نتائج البحث عن (تبغ) 18 نتيجة

  • تبغ
تبغتَبْغِين [مفرد]: (كم) نيكوتين، مادة شبه قلويَّة شديدة الفعّاليَّة، تُستخلص من نبات التبغ، وقد يُستعمل في مكافحة الحشرات.
(تبغدد)فلَان انتسب إِلَى بَغْدَاد وتشبه بِأَهْل بَغْدَاد وَعَلِيهِ زها وتكبر (مو)
(تبغى) الشَّيْء تعسف طلبه قَالَ سَاعِدَة بن جؤية الْهُذلِيّ(ولكنما أَهلِي بواد أنيسه سِبَاع تبغى النَّاس مثنى وموحدا)
(التبغ)نَبَات من الفصيلة الباذنجانية يسْتَعْمل تدخينا وسعوطا ومضغا وَمِنْه نوع يزرع للزِّينَة (مج)
(التبغين) قلواني التبغ تكافح بِهِ الحشرات (د)
التَّبَغْزُلُ في المَشْي كالتَّبَخْتُر.
تَبْغَرُ:
بالفتح ثم السكون، والغين معجمة مفتوحة، وراء قال محمود بن عمر: موضع.
التَّبَغْنُجُ: أشدُّ مِنَ التَّغَنُّجِ.
التَّعْرِيفُ:
1 - التَّبَغُ (بِتَاءٍ مَفْتُوحَةٍ) لَفْظٌ أَجْنَبِيٌّ دَخَل الْعَرَبِيَّةَ دُونَ تَغْيِيرٍ، وَقَدْ أَقَرَّهُ مَجْمَعُ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ. وَهُوَ نَبَاتٌ مِنَ الْفَصِيلَةِ الْبَاذِنْجَانِيَّة يُسْتَعْمَل تَدْخِينًا وَسَعُوطًا وَمَضْغًا، وَمِنْهُ نَوْعٌ يُزْرَعُ لِلزِّينَةِ، وَهُوَ مِنْ أَصْلٍ أَمْرِيكِيٍّ، وَلَمْ يَعْرِفْهُ الْعَرَبُ الْقُدَمَاءُ.
وَمِنْ أَسْمَائِهِ: الدُّخَانُ، وَالتُّتُنُ، وَالتُّنْبَاكُ.
لَكِنَّ الْغَالِبَ إِطْلاَقُ هَذَا الأَْخِيرِ عَلَى نَوْعٍ خَاصٍّ مِنَ التَّبَغِ كَثِيفٍ يُدَخَّنُ بِالنَّارَجِيلَةِ لاَ بِاللَّفَائِفِ.
2 - وَمِمَّا يُشْبِهُ التَّبَغَ فِي التَّدْخِينِ وَالإِْحْرَاقِ: الطُّبَّاقُ، وَهُوَ نَبَاتٌ عُشْبِيٌّ مُعَمَّرٌ مِنْ فَصِيلَةِ الْمُرَكَّبَاتِ الأُْنْبُوبِيَّةِ الزَّهْرِ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ الْعَرَبِ، خِلاَفًا لِلتَّبَغِ، وَالطُّبَّاقُ: لَفْظٌ مُعَرَّبٌ. وَفِي الْمُعْجَمِ الْوَسِيطِ: الطُّبَّاقُ: الدُّخَانُ، يُدَخَّنُ وَرَقُهُ مَفْرُومًا أَوْ مَلْفُوفًا (1) .
__________
(1) المعجم الوسيط (تبغ - طبق) ولسان العرب المحيط قسم المصطلحات، وتهذيب الفروق 1 / 216.

3 - وَقَال الْفُقَهَاءُ عَنِ الدُّخَّانِ: إِنَّهُ حَدَثَ فِي أَوَاخِرِ الْقَرْنِ الْعَاشِرِ الْهِجْرِيِّ وَأَوَائِل الْقَرْنِ الْحَادِيَ عَشَرَ، وَأَوَّل مَنْ جَلَبَهُ لأَِرْضِ الرُّومِ (أَيِ الأَْتْرَاكِ الْعُثْمَانِيِّينَ) الإِْنْكِلِيزُ، وَلأَِرْضِ الْمَغْرِبِ يَهُودِيٌّ زَعَمَ أَنَّهُ حَكِيمٌ، ثُمَّ جُلِبَ إِلَى مِصْرَ، وَالْحِجَازِ، وَالْهِنْدِ، وَغَالِبِ بِلاَدِ الإِْسْلاَمِ. (1)
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالتَّبَغِ:
حُكْمُ اسْتِعْمَالِهِ:
4 - مُنْذُ ظُهُورِ الدُّخَّانِ - وَهُوَ الاِسْمُ الْمَشْهُورُ لِلتَّبَغِ - وَالْفُقَهَاءُ يَخْتَلِفُونَ فِي حُكْمِ اسْتِعْمَالِهِ، بِسَبَبِ الاِخْتِلاَفِ فِي تَحَقُّقِ الضَّرَرِ مِنَ اسْتِعْمَالِهِ، وَفِي الأَْدِلَّةِ الَّتِي تَنْطَبِقُ عَلَيْهِ، قِيَاسًا عَلَى غَيْرِهِ، إِذْ لاَ نَصَّ فِي شَأْنِهِ.
فَقَال بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ حَرَامٌ، وَقَال آخَرُونَ: إِنَّهُ مُبَاحٌ، وَقَال غَيْرُهُمْ: إِنَّهُ مَكْرُوهٌ.
وَبِكُل حُكْمٍ مِنْ هَذِهِ الأَْحْكَامِ أَفْتَى فَرِيقٌ مِنْ كُل مَذْهَبٍ، وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:

الْقَائِلُونَ بِتَحْرِيمِهِ وَأَدِلَّتُهُمْ:
5 - ذَهَبَ إِلَى الْقَوْل بِتَحْرِيمِ شُرْبِ الدُّخَّانِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: الشَّيْخُ الشُّرُنْبُلاَلِيُّ، وَالْمَسِيرِيُّ،
__________
(1) فتح العلي المالك 1 / 118، 190، الطبعة الأخيرة للحلبي، وتهذيب الفروق 1 / 216، والدر المحتار وحاشية ابن عابدين عليه 5 / 295.

وَصَاحِبُ الدُّرِّ الْمُنْتَقَى، وَاسْتَظْهَرَ ابْنُ عَابِدِينَ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ تَحْرِيمًا عِنْدَ الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعِمَادِيِّ.
وَقَال بِتَحْرِيمِهِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: سَالِمٌ السَّنْهُورِيُّ، وَإِبْرَاهِيمُ اللَّقَّانِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْفَكُّونُ، وَخَالِدُ بْنُ أَحْمَدَ، وَابْنُ حَمْدُونَ وَغَيْرُهُمْ.
وَمِنَ الشَّافِعِيَّةِ: نَجْمُ الدِّينِ الْغَزِّيُّ، وَالْقَلْيُوبِيُّ، وَابْنُ عَلاَّنَ، وَغَيْرُهُمْ.
وَمِنَ الْحَنَابِلَةِ الشَّيْخُ أَحْمَدُ الْبُهُوتِيُّ، وَبَعْضُ الْعُلَمَاءِ النَّجْدِيِّينَ.
وَمِنْ هَؤُلاَءِ جَمِيعًا مَنْ أَلَّفَ فِي تَحْرِيمِهِ كَاللَّقَّانِيِّ وَالْقَلْيُوبِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْفَكُّونِ، وَابْنِ عَلاَّنَ (1) . وَاسْتَدَل الْقَائِلُونَ بِالْحُرْمَةِ بِمَا يَأْتِي:
6 - أ - أَنَّ الدُّخَّانَ يُسْكِرُ فِي ابْتِدَاءِ تَعَاطِيهِ إِسْكَارًا سَرِيعًا بِغَيْبَةٍ تَامَّةٍ، ثُمَّ لاَ يَزَال فِي كُل مَرَّةٍ يَنْقُصُ شَيْئًا فَشَيْئًا حَتَّى يَطُول الأَْمَدُ جِدًّا،
__________
(1) الدر المختار وحاشية ابن عابدين 5 / 295، 296، وتهذيب الفروق بهامش الفروق 1 / 216، 217، وفتح العلي المالك 1 / 118، 189، 190، الطبعة الأخيرة للحلبي، وبغية المسترشدين ص 260، وحاشية القليوبي 1 / 69، وحاشية الجمل 1 / 170، وحاشية الشرواني 4 / 237، ومطالب أولي النهى 6 / 217 إلى 219، والفواكه العديدة في المسائل المفيدة 2 / 78، ورسالة إرشاد السائل إلى دلائل المسائل ص 50، 51، من مجموعة الرسائل السلفية في إحياء سنة خير البرية للشوكاني ط دار الكتب العلمية.

فَيَصِيرُ لاَ يُحِسُّ بِهِ، لَكِنَّهُ يَجِدُ نَشْوَةً وَطَرَبًا أَحْسَن عِنْدَهُ مِنَ السُّكْرِ. أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالإِْسْكَارِ: مُطْلَقُ الْمُغَطِّي لِلْعَقْل وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ الشِّدَّةُ الْمُطْرِبَةُ، وَلاَ رَيْبَ أَنَّهَا حَاصِلَةٌ لِمَنْ يَتَعَاطَاهُ أَوَّل مَرَّةٍ. وَهُوَ عَلَى هَذَا يَكُونُ نَجِسًا، وَيُحَدُّ شَارِبُهُ، وَيَحْرُمُ مِنْهُ الْقَلِيل وَالْكَثِيرُ.
7 - ب - إِنْ قِيل: إِنَّهُ لاَ يُسْكِرُ، فَهُوَ يُحْدِثُ تَفْتِيرًا وَخَدَرًا لِشَارِبِهِ، فَيُشَارِكُ أَوَّلِيَّةَ الْخَمْرِ فِي نَشْوَتِهِ، وَقَدْ قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا: نَهَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ كُل مُسْكِرٍ وَمُفَتِّرٍ (1) قَال الْعُلَمَاءُ: الْمُفَتِّرُ: مَا يُحْدِثُ الْفُتُورَ وَالْخَدَرَ فِي الأَْطْرَافِ وَصَيْرُورَتَهَا إِلَى وَهَنٍ وَانْكِسَارٍ، وَيَكْفِي حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ حُجَّةً، وَدَلِيلاً عَلَى تَحْرِيمِهِ.
وَلَكِنَّهُ عَلَى هَذَا لاَ يَكُونُ نَجِسًا وَلاَ يُحَدُّ شَارِبُهُ، وَيَحْرُمُ الْقَلِيل مِنْهُ كَالْكَثِيرِ خَشْيَةَ الْوُقُوعِ فِي التَّأْثِيرِ، إِذِ الْغَالِبُ وُقُوعُهُ بِأَدْنَى شَيْءٍ مِنْهَا، وَحِفْظُ الْعُقُول مِنَ الْكُلِّيَّاتِ الْخَمْسِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا عِنْدَ أَهْل الْمِلَل. (2)
8 - ج - أَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَى شُرْبِهِ الضَّرَرُ فِي الْبَدَنِ وَالْعَقْل وَالْمَال، فَهُوَ يُفْسِدُ الْقَلْبَ، وَيُضْعِفُ
__________
(1) حديث: " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر. . . " أخرجه أبو داود (4 / 90 - ط عزت عبيد دعاس) وإسناده ضعيف (عون المعبود 3 / 374 - ط نشر دار الكتاب العربي) .
(2) ابن عابدين 5 / 296، وتهذيب الفروق 1 / 217، 218، والفواكه العديدة في المسائل المفيدة 2 /، 80، 81.

