لسان المحدثين (معجم مصطلحات المحدثين)
|
هو جمعها في كتب ، واشتهر أن أول تدوين معتبر للسنة كان بأمر أو توجيه من الخليفة العالم الزاهد عمر بن عبد العزيز رحمه الله.
وقد ألف الباحثون في هذا الموضوع كتباً ، وأهم ما دفعهم إلى ذلك أمران: الأول: طعن أعداء السنة بتدوينها أو طريقة تدوينها. الثاني: الرغبة في معرفة تاريخ تدوين السنة وكيفيات حصوله. ولقد بين العلماء والباحثون الحكمة في ندرة تدوين الأحاديث في عصر النبي ﷺ وعدم تدوينها تدويناً كاملاً ، وممن أجاد في ذلك العلامة المعلمي رحمه الله تعالى ، في (الأنوار الكاشفة). وتكلم على مراحل تدوين الأحاديث الشيخ حاتم العوني فقال في بحثه (بَيَانُ الحَدّ الذي يَنْتهِي عِنْدَهُ أَهْلُ الاصطلاحِ والنَّقْد في علوم الحديث) تحت هذه الترجمة (المقالة الثانية: التاريخ الواقعي لأطوار علوم الحديث) فقال: (المرحلة الأولى: بعد وفاة النبي ﷺ إلى مقتل عثمان رضي الله عنه سنة (35هـ). وتتميّز هذه المرحلة بصفائها وبُعدها عن أسباب الخطأ والكذب، لعدم الإسناد، وقوّة الحافظة، وعدم ظهور الفتن، وشدّة الاحتياط في التبليغ للسنة. وكان التدوين في هذه المرحلة قليلاً، ولم يكن بغرض التخليد، وإنما كان بغرض الإعانة على الحفظ في الصدور. المرحلة الثانية: من مقتل عثمان رضي الله عنه، إلى انتهاء جيل الصحابة، بموت غالبهم، وكان ذلك نحو سنة (80هـ). وتميّزت هذه المرحلة بحصول الفتنة التي فرّقت المسلمين أحزاباً وشيعاً، وبظهور بعض البدع، وبانتشار الصحابة في البلدان شرقاً وغرباً. وفي هذه الفترة ظهرت المطالبة بالإسناد(1)، وفي المطالبة به دليلٌ على نشوء علم الجرح والتعديل(2)، وفي أن الجهل بحال المحذوف من الإسناد علةٌ يُردّ به الخبر(3). ولم يزل التدوين في هذا الجيل قليلاً، لإمكان حفظ الصدورِ القيامُ بواجب النقل الكامل. المرحلة الثالثة: وهي عصر التابعين، والذي يبتدئ من نحو سنة (80هـ) إلى نحو سنة (140هـ)، بموت غالب التابعين. وقد كان لبداية طول الإسناد في هذه المرحلة، ولتشعّب الأسانيد، واختلاف رواتها، مع زيادة انتشار السنة، وزيادةِ الغلو في البدع ونشوء بدع أخرى، مما أدّى إلى أن يروي من ليس بأهلٍ للاطمئنان إلى روايته أن كان الهاجسُ الأكبر لدى علماء التابعين حينها هو: خوفُ تفلُّتِ شيءٍ من السنّة، وتحديثُ من لا يؤمن على النقل، ووقوعُ الاختلال في ضبط المنقول. فواجهوا كل خطرٍ من هذه الأخطار بما يدفعه----(4). المرحلة الرابعة: وهي مرحلة أتباع التابعين، وتبدأ من سنة (140هـ)، وتنتهي سنة (200هـ). وتميزت هذه المرحلة بخصائص: منها أن طال الإسناد أكثر ممّا كان عليه، وما يتبع ذلك من زيادة تشعُّب الأسانيد واختلاف الرواة، مع ما يصحب ذلك من تعسُّر الحفظ. كما أنه قد زادت أيضاً بعض خصائص المرحلة السابقة وضوحاً: كانتشار السنّة في الآفاق، وظهور البدع وغُلُوّ أصحابها فيها. كما أنّ هذه المرحلة قد ورثت جهوداً مباركة من الجيل السابق في جمع السنّة حفظاً وتدويناً، كما سبق، ممّا كان له أكبر الأثر في إعانة علماء هذه المرحلة على إتمام المسيرة. وقد واجه العلماء أخطار هذه المرحلة بنفس الأمور التي واجه بها علماء المرحلة السابقةَ أخطارهم، وزادوا عليها أموراً: ففي مجال تدوين السنة: صار الحرص على التدوين كاملاً(5)----. لقد انتهت هذه المرحلة، مؤذنةً ببداية أعظم عصور السنة، عصرِ الاكتمال والنضج النهائي). المرحلة الخامسة: وهي القرن الهجري الثالث. لقد دخل القرن الهجري الثالث بعد جهودٍ عظيمةٍ متتابعة من علماء الأُمّة في تدوين السنة وجمعها، وفي نَقْدها (تعليلاً وجرحاً وتعديلاً)، وتلقّى تلك العلوم الجليلة بقوّة وإقبال منقطعي النظير. ولذلك فإن الحديث عن هذا القرن وعن جهوده في خدمة السنة لا تقوم بها مقالة، ولا أيّ بحث أو كتاب، بل هو حقيقٌ ببحوث وكُتُب!! إن كل إمامٍ من أئمة هذا القرن لهو بحدّ ذاته مدرسةٌ عظمى (وما أكثر الأئمة في هذا القرن!!!) يجب على الدارسين لعلوم السنة أن يقيموا البحوث والدراسات حول منهجه وأثره على علوم السنة. غير أني في هذا المقال سألمس بعض الجوانب التي تبرزُ في هذا القرن جهودَ علمائه في تكميل جهود علماء القرنين السابقين له، حتى بلغ علماء هذا القرن بعلم الحديث القمّة السامقة، التي لا يُمكن أن يزاد على منهجها في النقل والنقد. أمّا في مجال تدوين السنة، فهذا عصر أصول السنة العظام وأمهات المصنفات فيها، ---- وقد أدّت تلك الجوامع الكبار دَوْرها، وأثمرت ثمارها، وأينعت في منتصف هذا القرن، بأن ابتدأت أنظار العلماء تَلْتَفِتُ إلى شيءٍ آخر سوى الجمع، مما يشهد إلى أن الشعور بخوف ضياع شيءٍ من السنّة قد زال أو كاد، وهذا ما جعل العلماء يتّجهون إلى وجوهٍ جديدةٍ في خدمة تدوين السنّة، لا يقتصر في خدمته على مجرّد الجمع، بل يستثمر الجمع السابق للوصول إلى هدف آخر وغايةٍ أبعد. والخدمة المتوقّعة بعد ذلك الجمع الذي لم يَعْتَنِ بتمييز الصحيح من السقيم؛ لأن الذين قاموا به كانوا يعتبرون الجمع الموسَّع في تلك المرحلة هو الأولى بالتحقيق هو أن يُعتنى بتمييز الصحيح من السقيم، بل هذا هو الذي كان يجب أن يقوم به العلماء فعلاً بعد اكتمال الجمع؛ حيث إن هذا الجمع لن يؤدِّي هدفه الأخير بغير بيان ما يصلح منه للعمل والاحتجاج مما لا يصلح لذلك. وهذا ما سبق إليه الإمام البخاري، في كتابه (الصحيح)، بإشارة من أحد شيوخه (أحد أصحاب الجوامع الكبار) وهو إسحاق بن راهويه(6). إن مجرّدَ إقبال البخاري على مثل ذلك الإبداع، وفي كتابٍ يسمه بالمختصر ليدلّ على اتّضاح ملامح المرحلة التي تمرّ بها السنة عنده، وأنها قد أصبحت محتاجةً إلى مبادرة تقوم بتكميل جهود الجمع السابقة، بإخراج كتاب مختصر خاصٍّ بالأحاديث الصحيحة. ولاشك أن البخاري لم يكن ليفكّر بهذا العمل لو كان هاجس ضياع السنة مُسْتَولياً على تفكيره، بل لم يكن ليقدر عليه (حتى لو فكّر فيه) لو لم تقم الجهود السابقة بضرورة جمع السنة. ثم إن مسلماً تبع البخاريَّ في جمع كتاب مختصر في الصحيح، سائراً على خُطى شيخه في تحقيق الهدف نفسه----. نعم.. لقد خرجنا إذن بنقل الإجماع على أن منهج النقد في هذا القرن قد بلغ قمةَ التطوّر!!! وهذا غاية ما نريد!!! المرحلة السادسة: وهي القرن الرابع الهجري. لقد دخل القرن الرابع وهو يحمل إرثاً عظيماً وثقيلاً، لقد كان مِنْ قَدَرِ الله تعالى له أن يكون مرحلةَ ما بَعْدَ الاكتمال، وليس بعد الاكتمال إلا النقص. وهذه سنةٌ سبق الكلام عنها في تاريخنا النظري، فلا غرابة في حصولها----). انتهى كلام الشيخ حاتم مختصراً بحذف أشياء أشرت إلى حذفها بالخطوط المتقطعة. __________ (1) مقدّمة صحيح مسلم (1/15). ومن أغرب المواقف في ذلك استحلافُ أحد التابعين، وهو عَبيدة السلماني، لعلي رضي الله عنه، في روايته لحديث، هل سمعه من رسول الله ﷺ!، انظر: صحيح مسلم (2/747)، موازنة بمسند البزار (رقم 581). (2) فقد نهى عمر بن الخطاب وعبدالله بن مسعود عن الأخذ عن الأصاغر، ففسّر عبدالله بن المبارك ذلك بأنه الرواية عن أهل البدع، فانظر: الزهد لابن المبارك (رقم 815)، والمدخل إلى السنن للبيهقي (رقم 275)، وشرح أصول أهل السنة للالكائي (رقم 101، 102). (3) كما دل عليه موقف ابن عباس من المراسيل، فانظر: مقدّمة صحيح مسلم (1/12 - 13). (4) أحصى الدكتور محمد مصطفى الأعظمي في كتابه (دراسات في الحديث النبوي) أكثر من (5) تابعيًّا ممّن دوّن، ومع كثرة هذا العدد، لكنه إنما هو شيءٌ يسيرٌ ممّا يمثِّلُ الواقع ؛ فهو أوّلاً إحصاءٌ غير مستقصي، لأخبار لم يعتن العلماءُ بنقلها، فوصول هذا العدد إلينا يدلّ على ما وراءه. (6) انظر تاريخ الإسلام للذهبي - حوادث سنة 143هـ - (7). (8) هدي الساري (8 - 9). |