لسان المحدثين (معجم مصطلحات المحدثين)
|
معنى قولهم (فلان ثبتت عدالته) أنه انتهى التحقيق إلى ترجيح كونه عدلاً ضابطاً ترجيحاً بيناً.
ومن كان كذلك، فكل من ادعى في حقه خلافَ ذلك فلا يقبل قوله إلا إذا أتى عليه بأدلة تقاوم الأدلة التي ثبتت بها عدالة ذلك الراوي وتوهنها. قال العلامة المعلمي رحمه الله في (التنكيل) (ص265-268) تحت هذه الترجمة (قولهم: من ثبتت عدالته لم يقبل فيه الجرح إلا ----): (---- وفي "فتح المغيث" للسخاوي (ص130) عن محمد بن نصر المروزي: "كل من ثبتت عدالته لم يقبل فيه تجريح أحد حتى يبين ذلك بأمر لا يحتمل أن يكون غير جرحة"(1). وفي ترجمة عكرمة من (مقدمة فتح الباري) عن ابن جرير: "من ثبتت عدالته لم يقبل فيه الجرح ، وما تسقط العدالة بالظن وبقول فلان لمولاه: لا تكذب علي ، وما أشبهه من القول الذي له وجوه وتصاريف ومعان غير الذي وجَّهه إليه أهل الغباوة ". وقال ابن عبد البر: "الصحيح في هذا الباب أن من صحت عدالته وثبتت في العلم أمانته وبانت ثقته وعنايته بالعلم لم يُلتفت فيه إلى قول أحد إلا أن يأتي في جرحته ببينة عادلة تصح بها جرحته على طريق الشهادات والعمل فيها من المشاهدة والمعاينة ". قال السخاوي في (فتح المغيث) [2/30]: "ليس المراد إقامة بينة على جرحه ، بل المعنى أنه يستند في جرحه إلى ما يستند إليه الشاهد في شهادته ، وهو المشاهدة ونحوها ". قد يقال: إن كان المراد بثبوت العدالة أن يتقدم التعديل والحكم به والعمل بحسبه على الجرح ، فهذا إنما يكثر في الشهود ؛ وإن كان المراد بثبوتها حصول تعديل على أي حال كان ، فهذا لا وجه له ، فقد تقدم في القاعدة السادسة ما يعلم منه أن التعديل يتفاوت ، ويحتمل كثير منه الخلل كما يحتمله الجرح الذي لم يشرح كل الشرح أو أشد ، ومن تتبع صنيع أهل العلم تبين له أنهم كثيراً ما يقدمون الجرح الذي لم يشرح كل الشرح على التوثيق ، كما في حال ابراهيم بن أبي يحيى والواقدي وغيرهما ؛ وكثيراً ما يقع للبخاري وغيره القدح فيمن لم يدركوه وقد سبق أن عدله معدل أو أكثر ، ولم يسبق أن جرحه أحد. فأقول: الذي يتحرر أن للعدالة جهتين: الأولى: استقامة السيرة وثبوت هذا بالنظر إلى هذه القاعدة تظهر فيمن تظهر عدالته [كذا] ويعدل تعديلاً معتمداً وتمضي مدة ثم يجرح ؛ فأما ما عدا ذلك فالمدار على الترجيح ، وقد مر في القاعدة السابقة. الجهة الثانية: استقامة الرواية ، وهذا يثبت عند المحدث بتتبعه أحاديث الراوي واعتبارها وتَبَيُّنِ أنها كلها مستقيمة تدل على أن الراوي كان من أهل الصدق والأمانة ؛ وهذا لا يتيسر لأهل عصرنا لكن إذا كان القادحون في الراوي قد نصوا على ما أنكروه من حديثه بحيث ظهر أن ما عدا ذلك من حديثه مستقيم فقد يتيسر لنا أن ننظر في تلك الأحاديث(2) ؛ فإذا تبين أن لها مخارج قوية تدفع التهمة عن الراوي فقد ثبتت استقامة روايته. وقد حاولت العمل بهذا في بعض الآتين في قسم التراجم كالحارث بن عمير والهيثم بن جميل. فاما ما عدا هذا [أي الصنف المذكور] فإننا نحتاج إلى الترجيح ؛ فقد يترجح عندنا استقامة رواية الرجل باحتجاج البخاري به في "صحيحه" لظهور أن البخاري إنما احتج به بعد أن تتبع أحاديثه وسبرها وتبين له استقامتها ، وقد علمنا مكانة البخاري وسعة اطلاعه ونفوذ نظره وشدة احتياطه في "صحيحه"(3) ، وقس على ذلك ، وراجع ما تقدم في القواعد السابقة ؛ والله الموفق)(4). (5) ثم ناقش المعلميُّ ابنَ السبكي في تطبيقه لهذه القاعدة في ترجمة أحمد بن صالح من (طبقات الشافعية)، وبين أنه هوَّل في بعض ما ذكره هناك ، كعادته. __________ (1) هو في (2/30) من طبعة مكتبة السنة. (2) يعني التي استنكروها. (3) قلت: من أوضح مثال على ذلك ما ذكره العلامة المعلمي أيضاً في كتابه (الأنوار الكاشفة) (ص261) في الكلام على حال عكرمة عند الشيخين ، إذ قال متعقباً من افترى: (أقول: ترجمة عكرمة في "فتح الباري" فليراجعها من أحب ؛ أما البخاري فكان الميزان بيده، لأنه كان يعرف عامة ما صح عن عكرمة أنه حدَّثَ به، فاعتبرَ حديثَه بعضَه ببعضٍ من رواية أصحابه كلهم فلم يجد تناقضاً ولا تعارضاً ولا اختلافاً لا يقع مثلُه في أحاديث الثقات، ثم اعتبَرَ أحاديث عكرمة عن ابن عباس وغيره ، بأحاديث الثقات عنهم ، فوجدها يصدِّق بعضُها بعضاً ، إلا أن ينفرد بعضهم بشيء له شاهد في القرآن ، أو من حديث صحابي آخر ؛ فتيبن للبخاري أنه ثقة. ثم تأمَّلَ ما يصح من كلام من تكَلم فيه فلم يجد حجةً تنافي ما تبين له). ثم قال متعقباً قول الضال أبي رية: (فابن جريج الطبري يثق به [يعني بعكرمة] كل الثقة، ويملأ تفسيره وتاريخه بأقواله والرواية عنه): (أقول: نعم ، يثق به ابن جرير، لكن ليس روايته عنه في تفسيره وتاريخه بدليل على ذلك، فإنه كثيراً ما يروي فيهما عمن ليس بثقة عنده ولا عند غيره ، لأنه لم يلتزم بالصحة). ثم قال متعقباً قوله (ومسلم ترجح عنده كذبه فلم يرو إلا حديثاً واحداً في الحج، ولم يعتمد فيه عليه وحده ، وإنما ذكره تقوية لحديث سعيد بن جبير): (أقول: كلمة "كذبه" لا وجه لها ، ويردّها ما بعدها ، فإن من أستقر الحكم عليه بأنه متهم بالكذب لا يُتَقوى بروايته أصلاً ولا سيما في الصحيح ، لكن لعل مسلماً لم يتجشم ما تجشم البخاري من تتبع حديث عكرمة واعتباره، فلم يتبين له ما تبين للبخاري، فوقف عن الاحتجاج بعكرمة) ؛ انتهى ، وهو تنبيه نفيس يحتاج إلى مثله كل راغب في تحقيق أصول هذا العلم العظيم. |