معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر
|
خُمْسمائةالجذر: خ م س
مثال: مَعِي خُمْسمائة جنيهٍالرأي: مرفوضة عند بعضهمالسبب: لضبط الخاء بالضم. المعنى: خَمْسُ مئاتٍ الصواب والرتبة: -معي خَمْسُمائةِ جنيهٍ [فصيحة] التعليق: كلمة «خَمْس» بفتح الخاء تدل على العدد فوق «أربع» ودون "ست، أما خُمْس فهو الكسر الدال على جزء من خمسة أجزاء متساوية. فالمناسب هنا فتح الخاء لا ضمها. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
الأمالي الخمسمائة
للإمام، أبي سعد: عبد الكريم بن محمد السمعاني، المروزي، الشافعي. المتوفى: سنة اثنتين وستين وخمسمائة. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة خمسمائة
فيها تُوُفّي أمير المغرب والأندلس يوسف بْن تاشَفِين، وولي المُلْك بعده ابنه عليُّ بْنُ يوسف، وكان قد بعث فيما تقدَّم تقدمةً جليلة، ورسولًا إلى المستظهر باللَّه، يلتمس أنّ يولى السلطة، وأن يُقَلَّدَ ما بيده من البلاد، فكتب له تقليداً، ولقب أمير المسلمين، وبعثت لَهُ خِلَع السّلطنة، ففرح بذلك، وسُرَّ فُقهاء المغرب بذلك، وهو الّذي أنشأ مدينة مَرّاكُش. وفي يوم عاشوراء قُتِلَ فَخْرُ المُلْك عليّ ابن نظام المُلْك، وثب عَلَيْهِ واحدٌ من الإسماعيلية في زيّ متظلّم، فناوله قَصَّةً، ثمّ ضربه بسكِّينٍ فقتله، وعاش ستًّا وستّين سنة. ونقل ابن الأثير أَنَّهُ كَانَ أكبر أولاد النّظّام، وأنّه وَزَرَ للسّلطان بَركيَارُوق، ثمّ انفصل عَنْهُ، وقصد نَيْسابور، فأقام عند السّلطان سَنْجَر، ووَزَر لَهُ، فأصبح يوم عاشوراء صائمًا، فقال لأصحابه: رأيت اللّيلة الحُسين بْن عليّ رضي الله عَنْهُمَا وهو يَقُولُ: عجّل إلينا، ولْيكُنْ إفطارُك عندنا، وقد اشتغل فكري، ولا محيد عَنْ قضاء اللَّه وقدره، فقالوا: يكفيك اللَّه، والصّواب أنْ لا تخرج اليومَ واللّيلة، فأقام يومَه كلّه يُصلّي ويقرأ، وتصدّق بشيءٍ كثير، ثمّ خرج وقت العصر يريد دار النساء، فسمع صوت صياح مُتَظَلِّم، شديد الحُرْقة، وهو يَقُولُ: ذهب المسلمون، فلم يبق من يكشف كُرْبةً، ولا يأخذ بيد ملْهوف، فطلبه رحمةً لَهُ، وإذا بيده قصة، وذكر الحكاية. وفيها قبض السلطان محمد علي وزيره سعد الملك أبي المحاسن، وصلبه على باب أصبهان، وصلب معه أربعة من أصحابه نسبوا إلى أنّهم باطنيّة، وأمّا الوزير فَاتهم بالخيانة، وكانت وزارته سنتين وتسعة أشهر، وكان عَلَى ديوان الاستيفاء في أيّام وزارة مؤيّد المُلْك ابن نظام الملك، ثم خدم السلطان محمدا وقام معه، فاستوزره، ثم نكبه وصلبه. ثمّ استوزر قِوام المُلْك أبا ناصر أحمد ابن نظام الملك. وفيها انتزع السّلطان محمد قلعة إصبهان من الباطنيّة، وقتل صاحبها -[696]- أحمد بْن عَبْد المُلْك بْن غطّاس، وكانت الباطنيّة بأصبهان قد ألبسوه تاجًا، وجمعوا لَهُ الأموال، وقدموه؛ لأن أباه عَبْد المُلْك كَانَ من علمائهم لَهُ أدب وبلاغة، وحُسْن خَطّ، وسُرعة جواب، مَعَ عِفّةٍ ونزاهة، وطلع ابنه أحمد هذا جاهلًا، قِيلَ لابن الصباح صاحب الألموت: لماذا تعظم ابن غطّاس عَلَى جَهْله؟ قَالَ: لمكان أَبِيهِ، فإنه كَانَ أستاذي. وكان ابن غطاس قد استفحل أمرُه، واشتد بأسُه، وقطعت أصحابه الطرق، وقتلوا الناس. قَالَ ابن الأثير: قتلوا خلقًا كثيرًا لا يمكن إحصاؤهم، وجعلوا لهم عَلَى القُرى والأملاك ضرائب يأخذونها، ليكفوا أَذَاهم عَنْهَا، فتعذَّر بذلك انتفاعُ النّاس بأملاكهم، والدّولة بالضّياع، وتمشّى لهم الأمر بالخُلْف الواقع، فلمّا صفا الوقت لمحمد لم يكن له همّه سِواهم، فبدأ بقلعة إصبهان، لتسلُّطها عَلَى سرير مُلْكه، فحاصرهم بنفسه، وصعد الجبل الّذي يقابل القلعة، ونصب لَهُ التَّخْت، واجتمع من إصبهان وأعمالها لقتالهم الأُممُ العظيمة، فأحاطوا بجبل القلعة، ودَوْرُهُ أربعةُ فَرَاسخ، إلى أنّ تعذّر عليهم القُوت، وذلّوا، فكتبوا فُتْيا: ما يَقُولُ السادة الفُقَهاء في قوم يؤمنون باللَّه وكُتُبه ورُسُلِه واليوم الآخر، وإنّما يخالفون في الْإِمَام، هَلْ يجوز للسّلطان مهادنتهم ومُوادعتهم، وأن يقبل طاعتهم؟ فأجاب الفُقهاء بالجواز، وتوقّف بعض الفُقَهاء، فجُمعوا للمناظرة، فقال أبو الحَسَن عليّ بْن عَبْد الرحمن السنجاري الشافعي: يجب قتالهم، ولا ينفعهم التلفظ بالشّهادتين، فإنّهم يقال لهم: أَخْبِرُونا عَنْ إمامكم إذا أباح لكم ما حظر الشرع أيقبلون منهم؟ فإنّهم يقولون: نعم، وحينئذ تُباح دماؤهم بالإجماع، وطالت المناظرة في ذَلِكَ. ثمّ بعثوا السلطان يطلبون من يناظرهم، وعيّنوا أشخاصًا، منهم شيخ الحنفيّة القاضي أبو العلاء صاعد بْن يحيى قاضي إصبهان، فصعدوا إليهم، وناظروهم، وعادوا كما صعدوا، وإنّما كَانَ قصدهم التَّعَلُّل، فلجّ السّلطان حينئذٍ في حصْرهم، فأذعنوا بتسليم القلعة على أن يعطوا قلعة خالنجان، وهي عَلَى مرحلةٍ من إصبهان، وقالوا: إنا نخاف عَلَى أرواحنا من العامّة، ولا بُدّ من -[697]- مكانٍ نأوي إِلَيْهِ، فأُشير عَلَى السّلطان بإجابتهم، فسألوا أن يؤخرهم إلى قرب النيروز، ثم يتحولون، فأجابهم، وطلبوا منه مؤونة يوما بيوم فأجابهم إلى ذلك، هذا، وقصدهم المطاولة وانتظار فتن تتفق، أو حادث يتجدّد، ورتّب لهم الوزير سعْد المُلْك راتبًا كلّ يوم، ثمّ بعثوا مَن وثب على أمير كان يجد في قتالهم، فجُرِح وسَلِم، فحينئذٍ خرّب السّلطان قلعة خالنجان، وجدّد الحصار عليهم، فطلبوا أنّ ينزل بعضهم، ويرسل السّلطان معهم من يحميهم إلى قلعة الناظر بأَرَّجَان، وهي لهم، وإلى قلعة طَبَس، وأن يقيم باقيهم في ضرس القلعة، إلى أنّ يصل إليهم من يخبرهم بوصول أصحابهم، فأجابهم إلى ذَلِكَ، وذهبوا، ورجع من أخبر الباقين بوصول أولئك إلى القلعتين، فلم يسلم ابن غطاس السن الذي احتموا فيه، ورأى السّلطان منه الغدر والرجوع عما تقرر، فزحف الناس عليه عامة، في ثاني ذي القعدة، وكان قد قل عنده من يمنع أو يقاتل، وظهر منه بأسٌ شديد، وشجاعة عظيمة، وكان قد استأمن إلى السّلطان إنسانٌ من أعيانهم فقال: أَنَا أدلكم عَلَى عورة لهم، فأتى بهم إلى جانب للسن لا يرام فقال: اصعدوا من هاهنا، فقيل: إنّهم قد ضبطوا هذا المكان وشحنوه بالرجال، فقال: إنّ الّذي ترون أسلحة وكُزاغنْدات قد جعلوها كهيئة الرجال، وذلك لقلتهم، وكان جُمَيْع من بقي ثمانين رجلًا، فصعد النّاس من هناك، وملكوا الموضع، وقتلوا أكثر الباطنية، واختلط جماعة منهم مع من دخل فسلموا، وأُسِر ابن غطاس، فشهر بأصبهان، وسُلِخ، فتجلّد حتّى مات، وَحُشِيَ جِلْدُهُ تبْنًا، وقتل ولدُه، وبُعث برأسيهما إلى بغداد، وألْقَتْ زوجته نفسها من رأس القلعة فهلكت، وخرب محمد القلعة. وكان والده السّلطان جلال الدولة ملك شاه هو الذي بناها على رأس جبل، يقال: إنّه غرم عَلَى بنائها ألفي ألف دينار ومائتي ألف دينار، فاحتال عليها ابن غطاس حتى ملكها، وأقام بها اثنتي عشرة سنة. وفي صَفَر عُزِل الوزير أبو القاسم عليّ بْن جهير، وكان قد وزر للخليفة ثلاثة أعوام وخمسة أشهر، فهرب إلى دار سيف الدولة صدقة بْن مُزْيَد ببغداد ملتجئًا إليها، وكانت ملجأ لكلّ ملهوف، فأرسل إِلَيْهِ صدقة من أحضره إلى الحلة، وأمر الخليفة بأن تخرب داره، ثم تقررت الوزارة في أول سنة إحدى وخمسمائة لأبي المعالي هبة الله بن المطلب. -[698]- وفيها غرق قِلِج أرسلان بْن سليمان بْن قُتُلْمش صاحب قونية، سقط في الخابور فغرق، ووجد بعد أيّام منتفخًا، والحمد لله عَلَى العافية. وتتابعت كُتُب أتابك طُغْتِكِين وفخر المُلْك ابن عمار ملكا الشام إلى السّلطان غياث الدين محمد بْن ملكشاه، بعظيم ما حل بالشام وأهله من الفرنج لعنهم الله، ويستصرخون بِهِ، ويستنجدون بِهِ لِيُدركهم، فندب جيشًا عليهم جاولي سقاوة، وكاتب صَدَقَةَ بْن مَزْيَد، وصاحب المَوْصِل وغيرهما لينهضوا إلى حرب الكُفّار، فثقُل ذَلِكَ عَلَى المكاتبين ونكلوا عَن الجهاد، وأقبلوا عَلَى حظوظ الأنفس، فلا قوة إلّا بالله. وكان ابن قُتُلْمش نَفَذَ بعض جيشه لإنجاد صاحب القسطنطينية عَلَى بَيْمُنْد وإفرنج الشام، فلمّا التقى الْجَمْعان استظهر الروم وكسروا الفرنج شرّ كسْرَة، أتت عَلَى أكثرهم بالقتل والأسْر، وفصل الأتراك جُنْد ابن قُتُلْمش بعد أنّ خلع عليهم طاغية الروم وأكرمهم. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-حوادث سنة إحدى وخمسمائة
كَانَ سيف الدّولة صَدَقة قد صار ملك العرب في زمانه، وبنى الحلة ومصرها، وقبل ذلك كان صاحب عمود وبيوت شعر، فعظُم شأنُه، وارتفع قدْره، وصار ملجأ لمن يستجير به، وكان معينًا للسلطان محمد على أخيه في حروبه، وناصرًا له، فزاد إقطاعه مدينة واسط، وأذِن لَهُ في أخذ البصرة، ثم أفسد ما بينهما العميد أبو جعفر محمد بْن الحسن البلْخيّ مَعَ ما كَانَ يفعله صَدَقة مِن إجارة مِن يلتجئ إِلَيْهِ مِن أعداء السّلطان محمد، وشغَّب العميدُ السّلطان عَليْهِ، ثمّ زاد عَليْهِ بأنْ صبغه بأنّه مِن الباطنية، ولم يكن كذلك؛ بل كان شيعيًا، وسخط السلطان على أبي دلف سرخاب صاحب ساوة، فهرب منه، فأجاره صَدَقة، فطلبه السّلطان منه، فامتنع، إلى أمور أُخر، فتوجّه السّلطان إلى العراق. فاستشار صَدَقة أصحابه، فأشار عليه ابنه دُبَيْس بأن ينفّذه إلى السّلطان بتقادُم وتُحَف وخيل، وأشار سَعِيد بْن حُمَيْد صاحب جيش صَدَقة بالحرب، فأصغى إليه، وجمع العساكر، وبذل الأموال، فاجتمع لَهُ عشرون ألف فارس، وثلاثون ألف راجل، فأرسل إليه المستظهر بالله ينهاه عَنِ الخروج، ويعده بأن يُصْلح أمره، وأرسل السلطان يطمئنه ويطيب قلبه، ويأمره بالتجهيز معه لقصد غزو الفرنج، فأجاب بأن السلطان قد ملؤوا قلبه علي، وقال صاحب جيشه: لم يبق لنا في صلح السلطان مطمع. ودخل السلطان بغداد في ربيع الآخر جريدة لَا يبلغ عسكره ألفَيْ فارس، فلما تيقن ببغداد منابذة صَدَقة لَهُ، بعث شِحْنة بغداد سُنْقُر البُرْسُقيّ في عسكر، فنزل عَلَى صَرْصَرْ، وبعث بريدًا يستحث عساكره فأسرعوا إليه، ثم نشبت -[8]- الحرب بين الفريقين شيئًا فشيئًا، وتراسلوا في الصُّلح غير مُرَّة، فلم يتّفق، وجرت لهم أمور طويلة، ثمّ التقى صَدَقة والسلطان في تاسع عشر رجب، فكانت الأتراك ترمي الرَّشْقَة عشرة آلاف سهْم، فتقع في خيل العرب وأبدانهم، وبقي أصحاب صَدَقة كلمّا حملوا منعهم نهرٌ بين الفريقين مِن الوصول، ومن عَبَر إليهم لم يرجع، وتقاعدت عُبادة وخَفَاجة شفقةً عَلَى خيلها، وبقي صَدَقة يصيح: يا آل خُزَيْمَة، يا آل ناشرة، ووعد الأكراد بكلّ جميل لَمَّا رَأَى من شجاعتهم، وَكَانَ راكبا على فرسه المهلوب، ولم يكن لأحدٍ مثله، فجُرح الفَرَس ثلاث جراحات، وكان لَهُ فرس آخر قد ركبه حاجبه أبو نصر، فلمّا رَأَى التُّرْكَ قد غشوا صَدَقة هرب عَليْهِ، فناداه صَدَقة، فلم يردّ عَليْهِ، وحمل صَدَقة عَلَى الأتراك وضرب غلامًا منهم في وجهة بالسّيف، وجعل يفتخر ويقول: أَنَا ملك العرب، أَنَا صَدَقة، فجاءه سهْمٌ في ظهره، وأدركه بزغش مملوك أشلّ، فجذبه عَنْ فَرَسه فوقع، فقال: يا غلام، أرفق، فضربه بالسّيف؛ قتله، وحمل رأسه إلى السّلطان، وقُتل مِن أصحابه أكثر مِن ثلاثة آلاف فارس، وأُسِر ابنه دُبَيْس، وصاحب جيشه سعيد بن حميد. وكان صدقة كثير المحاسن في الجملة، محبَّبًا إلى الرعيّة، لم يتزوَّج عَلَى امرأته، ولا تَسَرَّى عليها، وكان عنده ألوف مجلَّدات من الكتب النفيسة، وكان متواضعًا محتملًا، كثير العطاء. وأمّا طرابُلُس، فلمّا طال حصارها، وقلَّت أقواتُها، وعظمت بليتها ولا قوّة إلّا بالله، منَّ الله عليهم سنة خمسمائة بميرة جاءتهم في البحر، فتقوَّوْا شيئًا، واستناب فخر المُلْك أبو علي بن عمار على البلد ابن عمه، وسلف المقاتلة رزق ستة أشهر، وسار منها إلى دمشق؛ ليمضي إلى بَغْدَاد فأظهر ابن عمه العصيان، ونادى بشعار المصريّين، فبعث فخر الملك إلى أصحابه، يأمرهم بالقبض عَليْهِ، ففعلوا بِهِ ذَلِكَ، واستصحب فخر الملك معه تحفًا ونفائس وجواهر وخيلا عربية، فأحترمه أمير دمشق وأكرمه، ثمّ سار إلى بغداد، فدخلها في رمضان قاصدًا باب السّلطان، مستنفرًا عَلَى الفرنج، فبالغ السّلطان محمد في احترامه، وكان يوم دخوله مشهودًا، ورتَّب لَهُ الخليفة الرّواتب العظيمة، ثمّ قِدم للسّلطان التّقادم، وحادثه السّلطان في أمر قتال الفرنج، فطلب النّجدة، وضمن الإقامة بكفاية العساكر، فأجابه السّلطان. -[9]- وقدّم للخليفة أيضًا، وحضر دار الخلافة وخُلع عَليْهِ، وجرّد السّلطان معه عسكرًا لم يُغْنِ شيئًا، ثمّ وصل إلى دمشق في المحرَّم سنة اثنتين، وتوجه بعسكر دمشق إلى جبلة، فدخلها وأطاعه أهلها. وأمّا أهل طرابُلُس فراسلوا المصريّين يلتمسون واليا وميرَة في البحر، فجاءهم شرف الدّولة ومعه الميرة الكثيرة، فلمّا دخلها قبض عَلَى جماعة من أقارب ابن عمار، وأخذ نعمتهم وذخائرهم، وحمل الجميع إلى مصر في البحر. وفي شَعْبان أطلق السّلطان الضّرائب والمُكُوس ببغداد، وكثُر الدّعاء لَهُ، وشرط عَلَى وزير الخليفة العدل وحُسْن السيرة، وأن لَا يستعمل أهل الذّمّة، وعاد إلى إصبهان بعد إقامة نحو الستة أشهر، فأحسن فيها ما شاء، وكسا في يوم أربعمائة فقير، ومضى يومًا إلى مشهد أَبِي حنيفة، فانفرد وغلّق عَليْهِ الأبواب يصلّي ويتعبَّد، وكفّ غلمانه عَنْ ظُلْم الرّعيّة، وبالغ في ذَلِكَ. وفيها حاصر بغدوين ملك الفرنج صور، وبنى تلقاءها حصنًا، وضيّق عليهم، فبذل لَهُ متولّيها سبعة آلاف دينار، فترحل عنها. ونازل صيدًا ونصب عليها البُرج الخشب، وقاتَلَها في المراكب، وجاء أصطول ديار مصر ليكشف عَنْهَا، فقاتلهم أصطول الفرنج، وظهر المسلمون، وبلغ الفرنج مسيرُ عسكر دمشق نجدةً لأهل صيدا، فتركوها ورحلوا. وأغار أمير دمشق طُغتِكِين عَلَى طبريّة، فخرج ملكها جرْفاس - لعنة الله - فالتقوا، فقُتل خلْق مِن عسكره وأُسِر هُوَ، وفرح المسلمون. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة اثنتين وخمسمائة