الْقُوَى، وَيُغَيِّرُ اللَّوْنَ بِالصُّفْرَةِ، وَيَتَوَلَّدُ مِنْ تَكَاثُفِ دُخَانِهِ فِي الْجَوْفِ الأَْمْرَاضُ وَالْعِلَل، كَالسُّعَال الْمُؤَدِّي لِمَرَضِ السُّل، وَتَكْرَارُهُ يُسَوِّدُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، وَتَتَوَلَّدُ مِنْهُ الْحَرَارَةُ، فَتَكُونُ دَاءً مُزْمِنًا مُهْلِكًا، فَيَشْمَلُهُ قَوْله تَعَالَى: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} (1) وَهُوَ يَسُدُّ مَجَارِيَ الْعُرُوقِ، فَيَتَعَطَّل وُصُول الْغِذَاءِ مِنْهَا إِلَى أَعْمَاقِ الْبَدَنِ، فَيَمُوتُ مُسْتَعْمِلُهُ فَجْأَةً. (2)
ثُمَّ قَالُوا: وَالأَْطِبَّاءُ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّهُ مُضِرٌّ، قَال الشَّيْخُ عُلَيْشٌ: أَخْبَرَ بَعْضُ مُخَالِطِي الإِْنْكِلِيزِ أَنَّهُمْ مَا جَلَبُوا الدُّخَانَ لِبِلاَدِ الإِْسْلاَمِ إِلاَّ بَعْدَ إِجْمَاعِ أَطِبَّائِهِمْ عَلَى مَنْعِهِمْ مِنْ مُلاَزَمَتِهِ، وَأَمْرِهِمْ بِالاِقْتِصَارِ عَلَى الْيَسِيرِ الَّذِي لاَ يَضُرُّ، لِتَشْرِيحِهِمْ رَجُلاً مَاتَ بِاحْتِرَاقِ كَبِدِهِ وَهُوَ مُلاَزِمُهُ، فَوَجَدُوهُ سَارِيًا فِي عُرُوقِهِ وَعَصَبِهِ، وَمُسَوِّدًا مُخَّ عِظَامِهِ، وَقَلْبُهُ مِثْل إِسْفَنْجَةٍ يَابِسَةٍ، فَمَنَعُوهُمْ مِنْ مُدَاوَمَتِهِ، وَأَمَرُوهُمْ بِبَيْعِهِ لِلْمُسْلِمِينَ لإِِضْرَارِهِمْ. . . قَال الشَّيْخُ عُلَيْشٌ: فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إِلاَّ هَذَا لَكَانَ بَاعِثًا لِلْعَقْل عَلَى اجْتِنَابِهِ، (3) وَقَدْ قَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْحَلاَل
__________
(1) سورة النساء / 29.
(2) فتح العلي المالك 1 / 118، 123، وحاشية قليوبي 1 / 69، والبجيرمي على الخطيب 4 / 276، والفواكه العديدة في المسائل المفيدة 2 / 81.
(3) فتح العلي المالك 1 / 122، والفواكه العديدة 2 / 81.

بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لاَ يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْل الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ. (1)
هَذَا وَفِي الْمَرَاجِعِ الْحَدِيثَةِ مَا يُثْبِتُ ضَرَرَ التَّدْخِينِ. (2)
9 - د - فِي التَّدْخِينِ إِسْرَافٌ وَتَبْذِيرٌ وَضَيَاعٌ لِلْمَال، قَال الشَّيْخُ عُلَيْشٌ: لَوْ سُئِل الْفُقَهَاءُ - الَّذِينَ قَالُوا: السَّفَهُ الْمُوجِبُ لِلْحَجْرِ تَبْذِيرُ الْمَال فِي اللَّذَّاتِ وَالشَّهَوَاتِ - عَنْ مُلاَزِمِ اسْتِعْمَال الدُّخَانِ، لَمَّا تَوَقَّفُوا فِي وُجُوبِ الْحَجْرِ عَلَيْهِ وَسَفَهِهِ، وَانْظُرْ إِلَى مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى إِضَاعَةِ الأَْمْوَال فِيهِ مِنَ التَّضْيِيقِ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، وَحِرْمَانِهِمْ مِنَ الصَّدَقَةِ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ مِمَّا أَفْسَدَهُ الدُّخَّانُ عَلَى الْمُتَرَفِّهِينَ بِهِ، وَسَمَاحَةِ أَنْفُسِهِمْ بِدَفْعِهَا لِلْكُفَّارِ الْمُحَارِبِينَ أَعْدَاءِ الدِّينِ،
__________
(1) حديث: " الحلال بين والحرام بين. . . " أخرجه البخاري (الفتح 4 / 290 - ط السلفية) ومسلم (3 / 1219 - ط الحلبي) واللفظ لمسلم.
(2) تذكر المراجع الحديثة أن التقارير عن التدخين أثبتت ضرره،وأنه مصدر خطر على الصحة، ويؤدي إلى مرض السرطان، وأن نسبة المتوفين من المدخنين أعلى منها بين غير المدخنين. انظر في هذا دائرة المعارف البريطانية ط 1968 م مادة (TOBCCO) وكتاب التدخين وسرطان الرئة للدكتور نبيل الطويل ص 30.

وَمَنْعِهَا مِنَ الإِْعَانَةِ بِهَا عَلَى مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَسَدِّ خُلَّةِ الْمُحْتَاجِينَ. (1)
10 - هـ - صَدَرَ أَمْرٌ سُلْطَانِيٌّ مِنَ الْخَلِيفَةِ الْعُثْمَانِيِّ فِي وَقْتِهِ - بِنَاءً عَلَى فَتَاوَى عُلَمَاءِ عَصْرِهِ - بِمَنْعِ اسْتِعْمَال الدُّخَّانِ وَمُعَاقَبَةِ شَارِبِيهِ، وَحَرْقِ مَا وُجِدَ مِنْهُ. فَيُعْتَبَرُ مِنْ وُجُوهِ تَحْرِيمِهِ: الْخُرُوجُ عَنْ طَاعَةِ السُّلْطَانِ، فَإِنَّ امْتِثَال أَمْرِهِ وَاجِبٌ فِي غَيْرِ مَا أُجْمِعَ عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَمُخَالَفَتُهُ مُحَرَّمَةٌ. (2)
11 وَرَائِحَةُ الدُّخَّانِ مُنْتِنَةٌ مُؤْذِيَةٌ، وَكُل رَائِحَةٍ مُؤْذِيَةٍ فَهِيَ مَمْنُوعَةٌ، وَالدُّخَّانُ أَشَدُّ مِنَ الْبَصَل وَالثُّومِ فِي الرَّائِحَةِ، وَقَدْ وَرَدَ مَنْعُ مَنْ تَنَاوَلَهُمَا مِنْ دُخُول الْمَسْجِدِ، وَفَرْقٌ بَيْنَ الرَّائِحَةِ الْمُنْتِنَةِ وَالرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ، وَالْبَصَل وَالثُّومُ رِيحُهُمَا مَكْرُوهٌ وَلَيْسَ مُنْتِنًا، وَالدُّخَّانُ رِيحُهُ مُنْتِنٌ. (3)
12 - ز - مَنْ زَعَمَ اسْتِعْمَالَهُ تَدَاوِيًا لَمْ يَسْتَعْمِلْهُ اسْتِعْمَال الأَْدْوِيَةِ، وَخَرَجَ بِهِ إِلَى حَدِّ التَّفَكُّهِ وَالتَّلَذُّذِ، وَادَّعَى التَّدَاوِيَ تَلْبِيسًا وَتَسَتُّرًا حَتَّى وَصَل بِهِ إِلَى أَغْرَاضٍ بَاطِنَةٍ مِنَ الْعَبَثِ وَاللَّهْوِ وَالإِْسْطَال، وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ حُرْمَتُهُ، وَعَرَّفُوا الْعَبَثَ: بِأَنَّهُ فِعْلٌ لِغَيْرِ غَرَضٍ صَحِيحٍ،
__________
(1) فتح العلي المالك 1 / 122، 189، وتهذيب الفروق 1 / 217، 218.
(2) ابن عابدين 5 / 296، والدر المنتقى بهامش مجمع الأنهر 2 / 572، وفتح العلي المالك 1 / 120.
(3) فتح العلي المالك 1 / 120، 121.

وَالسَّفَهَ: بِأَنَّهُ فِعْلٌ لاَ غَرَضَ فِيهِ أَصْلاً وَاللَّعِبَ: فِعْلٌ فِيهِ لَذَّةٌ. وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِحُرْمَةِ الْعَبَثِ فِي غَيْرِ الصَّلاَةِ صَاحِبُ كِتَابِ الاِحْتِسَابِ (1) مُتَمَسِّكًا بِقَوْل اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا} (2) وَصَاحِبُ الْكَافِي مُتَمَسِّكًا بِقَوْل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كُل شَيْءٍ يَلْهُو بِهِ الرَّجُل بَاطِلٌ إِلاَّ رَمْيَةَ الرَّجُل بِقَوْسِهِ، وَتَأْدِيبَهُ فَرَسَهُ، وَمُلاَعَبَتَهُ امْرَأَتَهُ، فَإِنَّهُنَّ مِنَ الْحَقِّ. (3)

الْقَائِلُونَ بِإِبَاحَتِهِ وَأَدِلَّتُهُمْ:
13 - ذَهَبَ إِلَى الْقَوْل بِإِبَاحَةِ شُرْبِ الدُّخَّانِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: الشَّيْخُ عَبْدُ الْغَنِيِّ النَّابُلُسِيُّ، وَقَدْ أَلَّفَ فِي إِبَاحَتِهِ رِسَالَةً سَمَّاهَا (الصُّلْحُ بَيْنَ الإِْخْوَانِ فِي إِبَاحَةِ شُرْبِ الدُّخَّانِ) وَمِنْهُمْ صَاحِبُ الدُّرِّ الْمُخْتَارِ، وَابْنُ عَابِدِينَ، وَالشَّيْخُ مُحَمَّدٌ الْعَبَّاسِيُّ الْمَهْدِيُّ صَاحِبُ الْفَتَاوَى الْمَهْدِيَّةِ، وَالْحَمَوِيُّ شَارِحُ الأَْشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ.
وَمِنَ الْمَالِكِيَّةِ: عَلِيٌّ الأَُجْهُورِيُّ، وَلَهُ رِسَالَةٌ فِي إِبَاحَتِهِ سَمَّاهَا (غَايَةُ الْبَيَانِ لِحِل شُرْبِ مَا لاَ يُغَيِّبُ الْعَقْل مِنَ الدُّخَّانِ)
__________
(1) فتح العلي المالك 1 / 119.
(2) سورة المؤمنون / 115.
(3) حديث: " كل شيء يلهوبه الرجل باطل إلا رمية الرجل بقوسه. . . " أخرجه أحمد (4 / 144 - ط الميمنية) والحاكم (2 / 95 - ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه وافقه الذهبي.

وَنَقَل فِيهَا الإِْفْتَاءَ بِحِلِّهِ عَمَّنْ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ مِنْ أَئِمَّةِ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ، وَتَابَعَهُ عَلَى الْحِل أَكْثَرُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَمِنْهُمُ: الدُّسُوقِيُّ، وَالصَّاوِيُّ، وَالأَْمِيرُ، وَصَاحِبُ تَهْذِيبِ الْفُرُوقِ.
وَمِنَ الشَّافِعِيَّةِ: الْحِفْنِيُّ، وَالْحَلَبِيُّ، وَالرَّشِيدِيُّ، وَالشُّبْرَامَلْسِيُّ، وَالْبَابِلِيُّ، وَعَبْدُ الْقَادِرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْحُسَيْنِيُّ الطَّبَرِيُّ الْمَكِّيُّ، وَلَهُ رِسَالَةٌ سَمَّاهَا (رَفْعُ الاِشْتِبَاكِ عَنْ تَنَاوُل التُّنْبَاكِ) .
وَمِنَ الْحَنَابِلَةِ: الْكَرْمِيُّ صَاحِبُ دَلِيل الطَّالِبِ، وَلَهُ رِسَالَةٌ فِي ذَلِكَ سَمَّاهَا (الْبُرْهَانُ فِي شَأْنِ شُرْبِ الدُّخَّانِ) .
كَذَلِكَ قَال الشَّوْكَانِيُّ بِإِبَاحَتِهِ. (1)
وَقَدِ اسْتَدَل الْقَائِلُونَ بِإِبَاحَتِهِ بِمَا يَأْتِي:
14 - أ - أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ إِسْكَارُهُ وَلاَ تَخْدِيرُهُ، وَلاَ إِضْرَارُهُ (عِنْدَ أَصْحَابِ هَذَا الرَّأْيِ) وَقَدْ عُرِفَ ذَلِكَ بَعْدَ اشْتِهَارِهِ، وَمَعْرِفَةِ النَّاسِ بِهِ،
__________
(1) ابن عابدين 5 / 295، 296، والفتاوى المهدية 5 / 298، والحموي على الأشباه 1 / 98، وفتح العلي المالك 1 / 189، 190، وتهذيب الفروق 1 / 217 - 219، والدسوقي 1 / 50، والشرح الصغير 1 / 19، 323 والشرواني على تحفة المحتاج 8 / 309، وحاشية الجمل 1 / 170، ومطالب أولي النهى 6 / 217، والفواكه العديدة في المسائل المفيدة 2 / 80، 81، ورسالة إرشاد السائل للشوكاني ص 50، 51.

فَدَعْوَى أَنَّهُ يُسْكِرُ أَوْ يُخَدِّرُ غَيْرُ صَحِيحَةٍ، فَإِنَّ الإِْسْكَارَ غَيْبُوبَةُ الْعَقْل مَعَ حَرَكَةِ الأَْعْضَاءِ، وَالتَّخْدِيرُ غَيْبُوبَةُ الْعَقْل مَعَ فُتُورِ الأَْعْضَاءِ، وَكِلاَهُمَا لاَ يَحْصُل لِشَارِبِهِ. نَعَمْ مَنْ لَمْ يَعْتَدْهُ يَحْصُل لَهُ إِذَا شَرِبَهُ نَوْعُ غَشَيَانٍ. وَهَذَا لاَ يُوجِبُ التَّحْرِيمَ. كَذَا قَال الشَّيْخُ حَسَنٌ الشَّطِّيُّ وَغَيْرُهُ. (1)
وَقَال الشَّيْخُ عَلِيٌّ الأَُجْهُورِيُّ: الْفُتُورُ الَّذِي يَحْصُل لِمُبْتَدِئِ شُرْبِهِ لَيْسَ مِنْ تَغْيِيبِ الْعَقْل فِي شَيْءٍ، وَإِنْ سَلِمَ أَنَّهُ مِمَّا يُغَيِّبُ الْعَقْل فَلَيْسَ مِنَ الْمُسْكِرِ قَطْعًا؛ لأَِنَّ الْمُسْكِرَ يَكُونُ مَعَهُ نَشْوَةٌ وَفَرَحٌ، وَالدُّخَانُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَحِينَئِذٍ فَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ لِمَنْ لاَ يُغَيِّبُ عَقْلَهُ، وَهَذَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الأَْمْزِجَةِ، وَالْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ، فَقَدْ يُغَيِّبُ عَقْل شَخْصٍ وَلاَ يُغَيِّبُ عَقْل آخَرَ، وَقَدْ يُغَيِّبُ مِنِ اسْتِعْمَال الْكَثِيرِ دُونَ الْقَلِيل. (2)
15 - ب - الأَْصْل فِي الأَْشْيَاءِ الإِْبَاحَةُ حَتَّى يَرِدَ نَصٌّ بِالتَّحْرِيمِ، فَيَكُونُ فِي حَدِّ ذَاتِهِ مُبَاحًا، جَرْيًا عَلَى قَوَاعِدِ الشَّرْعِ وَعُمُومَاتِهِ، الَّتِي يَنْدَرِجُ تَحْتَهَا حَيْثُ كَانَ حَادِثًا غَيْرَ مَوْجُودٍ زَمَنَ الشَّارِعِ، وَلَمْ يُوجَدْ فِيهِ نَصٌّ بِخُصُوصِهِ، وَلَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ فِي الْقُرْآنِ أَوِ السُّنَّةِ، فَهُوَ مِمَّا عَفَا اللَّهُ عَنْهُ، وَلَيْسَ
__________
(1) الحاشية على مطالب أولي النهى 6 / 217، وابن عابدين 5 / 296، وتهذيب الفروق 1 / 219.
(2) تهذيب الفروق 1 / 217.

الاِحْتِيَاطُ فِي الاِفْتِرَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِإِثْبَاتِ الْحُرْمَةِ أَوِ الْكَرَاهَةِ اللَّذَيْنِ لاَ بُدَّ لَهُمَا مِنْ دَلِيلٍ، بَل فِي الْقَوْل بِالإِْبَاحَةِ الَّتِي هِيَ الأَْصْل، وَقَدْ تَوَقَّفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ أَنَّهُ هُوَ الْمُشَرِّعُ فِي تَحْرِيمِ الْخَمْرِ أُمِّ الْخَبَائِثِ - حَتَّى نَزَل عَلَيْهِ النَّصُّ الْقَطْعِيُّ، فَاَلَّذِي يَنْبَغِي لِلإِْنْسَانِ إِذَا سُئِل عَنْهُ أَنْ يَقُول: هُوَ مُبَاحٌ، لَكِنَّ رَائِحَتَهُ تَسْتَكْرِهُهَا الطِّبَاعُ، فَهُوَ مَكْرُوهٌ طَبْعًا لاَ شَرْعًا. (1)
16 - ج - إِنْ فُرِضَ إِضْرَارُهُ لِبَعْضِ النَّاسِ فَهُوَ أَمْرٌ عَارِضٌ لاَ لِذَاتِهِ، وَيَحْرُمُ عَلَى مَنْ يَضُرُّهُ دُونَ غَيْرِهِ، وَلاَ يَلْزَمُ تَحْرِيمُهُ عَلَى كُل أَحَدٍ، فَإِنَّ الْعَسَل يَضُرُّ بَعْضَ النَّاسِ، وَرُبَّمَا أَمْرَضَهُمْ، مَعَ أَنَّهُ شِفَاءٌ بِالنَّصِّ الْقَطْعِيِّ. (2)
17 - د - صَرْفُ الْمَال فِي الْمُبَاحَاتِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَيْسَ بِسَرَفٍ؛ لأَِنَّ الإِْسْرَافَ هُوَ التَّبْذِيرُ، وَفَسَّرَ ابْنُ مَسْعُودٍ التَّبْذِيرَ بِأَنَّهُ إِنْفَاقُ الْمَال فِي غَيْرِ حَقِّهِ، فَإِذَا كَانَ الإِْنْفَاقُ فِي حَقِّهِ وَلَوْ مُبَاحًا فَلَيْسَ بِسَرَفٍ، وَدَعْوَى أَنَّهُ إِسْرَافٌ فَهَذَا غَيْرُ خَاصٍّ بِالدُّخَّانِ. (3)
__________
(1) ابن عابدين 5 / 296، وتهذيب الفروق 1 / 217، ومطالب أولي النهى 6 / 217، 218، والفواكه العديدة 2 / 84، وحاشية الجمل 3 / 24.
(2) ابن عابدين 5 / 296، وتهذيب الفروق 1 / 218، ورسالة إرشاد السائل للشوكاني ص 50، 51، والفواكه العديدة 2 / 84.
(3) تهذيب الفروق 1 / 218، ومطالب أولي النهى 6 / 217.

18 - هـ - اتَّفَقَ الْمُحَقِّقُونَ عَلَى أَنَّ تَحْكِيمَ الْعَقْل وَالرَّأْيِ بِلاَ مُسْتَنَدٍ شَرْعِيٍّ بَاطِلٌ، إِذْ لَيْسَ الصَّلاَحُ بِتَحْرِيمِهِ، وَإِنَّمَا الصَّلاَحُ وَالدِّينُ الْمُحَافَظَةُ بِالاِتِّبَاعِ لِلأَْحْكَامِ الْوَارِدَةِ بِلاَ تَغْيِيرٍ وَلاَ تَبْدِيلٍ، وَهَل الطَّعْنُ فِي أَكْثَرِ النَّاسِ مِنْ أَهْل الإِْيمَانِ وَالدِّينِ، وَالْحُكْمُ عَلَيْهِمْ بِالْفِسْقِ وَالطُّغْيَانِ بِسَبَبِ شُرْبِهِمُ الدُّخَّانَ، وَفِي الْعَامَّةِ مِنْ هَذِهِ الأُْمَّةِ فَضْلاً عَنِ الْخَاصَّةِ، (1) صَلاَحٌ أَمْ فَسَادٌ؟
19 - وَ - حَرَّرَ ابْنُ عَابِدِينَ أَنَّهُ لاَ يَجِبُ تَقْلِيدُ مَنْ أَفْتَى بِحُرْمَةِ شُرْبِ الدُّخَّانِ؛ لأَِنَّ فَتْوَاهُمْ إِنْ كَانَتْ عَنِ اجْتِهَادٍ فَاجْتِهَادُهُمْ لَيْسَ بِثَابِتٍ، لِعَدَمِ تَوَافُرِ شُرُوطِ الاِجْتِهَادِ، وَإِنْ كَانَتْ عَنْ تَقْلِيدٍ لِمُجْتَهِدٍ آخَرَ، فَلَيْسَ بِثَابِتٍ كَذَلِكَ لأَِنَّهُ لَمْ يُنْقَل مَا يَدُل عَلَى ذَلِكَ، فَكَيْفَ سَاغَ لَهُمُ الْفَتْوَى وَكَيْفَ يَجِبُ تَقْلِيدُهُمْ؟
ثُمَّ قَال: وَالْحَقُّ فِي إِفْتَاءِ التَّحْلِيل وَالتَّحْرِيمِ فِي هَذَا الزَّمَانِ التَّمَسُّكُ بِالأَْصْلَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْبَيْضَاوِيُّ فِي الأُْصُول، وَوَصَفَهُمَا بِأَنَّهُمَا نَافِعَانِ فِي الشَّرْعِ.
الأَْوَّل: أَنَّ الأَْصْل فِي الْمَنَافِعِ: الإِْبَاحَةُ، وَالآْيَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.
الثَّانِي: أَنَّ الأَْصْل فِي الْمَضَارِّ: التَّحْرِيمُ وَالْمَنْعُ لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ (2) .
__________
(1) مطالب أولي النهى 6 / 218.
(2) حديث: " لا ضرر ولا ضرار. . " أخرجه ابن ماجه (2 / 784 - ط الحلبي) وقال ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحكم (ص 286 - ط الحلبي) : له طرق يقوي بعضها بعضا.

ثُمَّ قَال: وَبِالْجُمْلَةِ إِنْ ثَبَتَ فِي هَذَا الدُّخَّانِ إِضْرَارٌ صَرَفَ عَنِ الْمَنَافِعِ فَيَجُوزُ الإِْفْتَاءُ بِتَحْرِيمِهِ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ إِضْرَارُهُ فَالأَْصْل الْحِل. مَعَ أَنَّ الإِْفْتَاءَ بِحِلِّهِ فِيهِ دَفْعُ الْحَرَجِ عَنِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ أَكْثَرَهُمْ يُبْتَلَوْنَ بِتَنَاوُلِهِ، فَتَحْلِيلُهُ أَيْسَرُ مِنْ تَحْرِيمِهِ، فَإِثْبَاتُ حُرْمَتِهِ أَمْرٌ عَسِيرٌ لاَ يَكَادُ يُوجَدُ لَهُ نَصِيرٌ. نَعَمْ لَوْ أَضَرَّ بِبَعْضِ الطَّبَائِعِ فَهُوَ عَلَيْهِ حَرَامٌ، وَلَوْ نَفَعَ بِبَعْضٍ وَقُصِدَ التَّدَاوِي فَهُوَ مَرْغُوبٌ.
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: كَذَا أَجَابَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ أَحْمَدُ بْنُ مُحْيِي الدِّينِ بْنِ حَيْدَرٍ الْكَرْدِيُّ الْجَزَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. (1)
وَفِي تَهْذِيبِ الْفُرُوقِ: مَنْ عَافَاهُ اللَّهُ مِنْ شُرْبِهِ وَاسْتِعْمَالِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، لاَ يَنْبَغِي أَنْ يَحْمِل النَّاسَ عَلَى مُخْتَارِهِ، فَيُدْخِل عَلَيْهِمْ شَغَبًا فِي أَنْفُسِهِمْ وَحَيْرَةً فِي دِينِهِمْ، إِذْ مِنْ شَرْطِ التَّغْيِيرِ لأَِمْرٍ مَا أَنْ يَكُونَ مُتَّفَقًا عَلَى إِنْكَارِهِ. (2)

الْقَائِلُونَ بِالْكَرَاهَةِ وَأَدِلَّتُهُمْ:
20 - ذَهَبَ إِلَى الْقَوْل بِكَرَاهَةِ شُرْبِ الدُّخَّانِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: ابْنُ عَابِدِينَ، وَأَبُو السُّعُودِ،
__________
(1) تهذيب الفروق 1 / 220، وتنقيح الفتاوى الحامدية 2 / 365، 366.
(2) تهذيب الفروق 1 / 221.

وَاللَّكْنَوِيُّ.
وَمِنَ الْمَالِكِيَّةِ: الشَّيْخُ يُوسُفُ الصَّفْتِيُّ.
وَمِنَ الشَّافِعِيَّةِ: الشِّرْوَانِيُّ.
وَمِنَ الْحَنَابِلَةِ: الْبُهُوتِيُّ، وَالرَّحِيبَانِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَنْقُورُ التَّمِيمِيُّ (1) .
وَاسْتَدَلُّوا بِمَا يَأْتِي:
21 - أ - كَرَاهَةُ رَائِحَتِهِ، فَيُكْرَهُ قِيَاسًا عَلَى الْبَصَل النِّيءِ وَالثُّومِ وَالْكُرَّاثِ وَنَحْوِهَا.
22 - ب - عَدَمُ ثُبُوتِ أَدِلَّةِ التَّحْرِيمِ، فَهِيَ تُورِثُ الشَّكَّ، وَلاَ يَحْرُمُ شَيْءٌ بِمُجَرَّدِ الشَّكِّ، فَيُقْتَصَرُ عَلَى الْكَرَاهَةِ لِمَا أَوْرَدَهُ الْقَائِلُونَ بِالْحُرْمَةِ. (2) .
__________
(1) ابن عابدين 5 / 296، وتهذيب الفروق 1 / 219، والشرواني على تحفة المحتاج 4 / 237، ومطالب أولي النهى 6 / 217 - 219، والفواكه العديدة 2 / 80.
(2) ترى لجنة الموسوعة أن الدخان يحرم إذا ثبت ضرره لبعض الناس ضررا صرفا خاليا من المنافع، سواء أكان الضرر في العقل أو البدن، أو كان شاربه مضطرا إلى صرف ثمنه في حاجاته وحاجات عياله الأساسية، فإن لم يكن كذلك فهو مكروه، لأن رائحته كريهة منتنة، ولأنه لا يخلو

حُكْمُ شُرْبِ الدُّخَّانِ فِي الْمَسَاجِدِ وَمَجَالِسِ الْقُرْآنِ وَالْعِلْمِ وَالْمَحَافِل:
23 - لاَ يَجُوزُ شُرْبُ الدُّخَّانِ فِي الْمَسَاجِدِ بِاتِّفَاقٍ، سَوَاءٌ قِيل بِإِبَاحَتِهِ أَوْ كَرَاهَتِهِ أَوْ تَحْرِيمِهِ، قِيَاسًا عَلَى مَنْعِ أَكْل الثُّومِ وَالْبَصَل فِي الْمَسَاجِدِ، وَمَنْعِ آكِلِهِمَا مِنْ دُخُول الْمَسَاجِدِ حَتَّى تَزُول رَائِحَةُ فَمِهِ، وَذَلِكَ لِكَرَاهَةِ رَائِحَةِ الثُّومِ وَالْبَصَل، فَيَتَأَذَّى الْمَلاَئِكَةُ وَالْمُصَلُّونَ مِنْهَا، وَيُلْحَقُ الدُّخَّانُ بِهِمَا لِكَرَاهَةِ رَائِحَتِهِ - وَالْمَسَاجِدُ إِنَّمَا بُنِيَتْ لِعِبَادَةِ اللَّهِ، فَيَجِبُ تَجْنِيبُهَا الْمُسْتَقْذَرَاتِ وَالرَّوَائِحَ الْكَرِيهَةَ - فَعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: مَنْ أَكَل الْبَصَل وَالثُّومَ وَالْكُرَّاثَ فَلاَ يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ الْمَلاَئِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ. (1)
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: يُمْنَعُ فِي الْمَسْجِدِ أَكْل نَحْوِ ثُومٍ وَبَصَلٍ وَنَحْوِهِ مِمَّا لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ، لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي النَّهْيِ عَنْ قُرْبَانِ آكِل الثُّومِ وَالْبَصَل
__________
(1) حديث: " من أكل البصل والثوم والكرات. . . " أخرجه مسلم (1 / 395 - ط الحلبي) .

الْمَسْجِدَ قَال الإِْمَامُ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: قُلْتُ: عِلَّةُ النَّهْيِ أَذَى الْمَلاَئِكَةِ وَأَذَى الْمُسْلِمِينَ.
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَيُلْحَقُ بِمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ: كُل مَا لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ مَأْكُولاً أَوْ غَيْرَهُ.
وَنَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنِ الطَّحْطَاوِيِّ: إِنَّ الدُّخَانَ مُلْحَقٌ بِالْبَصَل وَالثُّومِ فِي هَذَا الْحُكْمِ.
وَقَال الشَّيْخُ عُلَيْشٌ الْمَالِكِيُّ: لاَ شَكَّ فِي تَحْرِيمِ شُرْبِ الدُّخَّانِ فِي الْمَسَاجِدِ وَالْمَحَافِل لأَِنَّ لَهُ رَائِحَةً كَرِيهَةً، وَنُقِل عَنْ مَجْمُوعِ الأَْمِيرِ فِي بَابِ الْجُمُعَةِ: أَنَّهُ يَحْرُمُ تَعَاطِي مَا لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ فِي الْمَسْجِدِ وَالْمَحَافِل.
وَفِي الشِّرْوَانِيِّ عَلَى تُحْفَةِ الْمُحْتَاجِ: يُمْنَعُ مِنْ دُخُول الْمَسْجِدِ ذُو الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ، كَآكِل الْبَصَل وَالثُّومِ، وَمِنْهُ رِيحُ الدُّخَّانِ الْمَشْهُورِ الآْنَ. (1)
24 - كَذَلِكَ لاَ يَجُوزُ لِشَارِبِ الدُّخَّانِ دُخُول الْمَسْجِدِ حَتَّى تَزُول الرَّائِحَةُ مِنْ فَمِهِ، قِيَاسًا عَلَى مَنْعِ آكِل الثُّومِ وَالْبَصَل مِنْ دُخُول الْمَسْجِدِ حَتَّى تَزُول الرَّائِحَةُ. وَاعْتَبَرَ الْفُقَهَاءُ أَنَّ وُجُودَ الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ، عُذْرٌ فِي التَّخَلُّفِ عَنِ الْجُمُعَةِ
__________
(1) ابن عابدين 1 / 444، 5 / 296، 297، وفتح العلي المالك 1 / 189، 191، وحاشية الشرواني على تحفة المحتاج 2 / 275، 276، وكشاف القناع 1 / 497 و 2 / 365.

وَالْجَمَاعَةِ، إِذَا لَمْ يُفْعَل ذَلِكَ قَصْدًا لإِِسْقَاطِ الْجَمَاعَةِ.
وَلاَ يَخْتَصُّ الْمَنْعُ بِالْمَسَاجِدِ، بَل إِنَّهُ يَشْمَل مَجَامِعَ الصَّلاَةِ غَيْرَ الْمَسَاجِدِ، كَمُصَلَّى الْعِيدِ وَالْجَنَائِزِ وَنَحْوِهَا مِنْ مَجَامِعِ الْعِبَادَاتِ، وَكَذَا مَجَامِعُ الْعِلْمِ وَالذِّكْرِ وَمَجَالِسُ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَنَحْوُهَا.
25 - هَذَا مَعَ اخْتِلاَفِ الْفُقَهَاءِ فِي مَنْعِ مَنْ فِي فَمِهِ رَائِحَةُ الدُّخَّانِ مِنْ دُخُول الْمَسْجِدِ، أَوْ مَجَامِعِ الْعِبَادَاتِ، وَمَجَالِسِ الْقُرْآنِ، فَحَرَّمَهُ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ، وَكَرِهَهُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ.
كَذَلِكَ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَجَامِعِ الَّتِي لَيْسَتْ لِلصَّلاَةِ أَوِ الذِّكْرِ أَوْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ. وَذَلِكَ كَالْوَلاَئِمِ وَمَجَالِسِ الْقَضَاءِ.
فَأَفْتَى بِإِبَاحَتِهِ فِي مَجَالِسِ الْقَضَاءِ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ مَهْدِيٌّ الْعَبَّاسِيُّ الْحَنَفِيُّ شَيْخُ الأَْزْهَرِ وَمُفْتِي الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ.
وَقَال الشَّيْخُ عُلَيْشٌ الْمَالِكِيُّ: يَحْرُمُ تَعَاطِيهِ فِي الْمَحَافِل.
وَكَرِهَهُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ.
26 - أَمَّا الأَْسْوَاقُ وَنَحْوُهَا، فَقَدْ قَال الإِْمَامُ النَّوَوِيُّ: يُلْحَقُ بِالثُّومِ وَالْبَصَل وَالْكُرَّاثِ كُل مَا لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ مِنَ الْمَأْكُولاَتِ وَغَيْرِهَا، وَقَاسَ الْعُلَمَاءُ عَلَى الْمَسَاجِدِ مَجَامِعَ الْعِبَادَاتِ وَمَجَامِعَ

الْعِلْمِ وَالذِّكْرِ وَالْوَلاَئِمِ وَنَحْوِهَا.
ثُمَّ قَال: وَلاَ يُلْتَحَقُ بِهَا الأَْسْوَاقُ وَنَحْوُهَا. (1) .

حُكْمُ بَيْعِ الدُّخَانِ وَزِرَاعَتِهِ:
27 - كَانَ الاِخْتِلاَفُ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ بِالنِّسْبَةِ لِلدُّخَانِ هُوَ فِي بَيَانِ حُكْمِ شُرْبِهِ، هَل هُوَ حَرَامٌ أَوْ مُبَاحٌ أَوْ مَكْرُوهٌ؟ ، وَكَانَ التَّعَرُّضُ لِبَيَانِ حُكْمِ بَيْعِهِ أَوْ زِرَاعَتِهِ قَلِيلاً.
عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُقَال فِي الْجُمْلَةِ: إِنَّ الَّذِينَ حَرَّمُوهُ يَسْتَتْبِعُ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ حُرْمَةَ بَيْعِهِ وَزِرَاعَتِهِ، وَالَّذِينَ أَبَاحُوهُ يُبَاحُ عِنْدَهُمْ بَيْعُهُ وَزِرَاعَتُهُ. يَقُول الشَّيْخُ عُلَيْشٌ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: الْحَاصِل أَنَّ الدُّخَّانَ فِي شُرْبِهِ خِلاَفٌ بِالْحِل وَالْحُرْمَةِ، فَالْوَرَعُ عَدَمُ شُرْبِهِ، وَبَيْعُهُ وَسِيلَةً لِشُرْبِهِ، فَيُعْطَى حُكْمَهُ (2) .
وَنُورِدُ فِيمَا يَلِي مَا أَمْكَنَ الْعُثُورُ عَلَيْهِ مِنْ أَقْوَالٍ فِي ذَلِكَ:
28 - مِنَ الْحَنَفِيَّةِ نَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنِ
__________
(1) ابن عابدين 1 / 444، 5 / 296، 297، والطحطاوي على الدر 1 / 278، وفتح العلي المالك 1 / 189، 191، والشرح الصغير 1 / 184 والشرواني 2 / 276، ومغني المحتاج 1 / 236 ونهاية المحتاج 2 / 155، والبجيرمي على الخطيب 2 / 114، وصحيح مسلم بشرح النووي 5 / 48، 49 ط ثالثة نشر دار إحياء التراث، وكشاف القناع 1 / 497، 498، 2 / 365، 6 / 195، والفتاوى المهدية 5 / 298.
(2) فتح العلي المالك 1 / 190.

الشُّرُنْبُلاَلِيِّ: أَنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ بَيْعِ الدُّخَّانِ (1) ، وَمِنَ الْمَالِكِيَّةِ، ذَكَرَ الشَّيْخُ عُلَيْشٌ: مَا يُفِيدُ جَوَازَ زِرَاعَتِهِ وَبَيْعِهِ، فَقَدْ سُئِل فِي الدُّخَّانِ الَّذِي يُشْرَبُ فِي الْقَصَبَةِ، وَالَّذِي يُسْتَنْشَقُ بِهِ، هَل كُلٌّ مِنْهُمَا مُتَمَوَّلٌ؟ فَإِذَا أَتْلَفَ شَخْصٌ شَيْئًا مِنْ أَحَدِهِمَا مَمْلُوكًا لِغَيْرِهِ يَكُونُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ، أَوْ كَيْفَ الْحَال؟
فَأَجَابَ: نَعَمْ كُلٌّ مِنْهُمَا مُتَمَوَّلٌ؛ لأَِنَّهُ طَاهِرٌ فِيهِ مَنْفَعَةٌ شَرْعِيَّةٌ لِمَنِ اخْتَلَّتْ طَبِيعَتُهُ بِاسْتِعْمَالِهِ وَصَارَ لَهُ كَالدَّوَاءِ، فَكُلٌّ مِنْهُمَا كَسَائِرِ الْعَقَاقِيرِ الَّتِي يُتَدَاوَى بِهَا مِنَ الْعِلَل، وَلاَ يَرْتَابُ عَاقِلٌ مُتَشَرِّعٌ فِي أَنَّهَا مُتَمَوَّلَةٌ، فَكَذَلِكَ هَذَانِ، كَيْفَ وَالاِنْتِفَاعُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ وَالتَّنَافُسُ حَاصِلاَنِ بِالْمُشَاهَدَةِ.
فَإِذَا أَتْلَفَ شَخْصٌ شَيْئًا مِنْ أَحَدِهِمَا مَمْلُوكًا لِغَيْرِهِ كَانَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ، وَقَدْ أَفْتَى بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِجَوَازِ بَيْعِ مُغَيَّبِ الْعَقْل بِلاَ نَشْوَةٍ، لِمَنْ يَسْتَعْمِل مِنْهُ الْقَدْرَ الْيَسِيرَ الَّذِي لاَ يُغَيِّبُ عَقْلَهُ، وَاسْتَظْهَرَ فَتْوَاهُ سَيِّدِي إِبْرَاهِيمُ اللَّقَّانِيُّ (2) .
كَذَلِكَ سُئِل الشَّيْخُ عُلَيْشٌ: عَنْ رَجُلٍ تَعَدَّى عَلَى بَصَلٍ لآِخَرَ أَوْ جَزَرٍ أَوْ خَسٍّ أَوْ دُخَّانٍ أَوْ مُطْلَقِ زَرْعٍ قَبْل بُدُوِّ صَلاَحِهِ، فَمَاذَا يَلْزَمُهُ؟ وَهَل يُعْتَبَرُ وَقْتُ الْحَصَادِ، أَوْ مَا يَقُولُهُ أَهْل الْمَعْرِفَةِ؟ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلاَحِ فَمَا الْحُكْمُ؟
__________
(1) ابن عابدين 5 / 295.
(2) فتح العلي المالك 2 / 181.

فَأَجَابَ: إِنْ تَعَدَّى عَلَى الزَّرْعِ قَبْل بُدُوِّ الصَّلاَحِ أُغْرِمَ قِيمَتَهُ يَوْمَ التَّعَدِّي عَلَى الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ، وَإِنْ تَأَخَّرَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ بِالْغُرْمِ حَتَّى رَجَعَ الزَّرْعُ لِحَالِهِ سَقَطَتْ عَنْهُ الْقِيمَةُ وَيُؤَدَّبُ الْمُفْسِدُ، وَإِنْ تَعَدَّى بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلاَحِ أُغْرِمَ قِيمَتَهُ يَوْمَ التَّعَدِّي عَلَى الْبَتِّ. (1)
وَمِنَ الشَّافِعِيَّةِ: جَاءَ فِي حَاشِيَةِ الشُّبْرَامَلْسِيِّ عَلَى نِهَايَةِ الْمُحْتَاجِ: يَصِحُّ بَيْعُ الدُّخَانِ الْمَعْرُوفِ فِي زَمَانِنَا؛ لأَِنَّهُ طَاهِرٌ مُنْتَفَعٌ بِهِ (2) أَيْ عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ.
وَجَاءَ فِي حَاشِيَةِ الشِّرْوَانِيِّ عَلَى تُحْفَةِ الْمُحْتَاجِ مَا مُلَخَّصُهُ جَوَازُ بَيْعِهِ.، لِلْخِلاَفِ فِي حُرْمَتِهِ وَلاِنْتِفَاعِ بَعْضِ النَّاسِ بِهِ. كَمَا إِذَا كَانَ يُعْلَمُ الضَّرَرُ بِتَرْكِهِ، وَحِينَئِذٍ فَيَصِحُّ بَيْعُهُ. (3)
وَلَمْ نَعْثُرْ عَلَى نَصٍّ فِي مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ، لَكِنْ جَاءَ فِي كَشَّافِ الْقِنَاعِ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَفَادَ مِنْهُ جَوَازُ بَيْعِهِ قِيَاسًا. قَال: السُّمُّ مِنَ الْحَشَائِشِ وَالنَّبَاتِ، إِنْ كَانَ لاَ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ كَانَ يَقْتُل قَلِيلُهُ، لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ، وَإِنِ اُنْتُفِعَ بِهِ وَأَمْكَنَ التَّدَاوِي بِيَسِيرِهِ جَازَ بَيْعُهُ، لِمَا فِيهِ مِنَ النَّفْعِ الْمُبَاحِ. (4)
__________
(1) فتح العلي المالك 2 / 179.
(2) نهاية المحتاج وحاشية الشبراملسي عليه 3 / 318.
(3) حاشية الشرواني على تحفة المحتاج 4 / 237، وحاشية الجمل 3 / 24.
(4) كشاف القناع 3 / 155.

حُكْمُ الدُّخَّانِ مِنْ حَيْثُ الطَّهَارَةُ وَالنَّجَاسَةُ:
29 - صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ بِطَهَارَةِ الدُّخَّانِ. قَال الدَّرْدِيرُ: مِنَ الطَّاهِرِ الْجَمَادُ، وَيَشْمَل النَّبَاتَ بِأَنْوَاعِهِ، قَال الصَّاوِيُّ: وَمِنْ ذَلِكَ الدُّخَّانُ (1) وَفِي نِهَايَةِ الْمُحْتَاجِ قَال الشُّبْرَامَلْسِيُّ فِي الْحَاشِيَةِ: يَصِحُّ بَيْعُ الدُّخَّانِ الْمَعْرُوفِ فِي زَمَانِنَا؛ لأَِنَّهُ طَاهِرٌ مُنْتَفَعٌ بِهِ. وَوَرَدَ مِثْل ذَلِكَ فِي حَاشِيَةِ الْجَمَل وَحَاشِيَةِ الشِّرْوَانِيِّ وَحَاشِيَةِ الْقَلْيُوبِيِّ (2) .
هَذَا وَقَدْ ذَكَرَ الْقَرَافِيُّ فِي الْفَرْقِ الأَْرْبَعِينَ: " قَاعِدَةُ الْمُسْكِرَاتِ وَالْمُرَقِّدَاتِ وَالْمُفْسِدَاتِ "
(تَنْبِيهٌ)
تَنْفَرِدُ الْمُسْكِرَاتُ عَنِ الْمُرَقِّدَاتِ وَالْمُفْسِدَاتِ بِثَلاَثَةِ أَحْكَامٍ: الْحَدِّ، وَالتَّنْجِيسِ، وَتَحْرِيمِ الْيَسِيرِ. وَالْمُرَقِّدَاتُ وَالْمُفْسِدَاتُ لاَ حَدَّ فِيهَا وَلاَ نَجَاسَةَ، فَمَنْ صَلَّى بِالْبَنْجِ مَعَهُ أَوِ الأَْفْيُونِ لَمْ تَبْطُل صَلاَتُهُ إِجْمَاعًا (3) . هَذَا وَبَعْضُ مَنْ حَرَّمَ الدُّخَّانَ وَعَلَّل حُرْمَتَهُ بِالإِْسْكَارِ فَهِيَ عِنْدَهُ نَجِسَةٌ قِيَاسًا عَلَى الْخَمْرِ. (4)
وَلَمْ نَعْثُرْ عَلَى نَصٍّ فِي مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ، إِلاَّ أَنَّ قَوَاعِدَهُمْ تَدُل عَلَى أَنَّ الدُّخَّانَ طَاهِرٌ، فَقَدْ قَال ابْنُ عَابِدِينَ: الأَْشْرِبَةُ الْجَامِدَةُ كَالْبَنْجِ وَالأَْفْيُونِ
__________
(1) الشرح الصغير 1 / 19 ط الحلبي.
(2) نهاية المحتاج 3 / 318، وحاشية الجمل 1 / 170، وحاشية الشرواني 1 / 288، 289، 4 / 237، وحاشية القليوبي 1 / 69.
(3) الفروق للقرافي 1 / 218.
(4) هامش الفروق 1 / 217.

لَمْ نَرَ أَحَدًا قَال بِنَجَاسَتِهَا، وَلاَ يَلْزَمُ مِنَ الْحُرْمَةِ نَجَاسَتُهُ، كَالسُّمِّ الْقَاتِل، فَإِنَّهُ حَرَامٌ مَعَ أَنَّهُ طَاهِرٌ. (1)
كَذَلِكَ لَمْ نَعْثُرْ عَلَى نَصٍّ فِي مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ، إِلاَّ أَنَّهُ جَاءَ فِي نَيْل الْمَآرِبِ: الْمُسْكِرُ غَيْرُ الْمَائِعِ طَاهِرٌ. (2)

تَفْطِيرُ الصَّائِمِ بِشُرْبِ الدُّخَّانِ:
30 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ شُرْبَ الدُّخَّانِ الْمَعْرُوفِ أَثْنَاءَ الصَّوْمِ يُفْسِدُ الصِّيَامَ لأَِنَّهُ مِنَ الْمُفْطِرَاتِ، كَذَلِكَ يُفْسِدُ الصَّوْمَ لَوْ أَدْخَل الدُّخَّانَ حَلْقَهُ مِنْ غَيْرِ شُرْبٍ، بَل بِاسْتِنْشَاقٍ لَهُ عَمْدًا، أَمَّا إِذَا وَصَل إِلَى حَلْقِهِ بِدُونِ قَصْدٍ، كَأَنْ كَانَ يُخَالِطُ مَنْ يَشْرَبُهُ فَدَخَل الدُّخَانُ حَلْقَهُ دُونَ قَصْدٍ، فَلاَ يَفْسُدُ بِهِ الصَّوْمُ، إِذْ لاَ يُمْكِنُ الاِحْتِزَازُ مِنْ ذَلِكَ.
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ: إِنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ فَقَطْ، إِذِ الْكَفَّارَةُ عِنْدَهُمْ تَكُونُ بِالْجِمَاعِ فَقَطْ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ. (3)
وَكَذَلِكَ يُفْطِرُ الصَّائِمُ بِمَضْغِ الدُّخَّانِ أَوْ
__________
(1) ابن عابدين 5 / 293.
(2) نيل المآرب بشرح دليل الطالب 1 / 100.
(3) ابن عابدين 2 / 97، 98، والشرح الصغير 1 / 246 ط الحلبي، وفتح العلي المالك 1 / 179، والشرواني على تحفة المحتاج 3 / 400، والبجيرمي على الإقناع 2 / 328، وكشاف القناع 2 / 320.

نُشُوقِهِ، لأَِنَّهُ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ التَّكْيِيفِ، وَيَصِل طَعْمُهُ لِلْحَلْقِ، وَيَتَكَيَّفُ بِهِ الدِّمَاغُ مِثْل تَكَيُّفِهِ بِالدُّخَّانِ الَّذِي يُمَصُّ بِالْعُودِ.
وَهَذَا مَا صَرَّحَ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ، وَقَوَاعِدُ الْمَذَاهِبِ الأُْخْرَى لاَ تَأْبَاهُ. (1)

حَقُّ الزَّوْجِ فِي مَنْعِ زَوْجَتِهِ مِنْ شُرْبِ الدُّخَّانِ:
31 - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَأَحَدُ وَجْهَيْنِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) أَنَّ لِلزَّوْجِ مَنْعَ زَوْجَتِهِ مِنْ كُل مَا لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ، كَالْبَصَل وَالثُّومِ، وَمِنْ ذَلِكَ شُرْبُ الدُّخَّانِ الْمَعْرُوفِ؛ لأَِنَّ رَائِحَتَهُ تَمْنَعُ كَمَال الاِسْتِمْتَاعِ، خُصُوصًا إِذَا كَانَ الزَّوْجُ لاَ يَشْرَبُهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا مِنْ ذَلِكَ لأَِنَّهُ لاَ يَمْنَعُ الْوَطْءَ. (2)

التَّبَغُ فِي نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ:
32 - يَرَى بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ الزَّوْجَةَ إِنِ اعْتَادَتْ شُرْبَ الدُّخَّانِ تَفَكُّهًا وَجَبَ عَلَى الزَّوْجِ تَوْفِيرُهُ لَهَا ضِمْنَ حَقِّهَا فِي النَّفَقَةِ.
__________
(1) فتح العلي المالك 1 / 179.
(2) ابن عابدين 3 / 402، 5 / 295، والشرح الصغير 1 / 520 ط الحلبي، ومنح الجليل 2 / 435، والبجيرمي على الخطيب 3 / 407، والمهذب 2 / 67، والمجموع 15 / 283، 286 ط المطيعي، والإنصاف 8 / 352، ونيل المآرب 2 / 217، والمغني 7 / 20، وكشاف القناع 5 / 190، ومطالب أولي النهى 5 / 264.

وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ وَإِنْ تَضَرَّرَتْ بِتَرْكِهِ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: لأَِنَّ ذَلِكَ إِنْ كَانَ مِنْ قَبِيل الدَّوَاءِ أَوْ مِنْ قَبِيل التَّفَكُّهِ، فَكُلٌّ مِنَ الدَّوَاءِ وَالتَّفَكُّهِ لاَ يَلْزَمُهُ.
وَلَمْ يُصَرِّحِ الْمَالِكِيَّةُ بِذَلِكَ، إِلاَّ أَنَّ قَوَاعِدَهُمْ كَالْحَنَفِيَّةِ فِي أَنَّ الدَّوَاءَ وَالتَّفَكُّهَ لاَ يَلْزَمُ الزَّوْجَ. (1)

حُكْمُ التَّدَاوِي بِالتَّبَغِ:
33 - مِنَ الْقَوَاعِدِ الْعَامَّةِ الَّتِي أَجْمَعَ عَلَيْهَا الْفُقَهَاءُ أَنَّ الأَْشْيَاءَ الْمُحَرَّمَةَ النَّجِسَةَ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهَا كَالْخَمْرِ لاَ يَجُوزُ التَّدَاوِي بِهَا.
أَمَّا مَا لاَ نَصَّ فِيهِ فَإِنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ اجْتِهَادِ الْفُقَهَاءِ.
فَمَنْ قَال بِنَجَاسَةِ الدُّخَّانِ وَأَنَّهُ يُسْكِرُ كَالْخَمْرِ لاَ يَجُوزُ عِنْدَهُ التَّدَاوِي بِهِ.
لَكِنَّهُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ طَاهِرٌ وَيَجُوزُ التَّدَاوِي بِهِ، كَمَا يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ نُصُوصِهِمْ. وَهَذَا إِذَا كَانَ يُمْكِنُ التَّدَاوِي بِهِ.
قَال الشَّيْخُ عُلَيْشٌ الْمَالِكِيُّ: الدُّخَانُ مُتَمَوَّلٌ، لأَِنَّهُ طَاهِرٌ فِيهِ مَنْفَعَةٌ شَرْعِيَّةٌ لِمَنِ اخْتَلَّتْ
__________
(1) ابن عابدين 2 / 649، والشرح الصغير 1 / 519، وحواشي تحفة المحتاج للشرواني 8 / 309، والجمل على شرح المنهج 4 / 490، ومطالب أولي النهى 6 / 219 الحاشية.

طَبِيعَتُهُ بِاسْتِعْمَالِهِ وَصَارَ لَهُ كَالدَّوَاءِ، فَهُوَ كَسَائِرِ الْعَقَاقِيرِ الَّتِي يُتَدَاوَى بِهَا مِنَ الْعِلَل. (1)

إِمَامَةُ شَارِبِ الدُّخَّانِ:
34 - نَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنِ الشَّيْخِ الْعِمَادِيِّ أَنَّهُ يُكْرَهُ الاِقْتِدَاءُ بِالْمَعْرُوفِ بِأَكْل الرِّبَا، أَوْ شَيْءٍ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ، أَوْ يُدَاوِمُ الإِْصْرَارَ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْمَكْرُوهَاتِ، كَالدُّخَّانِ الْمُبْتَدَعِ فِي هَذَا الزَّمَانِ. (2)
__________
(1) ابن عابدين 5 / 293، 294، وفتح العلي المالك 2 / 181 ومغني المحتاج 4 / 306، وحاشية الشرواني 9 / 387، 388، والبجيرمي على الإقناع 2 / 328، وكشاف القناع 3 / 155، ومجموعة فتاوى ابن تيمية 34 / 198.
(2) ابن عابدين 5 / 296.

خلع الملك الناصر محمد بن المنصور وسلطنة الملك العادل كتبغا.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

خلع الملك الناصر محمد بن المنصور وسلطنة الملك العادل كتبغا.
694 محرم - 1294 م
في يوم الأربعاء حادي عشر المحرم خلع الملك الناصر ابن قلاوون، وكانت أيامه سنة واحدة تنقص ثلاثة أيام، لم يكن له فيها أمر ولا نهي، بل كل ذلك بيد السلطان الملك العادل زين الدين كتبغا المنصوري الذي كان في مدة سلطنة الملك الناصر هو القائم بجميع أمور الدولة، وليس للناصر معه تصرف ألبتة، ثم إنه أخذ في أسباب السلطة بعد قتل الشجاعي المنافس الأول لكتبغا، ولما دخل المحرم انقطع في دار النيابة وأظهر أنه ضعيف البدن، وباطن أمره أنه يريد أن يقرر أموره في السلطنة فخرج إليه الناصر وعاده، فلما كانت فتنة المماليك، جلس في صباح تلك الليلة بدار النيابة وجمع الأمراء وقال لهم: قد انخرق ناموس المملكة، والحرمة لا تتم بسلطنة الناصر لصغر سنه، فاتفقوا على خلعه وإقامة كتبغا مكانه، وحلفوا له على ذلك، وقدم إليه فرس النوبة بالرقبة الملوكية، وركب من دار النيابة قبل أذان العصر من يوم الأربعاء حادي عشر المحرم، ودخل من باب القلة إلى الأدر السلطانية، والأمراء مشاة بين يديه حتى جلس على التخت بأهبة الملك، وتلقب بالملك العادل، ويذكر أن أصله من التتار من سبي وقعة حمص الأولى التي كانت في سنة تسع وخمسين وستمائة؛ فأخذ الملك المنصور قلاوون وأدبه ثم أعتقه، وجعله من جملة مماليكه، ورقاه حتى صار من أكابر أمرائه.

خلع الملك كتبغا وتولي حسام لاجين ملك مصر.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

خلع الملك كتبغا وتولي حسام لاجين ملك مصر.
696 محرم - 1296 م
رحل السلطان كتبغا من دمشق بعساكره يريد القاهرة، وقد توغرت صدور الأمراء وتواعدوا على الفتك به، فسار إلى أن نزل بالعوجاء قريباً من الرملة، وحضر الأمراء عنده بالدهليز، فأمر بإحضار الأمير بيسري فطلب طلبا حثيثاً، فلما حضر لم يقم له على عادته، وأغلظ له في الكلام ونسبه إلى أنه كاتب التتار، فكانت بينهما مفاوضة، ثم نهض السلطان، وانفض الأمراء وقد حرك منهم ما كان عندهم كامناً، فاجتمعوا عند الأمير حسام لاجين النائب وفيهم بيسري، وسألوه عما كان من السلطان في حق فقال: إن مماليك السلطان كتبوا عنك كتباً إلى التتار، وأحضروها إليه وقالوا إنك كتبتها، ونيته القبض عليك إذا وصل إلى مصر، وأن يقبض علي أيضاً وعلى أكابر الأمراء، ويقدم مماليكه، فأجمعوا عند ذلك على مبادرة السلطان، فركبوا يوم الثلاثاء سابع عشري المحرم وقت الظهر: وهم لاجين بيسري وقرا سنقر وقبجاق والحاج بهادر الحاجب في آخرين، واستصحبوا معهم حمل نقارات وساقوا ملبسين إلى باب الدهليز، وحركت النقارات حربياً، فركب عدة من العادلية واقتتلوا، فتقدم تكلان العادلي فضربه الأمير لاجين في وجهه ضربة أخذت منه جانباً كبيراً، وجرح تكلان فرس لاجين وقتل الأمير بدر الدين بكتوت الأزرق العادلي في خيمته، وقتل الأمير سيف الدين بتخاص العادلي، وقد فر إلى الدهليز فأدركوه بباب الدهليز فقتلوه، وجرحوا عدة من المماليك العادلية، فلم يثبت العادل، وخرج من ظهر الدهليز، وركب فرس النوبة ببغلطاق صدر، وعبر على قنطرة العوجاء يريد دمشق من غير أن يفطن به أحد، ولم يدركه سوى خمسة من مماليكه، وهجم لاجين على الدهليز فلم يجد العادل وبلغه أنه فر، فساق خلفه فلم يدركه ورجع إلى الدهليز، فلما عاينه الأمراء ترجلوا له ومشوا في ركابه حتى نزل، فكانت مدة كتبغا، منذ جلس على التخت بقلعة الجبل في يوم الأربعاء حادي عشر المحرم سنة أربع وتسعين وستمائة، وإلى أن فارق الدهليز بمنزلة العوجاء في يوم الثلاثاء سابع عشري المحرم من هذه السنة، سنتين وسبعة عشر يوما، ثم أصبح السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين المنصوري المعروف بالصغير هو سلطان مصر وملكها وكان أولا من جملة مماليك الملك المنصور علي بن الملك المعز أيبك، فلما خلع اشتراه الأمير سيف الدين قلاوون وهو أمير بسبعمائة وخمسين درهما، من غير مالك شرعي، فلما تبين له أنه من مماليك المنصور اشتراه مرة ثانية وحضروا بأجمعهم بين يدي لاجين واتفقوا على سلطنته، وشرطوا عليه أن يكون معهم كأحدهم، ولا ينفرد برأي دونهم، ولا يبسط أيدي مماليك ولا يقدمهم، وحلفوه على ذلك، فلما حلف قال له الأمير قبجاق المنصوري: نخشى أنك إذا جلست في منصب السلطنة تنسى هذا الذي تقرر بيننا وبينك، وتقدم مماليك وتخول مملوكك منكوتمر علينا، فيصيبنا منه ما أصابنا من مماليك كتبغا، وكان منكوتمر مملوك لاجين، وكان يوده ويؤثره، وله عنده مكانة متمكنة من قلبه، فحلف لاجين مرة ثانية أنه لا يفعل ذلك، ولا يخرج عما التزمه وشرطوه عليه، فحلف له الأمراء وأرباب الدولة، وتلقب بالملك المنصور، وركب بشعار السلطنة في يوم الثلاثاء سابع عشري المحرم.

كتبغا السلطان المخلوع يستبد بدمشق ثم تؤخذ منه أيضا.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

كتبغا السلطان المخلوع يستبد بدمشق ثم تؤخذ منه أيضا.
696 صفر - 1296 م
أما كتبغا فبعد أن هرب من لاجين وأمرائه الذين حاولوا قتله فإنه قدم قبله إلى دمشق أمير شكاره وهو مجروح، ليعلم الأمير أغرلو نائب دمشق بما وقع، فوصل في يوم الأربعاء سلخ المحرم، فكثر بدمشق القال والقيل، وألبس أغرلو العسكر السلاح ووقفوا خارج باب النصر، فوصل كتبغا في أربعة أنفس قبل الغروب وصعد القلعة، وحضر إليه الأمراء والقضاة وجددت له الأيمان، ثم أوقع الحوطة على أموال لاجين، وقدم في أول صفر الأمير زين الدين غلبك العادلي بطائفة من المماليك العادلية، وجلس شهاب الدين الحنفي وزير الملك العادل كتبغا في الوزارة بالقلعة، ورتب الأمور وأحوال السلطنة، فاشتهرت بدمشق سلطنة لاجين في يوم ثالث عشره، وأن البشائر دقت بصفد ونابلس والكرك، فصار كتبغا مقيماً بقلعة دمشق لا ينزل منها، وبعث الأمير سيف الدين طقصبا الناصري في جماعة لكشف الخبر، فعادوا وأخبروا بصحة سلطنة لاجين، فأمر كتبغا جماعة من دمشق، وأبطل عدة مكوس في يوم الجمعة سادس عشره، وكتب بذلك توقيعاً قرئ بالجامع، فبعث الملك المنصور لاجين من مصر الأمير سنقر الأعسر وكان في خدمته، فوصل إلى ظاهر دمشق في رابع عشره، وأقام ثلاثة أيام، وفرق عدة كتب على الأمراء وغيرهم وأخذ الأجوبة عنها، وحلف الأمراء، وسار إلى قارا وكان بها عدة أمراء مجردين فحلفهم وحلف عدة من الناس، وكتب بذلك كله إلى مصر، وسار إلى لد، فأقام بها في جماعة كبيرة لحفظ البلاد، ولم يعلم كتبغا بشيء من ذلك، فلما كان يوم السبت رابع عشريه: وصل الأمير سيف الدين كجكن وعدة من الأمراء كانوا مجردين بالرحبة، فلم يدخلوا دمشق، ونزلوا بميدان الحصا قريباً من مسجد القدم، فأعلنوا باسم السلطان الملك المنصور لاجين، وراسلوا الأمراء بدمشق فخرجوا إليهم طائفة بعد طائفة، وانحل أمر كتبغا، فتدارك نفسه وقال للأمراء: السلطان الملك المنصور خوشداشي، وأنا في خدمته وطاعته، وأنا أكون في بعض القاعات بالقلعة إلى أن يكاتب السلطان ويرد جوابه بما يقتضيه في أمري فأدخله الأمير جاغان الحسامي مكاناً من القلعة، واجتمع الأمراء بباب الميدان، وحلفوا للملك المنصور وكتبوا إليه بذلك، وحفظ جاغان القلعة ورتب بها من يحفظ كتبغا، وغلقت أبواب دمشق كلها إلا باب النصر، وركب العسكر بالسلاح ظاهر دمشق، وأحاط جماعة بالقلعة خوفا من خروج كتبغا وتحيزه في جهة أخرى، وكثر كلام الناس واختلفت أقوالهم، وعظم اجتماعهم بظاهر دمشق حتى أنه سقط في الخندق جماعة لشدة الزحام فيما بين باب النصر وباب القلعة، فمات نحو العشرة، واستمر الحال على هذا يوم السبت المذكور، ثم دقت البشائر بعد العصر على القلعة وأعلن بالدعاء للملك المنصور، ودعي له على المآذن في ليلة الأحد، وضربت البشائر على أبواب الأمراء، وفتحت الأبواب في يوم الأحد، وحضر الأمراء والقضاة بدار السعادة وحلفوا الأمراء بحضور الأمير أغرلو نائب الشام، وحلف هو وأظهر السرور، وركب أغرلو والأمير جاغان البريد إلى مصر، وبلغ ذلك الأمير سنقر الأعسر بلد، فنهض إلى دمشق ودخلها يوم الخميس تاسع عشريه، وقد تلقاه الناس وأشعلوا له الشموع، وأتاه الأعيان، ونودي من له مظلمة فعليه بباب الأمير شمس الدين سنقر الأعسر، وفي يوم الجمعة أول شهر ربيع الأول: خطب بدمشق للملك المنصور، فلما كان يوم الجمعة ثامنه: وصل الأمير حسام الدين الأستادار بعسكر مصر ليحلف الأمراء، فحلفوا بدار السعادة في يوم السبت تاسعه، وقرئ عليهم كتاب الملك المنصور باستقراره في الملك وجلوسه على تخت الملك بقلعة الجبل، واجتماع الكلمة عليه وركوبه بالتشاريف الخليفتية والتقليد بين يديه من أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله أبي العباس أحمد.

وفاة زين الدين كتبغا المنصوري.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

وفاة زين الدين كتبغا المنصوري.
702 ذو الحجة - 1303 م
توفي زين الدين كتبغا المنصوري، نائب السلطنة بحماة، كان من مماليك السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون الصالحي، فترقى حتى تسلطن، وتلقب بالملك العادل، وملك ديار مصر والشام في سنة أربع وتسعين وستمائة، ثم خلعه نائبه لاجين، وأعطاه صرخد في سنة ست وتسعين وستمائة، واستمر مقيماً بصرخد إلى أن اندفع المسلمون من التتر على حمص، في سنة تسع وتسعين وستمائة، فوصل كتبغا من صرخد إلى مصر، وخرج مع سلار والجاشنكير إلى الشام، فقرره نائبا بحماة، في سنة تسع وتسعين وستمائة، ثم أغار على بلاد سيس، فلما عاد إلى حماة مرض، قبل دخوله إلى حماة؛ وطال مرضه، ثم حصل له استرخاء، وبقي لا يستطيع أن يحرك يديه ولا رجليه، وبقي كذلك مدة، وسار من حماة إلى قريب مصر جافلاً بين يدي التتر، لما كان المصاف على مرج الصفر، ثم عاد إلى حماة وأقام بها مدة يسيرة، وتوفي في هذه السنة.

457 - كتبغا المغلي، النوين.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

457 - كتبُغا المغلي، النُّويْن. [المتوفى: 658 هـ]
قتل إلى لعنة الله يوم وقعة عين جالوت.
قَالَ قُطْبُ الدين: قتله الأمير جمال الدين آقوش الشَّمْسيّ ولم يعرفه.
وكان عظيمًا عند التّتار يعتمدون عَلَيْهِ لرأيه وشجاعته وصرامته وعقله. وكان من الأبطال المذكورين، لَهُ خبرة بالحصارات والحروب وافتتاح الحصون. وكان هولاوو لَا يخالفه ويتيمَّن برأيه. وله فِي الحروب والحصارات عجائب. وكان شيخًا مُسِنًّا يميل إلى النصرانية. قاتل يومئذٍ إلى أن قُتِل، وأسِر ولدُه، فأُحضر بين يدي المُلْك المظفَّر، فسألوه عَنْ أَبِيهِ فقال: أبي ما يهرب، فأبصرُوه فِي القتلى. فاحضروا عدة رؤوس، فلما رآه بكى، وقال للملك المظفّر: ياخوند نم طيبًا، ما بقي لك عدوٌّ تخاف منه، كَانَ هذا سَعْد التتر، وبه يهزمون الجيوش، وبه يفتحون الحصون.
التبغ- بتاء مفتوحة-: لفظ أجنبي دخل العربية دون تغيير، وقد أقره مجمع اللغة العربية، وهو نبات من الفصيلة الباذنجانية يستعمل تدخينا وسعوطا ومضغا، ومنه نوع يزرع للزينة، وهو من أصل أمريكى ولم يعرفه العرب القدماء.
ومن أسمائه: الدخان، والتتن، والتنباك، لكن الغالب إطلاق هذا الأخير على نوع خاص من التبغ كثيف يدخن بالنارجيل لا باللفائف.
- ومما يشبه التبغ في التدخين والإحراق: الطّباق، وهو نبات عشبى معمر من فصيلة المركبات الأنبوبية الزّهر، وهو معروف عند العرب خلافا للتبغ، والطباق: لفظ معرّب، وفي «المعجم الوسيط» : الطباق: الدخان، ويدخّن ورقه مفروما أو ملفوفا.
- وقال الفقهاء عن الدخان: إنه حدث في أواخر القرن العاشر الهجري وأوائل القرن الحادي عشر، وأول من جلبه لأرض الروم «أى الأتراك العثمانيين» الإنكليز، ولأرض المغرب يهودي زعم أنه حكيم، ثمَّ جلب إلى مصر، والحجاز، والهند، وغالب بلاد الإسلام.
«المعجم الوجيز (تبغ) ص 72، والموسوعة الفقهية ص 101».

نَبَاتٌ زِراعِيٌّ مِن الفَصِيلَةِ الباذِنْجانِيَّة يُسْتَعْمَلُ في التَّدْخِينِ ونَحْوِهِ.
Tobacco: A plant that belongs to the Solanaceae family of plants (genus Nicotiana). It is consumed by smoking and chewing and in other ways.
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت