لسان المحدثين (معجم مصطلحات المحدثين)
|
تدليس المذاكرة هو أن يروي الراوي ما سمعه في المذاكرة من غير أن يصرح بأنها مذاكرة، وهو يعلم أنه سمعه مذاكرةً ، فيكون إهماله التصريح بذلك ليس من باب الوهم والنسيان، بل هو من باب التعمد والتساهل وإخفاء حقيقة كيفية أخذ الحديث، وهذا هو التدليس.
والمذاكرة: هي أن يتذاكر أهل الحديث فيما بينهم في مجالسهم ببعض الأحاديث، والمعروف أنهم حين ذاك لا يحرصون على الدقة في أداء الرواية، كما يحرصون عليها في مجالس التحديث، أي الأداء، وذلك لعلمهم أن السامع ، أي لما يقال في المذاكرة، يعلم من القرائن القائمة في ذلك المقام أن المحدث لم يقصد بذلك الإسماعَ الذي ينبني عليه الرواية والتبليغ، ولذلك منع جماعة من الأئمة الحمل عنهم حال المذاكرة(1). قال الذهبي في (السير) (13/80): (وقال أحمد بن محمد بن سليمان: سمعت أبا زرعة يقول: لا تكتبوا عني بالمذاكرة ، فإني أخاف أن تحملوا خطأً، هذا ابن المبارك كره أن يُحمل عنه بالمذاكرة؛ وقال لي إبراهيم بن موسى: لا تحملوا عني بالمذاكرة شيئاً). وقال ابن الصلاح في (مقدمته) (ص210-211/طبعة نور الدين عتر) في تفريعاته على باب (صفة رواية الحديث وشرط أدائه وما يتعلق بذلك)(2): (التاسع عشر: إذا كان سماعه على صفة فيها بعض الوهن فعليه أن يذكرها في حالة الرواية، فإنَّ في إغفالها نوعاً من التدليس ؛ وفيما مضى لنا أمثلة لذلك ؛ ومن أمثلته ما إذا حدثه المحدث من حفظه في حالة المذاكرة فليقل: "حدَّثنا فلانٌ مذاكرةً " ، أو "حدَّثَناه في المذاكرةِ " ؛ فقد كان غير واحد من متقدمي العلماء يفعل ذلك ؛ وكان جماعة من حفاظهم يمنعون من أن يُحمل عنهم في المذاكرة شيء ؛ منهم عبد الرحمن بن مهدي وأبو زرعة الرازي ؛ ورُوِّيناه عن ابن المبارك وغيره ؛ وذلك لما قد يقع فيها من المساهلة مع أن الحفظ خوان ؛ ولذلك امتنع جماعة من أعلام الحفاظ من رواية ما يحفظونه ، إلا من كتبهم ، منهم أحمد بن حنبل ؛ رضي الله عنهم أجمعين؛ والله أعلم). وقال العلامة المعلمي في (التنكيل) (ص522-523): (وكان من عادة المحدِّثين(3) التباهي بالإغراب ، يحرص كل منهم على أن يكون عنده من الروايات ما ليس عند الآخرين ، لتظهر مزيته عليهم ، وكانوا يتعنتون شديداً لتحصيل الغرائب ، ويحرصون على التفرد بها ، كما ترى في ترجمة الحسن بن علي المعمري من (لسان الميزان) وغيره ؛ وكانوا إذا اجتمعوا تذاكروا ، فيحرص كل واحد منهم على أن يذكر شيئاً يُغرب به على أصحابه ، بأن يكون عنده دونهم ، فإذا ظفر بذلك افتخر به عليهم واشتد سروره وإعجابه وانكسارهم----. ولم يكونوا يبالون في سبيل إظهار المزية والغلبة أكان الخبر عن ثقة أو غيره، صحيحاً أو غير صحيح ----. وكانت طريقتهم في المذاكرة أن يشير أحدهم إلى الخبر الذي يرجو أنه ليس عند صاحبه ، ثم يطالبه بما يدل على أنه قد عرفه ، كأن يقول الأول: مالك عن نافع قال ---- ، فإن عرفه الآخر قال: حدثناه فلان عن فلان عن مالك. وقد يذكر ما يعلم أنه لا يصح أو أنه باطل كأن يقول: (المقبري عن أبي هريرة مرفوعاً: أبغض الكلام إلى الله الفارسية) ، أو يقول: (أبو هريرة مرفوعاً: خلق الله الفرس) الخ ، وقد تقدم في ترجمة حماد بن سلمة). (4) يعني جمهور المحدثين بعد القرون الفاضلة ، وليس جميعهم؛ فهذه عادة طوائف من المحدثين والرواة - ممن ليسوا من أئمة الدين المتقدمين. __________ (1) قال الشيخ العلامة أحمد محمد شاكر في (الباعث الحثيث) (ص150): (حال المذاكرة: هي أن يتذاكر اهل العلم [لعله لو قال: المحدثون او الرواة بدل أهل العلم لكان أولى وأجود ] فيما بينهم في مجالسهم ببعض الأحاديث ، فإنهم حين ذاك لا يحرصون على الدقة في أداء الرواية ، لتيقنهم أنها لم يُقصد بها السماع منهم ؛ ولذلك منع جماعة من الأئمة الحمل عنهم حال المذاكرة). (2) وهو (النوع السادس والعشرين). |