كان السلطان قد بعث الأمير مودودا إلى المَوْصِل فحاصرها مدّة، وانتزعها مِن يد جاولي سقاوو، وكان جاولي قد سار في سنة خمسمائة في المحرَّم منها، قد بعثه السّلطان محمد إلى المَوْصِل والأعمال الّتي بيد جكرمِش، وكان جاولي سقاوو قبل هذا قد استولى عَلَى البلاد الّتي بين خوزستان وفارس، فأقام بها سنتين، وعمَّر قلاعها، وظلم وعسف، وقطع، وشنق، ثم خاف جاولي من السلطان، فبعث إليه السلطان الأمير مودودا، فتحصّن جاولي، وحصره مودود ثمانية أشهر، ثمّ نزل بالأمان ووصل إلى -[10]- السّلطان فأكرمه، وأمره بالمسير لغزو الفرنج، واقطعه الموصل ونواحيها. وكان جكرمش لما عاد مِن عند السّلطان قد التزم بحمل المال وبالخدمة، فلما حصل ببلاده لم يف بما قَالَ، فسار جاولي إلى بغداد ثمّ إلى المَوْصِل، ونهب في طريقه البوازيج بعد أن أمّن أهلها، ثمّ قصد إربل، فتجمّع جكرمش في ألْفَين، وكان جاولي في ألف، فحمل جاولي عَلَى قلب جكرمش فانهزم مِن فيه، وبقي جكرمش وحده لَا يقدر على الهزيمة؛ لفالج به، فأسروه، ونازل جاولي الموصل يحاصرها وبها زنكي بن جكرمش، ومات جكرمش في أيام الحصار عن نحو ستين سنة. وأرسل غلمان جكرمش إلى الأمير صَدَقة بْن مَزْيَد وإلى قسيم الدّولة البُرْسُقيّ وإلى صاحب الروم قلج أرسلان بن سليمان بن قُتُلْمِش يستدعون كُلًا منهم ليكشف عَنْهُم، ويسلّمون إِليْهِ المَوْصِل، فبادر قلج أرسلان، وخاف جاولي فترحَّل، وأمّا البُرْسُقيّ شِحنة بغداد فسار فنزل تجاه الموصل بعد رحيل جاولي بيوم، فما نزلوا إِليْهِ، فغضب ورجع، وتملّكها قلج أرسلان، وحلفوا لَهُ في رجب، وأسقط خطبة السّلطان محمد، وتألّف النّاس بالعدل، وقال: مِن سعى إلي في أحد قتلته. وأمّا جاولي فنازل الرَّحْبة يحاصرها، ثمّ افتتحها بمخامرة وأنْهبها إلى الظُّهْر، وسار في خدمته صاحبها محمد بن سباق الشيباني. ثمّ سار قلج أرسلان ليحارب جاولي، فالتقوا في ذي القِعْدة فحمل قلج أرسلان بنفسه، وضرب يد صاحب العِلْم فأبانها، ووصل إلى جاولي فضربه بالسّيف، فقطع الكُزَاغَنْد فقط، وحمل أصحاب جاولي عَلَى الآخرين فهزموهم فعلم قلج أرسلان أنّه مأسور، فألقى نفسه في الخابور، وحمى نفسه مِن أصحاب جاولي، فدخل بِهِ فرسه في ماء عميق، فغرق، وظهر بعد أيّام، فدُفن ببعض قرى الخابور. وساق جاولي إلى المَوْصِل، ففتح أهلها لَهُ وتملكها، وكثُر رجاله وأمواله، ولم يحمل شيئًا مِن الأموال إلى السّلطان، فلمّا قِدم السّلطان بغداد لحرب صدقة طلب جاولي فلم يحضر وراوغ فلما فرغ من أمر صَدَقة جهّز عسكرًا لحرب جاولي، وتحصّن هُوَ بالموصل وعسف وظلم، وأهلك الرعية. -[11]- ونازل العسكر المَوْصِل في رمضان سنة إحدى وخمسمائة وافتتحوه بمعاملة من بعض أهله، ودخله الأمير مودود، وأمن النّاس، وعَصَت زَوْجَة جاولي بالقلعة ثمانية أيام، ثم نزلت بأموالها. وأمّا جاولي فإنّه كَانَ في عسكره بنواحي نَصِيبّين، وجَرَت لَهُ أمور طويلة، وأخذ بالِس وغيرها، وفتك ونهب المسلمين، ثمّ فارقه الأمير زنكي بْن أقسُنْقُر، وبكتاش النّهاونْديّ، وبقي في ألف فارس، فخرج لحربه صاحب أنطاكية تنكري في ألف وخمسمائة مِن الفرنج، وستّمائة مِن عسكر حلب، فانهزم جاولي لمّا رَأَى تقلّل عسكره، وسار نحو الرحبة، وقتل خلق من الفريقين، ثمّ سار جاولي إلى باب السّلطان، وهو بقرب إصبهان، فدخل وكَفَنُه تحت إبْطه، فعفا عَنْهُ، وكان السّلطان محمد كثير الحلم والصَّفْح. وفيها سار طُغتِكين متولّي دمشق غازيا إلى طبرية، فالتقى هُوَ وابن أخت صاحب القدس بغدوين، وكان المسلمون ألفي فارس سوى الرَّجّالة، وكانت الفرنج أربعمائة فارس وألفَيْ راجل، فأشتدّ القتال، وانهزم المسلمون فترجّل طُغتِكين، فتشجَّع العسكر وتراجعوا، وأسروا ابن أخت بغدوين، ورجعوا منصورين، وبذل في نفسه ثلاثين ألف دينار، وإطلاق خمسمائة أسير فلم يقنع منه طُغتِكين بغير الإسلام، ثم ذبحه بيده، وبعث بالأسرى إلى بغداد. ثم تهادن طُغتِكين وبغدوين عَلَى وضع الحرب أربع سنين، ثم سار طغتكين ليتسلم حصن عرقة، أطلقه لَهُ ابن عمّار لعَجْزه عَنْ حِفْظه، فقصده السّرْدانيّ بالفرنج، فتقهقر عسكر طُغتِكين ووصلوا إلى حمص كالمنهزمين، وأخذ السّرْدانيّ عرقة بالأمان من غير كلفة. وفيها عزل وزير الخليفة هبة الله بْن المطّلب بأبي القاسم علي بن أبي نصر بن جهير. وفيها تزوَّج المستظهر بالله بأخت السّلطان محمد عَلَى مائة ألف دينار، وعقد العقْد القاضي أبو العلاء صاعد بْن محمد النَّيْسابوريّ الحنفيّ، وقبل العقد الوزير ابن نظام الملك، وذلك بأصبهان. وفيها وُلّي شِحْنكيّة بغداد مجاهد الدّين بهروز. وفيها قتلت الباطنّية قاضي إصبهان عُبَيْد الله بْن عليّ الخطيبيّ بَهَمَذَان، -[12]- وكان يحرّض عليهم، وصار يلبس دِرْعًا تحت ثيابه حَذَرًا منهم، قتله أعجميّ يوم الجمعة في صفر. وقتلوا يوم الفِطْر أبا العلاء صاعد بْن محمد قاضي نَيْسابور وقُتِل قاتله، واستشهد كهلًا. وفيها تجمّع قَفْلٌ كبير، وسار مِن دمشق طالبين مصر، فأخذتهم الفرنج. وفيها ثار جماعة مِن الباطنيّة لعنهم الله في شيزر عَلَى حين غَفْلةٍ مِن أهلها، فملكوها وأغلقوا الباب، وملكوا القلعة، وكان أصحابها أولاد مُنْقذ قد نزلوا يتفرّجون عَلَى عيد النَّصارى، فبادر أهل شيزر إلى الباشورة، فأصعدهم النّساء في حبالٍ مِن طاقات، ثمّ صعِد أمراء الحصْن، واقتتلوا بالسّكاكين، فخُذِل الباطنيّة في الوقت، وأَخَذَتْهُم السُّيوف، وكانوا مائة، فلم ينج منهم أحد. وفيها قتلت الباطنيّة شيخ الشّافعية أبا المحاسن عبد الواحد الروياني. وفيها عَلَى ما ذكر أبو يَعْلَى حمزة أخذت طرابلس. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة ثلاث وخمسمائة
قَالَ ابن الأثير: في حادي عشر ذي الحجّة تملّك الفرنج طرابُلُس، وكانت قد صارت في حكم صاحب مصر مِن سنتين، وبها نائبه، والمدَدُ يأتي إليها، فلمّا كَانَ في شَعْبان وصل أصطول كبير مِن الفرنج في البحر، عليهم رَيْمُنْد بْن صَنْجِيل، ومراكبه مشحونة بالرجال والمِيرة، فنزل عَلَى طرابُلُس مَعَ السّرْدانيّ ابن أخت صَنْجيل الّذي قام بعد موت صَنْجيل، وهو مُنَازِلٌ لها، فوقع بينهما خُلْفٌ وقتال، فجاء تَنْكرِي صاحب أنطاكية نجدةً للسّرْداني، وجاء بغدوين صاحب القدس، فأصلح بينهما، ونزلوا جميعهم عَلَى طرابُلُس، وجدُّوا في الحصار في أوّل رمضان، وعملوا أبراجًا وألْصَقوها بالسّور، فخارت قِوى أهلها وذلّوا، وزادهم ضعفًا تأخّر الأصطول المصري بالنجدة والميرة، وزحفت الفرنج عليها، فأخذوها عَنْوَةً، فإنّا لله وإنا إليه راجعون، ونجا واليها وجماعة -[13]- من الجند التمسوا الأمان قبيل فتحها، فوصلوا إلى دمشق، وسار تنكري إلى بانياس فأخذها بالأمان. ونزل بعض الفرنج على جبيل وبها فخر المُلْك بْن عمّار الَّذِي كَانَ صاحب طرابُلُس، فحاصروها أيّامًا، وسلّمت بالأمان لقلّة الأقوات بها، وقصد ابن عمّار شَيْزَر، فأكرمهُ سلطان بْن عليّ بْن منقذ الكنانيّ، فاحترمه وسأله أن يقيم عنده، فسار إلى دمشق فأكرمه طُغتِكين وأقطعه الزَّبَدانيّ. وذكر سِبط الْجَوزيّ: أخذ طرابلس في سنة اثنتين وخمسمائة، وذكر الخلاف فيه. وفيها سار وزير السّلطان محمد، وهو أحمد ابن نظام المُلْك فحاصر الألَمُوت، وبها الحَسَن بْن الصباح، ثم رحل عنها لشدة البرد. وفي ربيع الآخر قدم السلطان بغداد، فأقام بها أشهرًا. وفي شعبان طفر باطنيّ عَلَى الوزير ابن نظام المُلْك فجرحه، فتعلّل أيّامًا وعوفي، وسُقِيَ الباطنيّ خمرًا وقُرّرَ، فأقر على جماعة بمسجد المأمونية، فأخذوا وقتلوا. وفيها مات إبراهيم بْن ينال صاحب آمد، وكان ظلومًا غشومًا، نزح كثير مِن أهل آمِد عَنْهَا لجوره، وتملك بعده ابنه. وفيها عزم محمد بْن ملكشاه عَلَى غزو الفرنج، وتهيأ، ثم عرضت له عوائق. وفيها أخذ تَنْكري صاحب أنطاكيّة طَرَسُوس، وقرَّر عَلَى شَيْزر ضريبة في السنّة وهي عشرة آلاف دينار، وتسلم حصن للأكراد. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة أربع وخمسمائة
نزل بغدوين وابن صَنْجيل عَلَى بيروت، وجاءت الفرنج الْجَنَويّة في أربعين مركبًا، وأحاطوا بها، ثم أخذوها بالسيف، ثمّ نازلوا صيدا في ثالث ربيع الآخر، فأخذوها في نيّفٍ وأربعين يومًا، وأمنّوا أهلها، فتحوّل خلْقٌ مِن -[14]- أهلها إلى دمشق، وأقام أكثر النّاس رعية للفرنج، وقُرّر عليهم في السّنة قطيعة عشرين ألف دينار. وكان نائب المصريين بعسقلان شمس الخلافة، فراسل بغدوين صاحب القدس وهادنه وهاداه، وخرج عَنْ طاعة صاحب مصر، فتحيلوا على القبض عليه فعجزوا، ثم إنه أخرج الذين عنده مِن عسكر مصر خوفًا منهم، وأحضر جماعة مِن الأرمن واستخدمهم، فمقته أهل عسقلان وقتلوه، ونهبوا داره، فسُرَّ بذلك أمير الجيوش الأفضل، وبعث إليها أميرًا. وفيها نازل صاحب أنطاكيّة حصن الأثارب، وهو عَلَى بريدٍ مِن حلب، فأخذوه عنْوةً، وقتل ألفَيْ رجلٍ، وأسر الباقين، ثمّ نازل حصن زَرْدَنا، وأخذه بالسّيف، وجَفَل أهل مَنْبِج، وأهل بالِسَ، فقصدت الفرنج البلدين، فلم يروا بها أنيسًا. وعظُم بلاء المسلمين، وبلغت القلوب الحَنَاجر، وأيقنوا باستيلاء الفرنج عَلَى سائر الشّام، وطلبوا الهدنة، فامتنعت الفرنج إلّا عَلَى قطيعة يأخذونها، فصالحهم الملك رضوان السلجوقي صاحب حلب على اثنين وثلاثين ألف دينار، وغيرها مِن الخيل والثّياب، وصالحهم أمير صور عَلَى شيء، وكذا صاحب شَيْزر، وكذا صاحب حماه عليّ الكُرَديّ، صالحهم هذا عَلَى ألفَيْ دينار، وكانت حماه صغيرة جدًا. وسار طائفة مِن الشّام إلى بغداد يستنفرون النّاس، واجتمع عليهم خلْق مِن الفُقهاء والمطّوّعة، واستغاثوا وكسروا منبر جامع السّلطان، فوعدهم السّلطان بالجهاد، ثمّ كثُروا وفعلوا أبلغ مِن ذَلِكَ بكثير في جامع القصر، وكثُر الضّجيج، وبَطَلت الجمعة، فأخذ السلطان في أهبة الجهاد. وفيها عُزِل وزير السّلطان محمد نظام المُلْك أحمد بْن نظام المُلْك، ووَزَر الخطير محمد بن حسين الميبذي. وفي رمضان دخل الخليفة ببنت السّلطان ملكشاه، وزُيّنت بغداد وعُمِلت القِباب، وكان وقْتًا مشهودًا. وفيها هبّت بمصر ريح سوداء مظلمة أخذت بالأنفاس، حتّى لَا يبصر الرجل يده، ونزل عَلَى النّاس رمل، وأيقنوا بالهلاك، ثمّ تجليّ قليلًا وعاد إلى -[15]- الصفرة، وكان ذلك من العصر إلى بعد المغرب. وفيها غدر بغدوين ونازل طبريّة، وبرز طُغتِكين إلى رأس الماء، ثم وقعت هدنة فيها حَيْفٌ عَلَى المسلمين وإذلال، ولم ينجدهم لَا جيش الشّرق ولا جيش مصر، واستنصرت الفرنج بالشام. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة خمس وخمسمائة
وفيها سارت عساكر العراق والجزيرة لقتال الفرنج، فحاصروا الرُّها، ولم يقدروا عليها، واجتمعت جموع الفرنج، فلم تكن وقعة، ثمّ سار المسلمون وقطعوا الفرات إلى الشّام ونازلوا تلّ باشِر خمسة وأربعين يومًا، ورحلوا فجاءوا إلى حلب، فأغلق في وجوههم صاحبها رضوان بابها، ومات مقدّمهم سُقْمان القُطبيّ، واختلفوا ورجعوا، وما فعلوا شيئًا، إلا أنهم طمعوا في المسلمين عساكر الفرنج، فتجمّعت الملاعين، وساروا مَعَ بغدوين فحاصروا صور. قَالَ ابن الأثير: عملوا عليها ثلاثة أبراج خشب، عُلوّ البرج سبعون ذراعًا، وفيه ألف رَجُل، فألصقوها بالسّور، وكان نائب المصريّين بها عز الملك، فأخذ المسلمون حزم حطب كثيرة، وكشفت الحُماة بين أيديهم إلى أن وصلوا إلى البرج، فألقوا الحطب حوله، وأوقدوا فيه النار، واشغلوا الفرنج عَنِ النّزول مِن البرج بالنُّشّاب، وطرشوهم بجرار ملأى عُذْرَةً في وجوههم، فخبلوهم، وتمكّنت النّار، فهلك مِن في البرج إلّا القليل، ثمّ رموا البرجين الآخرين بالنّفْط فاحترقا، وطلبوا النّجدة مِن صاحب دمشق، فسار إلى ناحية بانياس، واشتدّ الحصار. قلت: وجَرَت فصول طويلة، وكان تِلْكَ الأيّام يغير طُغتِكين عَلَى الفرنج وينال منهم، وأخذ لهم حصنًا في السّواد، وقتل أهله، وما أمكنه مناجزة الفرنج لكثرتهم، ثمّ جمع وسار إلى صور، فخندقوا عَلَى نفوسهم ولم يخرجوا إليه، فسار إلى صيدا وأغار عَلَى ضياعها، وأحرق نحو عشرين مركبًا عَلَى السّاحل، وبقي الحصار عَلَى صور مدة، وقاتل أهلها قتال مِن آيس مِن الحياة، فدام القتال إلى المُغَلّ، فخافت الفرنج أن يستولي طغتكين على غلات -[16]- بلادهم، وبَذَل لهم أهل صور مالًا ورحلوا عنهم. وفيها كانت ملحمة كبيرة بالأندلس بين عليّ بْن يوسف بْن تاشفين وبين الأَذْفُونش لعنه الله، نُصر فيها المسلمون، وقتلوا وأسروا وغنموا ما لَا يعبَّر عَنْهُ، فخاف الفرنج منها، وامتنعوا مِن قصد بلاد ابن تاشفين، وذُلّ الأذفونش حينئذٍ وخاف فإنّها وقعة عظيمة أبادت شجعان الفرنج. وانصرف ابن الأذفونش جريحًا، فهلك في الطّريق، وكان أَبُوهُ قد شاخ وارتعش. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة ست وخمسمائة
فيها مات المُلْك بسيل الأرمنيّ صاحب الدّروب، فسار تَنْكري صاحب أنطاكية الفرنجيّ ليملكها فمرض، فعاد ومات بعد أيّام، وتملّك أنطاكية بعده سرجال ابن أخيه. وفيها مات قراجا صاحب حمص، وقام بعده ولده خيرخان، وكلاهما ظالم. وفي أواخر السّنة، خاض الفرات صاحبُ المَوْصِل مودود بْن الْتُون تكِين، وصاحب سنجار تميرك، والأمير إياز بْن إيلغازي بنية الجهاد، فتلقّاهم صاحب دمشق طُغتِكين إلى سلمية، وكان كثير المودة لمودود، وكانت الفرنج قد تابعت الغارات عَلَى حَوْران، وغلت الأسعار بدمشق، فاستنجد طُغتِكين بصديقه مودود، فبادر إليه، فاتّفق عَلَى قصْد بغدوين صاحب القدس، فساروا حتى نزلوا على الأردنّ، ونزل بغدوين عَلَى الصَّنْبَرة وبينهما الشّريعة. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة ثمان وخمسمائة
في أوائلها قدم أقْسُنْقُر البُرْسُقيّ عَلَى مملكة المَوْصِل، وسيَّر معه السّلطان محمد ولده مسعودًا في جيشٍ كبير لحرب الفرنج، فنازل البُرْسُقيّ الرُّها في خمسة عشر ألف راكب، فحاصرها شهرين، ثمّ رحل لقلة الميرة، وعاد إلى شنجتان، فقبض عَلَى إياز بْن إيلغازي، ونهب أعمال ماردِين. ثمّ تسلَّم حصن مَرْعَش مِن الفرنج صُلْحًا. وأمّا صاحب ماردين فغضب لخراب بلاده ولأسْر ولده، فنزل وحشد، ونزل معه ابن أخيه صاحب حصن كيفا رُكْن الدّولة دَاوُد بْن سُقْمان، فالتقى هُوَ -[19]- والبُرْسُقيّ في أواخر السّنة، فانهزم البُرْسُقيّ وخلص إياز، ولكن خاف إيلغازي مِن السّلطان، فسار إلى دمشق، وكان صاحبها خائفًا مِن السّلطان أيضًا لأنّه نسب قتْل مودود صاحب المَوْصِل إليه، فاتّفقا عَلَى الامتناع والاعتضاد بالفرنج، فأجابهما إلى المعاونة صاحب أنطاكيّة وجاء، فاجتمعوا بِهِ عَلَى بُحَيْرة حمص، وتحالفوا وافترقوا. وسار إيلغازي إلى ديار بَكْر، فنزل بالرَّسْتَن ليستريح، وشرب فسكر، فتبعه صاحب حمص، فأسره ودخل بِهِ حمص، ثمّ طلب أن يصاهره ويطلقه، ويأخذ ولده إياز رهينة، فأطلقه خوفًا من طغتكين. وفيها مات سلطان الهند وغزنة علاء الدّولة مسعود، وجرت بعده أمور سُقْتُها في ترجمته. وفيها جاءت زلزلة مهولة بالجزيرة والشّام، هلك خلق كثير تحت الهدم. وفيها مات الشريف النسيب بدمشق. وفيها قتل صاحب حلب تاج الدولة ألب أرسلان ابن المُلْك رضوان بْن تُتُش، قتله غلمانه، وكان المستولي عَليْهِ الخادم لؤلؤ، وملّكوا بعده سلطان شاه أخاه بإشارة الخادم. وفيها هلك بغدوين الفرنجيّ صاحب القدس مِن جراحة، أصابته في مصاف طبرية. وفيها مات الأمير أحمديل صاحب مراغة، وكان شجاعًا جوادًا، أقطاعه تغل في العام أربعمائة ألف دينار، وعسكره خمسة آلاف فارس، وثب عليه ثلاثة من الباطنية، فقتلوه، وقيل: بل قُتل بعد ذَلِكَ بقليل، وكذا بغدوين تأخر موته، فيحرر ذلك. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة تسع وخمسمائة
لمّا بلغ السّلطان عصيان صاحب ماردين وصاحب دمشق غضب، وبعث الجيوش لحربهما، فساروا وعليهم برسق صاحب همذان في رمضان من السّنة الماضية، وعدّوا الفُرات في آخر العام، فأخذوا حماه عَنْوَةً ونهبوها، وهي لطُغتِكين، فاستعان بالفرنج فأعانوه. -[20]- وسار عسكر السّلطان وهم خلْقٌ كثير، فأخذوا كفرطاب من الفرنج واستباحوها، ثمّ ساروا إلى المَعَرَّة، فجاء صاحب أنطاكيّة في خمسمائة فارس وألْفَيْ راجل، فوقع عَلَى أثقال العساكر، وقد تقدّمتهم عَلَى العادة، فنهبوها وقتلوا السّوقيّة والغلمان، وأقبلت العساكر متفرقة، لم يشعروا بشيءٍ، فكان الفرنج يقتلون كلّ مِن وصل، وأقبل بُرْسُق مُقَدَّم العساكر في مائة فارس، فرأى الحال، فصعِد تلّا هناك، والتجأ إليه النّاس وعليهم ذُلّ وانكسار، فأشار عَلَى برسق أخوه بأنّنا ننزل وننجو، فنزل بهم عَلَى حميّة، وساق وراءهم الفرنج نحو فرسخ، ثمّ ردّوا، فتمّموا الغنيمة والأسْر، وأحرقوا كثيرًا مِن النّاس، واشتدّ البلاء، وتبدَّل فرح المسلمين خوفًا وحُزْنًا، لأنّهم رجوا النَّصر مِن عساكر السّلطان، فجاء ما لم يكن في الحساب، وعادت العساكر بأسوأ حال، نعوذ بالله من الخذلان، ومات بُرْسُق، وأخوه زنكي بعد سنة {{قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلا قَلِيلا}}. وجالت الفرنج بالشّام، وأخذوا رَفَنية، فساق إليهم طُغتِكين عَلَى غرّة، واستردّ رَفَنيَة، وأسر وقتل. ثمّ رَأَى المصلحة أن يتلافى أمر السّلطان، فسار بنفسه إلى بغداد بتقادُم وتُحَف للسّلطان وللخليفة، فرأى مِن الإكرام والتّبجيل ما لَا مَزِيد عليه، وشرف بالخلع، وكتب السلطان له منشورًا بإمرة الشّام جميعه، وكان السّلطان هذه السّنة قد قِدم بغداد واجتمع بِهِ طُغتِكين في ذي القعدة. قَالَ سِبْط الجوزيّ: وفيها صالح بغدوين صاحب القدس الأفضل متولّي الدّيار المصرية، وكان بغدوين صاحب القدس قد سار إلى السبخة المعروفة به ممّا يلي العريش، فأخذ قافلة عظيمة جاءت مِن مصر، فهادنه الأفضل، وأمِن النّاس قليلًا. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة عشر وخمسمائة
الأصح أنّ أحمدِيَّل صاحب مَرَاغة قُتِل في أوّل سنة عشر ببغداد بدار السّلطان، وكان جالسًا إلى جانب طُغتِكين صاحب دمشق أتاه رجل يبكى وبيده -[21]- قَصّة، وتضرَّع إليه أن يوصلها إلى السّلطان محمد، فأخذها منه، فضربه بسِكّين، فجذبه أحمديل في الحال، وبرك فوقه، فوثب باطنيّ آخر، فضرب أحمديل سكينا، فأخذتهما السيوف، ووثب رفيق لهما والسيوف تنزل عليهما، فضرب أحمديل ضربة أخرى، فَهَبروه أيضًا. وفيها مات جاولي الذي كان قد حكم عَلَى المَوْصِل، ثمّ أخذها السّلطان منه، فخرج عن الطّاعة، ثمّ إنّه قصد السّلطان لِعلْمه بحِلْمه، فرضي عَنْهُ، وأقطعه بلاد فارس، فمضى إليها وحارب وُلاتها وحاصرهم، وأوطأهم ذُلًا إلى أن مات. وفيها حاصر عليّ بْن يحيى بْن باديس مدينة تونس وضيَّق عليها، فصالحه صاحبها أحمد بن خراسان على ما أراد. وفيها افتتح ابن باديس جَبَل وَسْلَاتِ وحكم عَليْهِ، وهو جَبَل منيع كَانَ أهله يقطعون الطريق، فظفر بهم، وقتل منهم خلقًا. وفي يوم عاشوراء كانت فتنة في مشهد عليّ بْن موسى الرّضا بطُوس، خاصمَ عَلَويٌ فقيهًا، وتشاتما وخرجا، فاستعان كلٌ منهما بحزبه، فثارت فتنةٌ عظيمة هائلة، حضرها جميع أهل البلد، وأحاطوا بالمشهد وخرّبوه، وقتلوا جماعة، ووقع النَّهْب، وجرى ما لَا يوصف، ولم يُعمر المشهد إلى سنة خمس عشرة وخمسمائة. ووقع ببغداد حريق عظيم، ذهب للنّاس فيه جملة. وقال أبو يَعْلَى بْن القلانسيّ: وفي سنة عشر ورد الخبر بأنّ بدران بْن صَنْجيل صاحب طرابُلُس جمع وحشد، ونهض إلى البقاع، وكان سيف الدّين سُنْقُر البرسقي صاحب المَوْصِل قد وصل ألى دمشق لمعونة الأتابك طغتكين، فتلقاه وسُرَّ بِهِ، فاتّفقا عَلَى تبييت الفرنج، فساقًا حتى هجما عَلَى الفرنج وهم غارُّون، فوضعوا فيهم السّيف قتْلًا وأسْرًا، فقيل هلك منهم نحو ثلاثة آلاف نفْس، وهرب ابن صَنْجيل، وغنِم المسلمون خيلهم وسلاحهم، ورجعوا، وردّ البُرْسُقيّ إلى المَوْصِل، وقد استحكمت المودّة بينه وبين طغتكين. وفيها قُتِل الخادم لؤلؤ المستولي عَلَى حلب، وكان قد قتل ألب أرسلان -[22]- ابن رضوان، وشرع في قتل غلمان رضوان، فعملوا عَليْهِ وقتلوه. والصحيح أنّه قُتِل في السّنة الآتية. وفيها حج بالركب العراقي أمير الجيوش الحبشي مولى المستظهر بالله، ودخل مكة بالأعلام والكوسات والسّيوف المسلَّلة، لأنّه أراد إذلال أمير مكّة وعبيدة. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة إحدى عشرة وخمسمائة
زُلْزِلَت بغداد يوم عَرَفَة، ووقعت دُورٌ وحوانيت بالجانب الغربي على أهلها. وفيها هجمت الفرنج حماه في اللَّيلْ، وقتلوا بها مائة وعشرين رجلًا. وفيها ترحّلت العساكر، وتركت حصار الألموت عندما بلغها موت السّلطان محمد، بعد أن كادوا يفتحونها. وفيها غرقت سنْجار، جاءها سيلٌ عرِم، وهدم سورها، وهلك خلْق كثير، حتى أنّ السّيل أخذ باب المدينة وذهب بِهِ عدّة فراسخ، واختفى تحت التّراب الَّذِي جرّه السَّيل. ثمّ ظهر بعد سنوات، وسلم طفلٌ في سريرٍ لَهُ، حمله السيل، فتعلق السرير بزيتونة، وعاش وكبر. وفيها فتك قوم من الأتراك بلؤلؤ الخادم صاحب حلب وهو متوجّهٌ إلى قلعة جعبر. والسّلطان محمد بْن ملِكْشاه، فيها تُوُفّي أيضًا بأصبهان، وقام بالأمر بعده ابنه محمود، وفرّق خزائنه في العسكر. وقيل: كانت أحد عشر ألف ألف دينار عينًا، وما يناسب ذلك من العروض. وفيها هلك بغدوين صاحب القدس، وفيها هلك ملك القُسْطنطينيّة، لَعَنُهما الله. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة اثنتي عشرة وخمسمائة
فيها كان حريق كبير ببغداد، احترقت الريحانيين، ومسجد ابن عبدون. وفيها قُبض عَلَى صاحب المخزن أبي طاهر ابن الخرزي وأعدم، وأخذ من داره أربعمائة ألف دينار مدفونة. -[150]- وتُوُفّي وُلِد المسترشد بالله الكبير، ثمّ الصّغير بالْجُدَرِيّ، فبكى عَليْهِ المسترشد بالله حتّى أُغمي عليه. وقُبض عَلَى ابن كَمُّونة وصُودر، وأُخِذ منه مال كثير. وفيها كان على إمرة الموصل مسعود ابن السلطان ملكشاه، وله أربع عشرة سنة، وأتابكه جيوش بك، ووزيره فخر المُلْك أبو عليّ بن عمار صاحب طرابلس. وفيها خُلِع عَلَى دُبَيْس بْن مَزْيَد جُبَّة، وفرجية، وطوق، وعمامة، وفرس، وسيف، ومنطقة ولواء، وحمل ذلك إليه نقيب النقباء ونجاح، وكان يومًا مشهودًا. وصرف عن الحجابة أبو جعفر ابن الدامغاني، وولي أبو الفتوح بن طلحة. وفيها وُلّي شِحنكيّة بغداد أقْسُنْقُر البُرْسُقيّ، وعُزِل مجاهد الدّين بهْرُوز الخادم، وتحوَّل بهروز إلى تِكْريت، وهي لَهُ. ثمّ وُلّي شِحنكيّة بغداد منكبرس، فحاربه البرسقي بإذن الخليفة، فنصر البرسقي. ومات الخليفة المستظهر بعد أيّام، وبُويع المسترشد ولده، فنزل أبو الحسن علي ابن المستظهر في مركب هو وثلاثة نفر، وانحدر إلى المدائن ثم سار إلى الحِلّة إلى عند دُبَيْس، فأكرمه وخدمه. وأهمّ ذَلِكَ المسترشد، وطلبه مِن دُبَيْس، فتلطَّف في المدافعة عنه. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة ثلاث عشرة وخمسمائة
وفيها انفصل على الحلة الأمير أبو الحسن ابن المستظهر بالله، فمضى إلى واسط، ودعا إلى نفسه، واجتمع معه جيش، وتملك واسط وأعمالها، وجبى الخراج، وشُقّ ذَلِكَ عَلَى الخليفة، فبعث ابن الأنباريّ كاتب الإنشاء إلى دبيس، وعرفه. وقال: أمير المؤمنين معول عليك، فأجاب، وجهز صاحب جيشه عنانا في جَمْعٍ كبير. فلمّا سَمِعَ أبو الحَسَن ذلك ترحّل مِن واسط في عسكره ليلًا، فأضلُّوا الطّريق، وساروا ليلهم أجمع حتّى وصلوا إلى عسكر دُبَيْس. فلمّا لاح لهم العسكر انحرف أبو الحَسَن عَنِ الطّريق، فتاه مَعَ عددٍ مِن خواصّه، وذلك في تمّوز. ولم يكن معهم ماء، فأشرفوا عَلَى التلف، فأدركه -[151]- نصر بْن سَعْد الكرديّ، فسقاه، وعادت نفسُه إِليْهِ، ونهب ما كَانَ معه مِن مال، وحمله إلى دُبَيْس إلى النعمانية، فأقدمه إلى بغداد وخيّم بالرَّقَّة. وبعث بِهِ إلى المسترشد بعد تسليم عشرين ألف دينار قررت عنه، وكانت أيّامه أحَدَ عشر شهرًا، وشُهّر وزيرُهُ ابن زَهْمُوَيْه عَلَى جَمَلٍ، ثمّ قُتل في الحبْس، فقيل: إنّ الأمير أبا الحَسَن دخل عَلَى أخيه المسترشد، فقبَّل قدمه فبكيا جميعًا، ثم قال له: فضحت نفسك، وباعوك بيع العبيد. وأسكنه في داره الّتي كَانَ فيها وهو وليّ عهد، وردّ جواريه وأولاده، وأحسن إليه، ثم شدد عليه بعد ذلك. وفيها خُطِب بولاية العهد للأمير أبي جعفر منصور ابن المسترشد، وله اثنتا عشرة سنة. وفي جُمَادَى الأولى كانت الوقعة بين السُّلطانين سَنْجَر ومحمود ابن أخيه وزوج ابنته، وذلك أنّ سَنْجَر لما بلغه موت أخيه السّلطان محمد دخل عليه حزن مفرط، وجلس عَلَى الرَّماد وصاح، وأغلق البلد أيّامًا. وعزم عَلَى قصْد العِراق ليملكه، وندِم عَلَى قتل وزيره أبي جعفر محمد ابن فخر المُلْك ابن نظام الملك لأمورٍ بَدتَ منه، وأخذ أمواله. وكان لَهُ مِن الجواهر والأموال ما لَا يوصف، فالذي وجدوا لَهُ من العين ألفا ألف دينار، فلمّا قتله استوزر بعده شهاب الإسلام عَبْد الرّزّاق ابن أخي نظام المُلْك. ولما سَمِعَ محمود بحركة عمّه سَنْجَر نحوه راسله ولاطَفَه وقدَّم لَهُ تقادُم، فأبى إلّا القتال أو النّزول لَهُ عَنِ السَّلْطَنة. فتجهَّز محمود، وتقدم على مقدمته أمير حاجب في عشرة آلاف، ووصل محمود إلى الرَّيّ فدخلها، ثمّ ضجر منها وتقدَّم منها. وجاء إلى خدمته منصور أخو دُبَيْس، وجماعة أمراء، وتصمد معه ثلاثون ألفًا. وأقبل سنجر في نجو مائة ألف، وكانت الوقعة بصحراء ساوَة، وكان مَعَ سَنْجَر خمسةُ ملوك عَلَى خمسة أَسِرَّةَ وأربعون فيلًا، عليها البركصطوانات والمراوات والزينة الباهرة، وأُلُوف مِن الباطنيّة، وأُلُوف مِن كُفّار التُّرْكَ. فلمّا التقوا هبّت ريح سوداء أظلمت الدنيا، وظهر في الجو حمرة منكرة، وآثار مزعجة، وخاف الناس. ثم انكشفت الظلمة واقتتلوا، فانكسرت ميمنة سَنْجَر، ثمّ ميسرته، وثبت هو في القلب والفيلة معه. وكذا بقي محمود في القلب وحده، وتفرَّق أكثر جيشه في النَّهب، فحمل سَنْجَر بالفِيلَة، فولَّت الخيل منها، فتأخّر محمود ولم ينهزم، فلم يتْبعه سَنْجَر؛ لأنّه رَأَى مجنَّبَتَيْه قد -[152]- انهزموا، وثِقْلَه يُنْهب، وكثيرٌ مِن أُمرائه قد قُتِلوا، ووزيرُه قد أُسِر، ورأى ثبات ابن أخيه. فأخذ في المخادعة وأرسل إلى محمود ابن أخيه، يقول: أنت ابن أخي وولدي، وما أؤاخذك؛ لأنك محمولٌ عَلَى ما صنعت، ولا أؤاخذ أصحابك؛ لأنّهم لم يطّلعوا عَلَى حُسْن نيتي لهم. فقال محمود: أنا مملوكه، ثمّ جاء بنفسه، وسنجر قد جلس عَلَى سرير، فقبّل الأرض. فقام لَهُ سَنْجَر، واعتنقه وقبّله، وأجلسه معه، وخلع عَليْهِ خلعة عظيمة، كَانَ عَلَى سَرْج فَرَس الخِلْعَة جوهر بعشرين ألف دينار، وأكل معه، وخلع عَلَى أُمَرائه. وأفرد لَهُ إصبهان يكون حاكمًا عليها، وعلى مملكة فارس وخوزسْتان. وجعله وليّ عهده، وزوَّجه بابنته، ثمّ عاد إلى خُراسان، ثمّ جاءت رسله بالتقادم إلى الخليفة. وفيها اجتمع عسكر طغتكين وإيلغازي، وخرج صاحب أنطاكية في عشرين ألفًا، فالتقوا بأرض حلب، فانهزم الملعون، وقُتِل مِن أصحابه خلْق، وأُسِر خلْق، ولم ينجُ إلّا الأقلّ. وفرح المؤمنون بهذه الوقعة الهائلة، وقد ذكرها أبو يعلى حمزة، فقال: ولم تمض ساعة إلا والإفرنج على الأرض بسطحة واحدة، فارسهم وراجلهم، بحيث لم يفلت منهم شخصٌ يُخَبر خَبَرهم. وقُتِل طاغيتُهم صاحب أنطاكيّة، ولم يتفق مثل هذا الفتح للمسلمين. وفيها وقعت الفتنة والمباينة بين الأفضل أمير الجيوش وبين الآمر، واحترز كلٌ منهما. وحرَّض الأفضل عَلَى اغتيال الآمر، ودسّ إِليْهِ السُّمَّ مِرارًا، فلم يقدر، وجَرَت لهما أمور طويلة. وفيها خُلِع عَلَى أَبِي عليّ بْن صَدَقة، ولقب جلال الدين. ووردت كُتُب مِن السّلطان سَنْجَر، فيها أقطاع للخليفة بخمسين ألف دينار، وللوزير ببضعة آلاف دينار، ثمّ جاء مِن سَنْجَر هدايا، ثلاثين تختًا من الثياب، وتحف وعشرة مماليك. وفي آخر السّنة زاد التّضييق عَلَى الأمير أَبِي الحَسَن، وسُدّ عَليْهِ الباب، وكان يُنَزَّل إليه ما يصلحه من طاقة. وفيها ولي منكبرس شحنكية بغداد، فظلم وعسف، وعثر الرعية، وضج -[153]- الناس منه. وأغلقت الأسواق إلى أن قَلَعَه الله، وطلبه السلطان، وقتله صبرًا، ثم أعيد الخادم بهروز إلى الشحنكية. ومات فيها وزير السلطان ربيب الدولة، ووزر بعده الكمال السميرمي. وفيها ظهر قبر إبراهيم الخليل، وقبر إسحاق ويعقوب صلى الله عليهم، ورآهم كثير مِن النّاس لم تَبْلُ أجسادُهم. وعندهم في المغارة قناديل مِن ذَهَب وفِضّة، قاله حمزة بْن أسد التّميميّ في تاريخه عَلَى ما حكاه ابن الأثير. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة أربع عشرة وخمسمائة
فيها خُطب للسُّلطان سَنْجَر ولابن أخيه السّلطان محمود معًا في موضعٍ واحد، وسُميّ كلُّ واحدٍ شاهنشاه، ولُقّب سَنْجَر: عضُد الدّولة، ولُقّب محمود: جلال الدولة. وفي صَفَر نُقل أبو الفتوح حمزة بْن عليّ مِن الحجابة إلى وكالة الخليفة، وإلى نظر المخزن. وتمرد العيارون، وأخذوا زواريق منحدِرَة إلى بغداد، وفتكوا بأهل السّواد وأسرفوا، وهجموا على محلة العتابيين، فحفظوا أبواب المحلّة ونهبوها عَنْوة. فأمر الخليفة بإخراج أتراك داريّة لقتالهم، فخرجوا وحاصروهم في الأجمة خمسة عشر يومًا. ثمّ أنّ العيّارين نزلوا في السفن، وانحدوا إلى شارع دار الرّقيق ودخلوا المحلّة، وأفلتوا منها إلى الصَّحارى. وقصد أعيانُهم دار الوزير أبي عليّ بْن صَدَقة بباب العامّة في ربيع الأوّل، وأظهروا التّوبة. وخرج فريقٌ منهم لقطع الطريق، فقتلهم أهل السّواد بأوَانا، وبعثوا برؤوسهم إلى بغداد. وفيها ورد قاضي الكوفة أبو جعفر عَبْد الواحد بْن أحمد الثَّقَفيّ مِن جهة سيف الدولة دبيس إلى الأمير إيلغازي بْن أُرْتُق خطب منه ابنته لدُبَيْس، فزوَّجه بها، ونفذها في صحبته. -[154]- ولما بلغ دبيسا اشتغالُ محمود أخذ في أَذية السّواد، وانجفل أهل نهر عيسى، ونهر الملك. وأتى عنان صاحب جيشه، فحاصر بعقوبا، وأخذها، وسبى الحريم والأولاد. وكان دُبَيْس يعجبه اختلاف السّلاطين، فلمّا خاف مِن مجيء محمود أمر بإحراق الغلّات والأتْبان، وبعث إِليْهِ الخليفة يُنْذره فلم ينفع، وبعث إِليْهِ السّلطان محمود يتألّفه، فلم يهتزّ لذلك. وقدم بغداد ونازلها بإزاء دار الخليفة، فوجل منه النّاس، وأخرج نقيب الطّالبيّين، وتهدَّد دار الخلافة، وقال: إنكّم استدعيتم السّلطان؛ فإنْ أنتم صرفتموه، وإلّا فعلت وفعلت. فأنفذ إليه أنّه لَا يمكن ردّ السّلطان، بل نسعى في الصُّلْح. فانصرف دُبَيْس، فسمع أصوات أهل باب الأزج يَسُبَّونه، فعاد وتقدّم بالقبض عليهم، وضرب جماعة منهم بباب النوبي. وفيها قَالَ ابن الأثير: خرج الكُرْج، وهم الخَزَر، إلى بلاد الإسلام، وكانوا قديما يغيرون، فامتنعوا أيّام ملِكْشاه. فلمّا كَانَ في هذه السّنة خرجوا ومعهم القُفْجاق وغيرهم، فسار لحربهم دبيس وإيلغازي وجماعة في ثلاثين فارس، فالتقى الْجَمْعان، فانكسر المسلمون، واصطدم المنهزمون. وتبعهم الكُفّار يقتلون ويأسرون، فقتلوا أكثرهم، وأسروا أربعة آلاف رَجُل، ونجا طُغْرُل أخو السّلطان ودبيس. ونازلت الكرج تفْلِيس، وحصروها مدّة إلى سنة خمس عشرة، وأخذوها بالسيف. وفيها في ربيع الأوّل كَانَ المَصافّ بين السّلطان محمود وأخيه المُلْك مسعود، وكان بيد مسعود أذَرْبَيْجان والموصل، وعُمره إحدى عشرة سنة. وسبب الحرب أن دُبَيْس بْن صَدَقة كَانَ يكاتب أتابك المُلْك مسعود، ويحثّه عَلَى طلب السَّلْطَنة لمسعود، وكان مَعَ مسعود قسيم الدّولة أقسُنْقُر البُرْسُقيّ الَّذِي كَانَ شِحْنة بغداد قد أقطعه مَرَاغَة والرَّحْبَة، وكان معاديا لدُبَيْس. فكاتب دبيس الأتابك جيوش بك يحرّضه عَلَى القبض عَلَى البُرْسُقيّ، فعرف البُرْسُقيّ، ففارقهم إلى محمود، فأكرمه ورفع محلَّه. واتّصل أبو إسماعيل الحُسَيْن بْن عليّ الإصبهانيّ الطُّغْرائيّ مصنَّف لاميّه -[155]- العجم بمسعود، وكان ولد الطغرائي يكتب مسعودا. فَلَمَّا وصل الطُّغْرَائِي استوزره مَسْعُود قبل أن يعزل أبا عليّ بْن عمّار الَّذِي كَانَ صاحب طرابُلُس، فحسّن أيضًا لمسعود الخروج عَلَى أخيه محمود، وخطب لمسعود بالسلطنة، ودقت لَهُ النوبة في الأوقات الخمس. فأقبل محمود، والتقوا عند عقبة أسداباذ، ودام القتال طول النّهار، وانهزم جيش مسعود، وأُسِر منهم خلْق، منهم الطُّغْرائيّ، ثمّ قُتِل بحضرة السّلطان محمود، وهرب خواصّ مسعود بِهِ إلى جبلٍ، فاختفى بِهِ وبعث يطلب الأمان. فرقّ لَهُ السّلطان محمود وأَمَّنَه. ثمّ قوّوا نفس مسعود، وساروا به إلى الموصل، فلحقه البُرْسُقيّ، وردّ بِهِ، واعتنقه أخوه وبكيا، وعُدَّ ذلك مِن مكارم محمود. ثمّ جاء جيوش بك وخاطر فعفا أيضًا عنه السلطان. وفي هذا الوقت كَانَ ظهور ابن تُومَرْت بالمغرب كما هُوَ مذكور في ترجمته، وانتشرت دعوته في جبال البربر، إلى أن صار من أمره ما صار. وفي رجب قِدم السّلطان محمود، فتلقّاه الوزير، ونثر عَليْهِ أهل باب الأزَج الدّنانير، فبعث دبيس زوجته بنت عميد الدولة ابن جَهير إلى السّلطان، فقدم عشرين ألف دينار، وثلاثة عشر فرسًا. فما وقع الرَّضا عَنْهُ، وطُولب بأكثر مِن هذا. فأصرّ عَلَى اللَّجاج، ولم يبذل شيئًا آخر، فمضى السّلطان إلى ناحيته، فبعث يطلب الأمان، وغالَطَ لينهزم، فلمّا بعث إليه خاتم الأمان دخل البرية. وفيها أمر الخليفة بإراقة الخمور التي بسوق السلطان، ونقض بيوتهم. وفيها ردَّ وزير السّلطان الوزير المعروف بالسّمْيرميّ المُكُوس والضّرائب، وكان السّلطان محمد قد أسقطها سنة إحدى وخمسمائة. ورجع السّلطان، فتلقّاه الوزير والموكب، فطلب الإفراج عَنِ الأمير أبي الحَسَن أخي المسترشد بالله، فبذل له ثلاثمائة ألف دينار ليسكت عن هذا. وفيها نازل ملك الفرنج ابن رذمير مدينة قُتُنْدَة، فحاصرها، وهي قريبة مِن مَرْسيّة، فجاء عسكر المسلمين، فعملوا المَصافّ، فانهزم المسلمون. وقُتل خلْق، منهم ابن الفراء وابن سكرة، واستطال ابن رذمير لعنه الله. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة خمس عشرة وخمسمائة
فيها بلغ السلطان محمودا وفاةُ جدّته، فردّ مِن الصَّيد، وعمل عزاءها ببغداد. وتكلّم أبو سَعْد إسماعيل بْن أحمد، وأبو الفتوح أحمد الغزالي الطوسيان. وفيها استدعي علي بن طراد النقيب بحاجب مِن الدّيوان، وقرأ عَليْهِ الوزير توقيعًا بأنْ قد استُغْني عَنْ خدمتك. فمضى ولزِم بيته، وكانت بنته متّصلة بالأمير أبي عَبْد الله ابن المستظهر، وهو المقتفي. وفي ربيع الأوّل انحدر أبو طَالِب عليّ بْن أحمد السميرميّ وزير السّلطان متفرّجًا، فلمّا حاذى باب الأزج عبر إليه عليّ بْن طِراد وحدَّثه، فوعده، ثمّ تكلم في حقه، فأعيد إلى النقابة. وفيه انقض كوكب صارت مِن ضوئه أعمدة عند انقضاضه، وسمع عند ذلك صوت هدة كالزلزلة. وفيه خُلِع عَلَى القاضي أبي سَعْد الهَرَويّ خِلْعةُ القضاء، قلّده السّلطان محمود القضاء بجميع الممالك سوى العراق مُرَاعاةً لقاضي القُضاة أبي القاسم الزَّيْنَبيّ، وركب إلى داره ومعه كافّة الأمراء. وفي جُمَادَى الآخرة احترقت دار المملكة الّتي استجدّها بهروز الخادم، وكان بها السّلطان نائمًا عَلَى سطح، فنزل وهرب في سفينة، وذهب من الفرش والآلات والجواهر ما تزيد قيمته عَلَى ألف ألف دينار، وغسّل الغسّالون التّراب، وظفروا بالذّهب والحُليّ قد تسبَّك. ولم يَسْلَم مِن الدّار ولا خَشَبَة، وأمر السّلطان ببناء دار له عَلَى المُسَنّاة المستحدثة، وأعرض عَنِ الدار الّتي احترقت، وقال: إنّ أَبِي لم يُمَتّع بها ولا امتدّ بقاؤه بعد انتقاله إليها، وقد ذهبت أموالنا فيها. واحترق بإصبهان جامعٌ كبير أنفِقَت عَليْهِ أموال، يقال: إنه غرم على أخشابه ألف ألف دينار. وفي شعبان عقد مجلس، وحلف السلطان للخليفة عَلَى المناصحة والطّاعة، ثمّ نفَّذ هديةً إلى الخليفة، وجلس الخليفة في الدّار الشّاطئيّة، وهي -[157]- مِن الدُّور البديعة الّتي أنشأها المقتدي، وتمَّمها المسترشد، فجلس في قُبَّته، وعليه ثوب مُصْمت وعِمامة رصافية، وعلى كتفه البُرْدة، وبين يديه القضيب. ورتَّب وزيره ابن صَدَقة الأمور، وأتى وزير السّلطان أبو طَالِب السُّمَيْرميّ والمستوفي وخواصّ دولتهم. ثم وقف ابن صدقة عن يسار السُّدَّة، وأبو طَالِب السُّمَيْرميّ عَنْ يمينها، وأقبل السلطان محمود يده في يد أخيه مسعود. فلمّا قرُب استقبله الوزيران والكبار، وحجبوه إلى بين يدي الخليفة. فلمّا قاربوا كُشِفت السّتارة لهما، ووقف السّلطان في الموضع الَّذِي كَانَ وزيره واقفًا فيه، وأخوه إلى جانبه، فخدما ثلاث مرات ووقفا، والوزير ابن صَدَقة يذكر لَهُ عَنِ الخليفة أنسه به وبقربه وحُسْن اعتقاده فيه. ثمّ أمر الخليفة بإفاضة الخِلَع عَليْهِ، فحمُل إلى مجلسٍ لذلك. ثمّ وقف الوزيران بين يدي الخليفة يحضران الأمراء أميرًا أميرًا، فيخدم وتعرف خدمته، فيقبّل الأرض وينصرف. ثمّ عاد السّلطان وأخوه، فمثّلًا بين يدي الخليفة، وعلى محمود الخلع السبع والطوق، والسّواران، والتّاج، فخدما. وأمر الخليفة بكُرْسيّ، فجلس عليه السلطان، ووعظه الخليفة وتلا عَليْهِ قوله تعالى: " فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خيرًا يره ". وأمره بالإحسان إلى الرّعيّة. ثمّ أذن للوزير أَبِي طَالِب في تفسير ذَلِكَ عَليْهِ، ففسّره، وأعاد عَنْهُ أنّه قَالَ: وفّقني الله لقبول أوامر مولانا أمير المؤمنين، وارتسامها بالسعادات، وسلم الخليفة إلى الوزيرين سيفين وأمرهما أن يقلدا بهما السلطان. فلما فعلا قال له: اقمع بهما الكُفّار والمُلْحِدين! وعَقَد لَهُ بيده لواءين حُمِلا معه، وخرج، فقُدَّم لَهُ في صحن الدّار فَرَسٌ مِن مراكب الخليفة، بمركبٍ جديد صينيّ، وقيد بين يديه أربعةُ أفراس بمراكب الذَّهَب. وفيها كان ببغداد أمطار عظيمة متوالية، ثمّ وقع ثلْجٌ عظيم، وكبرُ حتى كَانَ عُلُوَّ ذراع. قال ابن الجوزيّ: وقد ذكرنا في كتابنا هذا، يعني المنتظم أنّ الثّلج وقع في سنين كثيرة في أيام الرّشيد، وفي أيّام المقتدر، وفي أيام المطيع، والطائع، والقادر، والقائم. وما سمع بمثل هذا الواقع في هذه السنة، فإنه بقي -[158]- خمسة عشر يومًا ما ذاب، وهلك شجر الأترج، والليمو، ولم يُعْهَد سقوط ثلجٍ بالبصرة إلّا في هذه السنة. ودخل دبيس الحِلّة، فأخرج أهلها، فازدحموا عَلَى المعابر، فغرق منهم نحو الخمسمائة. ودخل أخوه النّيل، فأخرج شِحْنة السّلطان منها، وأخذ ما فيها مِن الميرة. فحثّ الخليفةُ السّلطان عَلَى دُبَيْس، فندب السّلطان الأمراء لقصد دُبَيْس، فلمّا قصدوه أحرق دار أَبِيهِ، وذهب إلى النّيل. فأتى العسكر الحِلّة، فوجدوها فارغة، فقصدوه وهو بنواحي النيل، ثم صالحوه، وحلف للسلطان. وفي صفر أقطع السلطان لآقسنقر البُرْسُقيّ المَوْصِل وأعمالها، وبعثه إليها، وأمره بجهاد الفرنج، فسار إليها في عسكر كبير، واستقرّ بها. وكان الأمير إيلغازي بْن ارْتُق في هذه المدّة حاكمًا عَلَى ماردين وحلب، وابنه سليمان بحلب، فعزل سليمان منها لكونه أراد أن يعصي على أبيه. وفيها أُعيدت المُكُوس، وأُلْزمت الباعة أن يدفعوا إلى السّلطان ثُلُثي ما يأخذونه مِن الدّلالة، وفُرِض عَلَى كلّ ثوبٍ مِن السّقْلاطونيّ ثمانية قراريط، ثمّ قِيلَ للباعة: زِنوا خمسة آلاف شكرًا للسلطان، فقد أمر بإزالة المكس. ومرض وزير السّلطان، فعاده السّلطان وهنّأه بالعافية، فاحتمل واحتفل وعمل، أعني الوزير، وليمة عظيمة إلى الغاية، فيها الملاهي والأغاني، نابه عليها خمسون ألف دينار. وفيها تُوُفّي عليّ بْن يلدرك التُّرْكيّ، وكان شاعرًا مترسّلًا ظريفًا، تُوُفّي في صَفَر ببغداد. قال أبو الفرج ابن الْجَوْزيّ: نقلت مِن خطّ ابن عقيل، قَالَ: حدَّثني الرئيس أبو الثّناء عليّ بْن يلدرك، وهو ممن خَبرته بالصّدْق، أنّه كَانَ في سوق نهر المُعَلَّى، وبين يديه رَجُل عَلَى رأسه قفص زجاج، وهو مضطّرب المشْي، يظهر منه عدم المعرفة بالحَمْل، فما زلت أترقَّب سقوطه. قَالَ: فسقط، فتكسّر الزّجّاج، فبُهت الرجل، ثمّ أخذ عند الإفاقة مِن البكاء يَقُولُ: هذا والله جميعُ بضاعتي، والله لقد أصابني بمكّة مصيبة عظيمة تُوُفّي على هذه، ما دخل قلبي مثل هذه! واجتمع حوله جماعة يَرْثُون لَهُ، ويبكون عَليْهِ، وقالوا: -[159]- ما الذي أصابك بمكة؟ فقال: دخلت قُبَّة زمزم، وتجرَّدت للاغتسال، وكان في يدي دملج فيه ثمانون مثقالًا، فخلعته واغتسلت، وأُنْسيتُه، وخرجت. فقال رَجُل مِن الجماعة: هذا دملجك خُذْه، لَهُ معي سنين! فدُهش النّاس مِن إسراع جبر مصيبته. وفيها نازل المُلْك عليّ بْن يوسف بْن تاشفين البربري مدينة قرطبة وضايقها، وآذى النّاس، فتذلَّلوا لَهُ، وبذلوا لَهُ أموالًا عظيمة، حتّى ترحّل عَنْهُم. وكانوا قد خرجوا عَليْهِ لكونه بعث عَلَى نيابه قُرْطُبَة قائدًا ظالمًا، فأراد عبدٌ مِن عُبَيْده أن يُكره امرَأَة ويضطهدها علانية، فضربه النّاس، فآل الأمر إلى قتال، حتّى تسوّروا عَلَى القائد وأخرجوه، بعد أن كادوا يقتلونه. وجَرَت فتنة عظيمة، وكان البربر في هذه السّنين غالبين عَلَى الأندلس، وفيهم قِلّة دِين. وقبل سفر ابن تاشّفين وقف لَهُ بجامع مُرّاكُش محمد بْن تُومَرْت الفقيه، وكلّمه بكلام فجّ، فقال: أيّها الأمير، إنّك حِلْت بين بصرك وبين الحق بظلمة التقليد، فقلدت قومًا أكلوا الدّنيا بالآخرة، وأنا أُناظرهم بين يديك، وأصقل مرآتك، حتّى تأمر بالاحتياط عَليْهِ. وأحضر لَهُ جماعة مِن أهل الأُصول والفروع. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة ست عشرة وخمسمائة
فيها كلّم الخليفة الوزير أبا طَالِب السّميرميّ في أمر دبيس، وأن في قربه مِن بغداد خطرًا، فنؤثر مقام أقسُنْقُر البُرْسُقيّ عندنا لنُصْحه، فوافق السّلطان محمود عَلَى ذَلِكَ وفعله. ثمّ خرج في ربيع الأوّل مِن بغداد، وكانت إقامته بها سنة وسبعة أشهر ونصفا. وخلع عَلَى البُرْسُقيّ، وكُلّم في شأن دُبَيْس، فتوجّه إلى صَرْصر. وتصافّ العسكران، وانْجَلَت الوقعة عَنْ هزيمة البُرْسُقيّ، وكان في خمسة آلاف فارس، ودُبَيْس في أربعة آلاف بأسلحة ناقصة، إلّا أنّ رَجّالته كانت كثيرة. ورأى البُرْسُقيّ في الميسرة خَلَلًا، فأمر بحطّ خيمته لتُنْصب عندهم ليشجعهم بذلك، وكان ذَلِكَ ضلّة من الرّأي؛ لأنهم لمّا رأوْها حُطَّت أشفقوا فانهزموا، وكان الحر شديدًا، فهلكت البراذين والهماليج عطشًا. وترقّب النّاس مِن دُبَيْس الشّرَّ، فلم يفعل، وأحسن السّيرة، وراسل الخليفة وتلطّف، وتقرَّرت قواعد الصلح. -[160]- ثمّ جرت أمور، وولي عليّ بْن طِراد الزَّيْنَبيّ نيابة الوزارة، وعُزِل ابن صَدَقة، ولم يؤذ. ثمّ قِدم قاضي القضاة أبو سَعْد الهَرَويّ مِن العسكر بتُحَفٍ مِن سَنْجَر، وأنّ السّلطان محمودا قد استوزر عثمان بْن نظام المُلْك، وعوَّل عثمان عَلَى أَبِي سَعْد بأن يخاطب الخليفة في أن يستوزر أخاه أحمد ابن نظام المُلْك، وأنّه لَا يستقيم لَهُ وزارة بدار الخلافة. فتخيّر ابن صَدَقة حُدَيْثة الفرات ليكون عند سليمان بْن مُهارش، فأُخرج وخُفِر، فوقع عَليْهِ يونس الحرامي، وجرت له معه قصص. واستدعي أبو نصر أحمد ابن النظام من داره بنقيب النُّقباء عليّ بْن طِراد، وابن طلحة، ودخل إلى الخليفة وحده وخرج مسرورًا، وخلع عَليْهِ للوزارة. وفي رمضان بعث دُبَيْس طائفة، فنهبوا أكثر من ألف رأس، فأرسل إليه الخليفة يُقَبّح ما فعل، فبثّ ما في نفسه، وما يعامَل بِهِ مِن الأمور المُمضّة: منها أنّهم ضمنوا لَهُ إهلاك عدوّه ابن صَدَقة الوزير، فأخرجوه مِن الضّيق إلى السَّعة. ومنها أنّه طلب إخراج البُرْسُقيّ مِن بغداد، فلم يفعلوا. ومنها أنّهم وعدوه في حقّ أخيه منصور أن يُطْلقُوه، وكان قد عصى عَلَى السّلطان بَركْيَارُوق وخطب لمحمد. فلمّا وُلّي محمد صار لَهُ بالخطبة جاه عند محمد، وقرّر مَعَ أخيه أن لَا يتعرَّض لصَدَقة، وأقطعه الخليفة الأنبار، ودممًا، والفَلُّوجة، وأعطاه واسط، وأذن لَهُ في أخْذ البصرة. فصار يدلّ عَلَى السّلطان الإدلال الَّذِي لَا يحتمله، وإذا وقع إليه رد التوقيع، أو طال مُقام الرَّسُول عَلَى مواعيد لَا يُنْجزها، وأوحش أصحاب السّلطان، وعادى البُرْسُقيّ. وكان أيضًا قد أظهر سبّ الصّحابة بالحِلّة، فأخذ العميد أبو جعفر ثقة الملك فتاوى فيما يجب عَلَى من يسب، وكتب المَحَاضِر فيما يتمّ في بلاد ابن مَزْيَد مِن تَرْك الصَّلَوات، وأنّهم لَا يعتقدون الجمعة ولا الجماعات، ويتظاهرون بالمحرَّمات. فكتب الفُقهاء بأنّه يتعيَّن قتالهم. ثمّ قصد العميد باب السّلطان، وقال: إنّ حال ابن مَزْيَد قد عظُمَت، وقد قلّت فكرته في أصحابك، واستبدّ بالأموال، وأراه الفَتْوَى، وقال: هذا سُرْخاب قد لجأ إِليْهِ، وهو عَلَى غاية مِن بِدْعته الّتي هِيَ مذهب الباطنيّة. وكانا قد اتّفقا على قلب الدولة، وإظهار مذهب الباطنية. وكان السّلطان قد تغيّر عَلَى سُرخاب، فهرب منه إلى الحلة، فتلقاه بالإكرام. فراسله السّلطان، وطالبه بتسليم سُرخاب، فقال: لَا أسلَّم من لجأ إليَّ. وإنّ -[161]- السّلطان قَصَده، فاستشار أولاده، فقال ابنه دُبَيْس: تُسلّم إليَّ مائة ألف دينار، وتأذن لي أن أنتقي ثلاثمائة فرس من الإصطبلات، وتجرد معي ثلاثمائة فارس؛ فإنّي أقصد باب السّلطان، وأعتذر عنك، وأخدمه بالمال والخيل وأقرر معه أن لَا يتعرَّض لأرضك. فقال غيره: الصّواب أن لَا تُصانع مِن تغيَّرت فيك نيتّه، فقال: هذا الرأي. وجمع عشرين ألف فارس، وثلاثين ألف راجل، وتمّت وقعة هائلة، ثم قتل صدقة، وقد مر ذلك. ونشأ دُبَيْس، ففعل القبائح، ولقي النّاس منه فنون الأذى، وطغى وبغى فنفذّ إليه المسترشد يهدّده، فتواعد وأوعد، وأرسل، وبعث طلائعه. فانزعج أهل بغداد، فلمّا كَانَ ثالث شوّال صلب البُرْسُقيّ تسعةً، قِيلَ: إنّهم مجهّزون مِن دُبَيْس لقتْل البُرْسُقيّ، وعبر البُرْسُقيّ في ذي القِعْدة، وضرب الخليفة سُرَادقة عند رقة ابن دحروج، ونصب هناك الجسر، وبعث القاضي أبا بَكْر الشّهْرَزُورِيّ إلى دُبَيْس يُنْذره، وفي الكلام: " وَمَا كُنَّا معذبين حتى نبعث رسولًا ". فاحْتدّ وغضب وجمع، فكانت فرسانه تزيد عَلَى ثمانية آلاف، ورجّالته عشرة آلاف، ونزل المسترشد بالله راكبًا مِن باب الغربة، ثمّ عبر في الزبزب، وعليه القباء، والعمامة، وبيده القضيب، وعلى كتفه البُرْدَة النّبويّة، وعلى رأسه طرحة. ومعه وزيره أحمد ابن نظام المُلْك، وقاضي القُضاة الزَّيْنَبيّ، والنّقيبان، والهاشميّون، والقضاء، فنزل بالمخيم، وأقام به أيامًا. وفيها قُتِل الوزير أبو طَالِب السُّمَيْرميّ ببغداد، وولي وزارة السّلطان محمود بعده شمس المُلْك عثمان ابن نظام المُلْك، فأبطل ما جدّده السُّمَيْرميّ مِن المكوس. وفي رمضان قتل السّلطان محمود الأمير جيوش بك، وكان تُركيّا مِن مماليك السّلطان محمد، وكان مهيبًا شجاعًا، قتله محمود خوفًا من غائلته. وفيها مات إيلغازي صاحب ماردين، وحلب، وميّافارقين. وفيها أقطع السّلطان محمود قسيمَ الدّولة البُرْسُقيّ واسطًا وأعمالها، مُضافًا إلى ولاية المَوْصِل، وشِحنكيّة العراق، فسيّر إلى واسط عماد الدّين زنْكيّ بْن آقسنقر. -[162]- وفيها وصل إلى بغداد أبو الحَسَن الغَزْنَويّ، فوعظ، وأقبلوا عليه. ثم ورد بعده أبو الفتوح الإسفراييني، ونزل برباط أبي سَعْد، وتكلَّم بمذهب الأشْعَريّ، ثمّ سلّم إِليْهِ رباط الأرجُوانيّة. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة سبْعٍ عشرة وخمسمائة
في أوّلها رحل المسترشد بالله، ثمّ نزل بقرية تعرف بالحُدَيْثة مِن نهر المُلْك، وأتاه البرسقي وجماعة الأمراء، وحلفوا عَلَى المناصحة والمبالغة في الحرب. وقرأ محمد بن عمر الأهوزاي عَلَى المسترشد جُزْء ابن عَرَفَة وهو سائر، ثمّ سار إلى النّيل. ورتّب البُرْسُقيّ بنفسه الجيش صفوفًا، فكانوا نحو الفرسخ عَرْضًا، وجعل بين كلّ صفين مجالًا للخيل، ووقف الخليفة في موكبه مِن ورائهم، بحيث يراهم. فرتَّب دُبَيْس عسكره صَفًا واحدًا، والرّجالة بين يدي الفُرْسان بالتّراس الكبار، ووقف في القلب، ومنّى عسكره، ووعدهم نهْبَ بغداد. فلمّا تراءى الْجِمْعان حملت رجّالة دُبَيْس، وكان قد استصحب معه القِيان والمخانيث بالدُّفوف والزَّمْر يحرّضون عسكره، ولم يُسمع في عسكر الخليفة إلّا القرآن والذَّكر والدعاء. فحمل عنيز الكرديّ عَلَى صفّ الخليفة، فتراجعوا وتأخّروا، ثمّ جرد الخليفة سيفه وصعد على تل، فقال عسكر دبيس: إن عنيزا خامر، فلم يصدَّق. فلمّا رَأَى المهد والعَلَم والموكب قد صعدوا تيقن غدر عنيز بْن أَبِي العسكر، فهرب ووقعت الهزيمة. وعَبَر دبيس الفُرات بفَرَسه، وأدركته الخيل، ففاتهم، فقيل: إن عجوزًا هناك قالت: دبيس دبير جيت، فقال: دُبير مِن لم يجئ. وقُتِل خلْقٌ من رجالته، وأسر خلق كثير، وقُتل مِن عسكر الخليفة عشرون فارسًا، وعاد منصورًا. ودخل بغداد يوم عاشوراء، وأمر بجباية الأموال ليعمل سورًا على بغداد، فجبي شيء كثير، ثم أعيد ذلك إليهم، فعظُم دعاؤهم لَهُ. وشرعوا في عمل السُّور في صَفَر، وكان كلّ جمعة يعمل أهل محلة يخرجون بالطبول والخيالات. وعزم الخليفة على ختان أولاده وأولاد إخوته، فكانوا اثني عشر صبيا، فغلّقت بغداد، وعمل النّاس القباب، وعملت خاتون قبّة باب النّوبيّ، وعلَّقت عليها مِن الدّيباج والجواهر ما أدهش الأبصار. وعملت قبّة عَلَى باب السّيّد العلويّ، عليها غرائب الحُليّ والحلل. من ذَلِكَ ستران مِن الدّيباج الرُّوميّ، -[163]- طُول الستْر نحو عشرين ذراعًا، عَلَى الواحد اسم المتّقي لله، وعلى الآخر اسم المعتزّ بالله، وبقوا أسبوعًا. وجاء الخبر أن دبيسا ذهب إلى غَزَيَّة، فدعاهم إلى الشّقاق، فقالوا: ما عَادتُنا معاداةُ الملوك، فذهب إلى بني المنتفق، فخالفوه. وقصد البصرة، وكبس مشهد طلْحة والزُّبَيْر، فنهب ما هناك، وقتل خلقًا كثيرًا، وعزم عَلَى قطْع النَّخْل، فصالحوه عَلَى مال، وجعلوا على كل رأس شيئًا. وفيها قبض السّلطان محمود عَلَى وزيره شمس الملك عثمان ابن نظام المُلْك؛ لأنّ سَنْجَر طلبه منه. فقال أبو نصر المستوفي لَهُ: مَتَى ذهب إلى سَنْجَر لم تأمَنْه، فاقتله وابعث برأسه، فقتله وبعث إلى الخليفة ليعزل أخاه، فانقطع في منزله، وناب في الوزارة عليّ بْن طِرَاد. ثمّ طلب الوزير ابن صَدَقة مِن الحُدَيْثَة، فأحضر، واستوزر في ربيع الآخر. وفيها استولى الأمير بَلْك بْن بهرام بْن أُرْتُق عَلَى حَرّان، وسار منها فنزل عَلَى حلب وضيق عليها، وبها ابن عمه بدر الدين سليمان بْن عَبْد الجبّار، فسلمها إِليْهِ بالأمان، فدخلها وتزوج ببنت الملك رضوان. وقدم ابن الباقَرْحِيّ ومعه كُتُب محمود وسَنْجَر بتدريس نظامية بغداد، ثمّ وصل في شَعْبان أسعد الميهني بتدريسها، وصرف ابن الباقرحي. وفيها سار محمود بْن قُراجا صاحب حماه إلى حصن فامية، ونهب ربضها، فأصابه سَهْم، وعاد فمرض ومات. وكان ظالمًا جائرًا، فاستولى طُغتِكين صاحب دمشق عَلَى حماه، ورتب بها واليًا وعسكرًا. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة ثمان عشرة وخمسمائة
وردت الأخبار بأنّ الباطنيّة ظهروا بآمِد وكثُرُوا، فنفر إليهم أهل آمد، فقتلوا منهم سبعمائة رجل. وردت شحنكية بغداد إلى سعد الدولة برنقش الزكوي، وأمر البرسقي بالعود إلى الموصل. وفيها التقى صاحب حلب بَلْك بن بهرام هُوَ والفرنج، فهزمهم وقتل منهم خلقًا، وعاد فحاصر مَنْبج، وهي لحسّان البَعْلَبَكّيّ، فجاءه سهمٌ غرب -[164]- قتله، وكان معه ابن عمه تمرتاش بْن إيلغازيّ، فحمله قتيلًا إلى ظاهر حلب، وتسلّمها في ربيع الأوّل مِن السّنة. واستقرّ بها، ثمّ رتَّب بها نائبًا لَهُ وردّ إلى ماردين؛ لأنّه رَأَى الشّام كثيرة الحروب مَعَ الفرنج، وكان يحبّ الرّاحة، فلمّا رد أخذت حلب منه. وفيها أخذت الفرنج صور، وكان بها عسكر للعبيديين ونائب إلى سنة ست وخمسمائة، فحاصرتها الفرنج، وخرَّبوا ضِياعها، ثمّ نَجَدَهُم صاحب دمشق طُغتِكين، وأمدَّهم بما يُصلحهم، ولم يقطع منها خطبة المصرييّن، فبعث إليه صاحب مصر يشكره ويثني عليه، وجهز لها أسطولًا. واستقام أمرها عشر سنين بالأمير مسعود الطّغْتكِينيّ، لكنّه كثرت الشّكاية منه، فجاء أسطول مِن مصر، ومعهم أمرٌ أن يقبضوا عَلَى مسعود، فخرج مسعود للسلام على مقدم الأسطول، وطلع إلى المركب، فقبض عَليْهِ المقدّم، ونزل إلى البلد، فاستولى عَليْهِ، وبعث مسعودًا إلى مصر، فأكرموه وردوه إلى دمشق، فرضي طغتكين بذلك. وتحرّكت الفرنج، وقويت أطماعهم. فرأى المصريّون أن يردّوا أمرها إلى طُغتِكين، وراسلوه بذلك، فملكها، ورتب بها الجند، فنازلتها الفرنج، وجَدُّوا في الحصار، وقلَّت بها الأقوات. وسار طُغتِكين إلى بانياس ليرهب الفرنج، فما فكّروا فيه، واستنجد بالمصرييّن، فما نجدوه. وتمادت الأيام، وأشرف أهلها على الهلاك، فراسل طغتكين ملك الفرنج، على أن يسلمها إليه، ويمكن أهلها مِن حمل ما يقدرون عَليْهِ مِن الأمتعة، فأجابه إلى ذَلِكَ، ووفى بالعهد. وتفرَّقت أهلوها في البلاد، ودخلتها الفرنج في الثّالث والعشرين مِن جُمَادَى الأولى، وكانت مِن أمنع حصون الإسلام، فإنا لله وإنّا إِليْهِ راجعون، ودامت في يد الفرنج إلى سنة تسعين وستمائة. وفيها عزل عن بغداد البرسقي، وولي سعد الدولة برنقش الزكويّ؛ لأن المسترشد نفر عَنِ البُرْسُقيّ، وطلب من السلطان أن يصرفه، فأجابه. وسار عماد الدّين زنكي مِن البصرة، وكانت إقطاعه، إلى خدمة السّلطان محمود، فأكرمه وردّه على إمرة البصرة. وفي ذي الحجّة ملك البُرْسُقيّ مدينة حلب، وكانت الفرنج لمّا ملكوا -[165]- صور طمِعوا، وقويت نُفُوسهم. ثمّ وصل إليهم دُبَيْس بْن صَدَقة، قبّحه الله، فطمَّعهم أيضًا في المسلمين، وقال: إنّ أهل حلب شيعة، ويميلون إلى، ومتى رأوْني سلّموها إلى، فأكون نائبًا لكم. فساروا معه، وحاصروا حلب حصارًا شديدًا، فاستنجد أهلها بالبُرْسُقيّ، فسار إليها بجيوشه، فترحل الفرنج عنها وهو يراهم، فلم يهجمهم، ودخل حلب ورتّب أمرها. وورد الخبر بأنّ دُبَيْس بْن صَدَقة التجأ إلى المُلْك طُغْرُلْبَك أخي السّلطان محمود بعد عوده مِن الشّام، وأنّهما عَلَى قصْد بغداد، فتأهَّب الخليفة، وجمع الجيوش من كل ناحية. وجاء الوباء ببغداد وإلى البصرة في ربيع الأول. وتزوج الخليفة ببنت السلطان سنجر. وفيها أخذ جماعة من الباطنية كانوا قدموا في قافلة، فقتلوا ببغداد، قِيلَ: جاءوا لقتل الوزير ابن صَدَقة والأمير نظر، وأُخذ في الجملة ابن أيّوب قاضي عكبرا ونهبت داره، فقيل: كانت عنده مدارج مِن كُتُب الباطنيّة، وأخذ آخر كان يعينهم بالمال. وفيها قُبِض عَلَى ناصح الدّولة أستاذ الدّار وصودر، وقرر عليه أربعون ألف دينار. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة تسع عشرة وخمسمائة
في صِفْر برز الخليفة إلى صحراء الشّمّاسيّة بجيوشه، ثمّ رحل فنزل الدَّسْكَرَة، وجاء دُبَيْس وطُغْرُلْبَك فدبّروا أن يكبسوا بغداد ليلًا، ويحفظ دبيس المخائض، ويَنْهب طُغْرُلْبَك بغداد. فمرض طُغْرُلْبَك تِلْكَ الليلة، وجاء المطر، وزاد الماء، وضجّ النّاس بالابتهال إلى الله، وأُرْجِف عند الخليفة بأنّ دُبَيْسا دخل بغداد، فرحل مُجدّا إلى النّهروان. فلم يشعر دُبَيْس إلّا برايات الخليفة، فلمّا رآها دُهش، وقبّل الأرض، وقال: أَنَا العبد المطرود، أمّا أن يُعْفى عَنِ العبد المذنب؟ فلم يُجِبْه أحد، فأعاد القول والتضرُّع، فرقَ لَهُ الخليفة، وهم بالعفو عَنْهُ، فصرفه عن ذَلِكَ الوزير أَبُو علي بن صدقة، وبعث الخليفة نظرا الخادم إلى بغداد بالبشارة، ونودي في البلد بأن يخرج العسكر لطلب دُبَيْس، والإسراع مَعَ الوزير ابن صَدَقة. ودخل الخليفة، وسار دُبَيْس -[166]- وطُغْرُلْبَك إلى سَنْجَر مستجيرين بِهِ، هذا مِن أخيه محمود، وهذا من الخليفة، فأجارهما، ولبسا عَليْهِ، فقالا: قد طَرَدنا الخليفة، وقال: هذه البلاد لي، فقبض سنجر على دبيس وسجنه خدمة للخليفة. وفي رجب راح سعد الدولة برنقش، فاجتمع بالسّلطان خاليا وأكثر الشّكوى مِن الخليفة، وحقّق عنده أنّه يطلب المُلْك، وأنّه خرج مِن بيته نَوْبَتَين وكَسَر مِن قَصَده، وإن لم يفكّر في حسْم ذَلِكَ اتسع الخَرْق، وسترى حقيقة ذَلِكَ إذا دخلت بغداد. والّذي يحمله عَلَى ذَلِكَ وزيره، وقد كاتب أمراء الأطراف، وجمع الأكراد والعرب، فحصل في نفس محمود ما دعاه إلى المجيء إلى بغداد. وفيها قتلت الباطنية بالموسل أقسُنْقُر البُرْسُقيّ في مقصوره الجامع، فيما ذكر ابن الجوزي، والصحيح سنة عشرين. وفيها قِدم البُرْسُقيّ فنازل كَفَرْطاب، وأخذها مِن الفرنج، ثمّ عمل مَصَافًا مَعَ الفرنج، وكانوا خلْقًا، فكسروه، وقتلوا نحو الألف مِن المسلمين، وأسروا خلقًا. وفيها جمع بغدوين الصّغير صاحب القدس وحشد، وأغار عَلَى حَوْران، فخرج لحربه طُغتِكين في خلْق كثير وتُرْكُمانٌ قدموا للجهاد، وخلْقٌ مِن أحداث دمشق، ومن المرج، والغُوطةً بالعُدَد التّامّة. فالتقوا بمرج الصُّفَّر، فحملت الملاعين عَلَى المسلمين، فهزموهم إلى عَقَبَة سحوراء، وقتلوا أكثر الرّجّالة، وما نجا إلّا مِن لَهُ فَرَسٌ جواد. وجاء طُغتِكين وقد أُسِرت أبطالُه، وما شكّ النّاس أنّ الفرنج يصبّحون البلد، فحازوا الغنائم والأسرى ورجعوا، فلا قوة إلا بالله. وفيها عسكر اللعين ابن رذمير الذي استولى على شرق الأندلس بجيش في أربعة آلاف فارس بفاوة، فسار مِن سَرَقُسْطَة، ثمّ عَلَى بلنسية، ثمّ مُرْسِيّة. ومر على جزيرة شقر، فنازلهم أيّامًا. وكان عَلَى الأندلس تميم بْن يوسف بْن تاشَفين، ومُقامه بغُرْناطة، فجمع الجيوش، والتف على ابن رذمير سوادٌ عظيمٌ مِن نصارى البلاد، فوطئ بلاد الإسلام يغِير ويَنْهَب. وقصده المسلمون، -[167]- فالتقوا، فأصيب خلق من المسلمين وعاث ابن رذمير في بلاد الإسلام أكثر مِن سنة، ورجع بغنائم لا تحصى. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة عشرين وخمسمائة
لمّا علم السّلطان محمود بقتال الخليفة لطُغْرُلْبَك فرح، وكاتب الخليفة، وقال: قد علمت ما فعلت لأجلي، وأنا خادمك، وتراسلا بالأيْمان والعهود على أنهما ينقضان على سنجر، ويمضيان إلى قتاله، ويكون محمود في السلطنة التي لسنجر. فعلم سَنْجَر، وبعث إلى محمود يَقُولُ: أنت صبيّ، والخليفة قد عزم عَلَى أن يمكر بك وبي، فإذا اتّفقتما عليَّ ففرغ مني عاد إليك، فلا تَصْغِ إليه، وأنا فما لي ولدٌ ذَكَر، وأنت لمّا ضربْتَ معي مصافًا وظفرت بك لم أسئ إليك وقتلتُ مِن كَانَ سببًا لقتالنا، وأَعَدْتك إلى السَّلطنة، وجعلتك وُلّي عهدي، وزوَّجتُك ابنتي، فلمّا تُوُفّيَتْ زوَّجتُك الأخرى. فسِر إلى بغداد بالعساكر، وأمسك الوزير ابن صدقة، واقتل رؤوس الأكراد وخُذ آلة السَّفَر الّتي عملها، وتقول للخليفة: ما تحتاج إلى هذا، أَنَا سيفك وخادمك. فإنْ فعل وإلّا أخذته بالشّدّة، وإلّا لم يبق لي ولا لك معه أمر. وبعث إليه رجلًا، وقال: هذا يكون وزيرك، فثنى عزمه. فكتب صاحب الخبر إلى الخليفة بذلك، فنفَّذ الخليفة إِليْهِ سديد الدّولة ابن الأنباريّ يَقُولُ له: ينبغي أن تتأخر في هذه السّنة لقلّة المِيرة، فقال: لَا بدّ لي مِن المجيء. وتوجّه. فلمّا سَمِعَ الخليفة نفّذ رسولًا وكتابًا إلى وزير السّلطان، يأمره بردّ السّلطان عَنِ المجيء، فأبي، وأجاب بجوابٍ ثَقُل سماعُه عَلَى الخليفة، وشرع في عمل آلة القتال، وجمع الجيش. ونوديَ ببغداد في ذي القِعْدة بعبور النّاس إلى الجانب الغربي، وازدحم الخلق. ثم بعد أيام بدا للخليفة، وقال: أَنَا أُخَلّي البلد لَهُ، وأحقن دماء المسلمين. ونوديَ بالعبور إلى الجانب الشرقيّ، واشتدّت الأمطار حتّى كادت الدُّور أن تغرق. وانتقل الخليفة إلى مخيَّمة بالجانب الغربيّ تحت الرَّقَّة. فعرف السّلطان، وقُرب من بغداد، فبعث برنقش الزَّكَويّ، وأسعد الطُّغْرائيّ، فذهبا إلى الخليفة، وأدّيا رسالة السّلطان وتألُّمه مِن انزعاج الخليفة. ثمّ حشيا في آخر الرّسالة، فقال المسترشد: أَنَا أقول لَهُ: يجب أن تتأخر في هذه السّنة، ولا يقبل؟ ما بيني وبينه -[168]- إلا السيف! وقال لبرنقش: أنت كنت السبّب في مجيئه وأنت أفسَدته، وهمَّ بقتله. فمنعه الوزير، وقال: هُوَ رسول. فرجعا بكتاب الخليفة وبالرسالة، فاستشاط غضبًا، وأمر بالرحيل إلى بغداد. وفي يوم الأضحي نُصِبت خيمة عظيمة، وصلّى المسترشد الخليفة بالنّاس، وكان المكبّرون خُطباء الجوامع ابن الغريق، وابن المهتدي، وابن البرمكي. وصعد المنبر، ووقف وُلّي عهده الراشد بالله دونه، بيده سيفٌ مشهور، فقال: الله أكبر، ما سحّت الأنواء، وأشرق الضّياء، وطلعت ذُكاء، وعَلَت عَلَى الأرض السّماء! الله أكبر، ما هَمَع سحاب، ولمع سراب، وأنجح طلاب، وسُرّ قادما إياب! وذكر خطبة بليغة، ثمّ جلس. ثمّ قام فخطب، وقال: اللهمّ أَصْلِحْني في ذُرّيتي، وأعِنّي على ما وليتني، وأوزعني شكر نعمتك، ووفقتي وانصُرني! فلمّا أنهاها وتهيّأ للنزول بَدَره أبو المظفَّر محمد بْن أحمد بْن عَبْد العزيز الهاشميّ فأنشده: عليك سلامُ الله يا خير مِن عَلا ... عَلَى مَنْبرٍ قد حفَّ أعلامه النَّصْرُ وأفضل مِن أمَّ الأنامَ وعَمَّهم ... بسيرته الحُسْنى وكان لَهُ الأمرُ وأفضل أهل الأرض شرقًا ومَغْربًا ... ومَن جدّه مِن أجله نزل القَطْرُ لقد شَرَّفَتْ أسماعَنَا منك خُطْبةٌ ... وموعظةُ فصل يَلين لها الصَّخْرُ ملأتَ بها كلّ القُلُوب مَهَابة ... فقد رجَفَتْ مِن خوفٍ تخويفها مصرُ وزدت بها عدنان مجدًا مؤثل ... فأضحى لها من الأنام بك الفخْرُ وسُدْتَ بني العبّاس حتّى لقد غدا ... تُباهي بك السّجاد والعلم البحرُ فلله عصر أنت فيه إمامُهُ ... ولله دينٌ أَنْتَ فيه لنا الصَّدْرُ بقيتَ عَلَى الأيّام والمُلْك كلَّمًا ... تَقَادَم عصرٌ أنت فيه أتى عصر وأصبحت بالعيد السعيد مهنأ ... تشرّفنا فيه صلاتُك والنَّحْر ونزل، فنَحَر البَدَنَة بيده، وكان يومًا لم يُرَ مثلُه مِن دهر، ثمّ دخل السُّرادق، ووقع البكاء عَلَى النّاس، ودعوا لَهُ بالنّصر، وجُمعت السّفُن جميعها إلى الجانب الغربي، فانقطع عبور الناس بالكلية. وبلغ السلطان حلوان، فأرسل من هنالك الأمير زنكي إلى واسط، فأزاح عنها عفيفا الخادم، فلحِق بالخليفة، ولم يبق بالجانب الشرقيّ سوى الحاجب -[169]- لحِفْظ دار الخلافة. وسُدّت أبوابها كلّها سوى باب النّوبي، ونزل السّلطان بالشّمّاسيّة في ثامن عشر ذي الحجّة. ونزل عسكره في دُور النّاس، وتردّدت الرّسُل إلى الخليفة تتلطّف بِهِ، وتطلب الصُّلْح وهو يمتنع ثمّ وقف عسكر للسلطان بالجانب الشّرْقيّ، والعامّة بالجانب الغربي يسبُّون الأتراك، ويقولون: يا باطنيّة، يا مَلاحدة! عصيتم أمير المؤمنين، فعُقُودكم باطلة وأنكحتكم فاسدة! وتراموا بالنّشّاب. وفيها عاث ملك الفرنج ابن رذمير، لعنة الله، بالأندلس، وشقّ بلاد المسلمين جميعها، وسبى ونهب، حتى انتهى إلى قريب قرطبة، فحشد المسلمون وقصدوه، فبيتهم وقتل منهم مقتلة. ثمّ عاد نحو بلاده، وهو الَّذِي كسر المسلمين أيضًا سنة أربع عشرة وخمسمائة، ثمّ حاصر سنة ثمانٍ وعشرين مدينة أفراغة، وأهلكه الله. وفيها هاجت الإسماعيلية بخُراسان، ونُصِر عليهم عسكر سَنْجَر، وقتلوا منهم مقتلة كبيرة. وفيها قتل البرسقي. وفيها كثُرت الإسماعيلية بالشام، وكان النّاس والكبار يخافونهم، فرأى الوزير أبو طاهر بن سعد المَزْدقانيّ مِن المصلحة أن يسلّم إلى رئيسهم بهرام حصنًا، فأعطاه طُغتِكين بانياس وتألَّم النّاس لذلك. وفي سنة عشرين وقعة مرج الصفر، ساقها ابن الأثير، فقال: التقوا في أواخر ذي الحّجة، واشتد القتال، فسقط طُغتكين، فظن الْجُنْد أنه قُتِلَ فانهزموا إلى دمشق، وركب فرَسَه ولحِقَهم. فساقت الفرنج وراءهم، وبقي رجالة التركمان قد عجزوا عن الهزيمة، فحملوا على رجَّالة الفرنج، فقتلوا عامّتهم، ونهبوا عسكر الفرنج وخيامهم، ثم عادوا سالمين غانمين إلى دمشق. ولما ردّت خيالة الفرنج من وراء طُغتِكين رأوا رجالتهم صَرْعى، وأموالهم قد راحت، فتمّوا منهزمين. قال: وهذا من الغريب أنّ طائفتين ينهزمان. وفيها استفحل أمر بهرام داعي الباطنيّة بحلب والشّام، وعظُم الخَطْب وهو عَلَى غاية الاختفاء، يغيّر الزيّ، ويطوف البلاد والقلاع، ولا يُعرف. إلى -[170]- أن حصل بدمشق بتقريرٍ قرره إيلغازي بْن أرتق مع طغتكين، فأكرم اتقاء شره، وتأكدت العناية بِهِ، فتبِعَه جَهَلةٌ وسُفهاء مِن العامّة وأهل البَرّ وتَحَزَّبُوا معه. ووافقه الوزير طاهر بْن سَعْد المَزْدَقانيّ، وإن لم يكن عَلَى عقيدته، وأعانه عَلَى بثّ شَرّه، وخَفَّى سرّه ليكون عونًا لَهُ. ثمّ التمس مِن طُغتِكين حصنًا يحتمي بِهِ، فأعطاه بانياس سنة عشرين هذه، فصار إليها وتجمع إليه أوباش استغواهم مُحَالةً وخداعة، فعظُمت البَليّة بهم، وتألَّم العلماء وأهل الدّين. وأحجموا عَنِ الكلام فيهم والتعرض لهم، خوفًا مِن شرّهم؛ لأنّهم قتلوا جماعة من الأعيان، وصاروا بحيث لَا يُنكر عليهم ملك ولا وزير، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وسيأتي باقي أمرهم سنة ثلاث. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة إحدى عشرة وخمسمائة
|
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة إحدى وعشرين وخمسمائة
قد ذكرنا أن أهل بغداد كلهم كانوا بالجانب الغربي، وعسكر محمود في الجانب الشرقي، وتراموا بالنَّشّاب، ثم إن جماعة من عسكر محمود حاولوا الدّخول إلى دار الخلافة من باب النّوبي، فمنعتهم الخاتون، فجاءوا إلي باب الغربة في رابع المحرَّم، ومعهم جمع من الساسة والرُّعاع، فأخذوا مطارق الحدّادين، وكسروا باب الغربة، ودخلوا إلي التاج فنهبوا دار الخلافة من ناحية الشّطّ، فخرج الجواري حاسرات يلطمن، ودخَلْنَ دار خاتون، وضجّ الخلْق، فبلغ الخليفة، فخرج من السّرادق، وابن صَدَقة بين يديه، وقدموا السفن في دفعةً واحدة، ودخل عسكر الخليفة، وألبسوا الملاحين السلاح، وكشفوا عنهم بالنشاب، ورمى العيّارون أنفسهم في الماء وعبروا، وصاح المسترشد بالله بنفسه: يا آل بني هاشم، فصَدَق الناس معه القتالَ، وعسكرُ السلطان مشغولون بالنَّهْب، فلما رأوا عسكر الخليفة ذلّوا وولوا الأدْبار، ووقع فيهم السيف، واختفوا في السراديب، فدخل وراءهم البغداديون وأسروا جماعة، وقتلوا جماعة من الأمراء، ونهب العامة دور أصحاب السلطان، ودار وزيره، ودار العزيز أبى نصر المستوفي، وأبي البركات الطيب، وأُخذ من داره ودائع وغيرها بما قيمته ثلاثمائة ألف، وقُتِلَ من أصحاب السلطان عدةٌ وافرةٌ في الدروب والمضائق. ثم عبر الخليفة إلى داره في سابع المحرم بالجيش، وهم نحو ثلاثين ألف مقاتل بالعوام وأهل البر، وحفروا بالليل خنادق عند أبواب الدروب، ورتب على أبواب المحال من يحفظها، وبقي القتال أيامًا إلى يوم عاشوراء، انقطع القتال، وترددت الرسل، ومال الخليفة إلى الصُّلح والتحالف، فأذعن -[340]- السلطان وأحب ذلك، وراجع الطاعة، وأطمأن الناس، وطُمَّت الخنادق، ودخل أصحاب السلطان يقولون: لنا ثلاثة أيام ما أكلنا خبزا، ولولا الصُّلح لمتنا جوعًا، وكانوا يسلقون القمح ويأكلونه، فما رؤي سلطانٌ حاصر فكان هو المحاصَر، إلا هذا، وظهر منه حلم وافر عن العوام، وبعث الخليفة مع علّي بن طِراد إلى سَنْجر خِلعًا وسيفين، وطوقًا ولواءين، ويأمره بإبعاد دبيس من حضرته. وجاء الخبر بأن سنجْر قتل من الباطنية اثني عشر ألفًا، فقتلوا وزيره المعين، لأنه كان يحرض عليهم وعلى استئصالهم، فتحيل رجل منهم، وخدم سائسا لبغال المعين، فلما وجد الفرصة وثب عليه وهو مطمئن فقتله، وقُتِلَ بعده، وكان هذا الوزير ذا دِين ومروءة، وحسن سيرة. ومرض السّلطان محمود في الميدان، وغُشى عليه، ووقع من فرسه، واشتد مرضه، ثم تماثل فركب، ثم انتكس، وأُرجِف بموته ثمّ خُلع عليه وهو مريض، وأشار عليه الطّبيب بالرواح من بغداد، فرحل يطلب هَمَذَان، وفوّض شِحْنكيَّة بغداد إلى عماد الدين زنكي. وبعد أيام جاء الخبر من همذان بأن السلطان قَبض على العزيز المستوفي وصادره وحبسه، وعلى الوزير فصادره وحبسه، وكان السبب أنّ الوزير تكلَّم على العزيز، وأن برنقش الزكوي تكلم على الوزير، ثمّ بعث السلطان إلي أنوشروان بن خالد الملقب شرف الدين، وهو ببغداد، فاستوزره، فلم يكن له ما يتجهَّز به حتى بعث له الوزير جلال الدين من عند الخليفة الخِيَم والخيل، فرحل إلي أصبهان في أول رمضان في السنة، أقام في الوزارة عشرة أشهر، واستعفى وعاد إلى بغداد. وفي رمضان وصل مجاهد الدّين بهروز إلي بغداد، وقد فوض إليه السلطان بغداد والحلة، وفوض إلى زنكي الموصل، فسار إليها. ومات عزّ الدّين مسعود بن آقْسُنْقُر البُرْسُقيّ في هذه السنة، وكان قد ولي الموصل بعد قتل والده، واتفق موتُه بالرَّحْبَة، فإنه سار إليها، وكان بطلًا شجاعًا، عالي الهمَّة، ردّ إليه السُلطان جميع إقطاع والده، وطمع في التّغلُّب -[341]- على الشّام، فسار بعساكره، فبدأ بالرَّحْبَة، فحاصرها، ومرض مرضًا حادًا، فتسلم القلعة، ومات بعد ساعة، وبقي مطروحًا على بساط، وتفرق جيشه، ونهب بعضُهم بعضًا، فأراد غلمانه أن يُقيموا ولده، فأشار الوزير أنوشروان بالأتابك زنكي لحاجة الناس إلى من يقوم بإزاء الفرنج، لعنهم الله. وفيها سئل أبو الفتح الإِسْفَرَايِينِيُّ فِي مَجْلِسِهِ بِبَغْدَادَ عَنِ الْحَدِيثِ: " لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ إِلَّا ثَلَاثَ كَذِبَاتٍ "، فَقَالَ: لَمْ يصح، والحديث في الصّحيح. وقال يومًا على المنبر: قيل يا رسول الله، كيف أصبحت؟ فقال: " أعمى بين العُمْيان، ضالًّا بين الضلال "، فاستحضره الوزير، فأقر، وأخذ يتأول تأولات فاسدة، فقال الوزير للفُقهاء: ما تقولون؟ فقال ابن سلمان مدرّس النّظاميَّة: لو قال هذا الشّافعي ما قبِلْنا منه، ويجب على هذا أن يجدد إيمانه وتوبته، فمُنع من الجلوس بعد أن استقرّ أنّه يجلس، ويشدّ الزّنّار، ثم يقطعه ويتوب، ثم يرحل، فنصره قومٍ من الأكابر يميلون إلى اعتقاده، وكان أشعريًا، فأعادوه إلى الجلوس، وكان يتكلَّم بما يُسقِط حُرْمة المُصْحَف من قلوب العوامّ، فافتتن به خلق، وزادت الفتن ببغداد، وتعرض أصحابه لمسجد ابن جردة فرجموه، ورُجم معهم أبو الفتوح، وكان إذا ركب يلبس الحديد ومعه السيوف مُسَلَّلَة، ثم اجتاز بسوق الثُّلاثاء، فرُجم ورُميت عليه الميتات، ومع هذا يقول: ليس هذا الّذي نتلوه كلام الله، إنما هو عبارة ومَجَاز، ولمّا مات ابن الفاعوس انقلبت بغداد، وغُلَّقت الأسواق، وكان عوامّ الحنابلة يصيحون على عادتهم: هذا يوم سُنّيّ حنبلي لَا أشعريّ ولا قشيري ويصرحون بسب أبي الفتوح هذا، فمنعه المسترشد بالله من الجلوس، وأمره أن يخرج من بغداد، وكان ابن صَدَقة يميل إلى السُّنَّة، فنصرهم. -[342]- ثم ظهر عند إنسان كرّاس قد اشتراها، فيها مكتوب القرآن، وقد كُتِب بين الأسطر بالأحمر أشعار على وزن أواخر الآيات، ففُتَّش على كاتبها، فإذا هو مودب، فكُبس بيته، فإذا فيه كراريس كذلك، فحُمل إلى الديوان، وسُئل عن ذلك، فأقرّ، وكان من أصحاب أبي الفتوح، فنُودي عليه على حمار، وشُهر، وهمّت العامَّة بإحراقه، ثم أُذن لأبي الفتوح، فجلس. وظهر في هذه الأيام الشيخ عبد القادر الجيلي، فجلي في الحَلبة، فتشبَّث به أهل السُّنَّة، وانتصروا بحسن اعتقاد الناس فيه. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة
فيها تُوُفّي ابن صَدَقة الوزير، وناب في الوزارة علي بن طراد. وفيها ذهب السّلطان محمود إلي السّلطان سَنْجر، فاصطلحا بعد خشونة، ثم سلّم سنجر إليه دُبَيْسا، وقال: تعزل زنكي ابن آقْسُنْقُر عن الموصل والشّام، وتسلّم البلاد إلى دُبَيْس، وتسأل الخليفة أن يرضى عنه، فأخذه ورحل. وقال أبو الحسن ابن الزّاغونيّ: تقدم إلى نقيب النُّقباء ليخرج إلى سنجر، فرفع إلى الخزانة ثلاثين ألف دينار، ليعفى، فتقدم إلى شيخ الشّيوخ ليخرج، فرفع إلى الخزانة خمسة عشر ألف دينار ليعفى. وتطاول للوزارة عزّ الدّولة بن المطّلب، وابن الأنباري، وناصح الدولة ابن المسلمة، وأحمد ابن نظام المُلْك، فمُنِعوا من الكلام في ذلك. وفي أول السّنة سار عماد الدّين زنكي فملك حلب، وعظُم شأنه، واتّسعت دولته. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة
في المحرَّم دخل السلّطان محمود بغداد، وأقام دُبَيْس في بعض الطّريق، واجتهد في أن يمكن دبيس من الدخول فلم يمكن ونفذ إلى زنكي ليسلم البلاد إلى دبيس فامتنع. -[343]- وأمر السلطان بالختم على أموال وقف مدرسة أبي حنيفة ومطالبة العمال بالحساب، ووكل بقاضي القضاة الزينبي لذلك، وكان قد قيل للسّلطان: إن دَخْلَ المكان ثمانون ألف دينار، ما ينفق عليه عشره. وفي ربيع الآخرة خلع المسترشد على أبي القاسم عليّ بن طراد واستوزره. وضمن زنكيّ أن ينفّذ للسّلطان مائة ألف دينار، وخيلًا، وثيابًا، على أن يقر في مكانه، واستقر الخليفة على مثل ذلك، على أن لا يولى دبيس شيئًا، وباع الخليفة عقارًا بالحريم، وقرى لذلك، وما زال يصحح، ثم إن دُبَيْسًا دخل إلى بغداد بعد جلوس الوزير ابن طِراد، ودخل دار السلطان، وركب في الميدان ورآه الناس. وجاء زنكي فخدم السلطان، وقدم تحفا، فخلع عليه، وأعاده إلى المنصب ورحل السلطان، وسلمت الحلة والشحنكية إلى بهروز. وكانت بنت سنْجر التي عند ابن عمّها السّلطان محمود قد تسلّمت دُبَيْسًا من أبيها، فكانت تشدّ منه وتمانع عنه، فماتت، ومرض السّلطان محمود، فأخذ دُبَيْس ولدًا صغيرًا لمحمود، فلم يعلم به حتّى قُرب من بغداد، فهرب بهروز من الحِلة، فقصدها دُبَيْس ودخلها في رمضان وبعث بهروز عرَّف السّلطان، فطلب قزل والأجهيليّ، وقال: أنتما ضمنتما دُبَيْسًا، فلا أعرفه إلا منكما. وساق الأجهيليّ يطلب العراق، فبعث دُبَيْس إلى المسترشد: إن رضِيتَ عنّي ردْدتُ أضعاف ما نفذ من الأموال، فقال الناس: هذا لَا يؤمن، وباتوا تحت السلاح طول رمضان، ودُبَيْس يجمع الأموال، ويأخذ من القرى، حتّى قيل: إنه حصل خمسمائة ألف دينار، وإنه قد دوَّن عشرة آلاف، بعد أن كان قد وصل في ثلاثمائة فارس، ثمّ قدِم الأجهيليّ بغداد، وقبَّل يد الخليفة، وقصد الحِلَّة، وجاء السّلطان إلى حُلْوان، فبعث دبيس إلى السلطان رسالة وخمسين مهْرًا عربيَّة، وثلاثة أحمال صناديق ذَهب، وذكر أنْه قد أعدَّ إن رضي عنه الخليفة ثلاثمائة حصان، ومائتي ألف دينار، وإنْ لم يرض عنه دخل البّريَّة، فبلغه أنّ السّلطان حنق عليه، فأخذ الصّبيّ وخرج من الحِلة، وسار إلى -[344]- البصرة، وأخذ منها أموالا كثيرة، وقدم السّلطان بغداد، فبعث لحربه قزل في عشرة آلاف فارس، فسار دبيس ودخل البرية. وفي سنة ثلاث أظهر عماد الدّين زنكيّ بن آقْسُنْقُر أنّه يريد جهاد الفرنج، وأرسل إلى تاج المُلُوك بوريّ يستنجده، فبعث له عسكرًا بعد أن أخذ عليه العهد والميثاق، وأمر ولده سونج أن يسير إليه من حماة، ففعل فأكرمهم زنكي، وطمنهم أيّامًا، وغدر بهم، وقبض على سونج، وعلى أمراء أبيه، ونهب خيامهم، وحبسهم بحلب، وهرب جُنْدهم، ثمّ سار ليومه إلى حماة، فاستولى عليها، ونازل حمص ومعه صاحبها خيرخان فأمسكه، فحاصرها مدَّة، ولم يقدر عليها ورجع إلى الموصل، ولم يُطْلق سونج ومن معه حتّى اشتراهم تاج الملوك بوري منه بخمسين ألف دينار، ثم لم يتم ذلك، ومقت الناس زنكي على قبيح فعله. وفيها وثبت الباطنية على عبد اللطيف ابن الخجندي رئيس الشافعية بأصبهان، ففتكوا به. وأما بهرام، فإنه عتى وتمرد على الله، وحدثته نفسه بقتل برق بن جنْدل من مقدّمي وادي التَّيْم لَا لسبب، فخدعه إلى أن وقع في يده فذبحه، وتألّم النّاس لذلك لشهامته وحُسْنه وحداثة سِنّه، ولعنوا من قتله علانية، فحملت الحميَّة أخاه الضّحّاك وقومه على الأخذ بثأره، فتجمعوا وتحالفوا على بذل المهج في طلب الثأر، فعرف بهرام الحال، فقصد بجموعه وادي التّيم، وقد استعدوا لحربه، فنهضوا بأجمعهم نهضة الأسود، وبيَّتوه وبذلوا السّيوف في البهراميَّة، وبهرام في مخيمه، فثار هو وأعوانه إلى السلاح، فأرهقتهم سيوف القوم وخناجرهم وسهامهم، وقطع رأسُ بهرام لعنه الله. ثم قام بعده صاحبه إسماعيل العجمي، فحذا في الإضلال والاستغواء حذوه، وعامله الوزير المَزْدقانيّ بما كان يعامل به بهرامًا، فلم يُمْهله الله، وأمر الملك بوري بضرب عُنقه في سابع عشر رمضان، وأحرق بدنه، وعلّق رأسه، -[345]- وانقلب البلد بالسّرور وحُمِد الله وثارت الأحداث والشُّطّار في الحال بالسّيوف والخناجر يقتلون من رأوا من الباطنية وأعوانهم، ومن يتهم بمذهبهم، وتتبعوهم حتى أَفْنَوْهم، وامتلأت الطُرُق والأسواق بجِيَفهم، وكان يومًا مشهودًا أعز الله فيه الإسلام وأهله، وأُخِذ جماعةٌ أعيانٌ منهم شاذي الخادم تربية أبي طاهر الصَائغ الباطنيّ الحلبيّ، وكان هذا الخادم رأس البلاء، فعوقب عقوبة شَفَت القلوب، ثمّ صُلِب هو وجماعة على السُّور. وبقي حاجب دمشق يوسف فيروز، ورئيس دمشق أبو الذّواد مفرج بن الحسن ابن الصّوفيّ يلبسان الدّروع، ويركبان وحولهما العبيد بالسّيوف، لأنهما بالغا في استئصال شأفة الباطنية. ولمّا سمع إسماعيل الدّاعي وأعوانه ببانياس ما جرى انخذلوا وذلُّوا، وسلَّم إسماعيل بانياس إلى الفرنج، وتسلل هو وطائفته إلى البلاد الإفرنجية في الذلة والقلة، ثمّ مرض إسماعيل بالإسهال، وهلك في أوائل سنة أربعٍ وعشرين، فلما عرف الفرنج بواقعة الباطنيَّة، وانتقلت إليهم بانياس، قويت نفوسهم، وطمعوا في دمشق، وحشدوا وتألّبوا، وتجمّعوا من الرُّها، وأنطاكّية، وطرابُلُس، والسّواحل، والقدس، ومن البحر، وعليهم كُنْدهر الّذي تملّك عليهم بعد بغدوين، فكان نحوًا من ستين ألفًا، من بين فارسٍ وراجل، فتأهّب تاج الملوك بوري، وطلب التُّرْكُمان والعرب، وأنفق الخزائن، وأقبل الملاعين قاصدين دمشق، فنزلوا على جسر الخشب والميدان في ذي القعدة من السّنة، وبرز عسكر دمشق، وجاءت التركمان والعرب، وعليهم الأمير مري بن ربيعة وتعبّوا كراديسٍ في عدَّة جهات، فلم يبرز أحد من الفرنج، بل لزِموا خيامهم، فأقام الناس أيّامًا هكذا، ثمّ وقع المَصَافّ، فحمل المسلمون، وثبت الفرنج، فلم يزل عسكر الإسلام يكرّ عليهم ويفتك بهم إلى أن فشلوا وخُذلوا، ثمّ ولّى كليام مقدَّم شجعانهم في فريقٍ من الخّيالة، ووضع المسلمون فيهم السّيف، وغُودروا صَرْعَى، وغنم المسلمون غنيمة لَا تُحَدّ ولا توصف، وهرب جيش الفرنج في اللّيل، وابتهج الخلْق بهذا الفتح المبين. -[346]- ومنهم من ذكر هذه الملحمة في سنة أربعٍ كما يأتي، وانفرجت الكربة وجاء من نصر الله تعالي ما لم يخطر ببال، وأمن النّاس، وخرجوا إلى ضياعهم، وتبدّلوا بالأمن بعد الخوف. وفيها قُتِلَ مَن كان يُرمى بمذهب الباطنيَّة بدمشق، وكان عددهم ستة آلاف، وكان قد قِتل ببغداد من مُدَيْدَة إبراهيم الأَسَدَاباذيّ، وهرب ابن أخيه بهرام إلى الشّام وأضل خلقا بها واسْتَغْواهم، ثمّ إنّ طُغتكين ولّاه بانياس، فكانت هذه من سيّئات طُغتكين، عفا الله عنه، وأقام بهرام له بدمشق خليفة يدعو إلى مذهبه، فكُثر بدمشق أتباعه، وملك بهرام عدَّة حصون من الجبال منها القَدْمُوس، وكان بوادي التَّيْم طوائف من الدَّرْزيَّة والنُصَيْريَّة والمجوس، واسم كبيرهم الضَحّاك، فسار إليهم بهرام وحاربهم، فكبس الضّحّاك عسكر بهرام، وقتل طائفة منهم، ورجعوا إلى بانياس بأسوأ حال، وكان المَزْدقانيّ وزير دمشق يُعينهم ويُقوّيهم، وأقام بدمشق أبا الوفاء، فكثُر أتباعه وقويت شوكته، وصار حكمه في دمشق مثل حكم طُغتِكين، ثمّ إنّ المَزْدقاني راسلَ الفرنج، لعنهم الله، ليُسلِّم إليهم دمشق، ويُسلَّموا إليه صور، وتواعدوا إلى يوم جمعة، وقررّ المَزْدقاني مع الباطنيَّة أن يحتاطوا ذلك اليوم بأبواب الجامع، لَا يمكنون أحدًا من الخروج، ليجيء الفرنج ويملك دمشق، فبلغ ذلك تاج المُلوك بوري، فطلب المَزْدقاني وطمّنه، وقتله وعلَّق رأسه على باب القلعة، وبذل السّيف في الباطنيَّة، فقتل منهم ستة آلاف، وكان ذلك فتحا عظيمًا في الإسلام في يوم الجمعة نصف رمضان، فخاف الّذين ببانياس وذلُّوا، وسلّموا بانياس إلى الفرنج، وصاروا معهم، وقاسوا ذلًا وهوانًا. وجاءت الفرنج ونازلت دمشق، فجاء إلى بغداد في النفير عبد الوهاب الواعظ ابن الحنبليّ، ومعه جماعة من التّجّار، وَهَمُّوا بكسر المنبر، فوُعِدوا بأن ينفّذ إلى السّلطان في ذلك، وتناخى عسكر دمشق والعرب والتُّركُمان، فكبسوا الفرنج، وثبت الفريقان، ونصر الله دينه، وقتل من الفرنج خلق، وأسر منهم ثلاثمائة، وراحوا بشَرّ خَيْبَة، ولله الحمد. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة أربع وعشرين وخمسمائة
وردت أخبار بأنّ في جُمَادى الأولى ارتفع سحاب أمطر بلدَ الموصل مطرًا عظيمًا، وأمطر عليهم نارًا أحرقت من البلد مواضع ودُورًا كثيرة، وهرب الناس. وفيها كسرت الفرنج على دمشق، وقُتِلَ منهم نحو عشرة آلاف، ولم يفلت منهم سوى أربعين، وَصَل الخبر إلى بغداد بذلك، وكانت ملحمة عظيمة. وفيها كانت ملحمة كبرى بين ابن تاشَفين، وبين جيش ابن تومرت، فقُتل من الموحّدين ثلاثة عشر ألفًا، وقُتِلَ قائدهم عبد الله الونشريسي، ثم تحيز عبد المؤمن بباقي الموحدين، وجاء خبر الهزيمة إلى ابن تومرت وهو مريض، ثم مات في آخر السنة. وفيها راسل زنكي ابن آقْسُنْقُر صاحب حلب تاج الملوك بوري يلتمس منه إنفاذ عسكره ليحارب الفرنج، فتوثّق منه بأيمانٍ وعُهُود، ونفذ خمسمائة فارس، وأرسل إلى ولده سونج وهو على حماة أن يسير إلى زنكيّ، فأحسن ملتقاهم وأكرمهم، ثمّ عمل عليهم، وغدر بهم، وقبض على سونج وجماعة أمراء، ونهب خيامهم، وهرب الباقون، ثم زحف إلى حماة فتملكها، ثم ساق إلى حمص، وغدر بصاحبها خيرخان بن قراجا واعتقله، ونهب أمواله، وطلب منه أن يسلمه حمص، ففعل، فأبى عليه نوابه بها، فحاصرها زنكيّ مدَّة، ورجع إلى الموصل ومعه سونج، ثم أطلقه بمالٍ كثير. وفيها قُتِلَ صاحب مصر الخليفة الآمر بأحكام الله. وفي سنة أربعٍ قُتِلَ أمير سمرقند، فسار السّلطان سنجر فاستولى عليها، ونزل محمد خان من قلعتها بالأمان، وهو زوج بنت سنجر، وأقام سنجر بسمرقند مدة. وأمّا أهل حلب فكانوا مع الفرنج الّذين استولوا على حصن الأثارب في ضرٍ شديد لقربهم منهم، والأثارب على ثلاثة فراسخ من غربيّ حلب، فجاء عماد الدّين زنكيّ في هذا العام وحاصره، فسارت ملوك الفرنج لنجدته -[348]- وللكشف عنه، فالتقاهم زنكيّ، واشتدّ الحرب، وثبت الفريقان ثباتًا كُلّيًا، ثمّ وقعت الكسرة على الملاعين، ووضع السيف فيهم، وأسر منهم خلْق، وكان يومًا عظيمًا، وافتتح زنكيّ الحصن عنوةً، وجعله دكًا. ثمّ نزل على حارِم، وهي بالقرب من أنطاكيَّة، فحاصرها، وصالحهم على نصف دَخْلها، ومنها ذلَّت الفرنج، وعلموا عجزهم عن زنكيّ، واشتدّ أزر المسلمين. وعدّى زنكيّ الفُرات، فنازل بعض ديار بكر، فحشد صاحب ماردين لقتاله، ونَجَده ابن عمُّه داود بن سُقْمان من حصن كَيْفا، وصاحب آمِد، حتى صاروا في عشرين ألفًا، فهزمهم زنكي، وأخذ بعض بلادهم. وفيها مات الآمر بأحكام الله صاحب مصر، وولي بعده الحافظ. وفيها ماتت زوجة السّلطان محمود خاتون بنت السلطان سنجر. وفيها قتل بيمند صاحب أنطاكية. وفيها وَزَر بدمشق الرّئيس مفرّج ابن الصّوفي. وفيها ظهر ببغداد عقارب طيارة، لها شوكتان، وخاف النّاس منها وقد قتلت جماعة أطفال. وفيها تملك السلطان محمود قلعة ألموت. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة خمس وعشرين وخمسمائة
فمن الحوادث أنّ دُبَيْسًا ضلّ في البرّيَّة، فقبض عليه مَخْلَد بن حسّان بن مكتوم الكلْبيّ بأعمال دمشق، وتمزّق أصحابه وتقطّعوا، فلم يكن له منجى من العرب، فحُمل إلى دمشق، فباعه أميرها ابن طُغتكِين مِن زنكيّ بن آقسنقر صاحب الموصل بخمسين ألف دينار، وكان زنكي عدوّه، لكنّه أكرمه وخوّله المال والسلاح، وقدمه على نفسه. وقد ساق ابن الأثير قصَّة دُبَيْس فقال: لمّا فارق البصرة قصد الشّام، لأنه جاءه من طلبه إلى صرخد، وكان قد مات صاحبها، وغلبت سريّتُه -[349]- على القلعة، وحدّثوها بما جرى على دُبَيْس، فطلبته للتزوج به، وتُسلَّم إليه صَرْخَد بما فيها، فجاء إلى الشّام في البرّيَّة، فضلّ ونزل بأُناس من كلْب بالمرج، فحملوه إلى تاج الملوك، فحبسه، وعرف زنكيّ صاحب الموصل، فبعث يطلبه من تاج الملوك، على أن يُطْلق ولده سونج ومَن معه مِن الأمراء، وإن لم يفعل جاء وحاصره بدمشق، وفعل وفعل، فأجاب تاج الملوك، وسلّم إليه دُبَيْسًا، وجاءه ولده والأمراء، وأيقن دُبَيْس بالهلاك للعداوة البليغة الّتي بينه وبين زنكيّ، ففعل معه خلاف ما ظنّ، وبالغ في إكرامه، وغرِم عليه أموالًا كثيرة، وفعل معه ما يفعل مع أكابر الملوك. ولما جرى على الباطنية ما ذكرناه عام ثلاثةٍ وعشرين تحّرقوا على تاج الملوك، وندبوا لقتله رجلين، فتوصلا حتّى خدما في ركابه، ثمّ وثبا عليه في جُمادَى الآخرة سنة خمسٍ، فجرحاه، فلم يصنعا شيئًا، وهبروهما بالسّيوف، وخيط جرح بعُنقه فبرأ، والآخر بخاصرته، فتنسر، وكان سببًا لهلاكه. وفيها تُوُفّي الشَيخ حمّاد الدّبّاس الزّاهد ببغداد. قال ابن واصل: وفى المحرَّم سنة خمسٍ وعشرين توجّه زنكيّ راجعًا من الشّام إلى الموصل. وفي ربيع الآخر من السّنة ردّ السّلطان محمود أمر العراق إلى زنكيّ، مُضافًا إلى ما بيده من الشام والجزيرتين. وتوفي للمسترشد ابنٌ بالجدري، عمره إحدى وعشرون سنة. وتُوُفي السلطان محمود، فأقاموا ابنه داود مكانه، وأقيمت له الخطبة ببلاد الجبل وأَذَرْبَيْجان، وكُثرت الأراجيف، وأراد داود قتال عمه مسعود. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة ست وعشرين وخمسمائة
فيها سار الملك مسعود بن محمدٍ إلى بغداد في عشرة آلاف فارس، وورد قُراجا السّاقي معه سلْجُوق شاه بن محمد أخو مسعود، وكلاهما يطلب السّلطنة، وانحدر زنكيّ من الموصل لينضم إلى مسعود أو سلْجوق، فأرجف الناس بمجيء عمهما سنجر، فعملت الستور وجبي العقار، وخرجوا بأجمعهم مُتَوَجهين لحرب سَنْجَر، وألزم المسترشد قُراجا بالمسير، فكرهه ولم يجد بُدًّا -[350]- من ذلك، وبعث سَنْجَر يقول: أنا العبد، ومهما أُريدَ مني فعلت، فلم يقبل منه، ثمّ خرج المسترشد بعد الجماعة، وقُطعت خطبة سنجر، وقدم سَنْجَر هَمَذَان، فكانت الوقعة قريبًا من الدَّينَوَر. قال ابن الْجَوْزيّ: وكان مع سَنْجَر مائة ألف وستّون ألفًا، وكان مع قُراجا ومسعود ثلاثون ألفًا، وكانت ملحمة كبيرة، أُحصِي القتلى فكانوا أربعين ألفًا، وقُتِلَ قُراجا، وأُجلس طُغْرُل على سرير الملك، بقيام عمّه سَنْجَر. وكان طُغْرُل يوم المصافّ على ميمنة عمّه، وكان على الميسرة خُوارَزْم شاه بن أتسِز بن محمد، فبدأهم قُراجا بالحملة، فحمل على القلب بعشرة آلاف، فعطف على جنبتي العشرة آلاف ميمنة سنجر وميسرته، فصار في الوسط، وقاتلوا قتال الموت وأثخن قراجا بالجراحات، ثم أسروه، فانهزم الملك مسعود، وذلك في ثامن رجب، وقتل قراجا وجاء مسعود مستأمنًا إلى السّلطان سنجر، فأكرمه وأعاده إلى كَنْجَةَ وصفح عنه وعاد سنجر إلى بلاده. وجاء زنكي ودبيس في سبعة آلاف ليأخذا بغداد، فبلغ المسترشد اختلاط بغداد، وكسرة عسكره، فخرج من السرادق بيده السّيف مجذوب، وسكن الأمر، وخاف هو، وعاد من خانقين، وإذا بزنكيّ ودُبَيْس قد قاربا بغداد من غربيّها، فعبر الخليفة إليهم في ألفَين، وطلب المهادنة، فاشتطا عليه، فحاربهما بنفسه وعسكره، فانكسرت ميسرته، فكشف الطّرحة ولبس البُرْدة، وجذب السّيف، وحمل، فحمل العسكر، فانهزم زنكيّ ودُبَيْس، وقتل من جيشهما مقتلة عظيمة، وطلب زنكي تكريت، ودبيس الفرات منهزمين. وفيها هلك بغدوين الرويس ملك الفرنج بعكّا، وكان شيخًا مُسِنًّا، داهية، ووقع في أسْر المسلمين غير مرَّة في الحروب، ويتخلّص بمكرْه وحيله، وتملك بعده القومص كندانجور، فلم يكن له رأي، فاضطربوا واختلفوا ولله الحمد. وتملك دمشق شمس الملوك إسماعيل بعد أبيه تاج الملوك بوري بن طُغتِكين، فقام بأعباء الأمر، وخافته الفرنج، ومهد الأمور، وأبطل بعد المظالم، وفرح النّاس بشهامته وفَرْط شجاعته، واحتملوا ظلمه. -[351]- وفيها كانت وقعة بهَمَذان بين طُغْرُل بن محمد وبين داود بن محمود بن محمد، فانتصر طغرل. وفيها وَزَر أنُوشُرْوان بن خالد للمسترشد بعد تمنع، واستعفاء. وعاد دُبَيْس بعد الهزيمة يلوذ ببلاده، فجمع وحشد، وكانت الحِلَّة وأعمالها في يد إقبال المسترشدي، وأمد بعسكرٍ من بغداد، فهزم دبيسا، وحصل دُبَيْس في أَجَمة فيها ماء وقصب ثلاثة أيّام، لَا يأكل شيئًا، حتّى أخرجه جماس على ظهره وخلصه. وقدم الملك داود بن محمود إلى بغداد. وفيها قبض الخليفة على الوزير شرف الدّين، وأخذ سائر ما في دياره. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة سبع وعشرين وخمسمائة
خُطِب لمسعود بن محمد بالسّلطنة ببغداد في صَفر، ومِن بعده لداود، وخُلِع عليهما وعلى الأمير آقْسُنْقُر الأحمديليّ مقدَّم جيوش السّلطان محمود، وهو المقيم داود بعده في الملك، واستقرّ مسعود بهمذان. وكانت وقعة انهزم فيها طغرل، ثم قتل آقسنقر، قتلته الباطنية. وفيها قصد أمراء التركمان الجزريون بلاد الشام، فأغاروا على بلاد طرابلس، وغنموا وسبوا، فخرج ملك طرابلس بالفرنج، فتقهقر التركمان، ثمّ كرّوا عليه فهزموه، وقتلوا في الفرنج فأكثروا وأطيبوا، فالتجأ إلى حصن بَعرين، فحاصرته التُرْكُمان أيّامًا، وخرج في الليل هاربًا، فجمعت الفرنج وسار لنجدته ملوكهم، وردّ فواقع التُرْكُمان ونال منهم. وفيها وقع الخُلْف بين الفرنج بالشّام، وتحاربوا وقُتِلَ منهم، ولم يجر لهم بذلك سابقة. وفيها واقع الأمير سوار نائب زنكيّ على حلب الفرنج، فقتل من الفرنج نحو الألف، ولله الحمد. وفيها وثب على شمس الملوك صاحب دمشق مملوك نجدة، فضربه بسيفٍ فلم يُغن شيئًا، وقتلوه بعد أن أقرّ على جماعة وادّعى أنه إنما فعل ذلك ليريح المسلمين من ظُلمه وعسفه، فقُتِلَ معه جماعة. وقتل شمس الملوك أخاه سونج الذي أسره زنكي، فحزن الناس عليه. -[352]- وفيها جمع دُبَيْس جمْعًا بواسط، وانضم إليه جماعة من واسط، فنفّذ الخليفة لحربه البازدار وإقبال الخادم، فهزموه وأسروا بختيار. وعزم المسترشد على المسير إلى الموصل، فعبرت الكوسات والأعلام إلى الجانب الغّربي في شعبان، ونودي ببغداد: من تخلّف مِن الْجُنْد حُلّ دمُهُ، ثمّ سار أمير المؤمنين في اثني عشر ألف فارس، ونفِّذ إلى بهروز يقول له: تنزل عن القلعة، وتسلّم الأموال، وتدخل تحت الطّاعة، فقال: أنا رجل كبير عاجز، ولكن أنفَّذ الإقامات وتقدمه، ففعل وعفى عنه، ووصل الخليفة الموصل في العشرين من رمضان، فحاصرها ثمانين يومًا، وكان القتال كلّ يوم، ووصل إليه أبو الهيج الكرديّ من الجبل في عساكر كثيرة. ثمّ إنّ زنكيّ بعث إلى الخليفة: إني أعطيك الأموال، وترحل عنّا، فلم يُجِبْه، ثمَّ رحل، فقيل: كان سبب رحيله أنّه بلغه أنّ السّلطان مسعودًا قد غدر وقتل الأحمديلي، وخلع على دبيس. قال ابن الجوزي: وتوفي شيخنا ابن الزاغوني، فأخذ حلقته بجامع القصر أبو علي ابن الراذاني، ولم أعطها لصغري، فحضرت عند الوزير أنوشروان، وأوردت فصلًا في الوعظ، فأذِن لي في الجلوس بجامع المنصور، فحضر مجلسي أوّل يومٍ الكبار من أصحابنا عبد الواحد بن شنيف، وأبو علي بن القاضي، وابن قشامي، وقوي اشتغالي بفنون العلم، وأخذت عن أبي بكر الدِّينَوَرِيِّ الفقه، وعن ابن الجواليقيّ اللّغة، وتتبعت مشايخ الحديث. وفيها أخذ شمس الملوك بانياس من الفرنج بالسيف، وقلعتها بالأمان، فلما نزلوا أسروا كلهم، وقدم شمس الملوك دمشق مؤيدا منصورا، والأسرى بين يديه ورؤوس القتلى، ورأى النّاس ما أقرّ أعينهم، فلله الحمد، وكان يومًا مشهودًا. وفيها مات صاحب مكَّة أبو فُلَيْتَة، وولي بعده أبو القاسم. وفيها نازل ابن رذمير مدينة إفراغه، فحاصرها وبها ابن مرديش. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة ثمان وعشرين وخمسمائة
فيها خُلِع على إقبال الخادم خِلْعة المُلْك، ولقب سيف الدولة ملك العرب. ووقع الصُلح مع زنكيّ بن آقْسُنْقُر، وجاءَ منه الحمل. وصُرِف عن الوزارة أنوشروان، وأُعيد أبو القاسم بن طراد، وقبض على نظر الخادم وسُجن وأُخِذت أمواله، وخُلِع على ابن طراد خلعة الوزارة، وأعطي فرسًا برقبة، وثلاثة عشر حمل كوسات، وأعلامًا ومهدًا. وقدِم رسول السّلطان سنْجر، فخلع عليه، وأرسل إلى سنجر مع رسوله، ومع ابن الأنباري خلع عظيمة الخطر بمائة وعشرين ألف دينار. وبعث الخليفة إلى بهروز الخادم، وهو بالقلعة، يطلب منه حملًا فأبى، فبعث جيشًا لقتاله، فحاصروه. وقدم ألبقش السلحدار التركي طالبًا للخدمة مع الخليفة. ثمّ إنّ الخليفة خلع على الأمراء، وعرض الجيش يوم العيد، ونادى: لَا يختلط بالجيش أحد، ومن ركب بَغْلًا أو حمارًا أُبيح دَمُه، وخرج الوزير وصاحب المخزن والقاضي ونقيب النُقباء، وأركان الدَولة في زِيّ لم يُرَ مثله من الخيل والزينة والعسكر الملبس، فكان الجيش خمسة عشر ألف فارس. وعاد طُغْرُل إلى هَمذان وانضمت إليه عساكر كثيرة، وتوطّد له المُلْك، وانحل أمر أخيه مسعود، وسببه أنّ الخليفة بعث بخِلَع إلى خوارزم شاه، فأشار دُبَيْس على طُغْرُل بأخذها، وإظهار أنّ الخليفة بعثها له، ففعل وبعث الخليفة يحثّ مسعودًا على المجيء ليرفع منه، فدخل أصبهان في زِيّ التُرْكُمان، وخاطر إلى أن وصل بغداد في ثلاثين فارسًا، فبعث إليه الخليفة تُحَفًا كثيرة. وعثر على بعض الأمراء أنه يكاتب طُغْرل، فقبض عليه الخليفة، فهرب بقيَّة الأمراء إلى مسعود، وقالوا: نحن عبيدك، فإذا خَذَلْتنا قَتَلَنا الخليفة، فطلبهم الخليفة، فقال مسعود: قد التجؤوا إليّ، فقال الخليفة: إنما أفعل هذا لأجلك، وأنصبك نوبة بعد نوبة، ووقع الاختلاف بينهما، وشاش العسكر، -[354]- ومدوا أيديهم إلى أذى المسلمين، وتعذر المشْي بين المَحَالّ، فبعث إليه الخليفة يقول له: تنصرف إلى بعض الجهات، وتأخذ العسكر الّذين صاروا إليك، فرحل في آخر السّنة والخواطر متوحّشة، فأقام بدار الغربة، وجاءت الأخبار بتوجُّه طُغْرُل إلى بغداد، فلّما كان يوم سلْخ السّنة نفّذ إلى مسعود الخِلع والتّاج، وأشياء بنحو ثلاثين ألف دينار نعم. وفيها حاصر ملك الفرنج ابن رذمير مدينة أفراغه من شرق الأندلس، وكان إذ ذاك على قُرْطُبة تاشَفين ابن السّلطان، فجهّز الزّبير اللُّمتُونيّ بألفي فارس، وتجهّز أمير مُرْسيَّة وبلنسية - يحيى بن غانية - في خمسمائة وتجهز عبد الله بن عياض صاحب لارَدَة في مائتين، فاجتمعوا وحملوا الميرة إلى أفراغه، وكان ابن عياض فارس زمانه، وكان ابن رذمير في اثني عشر ألف فارس، فأدركه العُجْب، وقال لأصحابه: اخرجوا خُذُوا هذه الميرة، ونفّذ قطعة من جيشه، فهزمهم ابن عياض، فساق ابن رذمير بنفسه، والْتحم الحرب، واسْتَحَر القتْل في الفرنج، وخرج أهل أفراغه الرّجال والنّساء، فنهبوا خِيَم الروم، فانهزم الطّاغية، ولم يفلت من جيشه إلا القليل، ولحق بسَرَقُسْطة، فبقي يسأل عن كبار أصحابه، فيقال له: قُتِلَ فُلان، قُتِلَ فُلان، فمات غمًّا بعد عشرين يومًا، وكان بلية على المسلمين، فأهلكه الله. وفيها خرج عبد المؤمن في الموحِّدين من بلاد تينمل فافتتح تادلة ونواحيها، وسار في تلك الجبال يفتتح معمورها، وأقبل تاشفين من الأندلس باستدعاء ابنه، فانُتدِب لحرب الموحدين. وفيها سار صاحب القدس بالفرنج، فقصد حلب، فخرج إليه عسكرها، فالتقوا، فانهزم المسلمون، وقُتِلَ منهم مائة فارس، ثمّ التقوا ونَصَر الله. وفيها وثب إيليا الطّغتِكينيّ في الصيد على شمس الملوك بأرض صيدنايا فضربه بالسيف، فغطس عنها، ورمى نفسه إلى الأرض، وضربه ثانية، فوقعت في رقَبَة الفرس أتلفته، وتلاحق الأجناد فهرب إيليا، ثم ظفروا به، فقتله صبرًا، وقتل جماعة بمجرّد قول إيليا فيهم، وبنى على أخيه حائطًا، فمات -[355]- جوعًا، وبالغ في الظُلْم والعَسف، وبنى دار المسرة بالقلعة، فجاءت بديعة الحسن. وفيها جاءت الأخبار من مصر بخُلْف ولدي الحافظ لدين الله عبد المجيد وهما: حيدرة، والحسن، وافترق الْجُند فِرقتين، إحداهما مائلة إلى الإسماعيلية، والأخرى إلى مذهب السُّنَّة، فاستظهرت السُّنَّة، وقتلوا خلقًا من أولئك، واستحر القتْل بالسّودان، واستقام أمر وليّ العهد حسن، وتتبّع من كان ينصر الإسماعيليَّة من المقدَّمين والدُّعاة، فأبادهم قتْلًا وتشريدًا. قال أبو يَعْلى حمزة: فورد كتاب الحافظ لدين الله على شمس الملوك بهذا الحال. وفيها فسخت الفرنج الهدنة وأقبلت بخُيَلائها، فجمع شمس الملوك جيشه، واستدعى تُرْكُمان النواحي، وبرز في عسكره نحو حَوران، فالتقوا، وكانت الفرنج في جمعٍ كثيف، فأقامت المناوشة بين الفريقين أيامًا، ثمّ غافلهم شمس الملوك، ونهض بشطر الجيش، وقصد عكا والناصرة، فأغار وغنم، فانزعجت الفرنج، وردوا ذليلين، وطلبوا تجديد الهدنة. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة تسع وعشرين وخمسمائة
قد ذكرنا أنّ الخليفة قال لمسعود: أرحل عنّا، وأنه بعث إليه بالخِلَع والتّاج، ثمّ نفذ إليه الجاولي شحنة بغداد، مضايقًا له على الخروج، وأمره إن هو دافع أن يرمي خيمه، ثمّ أحسَّ منه أنّه قد باطَنَ الأتراك، واطّلع منه على سوء نِية، فأخرج أمير المؤمنين سُرَادقه، وخَرَج أرباب الدّولة، فجاء الخبر بموت طُغْرُل، فرحل مسعود جريدةً، وتلاحَقَتْه العساكر، فوصل هَمَذَان، واختلف عليه الجيش، وانفرد عنه قُزُل، وسُنْقُر، وجماعة، فجهز لحربهم، وفرّق شملهم، فجاء منهم إلى بغداد جماعة، وأخبروا بسوء نيته، منهم البازدار، وقزل، وسنقر. وسار أنوشروان بأهله إلى خُراسان لوزارة السّلطان مسعود، فأخذ في الطريق. -[356]- وفيها افتتح أتابك زنكيّ بن آقْسُنْقُر المَعَرَّة، فأخذها من الفرنج، وكان لها في أيديهم سبعٌ وثلاثون سنة، ورد على أهلها أملاكهم، وكثر الدعاء له. وفيها قدم من الموصلَ ابن زنكيّ من عند والده بمفاتيح المَوصل مُذْعِنًا بالطّاعة والعُبوديَّة للخليفة، فخرج الموكب لتلقيه، وأكرم مورده، ونزل وقبل العتبة، وجاء رسول دُبَيْس يقول: أنا الخاطئ المُقِرّ بذنْبه، فمات رسوله، فذهب هو إلى مسعود. وجاء السديد ابن الأنباري من عند السّلطان سنْجر، ومعه كتابه يقول فيه: أنا العبد المملوك. ثمّ تواترت الأخبار بعزم مسعود على بغداد، وجمع وحشد، فبعث الخليفة إلى بكبة نائب البصرة، فوعدَ بالمجيء، ووصل إلى حلوان دبيس وهو شاليش عسكر مسعود، فجهّز الخليفة ألفيْ فارس تقدّمه، وبعث إلى أتابك زنكيّ، وكان مُنازِلًا دمشق ليسرع المجيء. وبعث سَنْجَر إلى مسعود: أن هؤلاء الأمراء، وهم البازدار وابن برسق، وقزل، وبرنقش، ما يتركونك تنال غَرَضًا لأنّهم عليك، وهم الّذين أفسدوا أمر أخيك طُغْرُل، فابعث إليَّ برؤوسهم، فأطلعهم على المكاتبة، فقبّلوا الأرض وقالوا: الآن علمنا أنّك صافٍ لنا، فابعث دُبَيْسًا في المقدّمة، ثمّ اجتمعوا وقالوا: ما وراء هذا خير، والرأي أن نمضي إلى أمير المؤمنين، فإن له في رقابنا عهدًا، وكتبوا إليه: إنا قد انفصلنا عن مسعود، ونحن في بلاد برسُق، ونحن معك، وإلّا فاخطب لبعض أولاد السّلاطين، ونفّذه نكون في خدمته، فأجابهم: كونوا على ما أنتم عليه، فإني سائر إليكم، وتهيأ للخروج، فلما سمع مسعود بذلك ساق ليبيتهم، فانهزموا نحو العراق، فنهب أموالهم، وجاءت الأخبار، فهيأ لهم الخليفة الإقامات والأموال. وخرج عسكر بغداد والخليفة، وانزعج البلد، وبعث مسعود خمسة آلاف ليكبسوا مقدّمة الخليفة، فبيّتوهم وأخذوا خيلهم وأموالهم، فأقبلوا عراة، ودخلوا بغداد في حالٍ ردية في رجب، فأطلق لهم ما أصلح أمرهم، وجاء الأمراء الكبار الأربعة في دجلة فأكرموا وخُلِع عليهم، وأُطلق لهم ثمانون ألف -[357]- دينار، ووعدوا بإعادة ما مضى لهم، وقطعت خطبة مسعود وخطب لسنجر، وداود. ثمّ برز الخليفة، وسار في سبعة آلاف فارس، وكان مسعود بهمذان في ألفٍ وخمسمائة فارس، ثم أفسد نيات نواب الأطراف بالمكاتبة، واستمالهم حتّى صار في نحو من خمسة عشر ألف فارس، وتسلَّل إليه ألفا فارس من عسكر المسترشد، ونفّذ زنكيّ إلى الخليفة نجدةً، فلم تلحق. ووقع المصافّ في عاشر رمضان، فلمّا التقى الْجَمْعان هرب جميع العسكر الّذين كانوا مع المسترشد، وكان على ميمنته قزل، والبازدار، ونور الدولة الشحنة، فحملوا على عسكر مسعود، فهزموهم ثلاثة فراسخ ثمّ عادوا فرأوا المَيْسَرَة قد غدرت، فأخذ كلّ واحدٍ منهم طريقًا وأُسِر المسترشد وحاشيته، وأُخِذ ما معه، وكان معه خزائن عظيمة، فكانت صناديق الذَّهب على سبعين بغلًا أربعة آلاف ألف دينار، وكان الثّقْل على خمسة آلاف جَمَل، وخزانة السبق أربعمائة بغْل، ونادى مسعود: المال لكم، والدَّمُ لي، فمن قُتِلَ أَقَدْتُه، ولم يُقتل بين الصَّفَّيْن سوى خمسة أنْفُس غَلَطًا، ونادى: من أقام من أصحاب الخليفة قُتِلَ، فهرب النّاس، وأخذتهم التُّرْكُمان، ووصلوا بغداد وقد تشقَّقت أرجُلُهم، وبقي الخليفة في الأسر. وبعث بالوزير ابن طِراد وقاضي القُضاة الزَّيْنبيّ، وبجماعةٍ إلى قلعة، وبعث بشحنة بغداد ومعه كتاب من الخليفة إلى أستاذ الدّار، أمره مسعود بكتابته، فيه: ليعتمد الحسين بن جَهِير مُراعاة الرّعيَّة وحمايتهم، فقد ظهر من الولد غياث الدّنيا والدّين، أمتع الله به في الخدمة ما صدقت به الظُّنُون، فلْيجتمع، وكاتب الزّمام وكاتب المخزن إلى إخراج العمّال إلى النّواحي، فقد ندب من الجانب الغياثيّ هذا الشِّحْنة لذلك، ولْيَهْتمّ بكِسوَة الكعبة، فنحن في إثر هذا المكتوب. وحضر عيد الفِطْر، فنفر أهل بغداد، ووثبوا على الخطيب، وكسروا المنبر والشّبّاك، ومنعوه من الخطبة، وحثوا في الأسواق على رؤوسهم التُّراب يبكون ويضجّون، وخرج النّساء حاسراتٍ يندُبن الخليفة في الطُّرُق وتحت التّاج، وهمّوا برجْم الشحنة، وهاشوا عليه، فاقتتل أجناده والعوامّ، فقتِل من العوامّ -[358]- مائة وثلاثة وخمسون نفْسًا، وهرب أبو الكَرَم الوالي، وحاجب الباب إلى دار خاتون، ورمى أعوان الشحنة الأبواب الحديد التي عَلَى السور، ونقبوا فِيهِ فتحات، وأشرفت بغداد على النَّهْب، فنادى الشِّحْنة: لَا ينزل أحدٌ في دار أحد، ولا يؤخذ لأحدٍ شيء، والسلطان جائي بين يدي الخليفة، وعلى كتفه الغاشية، فسكن النّاس، وطلب السّلطان من الخليفة نظرا الخادم فنفّذ، أطلقه، وسار بالخليفة إلى داود، إلى مراغة. وقال ابن الجوزيّ: وزلزلت بغداد مِرارًا كثيرة، ودامت كلّ يومٍ خمس أو ست مرّات إلى ليلة الثّلاثاء، فلم تزل الأرض تَمِيد من نصف اللّيل إلى الفجر، والنّاس يستغيثون. وتصّرف عمّال السّلطان في بغداد، وعوّقوا قرى وليّ العهد، وختموا على غلّاتها، فافْتَكّ ذلك منهم بستّمائة دينار، فأطلقوها، وتفاقم الأمر، وانقطع خبر العسكر، واستسلم الناس، ثمّ أرسل سَنْجَر إلى ابن أخيه مسعود يقول: ساعة وقوف الولد غياث الدّنيا والدّين على هذا المكتوب يدخل على أمير المؤمنين ويقبل بين يديه، ويسأله العفو والصفح، ويتنصل غاية التّنصُّل، فقد ظهرت عندنا من الآيات السّماويَّة والأرضية ما لَا طاقة لنا بسماع مثلها، فضلًا عن المشاهدة من العواصف والبُرُوق والزلازل، ودوام ذلك عشرين يومًا، وتشويش العساكر وانقلاب البلدان، ولقد خِفْت على نفسي من جانب الله وظهور آياته، وامتناع الناس من الصّلوات في الجوامع، ومنْع الخُطَباء ما لَا طاقة لي بحمله، فالله الله بتلافي أمرك، وتعيد أمير المؤمنين إلى مقّر عزّه، وتسلِّم إليه دُبَيْسًا ليحكم فيه، وتحمل الغاشية بين يديه أنت وجميع الأمراء، كما جرت عادتنا وعادة آبائنا، فنفّذ مسعود بهذه المكاتبة مع الوزير، ونظر، فدخلا على الخليفة، واستأذنا لمسعود، فدخل وقبّل الأرض، ووقف يسأل العفو، فقال: قد عُفِي عن ذنْبك، فاسكن وَطِبْ نفسًا. -[359]- ثمّ عامله مسعود بما أمره به عمّه، وسأل من الخليفة أن يُشَفَّعه في دُبَيْس، فأجابه، فأحضروه مكتوفا بين أربعة أمراء، ومع واحد سيف مجذوب، وكَفَن منشور، وأُلقي بين يدي السّرير، وقال مسعود: يا أمير المؤمنين هذا السّبب الموجب لِما تمّ، فإذا زال السّبب زال الخلاف، ومهما تأمر نفعل به، وهو يبكي ويتضرع ويقول: العفو عند القدرة، وأنا أقَلّ وأَذَلّ، فعفي عنه وقال: {{لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ}} فحلوه، وقبّل يد أمير المؤمنين وأَمرَّها على وجهه، وقال: بقرابتك مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلّا ما عفوت عنّي، وتركتني أعيش في الدّنيا، فإنّ الخوف منك قد برح بي. وأمّا بكبة شِحْنة بغداد، فإنّه أمر بنقْض السور ببغداد، فنقضت مواضع كثيرة، وقال: عمرتموه بفرح، فانقضوه كذلك، وضربت لهم الدبادب، وردوا الباب الحديد الّذي أُخِذ من جامع المنصُور إلى مكانه. وقدم رسولٌ ومعه عسكر يستحث مسعودا من جهة عمّه على إعادة الخليفة إلى بغداد، فجاء في العسكر سبعة عشر من الباطنيَّة، فذُكر أنّ مسعودًا ما علم بهم، فالله أعلم، فركب السّلطان والعساكر لتلقي الرسول، فهجمت الباطنيَّة على الخليفة، ففتكوا به رحمه الله، وقتلوا معه جماعة من أصحابه، فعلم العسكر، فأحاطوا بالسُّرادق فخرج الباطنيَّة وقد فرغوا من شُغلهم، فقُتِلَوا، وجلس السّلطان للعزاء، ووقع النّحيب والبكاء، وذلك على باب مَرَاغة، وبها دُفن. وجاء الخبر، فطلب الرّاشد النّاس طول الليل فبايعوه ببغداد، فلمّا أصبح شاع قتْله، فأغلق البلد، ووقع البكاء والنّحيب، وخرج النّاس حُفاةً مخرقين الثّياب، والنّساء منشّرات الشُّعور يلْطِمْن، ويقُلْن فيه المراثي على عادتهنّ، لانّ المسترشد كان محبَّبًا فيهم بمرة، لما فيه من الشّجاعة والعدل والرَّفْق بهم. فمن مراثي النّساء فيه: يا صاحب القضيب ونور الخاتم ... صار الحريم بعد قتلك مأتم اهتزّت الدّنيا ومَن عليها ... بعد النّبيّ ومن ولي عليها قد صاحت البومة على السُّرادق ... يا سيّدي ذا كان في السّوابق تُرَى تراك العين في حريمك ... والطرحة السوداء على كريمك وَعُمِلَ العزاء في الدّيوان ثلاثة أيام، تولى ذلك ناصح الدّولة ابن جَهير، وأبو الرّضا صاحب الديوان، ثم شرعوا في الهناء، وكتب السلطان إلى -[360]- الشِّحنة بكبة أن يبايع للرّاشد، وجلس الرّاشد في الشباك في الدار المثمنة المقتدوية، وبايعه الشحنة من خارج الشّبّاك، وذلك في السابع والعشرين من ذي القعدة، وظهر للنّاس، وكان أبيض جسيمًا بحمرةٍ مستحسنا، وكان يومئذٍ بين يديه أولاده وإخوته، ونادى بإقامة العدل ورد بعض المظالم. وفي أيّام الغدير ظهر التَّشيُّع، ومضى خلقٌ إلى زيارة مشهد علي ومشهد الحسين. وفيها نازل زنكيّ دمشق، وحاصرها أشدّ حصار، فقام بأمر البلدان أتمّ قيام، وأحبّه النّاس، فجاء إلى زنكي رسول المسترشد بالله يأمره بالرحيل. وفي ذي القعدة سار السّلطان سَنْجَر بالجيوش إلى غَزْنَة فأشرف عليها، وهرب منه ملكها، فأمّنه ونهاه عن ظُلْم الرّعيَّة، وأعاده إلى مملكته، وهو بهرام شاه، ورجع السّلطان فوصل بلْخ في شوّال من سنة ثلاثين. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة ثلاثين وخمسمائة
جاء برنقش بأمورٍ صعبة، فقالوا للراشد بالله: جاء مطالبًا بخطٍ كتبه المسترشد بالله لمسعود ليتخلص من أسره بمبلغ، وهو سبعمائة ألف دينار، ويطالب لأولاد صاحب المخزن بثلاثمائة ألف، وبقسط على أهل بغداد خمسمائة ألف دينار، فاستشار الراشد الكبار، فأشاروا عليه بالتجنيد، وأرسل الخليفة إلى برنقش: أما الأموال المضمونة فإنما كانت لإعادة الخليفة إلى داره، وذلك لم يكن، وأنا مطالب بالثّأر، وأما مال البيعة، فلَعَمري، لكن ينبغي أن تُعاد إلى أملاكي وإقطاعي، حتى يتصوَّر ذلك، وأما الرعيَّة فلا سبيل لكم عليهم، وما عندي إلّا السّيف، ثمّ أحضر كجبة وخلع عليه، وأعطاه ثلاثة آلاف دينار، وقال له: دون بهذه عسكرا، وجمع العساكر، وبعث إلى برنقش يقول: كنا قد تركنا البلد مع الشِّحْنة والعميد، فلما جئت بهذه الأشياء فعلنا هذا. وانزعج أهل بغداد، وباتوا تحت السّلاح، ونقل النّاس إلى دار الخلافة ودار خاتون متاعهم، وقيل للخليفة: إنهم قد عزموا على كبس بغداد وقت الصّلاة، فركب العسكر، وحفظ النّاس البلد، وقطع الجسر، وجرى في أطراف البلد قتال قويٌ. وفي صَفَر قدِم زنكيّ، والبازدار، وإقبال، عليهم ثياب العزاء، وحسّنوا للراشد الخروج فأجابهم، واستوزر أبا الرضا بن صَدَقة، واتفقوا على حرب -[361]- مسعود، وجاء السّلطان داود بن محمود فنزل بالمزرفة، ثمّ دخل دار المملكة، وأظهر العدل، وجاء إليه أرباب الدّولة ومعهم تقدمة من الراشد، فقام ثلاث مرات، يقبل الأرض، وجاء صَدَقة ولد دُبَيْس ابن خمس عشرة سنة وقبّل الأرض بإزاء التّاج وقال: أنا العبد ابن العبد جئت طائعًا، وقطعت خطبة مسعود، وخطب لداود. وقبض على إقبال الخادم ونُهب ماله، فتألّم العسكر من الخليفة لذلك، ونفَّذ زنكيّ يقول: هذا جاء معي، ويعتب ويقول: لَا بدّ من الإفراج عنه، ووافقه على ذلك البازدار، وغضب كجبة ومضى إلى زنكيّ، فرتَّب مكانه غيره، واستشعر العسكر كلهم وخافوا، وجاء أصحاب البازدار وزنكيّ فخرّبوا عقْد السُّور، فشاش البلد، وأشرف على النَّهْب، وجاء زنكيّ فضرب بإزاء التّاج، وسأل في إقبال سؤالًا تحته إلزام، فأطلق له. وأما السّلطان مسعود فإنه أفرج عن الوزير ابن طِراد، وقاضي القُضاة والنّقيب وسديد الدّولة ابن الأنباريّ، فأما نقيب الطّالبيّين أبو الحسن بن المعمّر فتُوُفيّ حين أُخرج، وأما القاضي الزَّينبيّ فدخل بغداد سرًا، وأقام الباقون مع مسعود. وقبض الراشد على أستاذ داره أبي عبد الله بن جَهِير، فخاف النّاس من الراشد وهابوه. ثمّ نفّذ زنكيّ إلى الراشد يقول: أريد المال الّذي أُخذ من إقبال، وهو دخل الحلَّة، وذلك مال السّلطان، وتردد القول في ذلك، ثمّ نفّذ الراشد إلى الوزير ابن صَدَقة وصاحب الدّيوان يقول: ما الّذي أقْعَدكُما؟ وكانا قد تأخّرا أيامًا عن الخدمة خوفًا من الراشد، فقال ابن صَدَقة: كلّما أُشير به يفعل ضدّه، وقد كان هذا الخادم إقبال بإزاء جميع العسكر، وأشرت بأن لَا يُمسك، فما سمع مني، وأنا لَا أوثر أن تتغيّر الدّولة وينْسَب إليّ، فإن هذا ابن الهارونيّ الملعون قصْده إساءة السُّمْعة وإهلاك المسلمين، فقبض الخليفة على ابن الهارونيّ في ربيع الأوّل، فجاءت رسالة زنكيّ يشكو ما لقي من ابن الهاروني وتأثيراته في المكوس والمواصير، ويسأل تسليمه إلى المملوك ليقتله، فقال: ندبّر ذلك، ثمّ أمر الوالي بقتله فقتله، وصُلب وَمَثَّلَ به العوامّ، فسرقه أهله بالليل، وعفَّوْا أثره، وظهر له أموال، ووصل إلى الخليفة من ماله مائتا ألف، وأُقطِعت أملاك الوكلاء، وسببه أن زنكيّ طلب من الخليفة مالًا يجهّز به العسكر لينحدروا إلى -[362]- واسط، فقال: الأموال معكم، وليس معي شيء، فاقطعوا البلاد. ثمّ استقر أن يُدفع إلى زنكيّ ثلاثون ألفًا مصانعةً عن الأملاك، ثمّ بات الحَرَس تحت التاج خوفًا من زنكي، ثمّ أشار زنكيّ على ابن صَدَقة أن يكون وزيرًا لداود، فخلع عليه لذلك، ثمّ استوثق زنكيّ من اليمين من الخليفة وعاهده، وقبّل يده، وطلب الخليفة أبا الرضا بن صدقة فجاء، ففوض إليه الأمور كلها. وأمر السّلطان داود والأمراء بالمسير لحرب مسعود، فساروا، فبلغهم أنّه رحل يطلب العراق، فردّهم الراشد وحلَّفهم، وقال: أريد أن أخرج معكم، فلما انسلخ شعبان خرج الخليفة ورحلوا، وخاف العّامة، وشرعوا في إصلاح السُّور، ولبِسوا السّلاح، فكان الأمراء ينقلون اللَّبِن على الخيل، وهم نقضوه. وجاءت كتبٌ إلى سائر الأمراء من مسعود، فأحضروها جميعها إلى الخليفة، وأنكر شِحْنة بغداد المكاتبة وأخفاها، ثمّ كتب جوابها إلى مسعود، فأخذه زنكيّ فغرقه. وفي وسط رمضان جاء عسكر مسعود فنازلوا بغداد، ووقع القتال، وخامر جماعة أمراء إلى الخليفة، فخلع عليهم وقبَّلهم، ثمّ بعد أيّام كان وصول رسول مسعود يطلب الصّلح، فقُرِئت الرسالة على الأمراء، فأبوا إلّا القتال. وصلّى النّاس العيد داخل السّور، فوصل يومئذٍ أصحاب مسعود فدخلوا الرّصافة، وكسروا أبواب الجامع ونهبوا، وقلّعوا شبابيك التُّرَب وعاثوا، وجاء مسعود في رابع شوّال في خمسة آلاف راكب على غفْلة، وخرج النّاس للقتال، ودام الحصار أيّامًا، وجاء ركابي لزنكيّ، فقتله العّيارون فقال زنكيّ: أريد أن أكبس الشّارع والحريم، وآخذ ما قيمته خمسمائة ألف دينار من الحرير والقماش والذهب والفضَّة. ونفّذ مسعود عسكرًا إلى واسط فأخذها، والنُّعمانية فنهبها، فتبِعهم عسكر الخليفة ونُودي: لَا يبقى ببغداد أحد من العسكر، وخرج الراشد فنزل على صرصر، واستشعر بعض العسكر من بعض، فخشي زنكيّ من البازدار والبقش، فعاد إلى ورائه، فرجع أكثر العسكر منهزمين، ودخل الراشد بغداد، وقيل: إن مسعودًا كاتَب زنكيّ سرًّا، وحلف له أنه يُقِرّه على الموصل والشّام، وكاتب الأمراء أيضا فقال: مَن قبض منكم على زنكيّ أو قتله أعطيته بلاده، فعرف زنكي، فأشار على الراشد أن يرحل صُحْبته. وفي رابع عشر ذي القعدة ركب الخليفة ليلًا وسار، وزنكي قائم ينتظره، -[363]- فدخل دار برنقش، ولم ينم النّاس، وأصبحوا على خوفٍ شديد، وخرج أبو الكرم الوالي يطلب الخليفة فأُسر وحُمِل إلى مسعود، فأطلقه وأكرمه، وسلَّم إليه بغداد، ورحل الراشد يومئذٍ ولم يَصْحبه شيء من آلة السفر، لأنه لما بات في دار برنقش أصبحوا، ودخل خواصه يصلحون له آلة السفر، فرحل على غفلة. ودخل مسعود بغداد، ونهب دوابَّ الْجُنْد، وجاء صافي الخادم فقال: لم يفعل الخليفة صوابًا بذهابه، والسّلطان له على نيَّة صالحة، وسكن النّاس. وأظهروا العدل، واجتمع القُضاة والكبار عند السّلطان مسعود، وقدحوا في الراشد، وبالغ في ذلك الوزير عليّ بن طِراد، وقيل: بل أخرج السلطان خط الراشد: إني متى جَنَّدْت أو خرجت انعزلت، فشهد العُدول أن هذا خط الخليفة، والقول الأول الأظهر. ثمّ أحكم ابن طِراد النّوبة، واجتمع بكلٍ من القُضاة والفُقهاء، وخوّفهم وهدّدهم إن لم يخلعوه، وكتب محضرًا فيه: إنّ أبا جعفر ابن المسترشد بدا منه سوء أفعال وسفْك دماء، وفعل ما لَا يجوز أن يكون معه إمامًا، وشهد بذلك الهَيْتِيّ، وابن البيضاوي، ونقيب الطّالبيّين، وابن الرّزّاز، وابن شافع، ورَوْح بن الحُدَيْثيّ، وأُخر، وقالوا: إنّ ابن البيضاويّ شهد مُكْرَهًا، وحكم ابن الكرْخيّ قاضي البلد بخلْعه في سادس عشر ذي القعدة، وأحضروا أبا عبد الله محمد ابن المستظهر بالله، وهو عم المخلوع. قال سديد الدولة ابن الأنْباريّ: أرسل السّلطان مسعود إلى عمّه السّلطان سَنْجَر: من نُوَلي؟ فكتب إليه: لَا تولّي إلّا من يضمنه الوزير، وصاحب المخزن، وابن الأنباريّ، فاجتمع مسعود بنا، فقال الوزير: نولي الزاهد الدين محمد ابن المستظهر، فقال: وتَضْمَنُه؟ قال: نعم، وكان صهرًا للوزير على بنته، فإنها دخلت يومًا في خلافة المستظهر، فطلب محمد ابن المستظهر هذا من أبيه تزويجها، فزوّجه بها، وبقيت عنده، ثمّ تُوُفّيت. قلت: فبايعوه، ولُقِّب المقتفي لأمر الله، ولقب بذلك لسبب، قال ابن الجوزي: قرأتُ بخطّ أبي الفَرَج بن الحسين الحدَّاد، قال: حدَّثني من أثق به أنّ المقتفي رأى في منامه قبل أن يُسْتَخْلف بستَّة أيام رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يقول له: " سيصل هذا الأمر إليك، فاقتف بي "، فلُقِّب المقتفي لأمر الله، ثمّ بويع اليوم الثاني البيعة العامة في محفلٍ عظيم، وبعث مسعود بعد أن أظهر العدل، ومهد بغداد، فأخذ جميع ما في دار الخلافة من دوابّ، وأثاث، وذهب، وسُتُور، -[364]- وسُرَادق، ومساند، فلم يترك في إصطبل الخلافة سوى أربعة أفراس، وثمانية أبغال برسم الماء، فيقال: إنهم بايعوا المقتفي على أن لَا يكون عنده خيل ولا آله سَفَر، وأخذوا من الدّار جواري وغلمانًا، ومضت خاتون تستعطف السلطان، فاجتازت بالسوق وبين يديها القراء والأتراك، وكان عندها حظايا الراشد وأولاده، فأطلق لهم القرى والعقار، ثمّ إنّ السّلطان ركب سفينة، ودخل إلى المقتفي، فبايعه يوم عَرَفة، وفي ثاني الأضحى وصلت الأخبار بأنّ الراشد دخل الموصل، وبلغه أنّه خُلِع من الخلافة. وفي جُمادى الأولى ولي أتابكية جيش دمشق الأمير أمين الدولة كُمُشْتِكين الأتابكي الطُّغتِكيني، واقف الأمينّية، متولّي بُصرى وصَرْخَد، وأُنزل في دار الأتابك بدمشق، وخلع عليه، ثمّ بعد يومين قُتِلَ الأمير يوسف بن فيروز الحاجب في الميدان، وكان من أكبر الأمراء، تملّك مدينة تدْمُر مدَّةً، وكان فيه ظُلْم وشرّ، شدّ عليه الأمير بُزْواش فقتله، ثمّ حُمِل إلى المسجد الّذي بناه فيروز بالعقيبة، فدفن في تربته، وجَرَت أمور، ثمّ صُرِف أمين الدّولة، وولي الأتابكية الأمير بُزْواش المذكور، ولُقِب بجمال الدّين، وتوجّه أمين الدّولة مُغاضبًا إلى ناحية صَرْخَد. وفيها، في أيّار، جاء بدمشق سيلٌ عظيم لم يُسمع بمثله، وطلعت على البلد سحابة سوداء، بحيث صار الجوّ كالليل، ثمّ طلع بعدها سحابة حمراء، صار النّاظر يظنّها كالنار الموقدة. وفي شَعْبانها، اجتمعت عساكر حلب مع الأمير سوار نائب حلب، وكبسوا اللاذقيَّة بغتة، فقتلوا وأسروا وغنموا، قال ابن الأثير: كانت الأسرى سبعة آلاف نفس بالصغار والكبار، ومائة ألف رأس من الدواب والمواشي، وخَربوا اللاذقية، وخرجوا إلى شَيْزَر سالمين، وفرح المسلمون بذلك فرحًا عظيمًا، ولم يقدر الفرنج، لعنهم الله، على أخذ الثأر عجزًا ووهنًا، فلله الحمد. |