العالم الغربي) . وأرجأ النازيون تنفيذ عملية الإبادة والتهجير، وأرسلوا بأحد الضباط إلى برلين ليدرس القضية بشكل موضوعي رغم ظروف الحرب. وبالفعل توصَّل هذا الضابط/الباحث إلى أن القرّائين لا يتسمون بالسيكولوجية أو الطبيعة اليهودية، وأخذ النازيون بتقريره، ولذا لم يُطبَّق على اليهود القرّائين قرار الإبادة. بل قرر النازيون، انطلاقاً من الرؤية النفعية البرجماتية المرنة، تجنيد بعض العناصر القادرة من بين اليهود القرّائين في القوات النازية.

وانطلاقاً من الرؤية النفعية المرنة نفسها طوَّر النازيون مقياساً محدداً لتعريف من هو الآري، ولكنه كان مقياساً مرناً منفتحاً، ولذا كان الشخص السلافي، الذي يتسم بقدر كاف من الصفات العرْقية البيولوجية الألمانية (من بينها الطول ولون العيون) ، يُعاد تصنيفه "آرياً" ثم يُلحق ببرنامج خاص للأرينة (أي التحويل للآرية) ليتعلم الألمانية والسلوك الألماني الأصيل. وكانت هناك مؤسسة خاصة تُسمَّى Ru SHA المكتب الرئيسي للعرْق والتوطين، كانت مهمتها هي تحديد الصفات الآرية وإمكانية الألمنة. (وانطلاقاً من الرؤية البرجماتية نفسها صُنِّف اليابانيون، حلفاء الألمان، «آريون شرفيون» رغم انتمائهم للجنس الأصفر!) .
وفي مؤتمر فانسي (الذي عُقد في 20 يناير 1942) أبدى المجتمعون اهتماماً شديداً بتصنيف الضحايا تصنيفاً دقيقاً إذ قُسِّموا إلى أربعة أقسام: فكان القسم الأول يضم من ستتم إبادته على الفور، أما القسم الثاني فكان يضم من ستتم إبادته (إنهاكه) من خلال الجوع والعمل بالسخرة. ويضم القسمان الثالث والرابع من يُعقم ومن يمكن أن يؤلمن (على التوالي) . وقد قام النازيون بالتمييز بين الإبادة من خلال الجوع والإبادة من خلال العمل، ففي عام 1942 وجد الجيش الألماني أن المنهج الثاني من الإبادة أكثر رشداً من الأول فقام بتبنيه.
7 ـ كان النازيون حريصين كل الحرص على استخدام مصطلح علمي محايد لا يحمل أية دلالات عاطفية غير علمية، فإحدى مؤسسات الإبادة كانت تحمل اسم تي فور T4، وهو اسم يصلح لأية شركة تجارية أو سياحية أو حتى أي دواء مقوٍ، وهو منسوب إلى الشارع الذي تقع فيه المؤسسة وإلى رقم المبنى (تيرجارتن شتراسه رقم 4 Tiergarten Strasse، أي 4 شارع حديقة الحيوان) . ومن أسماء المؤسسات الأخرى «جمعية نقل المرضى» أو «المؤسسة الخيرية للعناية المؤسسية» .

وكان يُشار إلى عملية الإبادة بنفس المصطلح، فيتم أولاً «الإخلاء» ، يليه «النقل» (الترانسفير) ثم «إعادة التوطين» ، وأخيراً «الحل النهائي» . (ويستخدم الصهاينة نفس الخطاب، فهم يستخدمون كلمة مثل «ترانسفير» للإبعاد. وحينما فر الفلسطينيون من قراهم عام 1948 خوفاً من الإرهاب الصهيوني، وصف وايزمان هذا الفرار بأنه عملية «تنظيف» ) . وتحييد المصطلح مسألة أساسية في التفكير النازي، فعملية تسييس العمال وترشيد حياتهم، أي السيطرة عليهم وعلى حياتهم الخاصة أُطلق عليها اسم «القوة من خلال المرح» ، وكان مكتوباً على معسكر أوشفيتس «العمل سيحقق لك الحرية» . وكما أسلفنا، فقد جرى الحديث عن إبادة المعوقين وغيرهم باعتبارها نوعاً من «الصحة العرْقية» ومن «علاج الأمراض الوراثية الخطيرة» ، وكانت إبادة المجرمين والمتخلفين تُوصَف بأنها «تجنب العدوى والقضاء على الجراثيم» ، وأفران الغاز هي "أدشاش"، والعملية كلها هي عملية "تطهير" لا أكثر ولا أقل. ويُلاحَظ أن كل المصطلحات لا تذكر أية إبادة (بالمعنى العام أو الخاص الذي نطرحه) ، ولذا فهي تجعل عملية إبادة البشر تبدو وكأنها مسألة مجردة وبعيدة، ومن ثم مقبولة تماماً.

8 - كانت عملية تحييد المصطلح بداية عملية تحييد كامل للإدراك، فالمصطلح المحايد للغاية يقترب من المصطلح العلمي الدقيق المنفصل عن القيمة، إذ لا توجد فيه عواطف حُب أو كُره، وهو يحاول أن يصف الظاهرة من الخارج باعتبارها مجرد موضوع، دون أن يعطيها أي معنى إنساني داخلي أو أية قيمة خاصة، بحيث ينظر الموظف النازي أو الألماني إلى الضحية وكأنه ينظر إلى موضوع وحسب؛ حركة مادية خارجية ومادة استعمالية خام خاضعة للإجراءات. وقد كان المشرفين على عمليات الإبادة المختلفة يتم تدريبهم على التحلي بالبرود والتجرد للحفاظ على الحياد وكفاءة الأداء. وقد حذَّرت القيادة النازية من استخدام العنف بلا مبرر، فقد كانت تدافع عما سماه أحد المؤرخين «الإرهاب الرشيد» (أدان بن جوريون "تعذيب العرب بلا مبرر"أثناء حرب 1948، وهو ما يعني أن التعذيب الرشيد مسموح به) . وفي إحدى خطبه بيَّن هتلر أن " الإبادة الشاملة لابد أن تُنفَّذ ببرود وبطريقة نظيفة… وأن تصفية العناصر المطلوب تصفيتها لابد أن يتم بطريقة محايدة دون أي نزعات سادية (فمثل هذه النزعات تدل في واقع الأمر على العنف الإنساني الذي يتنافى مع المثل الأعلى النازي) . ولذا كان على رؤساء معسكرات الاعتقال أن يوقِّعوا إقراراً كل ثلاثة شهور بأنهم لم يسيئوا معاملة المساجين". وفي خريف عام 1942 أعلن هملر أن إطلاق النار على اليهود لأسباب شخصية (أو صادية أو جنسية) يعاقب عليها القانون بالإعدام. وكان الجنود الألمان ممنوعين من إساءة معاملة الضحايا حتى وهم في طريقهم إلى أفران الغاز، لأن هذا يعني شكلاً من أشكال الانفعال والانغماس العاطفي الذي يتنافى مع الحياد العلمي، والتجرد من العواطف والتحيزات والقيم أمر أساسي ومطلوب.

وعند اكتشاف أي انحراف عن الخط المحايد، كانت القيادة النازية تعاقب المنحرفين. وقد أصدر هملر توجيهاً لمن يعملون معه بالتدخل الفوري إذا ما تجاوز أحد قادة معسكرات الاعتقال حدوده. وقد وُجِّه اللوم إلى أحد الضباط لأنه كان يحيط أسر الضحايا علماً بإعدام أقاربهم على كارت بوستال مفتوح بدلاً من ظرف مغلق! ويبدو أن الدكتور راشر، العالم النازي، تجاوز هو الآخر الخطوط المحايدة (!) حتى أنه أغضب هملر الذي أمر بإعدامه هو وزوجته قبل نهاية الحرب بقليل. كما أُعدم قائد معسكر بوخنوالد وزوجته (عاهرة بوخنوالد) التي كانت مغرمة بصنع الشمعدانات ومنافض السجائر من أشلاء البشر، الأمر الذي يتجاوز حدود المعقولية والحياد والحوسلة. وقد أوضح المواطن النازي جوزيف كرامر أنه سمَّم ثمانين امرأة بالغاز أثناء خدمته في أوشفيتس. وحينما سُئل عن مشاعره، صرح ببرود أنه لم تكن لديه أية مشاعر على الإطلاق، وقال للقضاة: " لقد تلقيت أمراً بقتل ثمانين من النزلاء بالطريقة التي قلتها لكم. وبالمناسبة هذا هو الأسلوب الذي تدربت عليه "، فهو يرى نفسه باعتباره «موظفاً فنياً» وحسب، ملتزماً بالترشيد الإجرائي ولا يصدع مخه بالقيم الأخلاقية أو بالمطلقات (فهذه مجرد ميتافيزيقا!) .
وحينما صدر قانون التعقيم والذي شمل الحالات المتطرفة لإدمان الكحول، حاول البعض استصدار استثناء للمحاربين القدامى ممن أدمنوا الكحول نتيجة إصابات في المخ لحقت بهم أثناء الخدمة العسكرية في الحرب العالمية الأولى. ولكن الحياد العلمي لا يعرف أي استثناءات ولذا رُفض الطلب، «لأنه لو أُعفي هؤلاء لتم إعفاء المحاربين القدامي الذين أصيبوا في شجار في الشارع، ثم المصابين نتيجة العمل في المصانع» ، الأمر الذي يتناقض مع النموذج العقلاني المادي والنمطية التي يتطلبها الموقف العلمي الصارم.

9 ـ تبدَّى الموقف الحيادي الدارويني في موقف النازيين من العلم، وزعمهم انفصاله عن القيمة وعن الغائية الإنسانية، في واحد من أهم المفاهيم الطبية (العلمية المحايدة) في القرن التاسع عشر، وهو مفهوم «الصحة العرْقية» ، الذي ينطلق من ضرورة الحفاظ على وحدة الشعب العضوي وعلى بقائه (فهما سر تفوقه ورقيه) عن طريق التخلص من العناصر الضارة أو غير النافعة (التي تُعدُّ تعبيراً عن انهيار العرْق وانحطاطه) ؛ وثمة كتابات عديدة بجميع اللغات الأوربية في هذا الموضوع. ومن أهم المفاهيم المرتبطة بالصحة العرْقية مفهوم اليوثينيجيا euthenesia أو ما يُسمَّى «القتل الرحيم» (وإن كان من الأفضل تسميته «القتل العلمي» أو «القتل المحايد» أو «القتل الأداتي» أو «القتل الموضوعي» ) ، أي التخلص من المعوقين وغيرهم (مثل المرضى بأمراض مزمنة) عن طريق التصفية الجسدية. وقد يبدو هذا المفهوم لنا مخيفاً، ولكن في إطار الرؤية المادية الشاملة المحضة، وفي داخل إطار دارويني نيتشوي، يصبح الأمر منطقياً ومتسقاً مع نفسه (ولذا، نجد كاتباً مثل برنارد شو أو هـ. جـ. ويلز يدافع عن مثل هذا المفهوم) .
وقد أصدرت النخبة النازية عدة قوانين لضمان الصحة العرْقية، فوضعوا البشر تحت تصنيفات مختلفة:
أ) المستهلكون الذين لا نفع اقتصادي لهم: مثل المعتوهين والمتخلفين عقلياً والمصابين بالشيزوفرنيا (انفصام الشخصية) والأطفال المعوقين والأفراد المتقدمين في السن والمصابين بالسل، والمرضى الميئوس من شفائهم. بل كان يُضَم لهؤلاء الجنود الألمان الذين أصيبوا أثناء العمليات العسكرية، فعلاجهم كان يُشكِّل عبئاً على ميزانية الدولة.
ب) المنحلون: وهم الشيوعيون والشواذ جنسياً وعدد كبير من أعداء المجتمع الذين يتسمون بالسلوك غير الاجتماعي (مدمنو الكحول والعاهرات والمجرمون ومدمنو المخدرات ومن لا مأوى لهم) .

جـ) أعضاء الأجناس الدنيا: مثل السلاف والغجر واليهود والأقزام، فهم غرباء داخل الفولك الألماني ولا يوجد مبرر قوي لوجودهم إلا باعتبارهم مادة خاماً تُوظَّف لصالح الجنس الآري الأرقى، خاصةً أن بعضهم، مثل البولنديين، يشغلون المجال الحيوي لألمانيا.
وفي 14 يوليه 1933 (في اليوم التالي لتوقيع المعاهدة مع الفاتيكان) ، أصدر النازيون قانوناً يُسمَّى «قانون التعقيم» لمنع بعض القطاعات البشرية (المعوقين ـ المرضى النفسيين ـ المرضى بالصرع ـ العمى الوراثي ـ الصمم الوراثي ـ التشوه الخلقي ـ الإدمان المتطرف للكحول) من التكاثر. وبالفعل، تم تعقيم أربعمائة ألف مواطن ألماني. وفي عام 1935، صدر قانون بمنع العلاقات الجنسية بين اليهود وأعضاء الأعراق غير الراقية من جهة والألمان من جهة أخرى، وذلك للحفاظ على النقاء العرْقي. وأُعلن عام 1939 عاماً يراعي فيه المواطن واجب التمتع بصحة جيدة وطُلب من كل طبيب أو داية أن تُبلغ عن أي مولود جديد معوق. وبدأت عملية القتل الموضوعي (أو العلمي أو المحايد) لهؤلاء الذين لا يمكن شفاؤهم مثل المعوقين وغيرهم (مشروع تي فور T4) . وظهرت وثائق تبين أنه قُتل سبعون ألف معوق وعاجز يأكلون ولا ينتجون (حرفياً: «آكلون غير نافعين» أي «أفراد يأكلون ولا ينتجون» [بالإنجليزية: يوسلس إيترز useless eaters] ) يُشكِّلون عبئاً على الاقتصاد الوطني ويعوقون التقدم. وقد تمت إبادتهم بمقتضى برنامج «تجنب العدوى والقضاء على الجراثيم» (أي برنامج إبادة المجرمين والمتخلفين وربما المسنين) . وأدَّى ذلك إلى توفير 239.067.020 كيلو جراماً من المربى في العام (كما جاء في إحدى الدراسات العلمية الألمانية الرصينة) . وأُنشئت لجنة للعلاج العلمي للأمراض الوراثية الخطيرة أوصت بقتل الأطفال المشوهين. وكان هؤلاء وغيرهم يُرسلون إلى مستشفيات. فكانوا يوضعون في عنابر خاصة ثم يتم الإجهاز عليهم عن طريق أفران غاز مخبأة على هيئة أدشاش،

ومحارق لحرق الجثث. وقد طُبِّق المعيار نفسه، بعض الوقت، على الجنود الألمان الجرحى في الحرب، إذ أن عملية علاجهم كانت ستُكلف الدولة الكثير. ثم طُبِّقت عمليات الإبادة هذه بصورة أوسع على أسرى الحرب.
وقد صُنِّف اليهود باعتبارهم مرضى، وذلك نظراً لعدم نقائهم العرْقي. ومن ثم أصبح من الضروري إبادتهم، شأنهم شأن العناصر الألمانية غير النافعة. ومن جهة أخرى، تم توسيع نطاق برنامج القتل المحايد أو العلمي ليضم المجرمين كافة، يهوداً وغير يهود. وكان اليهود يُعتبرون أيضاً ذوي استعداد إجرامي طبيعي بسبب اختلاط خصائصهم الوراثية. ولذا، طُبق البرنامج على اليهود الموجودين في المستشفيات جميعاً.
10 ـ ومن أهم تجليات الحياد العلمي ذات العائد المرتفع التي اتسمت بها الإبادة، تلك التجارب العلمية التي كان النازيون يجرونها على خنازير التجارب البشرية وهي تجارب منفصلة تماماً عن أية منظومات قيمية. فكان النازيون يختارون بعض العناصر التي لها أهمية تجريبية خاصة لإجراء التجارب عليها. وكان هذا يتم بسهولة ويسر وسلاسة؛ لأن البشر تحولوا إلى موضوع أو مادة محايدة في عقول القائمين على هذه التجارب. فعلى سبيل المثال، كان طبيب بوخنوالد (الدكتور هانس إيسيل) يقوم بعمليات استئصال دون تخدير ليدرس أثرها. وأُجريت تجارب أخرى على نزلاء معسكرات الاعتقال لا تقل رهبة عن تجارب إيسيل. وكان بعضهم يُطلَق عليه الرصاص لاختبار فعاليته في الحرب، وعُرّض آخرون لغازات سامة في عمليات اختبارية. وكان البعض يوضعون في غرفة مفرغة من الهواء لمعرفة المدة التي يستطيع الإنسان خلالها أن يظل حياً وهو على ارتفاعات عالية أو بدون أوكسجين. وكان الأوكسجين يُقلل تدريجياً ويخفض الضغط، فتزداد آلام خنازير التجارب البشرية شيئاً فشيئاً حتى تصبح آلاماً لا يمكن احتمالها حتى تنفجر رئاتهم. كما كان الضغط الداخلي على أغشية طبلات الآذان يسبب لهم عذاباً يوصلهم إلى حد الجنون.

وكان الدكتور راشر، وهو عالم نازي آخر، شمولياً في أبحاثه إلى درجة عالية، فقام بتزويد غرف الضغط في النهاية بمبردات تجبر عيناته على مواجهة شروط أقرب ما تكون إلى الارتفاعات العالية. وكان راشر مسئولاً أيضاً عن الكثير من تجارب التجميد التي يتعرض فيها الأشخاص إلى البرد الشديد المستمر حتى الموت. وكان الهدف معرفة مدة مقاومتهم، وبقائهم أحياء، وما الذي يمكن صنعه لإطالة حياة الطيارين الذين يسقطون في مياه متجمدة. وكان بعض نزلاء داخاو ضمن ضحايا راشر أو ضمن خنازير تجارية (إن أردنا التزام الدقة والحياد العلميين) . فكان يتم غمر الضحايا/الخنازير في وعاء ضخم أو كانوا يُتركون عُراة في الخارج طوال الليالي الثلجية. وفي أواخر شتاء عام 1943، حدثت موجة برد شديدة، فتُرك بعض السجناء عراة في الخلاء أربع عشرة ساعة، تجمدت خلالها أطرافهم وسطوح أجسامهم الخارجية وانخفضت درجة حرارتهم الداخلية. وكان أسلوب العمل هو تجميد السجناء تدريجياً مع متابعة النبض والتنفس ودرجة الحرارة وضغط الدم وغير ذلك.
وكانت هناك تجارب أخرى من بينها تدفئة أشخاص مثلجين. وبناءً على تقرير راشر، أُجريت أكثر من أربعمائة تجربة على ثلاثمائة ضحية. وقد مات من هؤلاء زهاء تسعين شخصاً نتيجةً لمعالجتهم، وجُنَّ عددٌ ممن بقى. أما الآخرون، فقد قُتلوا لكيلا يتحولوا إلى شهود مزعجين فيما بعد. وقد توصل راشر إلى حقائق علمية جديدة تتحدى كثيراً من المقولات العلمية السائدة في عصره. وأُجريت بالطبع تجارب لا حصر لها على نزلاء أحياء في معسكرات الاعتقال، من بينها الحقن بالسم أو بالهواء أو البكتريا، معظمها مؤلم وكلها قاتلة، كما أُجريت تجارب زرع الغرغرينا في الجروح وترقيع العظام وتجارب التعقيم.

وفي الإطار التجريبي نفسه كان يتم اختيار التوائم وإرسالهم إلى الطبيب النازي الشهير الدكتور منجل لإجراء تجارب علمية فريدة عليهم، لا يمكن للعلماء الآخرين القيام بها نظراً لعدم توفر العينات اللازمة. فكان يفصل التوأمين ويضعهما في غرفتين منفصلتين، ثم يعذب أحدهما أحياناً ليدرس أثر عملية التعذيب على الآخر، بل كان يقتل أحدهما لدراسة أثر هذه العملية على الآخر. وكما قال بريمو ليفي: إن ألمانيا النازية هي المكان الوحيد الذي كان بوسع العلماء أن يدرسوا فيه جثتى توأمين قُتلا في نفس اللحظة. ويُقال إن دراسات منجل على التوائم لا تزال أهم الدراسات في هذا المجال، ولا تزال الجامعات الألمانية والأمريكية تستفيد من النتائج التي توصل إليها الباحثون العلميون الألمان في ظروف فريدة لم تُتح لعلماء غيرهم من قبل من بعد. وقد أُثيرت مؤخراً قضية مدى أخلاقية الاستفادة من معلومات تم الحصول عليها في مثل هذه الظروف التجريبية الجهنمية، وبهذه الطريقة الموضوعية الشيطانية.
وقد أجرى بعض العلماء تجارب على أمخاخ الضحايا وقد اختار د. برجر، التابع لإدارة الإس. إس. عدداً من العينات البشرية (79 يهودياً ـ بولنديان ـ 4 آسيويين ـ 30 يهودية) تم إرسالهم لمعسكر أوشفيتس ثم قتلهم بناء على طلب عالم التشريح الأستاذ الدكتور هيرت الذي أبدى رغبة علمية حقيقية في تكوين مجموعة كاملة وممثلة من الهياكل العظمية اليهودية (كما كان مهتماً بدراسة أثر الغازات الخانقة على الإنسان) . أما الدكتور برجر نفسه فكان مهتماً بالآسيويين وجماجمهم، وكان يحاول أن يكوِّن مجموعته الخاصة.

ويبدو أن عملية جمع الجماجم هذه وتصنيفها لم تكن نتيجة تخطيط محكم، وإنما نتيجة عفوية للرؤية النفعية المادية المتجردة من القيمة. إذ ورد إلى علم البروفسور هاليروفوردن أنباء عن إبادة بعض العناصر البشرية «التي لا تستحق الحياة» ، فقال للموظف المسئول بشكل تلقائي: «إن كنتم ستقتلون كل هؤلاء، فلماذا لا تعطوننا أمخاخهم حتى يمكن استخدامها؟، فسأله: كم تريد؟ فأجاب: عدد لا يحصى، كلما زاد العدد كان أفضل. ويقول البروفسور المذكور إنه أعطاهم بعد ذلك الأحماض اللازمة والقوارير الخاصة بحفظ الأمخاخ. وكم كانت فرحة البروفسور حينما وجد أمخاخ معوقين عقليين (في غاية الجمال، على حد قوله) و «أمخاخ أطفال مصابة بأمراض الطفولة أو تشوهات خلقية» . وقد لاحظ أحد العاملين في مركز من مراكز البحوث أن عدد أمخاخ الأطفال المتوفرة لإجراء التجارب أخذت تتزايد بشكل ملحوظ، ونتيجةً لهذا تم الحصول على مواد مهمة تلقي الضوء على أمراض المخ.
ومن أطرف الأمثلة الموضوعية قضية البروفسير النازي كلاوس الذي اكتشف البعض أنه يعيش مع سكرتيرته اليهودية، وفي «دفاعه» عن نفسه قال إنه يواجه مشكلة في دراسته لليهود وهي أنه لا يمكنه أن يعيش بينهم ولذا كان عليه أن يحصل على «مُخْبر» أو «دليل» (بالإنجليزية: إنفورمانت informant) أو عينة مُمثِّلة يمكنه دراستها عن قرب، فهي بالنسبة له لم تكن سوى موضوع للدراسة فكان يراقبها «كيف تأكل وكيف تستجيب للناس وكيف تقوم بتركيب الجُمل بطريقة شرقية عربية» [كذا] .

ويتضح حياد النازيين وحسهم العملي الفائق، بشكل آخر تماماً. فقد كانوا على استعداد لأن يطوِّعوا النظرية العرْقية ذاتها لمتطلبات الواقع. فاليابانيون (أعضاء الجنس الأصفر، حسب الرؤية النازية) أُعيد تصنيفهم «آريين شرقيين» ، بسبب عمق التحالف بين ألمانيا النازية واليابان ذات النزعة الإمبريالية، ولم يكن اليابانيون هم وحدهم الذين حظوا بهذا الشرف، فهناك «برامج الأرينة» للسلاف ممن كانوا يتسمون بنسبة 80% من السمات الآرية. بل قد بدأت تظهر قرائن على أن آلاف الجنود الألمان كانوا يهوداً أو نصف يهود، رغم أن القانون الألماني في ظل الحكم النازي كان يمنع، اعتباراً من عام 1935، أي شخص ينحدر عن أجداد يهود أن يشغل وظيفة ضابط في الجيش الألماني (الديلي تلجراف ديسمبر 1996) . وكان مكتب الأفراد في الجيش الألماني (عام 1944، أي قرب نهاية الحرب) على علم بوجود سبع وسبعين ضابطاً من ذوي الرُتب العالية من أصول مُختلَطة يهودية أو متزوجين من يهوديات. ومع هذا وقَّع هتلر شهادات تبيِّن أنهم من «ذوي الدم الألماني» ، أي ينتمون للعرْق الألماني. ومن بين هؤلاء الفيلد مارشال أبرهارد ميلخ، الذي كان نصف يهودي (حسب التعريف النازي) ومع هذا كان يشغل منصب نائب هرمان جورنج، قائد السلاح الجوي الألماني، والخلف المختار لهتلر. وقد غض جورنج الطرف عن هذه الحقيقة، بل زوَّر المعلومات المتعلقة بوالد نائبه. وتبيِّن الوثائق التي تم كشف النقاب عنها مؤخراً أن القيادة النازية منحت وسام الصليب الفارس، أعلى وسام عسكري ألماني، إلى عسكريين سبق أن طُردوا من الخدمة بسبب انحدارهم من أصل يهودي ثم أُعيدوا إليها.

وتتضح المفارقة في تلك الزيارة التي قام بها أحد كبار الضباط الألمان لوالده الذي كان قد نُقل إلى أحد معسكرات الاعتقال والسخرة. وقد حرص الضابط على أن يرتدي النياشين والأوسمة التي مُنحت له بسبب مشاركته في الحملات العسكرية التي شنها النظام النازي، هذا النظام الذي كان يقوم بإبادة أعضاء كثير من الأقليات الإثنية والدينية، ومن بينهم أعضاء الجماعات اليهودية.
إن المفارقة هنا تدل على حس عملي عميق مستعد لتجاوز كل الأفكار المسبقة للتعامل بكفاءة مادية بالغة مع الواقع العملي وتجاوز الميتافيزيقا والمطلقات والكليات. وحينما وجد النازيون فرصة للاستفادة من أعضاء الجماعات اليهودية، هذه المادة البشرية الاستعمالية النافعة، لم يترددوا في تعديل عقائدهم الدينية العرْقية نفسها.
11 ـ ولكن إلى جوار المادة البشرية الاستعمالية النافعة التي تُجرى عليها التجارب وتُدرس بعناية وموضوعية وحياد، كانت هناك المادة التي لا يُرجى منها نفع أو الضارة من منظور النازيين، وكان أمثال هؤلاء يُبادون ببساطة شديدة من خلال عمليات التصفية الجسدية السريعة، التي تقوم بها جماعات خاصة أو فرق متنقلة تقف وراء خطوط الجيوش الألمانية (بالألمانية: آينساتس جروبين Einsatzgruppen) . وكانت طريقة الإبادة هذه سريعة وغير مكلفة إذ كانت تُقام مقابر جماعية يُلقى فيها بالضحايا بعد أن يحفروها بأنفسهم. كما كانت الإبادة تتم أحياناً بواسطة سيارات مجهزة بحجرة غاز يتم التخلص فيها من الضحايا دون حاجة إلى نقلهم إلى معسكرات الإبادة. وقد تم التخلص بهذه الطريقة من جرحى الحرب الألمان ممن لا يُرجى لهم شفاء أو ستتكلف عملية تمريضهم الكثير، كما تمت إبادة أعداد كبيرة من أعضاء النخبة الثقافية البولندية، والفائض السكاني الروسي.

12 ـ وحتى بعد قرار الإبادة) بمعنى التصفية الجسدية) ، كان ديدن النازيين دائماً هو الحوسلة الكاملة وتعظيم الفائدة والحرص الكامل على ممتلكات الدولة وخدمة مصالحها، ولذا كان يتم تجريد الضحايا من أية مواد نافعة (حتى من الحشوات الذهبية التي في أسنانهم) ، ولا شك في أن هذا ساهم في تحسين ميزان المدفوعات الألماني. وقد أشرنا من قبل إلى استخدام الأمخاخ البشرية ولكن يبدو أن عملية التوظيف كانت أعمق من ذلك بكثير فقد كانت البقايا البشرية (مثل الشعر) تُستخدَم في حشو المراتب، ويُقال إنها كانت مريحة للغاية وزهيدة الأسعار. ولم يكن الرماد البشري يُستخدَم كشكل من أشكال السماد وحسب، وإنما كمادة عازلة أيضاً. وكانت العظام البشرية تُطحن وتُستخدَم في أغراض صناعية مفيدة مختلفة. بل يُقال إن بعض الأنواع الفاخرة من الصابون صُنعت من الشحومات البشرية. (ومع هذا، صدرت مؤخراً دراسات تشكك في هذا) .
كانت الجدوى الاقتصادية لمعسكرات الإبادة إذن عالية للغاية، كما كان التحكم كاملاً، أي أنها عملية رشيدة بالمعنى الفيبري، إذ يرى ماكس فيبر أن رشد الحضارة الغربية الحديثة ينصرف إلى الإجراءات وحسب، ولا ينطبق على الأهداف فهو ترشيد مادي إجرائي أداتي، منفصل عن القيم والعاطفة، وأنه لهذا السبب سينتهي بالإنسان إلى «القفص الحديدي» حيث يوجد فنيون بلا قلب؛ حسّيون غير قادرين على الرؤية، وهذا لا يختلف كثيراً عن معسكرات الاعتقال والإبادة. وقد أشار أحد العلماء الذين درسوا الظاهرة النازية إلى أن العلماء النازيين تبنوا ما سموه موقفاً موضوعياً متجرداً من الأحكام القيمية، ولكن هذا الموقف العلمي ذاته جعل كل شيء ممكناً. فقتل المصابين بالأمراض العقلية، إن كان لازماً للبحث العلمي الموضوعي، يصبح أمراً مقبولاً وربما مرغوباً فيه.

وتتبلور هذه النقطة في قضية المسئولية الخُلقية للتنفيذيين النازيين، فهناك من ينطلق من المنظور الترشيدي المادي الإجرائي المنفصل عن القيمة ويذهب إلى أن المواطن النازي الذي اشترك في عمليات الإبادة لم يكن سوى بيروقراطي، موظف تنفيذي ("عبد المأمور"، كما نقول بالعامية المصرية) ، يؤدي عمله بكفاءة عالية، ويُنفذ ما يصدر إليه من أوامر تأتيه من علٍ، ولا يتساءل عن مضمونها الأخلاقي ويُنفذها حتى لو تنافت مع القيم الأخلاقية والإنسانية المطلقة. فهذا الموظف لا يدين بالولاء الكامل إلا للدولة والوطن ولا يعيش في ازدواجية الدين والدولة أو الأخلاق والدولة، فالمطلق الوحيد الذي يؤمن به، شأنه في هذا شأن أي إنسان علماني شامل، هو الدولة والوطن، ولذا فعليه أن يذعن لما يصدر له من أوامر تأتيه من هذه الدولة التي تخدم صالح الوطن. وهذا ينطبق على الأوامر النازية الخاصة بالإبادة!
ولكن هناك آخرون، ممن يؤمنون بالمطلقات الأخلاقية والإنسانية، يذهبون إلى أن الإنسان الفرد كائن حر مسئول، ولذا فعليه أن يتحمل المسئولية الأخلاقية الكاملة لما يأتيه من أفعال، ومن ثم عليه أن يقف ضد عمليات إبادة الضعفاء (من المسنين والمعوقين وأعضاء الأقليات) ، حتى لو كانت عملية الإبادة تخدم «الصالح العام» أي صالح الدولة والوطن! أي أن الإنسان الفرد يدين بالولاء لمجموعة من القيم الأخلاقية والإنسانية المطلقة تتجاوز ولاءه للدولة والوطن وكفاءة الأداء في الوظيفة.

وهذه إشكالية فلسفية وأخلاقية وإنسانية عميقة تواجهها المنظومة العلمانية الشاملة، فهي منظومة فلسفية تنكر الميتافيزيقا والثنائيات والمطلقات وتؤكد نسبية المعرفة وكل القيم الأخلاقية، وهو ما يعني، بطبيعة الحال، غياب المرجعية المتجاوزة (التي تتجاوز الأفراد) وظهور المرجعية المادية الكامنة، حين يحدد كل إنسان قيمه بنفسه دون العودة إلى أية مطلقات أو ثوابت إنسانية (كما يدعو فكر ما بعد الحداثة) . وإذا كان الألمان، انطلاقاً من المرجعية المادية الكامنة فيهم، قد حدَّدوا قيمهم الأخلاقية على أسس نفعية مادية داروينية، وسلكوا على هذا الأساس، فكيف يمكن لنا أن نتجاوز ذاتيتهم الكامنة فيهم؟ وكيف يمكن لنا أن نهيب بقيم أخلاقية وإنسانية، عامة مطلقة، تقع خارج نطاق مُثُلهم الذاتية؟ كيف يمكن أن نفعل ذلك إن كنا نحن أنفسنا نؤمن بالنسبية المطلقة؟ كيف يمكن اختراق المطلق الذاتي؟ كيف يمكن أن نبيِّن للشعب المختار، صاحب الحقوق المطلقة، المسلح بالمدافع الرشاشة والقنابل النووية، أن ثمة إنسانية عامة وثمة قيم أخلاقية عامة، إن كنا نحن أنفسنا نسبيين، علمانيين شاملين حركيين نرفض الثبات ولا نرى إلا حركة المادة وقوانينها الصماء؟ يقول البعض ممن يحاول اتخاذ موقف أخلاقي دون الإهابة بأية مرجعية متجاوزة، إن الإنسان بوسعه أن يأخذ موقفاً ذاتياً وجودياً، ويرفض إبادة الآخر بإصرار وعناد، أي أن الإنسان بوسعه أن يتبنى موقفاً أخلاقياً دون السقوط في الميتافيزيقا ودون الإهابة بأية مرجعية متجاوزة أو كليات مجردة. ولكن هل يمكن محاكمة الآخر من هذا المنظور إن كان لا يؤمن به؟ ألا يعني هذا أنني أفرض ذاتيتي الأخلاقية الوجودية على ذاتيته الداروينية النفعية المادية؟

هذه هي الإشكالية التي نبهنا لها ماكس فيبر وغيره من علماء الاجتماع والمفكرين الغربيين حينما بدأوا في إطلاق التحذيرات، منذ أواخر القرن التاسع عشر، من العلم المنفصل عن القيمة، وهي إشكالية تثيرها، وبحدة، الإبادة النازية لليهود والأطفال والمعوقين والعجزة والغجر، وكل من لا فائدة له، من المنظور النازي. والحوار الدائر في الغرب بشأن الإبادة يُركِّز على تفاصيل مثل عدد الضحايا وهل هم يهود فقط أو غيرهم (مما أسميه «لعبة الأرقام» ) ويهمل قضية إنسانية جوهرية مثل هذه تتجاوز حدود الإبادة النازية لتصل إلى مستوى المجتمع الحديث بأسره، ومستقبل الإنسان على هذه الأرض.

وقد أثيرت مؤخراً قضية وثيقة الصلة تماماً بقضية انفصال العلم عن القيمة ألا وهي قضية انفصال الإجراءات الديموقراطية عن القيمة. فالديموقراطية هي في واقع الأمر اتفاق على مجموعة من الإجراءات تمكن من خلالها معرفة رأي الأغلبية، وجوهر هذه الإجراءات كمي، أي حساب عدد الأصوات المؤيدة والمعارضة، فإن زادت الأصوات المؤيدة عن الأصوات المعارضة ولو صوتاً واحداً تم تمرير مشروع القانون، وإن نقصت ولو صوتاً واحداً رُفض المشروع. فالاتفاق هنا اتفاق بشأن الإجراءات وحسب (وقوانين اللعبة، كما تُسمَّى) ، وليس متصلاً بمضمونها أو اتجاهها، فهذه أمور تحددها العملية الديموقراطية نفسها، دون الالتزام بأية قيم أو مرجعيات مسبقة، أي أن الديموقراطية تدور في إطار النسبية الكاملة ولا تتقيد بأية قيم أخلاقية مطلقة. ومن ثم سُمِّيت الأخلاق الحاكمة للديموقراطية بأنها «أخلاقيات الإجراءات والصيرورة» (بالإنجليزية: إثيكس أوف بروسيس ethics of process) . فالديموقراطية، شأنها شأن الترشيد الإجرائي، معقمة من الميتافيزيقا والكليات والمطلقات والثوابت. فكما أن العلم انفصل عن الغائيات والقيم الإنسانية وأصبح مرجعية نفسه، انفصلت الإجراءات الديموقراطية عن الغائيات والقيم الإنسانية وأصبحت مرجعية ذاتها، ولا يمكن محاكمتها من خلال مرجعية متجاوزة لها.

والقضية التي تثيرها النازية هي أن هتلر وصل إلى الحكم من خلال إجراءات ديموقراطية سليمة، تماماً كما أن المشروع الإمبريالي الغربي قامت به حكومات تم انتخابها بطرق ديموقراطية سليمة. ومن المعروف أن عمليات السخرة والإبادة التي قام بها النظام النازي كانت تحظى بموافقة الأغلبية الساحقة للشعب الألماني. وهذا لا يختلف كثيراً عما حدث في الولايات المتحدة حينما قامت الحكومة الأمريكية بوضع ألوف المواطنين الأمريكيين من أصل ياباني في معسكرات اعتقال إبَّان الحرب العالمية الثانية كإجراء أمني، وقد حظى القرار العنصري الإرهابي بموافقة الأغلبية. وتصبح القضية أكثر خطورة حينما تظهر بين جماهير الشعب نزعات عسكرية وإمبريالية تتجاوز طموحات النخبة الحاكمة، الأمر الذي يضطرها إلى القيام بعمليات عسكرية عدوانية لتحظى برضى الجماهير. ويُلاحَظ أثناء حملات الرئاسة الأمريكية أن حكومة الولايات المتحدة تأخذ مواقف عسكرية متشددة قد لا تضطر لاتخاذها بعد الانتخاب. وتظهر المشكلة بشكل أكثر حدة حينما يرى أحد الشعوب أن قطاع الاتجار في المخدرات هو عصب اقتصادها الوطني، وتُنتخب حكومة تدافع عن مثل هذه السياسة. ومؤخراً رشحت إحدى نجمات أفلام الإباحية نفسها في انتخابات البرلمان الإيطالي، وكانت حملتها الانتخابية تتلخص في خلعها لملابسها لإقناع وإغواء الناخبين (وقد نجحت في حملتها وتم انتخابها بالفعل بتفوق) . وفي الجيوب الاستيطانية، مثل إسرائيل وجنوب أفريقيا، عادةً ما تحكمها حكومات تم انتخابها بطريقة ديموقراطية لا شبهة فيها، وهذه الجيوب تستند إلى فعل سرقة تاريخي تقبل به أغلبية المستوطنين الساحقة، وتصوت (بل تقاتل) من أجل استمراره. ففعل الاغتصاب الإرهابي يحظى بدعم سياسي وقبول ديموقراطي.

والسؤال الآن هو: هل علينا أن نقبل بمثل هذه القرارات (ابتداءً من الإبادة النازية وانتهاءً بقبول المخدرات والإباحية واغتصاب الأوطان) باعتبار أنها تعبير عن إرادة الشعب وصوت الجماهير طالما أنها اتبعت الإجراءات الديموقراطية السليمة، أم ينبغي علينا أن نرفض مثل هذه القرارات الديموقراطية، استناداً إلى مرجعية أخلاقية متجاوزة للإجراءات الديموقراطية؟ ولكن هل يحق لنا أن نسأل أي سؤال يقع خارج نطاق أخلاقيات الإجراءات والصيرورة؟ ألا يُشكِّل هذا سقوطاً في الميتافيزيقا والماهوية والمطلقية؟
توظيف الإبادة
‏Instrumentalization of the Holocaust

تتسم المجتمعات الغربية الحديثة بمقدرتها الفائقة على حوسلة كل شيء، دون أي اعتبار لقداسة أو محرمات، ويحدث الشيء نفسه بالنسبة للإبادة. وتبدأ عملية توظيف الإبادة ـ على يد الصهاينة ـ بمحاولتهم فرض معنى صهيوني ضيق علىها باعتبارها جريمة العصر التي ارتكبها الألمان والأغيار ضد اليهود فحسب. ثم تُعطي واقعة الإبادة مكانة محورية في تاريخ أوربا وتاريخ العالم. ولذا صدرت عشرات الأفلام والدراسات والأعمال الفنية لحفر الإبادة في الذاكرة باعتبارها واقعة حدثت لليهود وحدهم، لا باعتبارها جريمة ارتكبتها الحضارة الغربية ضد قطاعات كبيرة من سكانها. وقد دخلت دراسة الهولوكوست عشرات الجامعات والكليات الأمريكية، وأُقيمت نصب تذكارية للإبادة بالعبرية والإنجليزية في واشنطن ونيويورك ولوس أنجلوس وغيرها. وأنشأت الحكومة الأمريكية المجلس الأمريكي للتذكير بالإبادة، وتم إنشاء متحف تُخلَّد فيه ذكرى الإبادة النازية في واشنطن بجوار المتاحف القومية الأمريكية. وباسم الإبادة، حاولت المؤسسة الصهيونية التدخل (دون نجاح كبير) في انتخابات الرئاسة في النمسا عام 1986، واعترضت بشدة (دون نجاح مرة أخرى) على زيارة الرئيس الأمريكي ريجان لمقبرة بتبرج الألمانية التذكارية لمجرد أن بعض المدفونين فيها من رجال قوات الصاعقة النازية.
ومن أهم أشكال توظيف الإبادة لصالح الصهيونية هو استخدامها كسحابة كثيفة لتبرير الفظائع التي ارتكبتها وترتكبها الدولة الصهوينة ضد الفلسطينيين. كما تُوظَّف الإبادة في جمع التعويضات التي تمول الكيان الاستيطاني الصهيوني (بلغ حجم التعويضات الألمانية وحدها 70 بليوناً من الدولارات في 35 عاماً) . ومن المعروف أن هذه التعويضات التي تلقتها الدولة الصهيونية انعشت الاقتصاد الإسرائيلي، ومكنت الدولة الصهيونية من شراء مزيد من الأسلحة والمستوطنات والقنابل العنقودية!

والتعويضات تعني، في واقع الأمر، حصول إسرائيل (وبعض أعضاء الجماعات اليهودية) على مقابل مالي تعويضاً عن الآلام التي لحقت بهم. وهذا يخفف من البُعد الأخلاقي للقضية، إن لم يكن يلغيه. ففي موقف مماثل رفضت الصين أن تتقاضى تعويضات مالية من اليابان على جرائمها ضد الصينيين باعتبار أن قبول التعويضات فيه تنازل عن الحق الأدبي، وفيه تخلٍّ عن المنظور الأخلاقي (المطلق) حيث تتحول القضية إلى ما يشبه المقايضة.
ومن الواضح أن عملية توظيف الإبادة تتم من منظور نفعي مادي انتقائي محض، لا علاقة له بالقيم الأخلاقية. وفي هذا الإطار يثير بعض الدارسين قضية علاقة الدولة الصهيونية مع بعض الشخصيات والدول التي كانت لها علاقة بالنظام النازي. إذ لا تُمانع إسرائيل البتة في توثيق علاقتها مع بعض حكومات دول أمريكا اللاتينية التي تأوي مجرمي الحرب النازيين (الذين تزعم إسرائيل أنها تطاردهم في كل زمان ومكان!) مادام هذا يخدم مصلحتها. وقد تعاونت إسرائيل مع حكومة جنوب أفريقيا العنصرية التي كانت معروفة بتعاطفها الكامل مع النظام النازي. وقامت باستضافة رئيس وزراء جنوب أفريقيا السابق، بلثازا فورستر، وهو جنرال سابق في الحركة الوطنية في جنوب أفريقيا الموالية للنازيين والتي كانت تقاوم المجهود الحربي للحلفاء، وقد اعتُقل لمدة عشرين شهراً بسبب اشتراكه في المقاومة. ورغم مرور عشرات السنين إلا أنه لم يُنكر موقفه الموالي للنازية. وقد سمحت له الحكومة الصهيونية بوضع إكليل من الزهور على ياد فاشيم (النصب التذكاري) المقام لضحايا الإبادة النازية لليهود، الأمر الذي دفع جريدة الجيروساليم بوست (الصهيونية) إلى الاحتجاج وإلى الإشارة إلى الحقيقة البدهية التي أغفلتها إسرائيل وهي أن اليهود ينبغي عليهم ألا يرتبطوا بأحد المؤيدين السابقين للنازية.

وفي مجال توظيف الإبادة يلجأ الصهاينة أحياناً لاختلاق القصص أو تزييف الحقائق كما حدث في حادثة آن فرانك (1929 ـ 1945) ، وهي فتاة ألمانية هاجرت إلى هولندا مع أسرتها بعد وصول هتلر إلى السلطة في عام 1933. وحينما قرر النازيون إرسال أختها إلى معسكرات العمل، اضطرت هي وأسرتها إلى الاختباء، فعاشوا في مخبئهم ما يزيد على عام، ثم أُلقي القبض عليهم ورُحِّلوا إلى معسكرات الاعتقال حيث لقيت آن وأختها حتفهما بسبب المرض.
ويُقال إن آن فرانك كتبت، أثناء فترة اختبائها، مذكراتها التي نُشرت بعد الحرب وتُرجمت إلى الإنجليزية. وهناك الكثير من الشكوك التي تحيط بهذه المذكرات إذ يُقال إنها لم تكتبها بنفسها بل كتبها أبوها (أو بعض من حوله) بعد موتها بطريقة مثيرة ليحقق من ورائها ربحاً مالياً. ولهذا فهي لا تُعتبَر وثيقة تاريخية يُعتد بها. ومع أنها ليست ذات قيمة أدبية كبيرة، إلا أنها أصبحت مصدراً لعدة أفلام ومسرحيات. كما غدت آن فرانك إحدى الأساطير التي تُستخدَم لتحويل الإبادة النازية من جريمة غربية ضد قطاعات بشرية عديدة داخل التشكيل الحضاري الغربي (تضم السلاف والغجر والجماعات اليهودية) إلى جريمة ألمانية ضد اليهود وحسب. وأصبح المنزل الذي اختبأت فيه أسرة فرانك متحفاً.

وتحاول الدعاية الصهيونية توظيف واقعة الإبادة في تعبئة أعضاء الجماعات اليهودية (باعتبارهم الضحية الوحيدة) وراء الأهداف الصهيونية. ولتحقيق هذا يحاول الصهاينة أن يجعلوا من الإبادة حجر الزاوية الذي تستند إليه الوحدة بين يهود العالم في إسرائيل وخارجها. فالإبادة، بعد فرض المعنى الصهيوني عليها، تنهض دليلاً على رفض العالم لليهود، وعلى أن الأغيار يتربصون دائماً بالضحية اليهود الذين يُقدَّمون قرباناً على المحرقة. وهذا تأكيد للمقولة الصهيونية الخاصة بأزلية معاداة الأغيار لليهود وحتميتها، ومن ثم يتعيَّن على يهود العالم الهجرة إلى الوطن القومي. (ولكن يهود العالم، مع هذا، يتصرفون على أساس أن الإبادة أمر مستحيل الوقوع مرة أخرى، ومن الصعب أن يخطط المرء على أساس حادثة استثنائية وفريدة) .

ويحاول الصهاينة تقديم قراءة كاملة لما يسمونه «التاريخ اليهودي» بحيث تصبح الإبادة أهم معلم فيه، فيُقال «قبل الإبادة» و «بعد الإبادة» ، تماماً مثل «قبل هدم الهيكل» و «بعد هدم الهيكل» . ويُشار للإبادة بأنها «حُربان» وهي كلمة عبرية تستخدم للإشارة إلى «هدم الهيكل» . والإبادة هي إذن هدم الهيكل للمرة الثالثة، الأمر الذي يدخلها دورة التاريخ اليهودي المقدَّس. بل يذهب بعض المفكرين الدينيين اليهود إلى أن الإبادة غيَّرت من النسق الديني اليهودي ذاته. ولذا، فإن من الضروري، حسب رأيهم، الحديث عن «لاهوت ما بعد أوشفيتس» ، أو «لاهوت الإبادة» الذي يرى حادثة الإبادة باعتبارها حادثة مطلقة لا يمكن فهمها، وهي أكثر الحوادث أهمية وقداسة، ويصبح الشعب اليهودي هو المسيح المصلوب. وينادي هؤلاء المفكرون بحتمية أن تصبح الإبادة هي المرجعية الأساسية لليهود، ومن ثم ضرورة مناقشة مدى عدالة الرب، وهل هو رب خيِّر أم شرير، وهل يتدخل في التاريخ بمنحه الغرض والغاية أم يترك التاريخ في حالة فوضى كاملة؟ كما أن البقاء (بقاء الشعب اليهودي) يصبح هو المطلق الوحيد الذي يَجُبُّ سائر الاعتبارات الأخلاقية الأخرى ويصبح النقطة المرجعية النهائية الوحيدة. ويساعد التركيب الجيولوجي لليهودية على السماح بإفراز مثل هذه الأفكار وإعطائها قسطاً من الشرعية. (ومما يجدر ذكره أن الجماعات الأصولية ذات التوجه الصهيوني المسيحي الواضح ترى أن الإبادة هي بالفعل دليل على أن الرب قد هجر اليهود بسبب الذنوب التي اقترفوها) .

ويذهب بعض المفكرين الدينيين اليهود (الأرثوذكس) إلى أن الإبادة ذات مغزى ديني عميق، فيرى بعضهم أن إبادة اليهود هي هدم الهيكل الثالث وأن هتلر هو أداة الخالق في حرق اليهود، كما يذهبون إلى أنهم بمثابة الماشيَّح المذبوح الذي سيُولَد العالم من جديد بعد ذبحه. (ولكن هناك رأي مغاير لهذا، إذ يذهب بعض الحاخامات [مثل مناحم هارتوم وإليعازر شاخ، الأب الروحي لحزبي شاس وديجيل هاتورا] إلى أن الإبادة لها حقاً مغزى ديني ولكنها عقاب على خطيئة اليهود لابتعادهم عن تنفيذ الأوامر والنواهي، وسوف يقوم الإله بتدميرهم مرة أخرى إن لم يندموا ويعودوا عن طريق المعصية) .
وقد جعلت المؤسسة العسكرية الخوف من الإبادة أحد أسس الإستراتيجية الصهيونية، فقد أشار كل من أبا إيبان ورابين إلى حدود إسرائيل قبل عام 1967 بأنها «حدود أوشفيتس» . وهناك قدر كبير من الادعاء في هذه التشبيهات وصل إلى قمته حينما قال مناحيم بيجين إن ياسر عرفات حينما كان مُحاصَراً في بيروت يشبه هتلر في مخبئه، فالقائد الفلسطيني المحاصر والذي اغتُصبت أرض شعبه يشبه القائد النازي المُحاصَر الذي جيَّش جيوشه وأرسلها إلى الشعوب المجاورة ليستولي على أراضيها ويستعبدهم أو يبيد أعداداً منهم. وفي هذا تزييف كامل للحقائق، ولكن هذه هي عقلية العنصري الفاشي الذي يرى أنه عضو في الشعب المختار، ولذا فهو دائماً مضطهد، حتى حينما يقوم بتدمير الآخرين.

وقد نجح الصهاينة في ترسيخ واقعة الإبادة النازية ليهود أوربا في وجدان الأغلبية العظمى من الإسرائيليين. فالصحف لا تكف عن الكتابة عنها. وهناك يوم محدَّد لإحياء ذكرى الإبادة يُسمَّى «يوم الذكرى (يوم هازكرون) » ويقع في يوم 4 ايار، أي قبل عيد الاستقلال والذي يقع في يوم 5 آيار (وهو اليوم الذي يحتفل فيه المستوطنون بإنشاء الدولة الصهيونية على أرض فلسطين بعد طرد سكانها منها) . ويبدأ اليوم بإطلاق صفارة إنذار في كل أنحاء الدولة في مغرب اليوم السابق فتُنكس الأعلام، وتُغلَق دور اللهو بأمر القانون، وتُقام الصلوات في المعابد اليهودية وتُوقد الشموع فيها، كما تُعلن صفارات الإنذار في الصباح عن دقيقتين حداداً يتوقف فيهما النشاط تماماً في الدولة الصهيونية بكاملها. ثم تُطلَق صفارة إنذار أخرى للإعلان عن انتهاء اليوم وبداية عيد الاستقلال. وقد لاحَظ الفيلسوف الديني الإسرائيلي اليهودي يشياهو لابيوفيتش أن الاحتفال بيوم الذكرى يزداد حدة عاماً بعد عام لأن قائمة أسماء الضحايا تزداد يوماً بعد يوم. بل تؤكد بعض الأبحاث الإسرائيلية أن شبح الكارثة لا يزال منعكساً وجاثماً على عقل الإسرائيليين من الجيل الثاني. ويرى واحد وستون بالمائة من الإسرائيليين أن الكارثة كانت عنصراً أساسياً من عناصر قيام الدولة الإسرائيلية والمسوغ الأساسي له. ويعتقد اثنان وستون بالمائة أن قيام الدولة الإسرائيلية يمنع حدوث كارثة مماثلة في المستقبل.

ومما لا شك فيه أن الإحساس بخطر الإبادة إحساس حقيقي متجذر في الوجدان الإسرائيلي. ولكننا نذهب إلى أن أساسه الحقيقي ليس خطر الإبادة على يد النازيين، وإنما هو الطبيعة الاستيطانية للتجمع الصهيوني الذي لم يضرب بجذوره في المنطقة، وبخاصة أن أصحاب الأرض الأصليين لم تتم إبادتهم، بل لم يكفوا عن المقاومة، الأمر الذي يخلق عند الإسرائيليين ما نسميه «عقدة الشرعية» والخوف الدائم من عودة صاحب الأرض الذي يؤكد حضوره كذبهم (أرض بلا شعب) ، بل قد يؤدي إلى غيابهم في نهاية الأمر. ولكن بدلاً من أن يواجه المستوطنون حقيقة وضعهم كمستوطنين ومغتصبين للأرض، وبدلاً من أن يدركوا الأصل الحقيقي لمشاعرهم ومخاوفهم، فإنهم يتجاهلونها ويفرضون عليها هذا التفسير الصهيوني. فالإدراك الحقيقي سيُفقدهم ثقتهم بأنفسهم وإحساسهم بشرعية وجودهم وأخلاقيته، أما التفسير الصهيوني فسيسبغ عليهم المزيد من الشرعية وسيزيد إصرارهم على حقهم في البقاء وإبادة كل من يقف في طريق الضحية الوحيدة للمجازر؛ المهددة دائماً وأبداً بالإبادة!
وقد لاحظ بعض التربويين أن هذا التركيز على فكرة الإبادة، كفكرة رئيسية في وجدان أعضاء الجماعات اليهودية داخل وخارج إسرائيل، يسبب لهم مشاكل نفسية عميقة، إذ لا يمكن أن يعيش الإنسان حياة نفسية سوية، وسط بلاد العالم أو بين أحد الشعوب، وهو يعتقد أنهم قد يبيدونه تماماً في أية لحظة وأنه الضحية الوحيدة. ولذا، بدأت ترتفع أصوات للتحذير من خطورة هذا الاتجاه. ولكن الصهيونية عقيدة تستند شرعيتها إلى الكوارث التي حاقت باليهود في الماضي والتي قد تحيق بهم في المستقبل، ومن ثم، فإن أية رؤية مُركَّبة للتاريخ تسحب هذه الشرعية منها. وعلى هذا، فليس من المتوقع أن يتغيَّر هذا الاتجاه في القريب.
احتكار الإبادة
‏Monopolizing the Holocaust

يحاول الصهاينة احتكار دور الضحية لليهود وحدهم دون غيرهم من الجماعات أو الأقليات أو الشعوب، بحيث تُصوَّر الإبادة النازية باعتبارها جريمة موجهة ضد اليهود وحدهم. ولهذا يرفض الصهاينة والمدافعون عن الموقف الصهيوني أية محاولة لرؤية الإبادة النازية باعتبارها تعبيراً عن نمط تاريخي عام يتجاوز الحالة النازية والحالة اليهودية. كما يرفض الصهاينة تماماً محاولة مقارنة ما حدث لليهود على يد النازيين بما حدث للغجر أو البولنديين على سبيل المثال، أو بما حدث لسكان أمريكا الأصليين على يد الإنسان الأبيض أو ما يحدث للفلسطينيين على أيديهم.
وتثبت الدراسات التاريخية أن الإبادة النازية لم تكن موجهة ضد اليهود وحسب، فعدد ضحايا الحرب العالمية الثانية من جميع الشعوب الأوربية يبلغ ما بين خمسة وثلاثين وخمسين مليوناً. وأظهر معرض لحكومة بولندا كان يطوف أمريكا عام 1986 أن أكبر معسكرات الاعتقال هو أوشفيتس وأن التركيز النازي كان أساساً على البولنديين والاشتراكيين واليهود والغجر (بهذا الترتيب) لتفريغ بولندا جزئياً وتوطين الألمان فيها.

وتوحي الأدبيات الصهيونية بأن العالم كله تجاهل اليهود وتركهم يلاقون حتفهم ومصيرهم وحدهم. ولكن من الواضح أن المسألة أكثر تركيباً من ذلك بكثير. فصحيح أن بعض الشعوب ساعدت النازيين، كما حدث في النمسا، ولكن البعض الآخر ساعد اليهود وآواهم كما حدث في بلغاريا (خصوصاً بين أعضاء الجماعة الإسلامية) وفي الدنمارك وفنلندا ورومانيا وإيطاليا وهولندا. وفي فرنسا، تم تسليم خمسة وسبعين ألف يهودي للقوات النازية، ولكن تمت، في الوقت نفسه، حماية أضعاف هذا العدد. كما رفض السلطان محمد الخامس تطبيق القوانين النازية على يهود المغرب رغم مطالبة حكومة فيشي الفرنسية بذلك. ولا يمكن أيضاً تجاهل جهود الحكومة السوفيتية في نقل مئات الآلاف من اليهود بعيداً عن المناطق التي احتلها النازيون (رغم تحالفها في بداية الأمر مع هتلر) . وتتجاهل التواريخ الصهيونية كل هذا، تماماً مثلما تتجاهل العلاقة الفكرية والفعلية بين النازية والصهيونية والزعامات الصهيونية التي تعاونت مع النازيين.

ولكن هناك من يتحدى هذا الاحتكار الصهيوني للإبادة، وقد بدأت الكنيسة الكاثوليكية المواجهة حين قامت بتنصيب الأخت تريزا بنديكتا قديسةً. والأخت تريزا هي إيديث شتاين سكرتيرة الفيلسوف الألماني مارتن هايدجر، وكانت يهودية. وعندما قرأت قصة حياة القديسة تريزا شعرت بإحساس ديني غامر وتنصرت وتكثلكت ثم ترهبنت، وقام النازيون باعتقالها وقتلها. ويُصر الصهاينة على أن سبب قتلها هو كونها يهودية بينما ترى الكنيسة أنها راهبة كاثوليكية استُشهدت من أجل عقيدتها. والحادثة الثانية هي الخاصة بدير الراهبات الكرمليات في أوشفيتس، الذي طالب اليهود بإزالته وتمسكت المؤسسة الكاثوليكية في بولندا بالإبقاء عليه. وقد قامت معركة إعلامية ساخنة بين الطرفين. وكتب باتريك بيوكانان (الصحفي والمرشح الجمهوري في انتخابات الرئاسة الأمريكية عام 1996) ما نتصور أنه خير احتجاج على هذا الموقف في مقال بعنوان «الكاثوليك ليسوا بحاجة إلى محاضرات في الأخلاق من سفاح عصابة شتيرن السابق» جاء فيه:
"وفي متحف المذبحة النازية، هناك ثلاثة ملايين يهودي بولندي سيظلون في الذاكرة، ولكن ماذا عن ثلاثة ملايين تقريباً من الأوكرانيين والصرب والليتوانيين والمجريين واللاتفيين والإستونيين، نُحروا في ساحات القتل على أيدي الوثنيين العنصريين في برلين وعلى أيدي الملحدين المتعاونين معهم في موسكو؟ وما الذي يتطلبه الأمر حتى يكون المرء ضحية من الدرجة الأولى؟
فإذا كانت ذكرى الضباط اليهود الذين ماتوا إلى جانب إخوانهم الكاثوليك في كاتين قد خُلدت بنجمة داود، فلماذا لا يتم تخليد ذكرى المليون كاثوليكي الذين أفنُوا في أوشفيتس بصليب؟ وإذا كان التذكار حيوياً، فلماذا يُستثنى المسيحيون؟ ".

ونحن، بطبيعة الحال، نرى أن الإبادة لم تكن موجهة ضد اليهود وحسب، وإنما ضد سائر العناصر التي اعتُبرت، من منظور النازية، غير نافعة، خصوصاً وأنه لو انتصرت قوات روميل في العلمين لامتدت آلة الفتك النازية إلى أعراق يعتبرها النازيون متدنية (مثل العرب) . ومن ثم، فإن احتكار الصهاينة واقعة الإبادة ليس له ما يبرره في الواقع التاريخي.
إنكار الإبادة والخطاب الحضاري الغربي
‏Denial of the Holocaust and Western Cultural Discourse
«إنكار الإبادة» مصطلح يتواتر الآن في الصحف الغربية وفي بعض الأدبيات الخاصة بالإبادة النازية لليهود، وهو يشير إلى أي كتاب أو مؤلف تجرَّأ صاحبه وكتب دراسة (علمية أو غير علمية) تطعن فيما ذهب إليه الكثيرون من أن عدد ضحايا النازية من اليهود ستة ملايين، أو تثير الشكوك بخصوص أفران الغاز وغاز زيكلون بي. وقد صدرت في السنوات الأخيرة عدة كتب ودراسات تدور حول هذا المحور:
1 ـ كتب بول راسينيه Paul Rassinier في الخمسينيات دراسة ضخمة بعنوان أسطورة غرف الغاز. وكان المؤلف قد رُحِّل إلى أحد معسكرات الاعتقال. وفند في كتابه وجود مثل هذه الغرف أساساً وبيَّن أنها أكذوبة تاريخية وأورد إحصاءات ديموجرافية (رسمية) عن عدد اليهود في كل أوربا قبل الحرب وبعدها، وعقب صدور الكتاب حُوكم راسينيه وناشره وعُوقب بالسجن (مع إيقاف التنفيذ) كما فُرضت عليه غرامة مالية فادحة.
2 ـ من أهم الكتب التي صدرت في هذا المجال كتاب البروفسور آرثر باتس Arthur Butz الأستاذ بجامعة نورث ويسترن أكذوبة القرن العشرين الذي يثير الشكوك حول عملية الإبادة نفسها. ولا يزال البروفسير باتس يُدرِّس في الجامعة في الولايات المتحدة.
3 ـ أصدر روبير فوريسون R. Faurisson (أستاذ الأدب في جامعة ليون) سلسلة مقالات ثم مؤلفاً كبيراً كتب مقدمته اللغوي الأمريكي الشهير نعوم تشومسكي يثبت أنه لم تكن هناك أصلاً أفران غاز.

4 ـ تقدَّم هنري روكيه Henri Roquesبرسالة للدكتوراه إلى جامعة نانت يُشكك فيها في وجود غُرف الإعدام بالغاز «زيكلون بي» . وقد أجازت الجامعة الرسالة ومنحته الدرجة العلمية بامتياز. ولكن الحكومة الفرنسية ألغت قرار اللجنة وسحبت منه الدرجة. ويُعَدُّ هذا التدخل سابقة ليس لها مثيل في تاريخ الجامعات الفرنسية الذي يمتد ألف عام.
5 ـ أصدر ستاجليش Staglish، أحد قضاة مدينة هامبورج، كتاباً بعنوان أسطورة أوشفيتس. والكتاب هو رسالة للدكتوراه كان القاضي قد قدمها إلى جامعة جوتينجن، وتوصَّل فيها إلى أن كثيراً من النصوص وشهادات الشهود بخصوص معسكر أوشفيتس أو عما كان يجري فيه غير صحيح بالمرة ومليئة بالتناقضات. وقد أُجيزت الدكتوراه بالفعل. وما إن صدر الكتاب حتى قررت الجامعة سحب الدكتوراه من الرجل. كما أصدرت السلطات القضائية قراراً بخصم 10% من راتبه.
6 ـ يتعرض المؤرخ البريطاني ديفيد إيرفينج David Irving للمطاردة منذ نهاية الثمانينيات لأنه ينكر الإبادة رغم أن مجلة ذا نيويورك ريفيو أوف بوكس The New York Review of Books وصفته بأنه "يعرف عن الاشتراكية الوطنية (أي النازية) أكثر من أي عالم آخر متخصص في هذا الحقل، وأشارت إلى كتابه عن حرب هتلر بأنه أحسن دراسة عن الجانب الألماني في الحرب". ورغم كل هذا طُرد من كندا وبعد ذلك من أستراليا، ومُنع من إلقاء محاضراته فيهما. وأصدرت إحدى المحاكم الألمانية حكماً بتغريمه عشرة آلاف مارك لمجرد أنه نفى أن اليهود كانوا يموتون في غرف الغاز في معسكر أوشفيتس.

وقد وصل هذا الاتجاه إلى ذروته (أو هوته) مع صدور قانون فابيوس (رقم 43) في مايو 1990 المسمى «قانون جيسو» (وهو اسم النائب الشيوعي الذي َتبنَّى هذا القانون) . ويُحرِّم هذا القانون أي تشكيك في الجرائم المقترفة ضد الإنسانية بإضافة المادة 24 مكرر إلى قانون حرية الصحافة عام 1881، جاء فيها: "يُعاقب بإحدى العقوبات المنصوص عليها في الفقرة السادسة من المادة 24، كل من ينكر وجود أي من الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية كما وردت في المادة 6 من النظام الأساسي للمحكمة العسكرية الدولية الملحق باتفاق لندن الموقع في 8 أغسطس 1945".
وقد يظن المرء لأول وهلة أن كل القضايا المرتبطة بالإبادة النازية مثل: هل هي حقيقة أم مجرد اختلاق؟ وعدد الضحايا اليهود، وهل يبلغ عددهم ستة ملايين بالفعل أم أنه أقل من ذلك بكثير؟ هي قضايا تم حسمها تماماً في الأوساط العلمية. وقد يظن المرء كذلك أن الدراسات السابقة هي دراسات عنصرية تآمرية كتبها مهيجون يحاولون إثبات أن اليهود وراء كل الشرور والجرائم. ولكن الأمر أبعد ما يكون عن ذلك، فهي دراسات علمية، ذات مقدرة تفسيرية معقولة تتناول قضايا خلافية. وهي دراسات تطرح وجهة نظر قد تكون متطرفة أو خاطئة (والوصول إلى قدر من الحقيقة في مثل هذه الأمور الخلافية أمر جد عسير) ، إلا أنها تدلل على وجهة نظرها من خلال الأرقام والحقائق والمعلومات. ومما لا شك فيه أن هناك المئات من الكتب الأخرى التي كتبها بعض المؤلفين العنصريين، ومثل هذه الكتب لا تستحق القراءة لأنها كتابات عصبية متشنجة لا تبرهن على وجهة نظرها بطريقة علمية تفسيرية هادئة.

ولكن الإعلام الغربي والصهيوني يُهاجم هذه الكتب بشدة، العلمي منها وغير العلمي، ويشجبها بعصبية واضحة، ويهيج ضدها بطريقة غوغائية، ويوجه الاتهام لكل من تسول له نفسه أن يُنكر الإبادة أو يثير الشكوك حول موضوع الملايين الستة حتى لو كان من العلماء المتخصصين، مع العلم بأن هناك دراسات كتبها علماء إسرائيليون يُعبِّرون فيها عن شكوكهم بخصوص رقم ستة ملايين. ولعله كان من الأجدى أن يميِّز الإعلام الغربي بين الدراسات العلمية والدراسات غير العلمية، وأن يُخضع الدراسات العلمية للنقد العلمي الهادئ، وأن يُطالب بفتح كل الملفات السرية والأرشيفات الغربية والشرقية لنتبيَّن مدى صحة هذه الأطروحات. وقد أصبح هذا متيسراً بعد سقوط الاتحاد السوفيتي إذ أصبحت وثائقه متاحة للدراسة. ولعل حالة ديمانجوك الذي اتُهم بأنه «إيفان الرهيب» ، الذي اشترك في إبادة اليهود وغيرهم في معسكر تربلينكا، تكون مثلاً على الخطوات المطلوب اتخاذها. فقد كانت كل الدلائل التي جمعها الأمريكيون والإسرائيليون تبيِّن أن ديمانجوك هو إيفان الرهيب، وأصدرت المحاكم الإسرائيلية حكماً ضده بالفعل. ولكن، بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، ظهرت وثائق تبيِّن بما لا يقبل الشك أن هناك شخصاً آخر هو الذي قام بعمليات الإبادة فأُفرج عن ديمانجوك.
ومن الصعب فهم تلك الاستجابة الهستيرية لدى الإعلام الغربي والصهيوني إزاء عمليات إثارة الشكوك حول الإبادة وعدد الستة ملايين، ومع هذا فلنحاول تناول هذه الظاهرة غير العقلانية. ونحن نذهب إلى أن الخطاب الحضاري الغربي له حدوده التي يفرضها على عملية الإدراك. فقد قام الغرب بتحديد معنى الإبادة النازية لليهود ومستواها التعميمي والتخصيصي، فقام باختزالها وفرض منطق غربي ضيق عليها من خلال التلاعب بالمستويات التعميمية والتخصيصية، ومن خلال نزعها من سياقها الغربي، الحضاري والسياسي الحديث.

1 ـ بالنسبة للمسئول عن الجريمة: تُخضَع الإبادة النازية لعمليتين متناقضتين:
أ) يتم تضييق نطاق المسئولية إلى أقصى حد بحيث تصبح الإبادة النازية جريمة ارتكبها الألمان وحدهم ضد اليهود.
ب) يتم توسيع نطاق المسئولية إلى أقصى حد بحيث تختفي كل الحدود وتصبح الإبادة النازية ليهود أوربا جريمة كل الأغيار بشكل مطلق، أو جريمة كلٍّ من الألمان والأغيار، أو الألمان باعتبارهم أغياراً، أو الألمان بموافقة وممالأة الأغيار.
2 ـ بالنسبة للضحية: تُخضَع الإبادة كذلك لعمليتين متناقضتين:
أ) يتم تضييق نطاق الجريمة إلى أقصى حد بحيث تصبح جريمة موجهة ضد اليهود وحدهم، لا ضد الملايين من اليهود وغير اليهود (من الغجر والسلاف وغيرهم) .
ب) يتم تعميم الجريمة إلى أقصى حد بحيث تصبح جريمة موجهة ضد اليهود، كل اليهود، لا يهود العالم الغربي وحسب.

وبعد أن تم تعريف الإبادة بهذه الطريقة، وبعد أن تم التلاعب بالمستويات التعميمية والتخصيصية وضبطها بما يتفق مع مصلحة الغرب، قام الغرب بأيقنة الإبادة، أي جعلها مثل الأيقونة تشير إلى ذاتها حتى لا يمكن التساؤل بشأنها، فهي مصدر المعنى النهائي. وكما قال دان داينر إن أوشفيتس هي أرض لا يمتلكها أحد، هي فراغ يبتلع كل التفسيرات التاريخية (فهو يشبه الثقوب السوداء التي تتحطم فيها قوانين الضوء والزمان) . فأوشفتس هو "المعيار المطلق الذي يُحكَم من خلاله على التاريخ، ولا يمكن أن يصبح هو نفسه جزءاً من التاريخ"، وهو كلام لا معنى له بطبيعة الحال، فأوشفيتس حدث تاريخي، وقع في الزمان، ولا يصلح أن يكون معياراً أخلاقياً أو تاريخياً يُحكم به على كل الأمور الإنسانية في كل زمان ومكان (ألا يشكل هذا قمة التمركز الأوربي حول الذات [بالإنجليزية: إيورو سنترستي Euro-Centricity] ) . ولكن مثل هذا الكلام الأجوف له معنى داخل الخطاب الحضاري الغربي بسبب عملية الأيقنة التي أشرنا لها (وتجدر ملاحظة أن الأيقنة ليست مقصورة على المفكرين اليهود وإنما تشمل أعداداً كبيرة من غير اليهود) . فالإبادة بهذا المعنى أصبحت من المسلمات، التي تُشكِّل فَهْم الإنسان الغربي المسبق، شأنها في هذا شأن مقولة " عبء الرجل الأبيض " في القرن التاسع عشر، وشأن إحساس الغرب بمركزيته في القرن العشرين أو الإيمان بالتقدم المادي وتحقيق الذات باعتبارهما الغاية النهائية لوجود الإنسان في الأرض. والمسلمات هي الركيزة الأساسية للنموذج، فهي التي تحدد حلاله وحرامه، وما هو مقدَّس وما هو مدنَّس. ومن ثم أصبح التساؤل بشأن الإبادة هو تساؤل بشأن إحدى المسلمات (المقدسات أو المطلقات، إن شئت) وهو ما لا يمكن لأية حضارة، مهما بلغت من سعة صدر وليبرالية وتعددية قبوله.

وقد يُقال إنهم في الغرب ينتجون أفلاماً تُعرِّض بالسيد المسيح عليه السلام مثل فيلم سكورسيزيScorsese "الإغواء الأخير للمسيح"، وأعمالاً فنية مثل لوحة الفنان أندريه سيرانو Andre Serrano الشهيرة بعنوان "فلتتبول على المسيح" (Piss Christ) حيث وَضَع الفنان صورة المسيح على الصليب في البول، وعرضها في معرض قامت الدولة بتمويله، إن كانوا يفعلون ذلك فلم لا يقبلون بفتح ملفات الإبادة؟ والرد على هذا هو أن السيد المسيح لم يعد ضمن المقدسات، أما الإبادة فقد أصبحت كذلك. وقل الشيء نفسه عن الشذوذ الجنسي، فحتى الستينيات كان الخطاب الغربي يرى أن ثمة معيارية ما وثمة انحراف عنها، ولهذا كان هناك مفهوم للشذوذ والانحراف، ولكن مع غياب المعيارية تآكل بالتالي مفهوم الشذوذ تماماً، وبالتدريج أصبح الشذوذ شكلاً من أشكال تأكيد الحرية الفردية المطلقة (التي تتجاوز أية معيارية اجتماعية) ، وتعبيراً عن حق الفرد في اختيار الهوية الجنسية التي تعجبه والتي يمكنه من خلالها تحقيق ذاته على أفضل وجه ممكن. وبذلك تحوَّل الشذوذ الجنسي من كونه انحرافاً إلى علامة من علامات التفرد وتعبيراً نماذجياً متبلوراً عن المنظومة الحضارية والأخلاقية السائدة في المجتمع في تمركزها حول الذات والمتعة (وفي عدم اكتراثها بالقيم الدينية والاجتماعية أو بأية ثوابت إنسانية) . وأصبح تقبل الشذوذ الجنسي علامة من علامات التحضر وسعة الأفق والتعددية، وأصبح رفضها دليلاً قاطعاً على تزمت الشخص وتطرفه بل "أصوليته".

لكل هذا أصبح من الممكن، داخل الخطاب الحضاري الغربي، ربط الشذوذ بالمقدسات العلمانية (المادية) الجديدة. وهذا بالضبط ما يفعله الروائي الأمريكي اليهودي ليف روفائيل، فهو يربط بين الشذوذ الجنسي والهولوكوست، فبطل إحدى رواياته يهودي يخاف من تأكيد الأبعاد الثلاثة لهويته: هويته اليهودية، وهويته كشاذ جنسي، وهويته كأحد ضحايا الهولوكوست. فيقوم صديقه الذي يعيش معه بتشجيعه على تجاوز مخاوفه. ومنذ عدة سنوات أُقيم مؤتمر للشواذ والسحاقيات في إسرائيل، وأقام أعضاء المؤتمر صلاة القاديش في نصب ياد فاشيم من أجل الشواذ جنسياً والسحاقيات ممن سقطوا ضحايا للاضطهاد النازي. ولا شك في أن ربط الشذوذ الجنسي بالهوية اليهودية بالهولوكوست تصدمنا، ولكن علينا أن ندرك ما هو مقدَّس وما هو مدنَّس في خطاب الآخر قبل أن نشعر بالصدمة، والهولوكوست أيقونة مقدَّسة والشذوذ أمر عادي، بل أمر محبب، ومن يدري لعله أصبح أمراً له «قداسته» الخاصة، ونحن لا نعرف بعد، إذ أننا لا نتابع ما يجري هناك بكفاءة عالية؟
ولنا الآن أن نطرح السؤال التالي: لم تم تحويل الإبادة إلى أيقونة مقدَّسة، ومسلمة نهائية؟ والإجابة على هذا السؤال تتطلب منا الانتقال من عالم القرائن والوثائق والاستشهادات إلى عالم محفوف بالمخاطر وهو عالم الخطاب الحضاري والنماذج الحضارية. ولذا سنحاول أن نقدح زناد الفكر وأن نقنع بإجابات ذات مقدرة تفسيرية معقولة وليست ذات طابع يقيني عال. وسوف نعمد بدايةً إلى استبعاد الصيغة العربية الجاهزة للإجابة على كل الأسئلة، أي «اللوبي الصهيوني» أو «المؤامرة اليهودية» أو «النفوذ اليهودي» وغير ذلك من مقولات ما أنزل الله بها من سلطان لأنها تُفسِّر كل شيء ببساطة بالغة، وما يُفسِّر كل شيء بهذه البساطة لا يُفسِّر شيئاً على الإطلاق!

ونحن نذهب إلى أن ثمة خطاباً غربياً واحداً فيما يتصل بالإبادة، يتفرع عنه الخطاب الصهيوني، وهو خطاب لا يختلف عن الخطاب الغربي العام إلا في التفاصيل، فهما يكادان يكونان وجهين لعملة واحدة، وعلاقة الواحد بالآخر هي علاقة الكل بالجزء والأصل بالفرع. وتتلخص خصوصية الخطاب الصهيوني في تعميق الجوانب اليهودية وفي إضافة ديباجات يهودية (دينية وإثنية) كثيفة. فالخطاب الصهيوني ينزع، هو الآخر، حادثة الإبادة من سياقها الحضاري والتاريخي الغربي، ويتلاعب بالمستوى التعميمي والتخصيصي، فيُحوِّل واقعة الإبادة من جريمة ارتكبتها الحضارة الغربية ضد مجموعات بشرية داخلها إلى جريمة ألمانية أو جريمة الأغيار ضد اليهود. ولكن الخطاب الصهيوني (انطلاقاً من مفهوم الشعب المختار والحلولية اليهودية التي تسبغ القداسة على اليهود) يُعمِّق عملية التخصيص فتتحوَّل الإبادة من قضية اجتماعية تاريخية إنسانية إلى إشكالية غير إنسانية تستعصي على الفهم الإنساني، وإلى سر من الأسرار يتحدى العقل، وإلى نقطة نهائية ميتافيزيقية تتجاوز الزمان والمكان والتاريخ. والاختلاف هنا هو اختلاف في الدرجة وليس في النوع، إذ تظل هناك وحدة أساسية، ولذا لا يجوز في الخطاب السياسي الغربي والصهيوني تشبيه إبادة أية أقلية بإبادة اليهود.
ويمكننا الآن أن ندرج بعض الأبعاد التي أدَّت إلى أيقنة الإبادة:
1 ـ يعيش الغرب في إطار أن الإبادة جريمة ألمانية نازية وحسب ضد اليهود وحدهم، وليست حلقة في سلسلة الجرائم الإبادية التي ارتكبتها الحضارة الغربية ضد شعوب العالم، والتي تنبع من رؤيتها النفعية المادية الإمبريالية المتجردة من القيمة. وقد استقر هذا المفهوم وأصبح إطاراً مرجعياً ينظر الإنسان الغربي إلى نفسه وإلى تاريخه من خلاله. وعملية الأيقنة تفصل هذه الجريمة عن نمط حضاري عام متكرر ولا تُذكِّر هذه الحضارة بماضيها الإبادي، كما تعفيها من مسئولية الجريمة النازية ذاتها.

ورغم أن الإبادة هي إحدى ثمرات النازية والعلم المنفصل عن القيمة، فإن عملية أيقنة الإبادة تصاحبها عملية أخرى، وهي عملية تهميش النازية ومنظومتها القيمية رؤيتها للكون، بحيث تصبح النازية وجرائمها مجرد انحراف عن الحضارة الغربية. والتخلي عن هذا الإطار (الذي يُأيقن الإبادة ويُهمِّش النازية) سيكشف فضيحة الحضارة الغربية ومسئوليتها عن هذه الجريمة البشعة المنظمة وعن غيرها من الجرائم التي هي جزء من نمط عام متكرر.
وفي هذه الإطار يمكن فهم الحرج الزائد الذي يسببه اكتشاف تورط كثير من الشخصيات الفكرية الأساسية في الحضارة الغربية (مثل هايدجر) مع النازيين، ومحاولة إخفاء هذه الحقيقة وغيرها من الحقائق (مثل تلكؤ أيزنهاور في ضرب القطارات التي كانت تقل اليهود إلى معسكرات الاعتقال والسخرة، ورفض الدول الغربية فتح أبوابها للمهاجرين) . فإبراز تورط هايدجر وغيره قد يشير إلى تورط الحضارة بأسرها وقد يقوض المعنى الغربي المفروض على الإبادة.
2 ـ لا يمكن إنكار الدور الذي يلعبه شعور الغربيين بالذنب تجاه ما حدث لليهود على يد النازيين. ولكن الإحساس بالذنب هنا يوجه نحو الأيقونة (الفريدة التي تشير إلى ذاتها) ومن ثم يتحول من إحساس خُلقي عميق ورغبة في إقامة العدل إلى حالة شعورية تدغدغ الأعصاب بل إلى مصدر راحة، إذ يمكن للإنسان الغربي أن يهنئ نفسه بأنه لا يزال يمارس مثل هذه المشاعر النبيلة. وبدلاً من أن يحفز الشعور بالذنب الإنسانَ الغربي إلى التصدي لما يجري في العالم من عمليات إبادة (تقوم بها حكوماته أو تقف موقف «الحياد» تجاهها) فإنه يتجه نحو تأكيد تفرد الهولوكوست والمبالغة في أهوالها، وبالتالي يتحول الحس الخُلقي إلى حس جمالي أو حالة شعورية لا تُترجم نفسها أبداً إلى فعل فاضل؛ إلى أمر بالمعروف ونهي عن المنكر. وأيقنة الإبادة بذلك تغطي على ما يجري من مذابح سواء في فيتنام أو البوسنة والهرسك أو الشيشان أو لبنان.

3 ـ لكن الفضيحة الأساسية التي تغطيها عملية أيقنة الإبادة النازية هي الجريمة التي ارتكبتها الحضارة الغربية في حق الشعب الفلسطيني الذي طُرد من أرضه بموجب وعد بلفور وقرار هيئة الأمم المتحدة وبدعم كل الدول الغربية. فإذا كانت الجريمة هي حقاً جريمة الألمان على وجه الخصوص أو الأغيار على وجه العموم، وضد اليهود على وجه العموم وضد اليهود وحدهم كما يدَّعي الخطاب الحضاري الغربي، فلابد إذن من حلها على مستوى عالمي وألماني، ولابد من تعويض الضحايا اليهود وحسب وإهمال الضحايا الآخرين. ومن ثم، يصبح من المنطقي أخذ (لا اغتصاب) فلسطين من "الأغيار" وردها «لليهود» بسبب الجرم الذي حاق بهم على يد هؤلاء الأغيار. كما يمكن أخذ التعويضات من الألمان وتمويل المستوطن الصهيوني باعتباره المأوى الذي "عاد" إليه ضحايا الإبادة. وإذا كانت الإبادة هي حقاً جريمة موجهة ضد اليهود وحسب، فإن المتحدثين اليهود هم وحدهم أصحاب الحق في فرض المعنى الذي يريدونه على الواقعة، وهم وحدهم أصحاب الحق في التعويض.
4 ـ ترتكز المنظومة الغربية التحديثية بأسرها إلى العلم المنفصل عن القيمة وعن الغائية الإنسانية. ورغم الإدراك المتزايد لوحشية هذا الافتراض، فإنه لا يزال هو المقولة المعرفية الحاكمة. وفتح باب الاجتهاد بخصوص الإبادة يعني في واقع الأمر فتح باب الاجتهاد بخصوص الأساس الفلسفي الذي تستند إليه الحداثة الغربية بأسرها.

5 ـ ويمكننا الآن أن نثير قضية ليست ذات علاقة مباشرة بالإبادة، إلا أنها قد تلقي الضوء على عملية أيقنتها. فالمجتمعات الغربية مجتمعات تسيطر عليها العلمانية الشاملة، وتسود فيها النسبية المعرفية والأخلاقية، ولذا فهي تعيش بلا مقدَّسات أو ميتافيزيقا، وهو أمر مستحيل بالنسبة لمعظم البشر. إذ يبدو أن حياة الإنسان لابد أن يكون فيها شيء مقدَّس ما، فإن لم يكن الإله فيمكن أن يكون أي شيء، وكل شيء. وما حدث بالنسبة للإنسان الغربي أنه فقد إيمانه بمقدَّساته الدينية التقليدية، فأخذ يبحث عن مقدَّسات مادية حديثة يمكنه أن يدركها بحواسه الخمس (المصدر الوحيد للمعرفة بالنسبة له) وبوسعه أن يُقسِّم العالم من خلالها إلى مقدَّس ومدنَّس، وإلى محرَّم ومباح. إن الإنسان الغربي دائب البحث عن ميتافيزيقا علمانية مادية، تريحه نفسياً ولا تُحمِّله أية أعباء أخلاقية (مثل الإيمان بالأطباق الطائرة أو علاقة الأبراج بمصير الإنسان وسلوكه) . ويبدو أنه وجد ضالته في الإبادة النازية لليهود التي تولِّد فيه إحساساً لذيذاً بالذنب، لا يكلفه أي جهد أخلاقي. وقد تحولت الإبادة إلى أيقونة تجسِّد ميتافيزيقا كاملة من خلال علمنة المفاهيم الدينية المسيحية، إذ أصبح اليهود (في لاهوت موت الإله وفي الخطاب الحضاري الغربي ككل) هم المسيح المصلوب وأصبح ظهور الدولة اليهودية هو قيامه. والصلب والقيام هنا أمران ماديان يتمان داخل الزمان والتاريخ. فكأن الإبادة النازية لليهود هي الأيقونة العلمانية الشاملة المقدَّسة في الوجدان الغربي، فهي مفهوم قبلي بُنيت عليها مجموعة من المفاهيم الأخرى، فإن سقطت الأيقونة سقط كل ما بُني عليها وأصبح من الضروري مراجعة كل شيء، وهو أمر صعب للغاية على البشر.
وهذا لا يعني بطبيعة الحال إنكار أهمية البُعد الصهيوني للاستجابة الغربية الهستيرية.

1 ـ لا يمكن إنكار وجود قدر كبير من الضغط الذي تمارسه المؤسسات اليهودية والصهيونية للإبقاء على الوضع المعرفي والمعلوماتي القائم، الذي يُحقق لها فوائد جمّة. كما أن هناك الآلاف من أعضاء الجماعات اليهودية ممن تقاضوا التعويضات الألمانية عما لحق بهم من أذى وممن لا يزالون يطالبون بها، وهؤلاء أيضاً أصبحوا جزءاً من "جماعة مصالح" تحوَّلت إلى جماعة ضغط. وليس من صالح هؤلاء كشف حقيقة ما حدث.
2 ـ أصبح الخطاب الصهيوني يستند بشكل شبه كامل إلى الإبادة النازية، وأصبحت الشرعية الصهيونية ذاتها تستند إلى حادث الإبادة. والشرعية عادةً لا تستند إلا إلى مطلقات، لا يمكن إخضاعها للتساؤل.
ويميل كاتب هذه الموسوعة إلى القول بأن معسكرات الاعتقال والسخرة والإبادة حقيقة مادية لا شك فيها، وأن أفران الغاز هي الأخرى حقيقة (ومن ثم لا يمكن إنكار الإبادة باعتبارها تصفية جسدية متعمدة) . ولكن حجم هذه الأفران ومدى كفاءتها وعدد ضحاياها ودلالة هذه الحقائق المادية وتفسيرها تظل كلها موضوعات قابلة للاجتهاد والفحص العلمي والوثائقي بل تتطلبها، فهي موضوعات خلافية. وهناك فيما يبدو مصلحة للبعض في أن يُضخمها أو يُقلل من أهميتها. فإذا كان الحياد الكامل مستحيلاً في مثل هذه الأمور (كما في غيرها) ، فلابد، على الأقل، أن ننفصل إلى حدٍّ ما عن الظاهرة موضع الدراسة ونُعيد قراءة الوثائق المتاحة ونطالب بإتاحة كل الوثائق السرية، وخصوصاً أن الموضوع أصبح موضوعاً تاريخياً مر عليه أكثر من خمسين عاماً.
إشكالية الحل النهائي ومؤتمر فانسي
‏The Problematic of the Final Solution and the Wannsee Conference

تزعم الأدبيات الصهيونية أنه في 20 يناير 1942 عُقد مؤتمر يُسمَّى «مؤتمر فانسي» بهدف التنسيق بين الوزارات المختلفة التي اشتركت هي والحزب النازي وقوات الإس. إس. في محاولة تنفيذ الحل النهائي، باعتباره التصفية الجسدية لليهود. ويُقال إن رينهارد هايدريش دعي إلى هذا المؤتمر بناء على خطاب من هرمان جورنج بتاريخ 31 يوليه 1941، وأشار إلى «الحل الكامل للمسألة اليهودية» . وقد أعد أيخمان الإحصاءات والبيانات اللازمة لمناقشة الموضوع. وحضر المؤتمر كبار موظفي الدولة والحزب وناقشوا كيفية تهجير اليهود وإرسالهم إلى معتقلات العمل والسخرة.
وعبارة «الحل الكامل» هي صيغة أخرى لعبارة «الحل النهائي» (بالألمانية: إندلوسونج Endlosung) التي ترد في بعض الأدبيات النازية، وتعني في الأدبيات الغربية التي تتناول الحركة النازية «المخطط الواعي الذي وضعه النازيون لحل المسألة اليهودية بشكل جذري ونهائي ومنهجي وشامل عن طريق إبادة اليهود» ، أي بمعنى تصفيتهم جسدياً. والمفترض أن هذا المخطط تم تنفيذه من خلال المؤسسات الحكومية النازية. (وهذا المعنى خلافي كما سنبين فيما بعد) .

ويمكن القول بأن مقولة «الحل النهائي» ، مثلها مثل مقولة «نهاية التاريخ» ، كامنة في بنية الأيديولوجيا النازية، وفي كثير من الأيديولوجيات الأخرى الشبيهة التي تعتمد العلم الطبيعي مصدراً أساسياً وربما وحيداً للمعرفة والقيم الأخلاقية. فهذه الأيديولوجيات تؤمن بإمكانية، أو حتى بحتمية، التقدم الدائم من خلال تراكم المعرفة حتى تتم معرفة قوانين الحركة أو قوانين الضرورة أو القوانين الطبيعية (التي تسري على الطبيعة والإنسان) . ومن خلال هذه المعرفة الكاملة أو شبه الكاملة، يمكن ترشيد الواقع تماماً والهيمنة عليه ووضع الحلول النهائية لكل المشاكل وإعلان «نهاية التاريخ» (كما فعل فوكوياما في الولايات المتحدة في أواخر الثمانينيات) . والنازية، من هذا المنظور، ما هي إلا إحدى هذه الأيديولوجيات. ومن ثم، فحتى لو لم يعلن النازيون الحل النهائي، فإن الفكرة كامنة في بنية الفكر الغربي والنازي. وعلى كلٍ، لا يمكن فهم التجارب الاستيطانية الإحلالية، سواء في الولايات المتحدة أو في أستراليا أو فلسطين، إلا في إطار فكرة الحل النهائي الذي يُطبَّق على السكان الأصليين، هنوداً كانوا أم فلسطينيين، ويمكن إنجاز الحل النهائي إما عن طريق الإبادة أو عن طريق التهجير. ووعد بلفور وثيقة سياسية تهدف إلى وضع حل نهائي للمسألة اليهودية عن طريق التهجير. والمسألة الفلسطينية أو العربية، من هذا المنظور، هي نتيجة لعدم تطبيق الحل النهائي الصهيوني أو سببها الفشل في تطبيق هذا الحل حتى الآن. وقد عبَّر عن هذا المعنى صراحةً رحبعام زئيف (رئيس حزب موليديت) الذي انضم إلى الوزارة الإسرائيلية وطالب صراحةً بتهجير العرب، فقد بيَّن بما لا يقبل الشك أن مقولة «الحل النهائي» مقولة أساسية في الفكر الصهيوني، وتنتمي إلى عائلة من الأيديولوجيات الغربية الحديثة التي تبحث عن حل جذري ونهائي ومنهجي لمشكلتها السكانية كما فعل المستوطنون الأمريكيون من قبل، وكما فعل

النازيون في ألمانيا، وكما يفعل الصرب في البوسنة والهرسك، وكما يفعل المستوطنون الغربيون في كل زمان ومكان!
ويمكننا الآن أن نثير قضية ترادف عبارة «الحل النهائي» مع عبارة «الإبادة كتصفية جسدية» ، كما تزعم الأدبيات الصهيونية، وهو ترادف ينكره رجاء جارودي، وغيره من الدارسين، للأسباب التالية:
1 ـ لوحظ عدم ورود لفظ «الإبادة كتصفية جسدية» مقروناً بعبارة «الحل النهائي» في أية مذكرة نازية. وقد بيَّن ريمون آرون وجاك فيوريت (عام 1979) - في ختام مؤتمر عُقد خصيصاً لهذه القضية وغيرها من القضايا المتعلقة بالإبادة النازية ليهود أوربا - أنه لم يتم العثور على أية مذكرة تحمل هذا المعنى رغم كل الجهود المبذولة. وقد وافقهما المؤرخ الصهيوني النزعة وولتر لاكير على رأيهما هذا (عام 1981) ، ولذا أضاف أن مثل هذا الأمر لم َيصدُر قط.
2 ـ يروج بعض الصهاينة فكرة مؤداها أنه لم يتم العثور على مثل هذه المذكرة لسبب بسيط وهو أن النازيين كانوا يستخدمون لغة مشفرة أو رمزية حتى لا يكتشف أحد أمرهم. والرد على مثل هذا الرأي ـ كما بيَّن جارودي ـ هو الإشارة إلى عدد لا حصر له من الوثائق النازية تضم أوامر صريحة بإبادة السكان الذكور في ستالينجراد (على سبيل المثال) وقتل الجنود البريطانيين الذين يتم أسرهم أثناء تأديتهم بعض العمليات الخاصة (الكوماندوز) ، وقتل المسنين بالوسائل العلمية. فلماذا يُشفر النازيون الأوامر الخاصة بإبادة اليهود وحدهم؟

3 - حينما يذكر النازيون الإبادة فهي بديل ضمن بدائل عديدة، كما أنها تتم بعدة طرق. فقد تحدَّث هتلر عن الإبادة من خلال "التجويع والقتال غير المتكافئ"، بل تحدَّث عن "هجرة الألمان الاستيطانية" في شرق أوربا وحرب ألمانيا ضد عناصر "المقاومة الشعبية" باعتبارها شكلاً من أشكال الإبادة (وهو تعريف جيد للإبادة يخرج بها عن معناها الضيق المباشر، ويُوسِّع حقلها الدلالي بحيث تصبح الحروب الاستعمارية حروب إبادة، ويصبح الاستعمار الاستيطاني الصهيوني الذي يلجأ إلى التجويع والقتال غير المتكافئ وتهجير اليهود وضرب المقاومة الشعبية أيضاً شكلاً يُصنَّف بكل تأكيد ضمن أشكال الإبادة) .
وبغض النظر عن رؤية هتلر للتاريخ، فإن مؤتمر فانسي قد قسَّم طريقة التخلص من العناصر غير الاجتماعية غير المرغوب فيها من خلال أربعة طرق مختلفة: التعقيم أو الإبادة بالجوع أو الإبادة بالعمل أو حتى من خلال برنامج الألمنة.
4 ـ كان النازيون يتحركون في إطار الحل الإمبريالي للمسألة اليهودية وهو تصديرها للخارج. وقد بيَّن هتلر أنه يميِّز بين معاداة اليهود العاطفية ومعاداة اليهود المنهجية، فالأولى تنتهي بالمجازر، أما الثانية فتنتهي بتهجير (ترانسفير) اليهود. وقد حدد هتلر مشروعه بالنسبة لليهود باعتباره عملية تهجير. وفي رده على سؤال وُجه إليه في اجتماع عام بشأن حقوق اليهود الإنسانية، قال: «ليبحث اليهودي عن حقوقه الإنسانية في دولته فلسطين» .
وفي 10 أغسطس 1941 دافع هتلر عن الحل الشامل للمسألة اليهودية باعتباره نقل 600 ألف من أراضي الرايخ. وكانت مجلة الإس. إس. قد استخدمت العبارة نفسها بهذا المعنى في عددها الصادر في 24 نوفمبر 1938 حين تحدثت عن الحل الشامل باعتباره «الفصل والعزل الكلي لليهود» .

5 ـ طبق النازيون هذه الرؤية الإمبريالية (الصهيونية) على اليهود، ولذا بدأ الحل النهائي بتهجير اليهود من أصل بولندي إلى بولندا، ولكن الحدود أُوصدت دونهم. ثم طرح النازيون مشاريع صهيونية عديدة تهدف إلى توطين اليهود وتأسيس وطن قومي لهم في أي مكان خارج أوربا (أكوادور ـ سوريا ـ مدغشقر) .
وقد تعاون النازيون مع الصهاينة انطلاقاً من قبول هذا الحل الصهيوني النازي للمسألة اليهودية فتم توقيع معاهدة الهعفراة للمساعدة في تهجير اليهود إلى فلسطين. وحقق النازيون بعض النجاح في هذا المضمار إذ بلغ عدد اليهود الذين هاجروا من ألمانيا وحدها حوالي 150 ألف (بين 1933 ـ 1938) وهي نسبة مئوية عالية. وظل النازيون يدافعون عن فكرة تهجير اليهود، وكانوا لا يكفون عن الشكوى من أن سيل الهجرة لم يكن سريعاً بما فيه الكفاية، ومن أن الدول الغربية توصد أبوابها في وجه المهاجرين اليهود.
وفي السنين الأخيرة للحرب، بعد مؤتمر فانسي (يناير 1942) وبعد وقوع مساحات شاسعة من الأرض السوفيتية البولندية في أيدي النازيين، بدأت فكرة توطين اليهود فيها تراود النازيين ( «ترحيل اليهود إلى الشرق» في المصطلح النازي) . وقد جاء في مذكرة رسمية بتاريخ 10 فبراير 1942 صادرة من وزارة الخارجية الألمانية ما يلي: «إن الحرب ضد الاتحاد السوفيتي وفرت لنا أراضي جديدة لتنفيذ الحل النهائي. وقد قرر الفوهرر أنه بدلاً من إرسال اليهود إلى مدغشقر فسيقوم بإرسالهم إلى الشرق. ولذا ليس هناك ما يدعو إلى التفكير في مدغشقر باعتبارها [مجال] الحل النهائي» .
وكل هذا يعني في واقع الأمر أن الحل النهائي هو حل صهيوني إقليمي، يعني التخلص من اليهود عن طريق ترحيلهم (ترانسفير) من مكان لآخر، تماماً كما فعلت الحضارة الغربية مع اليهود حيث نقلتهم إلى فلسطين، وكما فعل الصهاينة مع الفلسطينيين بنقلهم منها.

6 ـ كان النازيون في حاجة ماسة للأيدي العاملة، فلماذا تُضيِّع آلة الحرب النازية وقتها في إبادة الملايين بدلاً من توظيفهم في أعمال السخرة؟ ومن الواضح أن النازيين كانوا أكثر رشداً ونفعية مما يتصوره الدارسون الصهاينة. فكانوا يزيدون من عدد العمال الذين يعملون نظير دولار واحد في اليوم للاستفادة من العمالة الرخيصة. وقد أرسل هملر مذكرة إلى أحد رؤساء معسكرات الإبادة (بتاريخ 25 يناير 1942) يخبره فيها أن يستعد لاستقبال 200 ألف يهودي حيث ستسند للمعسكر مهام اقتصادية مهمة. وفي مايو 1944 أصدر هتلر أمراً باستخدام 200 ألف يهودي كعمال في أحد المشاريع الإنسانية. وقد أصدرت قيادة الإس. إس S. S. أمراً بمنح مكافأة لكل السجناء (ومنهم اليهود) الذين أبلوا بلاءً حسناً في العمل. كما وفرت المؤسسات النازية لهؤلاء العاملين كل الأنشطة الترفيهية، وضمنها بيت دعارة، لزيادة الإنتاجية.
7 ـ حينما يرد لفظ «الإبادة» في نصوص نازية فإنه لم يكن يعني دائماً «التصفية الجسدية» ، ففي 26 مارس 1941 في حفل افتتاح معهد فرانكفورت لدراسة المسألة اليهودية أشار أحد المتحدثين إلى الإبادة (بالألمانية: فولكشتود Volkstod) باعتبارها الحل الشامل للمسألة اليهودية وعُرِّف هذا الحل بأنه «أن يترك اليهود أوربا» . وقد أفاض المتحدث وقال إنه يمكن أن يترك اليهود أوربا عن طريق وضعهم في معسكرات عمل في بولندا (حيث يتم إفقارهم) أو في مستعمرة. ولعل تجربتي جيتو وارسو وتيرس آينشتات (وغيرهما من التجارب) قد تمتا في هذا الإطار.

8 ـ لوحظ أثناء محاكمات نورمبرج أن المدّعين الذين مثلّوا الحلفاء كانوا يحاولون قصارى جهدهم أن يلووا عنق بعض الكلمات الألمانية ليترجموها بكلمة «إبادة» . فكلمة «أوسروتونج Ausrottung» على سبيل المثال، والتي تعني «استئصال شأفة» شيء ما بأية طريقة فعلية أو مجازية تُرجمت إلى «إبادة» بمعنى «تصفية جسدية متعمدة» ، مع أن النازيين استخدموا في إحدى وثائقهم عبارة «استئصال شأفة المسيحية» ، ولم يُفسِّر أحد هذه العبارة باعتبارها مخططاً نازياً لإبادة المسيحيين.
9 ـ ما تهمله كثير من الدراسات الغربية هو ما يمكن تسميته «الاختفاء» ، أي اختفاء أعداد كبيرة من اليهود من خلال عوامل طبيعية مثل الزواج المختلط والموت بسبب الغازات والأوبئة أثناء الحرب.
لكل هذا فعبارة «الحل النهائي» تعني ما تقول دون زيادة أو نقصان، ومن ثم فهي لا تعني بالضرورة «تصفية جسدية متعمدة» ، وقد تعني «تصفية من خلال التهجير وأعمال السخرة» .
معسكرات الاعتقال (السخرة والإبادة)
‏Concentration and Extermination Camps
أُقيمت معسكرات الاعتقال في ألمانيا عام 1933 بعد استيلاء النازيين على الحكم، فكان البوليس السري الألماني (جستابو) يقوم بالقبض على خصوم الحكومة النازية واحتجازهم في هذه المعسكرات. وحين عظم نفوذ الجستابو وأُعطي الحرية المطلقة في التصرف، أصبحت عمليات القبض تتم على نطاق واسع، فقُبض على جماعات بأكملها ثم أُرسلت إلى معسكرات الاعتقال. ولم تكن هذه العمليات موجهة ضد اليهود بالذات، وإنما كان يُعتقل كل من يشكل خطراً على الدولة الجديدة بغض النظر عن دينه أو جنسيته. وقد وقعت أول حادثة موجهة ضد اليهود في نوفمبر 1938 عندما وُضع عشرون ألف يهودي في هذه المعسكرات في داخاو وبوخنوالد. ومن معسكرات الاعتقال الشهيرة الأخرى، معسكر برجن بلسن.
وقد أُقيمت ستة معسكرات للاعتقال والإبادة في بولندا، وهذه المعسكرات هي:
1 ـ كلمنو (بالقرب من لودز) .

2 ـ بلزك (بالقرب من لفوف ولوبلين) .
3 ـ سوبيبور (بالقرب من لوبلين) .
4 ـ مايدانيك (على حدود لوبلين) .
5 ـ تربلينكا.
6 - أوشفيتس ـ بيركناو، وهو أشهرها جميعاً.
وقد أُرسل إلى هذه المعسكرات كثير من الضحايا اليهود والغجر والسلاف وغيرهم، من كل أنحاء أوربا. ويُقال إن كل معسكر كان مزوداً بأدوات متنوعة للإبادة مثل فرق إطلاق النيران، وأدشاش المياه التي تطلق الغاز، والمحارق. ومع هذا يثير كثير من الباحثين الشكوك حول وجود أفران الغاز أصلاً وقد صدرت عدة دراسات موثقة في هذا الشأن.
كما تُثار الشكوك حول استخدام غاز زايكلون بي Zyclon B. في أفران الغاز. إذ تشير معظم الدراسات إلى أن استخدام مثل هذا الغاز يتطلب احتياطات فنية عالية، مكلفة للغاية (يجب أن تكون الغرفة محكمة تماماً ـ لابد من تهويتها لمدة عشر ساعات بعد استخدامها ـ يجب أن تكون المفاصل مصنوعة من الإسبستوس أو التيفلون) . ومثل هذه الاحتياطات لم تكن متوفرة للألمان تحت ظروف الحرب، وهو ما يعني استحالة استخدامه على نطاق واسع. وقد ورد كل هذا في تقرير ليوشتر Leuchter Report، الذي كان يعمل مستشاراً لولاية ميسوري وكان متخصصاً في مثل هذه الأمور (ومما له دلالته أن كثيراً من حكومات الولايات المتحدة، التي كانت تستخدم هذا الغاز في عمليات إعدام المجرمين، قررت الاستغناء عنه، بسبب تكلفته العالية) .

وثمة نظرية تذهب إلى أن غُرف الغاز الموجودة إنما كانت غُرف غاز لتعقيم الخارجين والداخلين إلى المعسكر. أما المقابر الجماعية فهي مقابر الآلاف الذين لقوا حتفهم بعد انتشار الأوبئة كالملاريا والتيفود، وهو أمر مُتوقَّع في ظل ظروف الحرب وفقر الرعاية الصحية. ويرى أنصار هذه النظرية أن الإبادة لم تكن عملية منظمة مقصودة تمت دفعة واحدة، وإنما تمت نتيجةً لعناصر مختلفة فرضت نفسها بسبب ظروف الحرب مثل سوء التغذية والأوبئة وغيرها، وأن من أُبيدوا بطريقة منهجية منظمة أعداد صغيرة جداً، وهي قضية خلافية. ويُقال إن كثيرين ممن أُبيدوا بطريقة منظمة لم تكن إبادتهم بدافع الحقد العنصري وإنما كانت جزءاً من محاربة النازيين للمرض وللتشوهات والانحرافات النفسية والخلقية. ولذا حينما كان يندلع وباء في أحد المعسكرات لم يكن النازيون يلجأون لمحاربته (فهذا أمر مكلف، بخاصة في ظروف الحرب) وإنما كانوا يلجأون للتخلص من المرضى بطريقة عملية سريعة.

ولم تكن معسكرات الاعتقال مخصصة لليهود وحدهم وإنما كانت أداة من أدوات النظام النازي تُستخدَم لتحقيق أهدافه القومية، بل إن عدد ضحاياها من غير اليهود يفوق عدد ضحاياها من اليهود. ومن المهم بمكان أن نضع معسكرات الاعتقال والإبادة في سياقها الحضاري والمعرفي العام. فمنذ بداية التشكيل الحضاري الغربي الحديث أصبحت معسكرات الاعتقال والإبادة نمطاً متكرراً، حيث تم نقل سكان أمريكا الأصليين (الهنود الحمر) إلى معسكرات اعتقال منعزلة كان يُطلَق على كل واحد منها اسم «ريزيرفيشن reservation» تمهيداً لإبادتهم بشكل مباشر أو غير مباشر. وكانت عملية النقل ذات طابع إبادي. وكان السود، الذين يجري اصطيادهم في أفريقيا ونقلهم (ترانسفير) إلى أمريكا، يتم وضعهم في معسكرات أيضاً ويسكنون في مساكن هي أقرب ما تكون إلى معسكرات السخرة. وفي الحرب العالمية الثانية، وضعت الولايات المتحدة الغالبية الساحقة من المواطنين الأمريكيين من أصل ياباني في معسكرات مماثلة. وفي جنوب أفريقيا قامت حكومة التفرقة اللونية (الأبارتهايد) البيضاء بوضع المواطنين الأصليين في معازل جماعية يُقال لها "البانتوستان". وغني عن القول إن هذا الوضع لا يختلف كثيراً عما يحدث في فلسطين المحتلة بعد عام 1967.
ولم تكن الإبادة مصير كل من يذهب إلى معسكرات الاعتقال، التي كانت أساساً معسكرات سخرة، ولذا نجد أن العدد الأكبر كان يُستخدَم في أعمال السخرة. وقد أُسِّس بجوار أوشفيتس، على سبيل المثال، ثلاثة مصانع كبرى لإنتاج بعض المواد اللازمة للعمليات العسكرية. وكانت الشركات الألمانية تستأجر المعتقلين عشر ساعات يومياً من العمل الشاق مقابل دولار واحد يومياً (وهو موقف كولونيالي تماماً) ، ونظراً لحرصها الشديد على الأيدي العاملة الرخيصة كانت توفر لهم بعض الأنشطة الترفيهية (ضمنها بيت دعارة) . كما اختير عدد من نزلاء المعسكرات لإجراء التجارب الطبية والعلمية عليهم.

وكانت المعسكرات تدار بطريقة تتسم بنوع من الإدارة الذاتية، فكان يتم اختيار بعض العناصر من بين المساجين يشكلون نخبة داخل هذه المعسكرات، وتكون بمنزلة حلقة الوصل بين المساجين والألمان. ويُطلَق عليهم اسم «كابو» ،وكان بعضهم من اليهود بطبيعة الحال. وكان كثير من هؤلاء يحرصون على إظهار القسوة نحو المساجين حتى يحظوا برضا الألمان. ومن المعروف أن المساجين الألمان كانوا يُعاملون غالباً بقسوة تفوق ما يعامل به الآخرون لأنهم كانوا يُعتبَرون خونة.
واتسمت معسكرات الاعتقال بكفاءتها الشديدة وتحكُّمها الكامل في المادة البشرية التي كانت تُصنَّف بعناية وتُوظَّف على أحسن وجه. وقد حققت هذه المعسكرات عائداً كبيراً للاقتصاد الوطني الألماني. هذا، بخلاف التخلص من أعداد كبيرة من الأفراد الذين يشكلون عبئاً على ألمانيا، أي أن التجربة لا غبار عليها البتة إن نظرنا إليها من منظور نفعي مادي لا يكترث بالمطلقات. وبالطبع، يختلف الأمر تماماً إن نظرنا للقضية من المنظور غير المادي، أي من منظور قداسة الإنسان وحقوقه المطلقة.
أوشفيتس
‏Auschwitz

يُعَدُّ «أوشفيتس» أهم معسكرات الاعتقال. وكان يُقال دائماً إن عدد ضحايا أوشفيتس هو أربعة ملايين، منهم مليون ونصف مليون يهودي، والباقون غير يهود. والسند الأساسي لأسطورة إبادة هذه الملايين في أوشفيتس هي اعترافات رودولف هس أثناء محاكمات نورمبرج. وقد ثبت أن كثيراً من " أدلة " الاتهامات في محاكمات نورمبرج هي في معظمها اعترافات يدين خلالها المتهمون أنفسهم، بعد أن ظلوا في الأسر عامين أو يزيد تعرضوا فيها للتعذيب والامتهان. وقد استُبعد عدد كبير من الوثائق والشهادات التي كان من شأنها تحطيم الأساطير التي حاول الحلفاء نسجها. وهناك من البحوث ما يشير إلى أن العدد الإجمالي لا يمكن أن يزيد على 1.6 مليون، وأنهم قضوا حتفهم لا من خلال أفران الغاز وإنما بسبب الجوع والمرض، والموت أثناء التعذيب، والانتحار. وفي عام 1994 تم تغيير اللافتة الموضوعة على المعسكر، فبعد أن كانت اللافتة القديمة تتحدث عن مقتل أربعة ملايين رجل وامرأة وطفل أصبحت اللافتة الجديدة تتحدث عن مليون ونصف فقط.

وقد أصبح معسكر أوشفيتس (في الخطاب السياسي والحضاري الغربي) رمزاً ودالاً على عدة مدلولات. فهو رمز مباشر على الإبادة النازية لليهود (بمعنى التصفية الجسدية المتعمدة) ، أي أنه الجزء الذي يتبدَّى الكل من خلاله. كما أصبح معسكر أوشفيتس دالاً يشير إلى كل جرائم الإبادة التي تتم بشكل منهجي لا شخصي بيروقراطي (ولكن الصهاينة يرفضون استخدام الاسم على هذا النحو حتى يحتفظ معسكر أوشفيتس بقداسته اليهودية) . ويقول تيودور أدورنو (أحد مفكري مدرسة فرانكفورت) : "لا شعر بعد أوشفيتس"، أي لا يمكن لأي إنسان أن يقرض الشعر بعد أن كشفت الإنسانية عن وجهها القبيح في أوشفيتس. وفي هذا تلاعب بمستويات التعميم والتخصيص، ولعله كان من الأجدر بأدورنو أن يتحدث عن حضارة العقلانية المادية، بدلاً من الحديث العام، العائم الغائم، عن الإنسانية جمعاء. وهذا ما فعله فاكيلاف هافيل، المؤلف المسرحي ورئيس جمهورية التشيك، حينما تحدث عن كبرياء العقل المادي الحديث وغروره الذي يطور مخططات علمية مجردة يحاول فرضها على الحياة الإنسانية (بكل ما تحويه من أسرار لا يسبر لها غور) ويفرض عليها التجانس والتنميط وينتهي به الأمر إلى اختزالها وتدميرها. ثم قال: "وماذا يكون معسكر الاعتقال سوى محاولة من جانب دعاة اليوتوبيا [التكنولوجيا البيروقراطية] أن يتخلصوا من العناصر غير الملائمة [للمخطط التكنولوجي] ؟ ".

أما في التفكير الديني (المسيحي واليهودي) في الغرب، فقد أصبح معسكر أوشفيتس رمزاً للعالم المادي الذي لا معنى له والذي لا هدف له ولا غاية، فهو عالم انسحب منه الإله، ولذا يُقال «لاهوت ما بعد أوشفيتس» بمعنى «لاهوت موت الإله» . ويذهب البعض إلى أن معسكر أوشفيتس أصبح مدلولاً (متجاوزاً) لا يمكن لأي دال أن يدل عليه. فالتجربة اليهودية في أوشفيتس لا يمكن فهمها أو تفسيرها وإنما يمكن تجربتها وحسب. ومن لم يعش التجربة لن يفهم ما حدث، ومن ثم فإن كلمة «أوشفيتس» بمثابة الأيقونة حيث يلتحم الدال بالمدلول وتختفي المساحة بينهما، وتصبح الأيقونة (الرمز) هي نفسها ما ترمز إليه. إن أوشفيتس تتجاوز اللغة الإنسانية ولذا "لا شعر بعد أوشفيتس".
وفي استخدام مغاير تماماً للكلمة صرح ناحوم جولدمان بأن إسرائيل هي كارثة تاريخية كبرى، تفوق ما حدث في أوشفيتس، ومن ثم تحل الدولة الصهيونية محل أوشفيتس باعتبارها أكبر كارثة حاقت بالجماعات اليهودية في العالم.
وقد أصبح معسكر أوشفيتس موضع جدل كبير في الوقت الحالي فقد أُقيم دير للراهبات الكرمليات في بقعة أباد فيها الألمان كثيراً من البولنديين اليهود وغير اليهود، على أن تُقام الصلوات يومياً من أجل الجميع. ولكن بعض القيادات اليهودية في الولايات المتحدة أصرت على ضرورة أن يُزال هذا الدير حتى تظل أوشفيتس رمزاً يهودياً. وقد أذعنت القيادة الكاثوليكية في نهاية الأمر لهذا المطلب.
ستة ملايين يهودي: عدد ضحايا الإبادة النازية ليهود أوربا؟
‏Six Milion Jews: Number of European Jewish Victims of Nazi Extermination?

يرد في وسائل الإعلام الغربية رقم «ستة ملايين» باعتباره عدد ضحايا الإبادة النازية لليهود. وقد استقر الرقم تماماً حتى أصبح من البدهيات، ولكن هناك رفضاً مبدئياً للرقم في الأوساط العلمية اليهودية وغير اليهودية. فعلى سبيل المثال قام راؤول هيلبرج في كتابه تدمير يهود أوربا (1985) بتخفيض العدد من ستة إلى خمسة ملايين (بعد دراسة إحصائية مستفيضة للموضوع) . وذكر سيسيل روث، في موسوعته اليهودية، أن الهولوكوست نُفذ بطريقة يصعب معها التحقق من دقة الأرقام، وأن العدد يتراوح بين أربعة ملايين ونصف المليون وستة ملايين يهودي. ويميل المؤرخ الأمريكي اليهودي (صهيوني النزعة) هوارد ساخار إلى الأخذ برقم أربعة ملايين ونصف مليون. وهناك من الأدلة الإحصائية ما يرجح الأخذ برأي ساخار، فالكتاب السنوي ورلد ألماناك لعام 1939 يقدر يهود العالم آنذاك بنحو 15.6 مليون. وفي عام 1950، قُدِّر عددهم بنحو 16.6 مليوناً، في حين قدرته صحيفة نيويورك تايمز عام 1948 بما بين 15.7 و18.6مليون، وهناك تقديرات تذهب إلى أن عددهم أقل من ذلك، وقد يصل إلى ما بين 13 و14 مليوناً. وفي جميع الحالات، لا يمكن أن يزيد عدد من اختفوا على أربعة ملايين. ومؤخراً، ذكر المؤرخ الإسرائيلي يهودا باور، مدير قسم دراسات الهولوكوست في معهد دراسات اليهود في العصر الحديث التابع للجامعة العبرية، أن الرقم ستة ملايين لا أساس له من الصحة، وأن الرقم الحقيقي أقل من ذلك. وبيَّنت بحوث المؤرخ الفرنسي جورج ويلير G. Wellers أن العدد الإجمالي لمن أُبيدوا في أوشفيتس من اليهود وغير اليهود ليس أربعة ملايين وإنما هو 1.6 مليون وحسب، وأن هؤلاء لم يقضوا حتفهم من خلال أفران الغاز وحسب وإنما أيضاً بسبب الجوع والمرض والموت أثناء التعذيب والانتحار. ومما يجدر ذكره أن من يتبنون رقم ستة ملايين وغيره من الأرقام لا يشيرون من قريب أو بعيد إلى ظاهرة اختفاء اليهود من خلال عوامل طبيعية مثل

الزواج المختلط وسوء التغذية والغازات والأوبئة (التي تتزايد بسبب ظروف الحرب) .
وبغض النظر عن الرقم مليون أو الأربعة أو الستة ملايين، فإن ثمة خللاً أساسياً في المنطق الصهيوني يمكن تلخيص بعض جوانبه فيما يلي:
1 ـ التركيز على اليهود بالذات دون الجماعات الأخرى. فمع أن اليهود عانوا، مثلهم في ذلك مثل غيرهم من ضحايا النازية، إلا أن سياسة هتلر في الإبادة كانت موجهة أيضاً نحو الغجر والكاثوليك والمعارضين السياسيين والمرضى والمتخلفين عقلياً والسلاف عامة والبولنديين والروس على وجه الخصوص. وقد بلغ عدد ضحايا الحرب ما بين خمسة وثلاثين مليوناً وخمسين مليون، وخسر الاتحاد السوفيتي في الحرب العالمية الثانية ما بين سبعة عشر وعشرين مليوناً بين مدنيين وعسكريين، وخسر البولنديون نحو خمسة ملايين بعضهم من اليهود. وخسر الصينيون ما يزيد على عشرة ملايين ماتوا جوعاً أو قتلاً على يد الاحتلال الياباني.
2 ـ التركيز على المدنيين دون العسكريين. ومع ذلك، فإنه من بين العشرين مليون سوفيتي الذين قُتلوا في الحرب، كان هناك أربعة ملايين ونصف مليون مدني والباقون من العسكريين، ناهيك عن عدة ملايين من الألمان أرسلهم هتلر للموت في ساحة القتال. كما كان هناك كثيرون من جنود الحلفاء ضمن من قُتلوا في الحرب. ويجب ألا ننسى الجنود من الأفارقة والآسيويين الذين جُندوا، رغم أنفهم، ليشتركوا في حروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، حيث كانوا يوضعون في الصفوف الأمامية باعتبارهم مادة بشرية رخيصة.

3 ـ التركيز على الماضي دون الحاضر، وعلى ملايين اليهود الذين هلكوا قبل نحو نصف قرن، دون اهتمام مماثل بالملايين التي أُبيدت بعد ذلك. فقد فقدت كمبوتشيا منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية نحو مليوني شخص، وفَقَدت الجزائر أكثر من مليون شخص، وفقدت أفغانستان منذ الغزو السوفيتي عام 1978 نحو مليون قتيل، فضلاً عن مليوني مهاجر داخل البلد وخمسة ملايين مهاجر إلى خارجها حتى صاروا يمثلون نصف مجموع اللاجئين في العالم.
4 ـ وهناك، بطبيعة الحال، مشكلة ملايين الفلسطينيين الذين طُردوا من ديارهم والذين يخضعون لظروف إرهابية شبه دائمة.
لكن التشكيك في مدى دقة الرقم (الستة ملايين) لا يعني بحال من الأحوال التشكيك في الجريمة النازية ذاتها، فالجريمة النازية هي إحدى جرائم الحضارة الغربية الحديثة العديدة التي لا يمكن التهوين من شأنها. وما نهدف أساساً إليه من خلال مناقشة هذه الإشكالية هو تصحيح الرقم ووضع الظاهرة في سياق إنساني عام ومنظور تاريخي شامل، بحيث نُحدِّد هويتها باعتبارها جريمة غربية محددة ضد قطاعات بشرية عديدة بدلاً من أن تكون جريمة ألمانية ضيقة أو جريمة عالمية غير محدَّدة ضد اليهود كلهم، وضد اليهود دون سواهم. ونحن بهذا ننقذ واقعة الإبادة من سخافات الإعلام الغربي والصهيوني، ولعبة الأرقام الطفولية التي تخبئ الأبعاد التاريخية والأخلاقية والإنسانية العامة للواقعة.
اختفاء وموت الشعب اليهودي بعد الحرب العالمية الأولى
‏Disappearance and Death of the Jewish People after the First World War يروج المدافعون عن الرؤية الصهيونية للإبادة النازية لرقم ستة ملايين، كجزء من عملية الأيقنة وتحويل الإبادة إلى لغز من الألغاز وسر من الأسرار المقدَّسة. وقد أهمل هؤلاء تماماً بعض العناصر التي أدَّت إلى اختفاء اليهود من خلال عناصر طبيعية مختلفة سنتناولها في هذا القسم.

فمن المعروف أن الفترة ما بين عامي 1967 و 1982 شهدت تَناقُص عدد يهود العالم مليوناً، فانخفض من 13.837.500 إلى 12.988.600، دون حدوث إبادة بل دون حالة حرب أو أوبئة. وقد تناقص عددهم لمركب من الأسباب أدَّى إلى ما يُسمَّى «موت الشعب اليهودي» . ومن الواضح أن يهود أوربا، أي أغلبية يهود العالم آنذاك، بدأوا يدخلون في مرحلة التناقص ابتداءً من القرن العشرين، للأسباب التالية:
1 ـ أسباب تؤدي إلى العزوف عن الإنجاب وإلى تناقص الخصوبة ومعدلات التكاثر:
أ) أدَّت الهجرة اليهودية الكبرى في نهاية القرن التاسع عشر إلى انتقال أعداد كبيرة من اليهود إلى الولايات المتحدة الأمريكية. ويُقال إن هجرة اليهود قضت تقريباً على اليهود في المرحلة العمرية من عشرين إلى أربعين عاماً، وهي مرحلة الخصوبة التي تجعل بإمكان الجماعة أن تُعيد إنتاج نفسها.
ب) كان أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب يضطلعون بدور الجماعة الوظيفية الوسيطة، أي بأعمال التجارة والمال. وكانوا، لهذا، مركزين إما في المدن أو المناطق شبه الحضرية. ومع منتصف القرن التاسع عشر، تصاعد هذا الاتجاه وتزايد تركزهم في المدن بحيث أصبحت أغلبيتهم الساحقة تسكن في المدن عشية الحرب العالمية الثانية، فقد كان ثلث يهود روسيا يوجدون في خمس مدن وبقيتهم تعيش في مدن صغيرة. وكان أربعة وثمانون في المائة من يهود الولايات المتحدة يعيشون في ثماني عشرة مدينة كبيرة ونصفهم في نيويورك. كما كان معظم يهود النمسا في فيينا، ومعظم يهود فرنسا في باريس، وهكذا. ومن المعروف أن سكان المدن من أقل القطاعات البشرية خصوبة.
جـ) كان اليهود، حتى عشية الحرب العالمية الثانية، جماعة بشرية مهاجرة، ومن المعروف أن أعضاء مثل هذه الجماعات يعزفون عن الإنجاب لعدم استقرارهم.

د) كانت هناك عناصر أخرى أدَّت إلى عزوف اليهود عن الإنجاب، من بينها تحسن مستواهم المعيشي، والقلق الذي كان يعيشه أعضاء الجماعات اليهودية في الفترة بين الحربين وإبَّان الحرب العالمية الثانية، وكذلك تزايد معدلات العلمنة وبالتالي زيادة التوجه نحو اللذة وتحقيق الذات، الأمر الذي يقوض من الرغبة في إنجاب الأطفال.
وبالفعل، يُلاحَظ تناقص أعداد اليهود وضمنهم يهود اليديشية. فبعد أن كانوا يتمتعون بأعلى نسبة خصوبة وتَكاثُر بين شعوب الإمبراطورية القيصرية في منتصف القرن التاسع عشر، انخفضت النسبة إلى أقل النسب على الإطلاق في عام 1926. فبعد أن كانت 35.9 في الألف، انخفضت إلى 24.8 في الألف. وفي بولندا، انخفضت النسبة من 28.6 في الألف عام 1900 إلى 12.3 في الألف عام 1925 في وارسو، وإلى 11.6 في الألف في لودز عام 1925. أما يهود المجر، فقد انخفضت النسبة بينهم من 33.91 في الألف في بداية القرن الحالي إلى 10.5 في الألف، أي أنها انخفضت نحو 23.4 في الألف. وكانت نسبة المواليد في بروسيا (ألمانيا) 5.2 في الألف عام 1935 و2 في الألف في لندن عام 1932. وقد حدا هذا الوضع بالكُتَّاب اليهود إلى التحذير من أن يهود أوربا قد يختفون تماماً لأن معدلات المواليد لا تعوض الوفيات. وعلى مستوى العالم، كانت النسبة 5.53 في الألف في الفترة 1822 ـ 1840، انخفضت إلى 19.7 في الألف في الفترة 1898 ـ 1902، ثم إلى 9.1 في الألف عام 1929. كما أنها انخفضت إلى ما دون ذلك لمدة عشرين عاماً (1929 ـ 1949) . وكان معدل نسبة المواليد في الفترة 1906 ـ 1910 هو 32 في الألف، ونسبة الوفيات 15 في الألف، والزيادة الطبيعية هي 17 في الألف. ثم انخفضت إلى نحو النصف في نحو خمسة وعشرين عاماً، ففي الفترة 1926 ـ 1930 كانت نسبة المواليد هي 21 في الألف والوفيات 12 في الألف، والزيادة الطبيعية 9 في الألف (انخفضت إلى 8 في الألف عام 1932) . ولا توجد إحصاءات عن الفترة

1935 ـ 1949 لأنها كانت فترة الحرب، كما أنها أصبحت موضوعاً يحجم كثير من الباحثين عن الخوض فيه.
2 ـ عوامل تؤدي إلى الاختفاء:
أ) ابتداء من منتصف القرن التاسع عشر كان يتم تجنيد أعضاء الجماعات اليهودية، وهو أمر جديد كل الجدة، إذ كانوا يتمتعون بالإعفاء من الخدمة العسكرية قبل ذلك، كما سقط منهم ضحايا بأعداد كبيرة في الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية. لكن هذا العنصر لا يؤدي إلى انقاص عدد اليهود مباشرة عن طريق سقوطهم قتلى وحسب وإنما بشكل غير مباشر أيضاً عن طريق زيادة معدل العزوف عن الإنجاب. كما أن العناصر القادرة على القتال هي عادةً من الذكور في سن الخصوبة.
ب) تزايد نسبة الزواج المُختلَط بدرجة عالية كانت تصل إلى أكثر من 50% في بعض العواصم الأوربية.
جـ) تَنصُّر أعداد كبيرة من اليهود، وهو شكل من الأشكال الحادة للاندماج. وقد تزايد المعدل عشية الحرب العالمية الثانية لأسباب عملية منها الهرب من بطش النازي. كما حصل كثير من اليهود على شهادات تعميد من الكنيسة الكاثوليكية حتى يتيسر لهم دخول أمريكا اللاتينية. وآثرت أعداد كبيرة منهم عدم الإفصاح عن هويتهم اليهودية حتى بعد زوال الخطر.
د) ينطبق الشيء نفسه على مئات الألوف من الذين هاجروا إلى روسيا السوفيتية هرباً من النازي. فكثير منهم لم يفصح عن انتمائه اليهودي، خصوصاً وأن الاتحاد السوفيتي (سابقاً) كان يترك لكل شخص أن يحدد انتماءه، فلو كان الشخص يهودياً وعرَّف نفسه بأنه «روسي» أو «أوكراني» فإن الأمر متروك له. ومع تآكل الهوية اليهودية، لم يعد هناك دافع قوي لدى كثير من اليهود للإفصاح عن هويتهم.
وقد أشار عالم الاجتماع اليهودي لوريا أنجلمان، عشية الحرب العالمية الثانية، إلى ما سماه «العملية ذات الأبعاد الثلاثة» (تناقص المواليد، وتزايد الوفيات، وتزايد معدلات الاندماج) باعتبارها العملية التي ستؤدي إلى الاختفاء الكامل لليهود.

3 ـ ظروف الحرب العالمية الثانية:
لابد أن نضيف إلى كل ذلك ظروف الحرب العالمية الثانية التي صعَّدت من كل العناصر السابقة وزادتها حدة، ولابد أن نأخذ في الاعتبار انتشار الأوبئة وسوء التغذية في نفس الفترة. كما ينبغي الإشارة إلى بعض طرق الإبادة البطيئة غير أفران الغاز، مثل أعمال السخرة وعزل اليهود في الجيتو بمناطق مستقلة مزدحمة يعملون ويعيشون فيها تحت حد الكفاف، وهو ما كان يعني المزيد من الجوع والمرض. ويُقال إن نحو ثلث سكان جيتو وارسو قضوا نحبهم بهذه الطريقة، وإنه كان من المتوقع لهم جميعاً أن يُبادوا تماماً خلال عدة أعوام. (وهذا العنصر هو ولا شك عملية إبادة، إذ لا يهم أن يموت الضحية بأفران الغاز أو عن طريق التجويع. ولكننا نذكر هذا العنصر أيضاً حتى تكتمل الصورة لدينا) . كما هلك الآلاف بسبب حالة الحرب ابتداءً من عدم توفر الرعاية الصحية، وانتهاءً بالغارات على المدن، مروراً بأحكام الإعدام التي كان النازيون يصدرونها على اليهود وغيرهم.
وإذا أخذنا في الاعتبار كل هذه العناصر يصبح من الصعب أن نعزو اختفاء الستة ملايين يهودي (أو حتى الأربعة ملايين حسب بعض الإحصاءات) إلى أفران الغاز وحدها أو عمليات الإبادة كتصفية جسدية متعمدة فحسب.
إشكالية ملاحقة مجرمي الحرب النازيين
‏The Problematic of Hunting down Nazi War Criminals

تقوم إسرائيل بتعقب مجرمي الحرب النازيين بروح انتقامية مفترسة لا يمكن أن توصف إلا بالتطرف، خصوصاً أن الحرب انتهت منذ حوالي خمسين عاماً، أي أن الغالبية الساحقة للشعب الألماني كانوا أطفالاً أثناء الحرب أو لم يكونوا قد وُلدوا بعد. كما أن المحاكمات التي أجراها الحلفاء، والتي تمت بمنهجية وشمولية كاملتين، عاقبت الغالبية الساحقة من مجرمي الحرب النازيين والمتعاونين مع النظام النازي. ومع هذا تستمر عمليات الملاحقة والمحاكمة (كما حدث مع أدولف أيخمان وكلاوس باربي وكورت فالدهايم وجون ديمانجوك) .
وتهدف المطاردة المستمرة لمجرمي الحرب النازيين إلى تعميق الإحساس الغربي بالذنب تجاه اليهود وتذكير الشعب الألماني، والشعوب التي قاتلت إلى جانب ألمانيا، بمسئوليتها عن هذه الإبادة وإظهار الإبادة كما لو كانت موجهة ضد اليهود وحسب، وتوظيف هذا الشعور في إضفاء شرعية على الوجود الصهيوني في فلسطين. كما تأتي في سياق السعي إلى تعميق إحساس أعضاء الجماعات اليهودية بهويتهم اليهودية وبالمصير اليهودي المشترك، خصوصاً مع تزايد معدلات الاندماج وتآكل الجانب الديني للهوية اليهودية بين أعضاء الجماعات اليهودية في الدول الأوربية والغربية الحديثة. ومن هنا تأتي ضرورة إحياء ذكرى الإبادة بصفة مستمرة عن طريق عمليات المطاردة للنازيين القدامى وتقديمهم إلى المحاكمة في ظل متابعة إعلامية كثيفة. بالإضافة إلى أن التذكير والتلويح بخطر الإبادة قد يدفع أعضاء الجماعات اليهودية إلى الهجرة إلى إسرائيل.

وقد نجحت إسرائيل عام 1979 في إلغاء مبدأ تقادم جرائم مجرمي الحرب في ألمانيا الغربية، ولكنها اعتقلت آلافاً منهم مع أن نسبة إدانتهم في النهاية كانت تتراوح بين تسعة في المائة عام 1964 وواحد ونصف في المائة عام 1976. ففي عام 1972، مثلاً، اعتُقل ستة عشر شخصاً بشبهة أنهم مارتن بورمان (نائب هتلر) ، ثم ثبتت براءتهم جميعاً. وتحت الضغط اليومي المكثف، أنشأت وزارة العدل الأمريكية عام 1980 مكتباً للتحقيق مع مئات الأمريكيين من مجرمي الحرب، ولكنها لم تُوفَّق كثيراً في التوصل إليهم.
وفي كندا، صرح كثير من الصهاينة بوجود ما لا يقل عن ستة آلاف من مجرمي الحرب، فأُسِّست في أوائل عام 1985 لجنة للبحث عن مجرمي الحرب (لجنة ديشين Deschênes Commission) وقُدِّم لها 2114 اسماً. كما قدَّم سيمون ويزنتال، المتخصص في تعقب مجرمي الحرب، قائمة من 217 اسماً زعم أنهم أعضاء في فرق الإس. إس. من أوكرانيا وعملوا في جاليشيا. وقد استغرق عمل اللجنة سنتين ثم قدمت تقريرها في ديسمبر 1986، وتبين أن هناك عشرين اسماً فقط، من بين 2114 اسماً، أوصت اللجنة إما بمحاكمتهم أو بترحيلهم. أما قائمة ويزنتال، فقد ظهر أن 187 منهم لم يدخلوا كندا قط. ومن الثلاثين الباقين، حضر اثنان بالفعل إلى كندا ثم غادراها، ومات أحد عشر شخصاً، بينما كان هناك ستة عشر شخصاً لم يثبت أي شيء ضدهم. أما المتهم الوحيد الباقي، فلم يمكن الاستدلال عليه. وقد طلبت اللجنة من ويزنتال أن يزودها بمزيد من الأسماء، ولكنه لم يتمكن من ذلك. وهو أمر متوقع بعد أن قام الحلفاء بعملية «نزع الصبغة النازية عن ألمانيا» .

وقد بدأ كثيرون يُعبِّرون عن ضيقهم من عملية الملاحقة. فقد ذكرت صحيفة التايمز البريطانية في عام 1972 أن ثمة دلائل متزايدة على أن الرأي العام صار ضد تعقب الشيوخ بدعوى أنهم مجرمون نازيون. وأشارت جريدة ديلي تلغراف البريطانية إلى أن حراس السجون والكثير من الناس في ألمانيا نفسها يتساءلون عن الحكمة في استمرار محاكمات جرائم النازية بعد مرور كل هذه السنوات على انتهاء الحرب. وعندما زار الكاتب الألماني جونتر جراس إسرائيل عام 1971 صارح شعبها بأنه لا يحب عقلية التوراة التي تقول إن على الجيلين الثاني والثالث أن يحملا وزر جيل سبقهما.
وتُعدُّ محاكمة أيخمان وكلاوس باربي وديمانجوك وحادثة فالدهايم نموذجاً لعمليات الملاحقة التي تقوم بها إسرائيل، بكل ما تنطوي عليه من دلالات.
محاكمة أيخمان
‏Eichmann Trial

أدولف أتو أيخمان (1906 ـ 1962) مسئول نازي وضابط في فرق العاصفة، ومن أهم الشخصيات في عملية الإبادة النازية ليهود أوربا. وُلد في ألمانيا لأسرة متواضعة هاجرت إلى النمسا حيث تلقى تعليمه. عمل بائعاً متجولاً ممثلاً لشركة سوكوني فاكوم من عام 1928 وحتى 1933. انضم أيخمان للحزب النازي في عام 1932، وبدأ منذ عام 1934 يعمل في قسم اليهود بالمخابرات الألمانية، حيث أُرسل إلى فلسطين بدعوة من المستوطنين الصهاينة ليدرس التجربة الصهيونية هناك. فبدأ يدرس اليديشية والعبرية والعقيدة اليهودية، وبحلول عام 1938 أصبح حجة في مسألة التنظيمات الصهيونية والهجرة اليهودية، فأرسله النظام النازي إلى النمسا ليساعد في عملية تهجير أعضاء الجماعة اليهودية. وقد أظهر أيخمان كفاءة غير عادية إذ استخدم أسلوب خطوط التجميع، المستخدم في المصانع، لتسهيل العمل. وبعد عودته إلى برلين عام 1939، عُيِّن مديراً لمركز الرايخ للهجرة اليهودية، ثم عُيِّن فيما بعد رئيساً لقسم الشئون اليهودية في الجستابو حيث قام بالإشراف على عملية نقل اليهود إلى معسكرات الاعتقال.
قُبض على أيخمان بعد الحرب، ولكن لم تُكتشف هويته الحقيقية، ففر إلى الأرجنتين عام 1945 واختبأ فيها إلى أن عثر عليه عملاء المخابرات الإسرائيلية عام 1960. وساهم في عملية اكتشاف شخصية أيخمان في الأرجنتين المدعي العام في ألمانيا الغربية، الذي وضع المعلومات التي حصل عليها تحت تصرف المخابرات الإسرائيلية، فأوفدت إسرائيل مجموعة من رجال مخابراتها إلى بيونس أيريس حيث تحققت من شخصية أيخمان، وتم اختطافه ونقله بعد عشرة أيام مخدَّراً متخفياً في زي مضيف جوي على متن طائرة إسرائيلية كانت قد جاءت إلى الأرجنتين تحت ستار نقل وفد إسرائيلي رسمي للاشتراك في احتفال الأرجنتين بالذكرى المائة والخمسين لاستقلالها.

وبدأت محاكمة أيخمان في 11 أبريل عام 1961 بالقدس المحتلة، حيث وجه إليه المدعي العام الإسرائيلي جدعون هاوزنر تهمة المشاركة في إبادة يهود أوربا، وتولى الدكتور روبرت سرفاتيوس، الذي تخصص في الدفاع عن مجرمي الحرب النازيين، مهمة الدفاع عن أيخمان.
ولم يُنكر أيخمان أو محاميه أياً من الاتهامات الموجهة إليه، ولكنهما ركزا دفاعهما أساساً على أن أيخمان لم يكن سوى موظف في مؤسسة حديثة ضخمة يقوم بتنفيذ الأوامر التي يصدرها إليه رؤساؤه كما كان يُفترض فيه أن يفعل، ولذا فهو مجرد بيروقراطي منفذ للإجراءات دون أن يسأل عن الأهداف، وبالتالي يجب أن يُحاكم على مدى كفاءته أو عدم كفاءته في تنفيذ الأوامر لا على مدى تقييمه الأخلاقي لهذه الأهداف، أي أن أيخمان طالب بأن يُنظر إليه باعتباره إنساناً حديثاً أداتياً يهتم بالإجراءات ويدين بالولاء للمؤسسة التي يعمل فيها ولا يكترث بالقضايا الأخلاقية النهائية. ولكن المحكمة رفضت دفعه، وحكمت عليه بالإعدام.
وكان بن جوريون، رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك، يهدف من وراء المحاكمة إلى زيادة الوعي اليهودي بين أعضاء التجمع الاستيطاني وأعضاء الجماعات اليهودية في العالم عن طريق تعميق الإحساس بأنهم الضحية الوحيدة وأن الآخرين أو الأغيار (ممثلين في النازيين) لا تأخذهم الرحمة باليهود. ومع هذا، فجرت المحاكمة عدة قضايا لم يكن من أعدوا لها قد انتبهوا إليها:
1 ـ بيَّن أيخمان أن الرؤية الصهيونية لليهود لا تختلف كثيراً عن رؤيته هو، فكلاهما يؤمن بضرورة تهجير اليهود باعتبارهم شعباً عضوياً منبوذاً إلى أرض خاصة بهم، كما أشار أيخمان إلى أن المسئولين طلبوا منه، عند تعيينه في وظيفته، أن يقرأ كتاب هرتزل دولة اليهود، وأنه تأثر به أيما تأثر، وأنه، في هذا، لا يختلف كثيراً عن الزعماء النازيين الذين تأثروا بالفكر الصهيوني وخصوصاً بوبر.

2 ـ أشار أيخمان إلى التعاون بين السلطات النازية والصهاينة، خصوصاً رودولف كاستنر وجويل براند، وأوضح أنه كانت هناك صفقة هُجِّر بموجبها بضعة يهود «من خيرة العناصر البيولوجية» إلى المستوطَن الصهيوني. كما أُرسلت كميات من البضائع إلى هناك في نظير أن تضمن القيادات الصهيونية هدوء اليهود المرحلين إلى معسكرات الاعتقال.
3 ـ أثار سلوك الضحايا اليهود كثيراً من الدهشة، حيث لاقوا حتفهم دون مقاومة، ولعلهم لو قاوموا لعطلوا آلة الحرب النازية التي كانت مرهَقة. وقد نظر الجيل الجديد من أبناء المستوطن الصهيوني إلى سلوكهم هذا باعتباره سلوكاً نموذجياً ليهودي الجيتو الضعيف (مقابل العبراني الجديد القوي) ، وبالتالي نجم عن المحاكمة مزيد من الرفض ليهود العالم.
4 ـ أثناء تقديمه لعريضة الاتهام، بيَّن المدعي العام الإسرائيلي أن الشعب اليهودي تعرض للاضطهاد والطرد والملاحقة في كل البلاد عبر التاريخ. وهنا تلقف محامي الدفاع هذه الأطروحة وتساءل: ما هي طبيعة هذا الشعب الذي يجد نفسه عُرضة للطرد والملاحقة أينما كان؟ ألا يوجد احتمال أن يكون هذا الشعب مسئولاً عما يلحق به من أذى، وأنه شعب مستفز يضطر كل الشعوب في كل زمان ومكان لطرده وملاحقته؟ وقد أُصيب الحاضرون بالذهول من تساؤلات محامي الدفاع.
كما أثارت المحاكمة قضايا أخرى مختلفة مثل دور المجالس اليهودية التي شكلها النازيون وعينوا فيها يهوداً، فكانوا أداة تنفيذية في يد النازي، بالإضافة إلى أسئلة أخرى حول دور كثير من الحاخامات الذين لم يشاركوا في تنظيم حركة المقاومة.
وقد كانت المحاكمة محط اهتمام دولي، وخصوصاً أن الدولة الصهيونية انتهكت القانون الدولي وسيادة عدة دول (الأرجنتين وألمانيا) باختطاف أيخمان الذي حُكم عليه بالإعدام، ثم أُعدم شنقاً في سجن الرملة وأُحرقت جثته ونُثر رمادها في البحر الأبيض المتوسط.
محاكمة كلاوس باربي
‏Klaus Barbie Trial

كلاوس باربي، الذي أُطلق عليه لقب «سفاح ليون» ، هو أحد ضباط الجستابو (البوليس السري الألماني) . وأُدين بارتكاب جرائم الحرب في فرنسا إبَّان الحرب العالمية الثانية. وكان باربي قد تولى عام 1942 قيادة قوات الجستابو في مدينة ليون الفرنسية، كما تولى مهمة تعقب عناصر المقاومة الفرنسية والتصدي لنشاطها. وخلال فترة عمله التي استمرت عامين، قام باربي بترحيل 842 شخصاً من ليون إلى معسكرات الاعتقال النازية، كان نصفهم من عناصر المقاومة والنصف الآخر من اليهود. كما أُدين كلاوس باربي بارتكاب عمليات التعذيب والمذابح ضد عناصر المقاومة والمدنيين في ليون والمناطق المحيطة بها.
ورغم ذلك، قامت الاستخبارات المضادة التابعة للجيش الأمريكي المتمركز في ألمانيا بتجنيد باربي للعمل لصالحها عام 1947، فتحول باربي إلى مصدر مهم وقيم للمعلومات (خصوصاً فيما يتعلق بالعناصر اليسارية والشيوعية) ، وهو ما دفع المسئولين الأمريكيين إلى عدم الاستجابة للمطالب الفرنسية بتسليمه للسلطات الفرنسية. بل قاموا بتهريبه إلى بوليفيا عام 1951 حيث عاش تحت اسم مستعار هو كلاوس التمان. وقد قُدِّم باربي للمحاكمة غيابياً في فرنسا في 1952 ـ 1954 حيث أدين بارتكاب المذابح والفظائع وصدر ضده حكم بالإعدام. وفي عام 1971، نجح فرنسيان من جماعة صائدي النازيين من العثور عليه. وأثمرت مساعي فرنسا عن طرده من بوليفيا عام 1983، ثم تقديمه للمحاكمة في فرنسا عام 1987 بتهمتين لم يتم توجيههما إليه من قبل، وصدر ضده حكم بالسجن مدى الحياة.

غير أن محاكمته أثارت اهتماماً واسعاً داخل فرنسا وخارجها، حيث تخوَّف بعض أعضاء الجماعة اليهودية من أن ذلك قد يثير المشاعر المعادية لهم أو قد تتحول المحاكمة إلى منبر لنفي الإبادة النازية. ومن ناحية أخرى، انتقد بعض الفرنسيين المحاكمة باعتبار أن الأعمال التي ارتكبها باربي لا تختلف كثيراً عما ارتكتبه قوات الحلفاء حين قتلت المدنيين العزل أثناء قصفها للمدن الألمانية.
حادثة فالدهايم
‏Waldheim Affair
أثناء حملته الانتخابية لرئاسة النمسا عام 1986، أُثيرت ضد كورت فالدهايم (الأمين العام السابق للأمم المتحدة) قضية ما يُسمَّى «ماضيه النازي» . وقد تزَّعم الحملة ضده المؤتمر اليهودي العالمي الذي اتهم فالدهايم بإخفاء جوانب من ماضيه أثناء الحرب العالمية الثانية وبالكذب حين ادعى عدم ارتباطه بالنازي بأي شكل من الأشكال، مؤكداً أنه كان عضواً في اتحاد الطلبة النازي، وأنه التحق (على حد زعم المؤتمر) بإحدى وحدات قوات العاصفة، بل أُلحق في نهاية عام 1942 بالقوات الألمانية في سالونيكا والتي تولَّت ترحيل اليهود من اليونان إلى معسكرات الاعتقال وقامت بعمليات عسكرية وحشية ضد المقاومة اليوغسلافية ومؤيديها من المدنيين. وفي إطار حملته المكثفة ضد فالدهايم، كشف المؤتمر اليهودي العالمي النقاب عن بعض الوثائق التي ادعى أنها تؤكد إدانة فالدهايم ومن أهمها ملف «أودلو كانمر» (أو القرار) اليوغسلافي الذي ضم قائمة بأسماء الأشخاص الذين كانت السلطات اليوغسلافية تشتبه في تورطهم في ارتكاب جرائم الحرب وكان من بينها اسم فالدهايم. واستناداً إلى هذا الملف، تم ضم اسم فالدهايم إلى ملف لجنة الامم المتحدة لجرائم الحرب. كما قام المؤتمر بإسناد مهمة البحث في ماضي فالدهايم إلى عَالم في التاريخ أشارت نتائج بحثه إلى أن فالدهايم عمل ضابطاً في قسم الاستخبارات العسكرية للجيش المتمركز في غرب البوسنة والذي كانت قواته مسئولة عن ارتكاب المذابح ضد

آلاف اليوغسلاف في جبال كوزارا عام 1942، وأن فالدهايم حصل على نوط الشجاعة من الحكومة الكرواتية الموالية لألمانيا في هذه الفترة. وفي ضوء هذه النتائج، حث المؤتمر اليهودي العالمي الحكومة الأمريكية على وضع كورت فالدهايم على قائمة الأجانب غير المرغوب في دخولهم إلى الولايات المتحدة. وقد أقدمت الحكومة الأمريكية على ذلك بالفعل في أبريل عام 1987.
ورغم هذه الحملة الإعلامية المكثفة نجح فالدهايم في انتخابات الرئاسة النمساوية، ولكن هذه القضية تركت أثارها على مكانته الدولية حيث رفض كثير من قادة أوربا والولايات المتحدة الالتقاء به أو حتى زيارة النمسا أثناء توليه رئاسة البلاد. وقد نفى فالدهايم مراراً الاتهامات التي وُجِّهت إليه ونفى اشتراكه في عمليات ترحيل لليهود أو في مذابح ضد المقاومة اليوغسلافية واعتبر هذه الاتهامات جزءاً من حملة تشهير وافتراء دولية بدأتها المعارضة النمساوية وتزعمها المؤتمر اليهودي العالمي والصحافة الدولية، وأكد أن ماضيه قد بُحث بشكل واف من قبَل الأجهزة الأمنية النمساوية قبل توليه العمل في السلك الدبلوماسي النمساوي وأيضاً من قبَل أجهزة المخابرات الأمريكية (سي. آي. آيه) والسوفيتية (كي. جي. بي) والإسرائيلية (الموساد) عند ترشيحه لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، ولم تجد أي منها ما يدينه. ولم يتم أبداً إثبات أيٍّ من الاتهامات الموجَّهة ضد فالدهايم، بل تبيَّن فيما بعد أن ملف أودلو كانمر (أهم وثيقة في القضية) تحيط به الشكوك. وقد قامت ثلاث جهات نمساوية وبريطانية ودولية مستقلة بالتحري والبحث في هذه الاتهامات ولم تجد أيٌّ منها ما يدين فالدهايم بأي عمل إجرامي أو يؤكد تورطه فيما نُسب إليه. وقد ساعد ذلك على فك العزلة المضروبة من حوله إلى حدٍّ ما، فالتقى به البابا عام 1987 ثم رئيسا ألمانيا وتشيكوسلوفاكيا عام 1990، كما رحَّبت به عدد من الدول العربية.

ومن ناحية أخرى، كانت هذه القضية محاولة ناجحة إلى حدٍّ كبير للنيل من سمعة كورت فالدهايم التي شهدت الأمم المتحدة خلال فترة توليه منصب الأمين العام (1971 - 1982) دعوة ياسر عرفات رئيس منظمة التحرير الفلسطينية، ولأول مرة، لإلقاء كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وكذلك صدور قرار يعتبر الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية.
محاكمة ديمانجوك
‏Demanjuk Trial
جون ديمانجوك مواطن أمريكي من أصل أوكراني اتُهم بارتكاب جرائم حرب إبَّان الحرب العالمية الثانية. وأشارت الاتهامات والادعاءات الموجَّهة إليه، إلى أنه كان يقاتل في صفوف الجيش السوفيتي حينما وقع في أسر الألمان ورُحِّل إلى أحد معسكرات أسرى الحرب. وأثناء ذلك، وافق ديمانجوك على الانضمام إلى إحدى الوحدات العسكرية المشكلة من الأجانب والعاملة في خدمة قوات الإس. إس. الألمانية. وقد تدرب أولاً في أعمال الحراسة ثم نُقل إلى معسكر تربلينكا حيث أشرف على غرف الغاز وأُطلق عليه لقب «إيفان الرهيب» بسبب قسوته البالغة، وظل في المعسكر حتى إغلاقه عام 1943. ومع انتهاء الحرب، انتقل ديمانجوك إلى الولايات المتحدة حيث عاش حياة هادئة إلى أن علمت السلطات الأمريكية بماضيه، فقامت بتجريده من جنسيته الأمريكية. وفي عام 1986، تم ترحيله إلى إسرائيل حيث قُدِّم للمحاكمة عام 1987 بعد أن وُجِّهت إليه اتهامات بالقتل وارتكاب جرائم ضد الإنسانية وارتكاب جرائم ضد الشعب اليهودي. وقد أكد الدفاع أن هناك خطأً ولبساً في شخصية المتهم، فجون ديمانجوك ليس هو «إيفان الرهيب» ، كما شكك الدفاع في الأدلة المقدمة ضده وفي قدرة الشهود على تذكر أحداث جرت منذ أكثر من 54 عاماً. ورغم ذلك، أُدين ديمانجوك بالتهم الموجهة إليه وحُكم عليه بالإعدام عام 1988.

وبطبيعة الحال، حاولت المؤسسة الصهيونية استثمار عملية المحاكمة نفسها، بغض النظر عن نتائجها، في تحقيق أهدافها الخاصة برفع ما يُسمَّى «الوعي اليهودي» بين الأجيال الجديدة من أعضاء الجماعات اليهودية. كما حاولت تذكير العالم (الغربي) بالجرم النازي ضد اليهود، وذلك في محاولة للتغطية على القمع الإرهابي الذي تمارسه إسرائيل للقضاء على الانتفاضة الفلسطينية. ولكن محاكمة ديمانجوك تبين أن هذه العملية تقترب من نهايتها. فقد اعترف بعض المسئولين الأمريكيين (في مكتب التحقيقيات التابع لوزارة العدل الأمريكية) بجرمهم في إخفاء الأوراق التي تثبت أن ديمانجوك ليس إيفان الرهيب. وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي وفتح كثير من الملفات السرية، ظهرت دلائل جديدة تؤكد أن ديمانجوك ليس هو إيفان الرهيب وأنه عمل حارساً في معسكر آخر غير تربلينكا. وكتبت النيويورك تايمز تقول إنه لابد من الإفراج عنه لعدم توافر أية أدلة، ونبه باتريك بوكانان عن الحزب الجمهوري) إلى أن السلطات الإسرائيلية تماطل في إصدار الحكم ببراءة ديمانجوك على أمل أن يموت في السجن ولا تضطر إسرائيل إلى الاعتراف بخطئها. بل إن الصحف الإسرائيلية ذاتها بدأت تنبه إلى أن الاستمرار في مثل هذه المحاكمات قد يؤدي إلى نتائج عكسية. ولعل حكم البراءة الذي اضطرت المحكمة الإسرائيلية العليا إلى إصداره في عام 1993 هو نهاية هذه المهزلة. وقد عاد ديمانجوك فيما بعد إلى الولايات المتحدة.
سيمون وزنتال (1908?-)
‏Simon Wiesenthal
يهودي من أصل تشيكي تخصص في مطاردة مجرمي الحرب النازيين. وُلد وتعلم في تشيكوسلوفاكيا حيث حصل على شهادة في العمارة عام 1940.

اعتقله النازيون في الفترة 1941 - 1945. وبعد الحرب، انضم ويزنتال إلى اللجنة الأمريكية لجرائم الحرب. وأسس عام 1946، هو وآخرون، مركز التوثيق التاريخي اليهودي الذي يوجد الآن في فيينا بالنمسا. وقد نجح ويزنتال في المساعدة على القبض على 1100 مجرم نازي من بينهم أيخمان. وقد نشر ويزنتال مقالاً في التورنتوستار (19 مايو 1971) زعم فيه أن «عدة مئات» من مجرمي الحرب النازيين يعيشون في كندا. وحينما شُكِّلت لجنة للتحقيق لم يُقدَّم سوى 217 اسماً، ولكن ثبت أن غالبيتهم الساحقة (187 اسماً) لم يدخلوا كندا قط، والباقون إما ماتوا أو غادروا كندا أو لم يمكن العثور على أي دليل على تورطهم في جرائم الحرب، وقد أثر هذا كثيراً في مصداقيته.
بعض التغيرات التي طرأت على الخطاب الغربي فيما يتصل بالإبادة النازية ليهود أوربا
‏Some Developments of the Western Discourse on the Nazi Extermination of European Jewry
رغم كل الهستريا الإعلامية الصهيونية وغير الصهيونية ضد أية محاولة لتناول ظاهرة الإبادة بعقلانية واتزان، يمكن أن نلاحظ تغيرات هامة بدأت تدخل على الخطاب الغربي فيما يتصل بالإبادة النازية:
1 ـ بدأت محاولات إسرائيل في استخدام الإبادة لتبرير استمرارها في ارتكاب الجرائم ضد الفلسطينيين تصبح أمراً ممجوجاً، وبدأ بعض المفكرين اليهود وغير اليهود يُعبِّرون عن رفضهم لمثل هذا المنطق الابتزازي. كما بدأ كثير من يهود العالم يضيقون ذرعاً بجعل الإبادة هي النقطة المرجعية النهائية في رؤيتهم للكون والأغيار.

2 ـ بدأ الخطاب السياسي في الغرب وفي إسرائيل يرفض التابو (التحريم) الذي يمنع تشبيه الإبادة النازية ليهود الغرب بأحداث مماثلة في التاريخ الماضي والوقت الحاضر. وقد تجرأ عدة متحدثين غربيين (من بينهم يهود) على تشبيه ما يحدث للفلسطينيين على يد الإسرائيليين بما حدث لليهود في أوربا على يد النازيين. فعلى سبيل المثال، صرح الكاتب الإسرائيلي يهوشاوا بأنه يفهم الآن سبب جهل الألمان بما حدث لليهود بعد أن رأى الإسرائيليين يرفضون معرفة ما يحدث للفلسطينيين. ويشير اليهود السفارد والشرقيون إلى اليهود الغربيين بأنهم «إشكي نازي» وهو نوع من التلاعب بالألفاظ يشير إلى أن ما كان محرماً أصبح مباحاً. ووصف البروفسير لايبوفيتز سياسة إسرائيل في لبنان بأنها نازية يهودية (بالإنجليزية: جوديو/نازي Judeo-Nazi) .
3 ـ نعتقد أن الأمور بعد توحيد ألمانيا وتحوُّلها إلى قوة عظمى ستتغيَّر كثيراً، وسيُنظَر إلى حادثة الإبادة النازية ليهود أوربا نظرة أكثر تفسيرية وتركيباً واتزاناً. كما أن كثيراً من الوثائق الألمانية والسوفيتية التي لم تُنشَر بعد ستجد طريقها إلى النشر. ولعل هذا يوفر جواً علمياً أكثر استقراراً وطمأنينة، بعيداً عن هستريا الأيقنة الكاملة للإبادة لصالح اليهود، وعن هستريا الإنكار الكامل لها (بالمعنى العام، أي الإبادة عن طريق التجويع والسخرة؛ والمعنى الخاص، أي التصفية الجسدية) .

شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت