التعريفات الفقهيّة للبركتي
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
الإرشادات السنية، في تحقيق مسائل العقائد الدينية
رسالة. في الكلام. أولها: (الحمد لله العليم... الخ). مرت على: خمسة عشر إرشادا. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
أم البراهين في العقائد
للشيخ، الإمام، السيد، الشريف: محمد بن يوسف بن الحسين السنوسي. المتوفى: سنة 895. وهو مختصر مفيد. محتو على: جميع عقائد التوحيد. وختم: بكلمتي الشهادة. ثم شرح: شرحا، مفيدا، مختصرا. أوله: (الحمد الله واسع الجود... الخ). وشرح أيضا: محمد بن عمر بن إبراهيم التلمساني. المتوفى: سنة... وهو شرح: بالقول، مختصر. أوله: (الحمد لله المنفرد بوجوب الوحدانية... الخ). والشيخ، شهاب الدين، أبو العباس: أحمد بن محمد الغنيمي، الأنصاري. المتوفى: سنة 1044. شرح أيضا شرحا عظيما بالقول. في نحو: تسعين كراسة صغيرة. وسماه: (بهجة الناظرين، في محاسن أم البراهين). أوله: (الحمد لله الواجب الوجود... الخ). وفرغ في: ربيع الثاني، سنة تسع وثلاثين وألف. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
تحفة الفوائد، لشرح العقائد
يأتي في: العين. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
تسديد القواعد، في شرح: (تجريد العقائد)
مر ذكره. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
تعليق الفرائد، على شرح: (العقائد)
يأتي في: العين. |
من بلاغة القرآن لأحمد أحمد بدوي
|
العقائد والعباداتمن أهم العقائد التى وردت في القرآن عقيدة الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر، وقد بينا كيف عرض القرآن هذه العقائد.أما العبادات فمنها الصلاة، وقد أكثر القرآن من الحديث عنها، وعدها ركنا مؤكدا من أركان الدين، حددت له أوقاته، وليس ثمة ما يبيح تركها، حتى أشد ألوان الخوف في الحرب، ذلك لأن الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً (النساء 103).والقرآن يجعل الصلاة سمة من سمات المؤمنين، ومظهرا من مظاهر التقوى ودليلا على تمام الخضوع لله، ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ (البقرة 2، 3). إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ (فاطر 18). وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ (البينة 5). ولذا كان من تمامها الخشوع في أدائها، قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (المؤمنون 1، 2).وإذا كان للصلاة هذه المنزلة الرفيعة من الدين، فقد أكثر القرآن من الأمر بها، والحث عليها، فقال: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (البقرة 43).حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ (البقرة 238). قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ (إبراهيم 31). وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها (طه 132). وأثنى علىهؤلاء الذين لا يصرفهم شاغل من الحياة عن أدائها، إذ قال: رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ (النور 37). وجعل الكسل في أدائها والنهوض إليها مظهرا من مظاهر النفاق، إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (النساء 142). وجعل الهزء بها كفرا، كالهزء بالدين نفسه، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِياءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (المائدة 57، 58).ويقرر القرآن أن الصلاة عبادة شاقة على النفس، وهو من أجل ذلك يضع الخاشعين مثالا يقتدى به، فهؤلاء لا يجدونها ثقيلة ولا شاقة، كما وضع إلى جانب ذلك اليوم الآخر وما فيه من نعيم أو عذاب، يدفع المرء إلى الصلاة رغبة أو رهبة فقال: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ (البقرة 45 - 46). وأمر رسوله بالصبر على الصلاة إذ قال: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها (طه 132). ووعد القرآن وعدا كريما من يؤديها على وجهها بأن أجره عنده، ويعيش يوم القيامة في سلامة وأمن، إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (البقرة 277). وقد فرضت الصلاة ليتذكر الإنسان في الحين بعد الحين خالقه ورب نعمته، أو ليس الخالق المنعم جديرا بأن يذكر ويشكر، فهذه الصلاة وسيلة الذكر والشكران، إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي (طه 14).ولذا كان من أكبر أمانى الشيطان أن يصد عن إقامة الصلاة لذلك المعنى الذى أشرت إليه، ويتخذ الشيطان الخمر والميسر وسيلة إلى نسيان الصلاة وذكر الله، إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (المائدة 91).وكانت الصلاة بأشكالها المختلفة مظهر ذلك في الأديان التى سبقت الإسلام، وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (يونس 87). وإبراهيم يدعو ربه قائلا: رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي (إبراهيم 40). وعيسى يقول: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا (مريم 30، 31). وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (مريم 54، 55).وذكر الله في الصلاة عدة مرات في الليل والنهار تدفع إلى تقواه، والوقوف عند حدود ما أمر به ونهى عنه، ولذلك قال سبحانه: وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ (العنكبوت 45). وفي ذكر الله في الصلاة تذكر لقدرته الباهرة، فيلجأ إليه المرء مستعينا بهذه القدرة على تحقيق ما يصبو إليه من أمان وآمال، ولذلك قرنها بالصبر، فقال: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ. والاستعانة بقدرة الله توحى إلى النفس بأن المرء ليس وحيدا في جهاده في تلك الحياة، فيقوى ذلك من روحه المعنوية، وتقوية هذه الروح أساس النجاح والظفر، فإذا انضم إليها الصبر، زال اليأس، وامتلأ القلب بالأمل.تلك هى الدوافع التى وضعها القرآن إلى جانب الصلاة، لتحث عليها، وتدفع إلى إقامتها. وعد كريم من الله بالثواب على أدائها، وهى مظهر لشكر الله على نعمه وأفضاله، والشكر على النعمة تدفع إليه الإنسانية المهذبة ويدفع إليه العقل السليم، ثم إنها بصورها المتعددة مظهر هذا الشكر عند الأمم السابقة، ولا يقف فضل الصلاة عند هذا الحد، بل هى ينبوع لطهارة النفس، وبعدها عن الشرور والمآثم، وفيها تقوية للمرء على مجابهة الحياة مزودا بقوة معنوية، ينجح بها فى الحياة، أولا يستحق هذا الينبوع العذب لتهذيب النفس ونجاحها أن يحافظ المرء عليها، وأن يؤديها موفيا أركانها في تؤدة واطمئنان، ولعل هذا هو السر في أن القرآن يستخدم كلمة «يقيم» فالمادة تدل على الدوام والاستمرار، كما تدلّ على معنى التقويم والتهذيب.ولم يتعرض القرآن لتفصيل هيئة الصلاة، تاركا ذلك لفعل رسول الله، ولكنه عرض بعض أحكامها في إجمال، كقصر الصلاة، وصلاة الخوف، والوضوء.وتقترن إقامة الصلاة في القرآن غالبا بإيتاء الزكاة، وقد جعلهما القرآن معا مظهرين من مظاهر الإسلام، فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ (التوبة 5). ولا سبيل لكم عليهم، لأنهم «إخوانكم في الدين».ويقرر القرآن غريزة الملكية، ويعرف ما لها من آثار في تصرفات الإنسان وهو من أجل ذلك دعا هذه الأموال التى يبذلها المرء على سبيل الصدقة، دعاها قرضا يقرضه المتصدق لله، إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ (التغابن 17)، كما أضاف الأموال إلى أصحابها في قوله: وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ (التغابن 15).وقرر كسبنا لها في قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ (البقرة 267).وفي ذلك تقرير لملكية الإنسان لما تحت يده؛ وليست غريزة الملكية بالضعيفة ولا الواهنة في نفس الإنسان، بل هى قوية عنيفة يقرر القرآن عنفها في قوله:قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً (الإسراء 100). وقوله: وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ (النساء 128). ولذلك عالج القرآن هذه الناحية النفسية علاجا مستفيضا، كى تسمح النفس بما تملك، وتجود عن رضا ورغبة.وإذا كانت غريزة الملكية هى التى تدفع إلى الشح، فقد أثارها القرآن إلى الصدقة مؤكدا أن ما سينفقه المرء في الصدقة اليوم، سيخلفه الله عليه غدا وكأنه يوحى إلى الإنسان بأنه إذا تصدق وزكى فلن يخسر شيئا، فلا داعى إلى الشح والإمساك، فضلا عما في الصدقة من استجابة إلى داعى الإنسانية، واتصاف بصفة الكرم وهو من صفات المروءة، قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (سبأ 39). بل إنه يخلفه مضاعفا، إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (الحديد 18).وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (البقرة 265). مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (البقرة 261). وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (الروم 39). وفي ذلك تحريك لغريزة حب الذات التى تعمل على جلب الخير للنفس، فلا جرم كان وعدها بمضاعفة الجزاء مغريا لها بالصدقة والزكاة، بل إن الجزاء لا يقف عند حد العوض المضاعف، ولكن الله سيوفى المتصدقين أجرهم، ويتولى هو مكافأتهم، وحسبك جزاء الله جزاء يرضى النفس ويكفيها، الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (البقرة 262).الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (البقرة 274). مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (الحديد 11). وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ (الأعراف 156). وإذا كان الأمر كذلك فليست هذه الصدقة في حقيقة الأمر سوى خير يعود نفعه على المرء نفسه، وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (البقرة 272). وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍتَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (البقرة 110)، وإذا كانت الزكاة والصدقة خيرا يجب اكتسابه، فمن الخير أن يستكثر الإنسان منه في هذه الحياة وأن يبادر إليه قبل أن تضيع الفرصة ولا تعود وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (المنافقون 10)، قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ (إبراهيم 31)، وفي ذلك إثارة لغريزة الخوف، أن يضيع على المرء خير مأمول.ويمضى القرآن مخففا من آثار غريزة التملك، فيذكر هؤلاء الذين بأيديهم المال أن الذى أعطاهم ذلك المال إنما هو الله، وهو الذى يطالبهم بأن يعطوا عباده الفقراء بعض ما أعطاهم هو من المال، فيقول: وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ (النور 33). ثم يصل إلى الحقيقة، فيبين لهم أن هذا المال الذى تحت أيديهم إنما هو في الواقع مال الله، وأنهم ليسوا بأكثر من مستخلفين فيه، أعطاه إياهم لينفقوه حيث يرشدهم إلى مواضع إنفاقه، آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (الحديد 7). وليس ما أعطيناه من مال سوى أحد الاختبارات التى اختبرنا الله بها، ليرى أنشكر أم نكفر، وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (الأنفال 28). وإذا كان المال في الواقع مال الله، فإن الشح به ليس من سمات الخير، ولا مؤذنا بفلاح صاحبه، أما...مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (الحشر 5).ويجعل القرآن من صفات المؤمن المثالى أداء الزكاة، ويعده عليها بخير ما يعد به من يعمل صالحا، فيقول: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (الذاريات 15 - 19). وفي اختيار كلمة الْمَحْرُومِ هنا ما يحرك في النفس الشفقة والرحمة والحنان.واقترن طلب إيتاء الصدقة في القرآن بصفات إنسانية سامية، فنهى عن الرياء فى أدائها، أو اتباعها بالمن والأذى، أو اختيار أردأ المال للتصدق به، وجعل أداءها في السر خيرا، حتى تخلص من الرياء، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (البقرة 267). لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ (آل عمران 92). قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِالْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا (البقرة 263 - 264). أرأيت تخير القرآن لكلمة صفوان، يدل بها على قسوة قلب هذا المتصدق الذى يتبع صدقته بالمن والأذى، أو ينفق رياء، فهو لا ينبعث إلى الصدقة بعامل الشفقة والرحمة، ولكن بعامل الغرور والزهو، ولا أريد أن أسرف فىالحديث عن أسواء المن والأذى والرياء، فهى من الوضوح بمكان، ويقول في الحديث عن كتمان الصدقة: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (البقرة 271).هذا وقد توعد القرآن أولئك الذين لا ترق قلوبهم للإنسانية، ولا يعطفون على البائسين والمحرومين، وقرنهم بهؤلاء الذين لا يؤمنون بالله، وكأنما الكفر بالله قرين الكفر بالإنسانية، قال سبحانه: وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (الحاقة 25 - 34).أما الصوم فلم يطل القرآن الحديث عنه، واقتصر على الحديث عن بعض أحكامه، ولكنه لم يترك بيان ما يحفزنا إلى الصوم، فأثارنا إليه بأننا لم ننفرد بأدائه، بل كان مفروضا على من سبقنا، وهو ينبوع من ينابيع تقوى الله بما فيه من إمساك النفس عما تشتهى، والتمكين للضمير كى يقوى ويشتد، كما أن اختصاص شهر رمضان بهذه العبادة، لما اختص به من ميزة نزول القرآن فيه: هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ (البقرة 185)، فكان هذا الشهر جديرا أن يتقرب فيه إلى الله.وتحدث القرآن عن الحج، فقال: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (آل عمران 97). وانتثر في القرآن الأسباب الباعثة على أداء هذه الفريضة، فقال:وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِالْمُخْبِتِينَ (الحج 27 - 34). فالحج مفروض لهذه المنافع التى يحصل عليها من يشهدونه في الأشهر الحرم، وأى منافع أكبر من انعقاد هذا المؤتمر الإسلامى الجامع يعرف فيه كل بلد ما يحتاج إليه البلد الآخر، وينعقد بين المسلمين في أرجاء الأرض أعظم الصلات السياسية والثقافية والاقتصادية، فإذا انعقد هذا المؤتمر كل عام، تم الربط بين قلوب المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وكونوا قوة لها قيمتها وقدرها، ومن الميسور الانتفاع بأيام الحج في تحقيق هذا الهدف، إذا أحسن استغلال وقت الحج على وجه يحقق هذه المنافع التى أشار إليها القرآن، وفي الحج كذلك منافع اقتصادية واضحة لسكان البيت الحرام.وفضلا عن هذه المنافع الدنيوية، ذات الأثر البالغ في حياة الإسلام- تخلص النفوس في أيام الحج لذكر اسم الله فتخلع عن نفسها مظاهر هذه الحياة الدنيا، ويقف الحاج أمام الله عبدا قد تجرد من زخرف الدنيا وزينتها، ويومئذ يحاسب كلّ نفسه على ما قدم، وما يجب أن يفعل، وفي الحج تعظيم لحرمات الله وشعائره، يدفع إلى التقوى، ويحفز إلى تطهير القلوب، وهو الهدف المقصود من الحج، وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ (الحج 36، 37).وتحدث القرآن في مواضع عن الكعبة، فقال: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً (آل عمران 96 - 97)، وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (آل عمران 26). وإن بيتا هذا شأنه جدير بأن يزوره المسلمون، ويعبدوا ربهم عنده.
|
موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية
|
- الكتاب المقدس بالإضافة إلى المجامع المسكونية حتى مجمع كليدونية 451م بالنسبة للكنيسة المصرية، ومجمع القسطنطينية بالنسبة للكنائس الأرثوذكسية الأخرى.
- الفلسفة الأفلاطونية الحديثة، والفلسفة الغنوصية. - الحضارات القديمة: المصرية، اليونانية، الهندية. |
موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية
|
· نصوص الكتاب المقدس، وبخاصة نصوص العهد القديم.
· الديانات الوثنية. · الفلسفة الأفلاطونية الحديثة. · الأفكار والمبادئ الصهيونية والتلمودية. · يعتقد بعض الباحثين أن الإصلاحات التي نادت بها حركة الإصلاح، ونتج عنها البروتستانتية قد تأثرت بالإسلام. |
موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية
|
الموارنة فرع عن الكاثوليك الشرقيين، الذين هم بدورهم فرع عن النصرانية بشكل عام؛ لذا فإن جذورهم هي نفس الجذور النصرانية.
يمتازون بالمحافظة الشديدة على تراثهم ولغتهم السريانية القديمة، وقد اقتربوا على مدار الزمن من الكنيسة البابوية بروما بعد إدخال عدد من التعديلات على الطقوس المارونية القديمة. |
موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية
|
لليهود دور في نشوء هذه الطائفة؛ تعزيزاً للانشقاق داخل الكنائس المسيحية، بغية السيطرة عليها.
كتاب المورمون يشبه التلمود في كل شيء ويحاكيه، وكأنه نسخة طبق الأصل عنه. إن إسرائيل قد جنَّدت كل إمكاناتها لخدمة هذه الطائفة، عاملة على استمرارية العون والمساندة النصرانية لها. يعملون على ربط صهيون أو القدس الجديدة بالأرض الأمريكية المقدسة - حسب وصايا الرب - انتظاراً لعودة المسيح الذي سيعود ليملك الأرض، ويملأها جنات خالدات. يقولون عن فلسطين في كتاب المورمون في الإصحاح العاشر الفقرة (31): (فاستيقظي وانتفضي من الثرى يا أورشليم، نعم والبسي حللك الجميلة يا ابنة صهيون، ووسِّعي حدودك إلى الأبد؛ لكي لا تعودي مغلوبة، ولكي تتحقق عهود الأب الأزلية التي قطعها معك، يا بيت إسرائيل). يقولون في الإصحاح الرابع عشر فقرة (6) مخاطبين المورمون: (لا تعطوا القدس للكلاب، ولا تطرحوا دوركم قدام الخنازير؛ لئلا تدوسها بأرجلها وتلتفت لتمزقكم). نلاحظ تعانق الفكر الصليبي مع الفكر الصهيوني في نظرتهم إلى فلسطين، إنهم يقولون ذلك منذ عام (1825) م, يوم كانت فلسطين ما تزال جزءًا من أرض الإسلام. الانتشار ومواقع النفوذ: آمن بفكرة المورمون كثير من النصارى، وكان دعاتها من الشباب المتحمِّس، وقد بلغ عدد أفرادها أكثر من خمسة ملايين نسمة، ثمانون بالمائة منهم في الولايات المتحدة الأمريكية، ويتمركزون في ولاية يوتاه، حيث إن (68%) من سكان هذه الولاية منهم، و (62 %) من سكان مقاطعة البحيرات المالحة مسجَّلون كأعضاء في هذه الكنيسة، ومركزهم الرئيسي في ولاية يوتاه الأمريكية. انتشروا في الولايات المتحدة الأمريكية، وأمريكا الجنوبية، وكندا، وأوروبا، كما أن لهم في معظم أنحاء العالم فروعاً ومكاتب ومراكز لنشر أفكارهم ومعتقداتهم. إنهم يوزعون كتبهم مجاناً، ودعوتهم تأتي خدمة لمصلحة إسرائيل، وتأكيداً لأهدافها المرسومة. ولهم (175) إرسالية تنصيرية، كما أنهم يملكون: شبكة تلفزيونية، وإحدى عشرة محطة إذاعية. ويملكون مجلة شهرية بالإسبانية، وصحيفة يومية واحدة. ويملكون مركزاً متطوراً جدًّا للمعلومات في مدينة سولت ليك في ولاية يوتاه الأمريكية. ويتَّضح مما سبق: أن المورمون طائفة نصرانية جديدة نسبيًّا، انشقَّت عن النصرانية، وتدعو إلى التمسك بالكتب اليهودية وكتاب المورمون وكتاب المبادئ والعهود وغيرها، ويدعون إلى الإيمان بالمسيح الذي جاء - في نظرهم - لينقذ اليهود من الاضطهاد، والإيمان بأن المبادئ والمراسم الأربعة للإنجيل هي: الإيمان بالرب يسوع المسيح كما يقولون، والتوبة والعماد بالتغطيس لغفران الخطايا ووضع الأيدي لموهبة الروح القدس. ويصل شركهم مداه عندما يقولون: إنهم يعتقدون أن الله تعالى هو على شكل إنسان له لحم وعظام، وبداخل جسده الملموس روح أزلية، كما أن البشر عندهم هم أبناء وبنات الله. مراجع للتوسع: هناك نشرات توزعها كنيسة يسوع المسيح لقديسي الأيام الأخيرة بمدينة سولت ليك بولاية يوتاه في الولايات المتحدة الأمريكية ومنها: a) The Church of Jesus Christ of Latter-day Saints · ومن نشراتهم باللغة العربية ما يلي: - مبادئ الإنجيل. - دليل الشعبة. - دليل القائد الكهنوتي. - كلمة الحكمة. - شهادة يوسف سميث. - دليل العائلة. - ماذا عن المورمون – طبع الولايات المتحدة. - مقال عن المورمون في مجلة الأمة عدد (22) شوال (1402هـ/ آب 1982) م. - مقال في الموسوعة البريطانية عن المورمون. - ولهم كذلك نشرات باللغة الإنجليزية هي: - Succession in the Presidency. - W.H.Y. Famillies? - A Family home evening program suggested by the Church of Jesus Christ of latter-day saints. - The Mormons and the Jewish people. - The Lord’s Day. - What the Mormons think of Christ. - A Word of Wisdom, Mark E. Perersen. - Baptism. How and by Whom administered? ¤ الموسوعة الميسرة للندوة العالمية للشباب الإسلامي - بتصرف |
موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية
|
إن اليهود - باعتبارهم أقلية مفسدة - يسعون دائماً لبثِّ دعاوى إذابة الفروق بين العقائد مما يمهِّد الطريق لهم ليتغلغلوا داخل شعوب الأرض، ويكونوا هم المستفيدين في النهاية على حساب الأديان الأخرى جميعاً.
إن هذه الحركة تدور في فلك الحركات المسخَّرة لخدمة الصهيونية العالمية؛ إذ إن التشابه بين هذه الحركات يدلُّ على أنها ذات أصل واحد، وتعمل لهدف مشترك واحد. إن الثراء الفاحش الذي يتحرَّك فوقه صن مون ليشير إلى الجهة التي تموله، وتقف وراءه لتستفيد من عمله ودعوته في تفتيت الأديان، وتحطيم الأخلاق. الانتشار ومواقع النفوذ: تتمتع هذه الحركة بوجود ضخم في جنوب ووسط أمريكا إذ إن لهم علاقات قوية مع كبار السياسيين في تشيلي وأرجواي والأرجنتين وهندوراس وبوليفيا. في أيرلندا لهم مركز وكنيسة اسمها الكنيسة التوحيدية، وتجدر الإشارة إلى أن لأيرلندا دوراً كبيراً في دعم أمثال هذه الحركات. لهم استثمارات في جنوب كوريا، وقد سمحت لهم حكومة سيول بإقامة كنيسة لهم خارج العاصمة. - إنهم متغلغلون في الجناح الأيمن للحزب الجمهوري بالولايات المتحدة، كما يشكلون الجناح الأيمن للدكتاتورية في أمريكا الجنوبية. - يمتلك زعيمهم عدة عقارات في العالم، وشركات ومطاعم وأراض، ومحلات لبيع المجوهرات وشركة للنشر تسمَّى Paragon House كما أسَّس جريدة الواشنطن تايمز التي يوزَّع منها (75) ألف نسخة في اليابان ونيويورك وأرجواي وقبرص، ولديه فندق نيويوركر New Yorker في مانهاتن. ويتضح مما سبق: أن المونية حركة مشبوهة، تدعو إلى القضاء على كلِّ الأديان، وابتداع دين جديد، ينصهر في بوتقة المتنبي الكوري صن مون، ويجذب الشباب إليه، مغرياً إياهم بالانحراف، والانفصال عن أسرهم، والغرق في بحور الملذَّات؛ خدمة لأهداف الصهيونية العالمية. مراجع للتوسع: - جريدة المسلمون الأسبوعية، العدد (35) , (21 محرم 1406هـ/ 5 أكتوبر 1985) م - وكذلك أعداد (36، 37، 38). - جريدة الواشنطن بوست تاريخ (28/ 8/1983) م. - باللغة الإنكليزية: - Carol Cultrer: Are religions Cults Dangerous? The Mercier Press, Dublin and Cork, 1984. - باللغة الفرنسية: - Gibert Picard: L’enfer des Sectes, Editions le carrousel – Fn Paris, 1984. - باللغة الإسبانية: - Pepe redriguez: Esclavos De un Mesias. Barcelona. 1984. ¤ الموسوعة الميسرة للندوة العالمية للشباب الإسلامي – بتصرف |
موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية
|
يبلغ عدد المبشِّرين في أنحاء العالم ما يزيد على (220) ألف منهم (138000) كاثوليكي، والباقي وعددهم (62000) من البروتستانت.
- لقد بدأ التنصير، وتوسَّع إثر الانهزامات التي مُني بها الصليبيون طوال قرنين من الزمان (1099 - 1254) م, أنفقوهما في محاولة الاستيلاء على بيت المقدس، وانتزاعه من أيدي المسلمين. - الأب اليسوعي ميبز يقول: (إن الحروب الصليبية الهادئة التي بدأها مبشرونا في القرن السابع عشر لا تزال مستمرة إلى أيامنا، إن الرهبان الفرنسيين والراهبات الفرنسيات لايزالون كثيرين في الشرق). - يرى المستشرق الألماني بيكر Becker بأن (هناك عداء من النصرانية ضد الإسلام، بسبب أن الإسلام عندما أنتشر في العصور الوسطى أقام سدًّا منيعاً في وجه انتشار النصرانية، ثم إن الإسلام قد امتدَّ إلى البلاد التي كانت خاضعة لصولجانها). - التنصير في أساسه يهدف إلى تمكين الغرب النصراني من البلاد الإسلامية، وهو مقدِّمة أساسية للاستعمار، وسبب مباشر لتوهين قوة المسلمين وإضعافها. ¤الموسوعة الميسرة للندوة العالمية للشباب الإسلامي |
موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية
|
لقد كان الاستشراق وليد الاحتكاك بين الشرق الإسلامي والغرب النصراني أيام الصليبيين، وعن طريق السفارات والرحلات. ويلاحظ دائما أن هناك تقارباً وتعاوناً بين الثالوث المدمر: التنصير والاستشراق والاستعمار، والمستعمرون يساندون المستشرقين والمنصرين؛ لأنهم يستفيدون منهم كثيراً في خططهم الاستعمارية.
- كان الدافع الأساسي هو الجانب اللاهوتي النصراني، بغية تحطيم الإسلام من داخله بالدسِّ والكيد والتشويه، ولكن الاستشراق بعد ذلك وفي الآونة الأخيرة بدأ يتحلَّل من هذا القيد نوعاً ما، ليتوجه توجهاً أقرب إلى الروح العلمية. ¤الموسوعة الميسرة للندوة العالمية للشباب الإسلامي |
موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية
|
- تأثر الصابئة بكثير من الديانات والمعتقدات التي احتكوا بها.
- أشهر فرق الصابئة قديماً أربعة هي: أصحاب الروحانيات، وأصحاب الهياكل، وأصحاب الأشخاص، والحلولية. - لقد ورد ذكرهم في القرآن مقترناً باليهود والنصارى والمجوس والمشركين (انظر الآيات: (62 - البقرة) , (69 - المائدة)، (17 - الحج)، ولهم أحكام خاصة بهم من حيث جواز أخذ الجزية منهم أو عدمها أسوة بالكتابيين من اليهود والنصارى. - عرف منهم الصابئة الحرانيون الذين انقرضوا، والذين تختلف معتقداتهم بعض الشيء عن الصابئة المندائيين الحاليين. - لم يبق من الصابئة اليوم إلا صابئة البطائح المنتشرون على ضفاف الأنهر الكبيرة في جنوب العراق وإيران. - تأثروا باليهودية، وبالمسيحية، وبالمجوسية؛ لمجاورتهم لهم. - تأثروا بالحرانيين الذين ساكنوهم في حران عقب طردهم من فلسطين، فنقلوا عنهم عبادة الكواكب والنجوم أو على الأقل تقديس هذه الكواكب وتعظيمها، وتأثَّروا بهم في إتقان علم الفلك وحسابات النجوم. - تأثروا بالأفلاطونية الحديثة التي استقرت فلسفتها في سوريا، مثل الاعتقاد بالفيض الروحي على العالم المادي. - تأثَّروا بالفلسفة الدينية التي ظهرت أيام إبراهيم الخليل - عليه السلام - فقد كان الناس حينها يعتقدون بقدرة الكواكب والنجوم على التأثير في حياة الناس. - تأثروا بالفلسفة اليونانية التي استقلت عن الدين، ويلاحظ أثر هذه الفلسفة اليونانية في كتبهم. - لدى الصابئة قسط وافر من الوثنية القديمة يتجلى في تعظيم الكواكب والنجوم على صورة من الصور. |
موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية
|
- في القرن الخامس عشر قبل الميلاد كان هناك سكان الهند الأصليين من الزنوج الذين كانت لهم أفكار ومعتقدات بدائية.
- جاء الغزاة الآريون مارِّين في طريقهم بالإيرانيين، فتأثَّرت معتقداتهم بالبلاد التي مروا بها، ولما استقروا في الهند حصل تمازج بين المعتقدات تولَّدت عنه الهندوسية كدين فيه أفكار بدائية من عبادة الطبيعة والأجداد والبقر بشكل خاص. - وفي القرن الثامن قبل الميلاد تطورت الهندوسية عندما وُضع مذهب البرهمية، وقالوا بعبادة براهما. - عصفت بالديانة الهندية حركتان قويتان هما الجينية والبوذية. - ظهرت قوانين منو فأعادت إليها القوة، وذلك في القرن الثاني والثالث قبل الميلاد. - انتقلت فكرة التثليث من الفكر الهندي إلى الفكر النصراني بعد رفع المسيح عليه السلام. - انتقل فكر التناسخ والحلول ووحدة الوجود إلى بعض المسلمين الذين ضلُّوا، فظهرت هذه العقائد عند بعض المتصوفة، وكذلك ظهرت عند الإسماعيلية وعند الفرق الضالة كالأحمدية. |
موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية
|
تشتمل عقائد البوذية وأفكارها وتعاليمها على خرافات كثيرة، وأباطيل عديدة، ومتناقضات شتى فمن ذلك:
1 - الإلحاد: فقد كان بوذا في أول دعوته لا يتكلم عن الألوهية، ويتحاشى الخوض في أمور الغيب، ثم تحوَّل بعد ذلك إلى محاربة الاعتقاد بوجود الله، وصار ينادي بالإلحاد. 2 - يعتقد البوذيون أن بوذا هو ابن الله، وهو المخلِّص للبشرية من مآسيها وآلامها، وأنه يتحمَّل عنهم خطاياهم. 3 - يقولون: قد دلَّ على ولادة بوذا نجم ظهر في أفق السماء، ويدعونه (نجم بوذا). 4 - يقولون: لما ولد بوذا فرحت جنود السماء، ورتَّلت الملائكة أناشيد المحبة للمولود المبارك. 5 - يقولون بقانون الجزاء، وإنكار البعث واليوم الآخر؛ فهم يرون أن الإنسان لا بدَّ له من الجزاء على أعماله خيراً وشرًّا، لكنهم يرون ذلك يحدث في الحياة الدنيا، لذلك فهم ينكرون البعث، وينكرون الجنة والنار. 6 - يعتقدون أن هيئة بوذا قد تغيرت في آخر أيامه؛ حيث نزل عليه نور أحاط برأسه، وأضاء من جسده نور عظيم؛ فقال الذين رأوه: ما هذا بشرا إن هو إلا إله عظيم. 7 - يصلي البوذيون لبوذا، ويعتقدون أنه سيدخلهم الجنة، وتُؤَدَّى الصلاةُ عندهم في اجتماعات يحضرها كثير من أتباعه. 8 - لما مات بوذا قال أتباعه: صعد إلى السماء بجسده بعد أن أكمل مهمته على الأرض. 9 - يقولون بتناسخ الأرواح: وذلك ناتج عن كفرهم باليوم الآخر؛ حيث قادهم ذلك إلى القول بتناسخ الأرواح؛ فهم يعتقدون أن من مات انتقلت روحه إلى حي جديد؛ فإذا مات الثاني انتقلت إلى الثالث، وهكذا إلى ما لا نهاية له؛ ثم يزعمون - بناء على قانون الجزاء - أن الروح تلقى جزاءها من النعيم أو الشقاء أثناء تنقلها من جسم إلى جسم. وهذا الاعتقاد سرى إلى كثير من الأديان والفرق التي تقول بالتناسخ. 10 - يؤمنون برجعة بوذا ثانية إلى الأرض؛ ليعيد السلام والبركة إليها. 11 - في تعاليم بوذا الدعوة إلى المحبة، والتسامح، والتعامل بالحسنى، والتصدق على الفقراء، وترك الغنى والترف، وحمل النفس على التقشف والخشونة، وفيها تحذير من النساء، والمال، وترغيب في البعد عن الزواج. 12 - ويرى بوذا أن أساس التدين هو التأمل ومقاومة النزعات، وقد وضع أربع حقائق أساسية في زعمه وهي: أ - الحياة هي العناء. ب - الشهوات هي أصل هذا العناء. جـ - يتوقف العناء عندما تتوقف الشهوات. د - إبطال الشهوات، ويتمُّ باتباع ما سمَّاه بالصراط النبيل، ويقوم هذا الصراط على توافر الصحة، والصواب في الاعتقاد، والعزم، والقول، والسلوك، والمهنة التي تتخذ لكسب العيش، والجهد، والتأمل الفكري والروحي. وبهذه الذاتية الروحية الفكرية السلوكية يصل إلى النرفانا وهي السعادة القصوى، وعندها تبطل الشهوات، والعواطف ويتوقف تناسخ الأرواح؛ فالبوذي السعيد هو الذي ينجو من الدوران في محيط الولادة والموت؛ إذ يصل إلى النرفانا حيث لا ولادة ولا موت، وهذه المرحلة هي انعدام التناسخ الذي هو من ضرورات النفس الشقية. ويُروى أن بوذا توصَّل إلى ذلك خلال ست سنوات من تحمل العناء ورياضة النفس، وأنه أنفق السنوات الخمس والأربعين الباقية من عمره في تعليم ما أنتهى إليه من تجربته. فالنرفانا - إذاً - يبلغها البوذي بعد أن يحطِّم جميع القيود والأغلال التي تُقيِّد نفسه، وتمنعها من إدراك الحقائق، ويعرض عن شهوة البقاء، ويتملَّكُه عقل هادئ مطمئن لا يتسرَّب إليه الخطأ، ويتجرَّد عن كل الأماني والرغبات والجهالات وأسباب الخديعة والإغراء. بعد هذا كله يبلغ البوذي طور النرفانا. وقد قيل: إن النرفانا هي الاتحاد بالإله، ولكن البوذية لا تعرف إلهاً. 13 - التسول والبطالة: فمن تعاليم البوذية أنها توصي أتباعها بالتخلي عن أموالهم وعقاراتهم وحرفهم، وتوصيهم بمد اليد للآخرين بالتسول والاستجداء؛ فهم يعيشون على البطالة والكسل. وهذه تعاليمُ لا تستقيم معها الحياة، ولا ترتقي بها الأمم بخلاف الإسلام؛ فإنه دين يأمر بالعمل والنشاط والقوة، وينهى عن الكسل والبطالة. هذه نبذة عن عقائد البوذية ويلاحظ التشابه الكبير بينها وبين النصرانية مما يؤكد تأثر النصرانية بها في كثير من المعتقدات. ¤ رسائل في الأديان والفرق والمذاهب لمحمد الحمد - ص 40 ¬_________ (¬1) انظر ((الديانات والعقائد)) (4/ 333)، و ((ذيل الملل والنحل)) (15 - 18)، و ((الموجز في الأديان والمذاهب المعاصرة)) (ص86 - 88). |
موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية
|
ليس هناك ما يثبت أن للبوذية جذوراً فكرية أو عقائدية، إلا أن الناظر في الديانات الوضعية التي سبقتها أو عاصرتها يجد بينها وبين البوذية شبهاً من بعض الجوانب مثل:
الهندوسية: في القول بالتناسخ والاتجاه نحو التصوف. الكونفوشيوسية: في الاتجاه إلى الاعتناء بالإنسان، وتخليصه من آلامه. ينبغي أن يلاحظ التشابه الكبير بينها وبين النصرانية، وبخاصة فيما يتعلق بظروف ولادة المسيح وحياته والظروف التي مرَّ بها بوذا مما يؤكد تأثر النصرانية بها في كثير من معتقدات هذه الأخيرة. ¤الموسوعة الميسرة للندوة العالمية للشباب الإسلامي |
موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية
|
الجينية ثورة على الهندوسية مستنكرة آلهتها وطبقاتها، لكنها لم تستطع أن تتحرر من طابعها العام ومن سماتها البارزة، فاتخذت لنفسها آلهة خاصة بها.
- الفكر الجيني يقوم أصلاً على أفكار هندوسية كالانطلاق، والكارما، والنجاة، والتناسخ وتكرار المولد، والدعوة إلى السلبية، مع صبغ هذه المفاهيم بالصبغة الجينية وتطويرها؛ لتلائم المعتقد الجيني. - تَدَّعي الجينية بأن فلسفتها ترجع إلى الجيني الأول الذي كان حيًّا في التاريخ البعيد، وإلى جيناتها الذين تتابعوا واحداً إثر الآخر حتى كان الجيني الثالث والعشرون بارسواناث؛ والرابع والعشرون مهافيرا الذي استقرت على يديه معالم هذه الديانة التي تشكَّلت خلال مرحلة طويلة من الزمن. - كان ظهورها مواكباً لظهور البوذية، وكلتاهما ثورتان داخل الفكر الهندوسي. - يعتقد بأن النصرانية قد أخذت عن الجينية فكرة الصيام عن كل ما فيه حياة؛ إذ إنهم يصومون عن اللحوم وعن جميع المشتقات الحيوانية لأيام معدودة، ويعيشون خلال ذلك على الأطعمة النباتية. ¤الموسوعة الميسرة للندوة العالمية للشباب الإسلامي |
موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية
|
ترجع حركتهم في الأصل إلى ظهور حركة فيسنافا باختي التي بدأت بالظهور بين الهندوس في منطقة التأمل، ووصلت إلى الشمال على يد رامانوجا (1050 - 1137) م.
وفي القرنين الرابع عشر والخامس عشر، وبعد الاحتكاك بالمسلمين، انتشرت هذه الحركة في سهل الغانج. لذا يقال بأن ناناك (1469 - 1538) م, لم يكن الأول في مذهبه السيخي هذا، وإنما سبقه إليه شخص آخر صوفي اسمه كابير (1440 - 1518) م, درس الدين الإسلامي والهندوكي، وكان حركة اتصال بين الدينين، إذ أراد أن يؤلِّف بينهما عن طريق التوجيه والتأمل الصوفي. كان كابير هذا يتساهل في قبول كثير من العقائد الهندوكية، ويضمُّها إلى الإسلام شريطة بقاء التوحيد أساساً، لكنه لم يفلح إذ انقرض مذهبه بموته، مخلفاً مجموعة أشعار باللغة البنجابية، تُظهر تمازج العقيدتين المختلفتين الهندوسية والإسلامية، مرتبطتين برباط صوفي يجمع بينهما. أصل نظريتهم عن الكون مستمدة من النصوص الهندوسية. إنهم يحرقون موتاهم كالهندوس. |
موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية
|
وأثبتوا أصلين، إلا أن المجوس الأصلية زعموا أن الأصلين لا يجوز أن يكونا قديمين أزليين، بل النور أزلي، والظلمة محدثة، ثم لهم اختلاف في سبب حدوثها:
أمن النور حدثت، والنور لا يحدث شرا جزئيا، فكيف يحدث أصل الشر؟ أم من شيء آخر، ولا شيء يشرك النور في الإحداث والقدم، وبهذا يظهر خبط المجوس. وهؤلاء يقولون: المبدأ الأول من الأشخاص كيومرث، وربما يقولون: زروان الكبير، والنبي الثاني زردشت. والكيومرثية يقولون: كيومرث هو آدم عليه السلام. وتفسير كيومرث هو الحي الناطق. وقد ورد في تواريخ الهند والعجم أن كيومرث هو آدم عليه السلام، ويخالفهم سائر أصحاب التواريخ. ¤ الملل والنحل للشهرستاني – 1/ 278 1 - الكيومرثية: أصحاب المقدم الأول كيومرث أثبتوا أصلين: يزدان وأهرمن. وقالوا: يزدان أزلي قديم، وأهرمن محدث مخلوق. وقالوا: إن سبب خلق أهرمن أن يزدان فكَّر في نفسه أنه لو كان لي منازع كيف يكون؟ وهذه الفكرة كانت رديئة غير مناسبة لطبيعة النور، فحدث الظلام من هذه الفكرة، وسمِّي أهرمن، وكان مطبوعا على الشر والفتنة والفساد والفسق والضرر والإضرار، فخرج على النور، وخالفه طبيعة وفعلا، وجرت محاربة بين عسكر النور وعسكر الظلمة. ثم إن الملائكة توسَّطوا فصالحوا على أن يكون العالم السفلي خالصا لأهرمن سبعة آلاف سنة، ثم يخلي العالم، ويسلمه إلى النور، والذين كانوا في الدنيا قبل الصلح أبادهم وأهلكهم، ثم بدأ برجل يقال له: كيومرث. وحيوان يقال له: ثور. فقتلهما فنبت من مسقط ذلك الرجل ريباس، وخرج من أصل ريباس رجل يسمى ميشة، وامرأة تسمى ميشانة، وهما أبو البشر، ونبت من مسقط الثور الأنعام وسائر الحيوانات. وزعموا أن النور خيَّر الناس- وهم أرواح بلا أجساد- بين أن يرفعهم عن مواضع أهرمن، وبين أن يلبسهم الأجساد فيحاربون أهرمن، فاختاروا لبس الأجساد ومحاربة أهرمن، على أن تكون لهم النصرة من عند النور والظفر بجنود أهرمن وحسن العاقبة وعند الظفر به وإهلاك جنوده تكون القيامة. فذاك سبب الامتزاج وهذا سبب الخلاص. ¤ الملل والنحل للشهرستاني – 1/ 278 2 - الزروانية: قالوا: إن النور أبدع أشخاصا من نور كلها روحانية نورانية ربانية، ولكن الشخص الأعظم الذي اسمه زروان شكَّ في شيء من الأشياء، فحدث أهرمن الشيطان- يعني إبليس- من ذلك الشك. وقال بعضهم: لا، بل إن زروان الكبير قام فزمزم تسعة آلاف وتسعمائة وتسعا وتسعين سنة؛ ليكون له ابن، فلم يكن، ثم حدَّث نفسه وفكَّر وقال: لعل هذا العلم ليس بشيء. فحدث أهرمن من ذلك الهم الواحد، وحدث هرمز من ذلك العلم، فكانا جميعا في بطن واحد، وكان هرمز أقرب من باب الخروج، فاحتال أهرمن الشيطان حتى شقَّ بطن أمه، فخرج قبله وأخذ الدنيا. وقيل: إنه لما مثل بين يدي زروان، فأبصر ورأى ما فيه من الخبث والشرارة والفساد أبغضه ولعنه وطرده، فمضى واستولى على الدنيا. وأما هرمز فبقي زمانا لا يد له عليه، وهو الذي اتخذه قوم ربًّا وعبدوه؛ لما وجدوا فيه من الخير والطهارة والصلاح وحسن الخلق. وزعم بعض الزروانية أنه لم يزل كان مع الله شيء رديء: إما فكرة رديئة وإما عفونة رديئة، وذلك هو مصدر الشيطان, وزعموا أن الدنيا كانت سليمة من الشرور والآفات والفتن، وكان أهلها في خير محض ونعيم خالص، فلما حدث أهرمن حدثت الشرور والآفات والفتن والمحن، وكان بمعزل عن السماء، فاحتال حتى خرق السماء وصعد. وقال بعضهم: كان هو في السماء، والأرض خالية عنه، فاحتال حتى خرق السماء ونزل إلى الأرض بجنوده كلها، فهرب النور بملائكته، واتبعه الشيطان حتى حاصره في جنته، وحاربه ثلاثة آلاف سنة لا يصل الشيطان إلى الرب تعالى، ثم توسط الملائكة وتصالحا على أن يكون إبليس وجنوده في قرار الأرض تسعة آلاف سنة بالثلاثة آلاف التي قاتله فيها، ثم يخرج إلى موضعه. ورأى الربُّ - تعالى عن قولهم - الصلاح في احتمال المكروه من إبليس وجنوده، وأن لا ينقض الشرط حتى تنقضي المدة المضروبة للصلح، فالناس في البلايا والفتن والخزايا والمحن إلى انقضاء المدة، ثم يعودون إلى النعيم الأول، وشرط إبليس عليه أن يمكنه من أشياء يفعلها، ويطلقه في أفعال رديئة يباشرها، فلما فرغا من الشرط أشهد عليهما عدلين ودفعا سيفيهما إليهما، وقالا لهما: من نكث فاقتلاه بهذا السيف. ولست أظن عاقلا يعتقد هذا الرأي القائل، ويرى هذا الاعتقاد المضمحل الباطل، ولعله كان رمزا إلى ما يتصور في العقل، ومن عرف الله سبحانه وتعالى بجلاله وكبريائه لم يسمح بهذه الترهات عقله، ولم يسمع مثل هذه الترهات سمعه. وأقرب من هذا ما حكاه أبو حامد الزوزني أن المجوس زعمت أن إبليس كان لم يزل في الظلمة والجو خلاء بمعزل عن سلطان الله، ثم لم يزل يزحف ويقرب بحيله حتى رأى النور، فوثب وثبة فصار في سلطان الله في النور، وأدخل معه هذه الآفات والشرور، فخلق الله تعالى هذا العالم شبكة، فوقع فيها وصار متعلقا بها، لا يمكنه الرجوع إلى سلطانه، فهو محبوس في هذا العالم، مضطرب في الحبس، يرمي بالآفات والمحن والفتن إلى خلق الله تعالى، فمن أحياه الله رماه بالموت، ومن أصحه رماه بالسقم، ومن سره رماه بالحزن، فلا يزال كذلك إلى يوم القيامة. وفي كل يوم ينقص سلطانه حتى لا تبقى له قوة، فإذا كانت القيامة ذهب سلطانه، وخمدت نيرانه، وزالت قوته، واضمحلت قدرته، فيطرحه في الجو، والجو ظلمة ليس لها حد ولا منتهى، ثم يجمع الله تعالى أهل الأديان فيحاسبهم ويجازيهم على طاعة الشيطان وعصيانه. وأما المسخية فقالت: إن النور كان وحده نورا محضا، ثم انمسخ بعضه فصار ظلمة، وكذلك الخرمدينية قالوا بأصلين، ولهم ميل إلى التناسخ والحلول، وهم لا يقولون بأحكام وحلال وحرام. ولقد كان في كل أمة من الأمم قوم مثل الإباحية والمزدكية والزنادقة والقرامطة كان تشويش ذلك الدين منهم، وفتنة الناس مقصورة عليهم. ¤ الملل والنحل للشهرستاني – 1/ 278 3 - الزردشتية: أولئك أصحاب زردشت بن يورشب الذي ظهر في زمان كشتاسب بن لهراسب الملك، وأبوه كان من أذربيجان وأمه من الري واسمها دغدوية. وزعموا أن لهم أنبياء وملوكا أولهم كيومرث، وكان أول من ملك الأرض، وكان مقامه بإصطخر، وبعده أوشنهك بن فراوك، ونزل أرض الهند، وكانت له دعوة ثم, وبعده طمهودت، وظهرت الصابئة في أول سنة من ملكه, وبعده أخوه جم الملك, ثم بعده أنبياء وملوك: منهم منوجهر ونزل بابل وأقام بها, وزعموا أن موسى عليه السلام ظهر في زمانه حتى انتهى الملك إلى كشتاسب بن لهراسب، وظهر في زمانه زردشت الحكيم. وزعموا أن الله عزَّ وجلَّ خلق من وقت ما في الصحف الأولى والكتاب الأعلى من ملكوته خلقا روحانيا، فلما مضت ثلاثة آلاف سنة أنفذ مشيئته في صورة من نور متلألئ على تركيب صورة الإنسان، وأحفَّ به سبعين من الملائكة المكرمين، وخلق الشمس والقمر والكواكب والأرض، وبني آدم غير متحركة ثلاثة آلاف سنة، ثم جعل روح زردشت في شجرة أنشأها في أعلى عليين، وأحفَّ بها سبعين من الملائكة المكرمين، وغرسها في قمة جبل من جبال أذربيجان، يعرف باسمو يذخر، ثم مازج شبح زردشت بلبن بقرة، فشربه أبو زردشت فصار نطفة ثم مضغة في رحم أمه، فقصدها الشيطان وعيرها، فسمعت أمه نداء من السماء فيه دلالة على برئها فبرئت. ثم لما ولد ضحك ضحكة تبينها من حضر، فاحتالوا على زردشت حتى وضعوه بين مدرجة البقر ومدرجة الخيل ومدرجة الذئب، فكان ينهض كل واحد منهم لحمايته من جنسه، ونشأ بعد ذلك إلى أن بلغ ثلاثين سنة، فبعثه الله تعالى نبيا ورسولا إلى الخلق فدعا كشتاسب الملك، فأجابه إلى دينه وكان دينه عبادة الله والكفر بالشيطان، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، واجتناب الخبائث. ¤ الملل والنحل للشهرستاني – 1/ 281 وتدَّعي الزردشتية له معجزات كثيرة: منها: دخول قوائم فرس كشتاسب في بطنه، وكان زردشت في الحبس فأطلقه، فانطلقت قوائم الفرس. ومنها: أنه مرَّ على أعمى بالدينور، فقال: خذوا حشيشة - وصفها لهم - واعصروا ماءها في عينه فإنه يبصر، ففعلوا فأبصر الأعمى. ومن المجوس الزردشتية صنف يقال لهم: السيسانية والبهافريدية. رئيسهم رجل يقال له: سيسان من رستاق نيسابور، من ناحية يقال لها: خواف. خرج في أيام أبي مسلم صاحب الدولة، وكان زمزميا في الأصل يعبد النيران، ثم ترك ذلك ودعا المجوس إلى ترك الزمزمة، ورفض عبادة النيران، ووضع لهم كتابا أمرهم فيه بإرسال الشعور. وحرَّم عليهم الأمهات والبنات والأخوات، وحرَّم عليهم الخمر، وأمرهم باستقبال الشمس عند السجود على ركبة واحدة، وهم يتخذون الرباطات ويتباذلون الأموال، ولا يأكلون الميتة، ولا يذبحون الحيوان حتى يهرم. وهم أعدى خلق الله للمجوس الزمازمة، ثم إن موبذ المجوس رفعه إلى أبي مسلم فقتله على باب الجامع بنيسابور. وقال أصحابه: إنه صعد إلى السماء على برذون أصفر، وإنه سينزل على البرذون فينتقم من أعدائه. وهؤلاء قد أقروا بنبوة زردشت، وعظَّموا الملوك الذين يعظمهم زردشت، ومما أخبر به زردشت في كتاب زند أوستا أنه قال: سيظهر في آخر الزمان رجل اسمه أشيزريكا- ومعناه الرجل العالم- يزين العالم بالدين والعدل، ثم يظهر في زمانه بتياره، فيوقع الآفة في أمره وملكه عشرين سنة ثم يظهر بعد ذلك أشيزريكا على أهل العلم، ويحيي العدل ويميت الجور، ويرد السنن المغيرة إلى أوضاعها الأول، وتنقاد له الملوك، وتتيسر له الأمور، وينصر الدين والحق، ويحصل في زمانه الأمن والدعة وسكون الفتن وزوال المحن. ¤ الملل والنحل للشهرستاني – 1/ 281 مقالة زردشت في المبادئ: وقد أورد الجيهاني إحدى مقالات زردشت في المبادئ وهي: إن دين زردشت هو الدعوة إلى دين مارسيان، وإن معبوده أورمزد. والملائكة المتوسطون في رسالاته إليه: بهمن وأرديبهشت وشهريور وأسفندارمز وخرداد ومرداد. وقد رآهم زردشت واستفاد منهم العلوم. وجرت مساءلات بينه وبين أورمزد من غير توسط: أولها: قال زردشت: ما الشيء الذي كان ويكون وهو الآن موجود؟ قال أورمزد: أنا والدين والكلام. أما الدين: فعمل أورمزد وكلامه وإيمانه. وأما الكلام: فكلامه. والدين أفضل من الكلام؛ إذ العمل أفضل من القول. وأول من أبدع من الملائكة بهمن، وعلمه الدين وخصه بموضع النور مكانا، وأقنعه بذاته ذاتا، فالمبادئ على هذا الرأي ثلاثة. السؤال الثاني: قال: لم لم تخلق الأشياء كلها في زمان غير متناه؟، إذ قد جعلت الزمان نصفين: نصفه متناه ونصفه غير متناه، فلو خلقتها في زمان غير متناه كان لا يستحيل شيء منها. قال أورمزد: فإن كان لا يمكن أن تفنى ثم آفات الأثيم إبليس. السؤال الثالث: قال مماذا خلقت هذا العالم؟ قال أورمزد: خلقت جميع هذا العالم من نفسي، أما أنفس الأبرار فمن شعر رأسي، وأما السماء فمن أم رأسي، والظفر والمعاضد فمن جبهتي، والشمس فمن عيني، والقمر فمن أنفي، والكواكب فمن لساني، وسروس وسائر الملائكة فمن أذني، والأرض فمن عصب رجلي. وأريت هذا الدين أولا كيومرث، فشعر به، وحفظه من غير تعلم ولا مدارسة. قال زردشت: فلماذا أريت هذا الدين كيومرث بالوهم وألقيته إليَّ بالقول؟ قال أورمزد: لأنك تحتاج أن تتعلم هذا الدين وتعلِّمه غيرك، وكيومرث لم يجد من يقبله، فأمسك عن التكلم وهذا خير لك؛ لأني أقول وأنت تسمع، وأنت تقول والناس يسمعون ويقبلون. فقال زردشت لأورمزد: هل أريت هذا الدين أحدا قبلي غير كيومرث؟ قال: بلى أريت هذا الدين جم خمسين نجما مخمسا من أجل إنكاره الضحاك. قال: إذا كنت عالما أنه لا يقبله فلماذا أريته؟ قال: لو لم أره لما صار إليك، وقد أريته أيضا أفريدون وكيكاوس وكيقباد وكشتاسب. قال زردشت: خلقك العالم وترويجك الدين لأي شيء؟ قال: لأن فناء العفريت الأثيم لا يمكن إلا بخلق العالم وترويج الدين، ولو لم يتروج أمر الدين لما أمكن أن تتروج أمور العالم ¤ الملل والنحل للشهرستاني – 1/ 285 |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
أولا: الإله التصور اليهودي للإله Jewish Concept of God توجد داخل اليهودية، من حيث هي تركيب جيولوجي تراكمي، طبقة توحيدية تدور حول الإيمان بالإله الواحد الذي لا جسد له ولا شبيه، الذي لا تدركه الأبصار وتعتمد عليه المخلوقات كافة ولا يعتمد هو على أيٍّ منها إذ هو يتجاوزها جميعاً ويسمو عليها. وكل مظاهر الطبيعة والتاريخ ليست إلا تعبيراً عن قدرته، فهو روح الكون غير المنظورة، السارية فيه، والتي تُمد الكون بالحياة؛ وتسمو عليه وتلازمه في آن واحد. وقد وصل التوحيد في اليهودية إلى ذروته على يد بعض الأنبياء الذين خلَّصوا التصور اليهودي للإله من الشوائب الوثنية الحلولية التي علقت به، فصار أكثر إنسانية وشمولاً وسمواً، وأقل عزلة وقومية وتعالياً. وقد استمر التيار التوحيدي في مختلف فترات تاريخ اليهودية. وتتضمن الصلوات اليهودية دعاء الشماع، أي شهادة التوحيد اليهودية وقصائد مثل «آني مأمِّين» (إني مؤمن) و «يجدال» (تنزَّه الرب) التي تؤكد فكرة التوحيد. وقد سار الكثير من اليهود إلى حتفهم في العصور الوسطى في الغرب دفاعاً عن وحدانية الإله وتأكيداً لها. ولكن اليهودية، كتركيب جيولوجي، تراكمت داخلها طبقات أخرى، وما التوحيد سوى طبقة واحدة ضمن طبقات مختلفة. فالعهد القديم، كما يتضح في مصادره المتعددة، يطرح رؤى متناقضة للإله تتضمن درجات مختلفة من الحلول بعضها أبعد ما يكون عن التوحيد. وتتبدَّى الحلولية في الإشارات العديدة إلى الإله، التي تصفه ككائن يتصف بصفات البشر، فهو يأكل ويشرب ويتعب ويستريح ويضحك ويبكي، غضوب متعطش للدماء، يحب ويبغض، متقلب الأطوار، يُلحق العذاب بكل من ارتكب ذنباً سواء ارتكبه عن قصد أو ارتكبه عن غير قصد، ويأخذ الأبناء والأحفاد بذنوب الآباء، بل يحس بالندم ووخز الضمير (خروج 32/10 ـ 14) ، وينسى ويتذكر (خروج 2/23 ـ 24) ، وهو ليس عالماً بكل شيء، ولذا فهو يطلب من أعضاء جماعة يسرائيل أن يرشدوه بأن يصبغوا أبواب بيوتهم بالدم حتى لا يهلكهم مع أعدائهم من المصريين عن طريق الخطأ (خروج 12/13 ـ 14) . وهو إله متجرِّد، ولكنه في الوقت نفسه يأخذ أشكالاً حسية محددة، فهو يطلب إلى اليهود (جماعة يسرائيل) أن يصنعوا له مكاناً مقدَّساً ليسكن في وسطهم (خروج 25/8) ، كما يسير أمام جماعة يسرائيل على شكل عمود دخان في النهار كي يهديهم الطريق، أما في الليل فكان يتحول إلى عمود نار كي يضيء لهم (خروج 13/21/22) . وهو إله الحروب (خروج 15/3 ـ 4) يعلِّم يدي داود القتال (صمويل ثاني 22/30 ـ 35) ، يأمر اليهود بقتل الذكور، بل الأطفال والنساء (عدد 31/1 ـ 12) ، وهو إله قوي الذراع يأمر شعبه بألا يرحم أحداً (تثنية 7/16 ـ 18) ، وهو يعرف أن الأرض لا تُنال إلا بحد السيف. ولذا، فهو يأمر شعبه المختار بقتل جميع الذكور في المدن البعيدة عن أرض الميعاد «أما سكان الأرض نفسها فمصيرهم الإبادة ذكوراً كانوا أم إناثاً أم أطفالاً» (تثنية 20/10 ـ 18) وذلك لأسباب سكانية عملية مفهومة. والمقاييس الأخلاقية لهذا الإله تختلف باختلاف الزمان والمكان، ولذا فهي تتغيَّر بتغير الاعتبارات العملية، فهو يأمر اليهود (جماعة يسرائيل) بالسرقة ويطلب من كل امرأة يهودية في مصر أن تطلب من جارتها ومن نزيلة بيتها «أمتعة فضة وأمتعة ذهب وثياباً وتضعونها على بنيكم وبناتكم فتسلبون المصريين» (خروج 3/22) . وهكذا، فإننا نجد منذ البداية، أن فكرة الإله الواحد المتسامي تتعايش مع أفكار أخرى متناقضة معها، مثل تشبيه الإله بالبشر، ومثل فكرة الشعب المختار، فهي أفكار تتناقض مع فكرة الوحدانية التي تطرح فكرة الإله باعتباره إله كل البشر الذي يسمو على العالمين. وفي إطار هذه الرؤية للإله ليس من الغريب أن يسقط أعضاء جماعة يسرائيل في عبادة العجل الذهبي (ويتزعمها هارون أخو موسى) ، وأن يقبل العهد القديم عناصر وثنية مثل الترافيم والإيفود (الأصنام) ، وكلها تعبير عن رؤية حلولية مشركة لا تختلف كثيراً عما جاء في العهد القديم. وليس من الغريب أن نجد شعائر تدل على الثنوية في العبادة اليسرائيلية. ورغم أن الإله، حسب بعض نصوص العهد القديم، يفصح عن نفسه في الطبيعة والتاريخ ويتجاوزهما، فهو مصدر النظام في الطبيعة، وهو أيضاً الذي يجعل التاريخ في نظام الطبيعة وتناسقها، إلا أننا نجده داخل الإطار الحلولي الكموني يتحول من كونه حقيقة مطلقة تعلو على المادة (الكونية الطبيعية أو التاريخية) ويصبح امتداداً لما هو نسبي، وامتداداً للشعب اليهودي على وجه الخصوص. فيصبح الخالق امتداداً لوعي الأمة بنفسها، فيظل إلهاً قومياً خاصاً مقصوراً على الشعب اليهودي وحده، بينما نجد أن للشعوب الأخرى آلهتها (خروج 6/7) حتى تصبح وحدانية الإله من وحدانية الشعب. ولذا، نجد أن الشعب ككل، وليس الإنسان ذو الضمير الفردي، يشهد على وحدانية الإله في صلاة الشماع. ويظهر الاتجاه نفسه في أفكار دينية مثل الاختيار والوعد الإلهي وأرض الميعاد التي تصبح مقدَّسة ومختارة تماماً مثل الشعب (وتلاحُم الإله بالأرض والشعب هو الثالوث الحلولي) . ولهذا، ظلت اليهودية دين الشعب اليهودي (جماعة يسرائيل) وحده، ونجد أن الغرض الإلهي يتركز في هذا الشعب دون سواه، فقد اختير من بين جميع الشعوب ليكون المستودع الخاص لعطف يهوه. كما أن مجرى الطبيعة أو تاريخ البشر يدور بإرادة الإله حول حياة ومصير اليهود. ويتضح هذا في مفهوم التاريخ اليهودي المقدَّس الذي لا يمكن فهم تاريخ الكون بدونه، كما يتبدَّى في رؤية آخر الأيام حيث ترتبط صورة الآخرة والنشور في كتب الرؤى (أبوكاليبس) ، وفي بعض أجزاء العهد القديم، بسيادة اليهود على العالمين. ثم يتعمق الاتجاه الحلولي مع ظهور اليهودية التلمودية الحاخامية ويزداد الحلول الإلهي، فنجد أن القداسة تتعمق في الحاخامات من خلال مفهوم الشريعة الشفوية حيث يتساوى الوحي الإلهي بالاجتهاد البشري ويصبح الحاخامات ذوي إرادة مستقلة يقارعون الإله الحجة بالحجة، وتُجمَع آراؤهم في التلمود الذي يصبح أكثر قداسة من التوراة (التي يفترض أنها معادلة للإله وتحوي سر الكون) . وقد بلغ الحلول الإلهي درجة أن المشناه (التي تضم تفسير الحاخامات) شُبِّهت باللوجوس في اللاهوت المسيحي، أي أنها كلمة الإله المقدَّسة، كانت موجودة في عقله منذ الأزل. وتُستخدَم كلمة «ابن الله» للإشارة إلى الشعب اليهودي، أي أنه هو أيضاً اللوجوس. وتزداد أهمية اليهود كشعب مقدَّس، داخل الطبيعة والتاريخ، ويزداد التصاق الإله بهم وتحيُّزه لهم ضد أعدائهم. ويخلع التلمود على الإله صفات بشرية بشكل عام، ويهودية بشكل خاص، وبشكل أكثر تطرفاً من التوراة. وقد جاء في التلمود أنه بعد وصول الماشيَّح، سيجلس الإله على عرشه يقهقه فرحاً لعلو شأن شعبه، وهزيمة الشعوب الأخرى التي تحاول دون جدوى أن يكون لها نصيب في عملية الخلاص، أي أن الشعب اليهودي والتاريخ اليهودي يزدادان قداسة ومركزية في الدراما الكونية. ويقضي الإله وقته وهو يلعب مع حوت، ويبكي من أجل هدم الهيكل، ويندم على فعلته، وهو يلبس العمائم، ويجلس على عرشه، ويدرس التوراة ثلاث مرات يومياً. وتنسب إلى الإله صفات الحقد والتنافس، وهو يستشير الحاخامات في كثير من الأمور (ولكن يجب الانتباه إلى أن هذه الطبقة الجيولوجية الحلولية توجد إلى جانبها في التلمود نصوص كثيرة تؤكد وحدانية الإله وتساميه وتشجب النزعات التشبيهية) . ويصل الحلول إلى منتهاه وإلى درجة وحدة الوجود في تراث القبَّالاه، فهو تراث يكاد يكون خالياً تماماً من أي توحيد أو تجاوز أو علو للإله، وبحيث لا يصبح هناك فارق بين الجوهر الإلهي والجوهر اليهودي، ويصبح الفارق الأساسي هو بين الجوهر اليهودي المقدَّس وجوهر بقية البشر. ويصبح الفرق بين اليهود والأغيار فرقاً ميتافيزيقياً، فاليهود قد خُلقوا من مادة مقدَّسة (حل فيها الإله بروحه) مختلفة عن تلك المادة (الوضيعة العادية) التي خُلقت منها بقية البشر. ويكتسب الإله صفات بشرية، ولذا فهو يغازل الشعب اليهودي (بنت صهيون) ويدخل معه (أو معها) في علاقة عاطفية قوية ذات إيحاءات جنسية، وهي فكرة أصبحت أساسية في التراث القبَّالي. وتتضح النزعة نفسها في قصة الخلق في التراث القبَّالي، فالإله لا يخلق العالم من العدم وإنما صدرت عنه التجليات النورانية العشرة (سفيروت) التي تأخذ صورة آدم الأول أو القديم (آدم قدمون) أي أن صورة الإله هي صورة الإنسان، وتستقل التجليات العشرة تماماً عن الخالق حتى أنه يتحدث مع الشخيناه (التجلي العاشر) . كما أن التجلي المذكر للإله يطارد التجلي المؤنث. وتصبح تلاوة الشماع، حسب الفكر القبَّالي، هي المحاولة التي يبذلها اليهود ليتوحد التجلي الذكوري بالتجلي الأنثوي، ويجتمعان معاً بالمعنى الجنسي. وفي داخل التراث القبَّالي، يصبح التجلي العاشر (شخيناه) الذات الإلهية والتعبير الأنثوي عن الإله، وهو نفسه جماعة يسرائيل، أي أن الزواج بين الخالق والشعب يصبح هنا توحداً كاملاً. ويقوم هذا الشعب بتوزيع رحمة الإله على العالمين. ثم تصل الحلولية إلى ذروتها والشرك إلى قمته، حين يصبح الإنسان اليهودي شريكاً للإله في عملية الخلق نفسها، ويزداد الإله اعتماداً على الإنسان. وبعد عملية السقوط، وتَهشُّم الأوعية في القبَّالاه اللوريانية، تتفتت الذات الإلهية نفسها، وتتوزع الشرارات الإلهية، ولا يتأتى للإله أن يستعيد كماله ويحقق ذاته إلا من خلال شعبه اليهودي. فاليهود، بآثامهم، يؤخرون عملية الخلاص التي تؤدي إلى خلاص العالم وإلى اكتمال الإله. وهم، بأفعالهم الخيرة، يعجلون بها. ولذا، فالأغيار والإله يعتمدون على أفعال اليهود الذين يشغلون مكانة مركزية في العملية التاريخية والكونية للخلاص. وعند هذه النقطة، يصبح من الصعب الحديث عن اليهودية باعتبارها ديانة توحيدية. ويظهر هذا النزوع الحلولي المتطرف في أحد التعليقات القبَّالية في أحد كتب المدراش على إحدى فقرات سفر أشعياء (43/12) ، حيث جاء فيها "أنتم شهودي، يقول الرب، وأنا الله"، وهي فقرة تؤكد وحدانية الإله وتساميه. وهي وإن كانت تتحدث عن علاقة خاصة، فإنها مع هذا أبعد ما تكون عن الحلولية أو الشرك. ولكن كاتب المدراش الحاخامي يفرض الطبقة الحلولية على الطبقة التوحيدية فرضاً فيفسرها بقوله: "حينما تكونون شهودي أكون أنا الإله، وحينما لا تكونون شهودي فكأنني لست الإله"، وكأن كينونة الإله من كينونة الشعب وليس العكس. بل إن كمال الإله يتوقف على الشعب، إذ قال أحد الحاخامات: "حينما ينفذ اليهود إرادة الإله، فإنهم يضيفون إلى الإله في الأعالي. وحينما يعصي اليهود إرادة الإله، فهم كما لو أنهم يضعفون قوة الإله العظمى في الأعالي". ورغم أن كاتب المدراش يستخدم دائماً عبارة «كما لو أن» لتأكيد بعدها المجازي، فإن تكرارها وارتباطها بالمفاهيم الأخرى ينقلها من عالم المجاز إلى عالم العقائد الحرفية المباشرة التي لا تحتاج أي تفسير. وعلى أية حال، فإن التيار التوحيدي ظل لمدة طويلة أساسياً في النسق الديني اليهودي بل كان يكتسب أحياناً قوة كما حدث من خلال التفاعل مع الفكر الديني الإسلامي، كما هو الحال مع كلٍّ من سعيد بن يوسف الفيومي وموسى بن ميمون. وكثيراً ما حاول الحاخامات الوقوف ضد الاتجاه الحلولي الشعبي (الفلكلوري) ، فحاولوا أن يفسروا الطبائع البشرية للإله بأنها مجرد محاولة لتبسيط الأمور حتى يفهمها العامة. بل يُلاحَظ أن عبارة "كما لو أن" كانت تضاف حتى في التفسيرات القبَّالية الحلولية الأولى لتأكيد الطابع المجازي للخطاب، ولكن هذا التحفظ تآكل بالتدريج وتغلغلت القبَّالاه ذات الأصول الشعبية في صفوف العامة ثم في صفوف المؤسسة الحاخامية نفسها وسيطر فكر حلولي حرفي متطرف. ومع تغلغل القبَّالاه ذات الأصول الشعبية والغنوصية والتي اكتسبت أبعاداً مسيحية، حدثت عملية تنصير لليهودية، حيث فقدت اليهودية هويتها واكتسبت هوية شبه مسيحية جديدة تستند إلى تشويه العقائد المسيحية. ومع بدايات العصر الحديث، كانت الحسيدية أوسع المذاهب انتشاراً، وهي شكل من أشكال الحلولية المتطرفة بكل ما تحمل من شرك وثنوية. ويتضح هذا في الدور الذي يلعبه التساديك فإرادته معادلة لإرادة الإله، فهو الوسيط بين اليهود والخالق، وهو محل القداسة، وهو الإنسان التقي صاحب القدرة الذي يمكنه النطق باسم الإله والتحكم فيه والتأثير في قراراته. وقد تبنَّى الفيلسوف اليهودي مارتن بوبر رؤية حلولية للإله، فتحدث عن الحوار الدائر بين الشعب والإله باعتبار أنهما طرفان متساويان، وهذا تَصوُّر ممكن داخل إطار حلولي قومي. كما نجد فرقاً يهودية حديثة مثل اليهودية المحافظة واليهودية التجديدية تبنيان تصوراتهما الدينية على أساس فكرة الشعب المقدَّس، مع إسقاط فكرة الإله تماماً (حلولية موت الإله) ، أو وضعها في مرتبة ثانوية (حلولية شحوب الإله) . ويصل الأمر إلى حد أن حاخاماً إصلاحياً مثل إيوجين بوروفيتز يتحدث عن حرب عام 1967 باعتبار أنها لم تكن تهدد دولة إسرائيل فحسب، وإنما تهدد الإله نفسه باعتبار أن الإله والشعب والأرض يُكوِّنان جوهراً واحداً، فمن أصاب جزءاً من هذا الجوهر بسوء (أرض دولة إسرائيل على سبيل المثال) ، فقد أصاب الذات الإلهية نفسها. بل إن بعض المفكرين الدينيين اليهود يتحدثون عن «لاهوت موت الإله» ، وهي محاولة الوصول إلى نسق ديني خال تماماً من أي جوهر إلهي مفارق، فهي حلولية بدون إله. وقد تفرَّع من هذا «لاهوت الإبادة» أو «لاهوت ما بعد أوشفيتس» الذي يذهب دعاته إلى أن الإله شرير لأنه هجر الشعب اليهودي. كما يذهبون إلى أن المطلق أو الركيزة النهائية هو الشعب اليهودي (دون الإله) وأن القيمة الأخلاقية المطلقة هي البقاء، وأن الآلية الأساسية لإنجاز ذلك هي الدولة الصهيونية، فكأن الدولة الصهيونية هي الإله أو اللوجوس في الحلولية الصهيونية بدون إله. ومن الصعب عند هذه النقطة الحديث عن اليهودية كديانة توحيدية، إذ أصبحت ديانة وثنية حلولية. ومع هذا، عبَّرت الطبقة التوحيدية داخل التركيب الجيولوجي التراكمي اليهودي مؤخراً عن نفسها، في محاولة مخلصة من جانب بعض المفكرين الدينيين اليهود من أعداء الصهيونية، لتخليص اليهودية من حلوليتها. فدعاة لاهوت التحرر يرفضون أن تصبح الإبادة النازية ليهود أوربا أو قيام الدولة الصهيونية أو بقاء اليهود هو المطلق، بل يتحدثون عن إله يتجاوز المادة والتاريخ، نسقه الأخلاقي مُلزم لكل البشر، ولذا فهو إله لا يُوظَّف في خدمة اليهود أو المنظمة الصهيونية العالمية. ومن ثم لا يرضى بذبح الأطفال على يد النازيين ولا بتكسير عظامهم على يد الصهاينة! التوحيد Monotheism انظر الباب المعنون «إشكالية الحلولية اليهودية» . أسماء الإله Names of God توجد أسماء كثيرة للإله في اليهودية، لبعضها دلالات تصنيفية، وبعضها الآخر أسماء أعلام، وتبلغ الأسماء نحو تسعين. ومن أهم الأسماء من النوع الأول، تسمية الإله باسم «السلام» (شالوم) ، وهو أيضاً «الكمال المطلق» و «الملك» ، و «الراعي» ، و «مقدَّس يسرائيل» (قيدوش يسرائيل) ، و «الرحمن» (هرحمان) . ومن أهم الأسماء التي شاعت، العبارة الحاخامية «المقدَّس تبارك هو» (هاقدوش باروخ هو) . أما أسماء الأعلام التي يتواتر ذكرها، في العهد القديم أساساً، فهي كثيرة ومن أهمها «إيل» بمعنى «القوي» ، وهي الأصل السامي لكلمة «إله» التي تتضمنها كلمة «إسرائيل» أو «ناتان إيل» . ومن الأسماء الأخرى، «شدَّاي» و «إلوهيم» (وهي صيغة الجمع لكلمة «إلواه» ) . وأكثر الأسماء شيوعاً هو اسم «يهوه» (أو «يهوفاه» أو «التتراجراماتون» ) وهو أكثر الأسماء قداسة. وكان لا ينطق به سوى الكاهن الأعظم في يوم الغفران في قدس الأقداس. أما بقية اليهود، فكانوا يستخدمون لفظة «أدوناي» ، أي «سيدي» . وبمرور الزمن، اكتسب هذا الاسم، هو الآخر، شيئاً من القداسة، وأصبح من العسير التفوه به. ولذا، يستخدم بعض المتدينين كلمة «هاشِّيم» (الاسم) للإشارة إلى الإله، كما يكتفي بعض الأرثوذكس بكتابة حروف عبرية مثل حرف اليود، أو حرف الهاء، اختصاراً لـ «هاشِّيم» ، أو حرف الدال اختصاراً لـ «أدوناي» . وباللغة الإنجليزية يكتفي بعض اليهود الأرثوذكس بكتابة الحرف الأول والأخير من كلمة «جود God» التي يكتبونها على شكل G-d كما يكتفي بعضهم برسم علامة جبرية مثل (*) للإشارة للإله (واستبعدت علامة (+) لأنها تشبه الصليب) . ويُشار أحياناً إلى الإله بأنه «الذي لا يمكن التفوه باسمه» (هاشِّيم هامفوَّراش) . وظهرت أسماء أخرى في الكتب الخارجية أو الخفية (الأبوكريفا) من أهمها «خالق كل شيء» (يوتسير هاكول) ، و «درع إبراهيم» (ماجن أبراهام) و «صخرة إسحق» (تسور يتسحاق) . وقد أضافت القبَّالاه أيضاً أسماء للإله أهمها: «الذي لا نهاية له» (إين سوف) ، و «أقدم القدماء» (عتيقا دي عتيقين) ، و «قديم الأيام» (عتيق يومين) . وشاعت الإشارة إليه بأنه الشخيناه التي هي التعبير الأنثوي عن القوة الإلهية، وعاشر التجليات النورانية (سفيروت) ، وهي أيضاً جماعة يسرائيل. ويُنظَر إلى اسم الإله في التراث الديني اليهودي الحلولي، وبخاصة القبَّالي، باعتباره أعلى تركيز للمقدرة الإلهية على الخلق أو باعتباره جوهر الإله نفسه الذي يتجاوز الفهم البشري واللغة الإنسانية. ورغم أن هذا الاسم يتجاوز كل ما هو بشري، ورغم أنه "وراء المعنى" ("بلا معنى" على حد قول جرشوم شوليم) إلا أنه هو نفسه المصدر الذي لا ينضب لكل معنى في العالم. وهو لهذا "نص مفتوح" يمكن تفسيره تفسيرات لا حصر لها ولا عدد. فاسم الإله مطلق ويتسم بالامتلاء الذي لا حد له ولذا فلا يمكن فهمه إلا من خلال الوساطة البشرية التي تقوم بالتفسير، أي الحاخامات (وهذه هي التوراة الشفوية) . ويميِّز شوليم بين هذه «الكلمة التي لا معنى لها» وكلمات الكتاب المقدَّس والتفاسير الحاخامية ويبيِّن أن القبَّاليين يرون أن الكتاب المقدَّس إن هو إلا تحولات وتنويعات على هذه «الكلمة التي لا معنى لها» ، ومن ثم يصبح الوصول إلى الكتاب المقدَّس العادي بدون وساطة المفسر أمراً مستحيلاً ولا يبقى سوى التفسيرات الباطنية (وهكذا فرغم عدم وجود كنيسة في اليهودية إلا أن وساطة المفسر لا تختلف البتة عن وساطة الكاهن) . ولعل فكرة الوساطة هذه تتضح لنا بشكل أكبر وأكثر تبلوراً حينما ندرك أنه بتطور الحلولية اليهودية شاع الإيمان بأن من يعرف اسم الإله الأعظم (أي يعرف الجوهر الإلهي) يمكنه التأثير في الذات الإلهية وتغييرها في الأرض أو التحكم فيها (فهو الغنوص الكامل والصيغة السحرية اللازمة للتحكم في الكون بل في الذات الإلهية) ، بل إنه هو التجليات النورانية العشرة في حالة تكامل عضوي، وهي فكرة ذات علاقة بالسحر والتأمل الباطني. ومن هنا، كان اهتمام القبَّاليين بأسماء الإله، فهي سبيلهم إلى التأمل الغنوصي في الطبيعة الإلهية، وفي السيطرة عليه وعلى الكون عن طريق السحر. وقد ظهرت جماعة «بَعْلِّي هاشِّيْم» أي «أصحاب الاسم» ومفردها «بَعلْ شيم» ، أي «سيد الاسم» ، وهم من الدراويش الذين تصوروا أنهم حصلوا على المعرفة الكاملة والدقيقة لطريقة نطق اسم الإله، وبالتالي بوسعهم التحكم فيه، والإتيان بالمعجزات. وكان أهم هؤلاء الدراويش إسرائيل بن إليعازر، المعروف باسم بعل شيم طوف، وهو مؤسس الحركة الحسيدية. ويرى القبَّاليون أن بعض حروف اسم الإله قد انتُزعت أو سقطت، وبالتالي أصبح اسمه ناقصاً، أي أنه هو نفسه أصبح ناقصاً. وهذه نظرية تشبه نظرية الخلل الكوني الناجم عن تهشُّم الأوعية في القبَّالاه اللوريانية. وحتى يستعيد الإله توازنه الداخلي، يتعين على اليهودي أن يتوجه بكل كيانه إلى الداخل، كما يتعين عليه أن يقوم بأداء الأوامر والنواهي (متسفوت) ، فيستعيد الإله توازنه ويكتمل اسمه. وأول شيء يقوم به أي ماشيَّح دجال هو التفوه باسم يهوه أمام الملأ، فيبطل الشريعة وكل النواميس، وهذا ما فعله شبتاي تسفي وغيره. وفي العصر الحديث، اختلفت الفرق اليهودية في ترجمة وتفسير أسماء الإله، فاتجه المفكرون اليهود في نهاية القرن الثامن عشر وفي معظم القرن التاسع عشر، تحت تأثير مُثُل الاستنارة والتنوير والدراسات التاريخية، إلى أن يفسروا هذه الأسماء على أساس فلسفي ميتافيزيقي. فترجم موسى مندلسون كلمة «يهوه» إلى «الأزلي» ، وأشار نحمان كروكمال إلى الإله على أنه «الروح المطلق» ، وترجم هرمان كوهين كلمة «الشخيناه» بتعبير «الراحة الأزلية» . وعلى العكس من هذا، نجد أن مارتن بوبر وروزنزفايج يصران على الجانب التشخيصي (الصوفي الوجودي) ، فبتأثير القبَّالاه ترجم بوبر كلمة «يهوه» إلى «أنت» ، أو «هو» . واتجه مناحم كابلان، زعيم اليهودية التجديدية التي تقرن الإله بمبدأ التقدم، إلى الإشارة إلى الإله باعتباره «القوة التي تؤدي إلى الخلاص» أو «القوة التي تؤدي إلى إفراز المثل العليا كافة» . وحينما كانت تتم مناقشة نص بيان إعلان دولة إسرائيل، أثيرت مشكلة حول العبارة الأخيرة في البيان واقترح الدينيون أن تكون على الشكل التالي: "واضعين ثقتنا في الإله". ولكن اللادينيين رفضوا، فاتفق الجميع على عبارة «تسور يسرائيل» أو «صخرة إسرائيل» ، وهي عبارة غامضة يمكن أن تُفهَم كإشارة للإله الواحد الأحد، على غرار عبارة «تسور يتسحاق» أي «صخرة إسحق» ، ولكنها يمكن أن تفهم أيضاً فهماً حرفياً أو تُفسَّر تفسيراً حلولياً، وتصبح الصخرة أرض يسرائيل أو جماعة يسرائيل. وتحت ضغوط حركة التمركز حول الأنثى في العالم الغربي، بدأت تُطرَح قضية أن كلمة «الإله» وصورته تفترض أنه مذكر، وأنه لابد أن يكون محايداً أو متضمناً كلاً من عناصر التذكير وعناصر التأنيث. وبالتالي، أُدخل تغيير في كتب الصلوات وترجمات الكتاب المقدَّس، بحيث أصبح يُشار إلى الخالق باعتباره هو/هي. وعلى سبيل المثال: «وصلوا له/لها، وقالوا هو/هي، الذي/التي، خلق/خلقت العالم» . بل أحياناً يصرون على الإشارة إلى الإله على أنه مذكر أو مؤنث وجماد (بالإنجليزية: هي/شي/إت. (he/ she/ it) تقديس الاسم (قيدوش هاشيم) Kiddush ha-Shem «قيدوش هاشِّيم» عبارة عبرية تعني «تقديس الاسم المقدَّس» . والمُصطلَح يشير إلى الاستشهاد، ولكنه أصبح يشير إلى أي عمل من أعمال التقوى والاستقامة. وهي ضد «حيلول هاشِّيم» ، أي «تدنيس الاسم المقدَّس» . إيل El «إيل» الاسم السامي للإله. و «إيل» مفرد كلمة «إيليم» الكنعانية يُراد بها الجمع والتعدد. وكلمة «إيل» في الأكادية تعني «الإله على وجه العموم» . ولا يُعرَف أصل الكلمة، ولكن يُقال إنه من فعل بمعنى «يقود» أو «يكون قوياً» . وقد ورد في النصوص المصرية التي تعود إلى عهد الهكسوس مُصطلَح «يعقوب إيل» ، أي «ليعقب الرب بعده» ، ومُصطلَح «بيت إيل» (تكوين 12/8، 35/7) . وكثيراً ما يُستخدَم اسم «إيل» مع لقب من ألقاب الإله، مثل: «إيل عليون» ، أي «الإله العلي» ، و «إيل شدَّاي» ، أي «الإله القدير» . وتُستعمَل كلمة «إيل» كجزء من أسماء عديدة مثل «إليعازر» ، أي «الإله قد أعان» . والواقع أن أسلوب قَرْن أسماء الأشخاص بكلمة «إيل» لا يزال مستعملاً حتى يومنا هذا، مثل «ميخائيل» . وربما يكون أصل كلمة «خليل» هو (خل ـ إيل) ، أي «صديق الإله» . ومن المرجح أن يكون معنى إسماعيل (شماع ـ إيل) هو «ليسمع الإله» . ويُقال أيضاً إلياهو، وصموئيل، ويسرائيل. يهوه (يهوفاه) Jehovah; Yahweh الكلمة العبرية «يهوفاه» هي كلمة ساميِّة قديمة، ويُقال إنها مشتقة من مصدر الكينونة في العبرية «أهييه آشر أهييه» (خروج 3/14) ، أي «أكون الذي أكون» . وقد تكون الكلمة من أصل عربي. ويذهب البعض إلى أن الاسم مشتق من الفعل «هوَى» ، بمعنى «سقط» ، أي أن يهوه هو مُسقط المطر والصواعق. ويتم الربط بين معنى هذا الاشتقاق وبين الصفات التي عرفت عن يهوه كإله للعواصف والبرق والقوى الطبيعية، أو «هوَى» بمعنى «وقع» ، أو «حدث» وما حدث يكون. ويُقال إن «يهوه» ، مثله مثل معظم الأسماء العبرية في العهد القديم، صيغة مختصرة لعبارة «يهفيه أشير يهوفيه» ، أي «يخلق الذي هو موجود» ، أو لعلها اختصار «يهوه تسفاؤت» أي «رب الجنود» . ويميل معظم العلماء إلى نطق الاسم على أنه «يهوه» ، وإن كانت التفسيرات بشأن ذلك ليست نهائية. ولا يرد اسم «يهوه» في المصدرين الإلوهيمي أو الكهنوتي، إلى أن يسفر الإله لموسى عن نفسه (خروج 3/15، 6/2 ـ 3) ، ولكن المصدر اليهوي يستخدم الاسم في سفر التكوين (2/4) ، مفترضاً بذلك أنه يعود إلى أيام إبراهيم. ولكن يبدو أن هذا إسقاط من محرري العهد القديم لمُصطلَحات مرحلة لاحقة على مرحلة سابقة. وقد جاء في سفر الخروج أن الرب كلم موسى، وقال: «أنا الرب، وأنا ظهرت لإبراهيم وإسحق ويعقوب بأني الإله القادر على كل شيء. وأما باسمي يهوه، فلم أعرف عندهم» (خروج 6/2 ـ 3) . واسم «يهوه» أكثر الأسماء قداسة، وكان اليهود لا يتفوهون به، فكانوا يستخدمون كلمة «أدوناي» العبرية (أو «كيريوس» اليونانية في الترجمة السبعينية) بمعنى «سيدي» أو «مولاي» للإشارة إلى الإله، ثم أصبحوا يستخدمون كلمة «هشيم» العبرية بمعنى «الاسم» وحسب. والاسم العبري كما تَقدَّم يتكون من أربعة أحرف، ولذا سمِّي «تتراجراماتون» ، أي «الرباعي» ، وهي «ي هـ وهـ YHWH» . ولكن، في القرن الرابع عشر، قرأ أحد الكتاب المسيحيين الكلمة خطأً على أنها «يهوفاه» ، وذلك بأن وضع الحروف المتحركة لكلمة «أدوناي Adonai» مع أحرف «يهوه» الأربعة Yahowai. وهذا هو أصل كلمة Jehovah «جهيفواه» . ويأتي ذكر «يهوه» أكثر من ستة آلاف مرة في العهد القديم، وهو أكثر أسماء الإله شيوعاً وقداسة. وكان يتفوه به الكاهن الأعظم فقط داخل قدس الأقداس في يوم الغفران. ويبدو أن يهوه كان رب الصحراء. عُرف أول ما عُرف في شبه جزيرة سيناء في الجزء المتاخم لشمال الجزيرة العربية، وفي أماكن متاخمة لهذه المنطقة. وكانت القرابين تُقدَّم له من بين القطيع. وقد نسب إليه العهد القديم صوراً عديدة من القسوة والوحشية. فهو يأمر شعبه بالإبادة والخيانة والغدر. وهو إله غيور يناصر شعبه ظالماً أو مظلوماً، ويعاقب الأبناء على الجرائم التي يرتكبها الآباء، ويعاقب الشعب على ما يرتكبه الملك، بل يعاقب على الأخطاء التي تُرتكَب عن غير عمد، وهو محدود المعرفة تُنسَب إليه صفات البشر كافة. وكان الغنوصيون يرون أن يهوه إله العهد القديم هو الإله الصانع الشرير، الذي خلق هذا العالم الفاسد وهذا الزمان الرديء وسَجَن البشر فيه وفرض عليهم قوانين جائرة لا يستطيعون تنفيذها، هذا على عكس إله العهد الجديد الإله الخيِّر الذي يضحي بنفسه من أجل البشر. إلوهيم Elohim «إلوهيم» كلمة من أصل كنعاني. وهي، حسب التصور اليهودي، أحد أسماء الإله. وهي صيغة الجمع من كلمة «إيلوَّه» أو «إله» أو «إيل» ، وهو ما يدل على أن العبرانيين كانوا في مراحل تطوُّرهم الأولى يؤمنون بالتعددية. ولم ترد كلمة «إلوَّه» إلا في سفر أيوب، أما «إلوهيم» ، فترد ما يزيد على ألفي مرة في العهد القديم، وبأداة التعريف «ها إلوهيم» . وللكلمة معنيان، فهي تدل على الجمع فتكون بمعنى الآلهة (الوثنية) ككل، أو تدل على المفرد فتُعدُّ اسماً من أسماء الإله. ويُعامَل الاسم أحياناً باعتباره صيغة جمع وأحياناً أخرى باعتباره صيغة مفرد. ولذا، فهو يتبع أحياناً بفعل في صيغة الجمع، وفي أحيان أخرى يُتبَع بفعل في صيغة المفرد. وتتردد كلمة «إلوهيم» اسماً للإله في المصدر الإلوهيمي. وصفات الإله «إلوهيم» مختلفة عن صفات يهوه، فإلوهيم رحيم يراعي في أعماله القواعد الأخلاقية، وهو خالق السماوات والأرض. تتراجراماتون Tetragrammaton «تتراجراماتون» كلمة إغريقية بمعنى «مُكوُّن من أربعة أحرف» أو «رباعي» . وهو مُصطلَح يُستخدَم للإشارة إلى الاسم المقدَّس «يهوه» المُكوَّن من أربعة أحرف. أدوناي Adonai «أدوناي» اسم من أسماء الإله حسب التصور اليهودي، وتعني «سيدي» ، أو «مولاي» . شدَّاي Shaddai كلمة «شدَّاي» مأخوذة من الجملة العبرية «شومير دلاتوت يسرائيل» ومعناها «حارس أبواب يسرائيل» ، وهي أيضاً أحد أسماء الإله. وهي من أصل أكادي ( «شدر» ) ، وكانت تُستخدَم في الأصل للإشارة إلى القوى الشريرة التي تأتي من الجبال (بالأكادية «شديم» ) أي إلى الجن والشياطين. وقد تطوَّر استخدام الكلمة وأصبحت تشير إلى «إله الجبال» ثم إلى «الإله القوي» . ويذهب بعض العلماء إلى أن أصل الاسم من جذر بمعنى «يخرب» ، ولكنه أصبح يعني «القدير» ، أو «القادر على كل شيء» . وقد فسر الحاخامات لفظ «شدَّاي» بأنه يعني «الكافي» ، ولكنه تفسير غير دقيق. وتُقرَن الكلمة بلفظة «إيل» فيُقال «إيل شدَّاي» . وتُكتَب كلمة «شدَّاي» في تميمة الباب (مزوزاه) التي تأخذ هيئة صندوق، بحيث تمكن رؤية الكلمة من ثقب صغير في الصندوق. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
الشعب المختار
Chosen People مصطلح «الشعب المختار» ترجمة للعبارة العبرية «هاعم هنفحار» ، ويوجد معنى الاختيار في عبارة أخرى مثل: «أتَّا بحرتانو» ، والتي تعني «اخترتنا أنت» ، و «عم سيجولاه» ، أو «عم نيحلاه» أي «شعب الإرث» أي «الشعب الكنز» . وإيمان بعض اليهود بأنهم شعب مختار مقولة أساسية في النسق الديني اليهودي، وتعبير آخر عن الطبقة الحلولية التي تشكلت داخل التركيب الجيولوجي اليهودي وتراكمت فيه. والثالوث الحلولي مُكوَّن من الإله والأرض والشعب، فيحل الإله في الأرض، لتصبح أرضاً مقدَّسة ومركزاً للكون، ويحل في الشعب ليصبح شعباً مختاراً، ومقدَّساً وأزلياً (وهذه بعض سمات الإله) . ولهذا السبب، يُشار إلى الشعب اليهودي بأنه «عم قادوش» ، أي «الشعب المقدَّس» و «عم عولام» أي «الشعب الأزلي» ، و «عم نيتسح» ، أي «الشعب الأبدي» . وقد جاء في سفر التثنية (14/2) "لأنك شعب مقدَّس للرب إلهك. وقد اختارك الرب لكي تكون له شعباً خاصاً فوق جميع الشعوب الذين على وجه الأرض". والفكرة نفسها تتواتر في سفر اللاويين (20/24، 26) : "أنا الرب إلهكم الذي ميَّزكم من الشعوب ... وتكونون لي قديسين لأني قدوس أنا الرب. وقد ميَّزتكم من الشعوب لتكونوا لي". ويشكر اليهودي إلهه في كل الصلوات لاختياره الشعب اليهودي. وحينما يقع الاختيار على أحد المصلين لقراءة التوراة عليه أن يحمد الإله لاختياره هذا الشعب دون الشعوب الأخرى، ولمنحه التوراة علامة على التميز..... وقد حاول كثير من حاخامات اليهود وكثير من فقهائهم ومفكريهم تفسير فكرة الاختيار، فجاءوا بتفسيرات كثيرة. ولكن، وبغض النظر عن مضمون التفسير، فإن فكرة الاختيار على وجه العموم تؤكد فكرة الانفصال والانعزال عن الآخرين (تعبير عن القداسة الناجمة عن الحلول الإلهي في الشعب) . وقد جاء في التلمود أن جماعة يسرائيل يُشبَّهون بحبة الزيتون لأن الزيتون لا يمكن خلطه مع المواد الأخرى، وكذلك أعضاء جماعة يسرائيل يستحيل اختلاطهم مع الشعوب الأخرى. وقد كانت عملية التفسير هذه ضرورية، في الواقع، لأن أعضاء الشعب المختار المقدَّس، الذي يفترض أن الإله قد حل فيه، وجدوا أنهم من أصغر الشعوب في الشرق الأدنى القديم وأضعفها، ولم يكونوا بأية حال أكثرها رقياً أو تفوقاً، كما حاقت بهم عدة هزائم انتهت بالسبي البابلي. وقد وردت تفسيرات عدة للاختيار، هي في نهاية الأمر تعبير عن درجات متفاوتة من الحلول، فإن ازدادت النزعة الحلولية زادت القداسة في الشعب، ومن ثم زادت عزلته واختياره: 1 ـ الاختيار كعلامة على التفوق: أ) لم يختر الإله اليهود بوصفهم شعباً وحسب، بل اختارهم كجماعة دينية قومية توحِّدها أفكارها وعقائدها، وقد عُرضت الرسالة على شعوب الأرض قاطبة، فرفضت هذه الشعوب حملها، وحملها الشعب اليهودي وحده. وقد حوَّلهم هذا الاختيار إلى مملكة من الكهنة والقديسين، وإلى أمة مقدَّسة تتداخل العناصر الدينية والقومية فيها. واختيار الإله لليهود هو جوهر العهد أو الميثاق المبرم بينه وبين إبراهيم (ولنقارن هذه الفكرة الحلولية، بالتصور الإسلامي التوحيدي العالمي، فقد عُرضت الرسالة على السماوات والأرض والجبال فأبيَّن أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان) . ب) يدل الاختيار على تفوق اليهود عرْقياً، فقد اختير إبراهيم لنقائه، واختير اليهود لأنهم من نسله. وقد جاء في التلمود ما يلي: "كل اليهود مقدَّسون.. كل اليهود أمراء.. لم تُخلَق الدنيا إلا لجماعة يسرائيل.. لا يُدْعى أحد أبناء الإله إلا جماعة يسرائيل.. لا يحب الإله أحداً إلا جماعة يسرائيل". جـ) ويدل الاختيار على تفوق اليهود الأخلاقي، فقد اختار الإله الشعب اليهودي لأنه أول شعب يعبده وحده، أي أنه اختار الشعب لأن الشعب اختاره. وقد جاء في التلمود هذه الكلمات: "لماذا اختار الواحدُ القدوسُ تباركَ اسمُه جماعةَ يسرائيل، لأن ... أعضاء جماعة يسرائيل اختاروا الواحد القدوس تبارك اسمه وتوراته". ويمكن أن تنحسر النزعة الحلولية قليلاً بحيث يصبح الاختيار علامة على التفرد وحسب (لا على التفوق) . وقد قلَّص أحد المفكرين الإسرائيليين نطاق فكرة الاختيار بحيث جعلها تنصرف إلى علاقة الشعب بالإله وحسب، لا إلى علاقة اليهود بكل البشر. 2 ـ الاختيار كتكليف ديني: اختار الإله الشعب اليهودي حتى يكون خادماً له بين الشعوب، وليكون أداته التي يُصلح بها العالم ويوحد بها بين الشعوب. وهذا يعني أن الاختيار ليس ميزة وإنما هو تكليف إلهي يعني زيادة المسئوليات والأعباء: "إياكم فقط عرفت من جميع قبائل الأرض لذلك أعاقبكم على جميع ذنوبكم" (عاموس3/2) ، وبالتالي يصبح اليهود "خدام الإله الطيعين". وكثيراً ما يُلاحَظ أن الأنبياء كانوا يعنفون الشعب لفساده الأخلاقي ولاتباعه طرق الشعوب الوثنية الأخرى، وفي هذا تأكيد للفكر التوحيدي. ومع هذا، يُلاحَظ أن الأنبياء، حتى في لحظات نقدهم للشعب اليهودي، كانوا ينطلقون من مقولة اصطفاء الشعب (وفي هذا تأكيد للرؤية الحلولية) . 3 ـ الاختيار كأمر رباني وسر من الأسرار: وأكثر التفسيرات تواتراً، على الأقل على المستوى الوجداني، هو أن الاختيار غير مشروط ولا سبب له، فهو من إرادة الإله التي لا ينبغي أن يتساءل عنها أي بشر، الإله الذي اختار الشعب ووعده بالأرض، وليس لأي إنسان أن يتدخل في هذا. وهذا هو تفسير راشي الذي كان متأثراً بالفكر الإقطاعي الغربي الوسيط والفكر المسيحي، فالاختيار هنا أمر ملكي على العبد الإذعان له وهو سر من الأسرار يشبه الأسرار المسيحية. والاختيار، حسب هذا التفسير، لا علاقة له بالخير أو الشر، ولا بالطاعة أو المعصية، فهو لا يسقط عن الشعب اليهودي، حتى ولو أتى هذا الشعب بالمعصية، إذ أن حب الإله للشعب المختار يغلب على عدالته، ولذلك لن يرفض الإله شعبه كلية، في أي وقت من الأوقات مهما تكن شرور هذا الشعب. بل يدَّعي أحد المفسرين أن الإله هو الذي اختار الشعب اليهودي، فالاختيار مُلزم له هو وحده وليس ملزماً للشعب (وهذا بخلاف المفهوم الإسلامي للاختيار حيث جعل الاختيار مشروطاً بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما أنه ليس اختياراً عنصرياً أو عرْقياً بل هو اختيار أخلاقي غير مقصور على أمة بعينها) . ورغم أن أتباع كل جماعة دينية يرون أن ثمة علاقة خاصة تربطهم بالإله، وأنهم مختارون بشكل ما، فإن هذا التيار قد تعمق في اليهودية بشكل متطرف، وفَقَد الاختيار أي مضمون أخلاقي واكتسب أبعاداً عرْقية قومية، وتحوَّلت التجربة الدينية عند اليهود من تجربة فردية عمادها الضمير الفردي إلى تجربة جماعية عمادها الوعي القومي. ثم هيمنت القبَّالاه بالتدريج بحيث حولت الشعب اليهودي من مجرد شعب مختار إلى شعب يُعَدُّ جزءاً عضوياً من الذات الإلهية، فهو الشخيناه (التجسيد الأنثوي للحضرة الإلهية) التي تجلس إلى جواره على العرش وتشاركه السلطة. وقد كانت النزعة الحلولية كامنة في داخل النسق الديني اليهودي، ولكن تحوُّل اليهود إلى جماعة وظيفية تعمل بالتجارة والربا زاد إحساسهم باختيارهم. فالجماعات الوظيفية، بسبب وضعها، يكون لديها دائماً إحساس بما يُسمَّى «مُركَّب الشعب المختار» لتبرر وضعها غير الإنساني كجماعة بشرية توجد داخل مجتمع ما ولا تنتمي إليه، فهي فيه وليست منه، تتعامل مع جماهير تُكِّن لها البغض والكراهية، لأنها تمثل مصالح النخبة الحاكمة. كما أن إحساس الجماعة الوظيفية بأنهم مقدَّسون وأن الآخر مدنَّس مُباح يُعمق الإحساس بالاختيار. وقد عبَّر التلمود عن هذا الوضع بمقارنة جماعة يسرائيل بخَدَم الملك. وهناك الكثيرون ممن يكرهون الملك، ولكنهم عاجزون عن الهجوم عليه، ولذا فهم يلومون خادم الملك ويهجمون عليه. فقد اختار الإله جماعة يسرائيل خادماً له، ولذا أصبحت محط حقد الأغيار الذين يهجمون عليها. ولقد عززت أسطورة الشعب المختار من النزعة المشيحانية في الفكر الديني اليهودي، فكل عضو في أمة الكهنة والقديسين هو تجسيد حي للإله، وصوته من صوت هذا الإله، أي أنه نبي أو شبه نبي بالضرورة. وقد عززت فكرة الاختيار أيضاً الإحساس الزائف لأعضاء الجماعات اليهودية بوجودهم خارج التاريخ وبأن القوانين التاريخية التي تسري على الجميع لا تسري عليهم. ومن المعروف أنه كلما كانت تزداد حال الجماعات اليهودية سوءاً، كان أعضاؤها يزدادون إصراراً على فكرة الاختيار. وفي العصر الحديث، حاول بعض المفكرين اليهود التخفيف من حدة مفهوم الشعب المختار. فقال ليو باييك إن كل شعب يتم اختياره ليكون له نصيب من تاريخ البشرية، ولكن حظ اليهود من هذا التاريخ أكبر من أي نصيب آخر. وقد تمرَّد دعاة حركة التنوير اليهودية، واليهودية الإصلاحية، على مفهوم الاختيار بمعناه العنصري والأخلاقي، وأحلوا محله فكرة الرسالة، ومفادها أن الإله شتَّت اليهود في أنحاء الأرض لا عقاباً لهم وإنما لينشروا رسالته وليصبحوا أداته في تحقيق السلام والخلاص. وقد تخلَّى التجديديون تماماً عن فكرة الاختيار. أما اليهودية المحافظة والأرثوذكسية، فأبقت هذا المفهوم الديني وعمقته. وتسيطر فكرة الشعب المختار، بعد علمنتها، على الفكر الصهيوني بجميع اتجاهاته. وقد أكد آحاد هعام، منطلقاً من المفاهيم النيتشوية الخاصة بالسوبرمان، أن اليهود أمة متفوقة ( «سوبر أمة» على حد قوله) . وتحدَّث المفكر الصهيوني الاشتراكي نحمان سيركين عن اليهودي بوصفه البروليتاري الأزلي. أما لويس برانديز، فقد تحدَّث عنه بوصفه الديموقراطي الأزلي، أي أن اليهودي قد اختير منذ القدم ليؤدي رسالة أزلية اشتراكية عند الصهيوني الاشتراكي، وأزلية ديموقراطية ليبرالية عند الصهيوني الديموقراطي الليبرالي. وقد صرح بن جوريون أن دولة إسرائيل تضم الشعب الكنز، ولهذا فإن بوسعها أن تصبح منارة لكل الأمم. وبإمكان المرء، حسب تصوُّر بن جوريون، أن يشير إلى ثلاثة عناصر فعالة في الدولة الصهيونية تلمح إلى المقدرة الأخلاقية والفكرية الكامنة في اليهود: أ) الاستيطان العمالي للأرض. ب) جيش الدفاع الإسرائيلي. جـ) رجال العلم والفن والأدب، أي العبقرية اليهودية. وبطبيعة الحال، لم يذكر بن جوريون شيئاً عن اغتصاب الصهاينة للأرض الفلسطينية وعن الإرهاب الصهيوني لأهلها. بل إن فلسفة بوبر الحوارية هي تعبير مصقول عن فكرة الاختيار، فالحوار الحق ممكن بين الإله واليهود، أساساً بسبب التشابه بينهما، وهو أمر ليس متاحاً لكل الأمم. ومرة أخرى، تظهر فكرة الاختيار كسر من الأسرار الدينية في لاهوت موت الإله ولاهوت ما بعد أوشفيتس، الذي يجعل الإبادة النازية حدثاً كونياً لا يمكن سَبْر أغواره، ويجعل الدولة الصهيونية نقطة الخلاص التي يتجسد من خلالها الشعب المقدَّس. ولا يزالون في إسرائيل، وفي الأوساط الصهيونية، يتحدثون عن ذكاء اليهود، وعن النسبة غير العادية من اليهود الحاصلين على جوائز نوبل، باعتبار أن هذه الصفات الإيجابية نابعة من الخصوصية اليهودية أو الجوهر اليهودي أو الطبيعة اليهودية داخل الأفراد. ولكن ثمة تياراً داخل الصهيونية يرى أن هدفها هو تطبيع اليهودي، أي تحويله من إنسان مقدَّس إلى إنسان سوِّي عادي يعيش في دولة قومية شأنه شأن الشعوب الأخرى. وقد ساهمت فكرة الاختيار هذه في نشر كثير من الأوهام والشائعات عن أعضاء الجماعات اليهودية، مثل: بروتوكولات حكماء صهيون، والمؤامرة اليهودية الكبرى أو العالمية. وقد ظهر مؤخراً لاهوت التحرير الذي يقلِّص النزوع الحلولي. وبالتالي، يتحول مفهوم الاختيار من مفهوم مطلق وسر من الأسرار إلى عملية تكليف ديني وإلزام خُلقي. أمة الروح Nation of the Spirit «أمة الروح» بالعبرية «عم هاروَّح» ، وهو مصطلح يطلقه اليهود على أنفسهم باعتبار أنهم أمة لا تعيش على أرض مشتركة، ولا تتحدث لغة واحدة، وإنما تتمركز حول التوراة والتراث اليهودي. وهي الصياغة الفريسية لليهودية التي استمرت منذ أن قام تيتوس بهدم الهيكل. ومفهوم أمة الروح مرتبط تماماً بمفهوم الشعب المختار والشعب اليهودي، وتستند الصهيونية الثقافية إلى هذا المفهوم. ولكن، رغم الزعم بأن الروح اليهودية تتمركز حول التوراة، إلا أن قارئ كتابات آحاد هعام ومارتن بوبر يُلاحظ أن العناصر الإثنية تشكل أساساً لهذه الروح، فالروح هنا هي روح الشعب العضوي اليهودي (فولك) التي لا تتحقق أو تعبِّر عن نفسها تاريخياً إلا في الأرض المقدَّسة. وهذه الأفكار تعود إلى كتابات الرومانسيين الألمان. ولذا، فليس من الغريب أن نجد بوبر يتحدث، مثل النازيين تماماً، عن التربة والدم والعرْق باعتبارها قيماً روحية مطلقة. الشعب المقدس Holy People «الشعب المقدَّس» ترجمة للعبارة العبرية «عم قادوش» . وهي عبارة يُطلقها كثير من اليهود، وخصوصاً اليهود الأرثوذكس، على الشعب اليهودي باعتبار أنه شعب مختار له رسالة متميِّزة وسمات خاصة تميِّزه وتفصله عن الشعوب الأخرى. بل إن الفكرة تأخذ شكلاً متطرفاً أحياناً، فقد أتى في أحد كتب المدراش أن الشعب اليهودي والتوراة كانا كلاهما في عقل الإله قبل الخلق، أي مثل القرآن في الإسلام والمسيح في المسيحية. و «يسرائيل» (الشعب) و «يسرائيل» (التوراة) متعادلان، لأن يسرائيل وحدها هي التي ستحقق التوراة وتنفذ تعاليمها. فالعالَم بدون هذا الشعب، شعب التوراة، لا قيمة له، أي أن الشعب المقدَّس هو الركيزة النهائية للكون بأسره. وقد أصبح اليهود شعباً مقدَّساً بسبب الحلول الإلهي فيهم وتَقبُّلهم عبء الأوامر والنواهي، فحياة اليهودي لابد أن يتم تنظيمها بحيث يقلد اليهودي سمات الإله فتصبح حياته مقدَّسة. وانطلاقاً من هذا، تصبح القومية اليهودية نفسها قومية مقدَّسة. ويستند كثير من المفاهيم الدينية إلى الإيمان بقدسية الشعب اليهودي. وقد عمَّقت القبَّالاه هذا التيار وجعلت الشعب المقدَّس شريكاً للإله في عملية إصلاح الكون (تيقون) . ومن المصطلحات الأخرى المستخدمة للإشارة إلى الفكرة نفسها، تعبير «الشعب المختار» أو «الشعب الأزلي» . والواقع أن فكرة الشعب المقدَّس، أو الأفكار الأخرى المماثلة، هي في نهاية الأمر تعبير عن الطبقة الجيولوجية الحلولية في اليهودية حيث يتحول الشعب إلى شعب مقدَّس وتتحول الأرض إلى أرض مقدَّسة. وقد حاولت اليهودية الإصلاحية تخليص الدين اليهودي من مثل هذه المصطلحات، لكن الحركة الصهيونية بعثتها من جديد بعد أن قامت بعلمنتها. البقية الصالحة Good Remnant مصطلح «البقية الصالحة» يقابلها في العبرية مصطلح «شئيريت يسرائيل» . وفي الحقيقة، فإن هناك تياراً نخبوياً ممتداً يسري في مجرى الفكر الديني اليهودي ويعبِّر عن الحلولية الكامنة فيه. فقد كان الأنبياء يؤمنون، ضمن ما كانوا يؤمنون به من الفكر الأخروي، بأن أفراد هذا الشعب لن يهلكوا جميعاً رغم صنوف العذاب والويل التي تلحق بالشعب المختار، إذ ستبقى دائماً بقية أو نخبة صالحة سوف تعود وتشيد مملكة الإله في آخر الأيام. وترد الفكرة بصورة أساسية في سفر أشعياء (وخصوصاً 6/11 ـ 13، 10/21) الذي سمَّى ابنه «شيئار ياشوف» ، أي «البقية ترجع» (7/3) . ورغم نخبوية هذا المفهوم في فكر الأنبياء، فإن له مضموناً خلقياً، فهذه البقية صالحة لأنها قبلت عبء الوصايا وعبء مملكة الرب. ويرى الفيلسوف الألماني اليهودي روزنزفايج أن مفهوم «البقية الصالحة» مفهوم محوري في حياة جماعة يسرائيل، يتحكم في تاريخها منذ عصر الأنبياء. وقد عرَّف روزنزفايج كلمة «البقية» بأنها «نخبة احتفظت بإيمانها» ، وأن أفراد البقية هم «الشعب داخل الشعب» . والتاريخ اليهودي، من هذا المنظور، هو تاريخ هذه النخبة التي تتكيف مع العالم الخارجي حتى يتسنى لها أن تنسحب إلى داخل عالمها الخاص تنتظر عودة الماشيَّح. وقد تَعمَّق هذا المفهوم مع زيادة هيمنة الحلولية على النسق الديني اليهودي إلى أن نصل إلى الحسيدية وفكرة التساديك الذي تُعَدُّ إرادته من إرادة الإله، والذي لا يمكن مساءلته أخلاقياً، فهو وحده الذي يفهم المدلول الأخلاقي لأفعاله. وقد علمن الصهاينة فكرة النخبة الصالحة وحولوها إلى فكرة سياسية. ولذا، نجد أن ثمة تياراً نخبوياً نيتشوياً داروينياً يسري أيضاً في الفكر الصهيوني، فالصهاينة يرون أنهم البقية أو النخبة الصالحة التي عادت وشيَّدت الدولة الصهيونية لتكون مركزاً لليهود واليهودية في العالم، لتحفظها من الاندماج والانصهار والاختفاء. وانطلاقاً من هذا المفهوم، فإنهم يؤمنون بضرورة نفي الدياسبورا، أي القضاء على الجماعات اليهودية، أو على الأقل استغلالها. واستناداً إلى هذا المفهوم أيضاً، فإن الصهاينة فاوضوا أيخمان والنازيين وعقدوا معهم الصفقات. وبموجب إحدى هذه الصفقات، وافق أيخمان على السماح بترحيل بضعة آلاف من اليهود إلى فلسطين مقابل أن تتم عملية شحن يهود المجر إلى ألمانيا في نظام وهدوء لتتم إبادتهم. وقد وصف إيخمان النخبة أو البقية الصالحة التي أُرسلت إلى فلسطين بأنهم كانوا "من أفضل المواد البيولوجية". وهكذا نجد أن المفهوم الدارويني الخاص بأن البقاء للأصلح يلتقي بالمفهوم الصهيوني الخاص ببقاء النخبة! وبعد الحرب العالمية الثانية، اكتسب المفهوم بعداً جديداً، فقد نُحتَ مصطلح «شئيريت هبليتاه» ، أي «البقية الباقية» أو «الناجية» ، وهم اليهود الذين لم يبادوا، والذين عليهم أن يضطلعوا بالمهمة المقدَّسة، وهي تأكيد البقاء اليهودي والحياة القومية (الصهيونية الاستيطانية) وتأسيس دولة إسرائيل. كلال يسرائيل Kelal Yisrael «كلال يسرائيل» عبارة عبرية تعني «جماعة يسرائيل» أو «عموم يسرائيل» أو «يسرائيل المجمعة على هويتها» أو «يسرائيل كافة» . وتُستخدَم العبارة للإشارة إلى كل الشعب اليهودي ككيان عضوي متكامل يكتسب تكامله وتلاحمه العضوي من خلال الحلول الإلهي. ونحن نذهب إلى أن الرؤية الحلولية هي في جوهرها رؤية عضوية للكون، فكلاهما نسق يستند إلى ركيزة نهائية ليست متجاوزة للمادة الكامنة فيها. ومفهوم «كلال يسرائيل» مفهوم محوري في اليهودية المحافظة. فـ «كلال يسرائيل» ، هي في الواقع صياغة دينية حلولية لمفهوم الشعب العضوي (فولك) . وفي الواقع، فإن بعض المفكرين اليهود، مثل زكريا فرانكل، قد تأثروا بالتراث الألماني الرومانسي الذي مَجَّد روح الشعب وفكرة الشعب العضوي ثم حاولوا توليد فكرة مماثلة من داخل التراث الحلولي اليهودي. وقد طرح زكريا فرانكل تصوراً عضوياً نظر من خلاله إلى الحضارة اليهودية باعتبارها نسقاً كلياً عضوياً متلاحم الأجزاء، ورأى الشعب اليهودي باعتباره شعباً عضوياً. وهذا التصور هو الذي أفرز فيما بعد الفكر النازي ورؤية النازيين للشعب. ومثل هذه الأفكار العضوية هي التي أفرزت شعارات مثل «ألمانيا فوق الجميع» ، وتفرز الآن شعارات التوسعية الصهيونية التي تنادي بأن «أرض إسرائيل لشعب إسرائيل حسب شريعة إسرائيل» . كنيست يسرائيل Knesset Yisrael «كنيست يسرائيل» عبارة عبرية تعني «جماعة يسرائيل» . وهو اصطلاح ديني حلولي يشير إلى الجماعة اليهودية ككل، ويُطلَق في التراث القبَّالي على الشخيناه (التعبير الأنثوي عن الذات الإلهية) باعتبار أن الشعب اليهودي جزء من الإله متوحد معه يشغل مركز الكون ويشكل وجوده عنصراً أساسياً في خلاص الكون واتساقه وتوازنه. وقد استُخدمت العبارة في العصر الحديث للإشارة إلى التجمع الاستيطاني الصهيوني في فلسطين قبل عام 1948. وهي بذلك مرادفة تقريباً لكلمة «يشوف» . ويُسمَّى البرلمان الإسرائيلي «الكنيست» . العهد Covenant «العهد» ترجمة للكلمة العبرية «بريت» ، وتُترجم أحياناً بكلمة «ميثاق» . والعهد اتفاق يُعقَد بين طرفين بكامل حريتهما. وكانت كلمة «عهد» تعني «معاهدة سلام بعد الحرب» ، فكان دخول العهد في دول وممالك الشرق الأدنى القديم يأخذ الشكل التالي: يمر الطرفان المتعاهدان بين قطع من لحم حيوان ضُحِّي به، ويقسمون بأنهم سيُقطَّعون إرباً إرباً مثل هذا الحيوان إذا هم حنثوا بالعهد، ومن هنا عبارة «قطع العهد» (كارات: قطع ـ بريت: عهد) . ويدور التفكير الديني اليهودي حول العهود التي قطعها الإله على نفسه، وهي عهود متكررة عبر التاريخ المقدَّس الذي يحل فيه الإله ويوجهه حسب الرؤية الدينية اليهودية. فهذا التاريخ يبدأ بالعهد الذي قطعه الإله على نفسه لإبراهيم بأن يصطفيه دون العالمين وأن يُورِّث نسله أرض كنعان (فلسطين) . وقد تم تأكيد العهد لإسحق ويعقوب. ثم جُدِّد هذا العهد مع الشعب ككل (أي مع جماعة يسرائيل) في سيناء، وذلك بعد الخروج من مصر، حيث يعلن الإله لأفراد الشعب أنه أخرجهم من مصر واختارهم شعباً له. وبذا، حوَّل العهد جماعة يسرائيل ككل إلى شعب مختار من الكهنة، وأصبحت ممثلة للإله بين الشعوب، وأصبحت وظيفتها إنقاذ الجنس البشري من الخطايا والذنوب التي يرتكبها الناس. وقد كان العهد مع إبراهيم منحة ملكية وليس عقداً بين طرفين. ولكن تحت تأثير الأنبياء، ظهرت فكرة العقد المتبادل، وهو أن الشعب يُطيع الإله ويتبع الشريعة، وأن الإله لذلك سيرعاه ويحميه، أي أن الاختيار يصبح هنا مشروطاً بفعل الخير. لكن هذا الموقف تآكل وأصبح العهد مرة أخرى عهداً أبدياً. فقد يخطئ هذا الشعب، وقد يزل، وقد يعصى ويفسد، بل قد يعاقبه الإله، ولكنه سيظل مع هذا شعباً مختاراً. وتشبِّه المشناه هذه العلاقة بأنها مثل علاقة رجل بزوجته العاهرة، فرغم عهرها الواضح لا يمكنه التخلي عنها، لأنها أم أولاده (فسحيم 128 ـ ب) . وقد استخدم هوشع هذا التشبيه من قبل فهو قد اتخذ «بأمر الرب» زوجة من الداعرات ليبرهن للشعب المقدَّس بشكل تجسيدي من خلال دراما شخصية أنه على الرغم من انحرافه عن طريق الرب فإن الإله تمسَّك به. ويَتصوَّر بعض مفكري اليهود أن العهد بين الإله والشعب مُلزم له وحده، وليس مُلزماً للشعب، فهو الذي قطع العهد على نفسه. وهم بذلك يُسقطون، مرة أخرى، البُعد الأخلاقي الذي أضافه الأنبياء. وقد عقد الإله عهوداً ومواثيق كثيرة، فقد عاهد نوحاً بأنه لن يرسل طوفاناً آخر يخرب الأرض، كما قطع عهداً منح فيه الكهانة لبيت هارون، أما نسل داود فمنحهم الملوكية. وقد يعقد الإله مواثيق مع الشعوب الأخرى، ولكن ميثاقه مع جماعة يسرائيل يظل هو الأساس. ويشير كل الأنبياء إلى اليهود بوصفهم «بنو يسرائيل» أو «بناي بريت (أبناء العهد) » على أساس من فكرة العهد هذه. ولكل ميثاق علامة تقف شاهداً على صلاحيته الدائمة، فعلامة الميثاق أو العهد مع نوح كانت قوس قزح، وعلامة الميثاق مع إبراهيم كانت الختان، وعلامة العهد مع جماعة يسرائيل في سيناء هي السبت والوصايا العشر والتوراة. وجاء في إرميا (31/31) إشارة إلى «بريت حداشاه» أي (العهد الجديد) ، وهو عهد سيبرمه الإله مع الشعب ليحل محل العهد القديم الذي لم ينفذه الشعب. ومن هنا كانت التسمية المسيحية، إذ ترى المسيحية نفسها أنها هذا العهد الجديد الذي سيحل محل العهد القديم. والعهد الجديد سيتخلص من الحلولية القديمة ويطرح رؤية توحيدية عالمية تفتح باب الخلاص أمام الجميع، إذ أن الإله ليس إلهاً قومياً حالاًّ في شعب واحد يتحد معه وإنما هو إله العالمين المتجاوز للطبيعة والتاريخ. ويدور الفكر الصهيوني أيضاً حول فكرة العهد. فأحقية اليهود في أرض الميعاد، حسب تصوُّرهم، مسألة مطلقة لا تقبل النقاش بسبب هذا العهد. ويرى الصهاينة الدينيون أن العهد حقيقة تاريخية، ومن ثم فإنهم يرون أن مصدر المطلقية هو الإله، أما بن جوريون فكان يرى أن أعضاء جماعة يسرائيل هم الذين اختاروا الرب إلهاً لأنفسهم وبدونهم فلن يكون إلهاً. بل ويذهب بن جوريون إلى أنه لا يهم إن كانت واقعة العهد حقيقية أم لا، وإنما المهم أن هذه الأسطورة مغروسة في الوجدان اليهودي، ولذا فإن مصدر المطلقية هنا هو إيمان الشعب بأساطيره الشعبية. ولنلاحظ دائرية هذا المنطق والتفافه حول نفسه، ولنلاحظ أيضاً تساوي الإله بالشعب كمصدر للقداسة وهو أمر كامن في النسق الحلولي الديني اليهودي. الميثاق Covenant «الميثاق» ترجمة عربية لكلمة «بريت» ومعناها «عهد» . وفي هذه الموسوعة نستخدم كلمة «عهد» نظراً لاستخدامها وشيوعها في عبارتي «العهد القديم» و «العهد الجديد» . |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
الأرض (إرتس)
The Land - Eretz «الأرض» هي المقابل العربي لكلمة «إرتس» العبرية التي ترد عادةً في صيغة «إرتس يسرائيل» أي «أرض إسرائيل» (فلسطين) . ويدور الثالوث الحلولي حول الإله والشعب والأرض فتقوم وحدة مقدَّسة بين الأرض والشعب لحلول الإله فيهما وتوحده معهما، ولذا ترتبط الديانات والعبادات الوثنية الحلولية بأرض محدَّدة أو بمكان محدَّد وبشعب يقيم على هذه الأرض أو على علاقة ما بها. والحلولية طبقة جيولوجية مهمة تراكمت داخل التركيب الجيولوجي اليهودي، تتبدَّى في إضفاء القداسة على الأرض نتيجة الحلول الإلهي فيها، ولذا فإن إرتس يسرائيل (فلسطين) تُسمَّى «أرض الرب» (يوشع 9/3) ، وهي الأرض التي يرعاها الإله (تثنية 11/12) ، ثم هي الأرض المختارة، وصهيون التي يسكنها الرب، والأرض المقدَّسة (زكريا 2/12) التي تفوق في قدسيتها أيَّ أرض أخرى لارتباطها بالشعب المختار. وقد جاء في التلمود: «الواحد القدوس تبارك اسمه قاس جميع البلدان بمقياسه ولم يستطع العثور على أية بلاد جديرة بأن تمنح لجماعة يسرائيل سوى أرض يسرائيل» . وهي كذلك «الأرض البهية» (دانيال 11/16) ..... والواقع أن تعاليم التوراة، كتاب اليهود المقدَّس، لا يمكن أن تُنفَّذ كاملة إلا في الأرض المقدَّسة. بل، وكما جاء في أحد أسفار التلمود وفي أحد تصريحات بن جوريون، فإن السكنى في الأرض بمنزلة الإيمان: "لأن من يعيش داخل أرض يسرائيل يمكن اعتباره مؤمناً، أما المقيم خارجها فهو إنسان لا إله له". بل إن فكرة الأرض تتخطى فكرة الثواب والعقاب الأخلاقية (كما هو الحال دائماً داخل المنظومة الحلولية) ، فقد جاء أن من يعيش خارج أرض الميعاد كمن يعبد الأصنام، وجاء أيضاً أن من يسر أربع أذرع في إرتس يسرائيل يعش لا ريب إلى أبد الآبدين، ومن يعش في إرتس يسرائيل يطهر من الذنوب، بل إن حديث من يسكنون في إرتس يسرائيل توراة في حد ذاته. وقد جاء في سفر أشعياء (33/24) أنه "لا يقول ساكن [في الأرض] أنا مَرضْت. الشعب الساكن فيها مغفور الاثم". وقد ارتبطت شعائر الديانة اليهودية بالأرض ارتباطاً كبيراً، فبعض الصلوات من أجل المطر والندى تُتلى بما يتفق مع الفصول في أرض الميعاد، كما أن شعائر السنة السبتية (سنة شميطاه) ، والشعائر الخاصة بالزراعة وبعض التحريمات الخاصة بعدم الخلط بين الأنواع المختلفة من النباتات والحيوانات لا تُقام إلا في الأرض المقدَّسة. وتدور صلوات عيد الفصح حول الخروج من مصر والدخول في الأرض، ويردد المحتفلون بالعيد الرغبة في التلاقي العام القادم في أورشليم، والواقع أن الثمانية عشر دعاءً (أهم قسم في الصلوات اليومية ويُدعى «شمونة عسريه» بالعبرية) يتضمن دعاءً بمجيء الماشيَّح الذي سيأتي في آخر الأيام ويقود شعبه إلى الأرض. وحتى الآن، يرسل بعض أعضاء الجماعات اليهودية في العالم في طلب شيء من تراب الأرض ليُنثَر فوق قبورهم بعد موتهم. وقد تَعمَّق التيار الحلولي، وتَعمَّق الارتباط اليهودي بالأرض، مع تدهور اليهودية، ولكنه مع هذا ظل ارتباطاً عاماً عاطفياً مجرداً بسبب وجود اليهود كجماعات منتشرة في العالم (لا يرغب معظمهم في العودة الفعلية) . وقد عبَّر التراث التلمودي عن هذه الازدواجية بأن شجع على حب صهيون والارتباط بها، وحذَّر في الوقت نفسه من العودة الفعلية لها. وطالب الحاخامات اليهود بوجوب انتظار الماشيَّح والإذعان لإرادة الإله، وهو الرأي الذي رفضته الجماعات المشيحانية المختلفة ابتداءً بشبتاي تسفي وانتهاءً بالصهيونية التي ترتكب خطيئة «التعجيل بالنهاية» ( «دحيكات هاكيتس» ) . ومع هيمنة القبَّالاه، تَعمَّق الارتباط بالأرض وتعمقت قداستها، ولكن العودة ظلت أمراً محرماً، إلى أن نصل إلى العصر الحديث مع الحركة الصهيونية (أما في الإسلام، فإن الأمر مختلف حيث بدأ الإسلام في مكة والحجاز ثم انفصل عنهما لأنه دين مُرسَل إلى كل الناس في كل زمان ومكان، ولا تُقاس التقوى في الإسلام بمدى القرب أو البعد عن مكة، وإنما تقاس بمدى القرب أو البُعد عن القيم الأخلاقية الإسلامية، أي أن انفصال الإسلام عن المكان وارتباطه بمجموعة من القيم هو بمنزلة تأكيد لحرية الفرد المسلم ومسئوليته ومقدرته على تجاوز الواقع المادي والتسامي عليه إن أراد) . وإذا كان الشعب يمتزج بالأرض في النسق الحلولي، فإن الزمان المقدَّس (التاريخ اليهودي) يمتزج بالمكان المقدَّس (الأرض) . ويتبدَّى هذا في أن الأرض المقدَّسة هي أرض الميعاد، لأن الإله وعد إبراهيم وعاهده على أن تكون هذه الأرض لنسله. وهي أيضاً «أرض المعاد» التي سيعود إليها اليهود تحت قيادة الماشيَّح، أي الأرض التي ستشهد نهاية التاريخ. والأرض هي مركز الدنيا لأنها توجد في وسط العالم، تماماً كما يقف اليهود في وسط الأغيار وكما يشكل تاريخهم المقدَّس حجر الزاوية في تاريخ العالم وتشكل أعمالهم حجر الزاوية لخلاص العالم. فإذا كان الشعب اليهودي هو أمة الكهنة، فإن الأرض بمنزلة المعادل الجغرافي لهذا التصور. وليس التاريخ اليهودي، حسب التصورات الحلولية التقليدية أو الصهيونية، إلا تعبيراً عن الارتباط بالأرض، وهو في الواقع ارتباط يجمع بين التاريخ الحي والجغرافيا الثابتة، الأمر الذي يؤدي إلى إلغاء وجود اليهود التاريخي خارج فلسطين. فهو وجود خارج الأرض، وبالتالي خارج التاريخ. كما يُلغي تاريخ الأرض نفسها باعتبار أنها مكان مطلق منبت الصلة بالزمان، خاو على عروشه، ينتظر ساكنيه الأزليين المقدَّسين. وقد تَضخَّم الحديث عن الأرض وعن ارتباط اليهود بها فتحولت إلى فكرة لاهوتية ونشأ ما يُسمَّى «لاهوت الأرض المقدَّسة» . وكان من أهم المشكلات التي ناقشها لاهوت الأرض مشكلة حدودها، فقد جاء في سفر التكوين (15/18) أن الإله قد قطع مع إبراهيم عهداً قائلاً: "لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات". ولكن في الإصحاح الرابع والثلاثين من سفر العدد توجد خريطة مغايرة حددت على أنها «أرض كنعان بتخومها» ، وحددت التخوم بشكل يختلف عن خريطة سفر التكوين. وقد حل الحاخامات هذه المشكلة بأن شَبَّهوا الأرض بجلد الإبل الذي ينكمش في حالة العطش والجوع ويتمدد إذا شبع وارتوى. وهكذا الأرض المقدَّسة، تنكمش إذا هجرها ساكنوها من اليهود، وتتمدد وتتسع إذا جاءها اليهود من بقاع الأرض. ومن المشكلات الطريفة التي واجهها لاهوت الأرض مشكلة ملكيتها. فالأرض المقدَّسة عبر تاريخها كان يقطن فيها، في معظم الأحيان، شعب غير مقدَّس. فمنذ بداية تاريخها وحتى عام 1000 ق. م، كان يقطن فيها الكنعانيون والفلستيون، ثم قطن فيها اليهود بضع مئات من السنين، ثم توافدت عليها بعد ذلك أقوام أخرى، إلى أن اختفى أي وجود يهودي حقيقي عام 70م. وهنا، كان على مفكري اليهود حل هذه المشكلة. وقد تناول الحاخام راشي العبارة الافتتاحية في التوراة التي تقول: "في البدء خلق الإله السموات والأرض"، فكتب معلقاً: إن الإله يخبر جماعة يسرائيل والعالم أنه هو الخالق، ولذلك فهو صاحب ما يخلق، يوزعه كيفما شاء. ولذا، إذا قال الناس لليهود أنتم لصوص لأنكم غزوتم أرض يسرائيل وأخذتموها من أهلها فبإمكان اليهود أن يجيبوا بقولهم: «إن الأرض مثل الدنيا ملك الإله، وهو قد وهبها لنا» . فالأرض المقدَّسة، توجد، إذن، خارج التاريخ، وهي جزء من السماء والأرض اللتين خلقهما الإله قبل بداية التاريخ، والإله الذي يحل في الطبيعة والتاريخ هو صاحب التصرف فيهما معاً. وقد استخدم مارتن بوبر المنطق نفسه في العصر الحديث في مجال تبرير الاستيلاء الصهيوني على الأرض. وقد حاولت اليهودية الإصلاحية أن تنفي أية إشارات إلى الأرض والعودة إليها في الصلوات اليهودية، على عكس اليهودية الأرثوذكسية والمحافظة التي تؤكد أهمية العلاقة الأزلية والرابطة الصوفية بين اليهودي والأرض. أما الصهيونية بجميع مدارسها، باستثناء الصهيونية الإقليمية، فتقوم على أساس التقديس العلماني أو الديني للأرض. وقد أحيا الفكرالصهيوني الثالوث الحلولي في اليهودية القديمة (وحدة الإله أو التوراة بالشعب بالأرض) ، فترك فكرة القداسة بشكل عام دون تحديد مصدرها: هل هي من الإله (وهذه هي الصيغة التي تأخذ بها الصهيونية الدينية) أم هي صفة دنيوية مُتوارَثة لصيقة بالشعب اليهودي والأرض اليهودية كامنة فيهما (وهي التي تأخذ بها الصهيونية اللادينية) . والصيغة الدينية هي حلولية متطرفة بحيث يتم تقديس الأرض لأنها متوحدة مع الإله، أما الصيغة العلمانية فهي حلولية بدون إله حيث تصبح الأرض هي الإله، وقد صرح ديان أن أرض يسرائيل هي ربه الوحيد. وقد استولى الصهاينة على الأرض الفلسطينية، وطردوا سكانها بالقوة العسكرية باعتبارها الأرض المقدَّسة. وأُسِّس الصندوق القومي اليهودي لتحويل المفهوم الصهيوني إلى حقيقة. وهكذا، فإنه يقوم بالحصول على الأرض باسم الشعب اليهودي، ويحرِّم دستوره تأجيرها أو بيعها لغير اليهود أو للأغيار العرب. ونظراً لأن التراث الديني اليهودي يحتوي على عدة خرائط تتفاوت في اتساعها وضيقها، فإنه توجد مدارس صهيونية عديدة تطرح كل منها صيغتها التوسعية الخاصة. فمنهم من يوِّسع نطاق القداسة لتضم سيناء، ومنهم من يضيقها لتقف عند حدود 1948. وهناك مدارس مختلفة داخل الجيش الإسرائيلي. ويرى يوري أفنيري أن فكرة الأرض المقدَّسة تُستخدَم فقط كنوع من الاعتذاريات والمسوغات بعد عمليات الضم نفسها، وأن ما يقرر الضم والانسحاب هو حركيات القوة الذاتية الصهيونية. وقد أشار إلى أن مرتفعات الجولان ليست لها أية قداسة خاصة، أو أن درجة قداستها تقل عن قداسة شبه جزيرة سيناء. وقد انسحبت إسرائيل مع هذا من سيناء، ولكنها لم تنسحب من الجولان. ولذا، يرى أفنيري أن دراسة التوسعية الصهيونية تتطلب دراسة الملابسات السياسية والعسكرية لا الآراء الفقهية. وكما يؤكد الفكر الصهيوني أهمية الأرض كعنصر أساسي في البعث القومي، يؤكد الفكر النازي أيضاً الشيء نفسه، فالشعب العضوي لا يمكنه أن ينهض إلا في أرضه التي يرتبط بها برباط عضوي قوي، وفي هذه الأرض وحدها يمكن أن تُولَد روح الشعب من جديد. ومن هنا أبدى النازيون تفهماً واضحاً لرغبة اليهود الصهاينة في الهجرة إلى أرضهم. ومن ثم قال أيخمان، في محاكمته، إن النازية كانت تهدف إلى وضع قليل من الأرض الثابتة تحت أقدام اليهود الجائلين. وهذا القول لا يختلف كثيراً عن الشعار الصهيوني «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض» فالصورة المشتركة هي صورة شعب جائل تائه يحتاج إلى أرض راسخة يضرب بجذوره فيها. ويبدو أن الارتباط بالأرض (الوطن القومي البعيد) من السمات الأساسية للجماعات الوظيفية كافة، فهذا الارتباط يُضعف انتماءها للوطن الذي تعيش فيه. ومن ثم، يُضعف ارتباطها به، ويزيد انفصالها عنه وبالتالي تتزايد أيضاً موضوعيتها وتعاقديتها. كما أن الارتباط بالأرض (المقدَّسة البعيدة) ، مقابل الأرض غير المقدَّسة القريبة، يزيد ترابط أعضاء الجماعة الوظيفية، وهو في نهاية الأمر يضعف الانتماء التاريخي، ومن ثم يعيش عضو الجماعة الوظيفية داخل مجتمع لا توجد بينه وبينها روابط تراحُم، فتزداد كفاءته في أداء وظيفته. صهيون Zion «تسيون» اسم تل وقلعة في القدس (يُشار له في اللغة العربية بـ «جبل المكبر» أو «جبل الزيتون» ) . وأصل الاسم غير معروف، ولكن هناك من ذهب إلى القول بأن الاسم مشتق من الكلمة الحورية «صيا» التي تعني «قلعة أو صخرة أو مكاناً جافاً أو ماءً جارياً» . وقد استُخدم الاسم، في بداية الأمر، للإشارة إلى قلعة اليبوسيين جنوب شرقي القدس أسفل تل أوفيل وجبل الهيكل أو جبل البيت أو هضبة الحرم. وقد سُمِّيت «بيت داود» بعد أن وقعت في يد داود. وبعد أن نقل لها حكمه، أصبحت كلمة «جبل صهيون» تشير إلى كل من تل أوفيل وجبل البيت، وهذا هو الاستعمال الذي شاع في زمن الحشمونيين حينما كان يُشار إلى جبل البيت بأنه جبل صهيون. ويُقال إن داود قد دُفن فيه. ولكن، مع القرن الأول الميلادي، أصبح الموضع الحالي الذي يوجد جنوب غربي مدينة القدس والذي يُشار إليه باعتباره جبل صهيون، مع أن معظم العلماء يرون أنه لا يمثل موضع جبل صهيون الأصلي. وحسب الرؤية الحلولية اليهودية، يسكن الإله في هذا الجبل المقدَّس، فقد ورد في المزامير: «رِّنموا للرب الساكن في صهيون» (مزامير 9/11) . ولكن الحلولية ترد كل شيء إلى مستوى واحد، وهو ما يعني تَداخُل الأشياء والظواهر وتَساقُط حدودها وذوبانها جميعاً في كلٍّ واحد. ولذا، تأخذ دلالة الكلمة في الاتساع إلى أن تشمل أي زمان ومكان لهما علاقة بالشعب المقدَّس. فكلمة «صهيون» لا تشير إلى الجبل وحده، بل إنها تشير أيضاً إلى المدينة المقدَّسة. ولكنها ليست مدينة وحسب، بل هي أيضاً «أم يسرائيل» التي سيُولَد الشعب اليهودي من رحمها. ولذا، يُطلَق على الشعب مُصطلَح «بنت صهيون» . ويزداد نطاق دلالة الكلمة اتساعاً، فنجد أن صهيون ليست الأم فحسب، بل هي الزوجة المهجورة، أي أنها «الشعب اليهودي» نفسه الذي يقاسي من آلام النفي. ثم تتسع الدلالة أكثر، فنجد أن كلمة «صهيون» تشير إلى كلٍّ من الشعب والأرض، فالأرض المقدَّسة ككل تُسمَّى «صهيون» . وتعني كلمة صهيون أيضاً «السماء» . ومع هذا، تظل الدلالة تتسع حتى نكتشف أن صهيون (الجبل أو المدينة أو الأرض) ستصبح عاصمة العالم كله عند مقدم الماشيَّح، وتصبح ذات دلالات أخروية (إسكاتولوجية) عميقة. وهكذا، تتمركز صهيون في وسط الجغرافيا والتاريخ، وعلى قمتهما. وفي محاولة لتهدئة النزعة المشيحانية في اليهودية، ولترويض الاتجاهات المتطرفة، فسر فقهاء اليهود كلمة «صهيون» بأنها المكان الذي اختاره الإله واصطفاه بالمعنى الديني وحسب. وبالتالي، يُعَدُّ السكن في صهيون عملاً خيِّراً بالمعنى الديني، ويُصبح حب صهيون والحنين إليها أمراً دينياً، أي أن صهيون ليست موقعاً جغرافياً وإنما هي مفهوم ديني. وقد أسقطت الحركة الصهيونية هذا التمييز وفسَّرت «صهيون» تفسيراً حرفياً، فلم تَعُد رمزاً دينياً، وإنما مكاناً ملائماً للاستيطان. وقد اشتق اسم الحركة الصهيونية من كلمة «صهيون» . وبسبب اختلاط المجال الدلالي للكلمة، طبعت الكنيسة الإنجليكانية في نيوزيلندا كتاب صلوات يُسقط كلمة «صهيون» وكلمة «إسرائيل» ويحل محلهما كلمات مثل: «جبل الإله المقدَّس» بدلاً من «صهيون» ، و «شعب الإله» بدلاً من «إسرائيل» . وبالتالي، فإن الكنيسة تضمن عدم الخلط بين المُصطلَحات، التي أفسدها الصهاينة باستيلائهم عليها، وبين القصد الديني الأصلي. الأرض المقدسة Holy Land «الأرض المقدَّسة» هي «إرتس يسرائيل» ، أي أرض فلسطين) انظر: «الأرض [إرتس] » ـ «إرتس يسرائيل» ) . أرض الميعاد The Promised Land انظر: «الأرض (إرتس) » . احترام حياة اليهودي (بكوَّح نيفيش) Pikuah Nefesh «احترام حياة اليهودي» هي عبارة نستخدمها للتعبير عن مُصطلَح «بكوَّح نيفيش» العبري، وكلمة «نيفيش» تعني «نفس» ، أما كلمة «بكوَّح» فتعني حرفياً «الوعي» (بقيمة الإنسان) . وينطلق هذا التعبير من مفهوم تلمودي ويشير حرفياً إلى واجب إنقاذ الحياة الإنسانية إن تعرضت للخطر ولكنه يشير فعلياً إلى واجب إنقاذ حياة اليهود. وقد ورد في اللاويين (19/16) "لا تقف على دم قريبك" بمعنى أنك لن تقف متفرجاً حينما يسيل دم جارك (اليهودي) . إذ يبدو أن احترام الحياة ينطبق على حياة أعضاء الشعب المقدَّس وحسب. ويذهب الحاخامات إلى أن مفهوم احترام الحياة يجبُّ حتى قوانين السبت وشعائره. وقد دارت حرب بين الحاخامات في إسرائيل حول هذا المفهوم، إذ طالب حاخام السفارد الأكبر السابق عوبديا يوسف بالانسحاب من الأراضي المحتلة لإنقاذ حياة اليهود عملاً بمفهوم بكوَّح نيفيش هذا، وقد أيَّده بعض الفقهاء في رأيه واقتبسوا من العهد القديم من سفر التثنية الإصحاح 30، فقرة 19 "قد جعلت قدامك الحياة والموت، البركة واللعنة، فاختر الحياة لكي تحيا أنت ونسلك» . ومن الواضح مرة أخرى أن المقصود حياة اليهود. وقد اقتبس المعارضون لرأيه من سفر العدد، إصحاح 33، فقرة 52 ـ 53 «كلم بني إسرائيل وقل لهم إنكم عابرون الأردن إلى أرض كنعان، فتطردون كل سكان الأرض من أمامكم وتمحون جميع تصاويرهم وتبيدون كل أصنامهم المسبوكة وتخربون جميع مرتفعاتهم. تملكون الأرض وتسكنون فيها لأني قد أعطيتكم الأرض لكي تملكوها» . وتبيِّن المقطوعة أن الأرض هي المطلق، والارتباط بها والحفاظ عليها يجبُّ كل القيم الأخرى، ومنها حياة اليهود أنفسهم، وكان بوسع معارضي الحاخام عوبديا يوسف ألا يذهبوا بعيداً وأن يكتفوا باقتباس الفقرة التي تأتي بعد الفقرة التي اقتبسها مؤيدوه (سفر التثنية 30/20) والتي جاء فيها «إذ تحب الرب إلهك وتسمع لصوته وتلتصق به لأنه هو حياتك والذي يطيل أيامك لكي تسكن على الأرض التي حلف الرب لآبائك إبراهيم وإسحق ويعقوب أن يعطيهم إياها» . والفقرة الثانية تجعل الحياة الإنسانية (ومنها حياة اليهود) ثانوية بالنسبة للأرض، فالإله يطيل حياة اليهود لكي يسكنوا الأرض. والواقع أن الصراع هنا صراع بين رؤيتين داخل التركيب الجيولوجي اليهودي تعبِّران عن درجتين من الحلول، وفي الرؤية الأولى يتم الحلول الإلهي في الشعب اليهودي (دون الأرض) فيصبح اليهودي مركز الكون ومن ثم تصبح حياته أمراً مهماً. أما الرؤية الحلولية الأخرى فتختزل الوجود بأسره إلى مستوى واحد ويتم الحلول الإلهي في كل من الشعب والأرض، ليكتمل الثالوث الحلولي ويفقد الإنسان أية مركزية وأهمية لتحل الأرض محله وتسيل الدماء من أجلها. وقد وصف الشاعر الإسرائيلي حاييم جوري أرض إسرائيل بأنها ليست مجرد قطعة أرض أو إقليم وإنما إلهة ثأر وثنية بذيئة لا تشبع قط من شرب دماء عابديها، فهي تطالب بمزيد من المدافن وصناديق دفن الموتى. وقد لاحظ الكاتب الإسرائيلي بن عزرا أن الإسرائيليين الشباب الذين يخدمون في الجيش يشعرون بأن أهلهم، بالاشتراك مع الدولة، يضحون بهم بدون تعويض أو عزاء من عقيدة دينية تؤمن بالحياة بعد الموت، ولذا فهم يشعرون بأن هذه الحروب هي «تضحية علمانية بإسحق» ، أي أنها تضحية تدور في إطار حلولية بدون إله، ولذا فهي تضحية بشرية لا هدف لها ولا معنى. إن الدائرة الحلولية بدون إله قد انغلقت على رأس المستوطنين، فالأرض مقدَّسة، بل «هي ربي الوحيد» على حد تعبير موشى ديان، وهي موضع الحلول الإلهي دون إله، ولذا فهي صماء لا تعي ولا تنطق، ولذا فلا مجال للحفاظ على حياة العرب ولا حياة الإسرائيليين أو اليهود، لا مجال لبكوَّح نيفيش، فهذا المفهوم الحلولي يفترض وجود إله يحابي شعبه، أما الصهيونية فقد أعلنت موت هذا الإله وبقيت الأرض مقدَّسة دون أي احترام لأي حياة، سواء كانت حياة اليهود أم غيرهم. ولذا لا يملك ديان إلا أن يقول: "إننا جيل من المستوطنين لا نستطيع غرس شجرة أو بناء بيت بدون الخوذة الحديدية والمدفع، وعلينا ألا نغمض عيوننا عن الحقد المشتعل في أفئدة مئات الآلاف من العرب حولنا، علينا ألا ندير رؤوسنا حتى لا ترتعش أيدينا. إنه قدر جيلنا، إنه خيار جيلنا، أن نكون مستعدين ومسلحين، أن نكون أقوياء وقساة، حتى لا يقع السيف من قبضتنا وتنتهي الحياة". |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
الكُتب المقدَّسة والدينية
Sacred and Religious Books تتَّسم اليهودية بتعدد كُتُبها الدينية المقدَّسة. ويعود هذا إلى عدة أسباب من أهمها فكرة العقيدة الشفوية الحلولية التي تضفي القداسة على كتابات الحاخامات الدينية واجتهاداتهم، بل تعادل بين الوحي الإلهي (التوراة) والاجتهاد البشري (التلمود) . وقد مرّت اليهودية، كنسق ديني، بمراحل تطور تاريخية طويلة؛ متعددة ومتناقضة. ولذا، فهي تأخذ شكل تركيب جيولوجي تراكمت داخله عدة طبقات تتعايش جنباً إلى جنب، أو الواحدة فوق الأخرى، ويتبدَّى هذا التراكم الجيولوجي في الصراع الحاد بين التوحيد والحلولية، والذي يتضح في كتب اليهود المقدَّسة وأهمها الكتاب المقدَّس أو التوراة، والتي تُقسَّم إلى أسفار موسى الخمسة (وهي أهم أجزائه وأكثرها قداسة) ، ثم كتب الأنبياء (وهي أكثر الأسفار توحيدية) ، وأخيراً كتب الحكم والأمثال والأناشيد. وبعد انتهاء تدوين العهد القديم واعتماده من قبَل الحكماء اليهود، ظهرت كتب الرؤى وغيرها من الأسفار التي استُبعد بعضها، وأصبحت تُسمَّى الكتب الخارجية أو الخفية (أبوكريفا) أو غير القانونية، وسُمِّي بعضها الآخر الكتب المنسوبة (سيود إبيجرفا) . ومعظم هذه الكتب ذو أصل شعبي واتجاه حلولي واضح. وقد نسى اليهود هذه الكتب طوال العصور الوسطى في الغرب، ولم يكتشفوها إلا مع عصر النهضة. ومع القرن السادس، تم تدوين التلمود الذي أصبح كتاب اليهود الديني الأول، حتى أنه حل محل العهد القديم نفسه، وبذلك تكون النزعة الحلولية قد انتصرت وبدأت في الهيمنة التدريجية على النسق الديني اليهودي. ومع القرن الثالث عشر، ظهرت كتب القبَّالاه ابتداءً من الباهير فالزوهار ثم كتابات إسحق لوريا التي سادت الفكر الديني اليهودي تماماً حتى أن التلمود أُهمل من قبَل معظم أعضاء الجماعات وحاخاماتهم، وأصبح مقصوراً على أرستقراطية الحاخامات وحسب. ويشكل شيوع القبَّالاه الهيمنة الكاملة للطبقة الحلولية داخل التركيب الجيولوجي اليهودي. ولليهود كتب.... صلوات تضم صلواتهم، وتُضاف إليها بركات وأدعية وأناشيد وقصائد، بعضها حلولي والبعض الآخر توحيدي. وقد انعكس هذا التركيب الجيولوجي على الفكر الديني اليهودي الحديث الذي يضم اتجاهات فكرية مختلفة علمانية وإلحادية ووجودية وصوفية، كما انعكس على الصهيونية وعلى الفكر المعادي للصهيونية. ويجد كل فريق سنداً لرأيه في التراث الديني الذي يضم طبقات متراكمة مختلفة. ويمكن القول بأن الحلولية بدون إله قد وجدت هي الأخرى كتبها المقدَّسة، فقد أكد ماكس نوردو أن كتاب هرتزل دولة اليهود سيحل محل التوراة والكتب الدينية الأخرى. ورغم مغالاة هذا الزعيم الصهيوني، فإن من يدرس الفكر الديني اليهودي، بعد أن تمت صهينته، وبعد أن تم إضفاء مركزية دينية على الدولة الصهيونية، لا في الوجدان الشعبي فقط وإنما في العقيدة نفسها، لا يملك إلا أن يرى قدراً كبيراً من الصدق في هذا القول. وقد جاء حاييم كابلان ليؤكد أن وثائق التاريخ الأمريكي تُعتبَر أيضاً من كتب اليهود المقدَّسة، كما أن الولايات المتحدة تشكل أساس المطلقية. ويذهب أحد مفكري لاهوت موت الإله (إرفنج جرينبرج) إلى أن العهد القديم هو كتاب اليهود المقدَّس في مرحلة الهيكل، وأن التلمود كتاب مرحلة الشتات اليهودي، أما في المرحلة الثالثة (مرحلة ما بعد أوشفيتس وتشييد الدولة الصهيونية) فإن كتابهم المقدَّس هو النصوص التي تُذكِّر الشعب اليهودي بالإبادة وبضرورة البقاء، ومن هنا يعتبر جرينبرج كتابات إيلي فيزيل، على سبيل المثال، كتابات مقدَّسة، وكذلك إعلان استقلال إسرائيل. وحالة السيولة هذه أمر متسق تماماً مع الحلولية بدون إله. العهد القديم Old Testament «العهد القديم» مصطلح يستخدمه المسيحيون للإشارة إلى كتاب اليهود المقدَّس، بينما يُستخدَم مصطلح «العهد الجديد» للإشارة إلى الأسفار التي تتضمنها الأناجيل الأربعة وإلى أعمال الرسل ورسائلهم (سبعة وعشرين سفراً) . أما اليهود أنفسهم، فيستخدمون عبارة «سيفري هاقودش» أو «كتبي هاقودش» ، أي «الكتب المقدَّسة» ، ويستخدمون أحياناً تعبير «كتوفيم» ، أي «الكتب» . كما يُستخدَم لفظ «توراة» في بعض الأحيان. ومن الألفاظ الأخرى المستخدمة، لفظ «المقرا» و «تناخ» . ويشتمل العهد القديم على الأقسام التالية: أولاً: أسفار موسى الخمسة (بالعبرية: حوميش موشيه) ، وتُعرَف أيضاً باسم «التوراة» أو «شريعة موسى» . وهي تحتوي على الشرائع والقوانين والشعائر والوصايا العشر التي أوصى الإله بها موسى، كما تضم أخباراً تاريخية عن جماعة يسرائيل: 1 ـ سفر التكوين. ويهتم بوصف الخليقة، وأصل العبرانيين (جماعة يسرائيل) حتى الخروج من مصر. 2 ـ سفر الخروج. ويروي تاريخ العبرانيين في مصر وخروجهم منها. 3 ـ سفر اللاويين. ويعالج واجبات الكهنة والطقوس الأخرى. 4 ـ سفر العدد. وفيه تعداد رؤساء الشعب وحاملي السلاح، وفيه أيضاً أخبار تذمُّر الشعب، والتجسس على أرض كنعان. 5 ـ سفر التثنية. أي تثنية الاشتراع أو إعادة الشريعة وتكرارها على جماعة يسرائيل. ثانياً: أسفار الأنبياء (بالعبرية: نفيئيم) . هذا القسم يتضمن ما وقع للعبرانيين من أحداث بعد موت موسى حتى هدم الهيكل المقدَّس. وهو يغطي فترة زمنية تمتد بين سنة 1300 وسنة 200 ق. م تقريباً، وينقسم إلى قسمين: 1 ـ الأنبياء الأولون أو المتقدمون (نفيئيم ريشونيم) ، وعدد أسفاره ستة: سفر يشوع (يوشع بن نون) الذي يروي قصة احتلال جماعة يسرائيل أرض كنعان وتقسيم الأرض بين الأسباط أو القبائل العبرانية، وسفر القضاة الذي يذكر أسماء القضاة وتاريخ جماعة يسرائيل في عهدهم وانتصارهم على الفلستيين، وسفرا صموئيل: وهما (الأول والثاني) اللذان يعالجان تأسيس المملكة العبرانية المتحدة وقصة داود، وسفرا الملوك (الأول والثاني) وهما يغطيان فترة حكم داود وسليمان وسقوط المملكة الشمالية ثم المملكة الجنوبية. 2 ـ والأنبياء الآخرون أو المتأخرون (بالعبرية: نفيئيم أحرونيم) : وهذا القسم يضم مجموعة من النبوءات والمواعظ والقصص، وعددها خمسة عشر سفراً، منها ثلاثة لأنبياء كبار (أشعياء، وإرميا، وحزقيال) ، واثنا عشر لأنبياء صغار (هوشع، ويوئيل، وعاموس، وعوفديا، ويونس [وهو نبي مرسل إلى نينوي وليس إلى جماعة يسرائيل] ، وميخا، وناحوم، وحبقوق، وصفنيا، وحجاي، وزكريا، وملاخي) . وتتبع أسفار موسى الخمسة وأسفار الأنبياء نسقاً تاريخياً متصلاً يحكي تاريخ العبرانيين منذ ظهورهم في التاريخ حتى عودتهم من التهجير إلى بابل. وتشكل الأسفار كلها ما يشبه الملحمة، تدور أحداثها حول عبقرية هذا الشعب المختار والمصاعب التي واجهها، وطريقة انتصاره عليها وتحقيقه إرادته. ثالثاً: كتب الحكمة والأناشيد (بالعبرية: كيتوفيم) ، أي «الكتابات» . وهي مجموعة من الأسفار التي تضم مواد تاريخية وقصصية وغنائية وعددها أحد عشر، إذا اعتبرنا سفري عزرا ونحميا سفراً واحداً. وترتيب هذه الأسفار حسب ورودها في العهد القديم كما يلي: 1 ـ مزامير داود. ويُنسَب معظمها إلى داود، وهي أناشيد شكر للإله وتراتيل روحية. 2 ـ سفر الأمثال. 3 ـ سفر أيوب. ويحدثنا عن حياة أيوب الصالح (ويُعتقَد أن هذا السفر من أصل عربي، فأيوب من بني عيسو) . 4 ـ نشيد الأنشاد. وهو من الأغاني الشعبية للأفراح والزفاف، ويُقال إنه نشيد غزل بين الإله وجماعة يسرائيل، ويُنسب إلى سليمان. 5 ـ راعوث. وهي قصة بطلة ترجع إلى عصر القضاة. 6 ـ مراثي إرميا. وهي قصائد بكاء على أورشليم (القدس) بعد تخريبها. 7 ـ سفر الجامعة. وهو خواطر فلسفية ذات طابع عدمي. 8 ـ سفر إستير. ويتحدث عن خلاص جماعة يسرائيل على يد إستير. ويحتفل اليهود بهذه المناسبة في عيد النصيب. 9 ـ سفر دانيال. ويحدثنا عن سيرة هذا النبي. 10 ـ سفر عزرا. ويتحدث عن عودة العبرانيين (أعضاء جماعة يسرائيل) إلى أورشليم (القدس) ، وإعادة بناء الهيكل الثاني. 11 ـ سفر نحميا. وهو يعنى أيضاً بعودة اليهود من السبي البابلي. 12و13 ـ سفرا أخبار الأيام (الأول والثاني) . وهما تلخيص للوقائع التاريخية الواردة في العهد القديم منذ بدء الخليقة حتى السبي البابلي. وقد أضاف المسيحيون، إلى كل ذلك، الكتب الخارجية أو الخفية (أبوكريفا) ، ثم أضافوا العهد الجديد، وقد اتخذ كل هذا اسم «الكتاب المقدَّس» . ويختلف ترتيب العهد القديم عند الكاثوليك عنه عند البروتستانت، وهذا يعود إلى أن الكاثوليك يقرون الأسفار التي وردت في الترجمة السبعينية زائدةً عن الأصل العبري، بل يفضلونه، ذلك لأنه ييسر عملية ربط العهد الجديد بالعهد القديم. هذا، بينما لا يعتبر معظم البروتستانت تلك الزيادات مقدَّسة، فهي في نظرهم لا تنتمي إلى العهد القديم. وتتضارب الآراء المتصلة بتاريخ تدوين الأسفار، ولا تزال المسألة خلافية. وأولى المشاكل هي الإشارات العابرة في العهد القديم إلى نصوص لم تُدوَّن، مثل: كتاب حروب الرب، وسفر ياشر، وسفر أخبار شمعيا، وسفر أمور سليمان، وسفر كلام ناتان النبي، وسفر أخبار الأيام لملوك يهودا، وسفر ملوك جماعة يسرائيل، وغيرها. وتدل أسماء الأسفار السابقة على أن ملوك العبرانيين كانوا يدونون أخبارهم على عادة ملوك الشرق الأدنى القديم، وأن كتب الأخبار وكتب الملوك الحالية هي كل ما تبقى. والمشكلة الثانية هي أن نصوص العهد القديم تم تَناقُلها شفاهةً. ولذا، فإن معظم المؤرخين يرجحون تعرُّضها إلى ما تتعرض له عادةً كل الأقوال المنقولة مشافهة، وبالتالي دخلتها التناقضات وتداخلت النصوص والمصادر. ومن هنا، فقد قام علم نقد العهد القديم بتطوير نظرية المصادر وتفسير التناقضات وعدم التجانس الأسلوبي. والواقع أن تدوين العهد القديم بدأ في فترة زمنية تَبعُد عن موسى مئات السنين، وكذلك عن كثير من الأحداث التي تم التأريخ لها. كما أن عملية التدوين لم تتم دفعة واحدة، وإنما تمت خلال مدة زمنية طويلة. وتم اختيار بعض النصوص المقدَّسة من بين نصوص مقدَّسة أخرى. ويرى كثير من الباحثين أن أول جزء من العهد القديم تم تدوينه هو أسفار موسى الخمسة، ويُقال إن هذه العملية تمت في بابل أثناء فترة التهجير (587 ق. م) أو ربما قبل ذلك بوقت قصير، ذلك أنه لم يأت ذكر لقراءة التوراة في الاحتفالات الخاصة بافتتاح الهيكل، وأول إشارة إلى قراءة التوراة هي قراءة عزرا عام 444 ق. م. أما كُتُب الأنبياء، فمن الأرجح أنها دُوِّنت أثناء المرحلة الفارسية فيما قبل عام 333 ق. م. ومما يدعم هذا الرأي أن سفري الأخبار لم يحلا محل سفري صموئيل والملوك ولم يلحقا بهما، الأمر الذي يدل على أن كتب الأنبياء كان قد تم تدوينها والاعتراف بها ككتب قانونية. ولا توجد في أسفار الأنبياء أية كلمة إغريقية، ولا أية إشارة إلى سقوط الإمبراطورية الفارسية أو ظهور الإمبراطورية اليونانية. ولكن لابد أن ثمة فترة زمنية قد مرَّت بين تدوين أسفار موسى الخمسة وتدوين أسفار الأنبياء، ذلك لأن هذه الأخيرة لم تكن تُقرأ في الاجتماعات العامة التي وُصفت في سفر نحميا (8 و10) . كما أن السامريين الذين انفصلوا عن اليهود، وبنوا هيكلهم في جريزيم عام 428 ق. م، اعترفوا بالتوراة ولم يعترفوا بكتب الأنبياء. وقد جُمعت أسفار الأنبياء ونُظِّمت خلال الفترة الممتدة من القرن السادس حتى القرن الثالث قبل الميلاد، ويبدو أنها أُلِّفت في فترة كانت فيها أسفار موسى مجهولة منسية، إذ يَندُر أن تجد فيها ذكراً لاسمه. ويبدو أن بعض الأنبياء أيضاً (عاموس مثلاً) لم يكن لهم به علم. أما القسم الثالث، وهو كتب الحكمة والأناشيد، فقد أُلِّف بعضه أثناء عصر الأنبياء، ولكنها لم تُضَم إلى كتب الأنبياء باعتبار أنها لم تكن ثمرة الوحي الإلهي. أما الكتب ذات الطابع النبوي، مثل كتب دانيال وعزرا والأخبار، فلابد أنها كُتبت في مرحلة متأخرة بحيث لم يمكن ضمها إلى كتب الأنبياء. ولقد ضُمَّت أسفار الحكمة والأناشيد، لكنها لم تُعتبَر جزءاً من العهد القديم إلا في القرن الثاني قبل الميلاد، فقبل ذلك التاريخ كان الحديث يتواتر عن التوراة باعتبارها أسفار موسى الخمسة والأنبياء دون إشارة إلى كتب الحكمة والأناشيد. ومن الأدلة الأخرى على أن هذه الأسفار كانت متأخرة، وجود كلمات يونانية في نشيد الأنشاد ودانيال، وكذلك الإشارة في سفر دانيال إلى سقوط الإمبراطورية الفارسية. ولا يشير بن سيرا إلى سفر دانيال أو إستير. وقد استمر الجدل حول أسفار مثل: الأمثال، ونشيد الأنشاد، وإستير، وسفر الجامعة، هل تُضَم مع الأسفار القانونية أم لا؟ ويُطلَق مصطلح «كانون Canon» أي «الأسفار القانونية» ، على تلك الأسفار أو النصوص التي تم اعتمادها. أما الكتب غير القانونية، فتُسمَّى الكتب الخارجية أو الخفية أو الكتب المنسوبة (سيودإبيجرفا) . والقواعد التي استخدمها محررو العهد القديم لضم أو استبعاد هذا أو ذاك النص غير معروفة، ولكن يبدو أن هذه القواعد هي بشكل عام: 1 ـ أن يكون النص مكتوباً بالعبرية. ويبدو أن بداية ونهاية سفر دانيال تُرجمتا من الآرامية إلى العبرية بسرعة حتى يمكن ضمهما إلى النص القانوني المُعتمَد. 2 ـ أن يكون النص قد كُتب في مرحلة ما قبل النبي مالاخي، أي في القرن الخامس قبل الميلاد، وهي الفترة التي يرى الحاخامات أن النبوة توقفت عندها في جماعة يسرائيل. 3 ـ أن يتفق مضمون النص مع المعايير الدينية التي تبناها الحاخامات. ويبدو أن مشادات فقهية بين الفقهاء، كانت تحدث من وقت لآخر، في شأن بعض الأسفار نظراً لما تحتويه من أفكار غنوصية مثل سفر حزقيال واتفقوا في نهاية الأمر على تركه داخل إطار الكتب القانونية مع عدم تدريسه للصغار. ولغة الكتاب المقدَّس (اليهودي) هي العبرية، وإن كانت التراكيب والأساليب وبعض المفردات تختلف باختلاف هذه الأسفار وتنم عن الفترة التي وُضع فيها كل سفر. ومع هذا، فإن هناك أجزاء وُضعت باللغة الآرامية. والعبرية، مثلها مثل العربية، تتميَّز بالعلامات الصوتية المميِّزة للحرف، أي علامات التشكيل. ولما كان النص العبري الأصلي مكتوباً دون علامات التشكيل، فقد كان لابد أن يتم الاتفاق على قراءة معيارية. وبالفعل، ظهر النص المعتمد كتابةً وقراءة، وهو الذي يُطلَق عليه مصطلح النص «الماسوري» أو «ماسوراتي» . ويُطلَق على المحققين الذين وضعوا علامات الضبط بالحركات «الماسوريون» . وقد قُسِّم العهد القديم إلى أسفار وإصحاحات وفقرات ومقاطع في القرن الثالث عشر، فنص التوراة الذي كُتب على لفائف التوراة لا يزال حتى الآن بدون علامات تشكيل ولا علامات فصل بين الأسفار والإصحاحات والفقرات المختلفة. وقد تُرجم الكتاب المقدَّس إلى مختلف لغات العالم تقريباً. ومن أهم الترجمات: الترجمة اليونانية، وهي ما يُعرَف باسم «الترجمة السبعينية» ، والترجمة الآرامية وأهمها «الترجوم» ، والترجمة اللاتينية وتُعرَف باسم «الفولجاتا أو الشعبية» . كما تُرجم الكتاب المقدَّس إلى السريانية باسم «البشيطاه» ، وكذلك تُرجم إلى العربية. وأقدم ترجمة هي ترجمة سعيد بن يوسف الفيومي، فيما نعلم، إلا أن ثمة محاولات سابقة عُثر عليها في الجنيزاه القاهرية باللهجة المصرية العامة. ويرى اليهود الأرثوذكس أن كلمات العهد القديم، وأسفار موسى الخمسة بصفة خاصة، هي كلام الإله الذي أوحى به إلى موسى حرفاً حرفاً، وأملاه عليه حينما صعد إلى جبل سيناء، وهو كلام أزلي لا يتغيَّر. والكتب التاريخية وأسفار الأنبياء والأناشيد والحكم، هي الأخرى نتاج الروح المقدَّسة، وإن كانت بدرجة أقل، تلك الروح التي تغمر روح الإنسان فيتحدث باسم الإله. وتُعتبَر كل كلمة، وكل جملة وردت في العهد القديم، ذات معنى داخلي ومغزى عميق. لكل هذا، نجد أن العهد القديم، بالنسبة إلى اليهود الأرثوذكس، هو السلطة العليا التي لا يمكن التشكيك فيها، وهو المرجع الأخير في الحياة الدينية. ولكن أسفار موسى الخمسة، مع هذا، تظل أهم الأجزاء التي تشكل جوهر اليهودية وشريعتها. أما بالنسبة إلى اليهود الإصلاحيين والمحافظين والتجديديين، فإن العهد القديم يُعَدُّ مجرد إلهام من الإله وليس وحياً منه. وقد وصل هذا الإلهام إلى واضعي الكتاب المقدَّس بدرجات مختلفة. ولذا، فإن بعض أجزاء العهد القديم ذو قيمة روحية وأخلاقية أعلى من غيره. كما لم يكن الوحي الإلهي، أي الإلهام، خالصاً. فقد اصطبغ هذا الوحي بصبغة إنسانية، فلزم أن يقوم اليهودي بإعادة تفسيره ليستخلص الوحي الإلهي (المطلق) من النص الذي يضم عناصر إنسانية تاريخية (نسبية) . ويُعتبَر العهد القديم العبري من مصادر التشريع اليهودي الأساسية، وقد ظل قروناً طويلة يشكل المنهج الدراسي الوحيد في المدارس الدينية اليهودية، وإلى جانبه التلمود الذي هو تفريع منه. وفي إسرائيل، فإن منهج الدراسة يتضمن خمس ساعات أسبوعياً لدراسة العهد القديم. كما أن الصهاينة اللادينيين يعتبرون العهد القديم وكتب اليهود المقدَّسة كتباً عظيمة تشكل جزءاً مهماً من تراث اليهود وفلكلورهم القومي وهو تعبير عن انتشار الحلولية بدون إله بين الصهاينة. وقد نشر أحد التربويين الإسرائيليين في أحد الكيبوتسات كتاباً يروي قصص العهد القديم باعتبارها أدباً من صنع البشر، ومن ثم فإنه قد استبعد أي إشارة إلى الإله. التوراة Torah «توراة» كلمة من أصل عبري مشتقة من فعل «يوريه» بمعنى «يُعلِّم» أو «يوجِّه» ، وربما كانت مشتقة من فعل «باراه» بمعنى «يُجري قرعة» . ولم تكن كلمة «توراة» ذات معنى محدد في الأصل، إذ كانت تُستخدَم بمعنى «وصايا» أو «شريعة» أو «علم» أو «أوامر» أو «تعاليم» ، وبالتالي كان اليهود يستخدمونها للإشارة إلى اليهودية ككل، ثم أصبحت تشير إلى البنتاتوخ أو أسفار موسى الخمسة (مقابل أسفار الأنبياء وكتب الحكمة والأناشيد) . ثم صارت الكلمة تعني العهد القديم كله، مقابل تفسيرات الحاخامات. ويُشار إلى التوراة أيضاً بأنها القانون أو الشريعة، ويبدو أن هذا قد تم بتأثير الترجمة السبعينية التي ترجمت كلمة «توراة» بالكلمة اليونانية «نوموس» أي «القانون» . وقد شاع هذا الاستخدام في الأدبيات الدينية اليهودية حتى أصبحت كلمة «توراة» مرادفة تقريباً لكلمة «شريعة» . ويُلاحَظ أنه، داخل الإطار الحلولي، تتداخل حدود الأشياء والدوال وتذوب المدلولات بعضها في البعض وتنفصل الدوال عن المدلولات، وهذا ما يحدث في لفظ «توراة» مع هيمنة الحلولية بشكل تدريجي. وقد وَسَّع الحاخامات معنى الكلمة استناداً إلى العقيدة أو الشريعة الشفوية الحلولية التي تساوي بين الوحي الإلهي والتفسير الحاخامي والقائلة بأن هناك توراتين أو شريعتين: واحدة مكتوبة تلقاها موسى عند جبل سيناء، والأخرى شفوية يتناقلها الحاخامات عن موسى، ولها نفس قداسة التوراة المكتوبة. وبهذا أصبحت كلمة «توراة» تعني «هالاخاه» ، وكل الأوامر والنواهي التي ورد ذكرها في كل من التوراة والتلمود والشولحان عاروخ وفتاوى الحاخامات وتفسيراتهم، بل أحياناً ما ورد ذكره في الكتب القبَّالية. وقد جاء في التلمود أن الإله يقول: "ياليت الناس يهجرونني ولا يهجرون التوراة" (حجيجاه 1/7) ، وهي عبارة تعبِّر عن درجة عالية من الحلولية باعتبار أن التوراة هنا مطلق منفصل عن الإله، وربما يفوقه في الأهمية. والمقصود هنا هو التوراة الشفوية، أي آراء الحاخامات وتفسيراتهم. ومن ناحية أخرى، فإن المجال الدلالي للكلمة واسع للغاية، وقد أشار القبَّاليون إلى التوراة الظاهرية والتوراة الباطنية أو توراة الخلق (بالآرامية: توراه دى بريئاه) وتوراة الفيض (بالآرامية: توراه دي أتسليوت) . وتوراة الفيض هي التوراة التي يمكن أن يتوصل لها المفسرون العالمون بالقبَّالاه، وهي مختلفة تماماً عن التوراة المتداولة بين اليهود ولها تعاليم وشرائع تقف الواحدة أحياناً على الطرف النقيض من الأخرى. وتُستخدَم كلمة «توراة» أيضاً للإشارة إلى سلوك أتقياء اليهود وأقوالهم باعتبارها «توراة» . وقد جاء في التلمود أن حديث من يعيش في أرض الميعاد «توراة» ، كما أن الحسيديين كانوا يقولون إن حديث بعل شيم طوف توراة، بل كذلك حديث وأفعال كل تساديك حسيدي يلتصق بالإله! وتحتل التوراة، بمعنييها الضيق والواسع، مكاناً مركزياً في الوجدان الديني لليهود، فهي أقدم من هذا العالم، بها ولها خلق الإله الدنيا، وهي عروس الرب التي تجلس إلى جواره على العرش، والتي ستُزَف إلى الماشيَّح حينما يأتي إلى هذا العالم. ويُحتفَظ في المعبد اليهودي بـ «تاج التوراة» ، وبمؤشر من الذهب أو الفضة على شكل يد لاستخدامه في قراءة التوراة. ومن أقدس الأماكن في المعبد اليهودي، الدولاب المسمَّى «تابوت العهد» الذي يُحتفَظ فيه بلفائف الشريعة. وتُستخدَم كلمة «توراة» كذلك للإشارة إلى كل التراث الديني اليهودي بقضه وقضيضه، وكل ما أوصى الإله به لجماعة يسرائيل، أو للعالم كله من خلال جماعة يسرائيل. وفي المصادر الكلاسيكية اليهودية لم يكن يشار إلى «اليهودية» وإنما إلى «التوراة» ، بل لم يظهر مصطلح «يهودية» إلا في العصر الهيليني. ولكن، ورغم ترادف المصطلحين، فإن ثمة اختلافاً دقيقاً بينهما، فبينما تُستخدَم كلمة «توراة» للإشارة إلى الجوانب الإلهية الثابتة في العقيدة اليهودية، تستخدم كلمة «يهودية» للإشارة إلى الجوانب المتغيرة التاريخية، ومن هنا يمكن الحديث عن «اليهودية الحاخامية» ، أو «اليهودية الإصلاحية» ، ولكن لا يمكن الحديث عن «التوراة الحاخامية» ، أو «التوراة الإصلاحية» . ويرى بعض علماء اليهود أن كلمة «توراة» هي، بالمعنى العام، المقابل لكلمة «لاهوت» في المسيحية، فلاهوت اليهودية هو التأمل في التاريخ اليهودي والتقاليد اليهودية، تماماً مثل اللاهوت المسيحي، ولكنه لاهوت معلمين وحاخامات وليس لاهوت كنيسة، جانبه الخارجي هو الهالاخاه، أي الشريعة، وجانبه الداخلي هو الأجاداه، أي القصص الوعظية، وكلاهما «توراة» . وتُستخدَم الكلمة أيضاً للإشارة إلى مخطوط أسفار موسى الخمسة المكتوب بخط اليد (لفائف الشريعة) ، والذي يُحفَظ في تابوت العهد في المعبد اليهودي. وكان الأطفال اليهود يتعلمون في الجيتو أن التوراة هي الشيء الوحيد الباقي، أما العالم فزائل، ولذا يجب على اليهودي أن ينفق كل وقته في دراستها، وأن هذا واجب ديني نص عليه العهد القديم. وفي واقع الأمر، لا يوجد مثل هذا النص لا في أسفار موسى الخمسة ولا في كتب الأنبياء، ويبدو أن فكرة دراسة التوراة ذات أصل يوناني. وقد قال أحد الفقهاء اليهود إن اليهود يعملون بالتجارة والربا، لأنهم بهذه الطريقة يحققون أرباحاً كبيرة سريعة دون أن يعملوا، وبذلك يتفرغون لدراسة التوراة. على أن هذه الدراسة لا تهدف إلى الخروج من الذات وتحدِّيها، بقدر ما هي ضرب من عبادة الذات وتوثينها، إذ أننا نكتشف أن التوراة (مكتوبة وشفوية) ليست نتاج عبقرية الشعب فحسب، بل هي أيضاً «جماعة يسرائيل» ، وهما معاً يكوِّنان شيئاً واحداً. ومن الواضح أن هناك جوانب قومية للاهتمام اليهودي بالتوراة، كما هو الحال مع الأنماط الحلولية. فالحكمة ملك لكل الشعوب، أما التوراة فهي الكتاب المقدَّس لليهود وحدهم وهي مصدر الحياة بالنسبة إليهم والشاهد على عبقريتهم الدينية وعلى اتخاذهم كشعب مختار دون سائر أهل الأرض. وتحتوي الصلوات اليهودية على شكر للإله لإرساله التوراة إلى الشعب. وحينما يُنادَى على أحد المصلين ليقرأ أسفار موسى الخمسة، فإنه يقول: «مبارك الرب الذي خلقنا من أجل جلاله وفضَّلنا عمن ضلوا سواء السبيل، وأرسل لنا التوراة، وبذا غرس الحياة الأبدية وسطنا فليفتح الرب قلوبنا على التوراة» . وهكذا تكون التوراة تجسيداً لروح الإله، ولكنها في الوقت نفسه هي الشعب الذي هو بدوره تجسيد لروح الإله، أي أنها دائرة حلولية مقدَّسة مغلقة يعبِّر فيها كلٌّ من التوراة والشعب عن روح الإله بالدرجة نفسها. والفقيه اليهودي الذي يربط في فتواه بين دراسة التوراة والتجارة والربا وضع يده (دون أن يدري) على العلاقة بين دراسة التوراة ودور الجماعات اليهودية كجماعة وظيفية. فالجماعات الوظيفية تعيش في بلد ما دون أن تكون منه، ولذا فهي تحتاج إلى وطن أصلي. وفي حالة الجماعات اليهودية الوظيفية، كانت صهيون هي هذا الوطن الأصلي الذي تشتتوا منه والتوراة (والتلمود) هو الوطن المتنقل الذي يستطيعون التمركز حوله وتطوير هويتهم وضرب أسوار العزلة حول أنفسهم من خلاله، وهي عزلة أساسية كي يضطلعوا بدورهم. كما أن ارتباطهم بهذا الوطن يقلل حركيتهم، فهو وطن متنقل معهم. والجدير بالذكر أن التوراة تشكل الأرضية المشتركة بين اليهود المؤمنين واليهود الملحدين، فهما يشتركان في تقديسها. فأما المؤمنون منهم، فإنهم يرونها مقدَّسة لأنها مرسلة من الإله. وأما الملحدون (الذين يدورون في إطار الحلولية بدون إله) ، فإنهم يقدسونها لأنها جزء من فلكلور الشعب اليهودي وتعبير عن عبقريته. والخلاف في نهاية الأمر ظاهري لأن البنية الحلولية لليهودية توحد بين الشعب والإله. وفي التراث الصهيوني، يؤكد المفكرون الصهاينة أهمية ثالوث الشعب والأرض والإله أو التوراة إذ تؤمن الصهيونية الثقافية (اللادينية) بثالوث الشعب والأرض والتوراة، في حين تؤمن الصهيونية الدينية بثالوث الشعب والأرض والإله (الذي يعادل التوراة) . وفي الوقت الحاضر، تُستخدَم كلمة «توراة» في العبرية الحديثة مرادفة لكلمة «عقيدة» أو «نظرية» ، ومن هنا يمكن الحديث عن «التوراة العلمانية» أو «التوراة الماركسية» . الكتاب The Book «الكتاب» اصطلاح يُستخدَم للإشارة إلى العهد القديم أو إلى التوراة (بالمعنى المحدد للكلمة) ، ويتحدث بعض المفكرين اليهود والصهاينة عن اليهود باعتبارهم «شعب الكتاب» . سفر Book «سفر» وهي «سيفر» بالعبرية وتعني «كتاباً» . ويُشار إلى كتب العهد القديم بكلمة «أسفار» . ويُقسَّم السفر إلى إصحاحات ويُقسَّم كل إصحاح إلى فقرات، وتُقسَّم كل فقرة إلى مقاطع. إصحاح Chapter تُسمَّى أقسام الكتاب المقدَّس «أسفاراً» ، ويُقسَّم كل سفر إلى إصحاحات، ويُقسَّم كل إصحاح إلى فقرات والفقرات تُقسَّم إلى مقاطع. أسفار موسى الخمسة Pentateuch «أسفار موسى الخمسة» تشكل القسم الأول من العهد القديم، ويشمل خمسة أسفار، هي: سفر التكوين، وسفر الخروج، وسفر اللاويين، وسفر العدد، وسفر التثنية. ويعتقد اليهود المتدينون أن الإله أنزلها على موسى في سيناء وأملاها عليه حرفاً حرفاً، وهي تبدأ بسرد أحداث العالم منذ بدء الخليقة حتى وفاة موسى. والكلمة مرادفة لكلمة «توراه» ، وإن كانت أكثر دقة كما أن دلالاتها أكثر تحدداً قياساً إلى كلمة «توراه» فضفاضة المعنى متعددة الأبعاد والدلالات. تناخ Tanach «تَناخ» اسم عبري للعهد القديم، وهو مختصر من الحروف الأولى لثلاث كلمات عبرية هي: التوراة (أسفار موسى الخمسة) ، ونفيئيم (أسفار الأنبياء) ، وكتوفيم (المزامير وسفر الأمثال ونشيد الأنشاد وبقية أسفار الحكمة وغيرها) . ويُفضِّل اليهود استخدام مصطلح «تَناخ» على عبارة «العهد القديم» لأن هذه العبارة الأخيرة تفيد أن العهد الجديد قد أكمل كتاب اليهود المقدَّس وحل محله. أما مصطلح «تَناخ» فهو تعبير وصفي وحسب، وهو يخلو من أي اعتراف ضمني بقدم الكتاب المقدَّس، وبأن «العهد الجديد» قد أكمله وحل محله. الكتاب المقد س Bible; Holy Book; Holy Scriptures «الكتاب المقدَّس» هو المقابل العربي للعبارة العبرية «كتيفي هاقودش» . وتُستخدَم عبارة «الكتاب المقدَّس» عند المسيحيين للإشارة إلى العهدين القديم والجديد. أما في الدراسات اليهودية والصهيونية، فهي تشير إلى العهد القديم وحسب. ولذا، فقد يكون من المفيد ألا نستخدم هذا المصطلح ( «الكتاب المقدَّس» ) إلا إذا اضطرنا السياق إلى ذلك، نظراً لغموضه، ونستخدم بدلاً منه مصطلحات مثل: «العهد القديم» أو «تَناخ» أو «أسفار اليهود» . ومن أسماء الكتاب المقدَّس عند اليهود «المقرا» وتعني «القراءة» أو «المطالعة» . الإنجيل Bible «إنجيل» كلمة ذات أصل يوناني من كلمة «أونجليون» ومعناها «خبر طيب» . والإنجيل هو الكتاب المقدَّس عند المسيحيين الذين يشيرون إلىه أحياناً بكلمة «العهد الجديد» ، ويتكون من أربعة أقسام، هي: إنجيل متَّى، وإنجيل مرقص، وإنجيل لوقا، وإنجيل يوحنا. وقد أطلق اليهود (بين القرنين الثالث والخامس) على الإنجيل «جليون هامينيم» أي «لفيفة المهرطقين» . الماسوراه Masorah «ماسوراه» كلمة عبرية من فعل «مَسَار» بمعنى «تلقَّى» و «تناول» ، ولكنها تشير إلى مجموعة القواعد التي وضعها الحاخامات عبر القرون والتي تتصل بطريقة هجاء وكتابة وقراءة العهد القديم. ويُشار إلى نص العهد القديم الذي ارتضاه العلماء ورفضوا ماعداه بأنه «النص الماسوري» أو «الماسوراتي» . والكلمة لا تشير إلى نسخة العهد القديم التي جمعها عزرا، بل يضاف إلى ذلك ضبطها بالحركات، وتقسيمها إلى أسفار وإصحاحات وفقرات ومقاطع، وتعيين مواضع الفصل والوصل والوقوف عند التلاوة، وتحديد نطق بعض الألفاظ التي كُتبت بطريقة لا تؤدي إلى النطق الشرعي الصحيح. وقد استغرق إقرار هذا النص الشرعي، في صورته النهائية، عدة أجيال، واستمر حتى عهد الفقهاء (جاءونيم) . الترجوم Targum «ترجوم» كلمة آرامية من الأصل الفارسي «تورجمان» وهي تعني «ترجمة» . ويُطلَق هذا المصطلح على الترجمات الآرامية للكتاب المقدَّس. وقد وُضعت هذه الترجمات في الفترة الواقعة بين أوائل القرن الثاني وأواخر القرن الخامس قبل الميلاد. وقد أصبحت مثل هذه الترجمة أمراً مهماً وحيوياً بالنسبة إلى اليهود، نظراً لأن الآرامية حلَّت محل العبرية بعد التهجير البابلي. فمنذ أيام عزرا، كانت تُضاف ترجمة آرامية بعد قراءة أجزاء من العهد القديم، وقد صار هذا تقليداً ثابتاً. ومن أشهر الترجمات الآرامية للكتاب المقدَّس: ترجوم أونكيلوس لأسفار موسى الخمسة وحدها، وترجوم يوناثان لبقية أسفار العهد القديم. ويُعتقَد أن آرامية الترجوم كانت مُتكلَّفة إلى حدٍّ ما. وسعت التراجم الآرامية إلى إضفاء مسْحَة من ثقافة عصرها على النص فقام المترجمون بإدخال مصطلحات مثل «الجن والملائكة» بديلاً عن الإشارة إلى الرب مجسداً. الفولجاتا (أو الشعبية) Vulgate «فولجاتا» من الكلمة اللاتينية «فولجاتوس Vulgatus» وتعني «شائع» . وتُستخدَم الكلمة للإشارة لترجمة العهد القديم اللاتينية التي اضطلع بها إيرونيموس (340 ـ 420) عن الترجمة السبعينية، ومع هذا فإنها لم تأت مطابقة لها كل المطابقة. وقد اشتملت الفولجاتا على سفرين اثنين فقط للمكابيين، مقابل أربعة في السبعينية، وحُذفت منها أسفار عزرا الثلاثة وزيد عليها سفر باروخ. وفيما عدا ذلك، لا يوجد فرق يذكر بين الترجمتين. وقد أقرت الكنيسة الكاثوليكية جميع الأسفار والأجزاء الزائدة في الترجمة اللاتينية على الأصل العبري، واعتبرتها جميعاً أسفاراً أو أجزاء مقدَّسة من أسفار العهد القديم وأجزائه. ولكن معظم البروتستانت لا يعتبرون هذه الزيادات مقدَّسة، وهي في نظرهم لا تنتمي إلى العهد القديم. أما اليهود، فإنهم يدخلونها في القسم الذي يسمونه الأسفار الخارجة أو الخفية (أبوكريفا) . البشيطَّاه Peshitta «بشيطَّاه» كلمة سريانية تعني «البسيطة» . وتشير إلى الترجمة السريانية للعهد القديم التي تم إنجازها في القرن الثاني بعد الميلاد من نسخة للعهد القديم تختلف عن النص القياسي (الماسوري) . ويتخذها مسيحيو سوريا والنسطوريون في العراق وفارس كتاباً مقدَّساً لهم. الترجمة السبعينية Septuagint كلمة «سبتواجينت» الإنجليزية من الكلمة اللاتينية «سبتواجينتا» ومعناها «سبعون» ، وهي إشارة إلى الأسطورة القائلة بأن اثنين وسبعين من علماء اليهود قاموا بترجمة العهد القديم العبري إلى اليونانية بأمر من بطليموس فيلادلفيوس (228 ـ 247 ق. م) ، وهي أقدم ترجمات العهد القديم بأية لغة. وتقول الأسطورة إن كل عالم جلس في حجرته بمفرده ليترجم العهد القديم، وعند الانتهاء وجدوا أن الترجمات كلها متماثلة. وبغض النظر عن مدى صدق الأسطورة، فقد كان الغرض من الترجمة إلى اليونانية سد حاجة المصريين اليهود المتأغرقين الذين كانوا يجهلون العبرية تماماً بسبب اندماجهم في المحيط الهيليني، واتخاذهم اللغة اليونانية السائدة آنذاك في حوض البحر الأبيض المتوسط لغةً لهم. وقد تمت الترجمة بالتدريج ابتداءً من القرن الثالث قبل الميلاد، وتم الانتهاء منها في السنوات الأخيرة قبل رسالة المسيح. ولم تكن الترجمة على مستوى رفيع، فلم يكن المترجمون ملمين بالعبرية بالقدر الكافي، ولم تكن النصوص التي ترجموا عنها نصوصاً جيدة، كما أن المترجمين أخذوا في الاعتبار حساسيات العالم الهيليني. فمثلاً تُرجمت كلمة «الأرنب» (لاويين 11/6) ، وهو حيوان مدنَّس حسب الشريعة اليهودية، بعبارة «ذو الأقدام الخشنة» لأن كلمة «الأرنب» باليونانية هي «لاجوسlagos» ، وهي أحد ألقاب أسلاف الأسرة البطلمية. وتم تغيير عبارة «آرامياً تائهاً كان أبي فانحدر إلى مصر وتغرَّب هناك» (تثنية 26/5) فصارت «أبي ترك سوريا وذهب إلى مصر» ، وذلك لإرضاء البطالمة أيضاً حيث كانت سوريا تحت حكم السلوقيين أعدائهم، وكلمة «آرامي» تعني «سوري» وأسقط المترجمون أسماء الأعلام التي كان يتسمَّى بها الإله مثل «أدوناي، و «شدَّاي صباءوت» ، واستخدموا بدلاً من ذلك أسماء مثل «الإله» أو «الخالق» . وبدلاً من تأكيد خصوصية الإله وخصوصية علاقته بالشعب، يصبح هو الكائن الأعظم للجنس البشري. وهذا يعود إلى وجود اتجاه عام في العالم الهيليني نحو تعظيم الخالق الواحد، وكانت الآلهة المحلية آخذة في الاختفاء. كما أسقط المترجمون العبارات التي تنسب إلى الخالق صفات جسدية، فبينما تتحدث النسخة العبرية عن أنهم «رأوا إله يسرائيل» (خروج 24/10) ، فإن الترجمة اليونانية تتحدث عن أنهم «رأوا المكان الذي كان قد وقف فيه إله يسرائيل» . والهدف من هذا كله هو: تقريب التوراة من العقل الهيليني. وقد تم أغرقة المصطلح تماماً في بعض الأحيان، فتُرجمت «توراة» بكلمة «نوموس» اليونانية، والتي تعني «قانون» . أما كلمة «إيموناه» ، وهي بمعنى «إيمان» ، فتُرجمت بالكلمة اليونانية «بيستيس pistis» وتعني «الاعتقاد» . وتجدر بنا الإشارة إلى وجود صياغات في الترجمة السبعينية لم نجدها في النص العبري الحالي. ومع هذا عُثر على نظيرها العبري في مخطوطات قُمران، وهو ما يؤكد اعتماد المترجمين على نصوص عبرية متعددة. وقد تجاهل العلماء الهيلينيون العهد القديم، ولم تصلنا أية تعليقات لهم عليه. ولكن الفقهاء اليهود في فلسطين، قبلوا الترجمة واعتمدوها في بادئ الأمر، فأجَّلها اليهود المتحدثون باليونانية، واستفادت اليهودية منها في عملية التبشير. ونظراً للاختلافات بين الترجمة والنص العبري، وهي اختلافات استفاد منها المسيحيون الأولون، وبعد أن اعترفت الكنيسة المسيحية بالترجمة السبعينية باعتبارها الإنجيل الرسمي، أظهر الحاخامات العداء لها، وخصوصاً ابتداءً من عام 70 الميلادي. وأصبحت الترجمة السبعينية تشبَّه بـ «العجل الذهبي» . وقد ساهمت الترجمة السبعينية في نشر المسيحية بين اليهود المتأغرقين وبين العناصر الهيلينية في الإمبراطورية الرومانية. وتشتمل الترجمة السبعينية على عدة أسفار لا توجد في الأصل العبري الذي وصل إلينا، وهي: سفر طوبيا، وسفر الحكمة لسليمان، وأسفار المكابيين وعددها أربعة أسفار، وسفر يهوديت، وسفر الكهنوت أو سفر الحكمة ليسوع بن سيراخ، ونشيد الأطفال الثلاثة، وسفر الحكماء الثلاثة، وسفر بعل والتنين، وثلاثة أسفار منسوبة إلى عزرا، وذلك زيادة على السفر المثبت في الأصل العبري، وبعض زيادات في سفر إستير ودانيال، وهي الأسفار التي أصبحت تشكل أبوكريفا العهد القديم (الكتب الخارجية أو الخفية) . ولقد تُرجم العهد القديم إلى اللاتينية (في الترجمة المعروفة بالفولجاتا عن الترجمة السبعينية) . سفر التكوين Genesis يُسمَّى «سفر التكوين» في العبرية «يريشيت» بمعنى «في البدء» ، وهي أول كلمة ترد في السفر. و «التكوين» اسم أول أسفار موسى الخمسة، ويحكي تاريخ العالم من بدء تكوين السماوات والأرض، وقصة آدم وحواء، ونوح والطوفان وأولاده سام وحام ويافث، ونسل سام إبراهيم وإسحق ويعقوب، والعهد بين الخالق وشعبه. وينتهي هذا السفر بقصة يوسف ومجيئه إلى مصر ولحاق يعقوب وأبنائه الأحد عشر به واستقرارهم في أرض الفراعنة. وتعكس الأجزاء الأولى التقاليد الحضارية لبلاد الرافدين بعد أن دخلت عليها العناصر التوحيدية. ويرى علماء الكتاب المقدَّس أن سفر التكوين ليس متجانساً وإنما قام بوضعه كُتَّاب مختلفون، في حين يرى البعض الآخر أنه عمل متكامل يستند إلى فلسفة متسقة مع نفسها، وأن تكرار بعض الأجزاء ليس إلا من قبيل الصيغة الأدبية، وأنه وُضع في القرن التاسع قبل الميلاد، أي بعد موسى بنحو خمسة أو ستة قرون. سفر الخروج Exodus يُسمَّى «سفر الخروج» في العبرية «شيموت» ، أي «الأسماء» ، وهي كلمة مأخوذة بتركيب الحروف الأولى من كلمات العبارة الافتتاحية فيه. وسفر الخروج ثاني أسفار موسى الخمسة، ويعرض تاريخ جماعة يسرائيل في مصر. كما يأتي فيه ذكر قصة موسى وذهابه إلى سيناء، والوحي الإلهي الذي جاء فيه، والعهد بين الإله وجماعة يسرائيل، وعودة موسى إلى مصر ليساعد اليهود على الخروج من أرض العبودية. ثم تلقَّى موسى الوصايا العشر في سيناء، وقيادته جماعة يسرائيل حتى حدود أرض كنعان. كما يشتمل السفر على طائفة من أحكام الشريعة اليهودية في العبادات والمعاملات، وما إلى ذلك مما يشبه قوانين حمورابي، وترد فيه أيضاً قصة عبادة العجل الذهبي وما تبع ذلك من محاولات تطهير الدين. ويرى علماء الكتاب المقدَّس أن ثمة مصادر عديدة لهذا السفر، وأنه وُضع نحو القرن التاسع قبل الميلاد، أي بعد موسى بنحو خمسة أو ستة قرون. سفر العَدد Numbers يُسمَّى «سفر العَدد» بالعبرية «بميدبار» ، أي «في البرية» ، وهي أول كلمة ترد في السفر، وسفر العدد رابع أسفار موسى الخمسة. وسُمِّي سفر العدد بهذا الاسم لأنه يشتمل في معظمه على إحصاءات عن قبائل العبرانيين وجيوشهم وأموالهم وكثير مما يمكن إحصاؤه من شئونهم كما يشتمل على أحكام تتعلق بطائفة من العبادات والمعاملات. ويأتي في هذا السفر ذكر تذمُّر جماعة يسرائيل من متابعة السير على خطوات موسى، وهو ما أثار غضبه عليهم، وقد دُوِّن هذا السفر بعد التهجير البابلي في القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد. سفر التثنية Deuteronomy يُسمَّى «سفر التثنية» بالعبرية «ديفاريم» ، أي «الكلمات» ، وهي أول كلمة ترد في السفر. وهو يُسمَّى أيضاً «مشنا توراه» ، ومعناها «إعادة الشريعة وتكرارها على جماعة يسرائيل مرة ثانية عند خروجهم من سيناء» ، أو «تثنية الاشتراع» . وهو آخر أسفار موسى الخمسة، ويتكون من: أ) المقدمة، وتحوي مراجعة موسى لما حدث منذ عبور سيناء. ب) نصائح موسى الأخلاقية (ومنها إعادة الوصايا العشر) ، وتتضمن تلخيصاً للتشريع الذي قبلته جماعة يسرائيل. جـ) خطب موسى الأخيرة. د) أفعال موسى الأخيرة وأغنية الوداع ومعها سرد لأحداث موته. ويختلف هذا السفر من حيث الأسلوب واللغة عن الأسفار السابقة، بل يناقضها أحياناً. ولذا، يرى بعض العلماء أن بعض القوانين التي أتت في سفر التثنية إنما هي من وضع مجموعة من المؤلفين قاموا بكتابة بعض الأجزاء الأخرى في أسفار موسى الخمسة. ويختلف العلماء في تحديد تاريخ هذا السفر، فيرى بعضهم أنه وُضع أثناء عصر القضاة، ويرى البعض الآخر أنه وُضع في وقت لاحق في أواخر القرن السابع قبل الميلاد. سفر اللاويين Leviticus يُسمَّى «سفر اللاويين» في العبرية «فايقرا» أي «دعا أو نادى» وهي الكلمة التي يبدأ بها سفر اللاويين. وكان في الماضي يُعرَف باسم «تورات كوهانيم» أي «شريعة الكهنة» ، وهو ثالث أسفار موسى الخمسة. ويتوقف السرد القصصي في هذا السفر ليحل محله تناول شئون العبادات، وخصوصاً ما يتعلق بالأعياد والأضحية والقرابين والمحرمات من الحيوانات والطيور وما يتعلق بالطهارة، وكذلك التعاليم الأخلاقية والنظم الاجتماعية التي لم ترد في سفر الخروج، والتعليمات الخاصة بخيمة الاجتماع. واللاويون هم سدنة الهيكل والمشرفون على شئون الذبح والأضحية والقرابين. وثمة وحدة في الموضوع بين هذا السفر والجزء الأخير من سفر الخروج وجزء كبير من سفر العدد. ويرى بعض علماء الكتاب المقدَّس أن هذا السفر تجميع لوصايا متفرقة كُتبت على حدة في بداية الأمر، كما أن بعضهم يرى أن السفر كله لم يُكتب إلا بعد التهجير البابلي في القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد. الوصايا العشر Ten Commandments; Decalogue ورد في العهد القديم، في سفر التثنية، عبارة «عسِّيريت هادبروت» ، أي «الكلمات العشر» التي كُتبت على لوحي حجر (تثنية 4/13) . ووردت العبارة نفسها تقريباً في سفر الخروج (34/28) : «فكتب على اللوحين كلمات العهد الكلمات العشر» . وفي اللغة الإنجليزية يُفرَّق أحياناً بين تعبير «تن كوماندمنتس Ten Commandments» وكلمة «ديكالوج Decalogue» ، فتُستخدَم العبارة الأولى عادةً للإشارة إلى ما يُسمَّى بالوصايا العشر التي وردت في سفر الخروج (20/1 ـ 7) أو سفر التثنية (5/6 ـ 21) ، أما كلمة «ديكالوج» فتشير إلى الشيء نفسه في هذه الصيغة أو الصيغ الأخرى التي وردت في العهد القديم، وهي كثيرة ومتنوعة. لكن التعبيرين كثيراً ما استُخدما بشكل يفيد الترادف. ويذهب بعض الدارسين إلى أن الوصايا العشر هي جوهر اليهودية، وروح اليهودية والقوانين اليهودية ككل؛ لكننا لا نأخذ بهذا الرأي. فاليهودية تركيب جيولوجي تراكمت داخله طبقات عديدة، والوصايا العشر بصيغها المختلفة تعبير عن الظاهرة نفسها، فهي تضم وصايا ذات تَوجُّه توحيدي عالمي أخلاقي، وأخرى ذات تَوجُّه حلولي قومي لا أخلاقي. ومن ثم يكون من الصعب الحديث عن شيء متناقض مثل الوصايا العشر باعتباره جوهر اليهودية، إلا إذا كان في ذهننا تركيبها الجيولوجي. وثمة مشاكل عديدة تثيرها الوصايا العشر، أولاها أن من المتفق عليه في الموروث الديني اليهودي أن موسى ذهب إلى جبل سيناء، وصام أربعين يوماً، ونزلت عليه الوصايا هناك، لكنه حطمها عندما اكتشف أن أعضاء جماعة يسرائيل يعبدون العجل الذهبي، وعاد فصام أربعين يوماً أخرى، وأعطاها الإله له مرة أخرى. ولكن ليس من المعروف على وجه الدقة هل أعطاها الإله له مباشرة، وقام هو بتوصيلها للشعب أم أنه أعطاها له على مسمع من الشعب، أم أن الإله أعطاها للشعب مباشرة. وهناك إشارات عديدة إلى كل هذه الاحتمالات في سفر الخروج (19/9 ـ 25 و20/18 ـ 2) ، وسفر التثنية (4/10 و5/4ـ 5 و5/22) ، بل يُقال في الاجتهادات الحاخامية إن الإله خطها بإصبعه على جانبي اللوحين (لوحي الشهادة) ، أي أنها كانت صيغة مقروءة وليست مسموعة استناداً إلى النص الوارد في سفر الخروج (31/18، 32/15 ـ 16) . ولكن المشكلة الأكثر حدة هي ما أثاره نقاد العهد القديم، فالإشارة الواردة في سفر الخروج إلى الكلمات العشر تتعلق بالصيغة المألوفة الواردة في سفري الخروج (20/1 ـ 7) والتثنية (5/6 ـ 21) . ولكن هناك صيغة ترد مباشرة قبل عبارة «الكلمات العشر» في سفر الخروج (34/28) ، وهي في سفر الخروج أيضاً وفي الإصحاح نفسه (34/11 ـ 26) ، وهي تختلف تماماً عن الصيغتين الأخريين المألوفتين شكلاً ومضموناً. ولنبدأ بنص الصيغة غير المألوفة: "احفظ ما أنا موصيك اليوم. هأنا طارد من قدامك الأموريين والكنعانيين والحيثيين والفرزيين والحويين واليبوسيين. احترز من أن تقطع عهداً مع سكان الأرض التي أنت آت إليها لئلا يصيروا فخاً في وسطك. بل تهدمون مذابحهم وتكسرون أنصابهم وتقطعون سواريهم: 1 ـ فإنك لا تسجد لإله آخر. لأن الرب اسمه غيور. إله غيور هو. احترز من أن تقطع عهداً مع سكان الأرض فيزنون وراء آلهتهم ويذبحون لآلهتهم، فتُدعَى وتأكل من ذبيحتهم، وتأخذ من بناتهم لبنيك، فتزنى بناتهم وراء آلهتهن ويجعلن بنيك يزنون وراء آلهتهن. 2 ـ لا تصنع لنفسك آلهة مسبوكة (أي من معدن مصهور) . أما بقية الوصايا، فجاءت على النحو التالي: ـ تحفظ عيد الفطير (الفصح) . سبعة أيام تأكل فطيراً كما أمرتك في وقت شهر أبيب. لأنك في شهر أبيب خرجت من مصر. ـ لي كل فاتح رحم. وكل ما يُولَد ذكراً من مواشيك بكراً من ثور وشاه. وأما بكر الحمار فتفديه بشاة، وإن لم تفده تكسر عنقه. كل بكر من بنيك تفديه ولا يظهروا أمامي فارغين. ـ ستة أيام تعمل. وأما اليوم السابع فتستريح فيه، في الفلاحة وفي الحصاد تستريح. ـ وتصنع لنفسك عيد الأسابيع. ـ أبكار حصاد الحنطة وعيد الجمع في آخر السنة. ثلاث مرات في السنة يظهر جميع ذكورك أمام السيد الرب إله يسرائيل فإني أطرد الأمم من قدامك وأوسع تخومك ولا يشتهي أحد أرضك حين تصعد لتظهر أمام الرب إلهك ثلاث مرات في السنة. ـ لا تذبح على خمير دم ذبيحتي. ـ ولا تبت إلى الغد ذبيحة عيد الفصح. أول أبكار أرضك تحضره إلى بيت الإله إلهك. ـ لا تطبخ جدياً بلبن أمه. ويرى نقاد العهد القديم أن هذه الصيغة تعود إلى المصدر القيني (K) أقدم مصادر العهد القديم، وهو مصدر يختلف اختلافاً تاماً عن المصادر الأخرى نصاً وروحاً. ويشير نقاد العهد القديم إلى هذه الصيغة باعتبارها «الوصايا القربانية» ، لأنها تحتوي على عدد كبير من الطقوس الخاصة بالأعياد والقرابين، كما أن الأخلاقيات الواردة فيها بدائية إلى أقصى حد تعكس بيئة رعوية. ويرى أحد نقاد العهد القديم أنه توجد صيغ أخرى مثل تلك الواردة في خروج (13/3 ـ 16، 23/10 ـ 19) ، وهي لا تختلف كثيراً عن الصيغة السابقة في بدائيتها، وتعكس بيئة شمالية أكثر ثراء. كما يشيرون إلى صيغ أخرى موجودة بشكل متناثر في سفر التثنية. ويُفسَّر تعدُّد الصيغ بالإشارة إلى الثورات المختلفة في المملكة الشمالية والمملكة الجنوبية ضد العبادات الأجنبية، وأن كل ثورة كانت تؤكد صيغة جديدة. وأهم الصيغ التي وردت هي، كما تَقدَّم، في سفري الخروج (20/1 ـ 17) والتثنية (5/6 ـ 21) ، والصيغتان متشابهتان تماماً إلا في تفاصيل قليلة لا دلالة لها، باستثناء الوصية الثالثة حيث نجد أن ثمة اختلافاً جوهرياً بين الصيغتين، والوصيتين التاسعة والعاشرة حيث هناك تباينات لفظية. وقد أوردنا فيما يلي الصيغة الأولى بأكملها، بعد أن أثبتنا بين قوسين في السياق الوصايا الثالثة والرابعة والتاسعة والعاشرة في صياغتها الأخرى: ثم تكلم الإله بجميع هذه الكلمات قائلاً: أنا الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية: 1 ـ لا يكن لك آلهة أخرى أمامي. لا تصنع لك تمثالاً منحوتاً ولا صورة ما مما في السماء من فوق وما في الأرض من تحت وما في الماء من تحت الأرض. لا تسجد لهن ولا تعبدهن. لأني أنا الرب إلهك إله غيور أفتقد ذنوب الآباء في الأبناء في الجيل الثالث والرابع من مبغضي. وأصنع إحساناً إلى ألوف من محبي وحافظي وصاياي. 2 - لا تنطق باسم الرب إلهك باطلاً. لأن الرب لا يبرئ من نطق اسمه باطلاً. 3 - اذكر يوم السبت لتقدسه، ستة أيام تعمل وتصنع جميع عملك. وأما اليوم السابع ففيه سبت للرب إلهك. لا تصنع عملاً ما أنت وابنك وابنتك وعبدك وأمتك وبهيمتك ونزيلك الذي داخل أبوابك. لأن في ستة أيام صنع الرب السماء والأرض والبحر وكل ما فيها واستراح في اليوم السابع. لذلك بارك الرب يوم السبت وقدَّسه [وأما اليوم السابع فسبت للرب إلهك لا تعمل فيه عملاً ما أنت وابنك وابنتك وعبدك وأمتك وثورك وحمارك وكل بهائمك ونزيلك الذي في أبوابك لكي يستريح عبدك وأمتك مثلك. واذكر أنك كنت عبداً في أرض مصر. فأخرجك الرب إلهك من هناك بيد شديدة وذراع ممدودة. لأجل ذلك أوصاك الإله إلهك أن تحفظ يوم السبت] . 4 ـ أكرم أباك وأمك لكي تطول على الأرض التي يعطيك الرب إلهك [أكرم أباك وأمك كما أوصاك الرب إلهك لكي تطول أيامك ولكي يكون لك خير على الأرض التي يعطيك الرب إلهك] . 5 ـ لا تقتل. 6 ـ لا تزن. 7 ـ لا تسرق. 8 ـ لا تشهد على قريبك شهادة زور. 9 ـ لا تشته بيت قريبك [لا تشته امرأة قريبك] . 10- لا تشته امرأة قريبك ولا عبده ولا أمته ولا ثوره ولا حماره ولا شيئاً مما لقريبك [لا تشته بيت قريبك ولا حقله ولا عبده ولا أمته ولا ثوره ولا حماره ولا كل ما لقريبك] » . ويمكن تقسيم الوصايا علي النحو التالي من (1) إلى (3) : وصايا تختص بعلاقة الإنسان بالإله، وبقية الوصايا تختص بعلاقة الإنسان بالإنسان. وتبدأ الوصايا بالإله يُعرِّف نفسه، وأهم سماته هي مساهمته في التاريخ اليهودي، فهو يُعرِّف نفسه بأنه الإله الذي «أخرجك من أرض مصر وأرض العبودية» ، أي أن ديباجة الوصايا العشر ذات طابع حلولي ترسِّخ الإحساس بالعلاقة الخاصة بالإله الذي يتدخل في التاريخ لصالح جماعة يسرائيل، وتعمَّق الإحساس بكره الأغيار (المصريين) . كما يُلاحَظ أن فكرة التوحيد ليست كاملة، إذ أن هذه الوصية تعترف ضمناً بوجود آلهة أخرى. أما الوصية الأولى، فهي تتحدث عن الإله الغيور الذي يتعقب ذنوب الآباء في الأبناء إلى الجيل الثالث والرابع من أعدائه، وهي بذلك تنسب صفات بشرية إلى الإله، وتتضمن أخلاقيات بدائية إذ يصبح الشر والخير بالضرورة مسألة موروثة وليست مسألة دينية مرتبطة بقيم أخلاقية وبالاختيار والمسئولية الفردية. أما الوصية الثالثة، فهي الوصية التي يرد فيها تفسيران مختلفان لتقديس يوم السبت. وهذا يعود بطبيعة الحال إلى تعدُّد المصادر، ولكن الحاخامات فسروا الاختلاف باعتبار أنه يعود إلى أن موسى حطم لوحي العهد، فلما عاد أتى بنسخة أخرى من الوصايا، وكانت النسخة الأخرى غير مطابقة تماماً للنسخة الأولى. وقد فسر آخرون هذا الاختلاف بأنه معجزة محضة، فقد أرسل الإله النسختين في آن واحد. وهو التفسير الذي ساد والذي يتسق إلى حدٍّ كبير مع تركيب اليهودية الجيولوجي التراكمي الذي تتعايش داخله الطبقات المتراكمة المتناقضة. ولهذا التفسير الحاخامي الأخير دلالة خاصة. فالصيغتان الأولى والثانية، كما بيَّنا، تتفقان في كل التفاصيل تقريباً، إلا في الوصية الثالثة التي تختص بتقديس يوم السبت، حيث يختلف تفسير مصدر القداسة من صيغة إلى أخرى، فصيغة سفر الخروج (20/11) تورد أن الإله قد خلق الأرض في ستة أيام واستراح في اليوم السابع، أما سفر التثنية (5/15) فيذكر أن ذلك اليوم مقدَّس لأنه اليوم الذي أخرج الإله فيه جماعة يسرائيل من مصر، أي أنه من خلال ربط الصيغتين يتم مزج المقدَّس بالدنيوي والإلهي بالقومي. فقد ساوت الصيغتان الحادثة الكونية (خلق العالم أو الطبيعة) بحادثة قومية تاريخية (الخروج من مصر) في بداية التاريخ اليهودي. وهكذا ترتبط الطبيعة والتاريخ، ويُمنَح اليهود عطلة يوم السبت لسببين: أحدهما كوني، والآخر تاريخي يختص بالشعب المقدَّس، ولكنهما يتساويان في الدرجة. والسبت في هذا لا يختلف عن معظم الأعياد اليهودية التي هي أعياد دينية تاريخية وهي في الوقت نفسه أعياد طبيعية لا علاقة لها بالدين أو التاريخ أو الأخلاق. وفي هذا اتساق مع النمط الحلولي الذي لاحظناه، وهو تداخل النسبي والمطلق، والدنيوي والمقدَّس، وإضفاء مركزية كونية على التاريخ اليهودي. وتعالج بقية الوصايا قضايا أخلاقية عامة ومهمة لتنظيم أي مجتمع، وإن كان هناك تخصيص في الوصية الأخيرة التي توصي اليهودي بعدم ارتكاب المعاصي ضد أقاربه من اليهود، وتلتزم الصمت تجاه الأغيار. وثمة تشابه واضح بين الوصايا العشر في موضوعاتها وعناصرها الأساسية وأقسامها وترتيب أجزائها من جهة والمعاهدات المعروفة في حدود النصف الأول من القرن الثالث عشر ق. م. مثل المعاهدات المبرمة بين الملوك الحيثيين والدويلات الخاضعة لهم من جهة أخرى. فهذه المعاهدات تبدأ بديباجة أو مقدمة تاريخية، يليها شروط تتعلق بحفظ المعاهدة. وقد أخذت الوصايا العشر شكل إحدى هذه المعاهدات. فالرب هو الحاكم الإلهي الذي يذكر لعبيده أفضاله عليهم، وما أسدي إليهم من جميل، ثم يملي عليهم شروطه، ويهدد بإنزال العقوبات على المخالفين منهم. كما كانت مثل هذه المعاهدات تتطلب أن تُقرأ نصوص المعاهدة علناً بشكل دوري، وأسلوب الوصايا العشر يدل على أنه يجب قراءتها بصوت عال على الملأ. وقد وُضعت الوصايا العشر في سفينة العهد التي كان يُنظَر إليها باعتبارها مسند قدم الإله. والواقع أن هذه العادة سادت الشرق الأدنى القديم حيث كانت تُودَع نسخ من المعاهدات تحت أقدام الإله الذي شهد عليها. وثمة تشابه بين الجانب الأخلاقي في الوصايا وبين الدليل الذي كان يُوضَع بجوار الموتى في مصر الفرعونية، ليهديهم في اليوم الآخر، والمسمَّى «إعلان البراءة» ، الذي ورد فيه: «لم أسرق؛ لم أطمع في شيء؛ لم أقتل إنساناً؛ لم أكذب؛ لم أزن» . وقد أصبحت الوصايا العشر جزءاً من الصلاة التي تتلى في عيد الأسابيع (عيد نزول التوراة) وهو ما يدل على أنه كان هناك عيد يسرائيلي قديم (لتجديد العهد) ، وأنه كان يتضمن قراءة نصوص الوصايا العشر. وكانت الوصايا العشر، في الأصل، جزءاً من الصلاة في الهيكل، وكان اليهود يريدون أن تصبح هذه الوصايا جزءاً من الصلاة اليومية، ولكنهم مُنعوا من ذلك، حتى تُدحَض ادعاءات الفرق اليهودية المهرطقة التي كانت تدَّعي أنها وحدها المنزلة من الإله وما عدا ذلك فهو اجتهاد بشري ولذا فهو غير مُلزم لأحد. ورداً على ذلك، جاء في الأجاداه أن هذه الأوامر والنواهي كانت مكتوبة على لوحي العهد في الفراغات بين الكلمات، وهذه محاولة لخلع القداسة على الشريعة الشفوية التي يحمل الحاخامات مشعلها. ولكل هذا، لم تُضَم الوصايا العشر إلى الصلوات اليومية. والواقع أن الأهمية الخاصة والوحيدة لهذه الوصايا هي أن المصلين يقفون عند تلاوتها في المعبد. وفي احتفالات بلوغ اليهودي سن التكليف الديني (برمتسفا) في المعابد الإصلاحية، يقوم المُحتفَل به بتلاوتها أمام تابوت العهد. وقد أضاف حاخامات اليهود ما يُسمَّى الأوامر والنواهي أو المتسفوت وعددها 613. ويوجد أيضاً ما يُسمَّى شريعة نوح، وهي تضم مجموعة من الأوامر والنواهي الملزمة لليهود وغير اليهود. سفر أيوب Job «أيوب» اسم لا يُعرَف معناه على وجه الدقة، ليس له اشتقاق عبري، أشار جيزينوس إلى أنه من أصل عربي من آب بمعنى رجع/عاد/تاب، ولعله قريب من اللفظة العربية «آيب» بمعنى «الراجع إلى الإله أو التائب» ، و «أيوب» اسم سفر يعالج مسألة عذاب الأبرار، وتدور أحداثه حول رهان بين الإله وبين الشيطان الذي سُمح له بأن يختبر إيمان أيوب. وابتلي أيوب، ففقد ممتلكاته وحُرم من أسرته وأصيب في جسده. وتلت المقدمة حوارات شعرية بين أيوب وثلاثة أصدقاء جاءوا لمواساته. ويضم السفر إشارات عديدة يُفهم منها إنكار البعث والحياة في الآخرة، وأن الثواب والعقاب يقتصران على الحياة الدنيا. ومع هذا، يظهر الإله لأيوب في العاصفة ويوجه إليه اللوم على الاعتراض على حكمه، فعقل الإنسان قاصر عن إدراك حكمة الإله ولذا لا يحق له أن يعترض على حكمه، فيتوب أيوب وينيب ويعود إلى نجاح فاق نجاحه الأول. ولا توجد أية إشارة إلى يهوه في الحوار الشعري الذي يدور في السفر، ولا إلى تاريخ جماعة يسرائيل، ولا إلى أيٍّ من شرائعهم، إذ أن تناول القوانين الأخلاقية يتم بشكل إنساني عام. كما أن السفر خال من الزخارف اللفظية، من الصور التي تسم الأسفار ذات الأصل العبراني. كل هذا حدا ببعض الباحثين إلى القول بأن الكتاب من أصل أدومي أو تقليد لنص أدومي. ولم يُحدَّد، على وجه الدقة، تاريخ كتابة السفر، فالبيئة والظروف التي يتحدث عنها تشبه البيئة والظروف التي عاش فيها الآباء الأولون. ولذلك يُحتمَل أنه يرجع إلى الألف الثاني قبل الميلاد، وإن كانت هناك آراء تذهب إلى أنه وُضع في تاريخ متأخر من القرن الرابع قبل الميلاد، وربما بعد ذلك. وكان الكاهن الأعظم يتلو سفر أيوب في يوم الغفران. ولا يزال السفارد يقرأونه في التاسع من آب. سفر الأمثال Proverbs يُسمَّى «سفر الأمثال» بالعبرية «ميشاليم» وهو يضم مجموعة من الأمثال، ويتناول موضوعات مختلفة مثل: مخافة الإله، وطاعة الوالدين، واحترام المعلمين، والنهي عن المنكر، والأمر بالعدل، والصبر، وعدم الغش في الكيل، والتَبصُّر في الأمور. ويؤكد السفر أن الصالحين من العلماء سيُكافَأون وأن الصالحين من الجهلاء سيُجازون. والتوجه الأخلاقي للسفر فردي إنساني وليس قومياً. كما يخلو السفر من النهي عن عبادة الأوثان. وتُنسَب معظم أجزاء السفر إلى سليمان، كما تُنسَب أجزاء أخرى إلى مؤلفين آخرين حُدِّدت أسماء بعضهم ولم تُحدَّد أسماء البعض الآخر. ويشبه السفر كتب الحكم والأمثال المصرية، كما يُلاحَظ تأثره بأدب الأمثال الكنعاني والآشوري. ويختلف ترتيب مجموعات الأمثال في النسخة العبرية عن ترتيبها في الترجمة السبعينية، الأمر الذي يدل على تعدُّد المصادر. وينسب الحاخامات نشيد الأنشاد وسفر الأمثال وسفر الجامعة إلى سليمان، فيقولون إنه وضع الأول في شبابه، والثاني في تمام عقله وحكمته، والثالث في شيخوخته. سفر الجامعة Ecclesiastes ويُسمَّى بالعبرية «قوهيليت» أي «الجامعة» ، وهو رابع المجلات الخمس، وأحد أسفار العهد القديم، يحاول واضعه أن يُعرِّف معنى الحياة وهدفها، ولكنه يرى أن كل شيء باطل وعبث، فيسقط في العدمية والحسية والقدرية، وشعاره هو "باطل الأباطيل، كل شيء باطل"، فكل شيء مقرَّر من قبل لا مجال للاختيار الإنساني. ويرى صاحب السفر أن الحكمة والمعرفة لا جدوى من ورائهما، فلا فرق بين الحيوان والإنسان، ولا حساب بعد الموت، ولذا فيوم الوفاة خير من يوم الميلاد، وأن يذهب الإنسان للعزاء خير من أن يذهب ليبارك مقدم مولود. وثمة تَماثُل في بعض الوجوه بين سفر الجامعة وبين الفلسفة اليونانية، إذ يقول بركليس: «إن الخير كل الخير ألا يولد الإنسان أصلاً، ولكن ما يلي ذلك هو أن يموت الإنسان صغيراً» . وقد ضُمِّن السفر في العهد القديم برغم رؤيته اللادينية. ويبدو أنه قد وُضع في القرن الثالث قبل الميلاد، وكُتب في أسلوب دقيق سهل ناصع، ولغته قريبة من عبرية المشناه. وينسب اليهود نشيد الأنشاد إلى سليمان، وكذلك سفر الأمثال وسفر الجامعة. ويقولون إنه كتب الأول في شبابه والثاني في تمام عقله وحكمته والثالث في شيخوخته. ويُقرأ سفر الجامعة في عيد المظال. سفر المزامير Psalms ويُسمَّى بالعبرية «تهيليم» أي «المزامير» . سُمِّي «سفر المزامير» بهذا الاسم لأنه يحوي مجموعة من الأغاني تُنشَد بمصاحبة المزامير. وتُقسَّم المزامير إلى خمس مجموعات (1) ، (42) ، (78) ، (90) ، (107) ، وتُختَم كل مجموعة بتسبيحة شكر. وقد نُسبت المزامير أساساً إلى داود، ولكن بعضها نُسب إلى سليمان أو مؤلفين آخرين، كما أن بعضها لا يُنسب إلى أحد. ويتناول هذا السفر موضوعات كثيرة، كالترانيم والأدعية والتسابيح، والتعبير عن ثقة وإيمان المؤمنين بإله الكون، وأغان تعبِّر عن الحزن والفرح، وأناشيد تُغنَّى في مناسبات مثل يوم الزفاف الملكي واعتلاء العرش وفي الأعياد وأغاني الأفراح والحروب. وكان بعض المزامير يُغنَّى بشكل جماعي والبعض الآخر يُغنَّى بشكل فردي. ويشبه كثير من المزامير القصائد الأوجاريتية، كما يظهر في المزمور رقم 104 أثر قصيدة أخناتون التي يخاطب فيها معبوده الشمس، وتوجد أيضاً تأثيرات بابلية. ولا يُعرَف على وجه الدقة متى أصبح إنشاد المزامير جزءاً من الصلوات في المعبد اليهودي، وإن كانت أغلبية الباحثين تميل إلى القول بأن ذلك تم بعد التهجير البابلي. وقد أصبح كثير من المزامير جُزءاً من الصلوات اليهودية والمسيحية، نظراً لجمال بعضها وبساطته. ولكن البعض الآخر يتسم بالنزعة القومية العنصرية (بل العسكرية أيضاً) . وقد خُصِّصت بعض المزامير لمناسبات معيَّنة ولأيام محدَّدة. وفي التراث القبَّالي، يُنظَر إلى المزامير باعتبارها «أسلحة» في يد المؤمن يبيد بها أعداءه. ومن ناحية أخرى، فإن إصحاحات السفر مرتبة في النص العبري بطريقة تختلف في هذا السفر عنها في الترجمة السبعينية. سفر نشيد الأنشاد Song of Songs بالعبرية «شيرهشيريم» أي «نشيد الأنشاد» ، ويُسمَّى «نشيد الأنشاد» أحياناً «نشيد سليمان» ، وهو أولى المجلات الخمس. يضم نشيد الأنشاد قصائد حب كُتبت على هيئة حوار، وقد فسرها البعض على أنها مسرحية شعرية ذات فصول ومناظر، شخصياتها هي الراعية شولاميت وبنات أورشليم والراعي الشاب، وتدور أحداثها حول غرام سليمان بشولاوميت التي كانت تحب الراعي بعد أن خطبت له، وبقيت وفية على حبها له إلى أن تزوجا في النهاية. ويرى البعض أنها مجرد أغاني حب وزفاف. وتتسم قصائد السفر بالإسراف في التعبير عن عاطفة الحب والحسية في الوصف الأمر الذي أثار الجدل حوله، وقد تم تفسيره تفسيراً رمزياً باعتباره نشيد زفاف جماعة يسرائيل إلى الإله، أو زفاف التوراة إلى جماعة يسرائيل. ويُعَد نشيد الأنشاد من أهم أسفار العهد القديم من منظور التراث القبَّالي لأنه يستخدم صوراً مجازية جنسية. ويُلاحَظ أن اسم الإله لم يُذكَر في هذا السفر إلا مرة واحدة (8/6) : «اجعلني كخاتم على قلبك كخاتم على ساعدك. لأن المحبة قوية كالموت. الغيرة قاسية كالهاوية لهيبها لهيب نار لظى الرب» . ويُنسَب نشيد الأنشاد إلى سليمان، كما يُنسَب إليه الأمثال والجامعة. ويقولون إنه وضع الأول في شبابه، والثاني في أيام العقل والحكمة، والثالث في شيخوخته. سفر المراثي (مراثي إرميا) Lamentations ثالثة المجلات الخمس (وهو بكلمة «إيخاه = كيف» العبرية ويضم مراثي أشبه بالبكائيات على الأطلال) ، ويضم خمسة إصحاحات من المراثي تتناول هدم يهودا وأورشليم والهيكل على يد البابليين. وتقرر المراثي أن ما حدث من خراب ودمار لأورشليم، إنما هو نتيجة أعمال قاطنيها وشرورهم. ويبكي الشاعر احتلال أورشليم ورحيل حكامها، ويدعو إلى التوبة ويأمل في رحمة الإله وفي انتقامه من الأعداء، وأخيراً فإنه يستعطف الإله ويرجوه إرجاع المجد القديم. وتوجد كتب مراث للمدن المهدمة في الأدب السوري والأكادي، وكلها تتناول موضوعات مثل: المجاعة وتهديم المدينة والمعبد ونهب المدينة والأسر والنحيب، وهو ما يشير إلى احتمال تأثيرها في مراثي إرميا. ويُنشد السفر في التاسع من آب. ومن الواضح أن له أكثر من مؤلف. تفسير العهد القديم Exegesis of the Old Testament بالعبرية «بيروشيم أوبيئوريم» = «تفسيرات وشروح» ، وتُعَدُّ قضية التفسير مسألة أساسية بالنسبة للعهد القديم، نظراً لعدم اتساقه وتعدُّد مصادره وعدم تمازجها. وتفسير العهد القديم هو ما يشكل الشريعة الشفوية التي فاقت في أهميتها (عند اليهود) الشريعة المكتوبة المتمثلة في العهد القديم. وكان أول طرح للقضية في القرن الأول قبل الميلاد، حينما تحوَّلت قضية التفسير إلى قضية سياسية في الصراع الدائر بين الفريسيين والصدوقيين، إذ رأى الفريسيون أن الشريعة المكتوبة لا تكفي، وأنه لابد من إكمالها بالشريعة الشفوية، أي بالتفسير الحاخامي، الأمر الذي يعني في واقع الأمر توسيع نطاق المشاركة في إدارة حياة اليهود وصياغة رؤيتهم للكون بحيث لا يستأثر الكهنة (الصدوقيون) بمفردهم بهذه العملية. وقد قدَّم الغيورون، وخصوصاً حَمَلة الخناجر منهم، تفسيراً شيوعياً بدائياً لليهودية وجد صداه بين الجماهير اليهودية، فاندلع التمرد الأول ضد الرومان. وبعد استقرار اليهودية الحاخامية، مر تفسير العهد القديم بعدة فترات. تمتد الفترة الأولى حتى القرن السادس الميلادي. وقد بدأت هذه الفترة مع تدوين العهد القديم نفسه، إذ صاحب ذلك ظهور كتب المدراش المختلفة (بشقيها الهالاخي والأجادي، أي التشريعي والوعظي القصصي) التي تمثل النواة الأولى للشريعة الشفوية. وقد وُضعت قواعد مختلفة للتفسير، وظهرت مدارس مختلفة، لكن من الواضح أن التفسير اكتسب من البداية مركزية وحل محل النص المقدَّس كمرجع نهائي. وقد ظل التفسير ينطلق من النص ويعود إليه في حلقات متداخلة حيث يفرض المفسر الرأي الراجح في تصوُّره. وقد ظهرت مدارس مختلفة للتفسير، منها الحرفي والمباشر (بيشاط) ، ومنها ما يحاول أن يغوص في المعنى الكامن (دراش) ، ومنها الرمزي (ريميز) ، وأخيراً هناك التفسير الذي يحاول أن يصل إلى المعنى الفلسفي أو اللاهوتي والباطني والغنوصي (سود) ، وهو أيضاً التفسير الصوفي. وقد ساد النوعان الأول والثاني في بادئ الأمر، وفي هذه الفترة فسَّر فيلون العهد القديم تفسيراً مجازياً حاول فيه أن يوفق بين اليهودية والفلسفة اليونانية. ومن أشهر مدارس التفسير، في هذه الفترة، بيت شماي وبيت هليل. وقد ظهرت الحلقات التلمودية، إبان هذه الفترة، في فلسطين وبابل ظهرت طبقات الشارحين المختلفة: الكتبة (سوفريم) ، ومعلمي المشناه (تنائيم) ، والشراح (أمورائيم) ، والمفسرين (صابورائيم) ، والفقهاء (جاؤنيم) . ويرى بعض النقاد أن ترجمات العهد القديم، اليونانية (السبعينية) والسريانية (البشيطَّاه) واللاتينية (الفولجاتا) ، هي في الواقع من قبيل التفسير إذ أن المترجمين كانوا يضيفون أحياناً كلمات هنا وهناك لتوضيح المعنى. كما أن فكرة الكتب الخارجية والخفية (أبوكريفا) ، والكتب المنسوبة (سيودإبيجرفا) ، هي أيضاً من قبيل كتب التفسير التي تلقي الضوء على نصوص الكتاب المقدَّس. ومع نهاية هذه الفترة، جُمعت التفسيرات والفتاوى والشروح المختلفة في التلمود وفي كتب المدراش المختلفة. وبدأت التفسيرات الصوفية في الظهور، وخصوصاً تفسيرات قصة الخلق، كما ظهرت التأملات الخاصة بتركيب السماء والأرض. أما في الفترة الثانية، فقد ظهرت طرق تفسير جديدة بتأثير الحضارة الإسلامية. وعلى سبيل المثال، ابتعد سعيد بن يوسف الفيومي عن التفسير الوعظي الملتصق بالنص، واشتهر باستخدام المعارف الدنيوية السائدة في عصره، وتطبيق طرق البحث الفلسفية واللغوية لتفسير العهد القديم. وقد تطورت هذه الطرق في إسبانيا، الإسلامية ثم المسيحية، حيث ظهرت جذور علم نقد العهد القديم. ووصل التفسير الفلسفي قمته في أعمال موسى بن ميمون الذي لم يكتب تفسيراً كاملاً للعهد القديم، ولكن أعماله الفلسفية تتضمن الكثير من التفسيرات للعديد من النصوص. وقد استخدم ابن ميمون معرفته بالفلسفة الإسلامية، والعلوم الدنيوية في الحضارة الإسلامية التي عاش في كنفها، ليقدم تفسيراً عقلانياً لا يستبعد الجوانب الرمزية، بل يستفيد من معرفة قوانين المنطق واللغة. أما في أوربا الغربية، فقد انحصر راشي (في القرن الحادي عشر) داخل نطاق التفسير الحرفي والمباشر، فلم يرجع إلا لكتب المدراش، وكانت تفسيراته ذات طابع لغوي ضيق. ومما يجدر ذكره أن الطبقة الحلولية داخل التركيب الجيولوجي اليهودي اكتسبت مركزية وأهمية في هذه الفترة. ويتبدى هذا في هيمنة الشريعة الشفوية التي تذهب إلى أن التفسير البشري أهم من الوحي الإلهي، ولذا نجد أن الحاخامات أعطوا أنفسهم الحق في إصدار تفسيرات وتشريعات لا تستند بالضرورة إلى النص وتهدف، في تصوُّرهم، إلى حماية الأوامر التوراتية. كما يُلاحَظ أن تفسيرات الحاخامات لها منزلة أعلى من النص نفسه، فإن تناقضت أحكامهم مع أحكام التوراة، أي مع كلمات الإله، فإن تفسيرهم يكون التفسير الملزم لأن التوراة، بعد أن أعطاها الإله للإنسان، أصبحت خاضعة لتفسيره. وقد جاء في التلمود أن الإله وافق على أنه يجب أن يُفسِّر الحاخامات ما قاله هو. وعلى كلٍّ تقرر الشريعة الشفوية أنها تَصدُر عن الإرادة الإلهية، شأنها في هذا شأن الشريعة المكتوبة، الأمر الذي عارضه السامريون والقرّاءون. وقد شهدت هذه الفترة هيمنة التلمود (ثمرة الشريعة الشفوية) بحيث حل محل العهد القديم باعتباره أهم كتب اليهود المقدَّسة. ويُقسِّم التلمود اليهود وفق ترتيب هرمي حدّي يتناسب مقدار الصعود أوالهبوط فيه تناسباً طردياً مع مدى التعمق في التفسير ومن ثَمَّ درجة الحلول الإلهي في التفسير. فأقل اليهود منزلة هم الجهلاء الذين لا يعرفون العهد القديم ولا تفسيراته، يعلوهم أولئك الذين يعرفون العهد القديم، ثم أولئك الذين يعرفون المشناه والأجزاء الوعظية القصصية (الأجادية) منها أو تلك الموجودة في الجماراه. أما أعلى اليهود منزلة، فهم أولئك الذين يعرفون الأجزاء التشريعية (الهالاخية) من المشناه والجماره ويفسرونها. وهذا الترتيب الهرمي يبين مدى علاقة التفسير بالسلطة بحيث نجد أن الحاخامات (مفسري الشريعة) ، أصحاب الشريعة الشفوية، يقفون على قمة الهرم. وقد سادت القرن الثامن عشر طريقة البيلبول، وهي طريقة في التفسير تهدف إلى إبراز براعة المفسر ومقدراته، بغض النظر عن مدى صدق تفسيره أو مطابقته للنص. وقد انفصلت الدراسات التلمودية تماماً عن الواقع، أي واقع، بحيث انغمست في الاعتبارات المنطقية التي لا يربطها أي رابط مع مشاكل أعضاء الجماعات اليهودية وحياتهم. وعلى سبيل المثال، فمن الضروري ألا يتزوج الكاهن الأعظم إلا عذراء. ورغم هدم الهيكل وانتهاء العبادة القربانية، فإن التلمود والحاخامات استمروا في مناقشة أدق التفاصيل الخاصة بذلك التحريم، مثل محاولة تعريف العذراء. ويتساءل التلمود عن امرأة تمزَّق غشاء بكارتها بسبب حادث وقع لها، فتطرح أسئلة مثل: هل وقع الحادث قبل أو بعد سن الثالثة؟ وعن طريق جسم معدني أو خشبي؟ وهل وقع الحادث بسبب تَسلُّق شجرة؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل وقع الحادث أثناء صعودها أم أثناء نزولها من الشجرة؟ وذلك إلى جانب عشرات من الأسئلة الأخرى. ومع الدراسات التلمودية، نشأت التفسيرات الصوفية القبَّالية في القرن الرابع عشر، جنباً إلى جنب، وأخذت في الانتشار حتى سادت تماماً مع بدايات القرن السابع عشر، واتبعت منهجاً حلولياً باطنياً في التفسير. والحلولية لا توحد الإله والطبيعة وحسب، وإنما توحد الكل والجزء كذلك، ولذا تصبح المادة والأجزاء، داخل الإطار الحلولي، إما الجسد الإلهي نفسه أو مادة مقدَّسة مُستمَدة من الإله لها معنى رمزي باطني، ولكن المفارقة تكمن في أنها قد تصبح عكس ذلك تماماً، مجرد مادة خام يسبر عقل الإنسان المقدَّس أغوارها ويشكلها حسب هواه ويفرض عليها أي معنى باطني يعن له باعتبار أن الإنسان تَجسُّد للإله الذي حل فيه. ويُلاحَظ أن علاقة الدال بالمدلول داخل الإطار الحلولي تضطرب تماماً وتعكس الموقفين المتناقضين نفسيهما، فقد يلتصق الدال بالمدلول (التصاق أو تَوحُّد التوراة مع الإله) ليصبح الدال أو النص (مثل جسد الإله) مقدَّساً ويشمل كل شيء، أو العكس إذ يصبح الدال ظاهرياً جافاً منفصلاً عن مدلوله (الحقيقي) ومن ثم يفرض المفسر عليه أي معنى يشاء (وهذا يعني موت النص وهيمنة المفسر) . وفي التراث القبَّالي، كل شيء انعكاس لشيء آخر بسبب اختفاء الحدود في النسق الحلولي وذوبان الكل في الجزء واختفاء الثغرة، ولذا يمكن أن يدل أي دال على أي مدلول. كما أن الرمز، لهذا السبب، يصبح أحياناً هو المعنى نفسه (مثل الصليب أو الأيقونة) . وثمة تشابه بين هذه الطريقة في التفسير وبين بعض أطروحات المدرسة التفكيكية التي أسسها جاك دريدا، وخصوصاً مفهوم «لا ديفيرانس La differance» ، وهي كلمة مركبة تفيد الاختلاف والإرجاء، أي أن كل دال مختلف عن أي دال آخر، ومع هذا فهو على صلة بكل الدوال الأخرى فمعناه النهائي مختلف ومرجأ، ولذا نعبِّر عن هذا المفهوم بكلمة «الإخترجلاف» . وفي كلتا الحالتين، يحاول المفسر أن يصل إلى المعنى الباطني وهو الغنوص الكامل الذي يمكن التحكم من خلاله في الإله ومن ثم في الكون. وتذهب إحدى مدارس التفسير القبَّالية إلى أن التوراة عبارة عن مجرد مادة خام (هيولي) يشكلها المفسر القبَّالي بالطريقة التي يراها حسب هواه. وقد ذكر إسحق لوريا أن للتوراة ستمائة ألف معنى أو وجه، وهذا العدد هو نفسه عدد أعضاء جماعة يسرائيل الافتراضي في سيناء حين أوحى الإله إلى موسى بالتوراة. ومعنى هذا أن لكل يهودي تفسيره الخاص، أو كما يقول لوريا: كل يهودي يقرأ التوراة بطريقته، حسب «جذره» . وقد اتبع القبَّاليون منهج الجماتريا في التفسير وهو حساب القيمة الرقمية للأعداد وتحوير معاني المفردات، بحيث يستنطقها المفسر بما يريد من مدلولات، الأمر الذي يعني أن النص المقدَّس ينطق بما يراه المفسر. وقد تعمقت الحلولية وازداد المجال الدلالي اضطراباً مع هيمنة القبَّالاه التي يدور موقفها من التوراة حول موضوعين أساسيين: أولهما أن «التوراة» اسم للإله أو دال عليه. ويُنظَر في التراث اليهودي إلى هذا الاسم باعتباره أعلى تركيز للمقدرة الإلهية (وهي فكرة لها علاقة بالسحر وبالتأمل الباطني) ، ومعنى ذلك أن التوراة ليست مجرد مادة خام بل لم تَعُد كتاباً ينقل معنىً أو مدلولاً محدداً، وإنما هي وحدة صوفية تهدف إلى التعبير عن قدرة الإله المتركزة في اسمه، وما القصص والمواعظ والمعاني التي ترد فيها سوى رداء خارجي للاسم المقدَّس. وحينما كان القبَّاليون يشيرون إلى أن التوراة هي «اسم الإله» ، فإنهم لم يكونوا يعنون بذلك أنها اسم يُنطَق به، وإنما كانوا يعتقدون أنها الوجود الإلهي المتسامي نفسه، أي أنها هي نفسها اللوجوس أي تجسُّد الإله وليس مجرد دال علىه أو رسالة منه (في التفسيرات المسيحية يُنظَر إلى النص باعتباره قصة رمزية بسيطة، بالإنجليزية: أليجوريكال allegorical) ، أي أن علاقة المستوى الرمزي بالمستوى الواقعي علاقة مباشرة وواضحة، ومن ثم فأحداث القصة علامات تشير إلى مغزى أخلاقي رمزي آخر، فتكون أحداث القصة الدال الذي يشير إلى مدلول وراءه) . وقد جاء في الأجاداه أن التوراة أداة الإله في خلق العالم، كما جاء في أحد كتب المدراش أن الإله نظر إلى التوراة ثم خلق العالم، أي أن القانون الذي يحكم العالم يوجد في التوراة، وهنا يتداخل التأمل مع السحر. وتعبِّر التوراة عن الحياة الداخلية للإله، بل هي جزء منه. ومن هنا، فإن الإشارة كانت إلى التوراة الكونية (توراة قيدوماه) باعتبارها أحد التجليات النورانية العشرة (سفيروت) . ومن هنا، كان الحديث عن أن التوراة هي الإله، حروفها جسده ومعناها روحه. أما الموضوع الثاني، فهو أن التوراة كيان عضوي حيّ، وهذه فكرة نابعة من الفكرة السابقة. فالتوراة اسم، ولكنه اسم على هيئة كيان حيّ، ولذا يشار إليها بأنها شجرة الحياة تظهر على هيئة إنسان. وهنا يتحد كل من التوراة وجماعة يسرائيل، فالتوراة التي تجسد الإله متوازية مع الشعب، والشعب هو الشخيناه التي هي أحد تجليات الإله. وبالتالي، فإن الشعب أحد التجليات النورانية، أي أنه جزء عضوي من الإله. وقد امتد هذا التصور ليشمل فكرة التوراة الشفوية التي تعتبر الكل الذي يضم مختلف فتاوى الحاخامات. والتوراة الشفوية هي التي تكمل التوراة المكتوبة وتجعلها متعيِّنة، أي أن التوراتين تمثلان كلاًّ عضوياً، وكل منهما تكمل الأخرى ولا يمكن تصوُّر الواحدة منفصلة عن الأخرى. وقد قرن القبَّاليون التوراة المكتوبة بالتجلي النوراني المسمَّى «تفئيرت» (الإله من حيث هو عنصر مذكر) ، في حين تكون التوراة الشفوية الوعاء المتلقي أو الشخيناه، أي جماعة يسرائيل (الإله من حيث هو عنصر مؤنث) ، ومعنى هذا أن الإله والتوراة والشعب يكوِّنون كلاًّ عضوياً. والواقع أن مضامين الفكرة جادة وخطيرة للغاية، فالتوراة المكتوبة تكتسب مضمونها من خلال التوراة الشفوية وليس العكس. ويكتسب الإله هويته من خلال الشخيناه (الشعب) وليس العكس (وهنا يتبدَّى النمط الحلولي الكامن الذي يبدأ بحلول الإله في الإنسان، ولكنه يصبح دونه مرتبةً ومنزلةً ومعتمداً عليه) . والشيء نفسه يُقال عن التوراتين، فالتوراة الشفوية (التي وضعها الإنسان) تفوق التوراة المكتوبة المرسلة من عند الإله. وقد قال نحمانيدس إنه جاء في الأجاداه أن التوراة كُتبت بنار سوداء على نار بيضاء، ولذا فإن حروف التوراة المكتوبة لا معنى لها دون المفسرين، فهم يكتشفون التوراة المكتوبة بالنار البيضاء الخفية التي لا يمكن إلا لكبار المفسرين قراءتها، إذ أن التوراة التي بين أيدينا مكتوبة بالحروف السوداء التي تعطي معنى مباشراً عادياً، أي أنه ليست هناك سوى التوراة الشفوية في نهاية الأمر. بل إن نحمانيدس يذهب إلى القول بأن كتابة التوراة كانت متصلة بدون أي فراغ بين الكلمات، أي أنها كلمة واحدة متصلة الأمر الذي يجعل من الممكن قراءتها: إما بالطريقة التقليدية كتاريخ ووصايا، أو بالطريقة الباطنية كأسماء للإله. وجاء أيضاً أن موسى تلقى التوراة التي تُقرأ كوصايا، ولكن التوراة الشفوية هي التي ستمكنه من قراءتها بوصفها أسماء للإله. وقال بعض القبَّاليين بنظرية الحرف الناقص، وهو حرف الشين الغائب أو الباطني الذي له أربع أسنان على عكس الشين العبرية الظاهرة التي لها ثلاث أسنان فقط، مثلها مثل الشين العربية. ويقول البعض الآخر إن هناك حرفاً ناقصاً من العبرية المعروفة لنا، وسيُكشَف هذا الحرف للعوام في الدورة الكونية المقبلة، ولكنه يمكن أن يُكشَف للعالمين بالقبَّالاه في الدورة الكونية الحالية. وحسب هذه النظرية، فعند قراءة أوامر ونواهي التوراة، تكون النواهي مرتبطة بهذا الحرف الناقص، فإن وُضع في موضعه فإن الأوامر مثل «لا تسرق، لا تزن» ستتحول إلى دعوة للإباحية بمعنى «فلتسرق، ولتزن» . وستظهر هذه التوراة الكاملة البيضاء في العصر المشيحاني. وقد طوَّر القبَّاليون فكرة التوراتين على أسس جديدة، فآمنوا بوجود توراتين: توراة الخلق الظاهرة (توراه دى بريئاه) ، وتوراة الفيض الباطنة (توراة دي أتسيلوت) . وهاتان التوراتان، على عكس التوراة المكتوبة والشفوية، كلماتهما واحدة ولكن ثمة معنى خفياً وراء النص الظاهر لا يمكن أن يصل إليه سوى الماشيَّح ومن هم في منزلته. والواقع أن توراة الخلق هي توراة هذا العالم المكتوبة على رقائق الجلد والورق وتحوي الأوامر والنواهي والتحريمات. أما توراة الفيض الكاملة، فهي توراة عالم الخلاص؛ توراة الحرية وعدم التقيد بأية حدود أو أوامر، توراة الإباحة الكامنة وراء توراة الخلق. ولذا، فإن من يدرك كنهها، مثل شبتاي تسفي وفرانك، يتحلل تماماً من الشريعة. ويمكن القول بأن ثمة نمطاً كامناً وراء كل التفسيرات الحلولية يفترض أن ثمة تساوياً بين الإله والتوراة والشعب بحيث يصبح الشعب إلهاً، وهو ما يؤدي إلى الإباحة التي تؤدي بدورها إلى الإباحية الكاملة. ويتحدث التراث القبَّالي عن حادثة طرد آدم من الجنة، وكيف أنه بعد أن أكل من شجرة المعرفة اكتشف عورته التي بدا له أنها خطيئة، ولذا اضطر إلى ارتداء ثوب ليستر به عورته (معرفته) . وبالمثل، فإن الشخيناه التي تتجسد في التوراة، والتي ترافق جماعة يسرائيل في منفاها، بل تصبح هي نفسها كنيست يسرائيل، تصبح في حاجة إلى الثياب لكي تغطي بها أصلها الحقيقي. ومن ثم، فإنها ترتدي ملابس الحداد الكئيبة (الأمر الذي يوضح أثر فكرة السقوط المسيحية وفكرة الجسد من حيث هو خطيئة) . والتوراة/الشخيناه ترتدي هي الأخرى الثياب التي تتمثل في الأوامر والنواهي التي ينبغي على اليهودي مراعاتها في عالم المنفى، أي في عالم السقوط (إذا استخدمنا المصطلح المسيحي) . أما في عصر الخلاص أو العصر المشيحاني، فإن التوراة التي بين أيدينا (توراة شجرة المعرفة المغطاة برداء من الوصايا) سوف تتجرد من ملابسها لتظهر التوراة الحقيقية (توراة شجرة الحياة) ، ومن ثم تكون العودة إلى الحالة الفردوسية (قبل السقوط) حين كان آدم وحواء يقفان عاريين دون حاجة إلى ثياب تستر عورتهما، أي أن كل شيء ينتهي في الفردوس ليسود الحلول الإلهي الكامل ويترسخ إلغاء الشريعة والإباحية والترخيصية، ويباح كل شيء. ومعنى التوراة الخفي، الذي لا يدركه سوى العالمين بأسرار القبَّالاه، مرتبط بفكرة الدوائر الكونية التي تتكون كل واحدة منها من سبعة آلاف عام، وكل واحدة تتكون من وحدات من سبعة أعوام، والتاريخ يتكون من سبع دورات كونية، ويُقال إننا في ثاني هذه الدورات. وفي كل دورة تأخذ التوراة شكلاً محدداً، والتوراة التي بين أيدي اليهود هي مجرد شكل للتوراة في دورتها الحالية، ولكن هذا الشكل ليس الشكل الأوحد أو النهائي لها، فلكل دورة كونية توراتها، ولكل توراة معنى مختلف تماماً. ويؤكد التراث القبَّالي وجود درجات وطبقات للمفسرين تعبِّر عن درجات القداسة أو الحلول الإلهي، أهمها هو من «يعرف التوراة وجهاً لوجه» . وقد جاء في التوراة أن موسى عرف الإله وجهاً لوجه، أي رآه رؤية العين. ولكن كلمة «عرف» تعني في العهد القديم، «نكح» : «وعرف آدم حواء امرأته فحبلت وولدت قايين» (تكوين 4/1) . وفي التراث اليهودي الصوفي، يُقال إن موسى عرف الشخيناه، أي الحضرة الإلهية، بمعنى أنه ضاجعها ونكحها. وكذلك تفسير التوراة، فمن يعرفها وجهاً لوجه يكون كمن نكحها. وتصور القبَّالاه مراحل التفسير مستخدمة هذه الصورة المجازية الجنسية، فالعابد يدخل مخدع حبيبته التوراة، فتقف من خلف حجاب كثيف، وكلما تَعمَّق في القراءة وغاص في المعنى كشفت له عن نفسها حتى تتجرد تماماً من ملابسها وتقف عارية أمامه، فيقف هو أمامها وجهاً لوجه فيما يشبه الزواج المقدَّس. وهذا هو أساس جميع التهويمات الفكرية والجنسية (فلنقارن هذا بفكرة لذة النص عند رولاند بارت، ولنتذكر أن الصورة المجازية الجنسية أساسية في النسق الحلولي وفي فلسفة ما بعد الحداثة) . ومما يجدر ذكره أن كتب القبَّالاه (مثل الباهير والزوهار وكتابات لوريا) ، وكلها كتب تفسير للعهد القديم، حلت بين الجماهير وصغار الحاخامات محل التلمود وأصبحت في واقع الأمر الشريعة الشفوية. وكان هذا هو الوضع السائد حين لاح العصر الحديث في الغرب وقام مندلسون بترجمة العهد القديم وكتب مع بعض زملائه تعليقه الشهير عليه، وهو ما يُعرَف باسم «البيئور» . وقد استفاد مندلسون من التفاسير القديمة، ولكنه وَجَّه الأنظار نحو المعرفة الدنيوية على حساب التقاليد. وبعد ذلك، اتسع نطاق نقد العهد القديم، وظهر ما يُسمَّى «علم اليهودية» والتفسيرات الحديثة المختلفة التي تستفيد من المعارف الدنيوية، مثل علم النفس وعلم الأنثربولوجيا. ومن أهم الاتجاهات في التفسير ما يمكن تسميته «الاتجاه الوجودي الحلولي» عند مارتن بوبر، وهو اتجاه يرى أن ما يهم ليس النص في حد ذاته وإنما المواجهة بين الإله والإنسان (أو بين الإله واليهودي) ، بمعنى أن النص (كمادة خام له ستمائة ألف معنى) يختفي لتظهر بدلاً منه ذات المفسر، الأمر الذي يعني موت النص ومولد الناقد وهيمنته. وهذا الموقف لا يختلف في أساسياته عن التفسيرات القبَّالية التي تفرض أي معنى باطني على النص، والتي تقتل المؤلف (الإله) وتُعلي إرادة المفسر. لكل ما تقدَّم، يصبح من المهم جداً، عند قراءة نص توراتي أو تلمودي، أن نحدِّد التفسير المقصود. ولنأخذ، على سبيل المثال، العبارة التي وردت في التلمود حيث يقول الإله: «ياليت الناس يهجرونني ولا يهجرون التوراة» ، فهل المقصود بهذا التوراة الناقصة أم أن المقصود التوراة الكاملة، توراة الخلق أم توراة الفيض، أم أن المقصود أقوال الحاخامات، أي التوراة الشفوية؟ وعلى كلٍّ، فإن معنى كلمة «توراة» (كما بيَّنا) متداخل ومتضارب في المجال الدلالي، ولذا فإن الجملة في حد ذاتها لا تعني شيئاً، والمهم هو تفسير المقصود من كلمة «توراة» . والشيء نفسه ينطبق على أي اقتباس من التوراة، فعبارة مثل تلك التي ترد في الشماع «الإله واحد» تحمل معاني مختلفة بعضها حلولي مغرق في الحلولية والشرك لا علاقة له بالتوحيد. فحينما يقولها القبَّالي بمفهوم التجليات العشرة النورانية، فإنه يعني شيئاً مختلفاً تماماً عما يقصد إليه الحاخام الإصلاحي أو الأرثوذكسي. وإن اقتبس أحد عبارة من تلك العبارات التي تحضه على الإحسان إلى «أخيك» ، فإن الأخ في كثير من التفسيرات تعني «اليهودي» وحسب. والوصية الخاصة بترك لقاط الحصيد «للمسكين والغريب» (لاويين 19/9، 10) ، تُفسَّر بأن المقصود المسكين اليهودي والغريب اليهودي وحسب. بل أية إشارة إلى الإنسان أو الرجل هي، حسب كثير من التفسيرات، إشارة إلى اليهودي وحده. ومن أهم التطورات في تاريخ اليهودية ظهور ما يمكن تسميته «حلولية شحوب الإله» وهي مرحلة تالية لمرحلة وحدة الوجود الروحية، فبعد الحلول الكامل يتوحد الإله مع المادة (الأرض المقدَّسة ـ الشعب المقدَّس) فيَضمُر ويشحُب ويصبح لا أهمية له بل يموت داخلها (وهذا يُشكل مرحلة الانتقال من وحدة الوجود الروحية إلى وحدة الوجود المادية وهي حلولية بدون إله) ، وبذا تصبح المادة مصدر القداسة. وقد تبدَّى هذا في الفكر الديني اليهودي حين وصف أحد زعماء جوش إيمونيم الجيش الإسرائيلي بأنه القداسة الكاملة (مادة مقدَّسة دون مرجعية إلهية متجاوزة) . وقد أخذ بن جوريون الخطوة المنطقية وأعلن أن الجيش الإسرائيلي خير مفسر للتوراة، وهذا يفتح الباب على مصراعيه للقداسة الإسرائيلية المسلحة لكي تفرض التفسير الذي تراه. وعلى كلٍّ، فإن هذا أمر مفهوم تماماً إذا كانت الكلمات دالاً بدون مدلول، أو كان مدلولها مرجئاً ومؤجلاً (على حد قول دريدا) ، ذلك لأن ما يحدد المعنى في هذه الحالة هو القوات المسلحة أو المخابرات العسكرية، فهي وحدها القادرة على إغلاق النسق المتبعثر وتزويده بالمركز والمعنى، وهي وحدها القادرة على أن تحوِّل كلمة «فلسطين» إلى «إرتس يسرائيل» بحيث يصبح الدال (فلسطين) يشير إلى مدلولات أخرى يرتضيها صاحب السلاح الأقوى. ويُلاحَظ أن المدارس المسيحية لتفسير العهد القديم تختلف في منهجها عن المدارس اليهودية، فهي تميل إلى التفسير المجازي، أو تميل إلى التفسير الرمزي الذي يفترض وجود علاقة بين الرمز ومجاله الدلالي، على عكس كثير من المدارس اليهودية التي إما أن ترتبط بالتفسيرالحرفي أو تتركه تماماً وتفصل الدال عن المدلول تماماً. ويُلاحَظ أن كثيراً من مدارس التفسير البروتستانتية (المتطرفة) يأخذ بتفسير حرفي لنصوص العهد القديم ويفرض عليه معنىً صهيونياً. وقد تأثر كثير من النقاد اليهود، من دعاة المدرسة التفكيكية، بالقبَّالاه اللوريانية وبطرق التفسير القبَّالية. ولهارولد بلوم كتاب بعنوان القبَّالاه والنقد. نقد العهد القديم (Biblical Criticism (of the Old Testament جاء في التلمود (بابا باترا، 14ب ـ 15أ) أن موسى هو الذي كتب، أي حرَّر ودوَّن التوراة (أسفار موسى الخمسة) ، والجزء الخاص عن بلعام وسفر أيوب، وأن يوشع بن نون هو كاتب السفر المسمَّى باسمه وآخر ثماني مقطوعات في أسفار موسى الخمسة، وأن صموئيل كتب السفر المسمَّى باسمه وسفري القضاة وراعوث، وأن داود هو صاحب المزامير وقد ضمنها كتابات من سبقوه مثل آدم وإبراهيم، وأن إرميا كتب السفر المسمَّى باسمه وكتب الملوك والمراثي، وأن حزقيال كتب سفر أشعياء والأمثال ونشيد الأنشاد وسفر الجامعة، وأن أعضاء المجمع الكبير كتبوا (أي حرروا) سفر حزقيال وأسفار الاثني عشر نبياً وسفر دانيال وسفر إستير، وأن عزرا كتب السفر المسمَّى باسمه. وقد قسَّم علماء التلمود المتناقضات في العهد القديم إلى ما يلي: أ) متناقضات تامة، تناقض المقطوعة منها الأخرى تماماً (بالعبرية: هحخحاشوت) . ب) ما يثير الدهشة (بالعبرية: تموهوت) مثل خلق الطير من الماء. جـ) المتقدم والمتأخر (بالعبرية: موقدام أو مؤْحَر) ، أي عدم ترتيب المادة التاريخية في العهد القديم. وفي العصر الحديث، يذهب علماء العهد القديم إلى أن هذا الرأي يتنافى مع القرائن الموجودة داخل النصوص نفسها. فعلى سبيل المثال، يُلاحَظ أنه ورد في نهاية سفر التثنية: «فمات هناك موسى عبد الرب في أرض موآب حسب قول الرب» (34/5) . ثم يستمر السفر، حتى نهايته، في الحديث عن موت موسى. وجاء في سفر التكوين ما يلي: «وهؤلاء هم الملوك الذين ُمِّلكوا في أرض أدوم قبلما مَلَكَ ملكٌ لبني يسرائيل» (تكوين 36/31) ، أي أن كاتب هذه الفقرة عاش بعد أن عرفت جماعة يسرائيل نظام الملكية، ولم يحدث ذلك إلا بعد عدة قرون من موت موسى. كما أن التوراة كُتبت بالعبرية، ولم يكن موسى الذي عاش في مصر يتحدث العبرية، وإنما كان في الأغلب يتحدث لغة المصريين القدامى أو كان يتحدث لغة كنعانية متأثرة بالمصرية القديمة. لكل هذا، ظهر ما يُسمَّى «نقد العهد القديم» ، وهو العلم الذي يهدف إلى دراسة نصوص العهد القديم باعتبارها نصوصاً تاريخية على الدارس أن يُطبِّق عليها كل المعايير التي يطبقها على أية نصوص تاريخية أخرى. كما يهدف إلى اكتشاف أسباب التناقضات التي قد توجد بين نص وآخر، وعدم الاتساق فيما بينها، ثم محاولة تفسيرها في ضوء المعطيات التاريخية. ويلجأ علم نقد العهد القديم إلى تحليل النصوص المختلفة ليصل إلى عناصرها الأساسية، وإلى الربط بينها لإيضاح تتابعها التاريخي بحيث تلقي الضوء على تطوُّر العبرانيين وعقائدهم منذ مراحلهم البدائية حتى اكتمال النسق الديني اليهودي، أي أن نقد العهد القديم هو العلم الذي يهدف إلى إبراز وتوضيح سائر المشاكل الخاصة بنصوص العهد القديم، وبالتالي وضع أساس للدراسات الأخرى، الاجتماعية والتاريخية والدينية، التي تتناول العصور التي تم فيها وضع العهد القديم وتدوينه. وقديماً كان يتم التمييز بين الدراسة النقدية أو الأدبية (العليا) والدراسة النقدية (الدنيا) أو الأولية. فبينما كانت الدراسة الأولية تختص بدراسة النص وحسب، فإن الدراسة العليا كانت تركز على تحليل مؤلف النص وظروفه التاريخية والمغزى من مؤلفه. ولكن الجهد يتجه الآن نحو مزج الدراستين، وبالتالي قد تؤدي الدراسة التاريخية أو الأدبية (العليا) لنصٍّ ما إلى إعادة صياغة كلمات النص وطريقة نطقها (الدراسة الأولية) ، والعكس صحيح، بمعنى أن اكتشاف طريقة جديدة لنطق بعض الكلمات قد يلقي ضوءاً على مؤلف النص وتاريخه. وقد أدرك الحاخامات، منذ البداية، وجود التناقضات وعدم الإتساق داخل النصوص التوراتية، ولكن جل همهم انصرف إلى محاولة تفسيرها. فعلى سبيل المثال، عرف الحاخامات أن الإصحاح رقم 34 في سفر التثنية لا يمكن أن يكون موسى قد كتبه، ففُسِّر على أساس أنه كتبه وهو يموت، وأن الإله أملى عليه هذه الكلمات، وأنها كُتبت بروح النبوة. وقد أدرك الحاخامات كذلك، منذ أيام الترجمة السبعينية، أن عدد السنين التي تفصل بين لاوي وموسى لا تصل إلى 430 سنة (حسبما ورد في سفر الخروج) ففسروها بأن الفترة الزمنية بدأت مع مولد إسحق. وقد بدأ نقد العهد القديم على يد المؤلف اليهودي القرّائي (حيوي البلخي) الذي عاش في القرن التاسع. وقد ظهرت محاولات متفرقة هنا وهناك، أهمها دراسة إسحق أبرابانيل (1447 ـ 1508) الذي قدَّم أول دراسة علمية لنصوص العهد القديم. كما أن ابن حزم الأندلسي وبعض الدارسين المسلمين القدامى لاحظوا أن ما ينسبه العهد القديم إلى الأنبياء من جرائم، يُعدُّ دخيلاً على النص الأصلي. ولكن العلم نفسه، بالمعنى الحديث، بدأ مع الفيلسوف اليهودي إسبينوزا الذي قال بأن أسفار موسى ليست من تأليف موسى، وأن عزرا مؤلفها الحقيقي. وبعد ذلك، تتالى العلماء الغربيون في دراسة العهد القديم من وجهة نظر نقدية. وكان أول الكتب لجان إستروك الأستاذ في جامعة باريس عام 1753، وتبعه كتاب ج. آيتشورن عام 1779، وهناك آخرون بينوا مصادر العهد القديم المختلفة، ولم يبق سوى تبيان تتاليها التاريخي، وهو ما أنجزه فون جراف عام 1866، وفلهاوزن (1876ـ 1878) ، وكونهيل. ويُلاحَظ أن هؤلاء الثلاثة من أشهر علماء الإسلاميات في الغرب، ولابد أن النقد القرآني للتحريفات التي وردت في التوراة، كان دافعاً لدراستهم النقدية. وقد انضم إليهم آخرون، من بينهم جايجر (أحد مؤسسي اليهودية الإصلاحية) وجراييتس وكاوفمان وكوهلر. وظهر علم اليهودية الذي يحاول اكتشاف الأسس التاريخية للنصوص المقدَّسة. وقد استخدم نقاد العهد القديم في دراساتهم المعايير التالية: 1 ـ التناقض في الأجزاء التشريعية: وكما هو واضح في الحكمة من فرض شريعة السبت، فقد ورد مرة أنه فُرض "لأن الرب استراح في اليوم السابع بعد أن خلق السماوات والأرض" (خروج 20/11) . أما في سفر التثنية، فلا يوجد ذكر للخلق، وإنما الإشارة إلى الخروج من مصر (تثنية 5/12 ـ 15) . 2 ـ التناقض في القصص: فقد ورد في سفر التثنية (2/4) أن العبرانيين مرُّوا بأرض الأدوميين (بني عيسو) في طريقهم إلى كنعان. أما في سفر العدد (20/21) ، فقد ورد شيء مخالف تماماً. 3 ـ التناقض بين ما جاء في الشرائع وما ورد في القصص: فسفر التثنية (12/5، 6) يصر على ضرورة تقديم القرابين في مذبح مركزي، ومع هذا قدَّم إلياهو قرابين على جبل الكرمل (ملوك أول 18/19 - 37) . وتؤكد أسفار موسى الخمسة أهمية تقديم القرابين خلال سنوات التيه، بينما يؤكد النبي عاموس أن مثل هذه القرابين لم تُقدَّم (عاموس 5/25) . وينكر إرميا أن الإله أمر بمثل هذه القرابين (إرميا 7/22) . 4 ـ تباين الأسلوب الأدبي: وقد توصَّل الباحثون، بعد دراسة الاختلافات الواضحة في مفردات النصوص وأفكارها، إلى أن هذه النصوص تعود إلى فترات زمنية مختلفة. فسفر الخروج يعلن أن الآباء يعرفون الإله باسم «شدَّاي» ، وهو ما يساعد على تحديد هذه النصوص وتحديد تاريخها، وأنها تعود إلى المصدر نفسه. كما أن اختلاف الخلفيات التاريخية في سفر أشعياء والمزامير يُسهِّل عملية معرفة المؤلف وتاريخ التأليف. 5 ـ استخدام ترجمات العهد القديم المختلفة: يجد النقاد أن الترجمات القديمة للعهد القديم تظهر فيها نصوص أو مقطوعات ليست في النص العبري، كما وجدوا أيضاً ما هو مخالف. فالترجمة السبعينية لسفر أيوب (38/2) تضم فقرة لا توجد في النص العبري تُغيِّر تفسير السفر تماماً. 6 ـ الاكتشافات الأثرية: يدرس ناقدو العهد القديم الآثار والمدونات الآشورية والبابلية والمصرية ليحصلوا على المعلومات التي تلقي ضوءاً جديداً على التاريخ. وتتفق هذه المدونات مع الرواية التوراتية أحياناً، وأحياناً تتناقض معها. وقد ألقت عقائد أمم الشرق الأدنى القديم الكثير من الضوء على عقائد العبرانيين القدامى، وعلى تطوُّر العقيدة اليهودية. وقد اتفق نقاد العهد القديم على أن أسفار موسى الخمسة وسفر يشوع بن نون ترتد إلى مصادر (بالإنجليزية: سورسيز (Sources أربعة أساسية: 1 ـ المصدر اليهوي: مصدر (J) وهذا هو الحرف الأول من كلمة «Jahwist» نسبة إلى «جهوفاه» . ومن الواضح أن هذا المصدر يحمل اسم الإله يهوه، ويرجع إلى القرن التاسع قبل الميلاد، ويُرجعه البعض الآخر إلى القرن العاشر. وقد سُمِّي «مصدر يهوه» لأنه يستخدم هذا الاسم للإشارة إلى الإله، وكان رواته من المملكة الجنوبية. والواقع أن تصوُّر الإله في هذا المصدر قَبَلي ضيق يتداخل فيه المقدَّس والزمني والمطلق والنسبي (فهو حلولي وثني) ، والإله سلطته محدودة بمكان خاص باليهود، وهو يتعصب لليهود ويناصرهم على أعدائهم ويتجلى في تاريخهم، وهو ذو سمات بشرية عديدة. فالإله لا يختلف كثيراً عن مخلوقاته، فهو يغار منهم، ويخشى أن يصبح الإنسان عاقلاً أو قوياً، وهو يصارع يعقوب ولكن يعقوب يهزمه. كما أن قيمه الأخلاقية ليست سامية ولا عالمية، فإبراهيم يكذب على فرعون ليضمن بقاءه، ويجعل زوجته تدَّعي أنها أخته «ليكون لي خير بسببك» (تكوين 12/13) ، فهي امرأة حسنة المنظر. وبالفعل «رآها رؤساء فرعون ومدحوها لدى فرعون، فأُخذت المرأة إلى بيت فرعون. فصنع إلى أبرام خيراً بسببها» و «صار له غنم وبقر وحمير وعبيد وإماء وأُتن وجمال» (تكوين 12/11 ـ 16) . ويعقوب يخدع إسحق وعيسو، ويهودا يضاجع زوجة ابنه، وهكذا. وقصص هذا المصدر متأثرة بالأدب الشعبي والقصص الديني للشعوب التي عاش العبرانيون بينها، سواء في الفكرة أو الحبكة القصصية. ويؤكد هذا المصدر أهمية سبط يهودا، ويرى أن عصر داود هو العصر الذهبي الذي تحقَّق فيه الثالوث الحلولي، إذ ارتبط الإله بالشعب بالأرض في رباط حلولي عضوي. وهذا المصدر هو الذي يشير إلى أرض كنعان باعتبارها أرض يسرائيل. 2 ـ المصدر الإلوهيمي: مصدر (E) نسبة إلى «إلوهيم Elohim» . ويحمل هذا المصدر اسم «إلوهيم» باعتباره اسم الإله، ويتحاشى اسم «يهوه» ، وقد أُلِّف حوالي 770 ق. م في المملكة الشمالية. وهذا المصدر يتسم بالرؤية التوحيدية أو شبه التوحيدية للإله، فهو يصوِّرالإله في صورة أسمى مما يفعل المصدر اليهوي، فهو الإله الذي يقول «كن فيكون» ويتسامى عن صفات وعواطف البشر. وهو إله شامل قد تكون له علاقة خاصة بشعبه، ولكنها علاقة لا تنتقص من عالميته، كما أن ثمة شعوراً دينياً عميقاً بطاعة الإله والولاء له. ويُلاحَظ على هذا المصدر تأكيد البُعد الأخلاقي بكل وضوح على حساب الجانب الشعائري. كما تسيطر عليه رؤية الأنبياء إذ هناك أحكام مشابهة لأحكام الأنبياء. وهو ينفرد بنسبة النبوة إلى إبراهيم ويوسف وموسى (ولذا، فإن كثيراً من النقاد يعتبرون المصدر الإلوهيمي الإطار النظري لحركة النبوة) . والواقع أن المصدر الإلوهيمي يفتح الباب واسعاً أمام أعضاء جماعة يسرائيل لإعلان توبتهم وندمهم على ما اقترفوه من أخطاء، وعن طريق التوبة والندم يحدث العفو الإلهي. والمصدر الإلوهيمي ينظر إلى المصريين نظرة أكثر تسامحاً. ويُعنى هذا المصدر بسرد التاريخ الديني لجماعة يسرائيل، كما أنه يعكس بيئة المملكة الشمالية. وقد استقى المصدر قصصه من قبيلة أفرايم. 3 ـ مصدر التثنية: مصدر (D) نسبة إلى «ديتيرونومي Deuteronomy» أو تثنية الشريعة. وقد أُدخل هذا المصدر في صميم العهد القديم عام 621ق. م. ويحاول المصدر التوفيق بين المصدرين الإلوهيمي واليهوي، وبين تراث الشمال وتراث الجنوب. وكذلك بين الفكر النبوي والفكر الكهنوتي المتعارضين، فالأول يركز على الجوانب الروحية، والثاني يركز على العبادة القربانية، ولذا فإن هذا المصدر يحتفظ بالاتجاه القومي العنصري (اليهوي) والاتجاه العالمي المثالي (الإلوهيمي) . كما أن هذا المصدر صادر عن وسط مثقف مرتبط بالإصلاح الديني (التثنوي) الذي حدث عام 622 ق. م، حين أرسل الملك يوشيا (641 ـ 611 ق. م) ، أي بعد وفاة موسى بما يقرب من سبعمائة عام، أحد أتباعه إلى الكاهن الأعظم، ليحسب النقود التي دفعها زوار الهيكل. فوجد «توراة موسى» في بيت الإله وندموا على أنهم كانوا قد نسوها. ويبدو أن كاتب هذا السفر هو أحد الكهنة. والواقع أن النص كان يمثل رد فعل للغزو الثقافي الآشوري الذي اكتسح العبرانيين آنذاك فانصرفوا عن عبادة يهوه، ولذا كان لابد للكهنة والأنبياء أن يوحدوا صفوفهم، وهو ما ينجزه هذا المصدر الذي يشبه أسلوبه أسلوب إرميا الذي عاش في ذلك الوقت. كما أنه يصر على أن التضحية ليهوه لابد أن تتم في مكان واحد يختاره هو، أي الهيكل، وهو الأمر الذي يتفق مع إصلاحات يوشيا ومع أهداف الكهنة، كما يتفق مع محاولة تقوية الدولة من خلال العبادة القربانية المركزية. 4 ـ المصدر الكهنوتي (حواشي الكهنة) : مصدر (P) من كلمة «بريستلي Priestly» ، أي الكهنوتي ويعود تاريخه إلى ما بعد فترة التهجير البابلي. ويضم أساساً قوانين اللاويين والإحصاءات والأرقام التي وردت في أسفار موسى الخمسة، كما يضم بعض الروايات التي وردت في سفر التكوين والخروج والعَدد. ويستخدم هذا المصدر القصص إطاراً للشرائع، بهدف إعطاء القوانين والشرائع صفة القدسية. والإله في هذا المصدر هو خالق كل شيء، كائن وحاضر في كل آن ومكان، وفي كل شيء. ومؤلفو هذا المصدر يتمتعون بثقافة عالية، ولذا فهو يتسم بالصياغات المنطقية. كما أن أسلوبهم دقيق ونمطي وجاف، ويظهر فيه التمييز بين الكهنة واللاويين، ويرد فيه أول ذكر للأعياد ووصف تفصيلي لخيمة الاجتماع. وقد امتزج المصدران، اليهوي والإلوهيمي، حوالي عام 650 ق. م، ولذا يشار أحياناً إلى المصدر (JE) الواحد، أي المصدر اليهوي الإلوهيمي. كما توجد مصادر سابقة أخرى، مثل مصدر (H) نسبة إلى «هولينيس Holiness» ويُطلَق عليه «مصدر القداسة» . ويُنسَب إلى مجموعة من الكتاب أثناء السبي البابلي، وقد حاولوا أن يعطوا طابعاً شخصياً للإيمان الديني يَبعُد عن الشعائر البرانية الجافة، وقد تبنوا مجموعة من المبادئ الأخلاقية العالية. وأخيراً، فإن هناك مصدر (K) من «كينايت Kenite» ، أي «المصدر القيني» ، ويُقال إنه أقدم المصادر على الإطلاق، ولكن أجزاءً كثيرةً منه فُقدت. وقد استفاد منه كتَّاب المصدرين اليهودي والإلوهيمي وحذفا منه الكثير. ويذكر الدكتور محمد خليفة حسن أحمد في كتابه علاقة الإسلام باليهودية أن ثمة مصادر أخرى للتوراة غير هذه المصادر الأربعة الأساسية، ولكنها تقل عنها كثيراً في الأهمية وفي وجودها داخل النص. وقد اتجه بعض النقاد إلى ضم هذه المصادر. بل مال بعضهم إلى تقسيم المصدر الواحد إلى عدة مصادر داخلية والتمييز بينها بإعطاء رقم معيَّن كأن نقول مثلاً يهوي1، يهوي2، يهوي3 أو إلوهيمي2، إلوهيمي3، وهكذا. وهناك مصدر مهم لم يتمكن النقاد من ضمه بسهولة إلى مادة المصادر الأربعة الرئيسية. ولهذا، فقد اتجه بعض النقاد، مثل إيسفلت، إلى إعطائه علامة تميِّزه عن غيره. ووقع اختيار إيسفلت على الرمز (L) للدلالة على مادة هذا المصدر. وهذا الرمز اختصار لكلمة «لاي Lay» التي نترجمها هنا إلى كلمة «العامي» أو «غير الكهنوتي» ، وقد اعتبر إيسفلت هذا المصدر أقدم المصادر على الإطلاق لاحتوائه على عناصر تبدو أصلية وبدائية في آن واحد. منها، مثلاً، نظرته إلى الإنسان القديم بوصفه بدوياً، وإلى البشرية آنذاك باعتبارها جماعةً من البدو، وإلى جماعة يسرائيل باعتبارها جماعةً بدويةً، وهي صورة لا نجدها في بقية المصادر. كما أن تصوير هذا المصدر للألوهية تصوير تجسيدي تشبيهي. ويجب ألا تُفسَّر كلمة «مصدر» بأنها نص كتبه مؤلف واحد، فقد يكون نصاً كتبته مجموعة من المؤلفين في فترة زمنية واحدة. وقد تداخلت المصادر كالطبقات الجيولوجية دون أي تمازج، وهو ما يفسر وجود التناقضات المختلفة، وخصوصاً في مفاهيم محورية مثل مفهوم الخالق، إذ تتفاوت بين الحلولية ذات النزعة الأخلاقية القومية والتوحيدية ذات النزعة الأخلاقية العالمية. ويتضح تعدُّد المصادر وعدم تمازجها بصورة كبيرة في أسفار موسى الخمسة، ثم يطَّرد التناقض في أسفار القضاة والملوك والأيام. ونجد أن أسفار الأنبياء عادةً ما تضم خطبهم ونبوءاتهم وتتسم بكثير من الاتساق ماعدا سفري أشعياء وزكريا. أما كتب الحكم والأمثال، فمصادرها متنوعة وكثيرة ومتناقضة. وتعبير «تكستوال ويتنسيز textual witnesses» يشير إلى تلك البقايا (الترسبات) التي وردت من عصور مختلفة لتدلنا على فترة (أو فترات) زمنية لم يكن كل مصدر فيها قد تبلور بعده وتُعَدُّ لفيفة المعبد (مجيلات هامقدش) من تلك الشواهد، كما أن مخطوطات قمران والترجمة السبعينية تُعَدُّ هي الأخرى دليلاً على أن هناك حالة من الاضطراب في وضع المصادر سادت بين المحررين للتوصل إلى قدر من المواءمة بين النصوص (بالإنجليزية: هارمونيست تكست harmonist text، أي «نص متوائم» ) . وهذه المصادر هي النص في حالة سديمية. فمخطوطات قمران هي النص في الحالة الجنينية ومرحلة النص الماسوري هي المرحلة الناضجة. والواقع أن أثر نقد العهد القديم في اليهودية المعاصرة واضح بيِّن، فاليهودية الإصلاحية تنطلق من تَقبُّل نتائجه، فهي تنطلق من دنيوية أو نسبية أو تاريخية أو زمنية التراث الديني اليهودي بأسره، وهذا ما يعني أنه ليس مرسلاً من الإله وإنما نتيجة قريحة عقل الإنسان، وربما بإلهام (وليس بوحي) من الإله. ولا تختلف اليهودية المحافظة أو التجديدية عن اليهودية الإصلاحية في هذه الناحية إلا من ناحية الدرجة. كما أن الصهيونية وسائر التيارات التي تعرِّف اليهودية بأنها انتماء إثني أو عرْقي، وليس دينياً، تستند إلى معطيات نقد العهد القديم الذي يحوِّل كتب اليهود المقدَّسة إلى شكل من أشكال الفلكلور. واليهودية الأرثوذكسية وحدها هي التي ترفض نقد العهد القديم. أما الفكر المسيحي، فقد استفاد بنقد العهد القديم في نقده اليهودية، إذ يشير كثير من المفكرين الدينيين المسيحيين إلى أن اليهودية تحوي عناصر وتراكمات وثنية عديدة حاول الأنبياء القضاء عليها وتطهير النسق الديني اليهودي منها، وقد نجحوا في ذلك بعض الوقت. ولكن اليهودية سقطت مرة أخرى في الوثنية والعبادة القربانية، والالتفاف حول الهيكل، والانغماس في النزعة العرْقية. ولذا، فلم يكن بالإمكان إنقاذ الجوهر الديني الحق لليهودية إلا عن طريق المسيحية. الكتب الخارجية أو الكتب الخفية (أبوكريفا) Apocrypha «الكتب الخارجية» ، كمصطلح، يقابل كلمة «أبوكريفا» ، وهي كلمة يونانية تعني «الخفي» أو «غير الموثوقة» أو «غير المعترف به» . وقد كان هناك نوعان من المعرفة الدينية عند اليونان: النوع الأول يشمل عقائد وطقوساً عامة، بإمكان جميع طبقات البشر معرفتها وممارستها. أما النوع الثاني، فيشمل حقائق عميقة غامضة لا يمكن أن يفهمها أو يدرك كُنهها إلا قلة من الخاصة، ولذلك بقيت مخفاة عن العامة. ومصطلح «أبوكريفا» يشير إلى النصوص المقدَّسة غير القانونية، التي لم يعترف بها اليهود ضمن أسفار العهد القديم، ولم تُسجَّل باعتبارها أجزاء معتمدة منه، ولا تبلغ نفس درجته من القداسة عندهم. والواقع أن كلمة «أبوكريفا» تسمية مغلوطة، فالكتب التي أوصى الحاخامات بإخفائها، أي «سيفاريم جينوزيم» (دانيال 11/43) الكنوز المخفية عن العامة (على أن يطلع عليها الخاصة وحدهم) لا تتعدى كتاباً واحداً أو اثنين. أما بقية الكتب فهي «أبوكريفا» ، بمعنى أنها استُبعدت من الكتاب المقدَّس المعتمد لدى اليهود لأسباب أخرى فهي تنطوي مثلاً على تناقض مع ما جاء في التوراة، أو كُتبت بعد انتهاء عهد الأنبياء والوحي وبعد أن قام عزرا بتدوين العهد القديم، أو هي مجرد كتب حكمة لا علاقة لها بالدين ودُوِّنت إعجاباً بقيمتها، أو هي كتب لا ترتفع إلى المستوى الروحي الماثل في الأسفار القانونية، ولذلك لا يمكن اعتبارها وحياً. كما استُبعدت بعض النصوص الأسطورية التي تروي قصصاً نشورية تتصل بنهاية العالم. ونظراً لاستبعادها، يسميها بعض الباحثين بالكتابات الخارجية. وقد كُتبت معظم الكتب الخفية في الفترة بين عامي 200 قبل الميلاد و100 بعده، وهي: 1 ـ أسفار تاريخية ورؤياوية، وتشمل: عزرا الثاني الذي يُقال له أسدراس الأول في الترجمة السبعينية وأسدراس الثالث في الفولجاتا، والمكابيين الأول والثاني، وإضافات إلى سفر دانيال، وهي (أ) نشيد الثلاثة الفتية المقدَّسين (ب) تاريخ سوسنة (جـ) تاريخ انقلاب بيل (بيل والتنين) ، وبقية سفر إستير، وباروخ الأول، ورسالة إرميا (التي تظهر كجزء من باروخ الأول) ، وصلاة منَسَّى. 2 ـ أسفار قصصية تحوي أساطير، وهي سفر باروخ وسفر طوبيت، وسفر يهوديت. 3 ـ سفران تعليميان، هما سفر حكمة سليمان وسفر حكمة يشوع بن سيراخ. لكن كثيراً من هذه الكتب وُضع أصلاً بالآرامية، وفُقد الأصل ولم يبق سوى الترجمة اليونانية المتمثلة في الترجمة السبعينية أو اللاتينية المتمثلة في الفولجاتا. وتجب التفرقة بين الكتب الخفية والكتب المنحولة أو المنسوبة (سيود إبيجرفا) ، فالأولى ذات توجُّه أخلاقي واجتماعي (ويُقال إن الفريسيين هم واضعوها) والثانية ذات توجُّه أخروي حاد (ويُقال إن الفرق اليهودية المتطرفة مثل الأسينيين هم واضعوها) . والكتب الخفية التي استبعدها علماء اليهود، اعتمدتها الكنيسة الكاثوليكية كجزء معتمد من الكتاب المقدَّس (باستثناء عزرا الثاني) وإن كان أُطلق عليها مصطلح «كتب تثنوية» (أي مجموعة ثانية من الكتب المعتمدة) . وقد حذت حذوها الكنائس الأرثوذكسية: اليونانية والأرمنية والقبطية الإثيوبية. ومن الطريف أن يهود الفلاشاه يحذون حذو الكنائس القبطية. أما الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، فقد اعتمدتها وإن كانت قد أعطتها مكانة أقل من كتب العهدين القديم والجديد. أما الكنيسة القبطية المصرية، فقد استبعدت هذه الكتب ولم تعطها أية قيمة دينية. كما استبعدها البروتستانت وقالوا إن قراءتها أمر مستحسن. ورغم أن الكتب الخفية والمنسوبة كتبها يهود ليقرأها اليهود، فإن حاخامات العصور الوسطى في الغرب كانوا يجهلون أمرها تماماً، إذ أن الكنيسة هي التي احتفظت بها. ولا توجد أية إشارات لها في التلمود إلا كتاب حكمة بن سيراخ، ولم يَعُد علماء اليهود إلى دراستها مرة أخرى إلا في عصر النهضة. ويطلق الكاثوليك كلمة «أبوكريفا» على الكتب المنسوبة (سيود إبيجرفا) . الكتب المنسوبة (سيودإبيجرفا) Pseudepigrapha «الكتب المنسوبة» ، مصطلح يقابل كلمة «سيودإبيجرفا» اليونانية، وتعني «المنسوبة خطأ لغير مؤلفها» أو «الزائفة النسبة» أو «المنحولة» . وتشير هذه الكلمة إلى الكتب التي تُنسَب إلى بعض مشاهير أبطال الكتاب المقدَّس، مثل باروخ وحنوخ، والتي لم تُضَم إلى الترجمة السبعينية اليونانية أو الفولجاتا (الترجمة اللاتينية) . ولذا، فهي ليست من الكتب الخارجية أو الخفية (أبوكريفا) . والكتب المنسوبة أكثر عدداً من الكتب الخفية، ولا يزال بعضها يُكتَشف حتى الوقت الحاضر، ومن أهمها: مزامير سليمان وصعود موسى وصعود أشعياء ووصايا الآباء الاثنتا عشرة، وهو عمل أخلاقي مهم ينصح فيه أبناء يعقوب أولادهم ضد الخطيئة التي ارتكبها كل واحد منهم. وترد في هذا الكتاب فكرة الماشيَّحين: أحدهما من قبيلة يهودا والآخر من قبيلة لاوي. وتختلف الكتب الخارجية أو الخفية عن الكتب المنسوبة في أن الأولى تشبه كتب الحكم والأمثال في الكتاب المقدَّس. أما الكتب المنسوبة، فهي ذات توجه أخروي حاد، ولذا يُقال إنها في أغلب الأمر من وضع الفرق اليهودية المتطرفة مثل الأسينيين الذين أداروا ظهرهم للمجتمع. كما أنها لم تكن موجهة إلى اليهود ككل، وإنما إلى قطاعات منهم وحسب. أما الكتب الخفية، فيُقال إنها من وضع الفريسيين الذين كانوا حريصين على التعامل مع المجتمع كله، ولذا فهي موجهة إلى اليهود بأجمعهم. ولهذا، فإن الفريسيين، مبالغةً في الحرص من جانبهم، فرقوا بين الكتب المعتمدة (العهد القديم) وأية كتب أخرى سواء كانت من الكتب الخفية أو المنسوبة، وأقاموا سياجاً حول العهد القديم لحمايته. وقد تبنت الكنيسة الكاثوليكية الكتب الخفية لأنها موجهة إلى الشعب ككل، على عكس الكتب المنسوبة ذات الطابع الطائفي. ولذا، أصبحت الأولى جزءاً من كتابها القياسي المعتمد، وأصبحت الكتب المنسوبة هي أبوكريفا الكاثوليكية. مخطوطات البحر الميت Dead Sea Scrolls هي لفائف مدوَّنة على الرق والبردي، بالعبرية والآرامية واليونانية، من أسفار أصلية من العهد القديم وكتابات أدبية أخرى وُجدت على هيئة مخطوطات في كهوف ومغاور النهاية الشمالية الغربية للبحر الميت في فلسطين منها: خربة قمران، ووادي المربعات، وخربة المرد (شمال وادي النار) ، وكهف القشخة، وكانت اللفائف الكتابية مُغلقة، وملفوفة، ومحفوظة بعناية في قدور كبيرة من الفخار لصيانتها من الرطوبة أو العبث. وقد كشفت لنا البعثات الأثرية (المُشكَّلة من إرساليات المدارس الإنجليزية والفرنسية، وبعد ذلك الهيئة الأثرية الإسرائيلية) عن أحد عشر كهفاً حتى الآن، ولا تزال الاكتشافات تتوالى في المنطقة وما حولها (وتقوم بها ـ حالياً ـ جمعية دراسة «إرتس يسرائيل» وآثارها وهي تابعة للجامعة العبرية) . وقد عُثر في المغارة الرابعة منها على الكم الأكبر من هذه المكتبة بعد إعادة التنقيب عنها (على مدى ثلاث بعثات للتنقيب) منها كتب تراتيل وطلاسم سحرية وأدعية وتعاويذ لإبعاد الأرواح الشريرة والشياطين. وعلى ما يبدو، يميل الاتجاه الغالب لدى الباحثين إلى نسبة تلك الكتابات إلى جماعة الأسينيين وافتراض أن أفرادها دأبوا على نسخ تلك المخطوطات التي تتضمن حتى الآن ما يلي: 1 ـ أسفار العهد القديم: أهم ما وصل إلينا منها كاملاً، سفر أشعياء النبي، وهو من نسختين إحداهما كاملة وتتفق في النص مع السفر المعتمد حالياً وإن اختلفت في بعض الفقرات والقراءات وفي هجاء بعض الكلمات، وأخرى متفقة نصاً مع النص المعتمد (الماسورتي) . وتُعدُّ اللفيفة المدوَّنة في أربعة وخمسين عموداً أقدم نسخة كاملة لسفر من أسفار العهد القديم. وبالإضافة إلى ذلك، عُثر على أجزاء عديدة من أسفار العدد وصموئيل. وتبدو أهمية هذه الأسفار في أنها تُمثل لنا اتجاهاً مبكراً إلى إيجاد نصوص متوائمة تتلافى التناقضات التي يعثر عليها الباحثون في النص الحالي للعهد القديم، وهو ما يدلنا على انفصال كُتَّابها عن المدرسة الكتابية للعهد القديم. وفي عام 1950، نشرت المدرسة الأمريكية للدراسات الشرقية لأول مرة النص المخطوط من سفر أشعياء، وتابعت المدرسة الفرنسية للدراسات الأثرية نشر ما يُعثر عليه من لفائف العهد القديم. 2 ـ تفاسير على أسفار العهد القديم: وهي تفاسير متنوعة أهمها تفسير كامل لسفر حبقوق. ونُلاحظ اقتصار الناسخ على إصحاحين فقط، وهو ما يدل على عدم قانونية الإصحاح الثالث (وهو أمر ألمح إليه النقاد الدارسون للعهد القديم) . وأسلوب التفسير الذي تنتهجه طائفة قمران هو الأسلوب الباطني بمعنى العودة بالنص إلى مدلول مختلف وإخراجه من سياقه المباشر أو شبه المباشر. وتُلقي التفاسير الضوء على الفترة التي عاشت فيها الطائفة القمرانية وعلى نظرتها للأحداث مثل دخول بومبي القدس وتناظر بينه وبين أحداث الماضي (دخول سنخريب للقدس) . 3 ـ ميثاق الجماعة (سرَخ هايحاد) : ويضم ثلاث وثائق منفصلة نصاً ولكنها تتفق مضموناً في تنظيم شئون الجماعة وعلاقتها الحالية والمستقبلية بما حولها. وتدلنا هذه الوثيقة على انتهاج الطائفة أساليب صارمة في التنظيم وفرضها لعقوبات على من يخالف نظامها أو ينشر أسرارها، وهي تشير إلى علاقة الفرد بالآخرين ممن هم خارج جماعته وإلى عدم جواز مخالطتهم أو الإفاضة عليهم مما أفاء الله عليه من علم بالشريعة وأسرارها! 4 ـ لفيفة حرب أبناء النور وأبناء الظلام: هي خطة حربية محكمة (خيالية) يتوقع أفراد الجماعة أنهم سيخوضونها قريباً، بعد عودتهم من «صحراء الأمم» في دمشق فسيُعينهم الرب بملائكته وجنده ليقضوا على كل الأعداء التقليديين المذكورين في العهد القديم (الفلسطينيين والآشوريين.. إلخ) . وتبدو الإشارات إلى الشعوب المعادية في اللفيفة كإشارات رمزية إلى جماعات عرْقية سكنت فلسطين في الفترة الممتدة من القرن الثاني قبل الميلاد حتى القرن الأول الميلادي. 5 ـ مخطوطة لامك (أبوكريفون جينسيس أو بريشيت أبوكريفون) : هو سفر غير قانوني يُعتبَر إعادة صياغة لأحداث قصة لامك. والشخصية الأساسية في السفر هي شخصية لامك حفيد حنوخ والد نوح. إلا أن المضمون العام يتضمن تكرار قصة الخلق والآباء مع إضافات عديدة منها ما يشير إلى التشكك في ولادة نوح والتساؤل عن ولادته الإعجازية بتناسل البشر مع أنصاف الملائكة (وهي كائنات سماوية شاع الاعتقاد في وجودها في الفترة من القرن الثاني قبل الميلاد وحتى القرن الأول الميلادي) ، الأمر الذي يوضح صلة طائفة قمران بالمسيحية الناشئة التي تبنَّت مثل هذه الاعتقادات. 6 ـ مزامير التسبيح والشكر (هودايوت) : هي أكثر من 300 من المزامير الترتيلية تُستهَل بعبارة «أوديخاي أودناي» أي «أشكرك يا ربي» ، وهي تتضمن تصويراً لمعلِّم الجماعة ومعاناته مع مناوئيه، ومحاولتهم إثناءه عن شريعة الرب. ومع أنه لا يذكر اسمه تحديداً، إلا أن الإشارة إلى الأسرار الإلهية التي انكشفت له تعبِّر عن الاتجاه الغنوصي الواضح داخل فكر الجماعة. 7 ـ الوثيقة الدمشقية والأسفار الخارجية: عُثر من الوثيقة الدمشقية (سفر عهد دمشق) على 12 جزءاً مقتطفاً من سفر عهد دمشق القاهري الذي كان قد عثر عليه سلومو شيختر عام 1890 ونشر نسختيه عام 1910. وكان أول نص عُثر عليه في القاهرة في معبد بن عزرا (بالفسطاط) ، وأُطلق عليه "جذاذات من وثيقة صدوقية". وقد دلتنا الأسفار الخارجية (بالعبرية والآرامية) التي لها صلة وثيقة بمضمون كتابات الطائفة وبلغتها على أنها جميعاً تنتمي إلى التيار الديني نفسه الذي تمثله جماعة قمران المنشقة. وتمثل وثيقة دمشق القاهرية نقداً لاذعاً للفرق الدينية التي انعزلت عنها الجماعة، وتكمل لنا صورة التطور التاريخي للجماعة اليهودية عموماً. وتطلق الجماعة على أفرادها اسم «أبناء العهد الجديد» ، وهو الاسم الذي أدَّى ببعض الباحثين للربط بينها وبين المسيحية. ودلنا الكشف الأثري على الدأب الذي تميَّز به سكان قمران في استنساخ الأسفار المقدَّسة وكتابات الطائفة، وعلى أنهم خصصوا لهذه الغاية قاعة معيَّنة أقاموا فيها الموائد والمقاعد للكتابة، وأنشأوا مغاسل (قاعات استحمام) للتطهر الطقوسي قبل بداية أداء الشعائر وقسَّموها حسب درجة قدسية كل فرد ينتمي إلى الجماعة. وقدَّر الباحثون عمر المخطوطات اعتماداً على دراسة اللغة والخطوط والمادة المكتوبة عليها والمادة التي دُوِّنت بها وشكل الأحرف والصياغة والرق والكتان والنحاس والأوعية الفخارية والعملات. ونجح البحث الأثري (باستخدام طريقة الكربون 14 المشع لفحص الكتان الذي لُفت به الوثائق والجرار الفخارية) في إعطائنا معلومات تقديرية عن عمر المخطوطات حيث قُدِّرت بالفترة من 300 قبل الميلاد حتى 70 ميلادية. لقد كُتب أكثر من ثلاثة آلاف دراسة عن المخطوطات: مضمونها وتفسيرها وشروحها وتأويل ما بها وتقدير الأحداث التي تتناولها بالاستعانة بالبحث التاريخي المقارن. ولا ندري هل ستؤدي هذه الدراسات إلى إجراء تعديلات أو تأويلات مختلفة حول نشوء المسيحية، فهذه مسألة تنتظر إجابات بعد الدراسات النهائية الكاملة المقارنة بالنصوص التاريخية ونصوص العهد القديم المعتمدة والترجمة عنها. وتثير مخطوطات البحر الميت كثيراً من الإشكاليات. نذكر منها ما يلي: 1 ـ رغم الافتراضات العديدة، لا يستطيع الباحثون إلى الآن الجزم بانتماء هذه المخطوطات إلى فرقة بعينها دون غيرها، والتساؤلات المطروحة في هذه النقطة هي: إلى أي حد تمايزت الفرق اليهودية في بداية نشأتها؟ وما مصداقية ما قاله المؤرخون اليهود وغيرهم مما نقله عنهم بعد ذلك آباء الكنيسة والمؤرخون اليونان والرومان القدامى؟ وما الصلة القائمة بين الفرقة التي دوَّنت المخطوطات (أو نسختها) وغيرها من فرق طريدة سكنت مناطق مجاورة من برية نهر الأردن؟ ولماذا عُثر في قلعة ماسادا على كتابات خاصة بطائفة قمران التي يُظن أنها طائفة من الزهاد؟ ولماذا عُثر بين مخطوطات هذه الفرقة، التي تُنسَب إلى القرنين الأول قبل الميلاد والأول الميلادي، على مخطوطة (أو أجزاء منها) تنتمي إلى منسوخات القرن العاشر الميلادي في معبد بن عزرا؟ وما مصير الطائفة التي نسخت أو دوَّنت النصوص؟ هل ذابت الطائفة داخل التيار المسيحي الناشئ أم قضى عليها الصراع الطائفي؟ وهل ما زالت لها بقايا أو ذيول في الفكر اليهودي للجماعات المتمردة على اليهودية الرسمية أو ممثليها؟ 2 ـ تبلورت في اليهودية اتجاهات عديدة (قبل الفترة اليونانية الرومانية) ، فهل جاء إليها هذا النمط الفكري مع التيار الكاسح من التيارات الثقافية والدينية العديدة التي حملتها الهيلينية؟ وهل صمدت اليهودية أم تطورت داخلياً لتواجهه؟ وهل بدأت شيع منها تذوب في هذا الخضم من الأفكار الشرقية الهيلينية التي اكتسحت الشرق الأدنى القديم؟ وهل الأسينية حركة يهودية؟ وما الصلات القائمة بين الأسينية والمسيحية الناشئة وبين أتباع الجماعات السرية والغنوص الوثني؟ 3 ـ تثير المخطوطات قضية علاقة الغنوصية (تلك الحركة التي طاردها بكل عنف آباء الكنيسة الأولون) باليهودية؟ وهل يُخفي العداء الغنوصي للإله اليهودي «يهوه» نقداً يهودياً للإله؟ ثم هل سبقت الجماعات من أشباه الغنوصيين «اليهود» ظهور الغنوصية نفسها أم أنها ظهرت متزامنة مع جماعات ظهرت في كلٍّ من الإسكندرية ومدن يونانية عديدة خلقتها ظروف متشابهة ناتجة عن مزج عقائد الشرق والغرب؟ ثم ما الصلة بين هذه الجماعة وأصول القبَّالاه (وهي التي يطلق عليها جرشوم شوليم «الغنوص اليهودي» ) ؟ وإلى أي حد قد تكشف لنا هذه المخطوطات من الأسرار الخفية التي وردت عنها شذرات في التلمود (حجيجاد 2/12 وغيرها) بشأن البحث في كرسي العرش الإلهي والكروبيم والأسرار المقدَّسة واسم الرب الأعظم (هشيم همفوراش) ؟ 4 ـ العثور على أسفار ونسخ من أسفار الأبوكريفا (غير القانونية) لأول مرة بالآرامية وليس بالترجمات اليونانية المعروفة للنصوص التي كانت تُعتبر غير قانونية وهذا ما يثير التساؤل بشأن مصداقية حفاظ زعماء اليهود على معيار ثابت يقدرون به قانونية أو عدم قانونية الأسفار المقدَّسة؛ والتساؤل عن احتفاظ جماعة من الأتقياء بأسفار أفتى الفقهاء بعدم قانونيتها. 5 ـ أما بالنسبة لكتابة المدراش والتفاسير على الأسفار المقدَّسة وهي تفاسير لأسفار الأنبياء الصغار ولأجزاء من سفري صموئيل والتثنية وأشعياء، فقد طُرحت تساؤلات عديدة بشأن بداية مدارس تفسير يهودية قديمة، وأسباب اتجاه بعض التيارات الفقهية المنشقة (مثل القرائين) للأخذ بمثل هذه المناهج التفسيرية، ومدى الصلة بينها وبين مدرسة قمران التفسيرية. وكذلك زعزعت التفاسير الفقهية على النصوص الهالاخية في قمران وجهة النظر القائلة بعدم وجود شرائع شفهية لدى جماعات أخرى في اليهودية (مثل الصدوقيم) إن ثبت انتماء المخطوطات إليهم. ويُطرَح أيضاً التساؤل عن أسباب أخذ بعض الفلاسفة اليهود أمثال فيلون السكندري بالمنهج الرمزي في التفسير ومن بعده آباء الكنيسة أمثال هيرونيموس. وقد هُرِّبت المخطوطات المكتشفة من بعض البلاد العربية وجرى الاتجار فيها بصورة غير شرعية وحصلت الحكومة الإسرائيلية على بعض المخطوطات المعروضة في الولايات المتحدة الأمريكية. وفي عام 1957، حصلت الحكومة الأردنية على المخطوطات الأثرية المُكتشفَة في منطقة البحر الميت بجميع أنواعها وبكل اللغات المكتوبة بها ثم سمحت بعرض بعضها في المتاحف بالولايات المتحدة الأمريكية وكندا وإنجلترا. وقد خالفت إسرائيل اتفاقية لاهاي المبرمة عام 1954 بشأن حماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح، وذلك عندما نقلت أثناء معركة القدس (يونيه 1967) كميات كبيرة من مخطوطات البحر الميت بدعوى الحفاظ عليها بصفة مؤقتة. وحتى اليوم، لم تتم إعادة مخطوطات البحر الميت إلى مكانها الأصلي في (المتحف الفلسطيني - الأردني) . وبالمقارنة بين مصير مخطوطات وبرديات نجع حمادي ومخطوطات البحر الميت، نجد أن برديات نجع حمادي الغنوصية (اكتُشفت عام 1947) نُشرت بالكامل بينما لم يتم نشر وتحقيق مخطوطات قمران وهي تحت سيطرة فريق محدد من الباحثين (إلا أن هناك عالمين أمريكيين قاما بتركيب نسخة من خلال معجم كلمات المخطوطات، وقد بدآ في نشر بعض أجزاء منها) . والسؤال الذي لا يزال مطروحاً هو: لماذا التأجيل الذي دام عشرات السنين؟ ولماذا يصر الفريق الدولي الباحث على إرجاع المخطوطات إلى ما قبل ظهور المسيح والمسيحية الناشئة وعلى تصوير جماعة قمران على أنها جماعة منعزلة غير مؤثرة بعيدة كل البُعد عن الواقع الديني والاجتماعي والسياسي في ذلك العصر؟ في محاولة للإجابة على هذا التساؤل، يمكن القول بأن ثمة تشابهاً واضحاً، قد يصل إلى درجة التطابق أحياناً بين نصوص من العهد الجديد (الأناجيل) ونصوص وردت إلينا من مخطوطات البحر الميت. ومن ذلك ما ورد في أعمال الحواريين (الرسل) من أن أعضاء الكنيسة الأولى كانوا يشاركون في كل شيء. وثمة نص صريح يتصل بهذه الحياة التعاونية المشاعية في المخطوطة المعروفة باسم «ميثاق الجماعة» ، وكذلك مجموعة نصوص أخرى منظمة لشئون الجماعة. ووفقاً لنص أعمال الحواريين أيضاً، فإن ثمة قيادة جماعية للكنيسة الأولى تتكون من اثنى عشر حوارياً، وثمة ثلاثة لهم أهمية خاصة (جيمس وبطرس وجون) وهو التقسيم نفسه الذي نجده في فتاوى جماعة قمران دون ذكر أسماء. كذلك ثمة تشابه شديد في الطقوس على سبيل المثال، فطقس التعميد وهو أحد أهم الطقوس المسيحية له نظيره في نصوص قواعد الجماعة حيث يرد: "إن الماء الطاهر ليُطهِّر الشخص الذي يرتضي لنفسه الخضوع للحق والإيمان بشريعة الرب حقاً، تطهيراً من آثامه ولا يتطهر لو اغتسل بالأنهار والبحار وهو لا يزال على شريعة مخالفة". يرد ذلك تمشياً مع المنهج الأخلاقي لسفر أشعياء: "اختنوا أولاً غرلة قلوبكم قبل ختان غرلة أجسادكم". كذلك نجد أن هناك توجُّهاً واحداً ذا طابع مشيحاني فيما يخص كلاًّ من الكنيسة الأولى ونصوص قمران. وبالطبع، فإن الماشيَّح المنتظر في الكنيسة الأولى هو «يسوع المخلِّص» ، بينما لا يوجد ذكر اسم محدد في نصوص قمران وإنما ثمة لقب هو «مُعلم الفضيلة» . والشيء المهم هنا أن نصوص قمران لا تتكلم إطلاقاً عن أية طبيعة إلهية لمعلم الفضيلة المذكور، وهنا مربط الفرس، فلو كان ثمة ربط بين جماعة قمران وبين المسيحيين الأوائل لأمكن أن نقول إن مُعلم الفضيلة «موريه هاتسيدق» هو السيد المسيح نفسه. وهكذا، تنتفي الصفة الإلهية التي ينسبها بعض النصارى للسيد المسيح، وبذلك نستطيع أن نفهم سبب الإصرار على إبعاد هذه الجماعة عن التداخل مع الواقع المحيط بها تماماً. كما أن تأكيد عزلة تلك الجماعة يخدم أيضاً غرضاً آخر، فلو أن هذه الجماعة كانت متداخلة في الحياة والواقع المحيط بها لأمكن القول بأن المسيحية نشأت في إطار دعوة عامة للعودة إلى الحق والشريعة التي انتهكتها جماعة اليهود (في فلسطين) ، وأن ثمة تواصلاً واطراداً تاريخياً بين جماعات متفرقة ومستمرة منذ انهيار حق اليهود في فلسطين وبين المسيحيين الأوائل الذين كانوا يحملون أفكاراً مشابهة ترفض الرؤية الشكلية للديانة والانغماس في الشهوات وما إلى ذلك، أي أن ثمة جماعات يهودية متعددة وليس مجرد شعب يهودي واحد ذي تاريخ واحد وتطلعات واحدة. ومن ثم، إن ثبت أن هذه الجماعة كانت تمثل رأياً مهماً ورمزاً أساسياً في الحياة السياسية والدينية والاجتماعية في وقتها، فإن أسطورة الشعب اليهودي الواحد تتهاوى من الأساس وينهار معها أهم الروافد الأيديولوجية الصهيونية. وحينذاك، نستطيع أن نفهم لماذا يتفق الصهاينة مع المعادين لليهود على طمس وإخفاء هذه الحقائق التاريخية طوال هذه الفترة. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
الأنبياء والنبوة
Prophets and Prophecy تعني كلمة «نافيء» في اللغة العبرية «من يتحدث باسم الإله» ، أو «من يتحدث الإله من خلاله» ، أو «من يتكلم بما يوحي به الإله» ، أو «من يدعوه الإله» . وصيغة الجمع لكلمة «نافيء» هي «نفيئيم» ، والإله يختار النبي ويوحي إليه ليحمل رسالته إلى الناس، والنبي يكرس نفسه كلها للإله. كما أن النبي لابد أن يكون الإله قد اصطفاه وفضله على من عداه من بين قومه وزوده بهبة روحية وأمده بعون من عنده وبالقدرة على استقبال الوحي الإلهي وتلقينه لجماعته وبالدعوة التبشيرية لرسالته. ويُلاحَظ أن النبي رغم كل هذه المقدرات ليس تجسداً للكلمة الإلهية وإنما هو مجرد حامل ومبلغ لها وحسب. بل يمكن القول بأن فكرة النبوة هي تعبير عن رفض الحلولية والواحدية الكونية التي تردُّ كل شيء إلى مستوى واحد وتعبير عن رفض المباشر والمادي (الذي يأخد شكل كهنوت وقرابين وسحر) وعن تَقبُّل الثنائية الكونية (الخالق والمخلوق) . ولذا، فإن النبي يبلغ كلمة موحى بها من الخالق تتضمن نسقاً أخلاقياً ثم يقوم بتدوينها فتصبح رسالة مكتوبة. ويمكننا القول بأنه إذا كان الكهنوت تعبيراً عن الرؤية الحلولية التي تذهب إلى أن الإله والإنسان (والطبيعة) يكوِّنون كلاًّ واحداًً، فإن النبوة تعني أن ثمة مساحة تفصل بين الخالق والمخلوق، كما أن النبي بحمله الرسالة من الإله للبشر يحوِّل هذه المسافة إلى مجال يتفاعل فيه البشر مع الإله. وإذا كان الكهنوت (شأنه شأن السحر) هو التقرب من الإله (بل وتقديم الرشاوي له) لتطويع إرادته لخدمة الإنسان في الحاضر والمستقبل، فإن جوهر النبوة هو النظر إلى الماضي ورؤية الحضور الإلهي في التاريخ، ليرى الإنسان معناه ومغزاه، الأمر الذي قد يهديه سواء السبيل في الحاضر والمستقبل، إن شاء الإنسان ذلك. ثمة عنصر صراعي حتمي يسم علاقة الخالق بالمخلوق في الإطار الكهنوتي (السحري) ، وثمة حيز إنساني ومجال للاختيار بين الخير والشر في إطار فكرة النبوة..... وإذا كانت كلمة «نبي» ذات مدلول واضح إلى حدٍّ كبير في العربية، يزداد تحدُّداً ووضوحاً من خلال النص القرآني وأقوال الرسول، فإن كلمة «نبي» لا تتمتع في العبرية أو داخل النسق الديني اليهودي بمثل ذلك التحدد والوضوح، ويرجع ذلك إلى طبيعة اليهودية كتركيب جيولوجي تراكمي. ويمكننا أن نقول إن مؤسسة النبوة هي إحدى محاولات حل مشكلة الحلول الإلهي، أي كيفية التقاء الخالق بمخلوقاته (المطلق بالنسبي وما وراء الطبيعة بالطبيعي) وكيف يبلغهم قصده وأوامره. والحل الوثني للقضية معروف، وهو الحلول الإلهي في الشعب والأرض، ويتركز الحلول في طبقة كهنوتية ثم يزداد تركُّزاً في أسرة مالكة إلى أن يصل إلى قمة تركُّزه في شخص الملك (أو الكاهن الأعظم) الذي يصبح هو نفسه الإله المعصوم في الأرض. وهذا المخروط أو الهرم البشري (الزمني) يقابله مخروط أو هرم مكاني يتمثل في الأرض المقدَّسة (التي يوجد فيها الشعب) يشيَّد عليها المعبد المركزي المقدَّس (الذي يقوم على خدمته من الخارج صغار الكهنة) الذي تضطلع داخله أسرة كهنوتية متميزة بهذه المهمة، إلى أن نصل إلى قدس الأقداس قمة تركز الحلول وهو البقعة التي لا يدخلها إلا الكاهن الأعظم أو الملك لينطق باسم الخالق فيتم التواصل بين السماء والأرض، أو بين الخالق والمخلوقات، من خلال شخصه. وتنتمي العبادة اليسرائيلية إلى هذا النمط، فهي عبادة وثنية حلولية يسيطر عليها الكهنة وتدور حول الشعائر والتمائم والأوثان (مثل الإيفود والترافيم) وحول محاولة معرفة الغيب والسحر، وهي إن لم ترتبط في بداية الأمر بأرض فهذا يعود إلى طبيعة التركيب البدوي للمجتمع العبراني القَبَلي المتنقل. ويمكن القول بأن مؤسسة النبوة هي محاولة لحصار الحلولية الوثنية وإحلال رؤية أكثر توحيدية محلها، وذلك بطرح طريقة أكثر نقاءً وتجريداً لتواصل الخالق مع مخلوقاته. وكانت فكرة النبوة شائعة بين الشعوب السامية في بلاد الرافدين (في ماري) وفي كنعان. ويبدو أن النبوة (أو ما يُقال له النبوة) لعبت دوراً أساسياً ومهماً ومركزياً بين العبرانيين القدامي (جماعة يسرائيل) . ولكن مفهوم النبوة في هذه الحضارات السامية، وضمنها الحضارة العبرانية، كان مُختلَطاً إذ كانت شخصية النبي تختلط بشخصية الكاهن والعراف. ولفهم مفهوم النبوة عند العبرانيين، قد يكون من المفيد الإشارة إلى مقطوعة في سفر الخروج (19/20 ـ 25) ترد فيها هذه الحادثة: "ونزل الرب على جبل سيناء إلى رأس الجبل. ودعا الإله موسى إلى رأس الجبل، فصعد موسى فقال الرب لموسى انحدر حذِّر الشعب لئَلا يقتحموا إلى الرب لينظروا فيسقط منهم كثيرون. وليتقدس أيضاً الكهنة الذين يقتربون إلى الرب لئَلا يبطش بهم الرب. فقال موسى للرب لا يقدر الشعب أن يصعد إلى جبل سيناء لأنك أنت حذَّرتنا قائلاً أقم حدوداً للجبل قدَّسه. فقال له الرب اذهب انحدر ثم اصعد أنت وهارون معك. وأما الكهنة والشعب فلا يقتحموا ليصعدوا إلى الرب لئَلا يبطش بهم. فانحدر موسى إلى الشعب". ومعنى كل هذا أن المواجهة المباشرة والجسدية والمادية مع الخالق أمر صعب للغاية، وقد يؤدي إلى الاحتراق، وأنه لابد أن تكون هناك حدود وحاجز ومسافة بين الخالق ومخلوقاته. وهذا الحاجز والوساطة هو موسى، أي أن الحلول الإلهي سينحسر بذلك عن الشعب والكهنة وسيصبح النبي وحده حلقة الوصل بين الشعب والإله التي سيتم من خلالها التبليغ الإلهي، حيث يسمع النبي كلمة الإله (لوجوس) وهي كلمة غير متجسدة، وإنما كلمة تُسمَع وتُقرأ وتُدوَّن. وقد تأكد هذا المعنى في سفر التثنية (5/5) «أنا كنت واقفاً بين الرب وبينكم في ذلك الوقت لكي أخبركم بكلام الرب، لأنكم خفتم من أجل النار ولم تصعدوا إلى الجبل» . ثم يتكرر المعنى مرة ثالثة في سفر التثنية (5/26 ـ 27) «لأنه من هو من جميع البشر الذي سمع صوت الله الحي يتكلم من وسط النار مثلنا وعاش. تَقدَّم أنت واسمع كل ما يقول لك الرب إلهنا وكلمنا بكل ما يكلمك به الرب إلهنا فنسمع ونعمل» . فهنا، بدلاً من الاتصال المباشر بين الإله والشعب، يقف النبي كي يأتي برسالة يسمعها من الإله ثم يدوِّنها ويبلغ كلماته إلى الشعب، أي أن الاتصال بين الإله ومخلوقاته لا يصبح اتصالاً جسدياً مباشراً وإنما يصبح اتصالاً غير مباشر أو مجرداً. وبدلاً من أن يصبح الشعب لوجوس، كلمةً مقدَّسة متجسدة في التاريخ، وبدلاً من أن يصبح النبي لوجوس ابن الله، يتركز الحلول الإلهي في رسالة مكتوبة، أي رسالة هي حرفياً «لوجوس» أي كلمة. وتدوين الكلمة مسألة في غاية الأهمية، لأنها تعني أن الرسول ليس سوى أداة تحمل الرسالة، فالرسالة حينما تُدوَّن تنفصل عن حاملها الذي يفقد أهميته، ويتم التركيز على القول نفسه، أي على اللوجوس بالمعنى الحرفي. بل إن الكلمة ـ لأنها مدوَّنة ـ تخضع لتفسير من يقرؤها. ولكل هذا، يُلاحَظ أنه بعد أن يقوم موسى بدور الرسول، يتم تدوين الرسالة على الفور على لوحين (بل يُقال إن الرسالة أتته مدوَّنة أو أن الإله دوَّنها بنفسه على اللوحين) . وجوهر الرسالة هو الوصايا العشر التي تبدأ بتأكيد وحدانية الإله وتنزُّهه عن المخلوقات، ففكرة النبوة قد تحددت من البداية بأنها: انحسار الحلولية، وظهور التوحيد، واختفاء الكهانة، وظهور النبي، وضمور الشعائر، وتأكيد الالتزام الخلقي، وتجاوز القومية، والصعود إلى العالمية، ونبذ المباشر والجسدي والمادي، وتبنِّي غير المباشر والمتجرد والمنزه. ويذهب نُقَّادُ العهد القديم إلى أن هذه الفقرات التي تُنسَب إلى موسى ليست سوى إضافات قام بها محررو العهد القديم لينسبوا إلى عصر سابق فكرة لاحقة ظهرت في عصر لاحق، أي أنها فقرات كتبها أحد كتاب أسفار الأنبياء ليضفي رؤية الأنبياء التوحيدية على أسفار موسى الخمسة. ومهما يكن الأمر، فإن الأمور، مع بداية تأسيس الدولة العبرانية المتحدة، كانت مختلطة تماماً. ولذا، فقد سقطت اليهودية مرة أخرى في العبادة القربانية والحلولية الوثنية الأولى، وكان يُشار إلى النبي بأربعة مُصطلَحات متناقضة يتبدى من خلالها تركيب اليهودية الجيولوجي التراكمي: 1 ـ «حوزيه» ، أي «رائي» ، وهو الشخص الذي يتنبأ بالغيب ويخبر بما سيكون، حسب علامات معروفة تلقى دلالاتها وتأويلاتها من السابقين، فهو حكيم وساحر وعراف وكاهن أكثر من «نبي» (مثل «الرائي» أو «الكاهن» العربي قبل الإسلام) . 2 ـ «روئيه» ، أي «رائي» ، وهو لا يختلف كثيراً عن الحوزيه. 3 ـ «إيش إلوهيم» ، أي «رجل الإله» ، وهو رجل اختاره الإله وحباه وخصَّه بالمعرفة، فيقوم بتبليغ رسالته، وهو دال غير محدد الدلالة. ويُستخدم اللفظ للإشارة إلى كلٍّ من الحوزيه والروئيه والنبي (نافيء) . 4 ـ «نافيء» ، أي «نبيّ» . وقد جاء في سفر صموئيل الأول (9/9) ما يلي: «هلم نذهب إلى الرائي، لأن النبي اليوم كان يُدعى سابقاً الرائي ... فذهبا إلى المدينة التي فيها رجل الإله» . وجاء في سفر صموئيل الثاني (24/11) إشارة إلى «جاد النبي رائي داود» . وفي سفر أخبار الأيام الأول (29/29) ثمة إشارة إلى «صموئيل الرائي (روئيه) وناتان النبي (نافيء) وجاد الرائي (حوزيه) » وكلهم من رجال الإله (إيش إلوهيم) . ومن الواضح أن الأمور من الاختلاط بحيث لا يمكن التوصل إلى الصورة الواضحة. ولعل وجود ما يُسمَّى «أبناء الأنبياء» (بالعبرية: هانفيئيم) ، وهم جماعات من الأنبياء أو الدراويش، شاهد آخر على مدى اختلاط المحيط الدلالي لكلمة «نبي» في العبرية وفي النسق الديني اليهودي. وتُستخدَم كلمة «نبي» بهذا المعنى الجيولوجي المختلط للإشارة إلى عدة شخصيات دينية تتسم كلها (ما عدا الفريق الأخير) بأنها لم تترك رسالة مدوَّنة: 1 ـ الآباء: أخنوخ ونوح وإبراهيم ويعقوب وهارون وموسى. 2 ـ القضاة: ديبورا وصموئيل. 3 ـ وفي تقسيم العهد القديم تُستخدم كلمة «الأنبياء» للإشارة إلى قسمين مختلفين: أ) الأنبياء الأولون أو المتقدمون (بالعبرية: نفيئيم ريشونيم) أو الشفويون، وكانوا يكتفون بالنطق بنبوءاتهم، كما يُشار إليهم بوصفهم «ما قبل الكلاسيكيين» . ب) الأنبياء المتأخرون (بالعبرية: نفيئيم أحرونيم) ، ويسمَّون أيضاً بالأنبياء الأدبيين أي الذين دوِّنت أسفارهم. ويشار إليهم أيضاً بالكلاسيكيين، ونحن نميل إلى تسميتهم «الكتابيين» . وتضم قائمة الأنبياء الأولين الأسماء التالية مرتبة ترتيباً تاريخياً: داود، وناتان، وصادوق، وجاد، واخيا، وعدّو، وشمعيا، وعزريا بن عوديد، وحناني، وياهو بن حناني، وإيليا، وإليشع، وميخا بن يمله، وزكريا بن يهوياداع، وعوديد، ويدوثون. ويبدو أن النبوة لم تكن مقصورة على الرجال، فهناك إشارات إلى نبيات منهن مريم أخت هارون. ولكن، ورغم استخدام الدال «نبي» للإشارة إلى هذا الحشد الكبير، فإننا نرى أن كلمة «نبي» بالمعنى المحدد للكلمة، والذي تم تعريفه في إطار الطبقة التوحيدية في اليهودية، يستبعد كل الأنبياء ما عدا الأنبياء الآخرين (الأدبيين أو الكتابيين أو الكلاسيكيين) للأسباب التالية: 1 ـ يُلاحَظ، على سبيل المثال، أن قيام الآباء بدور الأنبياء يعني أن النبوة هنا أمر مرتبط بالعرْق لا بالوحي، فكلمة «آباء» تعني الارتباط بجماعة يسرائيل، وهذا يعني أن القداسة تُورَّث (فالإله يحل في الإنسان ويجري في العروق) . كما يُلاحَظ أن الأنبياء من القضاة ينحون منحى قومياً شرساً، فهم يعبِّرون عن النموذج الحلولي القومي حيث يظل الإله مرتبطاً بشعبه، ولذا فهم لا يظهرون إلا في وقت الضائقة القومية. وبين الانتماء العرْقي والانتماء القبلي (القومي) تفقد الرسالة عالميتها وإنسانيتها. ولذا، فإننا نجد أن فكرة تبليغ كل البشر برسالة الإله الواحد إله العالمين، المنزه عن الطبيعة والتاريخ، ليست مطروحة، بل تظل النبوة شأناً عرْقياً قبلياً قومياً (حلولياً وثنياً) مقصوراً على جماعة يسرائيل. وتظل رسالة الأنبياء رسالة إلى جماعة يسرائىل وحدها، من إله قومي إلى شعب مختار يرتبط بالإله بعقد خاص، ولا يستهدف البشرية كلها. 2 ـ ويُلاحَظ كذلك الاختلاط في ملك مثل داود الذي ارتكب عدداً لا بأس به من الذنوب ومع هذا ارتبط اسمه بالنبوة أيضاً، حيث تُنسَب إليه المزامير، كما أن الماشيَّح (نبي الأنبياء) سيكون من نسله. وثمة إشارة مبهمة في مزمور 16/8 ـ 11 توحي بعلاقة داود الخاصة للغاية مع الإله وتضعه تقريباً في مصاف الأنبياء. أما سليمان الغَزل، الذي سمح لزوجاته الوثنيات العديدات بإحضار آلهتهن معهن، فهو منشد نشيد الأنشاد أحد الكتب الدينية اليهودية (ولكن يبدو أن النبوة لم تُنسَب له قط) . ونحن لو دققنا، لوجدنا أن نبوة داود هي في واقع الأمر تعبير عن مؤسسة الملكية المقدَّسة، على نمط الحلوليات القديمة في الشرق الأدنى القديم حيث يتم الحلول داخل شخص الملك الذي هو أيضاً الكاهن الأعظم. 3 ـ كان الأنبياء الأولون يتحركون داخل نطاق البلاط الملكي، الأمر الذي يعني تداخل القومي والديني وارتباط مؤسسة الملكية بالعقيدة الدينية. وكان الملوك والملكات يطلبون المشورة والنصح من الأنبياء نظير أجر يبلغ، في بعض الأحيان، ربع شيكل. وقد لعب هؤلاء الأنبياء الأولون دوراً سياسياً مهماً، فكانوا يطلقون نبوءات سياسية. كما أن صموئيل مثلاً عيَّن شاؤول ملكاً على العبرانيين، ثم عيَّن من بعده داود، وكان دور ناتان في بلاط داود نشيطاً وفعالاً. ويصل هذا التوحد بين القومي والمقدَّس إلى قمته حين يصبح الشعب اليهودي بأسره أمة من الكهنة والقديسين والأنبياء والمشحاء المخلصين، فعضو جماعة يسرائيل يوصف بأنه «خادم الإله» و «كنز الإله الغالي» ، وهذه أوصاف تُستخدَم لوصف الأنبياء وحدهم، أي أن اختلاط المجال الدلالي هنا يصبح كاملاً. 4 ـ ويمكن أن نبيِّن مدى تركيبية الصورة بالإشارة إلى الجماعات المسماة «أبناء الأنبياء» ، وهم جماعات من «الأنبياء» أو ربما الدراويش يدل وجودهم على أن النسق الديني بين العبرانيين لم يكن قد اكتسب الأبعاد العالمية التي دخلته فيما بعد. وكان هؤلاء الأنبياء يتحركون في جماعات تبلغ المئات أحياناً يتقدمها رباب ودف وناي (أي أنهم كانوا في مظهرهم يشبهون الدراويش، وهو ما يبيِّن أن التيار الحلولي كان قوياً) وكان الوحي يأتيهم بشكل جماعي، وتزورهم روح الإله كجماعة لا كأفراد، وكان هؤلاء أقرب من بعض الأوجه إلى العرافين: يقرأون الطالع ويحاولون معرفة أحداث المستقبل يقومون بأعمال السحر، ويأتون بالمعجزات، فهم ليسوا أصحاب رسالة عالمية أخلاقية، وإنما يبحثون عن الحل السحري (الغنوصي) . وفي تصوُّرنا أن صموئيل يشكل شخصية انتقالية للنبي من مستوى الرائي (روئيه أو حوزيه أو إيش إلوهيم) إلى مستوى النبي بالمعنى الدقيق والتوحيدي للكلمة وباعتباره عنصراً يتفاعل الإنسان مع خالقه من خلاله دون حاجة إلى حلول إلهي. هذا ما يقوله النص التوراتي، وهو ما يعني انفصال الرائي (بكل ما يحمل من صفة الكهنوت) عن النبي (بكل ما يحمل من مقدرة على التبليغ) . لكن النص ينطوي، مع هذا، على استمرار واختلاط بين العنصرين. ولعل تعيين صموئيل لشاؤول، وتردده في ذلك في الوقت نفسه، هو تعبير عن هذه الانتقالية، فكأن صموئيل هو الشخصية التي يتم من خلالها الانتقال مرة أخرى من الحلولية ومؤسسات الملكية المقدَّسة الوثنية إلى التوحيد، ومن السحر والعرافة إلى النبوة الحقة، تماماً كما حدث مع موسى حينما عاد بالوصايا العشر المكتوبة على اللوحين. ومما له دلالته أن الأنبياء الآخرين هم أيضاً دعاة توحيد يدونون أسفارهم ولا ينغمسون في قراءة الطالع والتنبؤ ومعرفة الغيب. ورغم أننا قدمنا صموئيل بوصفه شخصية انتقالية تفصل بين الأنبياء الأولين والآخرين، فإن هذا لا يعني أن الأنبياء الذين كانوا على نمط الأنبياء الأولين قد توقفوا عن نشاطهم، إذ من المعروف أنه كان هناك أنبياء من هذا النوع بعد ظهور الأنبياء الآخرين الكتابيين. ويُقسَّم الأنبياء الآخرون أو المتأخرون أو الكتابيون إلى أنبياء كبار وأنبياء صغار. أما الأنبياء الكبار فهم: أشعياء وإرميا وحزقيال (ويذهب البعض إلى أن إليا أو إلياهو أحد الأنبياء الكبار وأنه أولهم) . أما الأنبياء الصغار فهم: هوشع ويوئيل وعاموس وعوبديا ويونان وميخا وناحوم وحبقوق وصفنيا وحجاي وزكريا وملاخي. والواقع أن تقسيم الأنبياء إلى كبار وصغار يستند إلى حجم نبوءاتهم وليس إلى كيفها. ولذلك، فإن هذا التصنيف لا مغزى له لأن أعمال الأنبياء الكبار لا تشكل وحدة، ولأنها تنسب إلى أكثر من مؤلف. كما أن أعمال حزقيال ليست مرتفعة القيمة، وأعمال أشعياء كمٌّ مركب من المواد التي أتت من عصور ومؤلفين مختلفين. وقد رتب مؤرخو العهد القديم المحدثون الأنبياء الكتابيين ترتيباً تاريخياً يختلف عن ترتيب أسفارهم في العهد القديم: أ) أنبياء ما قبل السبي: يونان (حوالي 785 ـ 745 ق. م) عاصر يُربعام الثاني في المملكة الشمالية (وفي رأي آخر أنه عاش في القرن الرابع قبل الميلاد) . يوثام (حوالي 760 ـ 746 ق. م) عاصر عزيا في المملكة الجنوبية، وعاصر يربعام الثاني في المملكة الشمالية. هوشع (حوالي 750 ـ 722 ق. م) عاصر عزيا ويوثام وآحاز وحزقيا في المملكة الجنوبية وعاصر يربعام الثاني في المملكة الشمالية. أشعياء (حوالي 734 ـ 680 ق. م) عاصر عزيا ويوثام وحزقيا في المملكة الجنوبية. ميخا (حوالي 730 ـ 701 ق. م) عاصر يوثام وآحاز وحزقيا في المملكة الجنوبية. ناحوم (حوالي 633 ق. م) صفنيا (حوالي 630 ق. م) منذ أوائل ملك يوشيا في المملكة الجنوبية. إرميا (حوالي 626 ـ 586 ق. م) عاصر يوشيا ويهوياقيم ويهوياكين وصدقيا في المملكة الجنوبية. حبقوق (حوالي 605 ق. م) . ب) أنبياء فترة السبي: دانيال (حوالي 605 ـ 537 ق. م) عاصر نبوختنصر ودارا وقورش. حزقيال (حوالي 593 ـ 570 ق. م) عاصر نبوختنصر. جـ) أنبياء ما بعد السبي: حجَّاي (حوالي 520 ق. م) عاصر دارا. زكريا (حوالي 520 ـ 518 ق. م) عاصر دارا. عوبديا (حوالي 450 ق. م) . ملاخي (حوالي 450 ق. م) . يوئيل (حوالي 450 ق. م) . ولفهم السياق الاجتماعي للأنبياء الكتابيين، لابد أن نعود إلى عهد القضاة حيث كانت الأسرة تشكل الوحدة الاقتصادية الأساسية، وكانت الرابطة القَبَلية الشكل الأساسي للتضامن وكانت كل النشاطات الاقتصادية من رعي وزراعة وغيرهما تتم داخل هذا الإطار السياسي الاجتماعي. ولكن الملكية الخاصة للأراضي بدأت تظهر بالتدريج، وهو اتجاه أخذ في الزيادة مع ظهور نظام الملكية التي قامت بأعمال الإنشاءات الحكومية الضخمة كالهيكل والقصور الملكية، وهو ما أدَّى إلى تراكم الثروات في أيدي بعض الأفراد. ثم انتهت الحروب مع الآراميين بعد أن كسر الآشوريون شوكتهم. ومع انتهاء الحرب، ظهرت علامات الاستقطاب الطبقي داخل المجتمع العبراني إذ ازداد الفقراء فقراً والأثرياء ثراء. وقد أدَّى كل هذا إلى ضعف سلطان الأسرة، وضعف واضمحلال النظام القَبَلي، وتزايد بروز الفرد كوحدة اقتصادية، وإلى ازدياد الصراع بين القرية والمدينة. هذا على مستوى العلاقات داخل المجتمع العبراني. ولكن العنصر الحاسم ربما كان هو الخلفية الدولية. فقد كان المجتمع العبراني مجتمعاً صغيراً لا أهمية له بين إمبراطوريات الشرق الأدنى القديم الضخمة، والتي كانت تتميَّز آنئذ بظهور الآشوريين ثم البابليين كقوى عظمى، ثم ازدياد الهيمنة المصرية. وكان على المجتمع العبراني أن يتخذ قرارات سياسية محددة لحماية نفسه في خضم العلاقات الدولية الصاخبة. وكان الحوار المتصل بهذه القرارات هو الذي يشكل مضمون معظم كتب الأنبياء. ونظراً لاحتكاك العبرانيين بالكنعانيين والإمبراطوريات العظمى، بدأت تظهر عناصر دينية جديدة داخل المجتمع العبراني. فكانت الملكات اللائي يأتين من بيوت ملكية أجنبية يُحضرن معهن آلهتهن وبعض الكهنة للاستمرار في عبادة آلهة بلادهن، بل كُنَّ يحاولن فرض هذه العبادات على العبرانيين، كما فعلت إيزابيل. كما انتشرت عبادة آلهة الكنعانيين، فترك أعضاء جماعة يسرائيل عبادة يهوه التوحيدية، وانصرفوا إلى عبادة بعل. وقد كانت مثل هذه العبادات تجد سنداً لها، في كثير من الأحوال، في البيت الملكي والسلطة الحاكمة. هذه هي العناصر الاجتماعية والدولية والعقائدية التي تشكل خلفية أسفار الأنبياء الآخرين، والتي تركت أثرها العميق في نبوءاتهم، وفي التفكير الديني في العالم. ويُلاحَظ تراجع النزعة القومية الحلولية الجماعية في كتاباتهم وتأكيد النزعة التوحيدية، فقد صار لكل نبي صوته الفردي، فأصبح يتحرك بمفرده كنبي صاحب رسالة يواجه المجتمع، وليس كجماعة ولا كفرد ملحق بالبلاط الملكي، الأمر الذي كان يعني الانفصال النسبي للديني عن القومي وللمطلق عن النسبي. كما بدأ المضمون الأخلاقي للنبوءات يتعمق، وازداد تأكيد المسئولية الأخلاقية الفردية، وأخذ نطاقها السياسي يتسع لتصبح هذه النبوءات أكثر أممية وتوحيدية وأقل قَبَلية وحلولية. وازدادت النبوءة علانية بحيث أصبحت الرسالة التي ينقلها النبي أكثر أهمية من الظواهر العجائبية التي تصاحبها، مثل: الإغماء وتعطُّل الحواس والتصرفات غير الواعية. وصار مُصطلَح «نبي» لا يشير إلى من يقرأ الطالع أو يحاول معرفة أحداث المستقبل (أي أن النبوة تخلصت من محاولة البحث عن الحل السحري والتحكم الكامل في الواقع) ، وإنما يشير إلى مُعلِّم ديني يتحدث باسم الميثاق أو العهد مع الإله ويخبر عنه وعن خفايا مقاصده وعن الأمور المستقبلية ومصير الشعوب والمدن والأقدار (بوحي خاص منه) . وهو يفعل ذلك لا ليبين مقدراته العجائبية على التنبؤ وإنما لينقل مضموناً أخلاقياً ملزماً. وهو لا يختار أن يكون نبياً وإنما يقع عليه الاختيار ليضطلع بهذه المهمة، فالنبوة ليست ميزة لصاحبها وإنما هي تكليف إلهي. ويبدي بعض الأنبياء اليهود شيئاً من الإحجام والتردد عندما يتم اختيارهم، لإحساسهم بأنهم غير جديرين بالمهمة. ومع هذا، يجب ألا نفترض أن الاختلاف بين الأنبياء الأولين، والأنبياء الآخرين يعني أن لا علاقة بينهما، فالفريقان في نهاية الأمر ينتسبان إلى التقاليد الدينية نفسها تقريباً. فكان الأنبياء الآخرون، على سبيل المثال، شأنهم شأن الأنبياء الأولين يأتون بأفعال رمزية. فقد سار أشعياء عارياً حافياً مدة ثلاثة أعوام ليرمز إلى أن ملك آشور سيقود المصريين والكوشيين عارين إلى المنفى (أشعياء 20/2 ومايليها) . واشترى إرميا إبريقاً فخارياً ثم كسره أمام أعين القوم، تماماً كما سيكسر الإله هذا الشعب وهذه المدينة (إرميا 19/1 وما يليها) . كما أن الأنبياء الأولين، مثل الآخرين، تعتريهم أحوال وشطحات في لحظات الوحي. ولم يختف الصوت القومي الحلولي تماماً في كتب الأنبياء الآخرين، فهوشع يرى في يهوه أباً لجماعة يسرائيل يغار عليهم ويحبهم حباً جماً. وكان تفكيرهم الأخروي يتسم بأنه مازال إلى حدٍّ كبير يدور في إطار يوم الإله حينما تعلو جماعة يسرائيل على العالم. ورغم عدم تَجانُس رؤى الأنبياء وتأرجحهم بين أقطاب متعارضة، فيمكن رصد موضوعات أساسية تبين تصاعُد النزعة التوحيدية وتراجُع النزعة الحلولية، من بينها أنهم كانوا يهتمون بالوضع الراهن، والأحداث التاريخية (على عكس مؤلفي كتب الرؤى [أبوكاليبس] فيما بعد) . والإله ـ حسب رؤيتهم ـ هو محرك أحداث التاريخ، لا التاريخ العبراني وحسب، وإنما محرك التاريخ البشري ككل. كما أنه سيعاقب كل الأمم على ما تقترفه من معاص، وإن كان يخص جماعة يسرائيل بعقابه وحبه في الوقت نفسه. ومن ناحية أخرى، فإن نبوَّات الأنبياء ذات مضمون أخلاقي تدور حول سلوك جماعة يسرائيل في الوقت الحاضر وتوبتهم وعودتهم إلى الإله. وقد طوَّر الأنبياء عقائد اليهود الأخروية، وبدأت الآخرة ترتبط بفكرة الخير والشر والثواب والعقاب حين يعاقب الإله الأشرار، ولا يبقي سوى البقية الصالحة التي ستؤسِّس مملكته. وبدأت فكرة البعث تظهر بشكل جنيني عند دانيال وربما أشعياء. وقد ساهم الاحتكاك بالحضارة البابلية المتفوقة، ثم التهجير إلى هناك، في تعميق فكر الأنبياء. ونحن نذهب إلى أن تبلور الفكر الأخروي واكتسابه مضموناً أخلاقياً (ارتباط الثواب والعقاب بالخير والشر) هو أيضاً تعبير عن ضمور الحلولية التي يتراجع داخل إطارها التفكير الأخروي والمضامين الأخلاقية. وقد شَنَّ الأنبياء حرباً شعواء على انزلاق جماعة يسرائيل إلى الشرك والحلولية والوثنية وطالبوا الشعب بالعودة إلى الإله: إله شخصي يهتم بمصير البشر ولكنه لا يشبههم (فهو منزّه عن الطبيعة والتاريخ) ؛ إله خلق العالم من عدم ولم يهجره؛ إله أخلاقي عادل يريد من عابديه أن يتمسكوا بأهداب الفضيلة وأن يمارسوا العدل، ولذا فهو لا يُسرُّ بالذبائح وإنما بالعيش حسب قواعد الأخلاق، أي أن الأنبياء بدأوا في تحرير اليهودية من الحلولية وما يرتبط بها من أسرار الكهنوت والعبادة القربانية. وقد ظهرت النبوة، في واقع الأمر، احتجاجاً على عبادة بعل (الطبيعية الحلولية) ، وضد الظلم الاجتماعي، فطرحت رؤية توحيدية تنكر وجود الآلهة الأخرى. ولقد ظهر التوحيد الحقيقي على أيديهم، فقد كان موسى وداود (حسب النصوص التوراتية) من أتباع المرحلة الوسطى، مرحلة التوحيد المشوب بالشرك والاعتقاد بوجود إله واحد أعلى دون أن يمنع ذلك الاعتقاد بآلهة أخرى. ولأن رؤى الأنبياء توحيدية صارمة، فإنها أيضاً رؤى أممية في الغالب. ولذا، فالإله حسب تصوُّرهم لم يكن مقصوراً على جماعة يسرائيل، وإنما هو إله العالمين، ومن الممكن أن تكون آشور أو بابل أداة عقاب في يد الإله يضرب بها العصاة، حتى لو كان هؤلاء العصاة شعبه المختار. ومما يجدر ذكره، أن الأنبياء كانوا ينطقون بنبوَّاتهم سواء كانت ترضي سامعيهم أم لا، فالنبي يرى أن مهمته هي أن يبلغ الناس إرادة الإله بأمانة، حتى ولو كانت ضد إرادته الشخصية أو ضد إرادة الناس الذين سيقوم بإبلاغهم الرسالة. ولذا، فإننا نجد أن أسفارهم تضم الكثير من التقريع لجماعة يسرائيل والانتقادات الموجهة إليها. ومن أهم سمات الأنبياء الآخرين تدوينهم لأسفارهم، وقد أشرنا إلى دلالة عملية التدوين هذه. ومن أهم الموضوعات التي ترد في كتب الأنبياء، فكرة «الميثاق» أو «العهد الجديد» الذي سيحل محل «العهد القديم» ، والذي سيكون أساسه القلب لا القرابين والطقوس، وهو عهد عالمي لكل الأمم وليس مقصوراً على جماعة يسرائيل (والمسيحية ترى أنها هي هذا العهد الجديد بين الإله والشعب، وأن الشعب هو كل من يؤمن بالمسيح لا اليهود وحسب، أي أن المسيحية هي استمرار رسالة الأنبياء بأخلاقيتها وعالميتها) . وفي مجال التفرقة بين الموقف الإسلامي والموقف اليهودي (الحاخامي) من النبوة والأنبياء يمكن أن نذكر العناصر التالية: 1 ـ لا يقتصر الوحي داخل النسق اليهودي على نبي أو رسول واحد (كما هو الحال في الإسلام) ، بل نجده ينتقل من نبي إلى نبي. ومن هنا، فإن إحدى هبات الإله لجماعة يسرائيل (حسب تصوُّر الحاخامات) أنه أرسل وسيرسل لها دائماً عدداً من الأنبياء يكملون الطرق المعتادة للإرشاد والهداية التي يستخدمها الكهنة (ولهذا، فإن هناك توتراً دائماً بين الكهنة والعقيدة الشعبية السائدة من جهة والأنبياء من جهة أخرى) . ويعبِّر هذا في تصورنا عن أن التركيب الجيولوجي اليهودي لم يتخلص من الصراع الحاد والدائم بين النزعة الحلولية (الوقوع في براثن الشرك وعبادة العجل الذهبي) والنزعة التوحيدية، وأن تعدُّد الأنبياء - على مستوى من المستويات - هو تعبير عن هذا. كما أنه نظراً لاختلاف المجال الدلالي لكلمة «نبي» في اليهودية، واختلافه عن المجال الدلالي للكلمة في الإسلام، فإننا نجد أن عدداً ممن سموا «أنبياء» في التراث اليهودي لم يرد لهم ذكر في المصادر الإسلامية. 2 ـ ويرى الدكتور أحمد خليفة أن التاريخ الذي يقدمه الإسلام للأنبياء هو تاريخ لكل الأنبياء والرسل باختلاف أزمنتهم وأمكنتهم وأجناسهم ولغاتهم، بينما التاريخ الذي يقدمه التراث اليهودي للأنبياء هو تاريخ خاص قد تختلف فيه أزمنة الأنبياء ولكن تتحد فيه أمكنتهم وجنسهم ولغتهم (فالمكان هو فلسطين، والجنس هو العبرانيون، واللغة هي العبرية) . 3 ـ ويذكر الدكتور علي وافي أن ثمة اختلافاً جوهرياً في بنية القصص في أسفار العهد القديم وقصص القرآن الكريم، فأسفار العهد القديم قد تناولت كل قصة من قصص الأنبياء في صورة سلسلة كاملة من الأجزاء مترابطة الحوادث (كما تفعل كتب التاريخ) وتناولتها لغرض تاريخي بحت. على حين أن القرآن يكتفي بذكر مواقف من هذه القصص، باستثناء قصة يوسف، ولكنه على كل حال لا يذكرها للتاريخ وإنما يذكرها للعظة والذكرى على وجه الخصوص وبحسب المناسبات. فقد يذكر القرآن موقفاً من قصة لمناسبة خاصة، ثم يذكر موقفاً آخر من القصة نفسها في سورة أخرى لمناسبة أخرى. وعلى هذا الأساس، يجب على القارئ المسلم أن يميز بين أنبياء اليهود والأنبياء الذين يرد ذكرهم في القرآن، حتى لو حملوا نفس الاسم. فموسى (موشيه) القائد الحربي «القومي» ليس هو سيدنا موسى عليه السلام. وداود (ديفيد) قاطع الطريق والملك ليس هو سيدنا داود عليه السلام. وسليمان (شلومو) قاتل منافسيه ليس هو سيدنا سليمان عليه السلام. فرغم الاتفاق في الأسماء وفي بعض تفاصيل القصص، فإن السياق والبناء العقائدي والديني والقصصي الذي ترد فيه هذه الأسماء يختلف اختلافاً جوهرياً، والسياق والبناء وحده هو الذي يحدد المعنى العام والشامل. وفي كتاب دانيال، يُلاحَظ بدايةً اختفاء النبرة النبوية باهتمامها بالحاضر والإصلاح الأخلاقي ومواجهة الواقع. وتتضح بداية هيمنة الحلولية (وهو تيار استمر مع التلمود ووصل إلى قمته مع القبَّالاه) إذ تبدأ نبرة كتب الرؤى (أبوكاليبس) التي تركز على التغير الفجائي والتحولات الفجائية اللاتاريخية والهروب من الواقع في الحلول محل النبرة النبوية. وتُعَد الإصحاحات الأخيرة في كتاب دانيال بداية كتب الرؤى. ويُفسَّر هذا التغير على أساس أن الروح النبوية عادت لبعض الوقت بعد العودة من بابل، ولكن الهيكل الثاني لم يحقق أياً من أمنيات اليهود وآمالهم المشيحانية إذ أنهم لم يسودوا العالم. وقد حلت الإمبراطورية اليونانية محل الإمبراطورية الفارسية، فأدَّى تحطُّم الأمال إلى تصاعُد الحمى وتكاثر كتب الرؤى بنهجها التعويضي ونزوعها الحلولي. ورغم أن الحاخامات قد نادوا بأن روح النبوة انتهت بالنبي زكريا آخر الأنبياء الصغار (أي ظهر مفهوم يشبه مفهوم خاتم المرسلين الإسلامي) ، إلا أن ارتباط بنية اليهودية نفسها بالطبقة الحلولية الكامنة فيها تقف ضد هذا المفهوم. ولذا، نجد أن تقاليد النبوة نفسها تم تحويلها من الداخل بحيث استولت عليها النزعة الحلولية، فيُقال إن موسى ـ حسب الرواية التوراتية ـ تمنى على الإله أن يكون كل أفراد شعبه من الأنبياء، وهذا ما يمكن تسميته «تقاليد النبوة المنفتحة» والمتاحة لكل فرد في كل زمان ومكان، وهو مفهوم ينطوي على فكرة حلول إلهي مستمر في التاريخ وفي بعض البشر، بل في الشعب اليهودي بأسره. وبطبيعة الحال، ومع ظهور مفهوم الشريعة الشفوية التي تَجبُّ الشريعة المكتوبة، يعود الحلول بكامل قوته ويصبح حامل الرسالة (الحاخام) أكثر أهمية من الرسالة المكتوبة. وبالفعل، نجد أن أعضاء المجمع الكبير والحكماء والحاخامات الذين أتوا من بعدهم أصبحوا هم نقطة الاتصال بين الخالق والمخلوق، يزعمون لأنفسهم المقدرة على التنبؤ. وبدلاً من الأنبياء الذين يبلغون نصاً مكتوباً للبشر وينادون بطاعة الإله والامتثال لأوامره، تظهر تقاليد الشريعة الشفوية التي تؤكد أن التفسير البشري (الحاخامي) لكلام الإله أكثر أهمية وإلزاماً، ومن ثم ورد في التلمود أن حكماء اليهود أعلى قدراً من الأنبياء (بابا باترا) . ومع هيمنة تراث القبَّالاه، يصبح المفسر الذي يصل إلى المعنى الباطني (توراة الفيض) هو النبي الحقيقي الذي لا يعرف رسالة الإله وإنما يبلغها (توراة الخلق) ويعرف إرادة الإله ويغيِّرها، ونصه الشفوي الذي ينطق به أكثر إلزاماً من النص الإلهي المكتوب، ولذا فكل ما ينطق به «توراة» . وهذا الاتجاه يصل إلى ذروته في التساديك الحسيدي. وقد ورد في التراث الشفوي أن الشعب اليهودي سيصبح كله شعباً من الأنبياء، أي أن الحلول أو التواصل الإلهي سيشمل الشعب بأسره ويصبح الشعب جزءاً من الإله، وفي هذا عودة للوثنية الحلولية اليهودية قبل ظهور الأنبياء. وهذا المفهوم الأخير هو الذي يشكل خلفية معظم الآراء الدينية اليهودية في فكرة النبوة في العصر الحديث. وقد حاول مندلسون أن يُقلِّل أهمية التقاليد النبوية المنفتحة في اليهودية، وهذا أمر طبيعي حيث إنه كان يحاول وقف النزعة الحلولية ومن ثم التفرقة بين الزمني والمقدَّس وبين القومي والديني. أما الفيلسوف اليهودي هرمان كوهين، فكان يحاول استعادة المضمون التوحيدي الأخلاقي لرسالة الأنبياء، فأكد أن النبي هو المدافع عن الأخلاقيات العالمية، وأن الأنبياء مفكرون تقدميون حاولوا تخليص الإنسان من أوهام الأساطير. ويُصرُّ الفكر الأرثوذكسي عند هيرش على فكرة الوحي (لا مجرد الإلهام كما يعتقد الإصلاحيون) ، وهو وحي يأخذ شكل رسالة على هيئة كلمات. ولكن الفكر الأرثوذكسي الحاخامي، وريث مفهوم الشريعة الشفوية، لا يعبِّر عن فكرة الأنبياء وحدها، وإنما يعبِّر بشكل أكبر عن الفكر التلمودي الحلولي الذي قوضه وحل محله. ويرى بوبر أن النبوة حوار بين الإله والإنسان وليس رسالة منزلة، وأن ثمة حواراً بين الإله والشعب اليهودي ككل، الأمر الذي حوَّل تاريخ الشعب إلى وحي وحوَّل الوحي إلى تاريخ. فالإله هنا حالٌّ تماماً في التاريخ لا يتجاوزه، وهو امتداد لذات الشعب، ولذا فهو شعب من الأنبياء. وتتأكد الحلولية في موقف الحاخام الصهيوني كوك من النبوة فهي ـ حسب تصوره ـ ضرب من الاتحاد الصوفي بالشخيناه، أو الحضرة الإلهية، وأن الإنسان يصل إلى الاستنارة والشفافية من خلال هذا الاتحاد حتى يصل إلى أعلى درجات النبوة، وبذا تصبح النبوة هدف أية تجربة دينية، ويصبح كل يهودي مخلص في مصاف الأنبياء. ويتداخل الموضوعي والذاتي تداخلاً كاملاً وتدخل النبوة مرحلة شحوب الإله حتى أن النبوة عُرِّفت بأنها صوت الإله واستجابة الإنسان لها بحيث لا يمكن تمييز الصوت عن الاستجابة ولا الموضوع عن الذات. ويتحدث برانديز وكابلان، فيريان علاقة وثيقة بين الأفكار النبوية اليهودية والأفكار الديموقراطية الأمريكية. ويدور الفكر الصهيوني في إطار الحلولية بدون إله ووحدة الوجود المادية، فأنكر كلٌّ من آحاد هعام وحاييم كابلان الطبيعة الميتافيزيقية للنبوة، فالنبوة إن هي إلا تعبير عن الروح القومية اليهودية وليس لها أي مصدر إلهي. ولذا، يمكن الحديث عن بن جوريون باعتباره النبي المدجج بالسلاح، وعن جابوتنسكي باعتباره النبي المحارب. وبإمكان بن جوريون أن يتحدث عن اليهودي العادي باعتباره نبياً أو شهيداً، بينما يؤكد نحمان سيركين أن استشهاد اليهودي قد رفعه إلى مصاف الأنبياء. صموئيل) القرن الحادي عشر قبل الميلاد) Samuel «صموئيل» (أو «شموِّئيل» ) اسم عبري معناه «اسم الإله» أو «اسمه إيل» ، أي الإله. وصموئيل اسم لنبي عبراني وآخر القضاة. وهو أول نبي عبراني يقف إلى جوار الملوك. ويرتبط اسم صموئيل بفكرة الملكية بين جماعة يسرائيل، فالقبائل العبرانية لم يكن يحكمها سوى قضاة أو زعماء يظهرون عندما تدعو الحاجة. ويرى ماكس فيبر أنها نوع من أنواع القيادة الكاريزمية البطولية. ولذلك ذهب شيوخ العبرانيين إلى زعيمهم الديني صموئيل، وطلبوا إليه أن يجعل لهم «ملكاً يقضي لنا كسائر الشعوب» . وقد حذرهم صموئيل من أن الملكية في تصوُّره حنث بالميثاق أو العهد بين الإله والشعب، ذلك العهد الذي جاء فيه أن جماعة يسرائيل لن يكون لها ملك سوى الإله. ولكنه في نهاية الأمر توَّج شاؤول ملكاً عليهم. وبعد تتويج شاؤول، تدهورت العلاقات بينهما حتى انفصمت تماماً، فتوج داود ملكاً بدلاً منه. ويبين سفرا صموئيل العناصر التي أدَّت إلى ظهور الملكية وجذورها المقدَّسة، ويؤكدان أن الملك، شأنه شأن الشعب، مُلزَم بإطاعة العهد وبإرادة الإله. وتدور أحداث السفر الأول حول صموئيل نفسه وشاؤول. أما السفر الثاني، فتدور أحداثه حول الملك داود. إلياهو (النصف الأول من القرن التاسع قبل الميلاد) Elijah «إلياهو» (أو «إليا» ) اسم عبري معناه «إلهي هو يهوه» ، والصيغة اليونانية للاسم هي «إلياس» التي تُستعمل أحياناً في العربية. وإلياهو نبي في المملكة الشمالية أثناء حكم كلٍّ من أخاب وأحازيا. جاء أصلاً من جلعاد. ويمكن اعتباره أول الأنبياء الكبار. كان يعمل راعي أغنام، وسعى إلى استرجاع العبادة الأصلية ليهوه، وخصوصاً بعد أن قامت إيزابيل بإدخال عبادة بعل، فعارض البلاط الملكي دعوته لأسباب سياسية، بل شجع عبادات الشعوب المجاورة. واضطر إليا إلى الهرب، ولجأ إلى الصحراء، ولكنه قاد الشعب، وذبح كهنة بعل. ومن المعروف أن ثورة إليا التوحيدية كانت ثورة ضد الظلم الاجتماعي أيضاً. وقد انضم إليه في دعوته صديقه النبي إليشع. وحسب الرواية التوراتية، لم يمت إليا وإنما صعد إلى السماء في عربة نارية تجرها خيول نارية. وهو يُعَد المبشر بالماشيَّح وأهم علامة مؤكدة تبشر بمقدمه، وسينفخ في البوق (الشوفار) معلناً قدومه، وسيلعب دوراً أساسياً في العصر المشيحاني، فسيقوم بتطهير النفوس مما علق بها من فساد ويهيئ اليهود لهذا العصر، وهو كذلك سيضع الحلول لجميع المشاكل، وسيجلو الغموض الذي يتعلق بالدين والقضاء والشريعة، كما سيقوم ببعث الموتى. وفي احتفالات عيد الفصح، تُصَبُّ له كأس، ويُعَدُّ له كرسي عند احتفالات الختان يُسمَّى «كرسي إليا» . ويأخذ إليا في الوجدان الشعبي اليهودي في شرق أوربا هيئة النبي الجوال على الأرض الذي لا يعرف شخصيته أحد، يرتدي ملابس بدوي، ويقدم العون في لحظات الخطر والضيق، ويظهر للمتصوفة والعلماء ليعلمهم الحقائق الخفية. وقد وردت قصة إليا في سفر الملوك الأول (الإصحاحان 16 ـ 19) ، وفي سفر الملوك الثاني (الإصحاحات 1 ـ 2) . يونان (حوالي 785-745ق0م) Jonah «يونان» أو «يونس» هما الصيغة السريانية والعربية للاسم العبري «يوناه» ومعناه «حمامة» . ويونان خامس الأنبياء الصغار. تنبأ في أيام يربعام الثاني باتساع حدود المملكة الشمالية في عهده. وقد ورد في هذا السفر أن الإله طلب إلى يونان أن يذهب إلى نينوي، عاصمة الإمبراطورية الآشورية، ليعلن خرابها. ولكن القوم في نينوي أصغوا إلى نصيحة يونان وتابوا، فلم يُخرِّبها الإله وصفح عنهم، فاغتم يونان لذلك فقرَّعه الإله. كما ورد في السفر حادثة ابتلاع الحوت ليونان، حيث مكث في بطنه ثلاثة أيام. والسفر يتسم بالرؤية العالمية. هوشع (حوالي 750-722 ق0م) Hosea «هوشع» اسم عبري معناه «الإله المنقذ المخلِّص» . وهوشع نبي عاش وتنبأ في المملكة الشمالية في عصر يُربعام الثاني، وخصوصاً في الأيام الأخيرة للمملكة. وهو معاصر لعاموس قبل الغزو الآشوري، وقد استمرت نبوَّته أربعين عاماً. وينصرف جل اهتمام هوشع إلى محاربة عبادة الأوثان، فلا يركز كثيراً على فكرة العدالة الاجتماعية. وقد تبع الازدهار والفساد، في عصر عاموس، فترة من الضعف الشديد والحرب الأهلية، كما أخذت قوة آشور في التصاعد. وقد كان لكل ذلك صداه في سفر هوشع، فتنبأ بسقوط المملكة الشمالية ونفى سكانها، وهاجم الشرك باعتباره تعبيراً عن تفكك الأمة. والصورة المجازية الأساسية في سفر هوشع هي صورة الزنى: "وأول من كلم الرب هوشع قال الرب لهوشع اذهب خذ لنفسك امرأة زنى وأولاد زنى لأن الأرض قد زنت زنى تاركة الأرض" (1/2) . وقد أنجب هوشع من زوجته الزانية ثلاثة أبناء لهم أسماء رمزية، فالأول يُسمَّى «يزرعئيل» باسم البقعة التي ذبح فيها ياهو أسرة آخاب (1/4) ، والثاني طفلة سماها «لورحامة» (من العبرية: «لا رحمة» ) : «لأنني لا أعود أرحم بيت يسرائيل بل أنزعهم نزعاً» (1/6) ، والثالث سماه «لوعمي» (من العبرية: «ليس شعبي» ) : "لأنكم لستم شعبي وأنا لا أكون لكم" (1/8) . فذنب جماعة يسرائيل هو سلوكها اللاأخلاقي واعتمادها على القرابين والقوة العسكرية. ويهيب هوشع دائماً بالماضي فيشير إلى يعقوب، وإلى الخروج والتيه، فالرب هو الذي أخرج الشعب من مصر ولكن الشعب أثبت أنه غير وفيّ حتى قبل أن يصل إلى أرض الميعاد. وحينما وصلوا إلى هناك، أخفقوا في معرفة مصدر نجاحهم الحقيقي ونسبوا إلى بعل الخيرات التي منحهم يهوه إياها، ولذا فإن الرب سيعاقب الأمة ويلحق بها الخراب وينقل سكانها. ولكن، مع كل هذا، ورغم فساد الأمة، فإن يهوه في علاقته بجماعة يسرائيل يشبه هوشع في علاقته بزوجته الزانية. فيهوه هو الزوج الذي تركته زوجته الزانية التي تسير مع الفساق الآخرين، ولكنه مع هذا يظل على حبه لها. ولذا، وإلى جانب العقاب والوعيد، فإن هوشع يدعو الشعب للتوبة ويبشر بالعودة (14/1 ـ 9) . ويمكن القول بأن العلاقة بين يهوه والشعب علاقة حب مشبوب لا يمكن أن تنال منه خطايا الشعب. وتوجد في السفر صور مجازية أخرى مثل صورة الأب والابن (11/1 ـ 3) ، والطبيب والمريض (7/1) ، والصائد والطير (7/12) . وسفر هوشع أول أسفار الأنبياء الصغار. أشعياء (حوالي 734-680 ق0م) Isaiah «أشعياء» (أو «يشعياهو» ) اسم عبري معناه «الإله يخلص» . وأشعياء اسم نبي من أهم أنبياء اليهود، بل هو أعظم أنبياء العهد القديم قاطبةً. كان من أسرة نبيلة، أو ربما من دم ملكي، كما كان ذا ثروة طائلة. ولذا، كان أشعياء مقرباً من البلاط الملكي. ويُقال إن منَسَّى أعدمه. ويُشكل صعود القوة الآشورية، التي تهددت العبرانيين القدامى، الخلفية التاريخية لنبوءات أشعياء. وربما كان أهم حدثين تاريخيين في نبوءات أشعياء هما: الأول رفض آحاز ملك المملكة الجنوبية الانضمام إلى ملوك المملكة الشمالية في الحلف المضاد لآشور، وقد أيَّد أشعياء هذه السياسة المحايدة. والثاني أن حزقيال (ملك المملكة الجنوبية) تحدَّى آشور، وقد أدَّى هذا إلى حصار القدس. وحتى عندما انسحب الجيش الآشوري فجأة (701 ق. م) ، استمر أشعياء في التحذير من المصير النهائي. وقد كان حسه التاريخي والسياسي دقيقاً إذ تنبأ بامتداد سلطان الآشوريين على الشرق الأدنى، ورأى في المستقبل البعيد الخطر المحدق من قبَل بابل على المملكة الجنوبية، وعارض اعتمادها على مصر وتعاونها معها ضد آشور. وكان أشعياء يرى يد الإله وراء كل الحوادث التاريخية، فكان يؤكد أن آشور هي أداة عقابه (10/5) ، وأن شعب الإله يجب ألا يثق إلا به، وألا يعتمد إلا عليه، فالإله وحده هو سند الشعب. وقد أكد أن الخلاص لا يتأتى إلا بتنفيذ مطالب الإله الأخلاقية، فالشفقة والبر بالفقراء أكثر أهمية عندالإله من تقديم القرابين. وكان أشعياء من الأنبياء الذين اتجهوا إلى القضية الاجتماعية، فهاجم الأثرياء والحكام لتَقبُّلهم الرشاوى وظلمهم المساكين وبذخهم وترفهم وطمعهم وجشعهم وسكرهم وانعدام الحس الأخلاقي عندهم. وقد أعلن أشعياء بوضوح أن للعالم كله إلهاً واحداً، الإله الحي الحقيقي الذي ستعترف به كل الأمم في النهاية، ويعود الجميع إليه، ويتوحدون فيما بينهم «وفي ذلك اليوم تكون سكة من مصر إلى آشور فيجيء الآشوريون إلى مصر والمصريون إلى آشور ويعبد المصريون مع الآشوريين، في ذلك اليوم يكون يسرائيل ثلثاً لمصر ولآشور بركة في الأرض. بها يبارك رب الجنود قائلاً: مبارك شعبي مصر وعمل يدي آشور وميراثي يسرائيل» (19/23 ـ 25) . ثم تصل الأمور ذروتها في آخر الأيام حين تتوقف الحروب ويأتي الماشيَّح ملكاً من نسل داود. وفي السفر المسمَّى باسمه يتحدث أشعياء عن العذراء التي ستحمل وتلد ابناً اسمه عمانوئيل (7/14) ، وعن حلم السلام العام تحت رئاسة «أمير السلام» ، فتعم سلطته العالم، ويطبع الناس سيوفهم سككاً ورماحهم مناجل ويسكن الذئب مع الحمل. ولكثرة نبوءات هذا السفر عن الماشيَّح (9/6 ـ 7) يُشار إليه بأنه النبي الإنجيلي، وتُقتبَس نبوءاته في العهد الجديد أكثر من أي سفر آخر في العهد القديم. ورغم عالمية نبوءاته، فإنه كان يصر على إيمانه بخصوصية الشعب اليهودي. فجماعة يسرائيل هي الشعب المختار الذي قد يلحق به العذاب، دون أن يفنيه الإله تماماً، إذ ستبقى دائماً بقية صالحة تعود إلى فلسطين وتجدد الصلة بين الإله والأرض المقدَّسة. أعطى أشعياء ولديه اسمين رمزيين: فسمَّى أحدهما «شئار ياشوف» ، أي «البقية ترجع» (7/3) ، وسمَّى الآخر «مهير شلال حاش باز» ، أي «يُعجِّل السلب ويُسرع النهب» (8/1، 4) . وربما كان له ابن ثالث هو عمانوئيل، أي «الإله معنا» (7/14) . ويُعتبَر الأسلوب الأدبي الرائع الذي كتب به سفره أجمل ما ورد في العهد القديم. والسفر الذي يحمل اسمه، هو أول سفر في كتب الأنبياء، وينقسم إلى قسمين: أشعياء الأول (1/39) . وأشعياء الثاني (40/66) ، كتبهما مؤلفان مختلفان، وإن كان يُقال إن الجزء الأخير (56/66) هو أشعياء الثالث وكتبه مؤلف ثالث. ويُقال أيضاً إن تاريخ أشعياء الأول هو 740 ق. م، وأشعياء الثاني هو 540 ق. م، أما الثالث فيرجع إلى القرن الخامس قبل الميلاد. ميخا (حوالي 730-701 ق0م) Micha «ميخا» اسم عبري معناه «مَنْ مثل يهوه» . وميخا نبي من المملكة الجنوبية من أصل فلاحي، نشر تعاليمه بين عامي 730 و722 ق. م، وكان معاصراً لأشعياء، كما كان يشبهه في أسلوبه ونهج كتابته. وقد دافع ميخا عن الفقراء، وتحدَّث عن الشعب واضطهاد الطبقات الحاكمة له (3/1 ـ 3) ، وكان أول من أنذر بدمار البلد والنفي إلى بابل (3/12) ، كما تنبأ بملك من نسل داود سيأتي بالخير للعالم، وبذلك تتضح النزعتان العالمية والقومية في نبوءاته. عاموس (حوالي 670-746 ق0م) Amos «عاموس» اسم عبري معناه «مُحَمَّل» أو «المُثقل بالأحمال» ، وعاموس أول نبي يهودي يُسمَّى باسمه أحد الأسفار. أعلن رسالته عام 750 ق. م. وكان عاموس يعمل راعياً، وجاني جميز في مدينة تقواع الصحراوية على بعد تسعة عشر كيلو متراً من القدس. ولكنه نشر رسالته في المملكة الشمالية في عهد يربعام الثاني الذي أدَّت فتوحاته إلى تدفُّق الثروات والسلع الترفية الجديدة على المجتمع العبراني، الأمر الذي أدَّى إلى انتشار الفساد، وإلى ظهور طبقة من الأثرياء وملاك الأراضي الذي كبلوا صغار الملاك بالديون، وصادروا أملاكهم، وأفسدوا ذمم القضاة (عاموس 2/6 ـ 7، 3/10، 5/10، 12) . وقد هاجم عاموس هذا الفساد بضراوة، بل إننا نجد أن فكرة التوحيد عنده مرتبطة بالعدالة الاجتماعية. وثمة رفض في سفر عاموس للعبادة القربانية والأضاحي (5/21 - 24) ، فالعبادة والطقوس والقرابين ليست إلا سخرية واستهزاء. ولذا، فإن الأخلاقيات التي بشر بها عاموس أخلاقيات أممية، وكانت تُعَدُّ جديدة على عصره، كما أنها لم تكن تمثل الروح القومية الحلولية اليهودية. فيهوه هو إله كل الشعوب والأمم "ألستم لي كبني الكوشيين يا بني يسرائيل يقول الرب، ألم أصعد يسرائيل من أرض مصر والفلسطينيين [أي الفلستيين] من كفتور والآراميين من قير" (9/7) . فلم يكن خروج العبرانيين من مصر هو وحده الحادثة التاريخية ذات المغزى الخاص، بل خروج الشعوب الأخرى أيضاً. ولكن يهوه يظل، مع هذا، تربطه علاقة خاصة بشعبه، فهو يعرف جماعة يسرائيل فقط، ولذا فسيعاقبها على ذنوبها (3/2) . ثم تأخذ الكارثة شكل هزيمة عسكرية يعقبها نفي جماعة يسرائيل. وكان عاموس مدركاً مدى خطورة التهديد الآشوري. ومن المحتمل أنه أُعدم على يد الكهنة (ويُقال إنه نُفي إلى تقواع) لأنه تنبأ بزوال المملكة الشمالية وزوال بيتها الملكي. وسفر عاموس ثالث أسفار الأنبياء الصغار، وهو مكتوب بأسلوب سهل يتواتر فيه عدد كبير من الصور المستمدة من الطبيعة ومن حياة الرعاة والمزارعين. ناحوم (حوالي 633 ق0م) Nahum «ناحوم» اسم عبري معناه «المُعزَّى» (صيغة اسم مفعول) . وناحوم أحد الأنبياء الصغار. تنبأ في السفر المسمَّى باسمه بسقوط نينوي. وأسلوب سفره أدبي ناصع يدل على أن مؤلفه امتلك ناصية اللغة وفن الوصف. صفنياه (حوالي 630 ق0م) Zephaniah «صفنياه» اسم عبري معناه «يهوه يستر» أو «يهوه يكنز» . وصفنياه نبي من أسرة نبيلة في المملكة الجنوبية. تنبأ في السنين الأولى من حكم يوشيا، وكانت نبوءاته ذات طابع أخروي، فهو يصف يوم الإله، وكيف سيعاقب الأشرار. ويؤكد في سفره أن الفقراء سيرثون الأرض، وأن كل الأمم ستعود إلى الإله وستعتمد عليه بقية جماعة يسرائيل وتصبح مقدَّسة، فسيجمعهم ويصيِّرهم تسبيحةً في الأرض كلها، ويحكم وسطهم ملكاً في وسط شعبه. إرميا (حوالي 626-586 ق0م) Jeremiah «إرميا» أو «إيرمياهو» ، وهي عبارة عبرية تعني «الإله يؤسس» أو «الإله يثبت» أو «الإله يُعلِّي» . وإرميا ثاني الأنبياء الكبار، وكان من أسرة من الكهنة ناصبته العداء بسبب موقفه. بدأ في التنبؤ عام 627 ق. م أثناء ملك يوشيا، فأعلن أن القدس ستسقط في يد البابليين، وحذر من الثورة ضدها. وقد اتهمه الكهنة بمحاولة الانضمام إلى العدو وسجنوه في قبو ليموت جوعاً، ولكن الملك رأف بحاله ونقله إلى سجن آخر وقدَّم له فيه الطعام. وظل إرميا على هذه الحال إلى أن سقطت القدس في يد البابليين على يد نبوختنصر، وتحوَّلت بعدها الدولة الجنوبية إلى دويلة تابعة. وبعد سقوط القدس، قام الموظفون البابليون بحمايته، بسبب موقفه الممالئ لبابل. ولكن بعد مقتل جداليا، وبعد أن نال الذعر من الثوار العبرانيين، فرَّ العبرانيون إلى مصر واضطر إرميا إلى الفرار معهم، حيث استمر في التنبؤ هناك. وكانت آخر نبوءاته أن اللعنة ستحل على يهود مصر لعبادتهم الأوثان (43، 44) . اتصفت نبوءته بالآلام والمرارة، ولكنه يطرح رؤية جديدة تماماً للتجربة الدينية يتجاوز بها الحلولية المادية الوثنية ويصل بها إلى التوحيدية الحقة إذ ينقلها من عالم الظاهر إلى عالم الباطن، ومن عالم القرابين إلى عالم القلب والحياة، ومن عالم المسئولية الجماعية إلى عالم المسئولية الأخلاقية الفردية. فالإله لا يطلب الذبائح فحسب، بل يطلب الطاعة الداخلية، فهو يريد من البشر حياة أخلاقية رفيعة (7/21 ـ 23) : «محرقاتكم غير مقبولة وذبائحكم لا تلذ لي» 6/20) . والإله لا يرضى إلا عن ذبائح المستمع المطيع (17/24 ـ 27) . وسيأتي وقت لا يُذكَر التابوت فيه (3/16) ، وإنما ينظر الإله إلى القلب وحسب (17/10، 20/12) . وقد تنبأ إرميا بالعهد الجديد، حين يكون للشعب قلب جديد، وتُكتَب شريعة الرب في هذا القلب (24/7) . غير أن ما يتوَّج سفر إرميا هو ما جاء في الإصحاح 31 في الفقرتين 31 ـ 33 إذ يقطع يهوه عهداً جديداً مع شعبه حيث يجعل شريعتهم في نفوسهم ويكتبها على قلوبهم، وليس على ألواح حجرية (لوحى الشريعة) كما حدث في عهد آبائهم. ومن هنا يعلن مبدأ المسئولية الفردية. وقد ارتفع إرميا بفكرة الإله من مستوى الفكر القومي الضيق إلى مستوى الفكر العالمي، حيث تصبح العقيدة ديانة شخصية يعتنقها الفرد بعد أن يتوب إلى الإله ويرجع إليه، وتصبح الأساس الذي ينبني عليه العهد الجديد. وتصبح عبادة عالمية تتبعها كل الشعوب (3/17) ، وسيعترفون بأن آلهتهم أكاذيب لا قيمة لها (16/19 ـ 20) . حبقوق (حوالي 605 ق0م) Habkuk «حبقوق» اسم عبري معناه «يعانق» ، وهناك رأي يذهب إلى أنها كلمة فارسية بمعنى «زئبقة سوداء» أو نوع من الزهور. وحبقوق أحد الأنبياء الصغار، تنبأ في المملكة الجنوبية، وكان لاوياً يغني في الهيكل. وقد تنبأ في القرن السابع أثناء حصار الكلدانيين (البابليين) لنينوي. يضم سفره صرخة يتوجه بها إلى الإله ضد العنف والعسف والظلم، وضد انتصار البابليين، ثم يتساءل هل سيسمح الإله للبابليين بأن يتلفوا ويخربوا من هم أبر منهم. والجواب أن البابليين سيهلكون، أما البار فبإيمانه يحيا (حبقوق 2/1 ـ 4) . والسفر في أساسه ـ فيما يُرجح العلماء ـ مكوَّن من إصحاحين (الأول والثاني) أما الإصحاح الثالث فله جانب أسطوري واضح، ولذا افتُرض أنه منحول. ومما يؤكد ذلك اكتشاف تفسير للسفر في قمران لا يحتوي إلا على الإصحاحين الأولين منه. دانيال (حوالي 605-537 ق0م) Daniel «دانيال» كلمة عبرية معناها «الإله قضى» . ودانيال أحد الأنبياء الأربعة الكبار. كان دانيال من عائلة شريفة، ويُظن أنه وُلد في القدس. والسفر المسمَّى باسمه ينقسم إلى قسمين، يضم القسم الأول والمعروف باسم دانيال (الإصحاحات من 1 إلى 6) ، وتضم ست قصص عن محن دانيال وانتصاراته هو ورفاقه الثلاثة. وقد جاء في هذا القسم أن دانيال ورفاقه جاءوا إلى بابل بأمر من نبوختنصر، فتعلموا الكلدانية، وأبوا أن يأكلوا من طعام الملك أو أن يشربوا من خمره حتى لا يتنجسوا. ومع هذا، وجدهم الملك عند نهاية فترة التعليم أكثر ذكاء وبهاء من الآخرين. وقد فسر دانيال حلماً لنبوختنصر، وسُرَّ الملك بتفسيره، وعينه ورفاقه مديرين لكل مقاطعة بابل. وكان الملك قد طلب إليهم أن يسجدوا للتمثال الذي نصبه، وحينما رفضوا ألقى برفاق دانيال الثلاثة في النار، ولكنهم لم يلحق بهم أي أذى، فعبَّر الملك عن إعجابه بإله اليهود. وقد فسر دانيال حُلْمَ الملك عن الشجرة العظيمة التي قطعت، وأخيراً فسر الكتابة على الحائط في الوليمة التي أقامها بيلشاصر، والتي كان ينوي أن يستخدم فيها الأوعية التي أحضرها البابليون من الهيكل، وأخبره دانيال بأن نهايته قد دنت. وبعد ذلك رفعه دارا الميدي إلى أسمى المناصب فأثار هذا حسد أعدائه فكادوا له، وأُلقي به في جُب الأسود ولكن الإله نجاه. أما القسم الثاني (دانيال B) ، فيضم الإصحاحات من 7 إلى 12. وهنا تتغيَّر شخصية دانيال، ويتحول من حكيم يفسر الأحلام، والإشارات للملوك، ومن وزير يقع ضحية دس منافسيه إلى صاحب رؤى (أبوكاليبس) . فدانيال هو نفسه الذي يرى الأحلام المفزعة هذه المرة، ويقوم ملاك بتفسيرها له. أما الرؤيا الأولى، فهي تمثل قوى العالم الأربع العظمى الطاغية (بابل ميديا وفارس واليونان) على شكل أربعة حيوانات، ثم تزول هذه القوى وتسود من بعدها "مملكة شعب قديس العلا"، أي اليهود. أما الرؤيا الثانية، فيرى فيها القوة التي يمثلها تيس المعز الذي له قرن كبير ينكسر وينبت بدلاً منه أربعة قرون أخرى (الإمبراطورية اليونانية تحت حكم الإسكندر ثم خلفائه من بعده) ، وينبت قرن أصغر (وهو أنطيوخوس إبيفانيس) ، ويحارب تيس المعز ضد كبش له قرنان أحدهما أطول من الآخر (الأسرة المالكة الإيرانية: الميديون والفرس) . أما الرؤيا الثالثة، فهي رسالة حملها إلى دانيال الملك جبرائيل تتعلق بالمملكة المشيحانية التي ستأتي بعد تسعة وأربعين عاماً، بعد أن يكفِّر اليهود عن خطاياهم. أما الرؤيا الرابعة، وهي أطول الرؤى، فتأخذ شكل رسائل من الإله تؤكد محبته للمؤمنين الأمناء في شعبه، وهي تخبره عما سيحدث من وقت السفر الافتراضي (ثالث عام من حكم قورش) حتى خلاص جماعة يسرائيل. فسيأتي بعد قورش ثلاثة ملوك فرس، ولكن اليونان سيحلون مكانهم، أولهم ملك عظيم (الإسكندر الأكبر) . ثم يستمر السفر في سرد تفاصيل الحروب والزيجات الملكية المختلفة بين ملوك الممالك اليونانية، إلى أن يصل إلى التدخل الروماني الذي اضطر أنطيوخوس الرابع (إبيفانيس) إلى الانسحاب من مصر عام 168 ق. م، ثم اضطهاده لليهودية. ويتناول بقية السفر ما سيحدث بعد ذلك. والجزء الثاني من سفر دانيال يُعَد من كتب الرؤى (أبوكاليبس) ، والتي تختلف اختلافاً جوهرياً عن كتب الأنبياء. فبينما تركز كتب الرؤى على تفسير التاريخ تفسيراً عجائبياً غير أخلاقياً، حيث يأتي الخلاص ويصبح كل ما يحدث في التاريخ الإنساني مصيراً محتوماً، تركز كتب الأنبياء على الخلاص التدريجي، ومن خلال الإرادة الإنسانية. وقد أصبح السفر أساساً لكثير من التأملات الرؤياوية والصوفية، وخصوصاً تلك المتعلقة بحسابات مقدم الماشيَّح. والواقع أن هذا السفر في عداد القسم المسمَّى بالكتب في العهد القديم، وقد كُتب بعضه بالعبرية وبعضه بالآرامية. وكان بعض الباحثين يرى أن هذا السفر كتبه علماء المجمع الكبير. ولكن معظم العلماء يرون الآن أن الجزء الأكبر كُتب عام 300 ق. م، أما الثاني، فكُتب في عهد أنطيوخوس الرابع في وقت كانت اليهودية تتعرض فيه للاضطهاد الشديد على يد هذا الحاكم السلوقي، ولذا فإن رسالة الأمل التي يحملها السفر مناسبة للعصر. وسفر دانيال أول سفر ترد فيه إشارة صريحة وواضحة إلى حياة ما بعد الموت والبعث، وهي حياة مقصورة على كلٍّ من الأخيار والموغلين في الشر (12/2) . وترد في السفر أيضاً إشارات عديدة إلى الملائكة، وأن لكل أمة ملاكها، وميخائيل هو ملاك جماعة يسرائيل. ويُقال إن شخصية دانيال رُسمت على طراز «دانيال» الذي أشير إليه في حزقيال (14/13 ـ14) ، وهو شخص معروف بحكمته، يظهر في بعض النصوص الأوجاريتية. ويثير سفر دانيال كثيراً من الجدل، فهو أولاً لا يرد ضمن كتب الأنبياء في النسخة العبرية من العهد القديم، وإنما يرد ضمن كتب الحكمة. أما الترجمة السبعينية، فتورده في القسم الخاص بالأنبياء، ولعل هذا يعود إلى أن نص السفر كُتب متأخراً كما أنه كُتب بالعبرية والآرامية. وقد اقتبس كتاب «رؤيا يوحنا اللاهوتي» كثيراً من أفكار وتصويرات ورؤى سفر دانيال عن الممالك الكونية وسقوطها. ويمثل سفر دانيال المعين الذي لا ينضب لتفسيرات كنائس السبتيين المسيحية (الأدفنتست) الذين يتبنون رؤيته للتاريخ الكوني. حزقيال (حوالي 593-570 ق0م) Ezekiel «حزقيال» أو «يحزقئيل» كلمة عبرية معناها «الإله يقوِّي» . وحزقيال نبي من أسرة صادوق الكهنوتية ومن قبيلة إفرايم، وهو معاصر لإرميا، وقد كان على دراية تامة بتعاليمه وصوره المجازية الإيضاحية. أطلق حزقيال نبوءاته في القدس، ثم في بابل حيث هُجِّر مع اليهود الذين هُجِّروا إلى هناك، واستمر في التنبؤ لسنوات طويلة (593 ـ 570ق. م) . ويبدو أنه نُفي قبل التدمير النهائي للقدس (586 ق. م) ، فقد تنبأ بدمارها، وألقى باللوم على اليهود الذين بقوا في المملكة الجنوبية لاتباعهم طرق الشر، ولثقتهم البالغة في نجاتهم من التهجير البابلي. وقد استخدم حزقيال «الزنى» كصورة مجازية، وهي الصورة التي استخدمها هوشع من قبل، ولكنه طورها. كما أنه كان يرى أن تاريخ الشعب كله، منذ الخروج، تاريخ عصيان (20/1 ـ 38) . ولكنه، بعد تحطيم القدس، أدخل العزاء على قلب المتقين برؤى الخلاص ونبوءات الخراب التي ستلحق بالأغيار. وقد فسَّر حزقيال الغرض الإلهي من شتات اليهود بأنه نشر العدالة في العالم، وبشر بفكرة أورشليم المستقبل حينما يغفر الإله للشعب. وبين لهم أن خطايا الجيل السابق لا تمنع الجيل الحالي من أن يقرر، إن شاء، العودة إلى الإله. وثمة أمل في أن يعود الشعب إلى أرضه، ليعيش في سلام وطمأنينة يسوس أموره حكامه، ويكون الإله هو راعيه الصالح. وسيقوم الشعب ببناء الهيكل الجديد. ويبشر حزقيال كذلك بطبيعة الشعب التي ستُخلَق من جديد، فجماعة الإله الجديدة هي موضوع رجاء شعبه (36/24 ـ 30) . ويتميَّز حزقيال بتأكيده المسئولية الفردية بشكل أوضح (18، 33/1 ـ 20) . وسفر حزقيال ثالث الأسفار في كتب الأنبياء العظام، وهو مكتوب بضمير المتكلم، وأسلوبه شعري ويحوي صوراً مجازية ورموزاً عديدة. حجاي (حوالي 520 ق0م) Haggai «حجَّاي» اسم عبري معناه «عيد» (مولود في يوم عيد) . وحجَّاي أحد الأنبياء الصغار. تنبأ بعد التهجير إلى بابل في العام الثاني من حكم دارا الأول. وقد دعا إلى إعادة بناء الهيكل، وتحدث عن قوانين النجاسة، وتنبأ بعظمة الهيكل. زكريا (حوالي 520 ق0م) Zechariah «زكريا» (زخارياه) اسم عبري معناه «يهوه قد ذكر» . وزكريا أحد الأنبياء الصغار. وقد كتب زكريا سفره أثناء حكم دارا الأول وبعد العودة من بابل، وكان زكريا من الكهنة. وتتعلق نبوءاته بتجميع المنفيين، والتحرر من النير الأجنبي، وتوسيع القدس. وهو يصف رؤاه وتفسيرها من خلال ملاك. وينسب بعض العلماء الإصحاحات 9 - 14 إلى مؤلف آخر عاصر فترة الهيكل الأول، وذلك على أساس لغتها ومضمونها. ملاخي (حوالي 450 ق0م) Malachi «ملاخي» اسم عبري معناه «رسولي» أو «ملاكي» . وملاخي آخر أنبياء العهد القديم، يقرنه البعض بعزرا، ويساوون بينهما. ويرى بعض العلماء أن «ملاخي» ليس اسم عَلَم وإنما صفة لكاتب السفر. وقد عاش ملاخي بعد بناء الهيكل الثاني. ويتضمن السفر توبيخاً للكهنة، لتراخيهم في تطبيق قواعد القرابين والعشور، فهم يقدمون ذبائح بها عيوب ولا يعيشون وفقاً للشريعة، وهم لا يعلِّمون الناس الحق. وهو يذم التزوج بمن هن من خارج المجتمع. وينتهي السفر برؤية أخروية ليوم الإله. عوبديا (حوالي 450 ق0م) Obadiah «عوبديا» اسم عبري معناه «عبد يهوه» . وعوبديا رابع الأنبياء الصغار، يوجه اللوم العنيف في سفره إلى أدوم، لأنها لم تهبّ لمساعدة القدس ساعة محنتها. ويؤكد فيه أن يوم الرب قريب. ومن غير المعروف متى كُتب السفر، ولكن من المتفق عليه أنه كُتب بعد هدم الهيكل. يوئيل (حوالي 400 ق0م) Joel «يوئيل» تركيب عبري معناه «يهوه هو الإله» . ويوئيل أحد الأنبياء الصغار، وهو أيضاً مؤلف السفر الذي يُعرف باسمه. ويمكن تقسيم سفر يوئيل إلى ما يلي: الإصحاحين الأول والثاني اللذين ترد فيهما نكبة الجراد، ثم الإصحاحين الثالث والرابع اللذين يتناولان يوم الرب حينما يعيد الرب شعبه من السبي ويعاقب أعداءه. والتاريخ الذي كُتب فيه السفر غير معروف، فمن العلماء من يظن أن كاتبه كان معاصراً لأشعياء، ومنهم من يذهب إلى أنه عاش في ملك يوشيا، ولكن ثمة اتفاقاً عاماً بين العلماء على أن يوئيل تنبأ بعد العودة من بابل. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
الحاخامات (بمعنى «الفقهاء» )
Rabbis «حاخام» كلمة عبرية معناها «الرجل الحكيم أو العاقل» . وكان هذا المصطلح يطلق على جماعة المعلمين الفريسيين «حاخاميم» ، ومنها أُخذت كلمة «حاخام» لتدل على المفرد. أما كلمة «راباي» ، فهي في عبرية التوراة بمعنى «عظيم» ، وهي من الجذر السامي «رب» بمعنى «سيِّد» أو «قيِّم على آخرين» مثلما نقول في العربية «رب البيت» ، ولكنها على أية حال لا ترد في التوراة نفسها. وتطوَّر معنى الكلمة في عبرية المشناه، وأصبحت بمعنى «سيد» مقابل «عبد» ولكنها في كتابات مُعلِّمي المشناه (تنائيم) أصبحت لقباً للحكماء. وكلمة «راباي» تعني «سيدي» ، وينطقها السفارد «ربي» ، وكانت تُطلَق على أعضاء السنهدرين. ولما كان اللقب لا يُخلَع إلا على من تم ترسيمه حاخاماً (ولم يكن هذا يتم إلا في فلسطين) ، فلم يكن لفظ «راباي» يُطلَق إلا على علماء فلسطين. أما الشراح (أمورائيم) في العراق، فكانوا يحملون لقب «راف» . وقد حلت كلمة «راباي» محل «حاخام» في معظم المناطق. ومع هذا، ظلت كلمة «حاخام» متداولة في بعض المناطق، وخصوصاً في الدولة العثمانية حيث كان الزعيم الملي لليهود يحمل لقب «حاخام باشي» ، كما كان عضواً في المجلس الاستشاري للسلطان. ومن الكلمات الأخرى التي تُستخدَم للإشارة إلى الحاخام في اللغة العربية كلمة «حَبْر» وجمعها «أحبار» و «الرباني» وجمعها «الربانيون» ..... وفي هذه الموسوعة، نستخدم كلمة «حاخام» للإشارة إلى الفقهاء اليهود والأحبار والربيين (جمع ربي) ، أو الرابيين (جمع راباي) ، الذين فسروا التوراة (الشريعة المكتوبة) وابتدعوا الشريعة الشفوية (التوراة الشفوية أو التلمود) وجعلوها الأساس الذي تستند إليه اليهودية والمحور الذي تدور حوله. وهم الذين طوروا اليهودية المعيارية أو اليهودية الكلاسيكية، التي تُسمَّى أحياناً «اليهودية الربانية» ، والتي نُطلق عليها «اليهودية الحاخامية» ، ومنهم الكتبة (سوفريم) ، ومعلمو المشناه (تنائيم) ، والشراح (أمورائيم) ، وعلماء التلمود كافة مثل: أصحاب الشروح الإضافية (توسافوت) ، وراشي، وموسى بن ميمون، وإلياهو فقيه فلنا، وغيرهم. وكانت الأكاديميات التلمودية (يشيفا) في العراق وغيرها المراكز التي يتجمعون فيها للنقاش والحوار والتعلم. ومن ثم، فإننا نتحدث أيضاً عن التعاليم الحاخامية والمؤسسة الحاخامية حين نشير إلى المؤسسة الفقهية والتعاليم الفقهية التي أخذت تدريجياً تكتسب مركزية بين أعضاء الجماعات اليهودية وفي النسق الديني اليهودي منذ عام 70م إلى أن تبلورت اليهودية الحاخامية وأصبحت هي اليهودية منذ القرن السابع الميلادي وحتى نهاية القرن التاسع عشر. كما تُستخدَم الكلمة للإشارة إلى القائد الديني للجماعة اليهودية الذي كان يقوم بتفسير التوراة وإصدار الفتاوى تماماً مثل فقهاء اليهود القدامى، إلى جانب قيامه بالإشراف على الصلوات في المعبد اليهودي، وكثيراً ما كان يضطلع بوظائف دنيوية مثل جمع الضرائب والإشراف على تنفيذ تعاليم الحكومة. الكتبة (سوفريم) (440-100 ق0م) Sopherim «الكتبة» هي المقابل العربي لكلمة «سوفريم» وهي صيغة جمع عبرية بنفس المعنى، وهي مصطلح يُطلَق على الكتبة والعلماء اليهود الذين قاموا بتدريس وتعليم وشرح الشريعة من حوالي منتصف القرن الخامس قبل الميلاد إلى حوالي عام 100 ق. م، وقد جُمعت أقوالهم واجتهاداتهم في كتب المدراش. وبهذا المعنى، يكون عزرا أول الكتبة حين وضع أساس الدراسات الحاخامية، والكتبة هم أولئك الذين قاموا بوضع الشريعة الشفوية فعلاً. وتعود أهمية الكتبة إلى أنهم أول من بدأوا الدراسات الحاخامية (وبالتالي، فإن ظهورهم يُعتبَر بداية المرحلة اليهودية، مقابل المرحلة اليسرائيلية أو العبرانية من تواريخ الجماعات اليهودية في العالم) . وقد قام الكتبة بتحقيق العهد القديم وتنقيحه وتدوينه، وتنسب إليهم المصادر اليهودية تحقيق المآثر التالية: 1 ـ قراءة نصوص الشريعة في أيام معينة من الأسبوع. 2 ـ تحديد الصلوات اليومية، وإدخال شعائر الشكر بعد تناول الطعام (صلاة المائدة) . 3 ـ إدخال الشعائر والطقوس الدينية مثل عادة سكب الماء على الأرض في عيد المظال والدوران بمركب حول المذبح حاملين أغصان الصفصاف. 4 ـ وضع القواعد المتعلقة بإعداد تميمة الصلاة (تفيلين) أو شال الصلاة (طاليت) بجدائله الأربع (تسيت تسيت) . 5 ـ تعديل بعض الشرائع التوراتية وتكييفها وفقاً لمتطلبات الحياة، وتخفيف قسوة الشرع الموسوي فيما يختص بشريعة القصاص التوراتية في حالة الاعتداء، والتساهل في تطبيق قوانين السبت خلافاً لبعض الفرق المتشددة في تمسُّكها بحرفية القانون وفي امتناعها عن القيام بأية نشاطات جسدية في يوم الراحة. وكذلك تخفيف صرامة القانون الخاص بإثبات وفاة الزوج بحيث أصبحت شهادة رجل واحد تكفي لكي يحق للزوجة أن تتزوج من جديد، حتى لو كانت هذه الشهادة تستند إلى مجرد الشائعات. وقد كان ظهور الكتبة تعبيراً عن وضع الجماعات اليهودية كأقلية إثنية ودينية تضطلع في معظم الأحيان بدور الجماعة الوظيفية ومن ثم تتمتع بنوع من الإدارة الذاتية في الأمور الثقافية والقانونية، فأصبح الكتبة فقهاء في القانون يحاولون تطبيق تعاليم التوراة والشريعة الشفوية على الحياة اليومية. وكان الهدف من هذا المشروع بناء سياج أو إطار حول التوراة والجماعات اليهودية، وهو ما يحقق قدراً من العزلة الحقيقية أو الوهمية التي تضمن أداءهم لأدوارهم كجماعة وظيفية. وستظل هذه وظيفة علماء اليهود عبر تواريخ الجماعات اليهودية في العالم، وخصوصاً في الغرب. وبعد الكتبة (سوفريم) ، جاء الفريسيون ومعلمو المشناه (تنائيم) ، والشراح (أمورائيم) والفقهاء (جاءونيم) ، وهؤلاء جميعاً يُعدون استمراراً طبيعياً للكتبة. وحين يشير العهد الجديد إلى الفريسيين والكتبة، فإن الإشارة تنصرف إلى فقهاء الشريعة اليهودية بشكل عام، وهم أولئك الذين أصبح يُطلَق عليهم لفظ «حاخام» فيما بعد. وقد كان يوجد كتبة في صفوف الفريسيين والصدوقيين، كما أن بعضهم كانوا أعضاء في السنهدرين. وقد تطوَّر معنى الكلمة بحيث أصبحت كلمة «سوفير» تعني «معلم التوراة (للأطفال) » ، كما أصبحت تعني «كاتب لفائف التوراة» . وفي العبرية الحديثة، تُستعمَل الكلمة بمعنى «كاتب» و «أديب» و «محرر صحفي» . الأزواج (زوجوت) (150-30 ق0م) Zugot «الأزواج» يقابلها في العبرية كلمة «زوجوت» ، وتُستخدَم اصطلاحاً للإشارة إلى خمسة أجيال من علماء الدين اليهودي أتوا قبل معلمي المشناه (تنائيم) في الفترة 150 ق. م ـ 30م. ويمتد الزوجوت عبر خمسة أجيال، وشغل كل زوج منهم المنصبين التاليين: رئيس السنهدرين (أو الأمير) ولقبه «الناسي» ، ونائب الرئيس ولقبه «آف بيت دين» . ويُعتبَر كلٌّ من هليل وشماي من آخر الأزواج، وهما معاً يُعَدَّان أول معلمي المشناه. معلمو المشناه (تنائيم) (10ق0م-200م) Tanaaim «معلمو المشناه» هي المقابل العربي لكلمة «تنائيم» ، و «تنا» كلمة آرامية تعني «يكرر» ومنها «تنائيم» . وتُستخدَم الكلمة للإشارة إلى علماء اليهود الذين جاءوا بعد الكتبة (سوفريم) وعاشوا في القرنين الأول والثاني الميلاديين. يبدأ عصرهم بمدرستي هليل وشماي (القرن الأول) وينتهي عند الحاخام يهودا الملقب بالبطريرك أو الناسي. ويحمل معظم معلمي المشناه لقب «رابي» بمعنى «سيدي» ، ثم صار لقبهم فيما بعد «راب» أو «رابّانان» ، أي «سيدنا» . وقد أتى ذكر أسماء مائتين وخمسة وسبعين من معلمي المشناه، يُقسَّمون إلى أربعة أجيال. وقد شهدت هذه المرحلة سحق التمرد اليهودي الأول والتمرد اليهودي الثاني ضد الرومان، حيث انتهى أولهما بهدم الهيكل وانتهى ثانيهما بهدم القدس وتحريمها على اليهود. وأدَّى سقوط السلطة المركزية الدينية إلى تهديد اليهودية نفسها، ولكن معلمي المشناه نجحوا في تخليص اليهودية من عناصر العبادة القربانية بحيث أصبحت اليهودية ديناً يستند إلى الإيمان ويدور حول المعبد أينما كان بدلاً من الهيكل في أورشليم (القدس) ، وهو في الواقع تطوُّر كان الفريسيون قد مهدوا له. كما أن ظهور مركز اليهودية البابلي (ثم السكندري) ، وكذلك هيكل أونياس والتجمعات اليهودية المختلفة في مدن البحر الأبيض المتوسط، كان قد قضى على المركزية الدينية بالفعل، ولم يبق سوى الاعتراف بالواقع القائم واستيعابه داخل البناء العقائدي. ويُعَدُّ الحاخام يوحنان بن زكاي (مؤسس حلقة يفنه التلمودية) مهندس عملية الانتقال وقد عارضه في ذلك بقية الكهنة وبعض عناصر الأرستقراطية وعدد من الحاخامات. ولكنه نجح في أن يُدخل التعديلات المطلوبة ويؤكد قيادته ليهود فلسطين، كما نجح في أن تعترف به السلطات الرومانية رئيساً دينياً لليهود (الناسي أو البطريرك) . وبعد هدم حلقة يفنه التلمودية، اتبع جماليل السياسة نفسها حينما أسس حلقة أخرى. وقد قام معلمو المشناه بتفسير العهد القديم وشرحه، وبتجميع وتطوير التقاليد الشفوية الخاصة بالشريعة. وقد أخذ عملهم شكله النهائي في بداية القرن الثالث الميلادي على يد يهودا الناسي الذي جمع القوانين الفقهية وصنفها في المشناه. ويعتقد بعض العلماء أن المشناه دوِّنت في تلك الفترة (ويعتقد الآخرون أنها دوِّنت بعد ثلاثة أو أربعة قرون) . وقد تبعهم في عملية تفسير التوراة وجمعها الشراح (أمورائيم) . هليل الأول (القرن الأول قبل الميلاد) Hillel I من أشهر الحاخامات اليهود في فترة معلمي المشناه (تنائيم) في بابل تَعلَّم فيها ودرس على يد معلمين فريسيين. وهو يُعدُّ من أهم المعلقين اليهود على العهد القديم ومن أهم مفسري التراث الديني اليهودي. وقد ترأَّس هو وشماي السنهدرين ضمن الأزواج (زوجوت) . وكان هليل (الأول) يشغل وظيفة الناسي من عام 30 ق. م حتى عام 10 ميلادية، كما كان صاحب مدرسة في التفسير كان يُطلَق عليها «بيت هليل» اتسمت بالمرونة. والآن، يأخذ اليهود بأحكام هذه المدرسة، بينما أصبحت المدرسة المنافسة (بيت شماي) ذات أهمية تاريخية وحسب. شماي (القرن الأول قبل الميلاد) Shammai حاخام فريسي من معلمي المشناه (تنائيم) ، تَرأَّس هو وهليل السنهدرين. له مدرسة في التفسير أُطلق عليها «بيت شماي» ، اشتهرت بتعنتها. وقد عارض شماي «مبدأ النية» ، وهو المبدأ القائل بأن موقف الشرع من أفعال المرء يتوقف أيضاً على نواياه. والواقع أن تشدُّده كان نتيجة خوفه على اليهود من الاندماج في الشعوب الأخرى، وخصوصاً أنه كان يعيش في وقت كانت الحضارة الرومانية فيه آخذة في الانتشار بين شعوب الشرق الأوسط. ويُقارَن بيت شماي عادةً ببيت هليل في الأدبيات الدينية اليهودية، وقد كُتبت الغلبة لمدرسة هليل في نهاية الأمر في المدارس الدينية اليهودية إلا أن ذلك لا يمنع من إيراد العلماء رأي مدرسة شماي للمقارنة من حين لآخر. يوحنان بن زكاي (القرن الأول قبل الميلاد) Johanah Ben Zakkai حاخام فريسي من معلمي المشناه (تنائيم) وهو من أتباع مدرسة هليل. وقد عارض يوحنان بن زكاي التمرد اليهودي ضد روما (60 ـ 70م) ، فقام تلاميذه بتهريبه من القدس داخل نعش أثناء حصار الرومان لها. ويُقال إنه ذهب إلى فسبسيان وتنبأ له بأنه سيعتلي العرش الإمبراطوري، فسمح له بالاستمرار في تدريس الشريعة لتلاميذه. وقد أقام بن زكاي حلقة تلمودية في مدينة يفنه التي أصبحت مركزاً روحياً لليهود ومركزاً للسنهدرين الذي كان يضم معلمي الشريعة الذين لم تكن لهم أية سلطة دنيوية. وقد أعاد بن زكاي صياغة توجه اليهودية. فبدلاً من اليهودية المقتصرة على التضحية وتقديم القرابين والحج إلى الهيكل في فلسطين، أصبحت اليهودية تعتمد على الصلاة في المعبد وعلى أعمال التقوى والدراسة، وتحوَّل اليهود إلى جماعة دينية إثنية قادرة على تحقيق أهدافها في أي مكان من خلال الدين وليس من خلال الارتباط بمكان محدد، وأصبحت مكافأة اليهود على إخلاصهم لدينهم ولقيمه هي الخلاص المشيحاني، أي عودة كل المؤسسات المركزية التي عرفها اليهود (الهيكل والملكية) وعودة المنفيين أنفسهم. ولذلك، قام بن زكاي بتسجيل كل الطقوس الخاصة بالهيكل حتى يكون اليهود مجهزين من الناحية الدينية والفقهية في حالة استرجاعه. والصيغة التي طرحها يوحنان بن زكاي لليهودية هي الصيغة الفريسية التي تُعَدُّ أساس حياة يهودية الجماعات المنتشرة واليهودية الحاخامية التي تدور حول المعبد اليهودي أينما كان، لا حول الهيكل في القدس. وقد تحوَّل يوحنان إلى رمز لما يُسمَّى «الاستمرار» و «البقاء» اليهوديين فقد أوجد لليهود وطناً ومركزاً روحياً بعد أن فقدوا وطنهم المادي الوحيد، فمهَّد بهذا لتحوُّل اليهود من أمة عادية لها أرض ودولة، إلى أمة الروح التي لا وطن لها إلا التوراة. والواقع أن بن زكاي هو بطل الصهيونية الثقافية وصهيونية الدياسبورا في دفاعهما عن فكرة الأمة الروحية. ولكنه في الوقت نفسه بطل اليهود الاندماجيين الذين يؤمنون بأن اليهود جماعة دينية وحسب وليسوا جماعة قومية أيضاً. يفنه Jabneh «يفنه» مدينة فلسطينية قديمة جنوبي يافا واسمها اليوناني «جامينا» . اكتسبت يفنه طابعاً هيلينياً أثناء الفترة الهيلينية، وكانت موضع صراع أثناء حكم الحشمونيين، ثم أصبحت بعد ذلك مدينة حرة. وقد أهداها أوغسطس إلى هيرود، ثم أسَّس فيها يوحنان بن زكاي أول حلقة تلمودية بأمر من الرومان. وقد ورثت حلقة يفنه ما تبقى من سلطة دنيوية يتمتع بها السنهدرين. ولذا، فقد أُبقي على بعض الأشكال الخاصة به، مثل: عدد الأعضاء (71) ، والنفخ في البوق (شوفار) ، وإعلان رؤية القمر. وأصبح رئيس الحلقة هو رئيس اليهود (الناسي أو البطريرك) . وأصبحت حلقة يفنه مركزاً لليهودية إلى أن ظهرت حلقات أخرى في بابل وغيرها من البلاد. وقد دُمِّرت يفنه أثناء ثورة بركوخبا، وهرب سكانها إلى الجليل، وانتقلت حلقتها التلمودية إلى هناك. وقد أخذت اليهودية هناك شكل نسق ديني روحي، وهو نسق كامن في كتب الأنبياء الذين كانوا يهاجمون العبادة القربانية ويؤكدون الجانب الروحي للخلاص. وقد لخص علماء اليهود في يفنه تعاليم مدارس هليل وشماي، وأكملوا تدوين وتقنين الكتب المقدَّسة، وحددوا الصلوات، كما نقلوا إلى المعبد اليهودي والسنهدرين بعض الممارسات والإجراءات الدينية والصلاحيات الخاصة بالهيكل. ومنذ ذلك التاريخ، صار الحاخامات هم الفئة القائدة. جَمْلائيل الثاني (آخر القرن الأول الميلادي وأوائل القرن الثاني) Gamaliel II ويُسمَّى جَمْلائيل الثاني «جَمْلائيل يفنه» أيضاً، وهو رئيس السنهدرين الذي خلف يوحنان بن زكاي في المنصب. وقد استمر جملائيل في اتجاه سلفه، فشرع في تدعيم سلطة حلقة يفنه التلمودية كمركز لليهودية. كما استمر رئيساً لهذه الحلقة يتحدث باسم الجماعة اليهودية أمام السلطات الرومانية، ويحاول إعادة صياغة اليهودية كدين مستقل عن العبادة القربانية. والواقع أن هذا الاتجاه يتجلَّى بوضوح تام في محاولة تحديد الشريعة وشعائرها بشكل واضح ومنظم، وفي صياغة العبادات والصلوات. ويُنسَب إليه تحديد طقوس عيد الفصح والصيغة النهائية للشمونه عسريه (عميدا) ، وكذلك إقرار الصلاة فرضاً على كل يهودي فيصلي اليهودي ثلاث مرات في اليوم الواحد. كما يُنسَب إليه أيضاً أحد الأدعية في العميدا، ألا وهو دعاء استبعاد المسيحيين من حظيرة اليهودية. ويُعَدُّ جملائيل من أتباع مدرسة هليل في التفسير والإفتاء. عقيبا بن يوسف (40-135م) Akiba Ben Yossef عالم ديني يهودي من معلمي المشناه (تنائيم) . أحرز شهرة كبيرة ومكانة عالية بين اليهود، لأنه جمع كل أحكام الشريعة الشفوية وصنفها بحسب الموضوع. وقد قام يهودا الناسي وزملاؤه بتسجيل المشناه على الأسس التي وضعها عقيبا، ولذا فهو يُدعى باسم «أبو المشناه» . وترجع أهمية عقيبا في تاريخ الجماعات اليهودية إلى تأييده تمرد بركوخبا وقبول ادعاءاته بأنه الماشيَّح رغم معارضة السنهدرين. وقد اشترك عقيبا في الثورة المسلحة ضد الرومان. وحينما حَرَّم الرومان دراسة الشريعة اليهودية أو تدريسها، رفض الانصياع لهذه الأوامر، فقُبض عليه وحُكم عليه بالإعدام. وعقيبا هو النموذج الصهيوني للحاخام الذي يُعمِّق النزعة الحلولية في اليهودية ويحوِّل الفكر الديني إلى فكر قومي ثم يترجمه إلى عدوانية مسلحة، مازجاً بين السيف والتوراة. ومما هو جدير بالذكر أن بعض منظمات الشباب الصهيوني تُسمَّى باسمه. يهودا الناسي (الأمير) (135-200) Judah Ha-Nasi (The Prince) ويُعرف أيضاً بلقب «سيدنا القديس» (رابينو هاقادوش) ، أو «رابي» دون إضافة، أو «بطريرك» . وهو رئيس الجماعة اليهودية في فلسطين (الناسي أو البطريرك) وجامع المشناه. أقام علاقة ودِّية مع السلطات الرومانية في فلسطين، وكان سليل أسرة نبيلة على جانب كبير من الثراء، ملماً بالتراث الديني اليهودي، متمكناً بشكل عام من مضامين الشريعة الشفوية، وهو ما أكسبه سلطة على معاصريه لم يصل إليها أحد غيره من معلمي المشناه (تنائيم) . وكان تلاميذ الحاخام عقيبا قد أحرزوا بعض التقدم في جمع الشريعة الشفوية وأحكام الشريعة التي أفتى بها العلماء اليهود في محاولتهم الإجابة عن أسئلة اليهود. ولكنهم كانوا يعملون بشكل فردي، فجمع يهودا كل هذه الفتاوى والأحكام والشرائع ونظمها (واستبعد بعضها) . ولذا، يُنسَب إليه جمع مواد المشناه وتصنيفها وتبويبها، كما يُنسَب إليه تقسيم المادة المجموعة إلى ستة أقسام. إليشع بن أبوياه (النصف الأول من القرن الثاني الميلادي) Elishah Ben Avuyah هو أحد معلمي المشناه (تنائيم) . كان من أكبر علماء عصره، ولكنه ارتد عن اليهودية. وكان يُشار إليه بأنه «آحير» أي «شخص آخر» (أي كافر) ، وُلد قبل عام 70 ميلادية، واستهوته الحضارة الهيلينية تماماً، وربما كان هذا ما أدَّى إلى ارتداده عن اليهودية. وقد كان إليشع يتعمد خرق الشريعة اليهودية، بل يُقال إنه، أثناء حكم هادريان، اشترك في الإخبار عن أولئك اليهود الذين لم ينفذوا تعاليم الإمبراطور. وهناك عدة نظريات لتفسير ارتداده، فهناك نظرية تقول إنه كان من أتباع فيلون، وهناك نظرية أخرى ترى أنه كان غنوصياً، ولعله كان قد اعتنق المسيحية. ولكن من الصعب أن نحدِّد ماذا حدث بالضبط، لأن جميع المصادر التي تتحدث عنه يهودية حاخامية. وعلى أية حال، فإن حياته قد أثَّرت في مفكري حركة التنوير، وهو الشخصية الأساسية في عديد من الروايات التي كُتبت في تلك الفترة. وقد كتب المفكر الصهيوني بيرديشفسكي دراسة عنه، يعتبره ليلينبلوم من أبرز الشخصيات التنويرية في مقابل حاخامات عصره. الشُرَّاح (أمورائيم) (200-500) Amoraim «الشُرَّاح» هي المقابل العربي لكلمة «أمورائيم» وهي صيغة جمع عبرية لكلمة «أمورائي» آرامية الأصل التي تعني «متكلِّم» أو «شارح» أو «مفسر» . والأمورائيم، أي «الشراح» ، هم علماء الحلقات الفقهية التلمودية في فلسطين (طبرية وقيصرية وصفورية) وفي بابل (سورا وبومبديثا ونهاردعه) في الفترة بين القرنين الثالث والسادس الميلاديين، لكن مكانة علماء فلسطين كانت قد هبطت بعد القرن الرابع. والشراح هم خلفاء معلمي المشناه (تنائيم) الذين كتبوا المشناه، ولا توجد اختلافات حقيقية بين الفريقين. بل تعاون الفريقان في كتابة تفسيرات عديدة للمشناه، وفي التعليق على حواشيها المعتمدة. وتطور الأمر بحيث صارت شروحهم في منزلة المتن نفسه، وقد تم تسجيل أقوالهم في ما يعرف بالجماراه. وقد كتب الشراح شروحهم بلهجات آرامية عديدة، بداخلها بضعة نصوص عبرية. وهناك، على الأقل، ألف ومائتان وخمسون من الشراح (أربعة أجيال في فلسطين وستة في بابل) معروفون لنا بالاسم. وكان العالم الشارح في فلسطين يحمل لقب «رابي» . أما في بابل، فكان يحمل لقب «راف» ، أو «مار» . وظهور الشراح، ومن بعدهم الفقهاء (جاءونيم) ، تنفيذ عملي لفلسفة يوحنان بن زكاي، القائلة بأن اليهودية كدين يمكنها أن تحيا خارج فلسطين. آشي (333-427) Ashi وُلد في بابل ويُعرَف باسم «رابانا» أي «معلمنا» ، وهو من الشراح (أمورائيم) . وقد كان آشي يُعَدُّ المحرر الأساسي للتلمود البابلي، لكن الرأي السائد الآن أنه بدأ (فقط) هذه العملية التي استمرت بعده حتى انتهت مع بدايات المفسرين (صبورائيم) . المفسرون (صبورائيم) (500-700) Saboraim «المفسرون» تقابل الكلمة العبرية «صبورائيم» التي تعني «الشراح» وهم المتأملون في أقوال السلف أو الأساتذة الشارحون المناطقة، أي «المفسرون» . وتشير الكلمة إلى العلماء اليهود الذين اشتركوا في المرحلة الأخيرة في جمع الأقوال والأحكام التي شكلت التلمود. وقد امتد نشاطهم في بابل طيلة القرن السادس حتى القرن الثامن، أي أنهم جاءوا بعد معلمي المشناه (أمورائيم) وقبل الفقهاء (جاءونيم) . ولم يُصدر المفسرون (صبورائيم) أية تشريعات جديدة، وإنما قاموا باستخراج تضمينات التشريعات القديمة على التلمود وتنظيم أبوابه وفصوله بالشكل المعروف إلى يومنا هذا. وينسب إليهم بعض العلماء وضع بعض نصوصه وحسب. الفقهاء) جاءونيم) (589 حتى القرن الثالث عشر) Geonim «الفقهاء» هي المقابل العربي لكلمة «جاءونيم» العبرية ومفردها «جاءون» ، وتعني حرفياً «الأفخم» أو «المعظم» ، أو تعني «نيافة» أو «سمو» ، وتقابلها في العربية «فقيه» أو «إمام» . وكان يُشار إلى الجاءونيم أيضاً باسم «ريش مثيبتاه» أي «رأس المثيبة» (أصلها كلمة «مثيبتا» الآرامية والتي تقابل كلمة «يشيفا» . وتُستخدَم الكلمة للإشارة إلى رؤساء الحلقات الفقهية التلمودية الأساسية في بابل (سورا وبومبديثا) . وقد كانوا يُعَدُّون، نظرياً على الأقل، الرؤساء الروحيين ليهود العالم، وذلك من أواخر القرن السادس حتى أواخر القرن الثالث عشر وربما حتى القرن الرابع عشر. وفي فلسطين، كان رئيس الحلقة يحمل لقب «جاءون» . ويرى اليهود أن الفقهاء (جاءونيم) هم خلفاء أعضاء السنهدرين. وقد كان العلماء يجتمعون فيما كان يُسمَّى «الكالا» ، حيث كان يشكل حوالي سبعين من الفقهاء ما يشبه السنهدرين، ويترأسهم جاءون سورا، فيتدارسون القضايا المطروحة ويناقشونها، ويصدرون بشأنها الفتاوى، وقد كان يحضر الاجتماعات فقهاء ليسوا أعضاء في الحلقات التلمودية، وكذا بعض الأفراد من غير رجال الدين. وكان يتم اختيار الجاءون بالانتخاب، ولكن عادةً ما كان يتم ترشيح أبناء عدد محدود من العائلات. كما أن تصديق رأس الجالوت (المنفى) على الانتخاب كان ضرورياً (وكان الجاءون بدوره يشارك في اختيار رأس الجالوت) . وكان الأمر، بطبيعة الحال، خاضعاً لسلطة الخليفة (أمير المؤمنين) الذي كان يُصدِّق على هذا الاختيار ويتلو قراره قاضي القضاة. وفي أحد هذه القرارات، جاء ما يلي لتحديد مهام الجاءون: «رتبتك زعيماً على أهل ملتك من أهل دينك ... لتأخذهم بحدود دينهم وتأمرهم بما أُمروا به في شريعتهم وتنهاهم عما نُهوا عنه في شريعتهم وتفصل بينهم في وقائعهم وخصوماتهم بموجب شريعتهم» . وقد انصب اهتمام الفقهاء (جاءونيم) على تفسير الشريعة. وهم، بهذا، استمرار للكتبة (سوفريم) ومعلمي المشناه (تنائيم) والشراح (أمورائيم) . وقد ساهموا في تطوير القانون التلمودي عن طريق إصدار فتاوى يستفيد منها اليهود خارج بابل. وقد تأثروا في تصنيفاتهم الفقهية، وفي فتاواهم، بالفتاوى والتصنيفات الإسلامية. وكانت لغة مؤلفاتهم هي الآرامية والعربية وأحياناً العبرية. وكان ثمة تنافس بين جاءون فلسطين وجاءون العراق في بداية الأمر (وكان هناك في القاهرة، على سبيل المثال، معبدان يتبع أحدهما العراق ويتبع الآخر فلسطين) . لكن حلقات العراق الفقهية هي التي أحرزت قصب السبق في نهاية الأمر، وأصبحت هي المعتَرف بتفوقها. ولكن مكانتها تدهورت هي الأخرى بعد ظهور حلقات فقهية تخدم حاجات الجماعات اليهودية المختلفة في العالم. وكثيراً ما كان أثرياء اليهود يموِّلون الحلقات الفقهية المحلية حتى لا يظل مركز الإفتاء والسلطة في العراق في يد جماعة دينية مستقلة عنهم لا تمثل مصالحهم ورؤيتهم. ولكن السبب الأساسي لتدهور حلقات العراق هو ظهور الحلقات المستقلة في الغرب. ويُعَدُّ عام 1038 تاريخ نهاية المرحلة الجاءونية. وكان الجاءون (رئيس حلقة سورا) يشارك رأس الجالوت (في بغداد) السلطات، فكان الأول يُعَدُّ الرئيس الديني والثاني الرئيس الدنيوي، وكانت المحاكم الشرعية تابعة للجاءون. وقد كانا، مع هذا، يشتركان في تعيين القضاة الشرعيين. ويبدو أن الرشوة كانت تلعب دوراً أساسياً في هذه العملية. ونظراً لعدم تحديد نطاق سلطة ونفوذ كل منهما، ونظراً لاتساع هذا النفوذ وضيقه من فترة زمنية إلى أخرى، فقد كانت تنشب صراعات حادة وطويلة بين الطرفين. وكان رأس الجالوت يتحالف أحياناً مع جاءون إحدى الحلقات ضد جاءون الحلقة الأخرى، وكان رؤساء الحلقات بدورهم يتحدون رأس الجالوت. ومن أشهر الفقهاء (جاءون) سعيد بن يوسف الفيومي، الذي يُعَدُّ صراعه مع رأس الجالوت داود بن زكاي، لمدة أربع سنوات، من أشهر الخلافات في هذا المجال. وقد قام رأس الجالوت بتطبيق قرار الطرد من حظيرة الدين (حيريم) على سعيد بن يوسف. سعيد بن يوسف الفيومي (سعديا جاءون) (883-943) Said Ben Joseph al-Fayyumi (Saadiah Gaon) ويُدعى أيضاً «سعديا جاءون» . وُلد في مصر (في قرية أبو صوير بالفيوم) ، وتلقى في قريته تعليماً عربياً فتوفر له العديد من المعارف العربية الإسلامية في عصره، كما درس الكتاب المقدَّس والتلمود، ثم توجَّه إلى فلسطين حيث أكمل دراسته. وقد بدأ في وضع مؤلفاته في سن مبكرة، فذاعت شهرته. وحينما ذهب إلى العراق، عُيِّن في حلقة سورا التلمودية. وتعود أهمية سعيد بن يوسف إلى أنه ظهر في وقت كانت اليهودية الحاخامية تعاني فيه أزمة حقيقية، نتيجة انتشار الإسلام وازدهار الحضارة الإسلامية بكل معارفها بوتيرة سريعة، الأمر الذي أدَّى بالكثير من اليهود إلى اعتناق الدين الجديد، أو الشك في دينهم، أو محاولة إصلاحه، كما يتبدَّى في اليهودية القرّائية التي رفضت التلمود ومفهوم الشريعة الشفوية. ومن مظاهر هذه الأزمة أيضاً إعلان الحاخام هارون بن مائير عام 921 أن التقويم اليهودي الذي تصدره حلقات العراق خاطئ، محاولاً بذلك تأكيده أهمية المركز الفلسطيني مقابل المركز العراقي. ومن هنا، فقد أصدر الحاخام هارون تقويماً فلسطينياً، الأمر الذي أدَّى إلى انقسام الجماعات اليهودية، فكان الاحتفال بالأعياد يتم في أيام مختلفة. وقد تمكَّن سعيد من الرد على قيادة المركز الفلسطيني استناداً إلى معرفته بعلم الفلك. وقد كانت حياة سعيد عاصفة، فبعد استقراره في العراق عُيِّن رئيساً (جاءون) لحلقة سورا التلمودية، ثم نشبت معركة بينه وبين رأس الجالوت. وقد ألَّف في هذه المرحلة كتاب الأمانات والاعتقادات الذي ألَّفه بالعربية (ثم تُرجم إلى العبرية فيما بعد بعنوان أمونوت وديعوت) ، وهو كتاب يهدف إلى الرد على القرّائين، وإلى جعل اليهودية عقيدة مقبولة لليهود المتعلمين من خلال تقديم تفسير عقلاني لها. ويبدو أنه كان يهدف أيضاً إلى تقديم عقائد اليهودية للعالم الإسلامي، فاتبع في مؤلفه هذا أسلوب المتكلمين الإسلاميين ومنهجهم، كما مزج التوراة بالحكمة اليونانية حسب قواعد علم الكلام، وقد كان سعيد بن يوسف يرى أنه لا يوجد أي صراع بين العقل والوحي. كان سعيد بن يوسف جزءاً من الخطاب الحضاري العربي الإسلامي ولذا فلم يكن يجد أي حرج في الإشارة للتوراة باعتبارها «الشريعة» وللعهد القديم باعتباره «قرآناً» ، والاتجاه نحو القدس أثناء الصلاة بأنه «قبلة» ، أما المرتل «حزان» فكان يشير له بأنه «الإمام» . ويُعَدُّ سعيد أول من وضع فلسفة دينية يهودية متكاملة حول أسس العقيدة اليهودية، فقد كانت هذه العقيدة من قبل مجموعة من الممارسات والفتاوى التي تَصدُر حسب الحاجة. وقد لخص سعيد العقيدة اليهودية في تسعة مبادئ (الإله خلق العالم من العدم ـ الإيمان بوحدة الإله وعدالته ـ حرية الإرادة ـ الثواب والعقاب ـ خلود الروح ـ البعث ـ خلاص يسرائيل ـ الخلود في الآخرة ـ صفات الإله مطابقة لذاته ولا يمكن فصلها) . وفي هذا، وفي غيره من الأفكار، يتضح تأثير الفكر الديني الإسلامي بشكل عام والمعتزلة بوجه خاص، وبخاصة في قبولهم خمسة مبادئ عُرفت باسم «الأصول» : التوحيد ـ العدل ـ الوعد والوعيد (أي الثواب والعقاب) ـ المنزلة بين المنزلين ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والإله ـ حسب تصوُّر سعيد الفيومي ـ هو وحده مصدر الحق، ولكن الحق الذي يرسل به يتفق مع ما قد يتوصل إليه العقل. وقد أكد سعيد بن يوسف أن الإيمان بعقيدة موسى لا يستند إلى الإيمان بالمعجزات التي أتى بها، وإنما يستند إلى الإيمان بالقيمة الأخلاقية الذاتية لهذه العقيدة. وقسَّم سعيد وصايا اليهود إلى وصايا أخلاقية وأخرى احتفالية امتزجت معاً، الأمر الذي يعطي ـ في تصوُّره ـ مزية تنفرد بها تجربة اليهود الدينية. وسعيد بن يوسف هو أول من ترجم العهد القديم إلى العربية، كما كتب تفسيراً لمعظم أجزائه، وهو ما جعله متاحاً للجماهير اليهودية التي كانت لا تعرف العبرية. ويُعَدُّ سعيد من أوائل الذين درسوا اللغة العبرية دراسة منهجية. كما أنه نظم بعض الأشعار للصلوات اليهودية وألَّف كتاب صلوات يهودية (سدور) . أصحاب الشروح الإضافية (توسافوت) Tosaphot «الشروح الإضافية» أو التذييلات» هي المقابل العربي لمصطلح «توسافوت» وهي كلمة عبرية تعني «إضافة» ، وهي ملاحظات على التلمود كتبها بعض حاخامات ألمانيا وفرنسا بين القرنين الثاني عشر والرابع عشر ويبلغ عددهم ثلاثمائة، من أهمهم الحاخامات إسحق وصمويل ويعقوب أولاد مائير أحفاد راشي. ويُطلَق عليهم «بعلي توسافوت» أي «أصحاب التوسافوت» . وقد بدأوا هذا العمل كتعليق نقدي على تعليقات راشي على التلمود. وقد تناولت التوسافوت نصوص التلمود مثلما تناول كتَّاب الجماراه المشناه، فأخذوا يقارنون بين النصوص المختلفة ويصلون إلى تخريجات تشريعية جديدة مختلفة عن تخريجات راشي. جيرشوم بن يهودا (960-1040) Gershom Ben Yehuda هو أحد العلماء التلموديين في فرنسا وألمانيا، ويُعَد أهم المفكرين الدينيين اليهود بلا منازع في عصره. وقد وُصف بأنه «مائور هاجولاه» (نور الشتات أو المنفى) . أسَّس جيرشوم بن يهودا مدرسته التلمودية العليا في ماينس (ألمانيا) حيث درس كثير من الطلاب اليهود من فرنسا وإيطاليا والبلاد السلافية، وكان أساتذة راشي من بين تلاميذه. وقد أدَّى ذيوع صيته ( «الفرنسي في بلاد الألمان» كما كان يُطلَق عليه) إلى انحسار نفوذ المؤسسة الحاخامية في فلسطين والعراق. وقد كتب بن يهودا تفسيراً على بعض أسفار التلمود التي تم ضمها إلى طبعة فلنا، كما أن له العديد من الفتاوى المهمة. وتعود أهمية جيرشوم بن يهودا إلى نشاطه التشريعي، إذ دعا إلى عقد مجمع يهودي (عام 1000) ، وأصدر (أحكام الحاخام جيرشوم) والتي تتناول الحياة الاجتماعية والعائلية، والتي كان يعدها اليهود في منزلة تعاليم سيناء. وكان من بين هذه الأحكام منع تعدُّد الزوجات، وضرورة موافقة الزوجة على الطلاق، وحق اليهودي المظلوم في أن يمتنع عن الصلاة في المعبد إلى أن ينال حقوقه، وتحريم الإساءة إلى اليهود الذين تنصروا ثم عادوا إلى اليهودية. ولم تكن حياة جيرشوم بن يهودا بلا منغصات، فقد تنصر ابنه عام 1012، حينما أصدر هنري الثاني أمراً بطرد اليهود من ماينس. وحتى بعد أن ألغى قرار الطرد، ظل ابنه على دينه الجديد ومات مسيحياً. راشي (1040-1105) Rashi «راشي» اختصار لاسم الحاخام «رابي شلومو بن يتسحاق» ، وهو من أشهر المعلقين والمفسرين الإشكناز للتلمود، وكان رئيس إحدى المدارس التلمودية. وقد وُلد راشي في فرنسا حيث اشتغل بتجارة الخمور، وكان ملماً بالمصادر الدينية اليهودية السابقة عليه وإن كان لا يشير إليها، كما كان يعتمد على ترجمة أونكيلوس الآرامي في تفسير أسفار موسى الخمسة. وقد كتب راشي تفسيراً لمعظم كتب العهد القديم، يجمع بين المنهجين المجازي والحرفي بكل يُسر ووضوح. كما كتب تفسيراً للتلمود، وحقق نصه، وعرَّف مصطلحاته، وشرح مفرداته الصعبة، ويُعَدُّ هذا من أهم أعماله. وله أسلوب خاص في رسم الخطوط يُعرَف باسمه استخدمه في كتابة الشروح والحواشي على التوراة وأسفار العهد القديم. ولم يتأثر راشي كثيراً بالأفكار الفلسفية السائدة في عصره، ولم يُعرْها بالاً، كما أن القضايا النقدية الخاصة بالنصوص لم تستحوذ على اهتمامه. ومما يُلاحَظ، تأثره العميق، في أحكامه الدينية، بالعلاقات الإقطاعية السائدة في أوربا آنذاك. وقد كان راشي يورد دائماً المرادف الفرنسي للمصطلحات التي يستخدمها بحروف عبرية مضبوطة (لهجة لُعز) ، ولذلك فقد أصبحت أعماله مصدراً مهماً لدراسة نطق فرنسية العصور الوسطى. وتُعَدُّ أعمال راشي الأساس الذي استند إليه نحمانيدس وابن عزرا في تفاسيرهما. ابن فاقودة (1050-1120) Ibn Pakuda هو باهي يوسف بن فاقودة. مفكر ديني يهودي وُلد في سرقسطة بإسبانيا الإسلامية، وكان قاضياً شرعياً. أهم كتبه الهداية إلى فرائض القلوب والتنبيه إلى لوازم الضمير وهو بالعربية وتُرجم إلى العبرية. وقيل إنه أول كتاب في الفلسفة اليهودية الأخلاقية، وهو صورة من الكتب الأخلاقية الإسلامية يؤكد فيه الكاتب أهمية فرائض القلوب: الثقة في الإله، والتواضع، والزهد والشكر للإله، والتوبة عما يغضبه. وكلها خطوات تؤدي في نهاية الأمر إلى الحب الخالص للإله. وفرائض القلوب عنده لا تقل أهمية عن الشعائر أو الفرائض الجسمانية. وقد تأثَّر في فلسفته بالأفلاطونية الحديثة وبالمتصوفين المسلمين. وقد ذاع الكتاب وترك أثراً عميقاً في المتصوفين والمفكرين الأخلاقيين اليهود. ابن داود (1110-1180) Ibn David هو إبراهيم بن داود. مفكر ديني يهودي عاش في إسبانيا الإسلامية. أهم مؤلفاته هو العقيدة الرفيعة الذي كتبه بالعربية ثم تُرجم إلى العبرية (وأصله العربي مفقود) . ويُعتبَر كتابه هذا أول الكتب اليهودية التي كُتبت داخل إطار الفلسفة الأرسطية والفلسفة العربية الإسلامية، وخصوصاً فلسفة ابن سينا. يذهب ابن داود إلى أن التوراة كتاب يحوي كل شيء، لكن المعرفة التي يطرحها لم تتيسر لغير اليهود إلا بعد آلاف السنين. ويدافع ابن داود عن حرية الإنسان، ويحاول أن يحل مشاكل الاختيار والجبر فيذهب إلى أن الإله شاء أن يضع حدوداً على إرادته وعلى مقدرته المطلقة حتى يخلق رقعة من الحرية للإنسان. ومن ثم، فإن الخالق لا يعرف نتائج فعل الإنسان، فالممكن عند الخالق يظل ممكناً من غير أن ينتقص ذلك من قدرة الخالق وإرادته. كذلك ألَّف ابن داود كتاباً بالعبرية بعنوان سفر هاقبَّالاه، أي كتاب التراث، حاول فيه أن يسرد تاريخ علماء التلمود حتى عصره، وكتب فيه أيضاً تاريخاً قصيراً للفترة الهيلينية التي يُطلق عليها أيضاً «فترة الهيكل الثاني» . موسى بن نحمان (نحمانيدس) (1194-1270) Moses Ben Nahman (Nahmanides) ويُعرف أيضاً باسمه اللاتيني «نحمانيدس» وباسم «رامبان» . وهو أحد كبار حاخامات اليهود، وكان حاخام جيرونا في أراجون (إسبانيا) . وكان يُعَد أكثر علماء اليهود اطلاعاً وثقافة في عصره، وقد كتب تعليقات على التلمود كما كتب دراسة قبَّالية في مراسم الحداد. وعارض موسى ابن نحمان دراسة الفلسفة، ولكنه طالب بعدم تحريم دراسة كتابات موسى بن ميمون. وقد استقر نحمانيدس في فلسطين عام 1267 حيث كتب تعليقاً على العهد القديم يعتمد أساساً على العقل، وإن لم يستبعد القبَّالاه تماماً. وقد كان موسى بن نحمان من أوائل المفكرين القبَّاليين الذين نادوا بتناسخ الأرواح، فأعطى الفكر القبَّالي شرعية، وهو ما ساهم في ذيوعه وهيمنته فيما بعد على الفكر الديني اليهودي. بن جرشون (1288-1344) Ben Gershon هو لاوي بن جرشون، ويُعرَف أيضاً باسمه اللاتيني «جيرسونيدس» . كان عالماً في الدين اليهودي، كما كان عالماً في الرياضيات والفلك. عاش في بروفانس بفرنسا، وتأثر بكتابات أرسطو من خلال تعليقات ابن رشد. أهم مؤلفاته سفر ملاحم الرب. ويُعَدُّ بن جرشون من أهم الكُتَّاب الأرسطيين اليهود الذين اتخذوا موقفاً عقلانياً كاملاً. ولذا، فإننا نجد أن الإله في كتاباته مفارق تماماً للعالم منفصل عنه بعيد عن أحداث العالم الجزئية وعن البشر كأفراد. والدليل الوحيد على وجود الخالق هو كمال الطبيعة. ومن هنا، يُقال إن بن جرشون أول مفكر ربوبي. وصل بن جرشون بكثير من مقولات موسى بن ميمون إلى نهايتها المنطقية. فالخلود مسألة عقلية، ولذا فإن عقل الإنسان هو وحده الذي يُبعَث بعد الموت. والعناية الإلهية تتوقف أيضاً على العقل البشري، فكلما ازداد العقل إحاطة بالمبادئ الكونية شملته العناية الإلهية، والنبوة إن هي إلا مَلَكة عقلية وقدرة على الاتصال بالعقل الكوني. ويرى بن جرشون أن الإنسان يصل إلى النبوة دون إرادة الإله أي من خلال المران العقلي. والإله هو الصلة الأولى والفكرة الأسمى. والعالم مخلوق من مادة قديمة وليس من العدم، إلا أن قدم هذه المادة لا يعني أنها متجاوزة الزمن، وما دامت حدود فعاليتها داخل العالم المخلوق، فإنها تكون قديمة ولكنها خاضعة للزمن. ومع ذلك، إذا كانت المادة قديمة بشكل ما، وكانت الصور وحدها تَصدُر عن الإله، فإن الإله لا يستطيع معرفة المخلوقات العديدة التي تُولَد من اتحاد الصورة مع المادة، بمعنى أن الإله يعرف العام وحده ولا يعرف الجزئي من حيث هو جزئي، ويعني هذا أن هناك قدراً من الحرية للإنسان إذ أن الجزئي يخرج عن نطاق العلم الإلهي. ويقتصر العقل الإلهي عند ابن جرشون على خلق ما يسميه «العقول المفارقة» ، وهي مخلوقات لا مادية تفيض منها الصور على العالم المادي، وحالما تُخَلق هذه العقول تتولى حكم العالم، وهي لا تدير نظام الطبيعة العادي فحسب بل هي تصنع أيضاً النبوة والعناية الإلهية وحتى المعجزات. ولكن المعجزات هنا تتبع نمطاً وقانوناً خاصّين، ولكنهما مع هذا يظلان قانوناً ونمطاً للحالات النادرة. ويُلاحَظ الاتجاه الغنوصي في فكر ابن جرشون، كما يُلاحَظ كذلك التقارب الشديد بين فكره وفكر ابن رشد من ناحية وفكر إسبينوزا من ناحية أخرى. قريشقش (1340-1410) Crescas هو حسداي قريشقش ( «كريسكاس» بالنطق اللاتيني) . عالم ديني يهودي كان يعيش في برشلونة حيث عمل تاجراً ورئيساً للجماعة اليهودية، وكان حاخام البلاط في أراجون. اندلعتْ المظاهرات ضد اليهود في برشلونة عام 1391، فتنصرت على أثرها أعداد كبيرة منهم، كما قُتل ابنه أثناء المظاهرات، فانتقل إلى سرقسطة وألف في آخر أيامه كتاب نور الله (أور أدوناي) . ويهدف الكتاب إلى توضيح عقائد اليهودية ومعارضة ابن ميمون والرد على الفلسفة الدينية اليهودية المتأثرة بأرسطو والفلسفة الإسلامية. ولقد تعرَّض الكتاب للفارابي وابن سينا والغزالي، وكان شديد النقد لابن رشد. يرفض قريشقش عالم أرسطو المغلق المحدَّد حيث لا يمكن أن يوجد فراغ في المكان، ويطرح بدلاً منه عالماً مفتوحاً يوجد فيه فراغ لا يشغله جسم. وينكر قريشقش أيضاً فكرة أرسطو الخاصة برفض الأعداد اللانهائية، ويذهب إلى أنه حتى لو لم توجد أعداد لا نهائية فإن سلاسل لا نهائية من الأعداد سوف تكون موجودة، وإن كان هذا ممكناً فإن سلسلة السببية يمكن أن تكون هي الأخرى لا نهائية أيضاً. ولذا، يذهب قريشقش إلى أنه، بغض النظر عن كون عدد الأسباب محدوداً، لابد أن يكون هناك سبب ليس بنتيجة، وهذا هو الإله. ويختلف قريشقش عن الأرسطيين في أنه لا يرى أن العقل هو جوهر الإله والإنسان، ويصرُّ بدلاً من ذلك على أن الخير لا الفكر هو أساس كيان الإله وكل صفاته الأخرى، فهو يفيض بالخير دائماً. كما أن الروح يمكنها أن تنفصل عن الجسد وأن تُنفَى إلى الأبد بغض النظر عما حصل عليه الفرد من معرفة نظرية. كما أن السعادة لا تأتي من العقل وإنما من العاطفة، والفرح ليس مجرد الحصول على المعرفة وإنما ينبع من حب الإنسان للإله. وهنا يعبِّر فرح الإله عن نفسه فيما يفيض عنه من حب لمخلوقاته على عكس الموقف الأرسطي الذي يرى أن العاطفة تقلل من شأن الإله. وحينما ناقش قريشقش فكرة حرية الإرادة، ذهب إلى أن أفعال الإنسان تحدِّدها الأسباب المحيطة به كما هو الحال مع كل الأشياء، فالإنسان مسيَّر بالأسباب التي تقع خارجه. ومع هذا أصرَّ قريشقش على مسئولية الإنسان عن أفعاله. وناقش قريشقش أصول الدين اليهودي وجعلها ثمانية بدلاً من الثلاثة عشر أصلاً التي خرَّّجها موسى بن ميمون. جوزيف كارو (1488-1575) Joseph Caro أحد العلماء الدينيين اليهود. وُلد في إسبانيا، وطُرد منها مع من طُرد من اليهود والمسلمين عام 1492، ثم استقر به المقام في البلقان عام 1498، ثم في فلسطين عام 1535 حيث أسس مدرسة تلمودية في صفد. وقد ألَّف، وهو لا يزال في البلقان، كتاب بيت يوسف، وهو تعليق تفصيلي على المشناه. وقد لاحظ كارو التناقض بين الممارسات الدينية ليهود الدولة العثمانية، نظراً لتنوع انتماءاتهم، وتنبه إلى أن ظهور الطباعة سيشيع هذه التناقضات ومن ثم سيزيد الفوضى. ولذا، قرر أن يُعد كتاباً أصغر حجماً من كتابه السابق، لا يضم الآراء المختلفة والأحكام المتناقضة، وإنما يضم الأحكام الملزمة وحسب، حتى يوفر للدارسين والقضاة مرشداً واضحاً وحاسماً للشريعة. وكان ثمرة جهده كتاب الشولحان عاروخ (المائدة المنضودة) وهو المرجع الفقهي والشرعي الأساسي لليهود منذ تاريخ ظهوره عام 1564. وقد قابل الحاخامات الإشكناز هذا المُصنَّف الديني بمعارضة شديدة في بادئ الأمر لاعتماده على التقاليد والآراء السفاردية وحسب، ولكن الشولحان عاروخ فرض نفسه مع هذا وصار الكتاب المعتمد لليهود الأرثوذكس جميعاً، وخصوصاً بعد إضافة حواش إشكنازية إليه. وكان كارو من المهتمين بالقبَّالاه، وكان يدَّعي أن ملاكاً يفضي إليه بالأسرار الدينية. موسى إيسيرليز (1525-1672) Moses Isserles حاخام بولندي وواضع واحد من أهم المصنفات الدينية اليهودية، كان أبوه تاجراً ثرياً وأحد الشخصيات المهمة بين أعضاء الجماعة اليهودية في كراكوف (بولندا) . وقد أسَّس إيسيرليز (أويسرائيليتش) مدرسة تلمودية في كراكوف وعُيِّن حاخاماً فيها، وهو منصب ظل يشغله حتى وفاته. اشتهر بفتاواه، وخصوصاً تلك الفتاوى التي كان يصدرها للتخفيف عن الفقراء، كما كان من الحاخامات الذين أصدروا فتوى بتحريم أعمال موسى بن ميمون. وقد كتب تعليقات عديدة على العهد القديم وتراث الشريعة الشفوية، ولكن شهرته تعود إلى تعليقاته على ما كتبه معاصره جوزيف كارو. فقد ألف هذا الأخير كتاب بيت يوسف، وهو عمل موسوعي شامل في الشريعة اليهودية من منظور سفاردي، فكتب موسى إيسيرليز تعليقاً ونقداً لهذا الكتاب بعنوان دراخي موشى (طُرُق موسى) أكد فيه المنهاج الإشكنازي. ويبدو أن إيسيرليز يرى أن المنهاج أو العرف السائد يَجُّب الشريعة، وأنه يجْب اتباع العرف حتى لو لم يكن له سند في الشريعة. وحينما وضع جوزيف كارو ملخصاً لكتابه بعنوان الشولحان عاروخ (أي المائدة المنضودة) وذاعت شهرته، وضع إيسيرليز كتاباً بعنوان ماباه (أي المفرش) يضم الآراء والممارسات الإشكنازية في الموضوع نفسه. وقد ظل الشولحان عاروخ وماباه، منذ تاريخ نشرهما، العمود الفقري لليهودية الأرثوذكسية. وقد كتب الحاخام حاييم بتسلنيل نقداً لأعمال إيسيرليز يُعَدُّ نموذجاً جيداً للحوار بين حاخامات اليهود في أوربا في القرن الثامن عشر. وقد عدَّد بيزاليل نقاط اعتراضه فيما يلي: 1 ـ يتبنى إيسيرليز أعراف (منهاج) آراء الحاخامات الأوائل (رشونيم) ويُفضلها على آراء الحاخامات المتأخرين (أحرونيم) . 2 ـ يورد إيسيرليز منهاج يهود بولندا، ويهمل منهاج يهود ألمانيا، ثم يسأل: لماذا يجب على يهود ألمانيا أن يتخلوا عن منهاجهم لصالح منهاج يهود بولندا؟ 3 ـ قد يؤدي مصنف إيسيرليز إلى إهمال دراسة الأعمال الفقهية الأصلية والتلمود وآراء الحاخامات الأوائل الأمر الذي يؤدي إلى الجهل بأحكام الدين اليهودي. 4 ـ لن يلتفت عامة الناس لآراء الحاخامات لأنهم سيعتمدون على الكتب المنشورة. 5 ـ ولأن إيسيرليز قد عبَّر عن اختلافه مع أحكام كارو، فبإمكان الآخرين أن يعبِّروا هم أيضاً عن اختلافهم معه، الأمر الذي قد يبدأ سلسلة طويلة من الاختلافات معه. 6 ـ لم يحتكم إيسيرليز إلى أحكام الحاخامات الآخرين، واعتمد على أحكامه هو. 7 ـ أظهر إيسيرليز التسامح في مواضع تشددت فيها الشريعة. 8 ـ إن تم تحريم شيء، فإن ذلك كان يبقى عرفاً ومن ثم لا يمكن إلغاؤه، ومع هذا فقد تهاون إيسيرليز في هذا الأمر. والواقع أن هذه الاعترضات تبيِّن أن الجو الذي ساد الأوساط الحاخامية في شرق أوربا كان خانقاً، وجعل من المستحيل على اليهودي أن يصبح يهودياً وإنساناً في الوقت نفسه على حد قول أحد دعاة الاستنارة. ويبيِّن رد الحاخام بيزاليل مدى الجفاف الروحي والعقم الفكري الذي ساد الدراسات الفقهية كما أدَّى إلى ظهور الحسيدية بنزعتها المعادية تماماً للعقل. ليون دي مودينا (1571-1648) Leon De Modena حاخام، وواعظ، وشاعر، ومغن في المعبد (حزان) ، ومُصحِّح. وضع في صباه كتاباً يُسمَّى تحاش المَيْسر، وهو، أي المَيْسر، عادة مارسها بشدة في شبابه ورجولته وكانت سبباً في مشاكله المالية، ومن هنا كان تعدُّد الوظائف التي اضطر إلى العمل فيها لسداد ديونه. مات أولاده الواحد تلو الآخر ثم جُنَّت زوجته وماتت هي الأخرى. نشر عدة كتب في حياته ليست لها أهمية كبيرة، ولكن الكتب التي نُشرت بعد وفاته تكتسب أهميتها من أنها تشكل هجوماً مبكراً على القبَّالاه وكتاب الزوهار. ألَّف كتاباً يُدعى قول ساخال، أي صوت الأحمق، هاجم فيه بحدة الشريعة الشفوية والتقاليد اليهودية، واعترض على الشرائع اليهودية التي كانت تحتاج إلى الإصلاح فاقترح إلغاء العديد من الشعائر والتخفيف من صرامة شعائر السبت والأعياد كما اقترح إلغاء أو تبسيط قوانين الطعام ورفع الحظر عن شرب الخمر مع الأغيار. ويُعَدُّ نقده أهم نقد للشريعة اليهودية حتى القرن التاسع عشر الميلادي حين ظهرت اليهودية الإصلاحية. أورييل أكوستا (1585-1640) Uriel Acosta اسمه الأصلي جبريل داكوستا، ثم اتخذ هذا الاسم صيغة لاتينية، فصار «أورييل أكوستا» . وهو يهودي من أصل ماراني، أي يهودي ومن أسرة ثرية من يهود إسبانيا المتخفين أظهرت يهوديتها بعد أن استقرت في أمستردام. وهو، مثل كثير من اليهود المارانو، كان يجهل حقيقة اليهودية الحاخامية التلمودية، ولذا فقد صبغها بصبغة عقلانية مثالية متصوراً أنها عقيدة تستند إلى نصوص العهد القديم وحسب وغير متأثرة بالتلمود (أي أنها يهودية توراتية موسوية) . ولكنه، بعد استقراره هو وعائلته في أمستردام، أُصيب بصدمة عنيفة إذ وجد العقيدة اليهودية الحاخامية أو التلمودية شيئاً مخالفاً تماماً لتصوراته، فأعلن معارضته لها واتهم الحاخامات بتحريف العقيدة. وبدأ حركة تفسير الكتاب المقدَّس تفسيراً تاريخياً يبين تناقضاته، فشكك في صدق نسبة النصوص التوراتية إلى الإله أو حتى صدورها عن أولئك الذين تُنسَب إليهم. فأسفار موسى الخمسة، حسب رأيه، لم يكتبها موسى. كما أن سفر يوشع لم يكتبه يوشع، وهكذا. وأنكر كوستا صدق التراث المنقول لتعارُضه مع المعقول، ونفى أن يكون هناك نص في التوراة عن خلود النفس أو البعث أو الجزاء، وأكد أن ذلك من افتعال الفريسيين. ولذا، فإنه يُعَدُّ من أهم نقاد العهد القديم. وقد طُرد كوستا من حظيرة الدين مرتين، ولم تُقبَل توبته في المرة الثانية إلا بعد جَلْده وبعد أن داسه المصلون أمام المعبد، فأحس بالمذلة وانتحر بعد أن كتب سيرته الذاتية بعنوان مثل لحياة إنسان طالب فيها برفض المسيحية واليهودية وتَقبُّل القانون الطبيعي. وهو بذلك من أوائل دعاة الربوبية، وقد تأثر إسبينوزا بسيرته وآرائه. جيكوب ساسبورتاس (1610-1698) Jacob Sasportas حاخام مغربي عُرف بعدائه الشديد للنزعة المشيحانية والشبتانية. عُيِّن حاخاماً لتلمسان في سن مبكرة، واعترف كثير من الجماعات اليهودية بعلمه وتفقهه. ولكن الحكومة طردته، فبدأ في التجول في ألمانيا وإيطاليا وإنجلترا. عُرض عليه منصب حاخام السفارد في لندن عام 1664 ولكنه ترك المدينة بسبب الوباء، وخصوصاً أن طموحه كان يتجه نحو حاخامية أمستردام، ولكنه لم يحصل عليها إلا عام 1693. تعود شهرة ساسبورتاس إلى مجموعة الخطابات التي كتبها رداً على الأدبيات الشبتانية في عصره. وقد نُشرت الخطابات ومعها الأدبيات الشبتانية، وهو ما جعل هذا الكتاب مصدراً أساسياً لدراسة الحركة الشبتانية إبان حياة شبتاي تسفي. ويُغطي العمل الفترة 1666 ـ 1676 ويدور النصف الأول من الخطابات حول عام 1666، ويتناول النصف الثاني تحوُّل تسفي إلى الإسلام وفشل الحركة الشبتانية. وينبع اعتراض ساسبورتاس على الحركة الشبتانية من إيمانه العميق بالشريعة ومعرفته الوثيقة بوصفها التفصيلي للعصر المشيحاني. ولذا كان بوسعه أن يُبيِّن الفروق الشاسعة بين ما كان يحدث في عصره والعصر المشيحاني الحقيقي. وقد لاحظ أن الحركة الشبتانية ثورة لا ضد المؤسسة الحاخامية وحسب وإنما ضد المعيارية اليهودية ككل. كما لاحظ بعض نقط التشابه بين الشبتانية والمسيحية. إلياهو بن سولومون زلمان (فقيه فلنا) (1720-1797) (Elijah Ben Solomon Zalman (The Vilna Gaon هو إلياهو زلمان الذي يشار إليه في الأدبيات الغربية بعبارة «فلنا جاءون» ، أي «جاءون أو فقيه فلنا» . وهو واحد من أهم علماء التلمود وُلد في ليتوانيا واشتهر منذ صغره بالعلم. تنقَّل في الفترة بين عامي 1740 و1745 بين كثير من التجمعات اليهودية في بولندا وألمانيا، واستقر في فلنا حيث درس فيها وأسس مدرسة تلمودية عليا (يشيفا) خاصة به. ومع أنه رفض منصب حاخام وعاش في عزلة، فإن شهرته كعالم تلموديّ فاقت كل وصف. وقد ظهرت سلطته بصورة واضحة عندما قاد معارضي الحسيدية في ليتوانيا، ونجح في الحد من انتشارها هناك، وهو يُعَدُّ زعيم المتنجديم. وعندما بلغ الستين من عمره، خرج فقيه فلنا قاصداً فلسطين، ولكنه (لأسباب لا تفصح عنها المراجع اليهودية) رجع دون أن يصل إلى هناك. وفي الواقع، فإن شهرته الأساسية تعود إلى دراساته في الشريعة وإلى أنه جدَّد الدراسات التلمودية من الداخل. ويُعَدُّ منهج فقيه فلنا أهم من مضمون كتاباته، فيُقال إنه بعث شيئاً من الحيوية في الدراسات التلمودية بالتخلي عن منهج البيلبول والطرق التقليدية، محاولاً الوصول إلى تفسير دقيق وتفصيلي يفرضه المعنى العقلي المباشر للنص. وقد أدَّى به هذا إلى توجيه النقد أحياناً إلى علماء العصر التلمودي نفسه. وقد أدَّت به اهتماماته إلى محاولة دراسة عدة فروع من المعرف الدنيوية، مثل: الجبر والفلك والجغرافيا ونحو العبرية، مادامت تنير النصوص التلمودية، وشجع طلبته على ترجمة هذه المعارف إلى العبرية (ومع هذا، فإن معرفته بالرياضيات والعلوم الطبيعية كانت مستقاة من كتب العصور الوسطى، ولذا فإنه لم يكن يدرك المضامين الثورية الكامنة في علم الفلك الحديث أو في علم الطبيعة، ومن ثم كان عالمه مختلفاً تماماً عن فكر حركة التنوير الذي ساد بروسيا في فترة حياته) . وقد عارض إلياهو الفلسفة، وخصوصاً أعمال موسى بن ميمون، ولكنه كان مهتماً بالدراسة القبَّالية وحاول أن يوفِّق بينها وبين تعاليم التلمود. وتكمن أهمية فقيه فلنا في أنه كان من أواخر علماء التلمود. ففي حياته بدأت الحركة الشبتانية تعصف باليهودية الحاخامية، ثم انتشرت الحسيدية رغم كل محاولاته التي استهدفت وقفها. وأخيراً، ظهرت الحركات الإصلاحية وحركة التنوير والصهيونية، وهي حركات (برغم اختلاف مضامينها السياسية والدينية والفكرية) قدَّمت رؤى تختلف عن الرؤية الحاخامية التلمودية التي سادت بين يهود العالم الغربي منذ جَمْع التلمود في بداية العصور الوسطى في الغرب حتى نهاية القرن الثامن عشر تقريباً. ورغم كل معارضته للحسيديين إلا أنه كان جزءاً من المؤسسة الحاخامية التي كانت قد سيطرت عليها الحلولية ولذا وضع شرحاً على سفر يتسيرا (كتاب الخلق) وهو من أهم كتب التراث القبَّالي. ويُبيِّن شرحه قبوله بعض أفكار القبَّالاه الأساسية من بينها أن الإله خلق العالم من خلال التجليات النورانية. ولكنه مع هذا ينبه المؤمنين إلى أنه ليس لنا أن نبحث في «كنه» هذه التجليات. ووضع فقيه فلنا لشرح لكل من المشناه وسفر يتسيرا يُبيِّن مدى الازدواجية الفكرية عنده وعند غيره من الفقهاء ومدى سيطرة الفكر الحلولي وتغلغله. وقد خلف فقيه فلنا عدداً كبيراً من الكتابات المخطوطة، وهي تتكون أساساً من تعليقات على العهد القديم والمشناه والتلمود (البابلي والفلسطيني) ، كما علق على أدب المدراش وكتب القبَّالاه والشولحان عاروخ. أدين شتاينسالتس (1937 -) Adin Steinsaltz حاخام إسرائيلي وُلد في القدس لأسرة صهيونية علمانية اشتراكية. تخصص في الدراسات اليهودية كما درس الكيمياء والفيزياء في الجامعة العبرية. عمل في مهنة التدريس في صحراء النقب لمدة ثلاثة عشر عاماً، ثم استقر في القدس حيث قام بالتدريس والبحث، وكتب عدة مقالات لمجلات علمية. أسس عام 1965 معهد إسرائيل للنشرات التلمودية الذي قام بإنتاج طبعة من التلمود البابلي بعلامات الترقيم والضبط وتصاحبها ترجمة عبرية وتعليق كتبه شتاينسالتس نفسه. وقد ظهر منها 25جزءاً حتى عام 1993 (صدر الجزء الأول عام 1967) . أسَّس الحاخام شتاينسالتس مدرسة تلمودية عليا (يشيفا) تُدعى «ميقور حاييم» (أي مصدر الحياة) عام 1984، ومن أهم أهدافها محاولة سد الهوة بين اليهود المتدينين وغير المتدينين. كما أسس عام 1989 مدرسة تلمودية عليا أخرى في موسكو تُسمَّى «مركز دراسة اليهودية» . ويقوم الحاخام شتاينسالتس بإلقاء العديد من المحاضرات خارج إسرائيل، كما تُرجمت كتبه إلى الإنجليزية من بينها خلاصة التلمود وظهرت له دراسات عن التلمود وقصص عن الحاخام نحمان البراتسلافي. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
الصوفية اليهودية (القبَّالاه)
(Jewish Mysticism (Kabbalah يُعرف التراث الصوفي اليهودي باسم «القبَّالاه» التي مرت بمراحل عديدة أهمها «قبَّالاة الزوهار» وتُسمَّى أيضاً «القبَّالاه النبوية» ، و «القبَّالاه اللوريانية» التي يمكن أن تُسمَّى «القبَّالاه المشيحانية» .أما كلمة «الصوفية» ،فلها (داخل النسق الديني اليهودي) دلالات خاصة، فهذا النسق يتَّسم بوجود طبقة جيولوجية ذات طابع حلولي قوي تراكمت داخله، ابتداءً من العهد القديم، مروراً بالشريعة الشفوية، وقد انعكست هذه الحلولية من خلال شيوع أفكار، مثل: الشعب المختار، وأمة الروح، والأرض المقدَّسة. وتراث القبَّالاه الصوفي تراث ضخم وضع أسس التفسيرات الصوفية الحلولية في الزوهار والباهير وغيرهما من الكتب، وحل محل التوراة والتلمود. ومن الملاحَظ أيضاً انتشار الحركات المشيحانية الصوفية الحلولية بين الجماعات اليهودية في العالم عبر التاريخ. فكان التفكير الفلسفي بين اليهود نادراً، ولم يظهر إلا تحت تأثير الحضارات الأخرى، كما أنه كان ينحو منحى حلولياً في أغلب الأحيان. ففيلون السكندري، مثلاً، كان واقعاً تحت تأثير الحضارة الهيلينية، ولم يكن يعرف العبرية مطلقاً، ومع هذا فإن ثمة نزعة حلولية قوية في فلسفته، ولم يترك فكره الفلسفي أي أثر في تطور اليهودية اللاحق. وكذلك موسى بن ميمون، بطل كل المفكرين العقلانيين اليهود، فقد كان متأثراً تأثراً عميقاً بحضارته العربية الإسلامية. أما في العصر الحديث، مع ظهور فكر فلسفي يهودي حديث، فإننا نجد إسبينوزا بفلسفته الحلولية على رأس المفكرين. كما أن أهم مفكر ديني يهودي، مارتن بوبر، كان مهتماً بالتصوف أشد الاهتمام، بل نجده أحد عُمُد التصوف في تاريخ الفكر الحديث في الغرب. والواقع أن الفكر الديني اليهودي الحديث ينحو، في جوهره، هذا المنحى الصوفي الحلولي، والصهيونية هي النقطة التي تظهر عندها الحلولية بدون إله. ويمكن التمييز بين نمطين من التصوف: واحد يدور في نطاق إطار توحيدي، ويَصدُر عن الإيمان بإله يتجاوز الإنسان والطبيعة والتاريخ، ومن ثم يؤمن بالثنائيات الدينية الفضفاضة (سماء/أرض ـ إنسان/طبيعة ـ إله/إنسان) . وتتبدَّى هذه الرؤية في تدريبات صوفية يقوم بها المتصوف ليكبح جماح جسده تعبيراً عن حبه للإله وعن محاولته التقرب منه وهو يعرف مسبقاً استحالة الوصول والتوحد مع الإله، فالحلول الإلهي يتنافى مع الرؤية التوحيدية، ووحدة الوجود قمة الكفر. والمتصوف الذي يدور في إطار توحيدي يعبِّر عن حبه الإلهي عن طريق فعل في التاريخ والدنيا يلتزم فيه بقيم الخير ويُعلي به من شأن القيم المطلقة المُرسَلة للإنسان من الإله ويصلح به حال الدنيا. أما النمط الثاني من التصوف فيدور في إطار حلولي يصدر عن الإيمان بالواحدية الكونية حيث يحل الإله في الطبيعة والإنسان والتاريخ ويتوحد معها ويصبح لا وجود له خارجها، فيُختزَل الواقع بأسره إلى مستوى واحد يخضع لقانون واحد. ومن ثم، يستطيع من يعرف هذا القانون (الغنوصي) أن يتحكم في العالم بأسره. وهذا هو هدف المتصوف في هذا الإطار. فبدلاً من التدريبات الصوفية التي يكبح بها الإنسان جسده ويطوع لها ذاته، يأخذ التصوف شكل التفسيرات الباطنية وصنع التمائم والتعاويذ والبحث عن الصيغ التي يمكن من خلالها التأثير في الإرادة الإلهية، ومن ثم التحكم الإمبريالي في الكون. وحتى لو أخذ هذا التصوف شكل الزهد، فالهدف من الزهد ليس تطويع الذات وإنما الوصول إلى الإله والالتصاق به والتوحد معه والفناء فيه ليصبح المتصوف عارفاً بالأسرار الإلهية، ومن ثم يصبح هو نفسه إلهاً أو شبيهاً بالإله. والمتصوف في إطار حلولي لا يكترث إلا بذاته، ولذا فهو لا يتحرك في الزمان والمكان الإنسانيين ولا يأتي بأفعال في التاريخ ولا يهتم بإصلاح الدنيا بل يضع نفسه فوق الخير والشر وفوق كل القيم المعرفية والأخلاقية. فالتجربة الصوفية التوحيدية تطويع للذات وطاعة للخالق وإصلاح للدنيا، أما الثانية فهي تحقيق للذات وتطويع للخالق وبحث عن التحكم في الدنيا. ورغم استخدام لفظ واحد ( «تصوف» ) للإشارة إلى التجربتين، إلا أنهما مختلفتان تمام الاختلاف. والتصوف الحلولي، وخصوصاً في أشكاله المتطرفة، هو شكل من أشكال العلمنة. فإذا كان الإله أو الخالق هو مخلوقاته، فإن مخلوقاته هي هو. وإذا حل الإله في المادة، فإن الطبيعة تصبح هي الإله (كما يؤكد إسبينوزا) ، كما أن صاحب العرفان يصبح قادراً على التحكم في الإله والطبيعة والكون. ويمكننا هنا أن نرى ملامح سوبرمان نيتشه، الذي لا يؤمن إلا بإرادة القوة ويتجاوز أخلاق الضعفاء. ويمكننا القول بأن التصوف اليهودي (على وجه العموم) من النمط الحلولي وأنه ذو اتجاه غنوصي قوي. فالمتصوف اليهودي لا يتجه نحو تطويع الذات الإنسانية الفردية وخدمة الإله، وإنما يحاول الوصول إلى فَهْم طبيعة الإله من خلال التأمل والمعرفة الإشراقية الكونية (الغنوص أو العرفان) بهدف التأثير في الإله والتحكم الإمبريالي في الواقع. ومن هنا، كان ارتباط التصوف اليهودي أو القبَّالاه بالسحر، ومن هنا أيضاً كانت علاقة السحر بالعلم والغنوصية. وقد وصف العالم جيرشوم شوليم الصوفية اليهودية بأنها «ثيو صوفية» ، أي أنها معرفة الإله من خلال التأمل والمعرفة الإشراقية الكونية (الغنوص) أو العرفان. ومن ثم، فهي تبتعد عن التمرينات الصوفية وعمليات الزهد ومحاولة الذوبان أو إفناء الذات الإنسانية في الذات الإلهية. ولكن هذا الوصف ليست له مقدرة تفسيرية عالية، فالتصوف اليهودي الحلولي يتجه نحو الاتحاد مع الإله والالتصاق به (ديفيقوت) ، وهو اتحاد يؤدي إلى وحدة الوجود (ووحدة الوجود يُفترض أنها تؤدي إلى الكشف الصوفي لطبيعة الإله وإمكانية التواصل معه ثم التحكم فيه!) . ولعل سمة التصوف اليهودي الأساسية أنه يدور في معظمه في إطار حلولي، الأمر الذي يجعله يختلف عن التصوف الذي يدور في إطار توحيدي. ولذا، فنحن نؤثر أن نشير إلى التصوف اليهودي بكلمة «قبَّالاه» ، فهي أكثر دقة وتفسيرية. القبَّالاه: تاريخ Kabbalah:History «القبَّالاه» هي مجموعة التفسيرات والتأويلات الباطنية والصوفية عند اليهود. والاسم مُشتَّق من كلمة عبرية تفيد معنى التواتر أو القبول أو التقبل أو ما تلقاه المرء عن السلف، أي «التقاليد والتراث» أو «التقليد المتوارث» . وكان يُقصَد بالكلمة أصلاً تراث اليهودية الشفوي المتناقل فيما يعرف باسم «الشريعة الشفوية» ، ثم أصبحت الكلمة تعني، من أواخر القرن الثاني عشر، «أشكال التصوف والعلم الحاخامي المتطورة» (إلى جانب مدلولها الأكثر عموماً باعتبارها دالاً على سائر المذاهب اليهودية الباطنية منذ بداية العصر المسيحي) . وقد أطلق العارفون بأسرار القبَّالاه ( «مقوباليم» بالعبرية و «القبَّاليون» بالعربية) على أنفسهم لقب «العارفون بالفيض الرباني» . ومصطلح «قبَّالاه» واحد من مصطلحات أخرى تشير إلى المدلول نفسه، فالتلمود يتحدث عن «رازي هتوراه» ، أي «أسرار التوراة» . وقد كان يُشار إلى المتصوفين بعبارات «يورديّ مركافاه» ، أي «النازلون إلى المركبة» ، و «بعلي هاسود» ، أي «أسياد أو أصحاب الاسم» ، و «إنشي إيموناه» ، أي «رجال الإيمان» ، و «بني هيخلاه دي ملكا» ، أي «أبناء قصر الملك» . وكان القبَّاليون يرون أن المعرفة، كل المعرفة (الغنوص أو العرفان) ، توجد في أسفار موسى الخمسة، ولكنهم كانوا يرفضون تفسير الفلاسفة المجازي، وكانوا لا يأخذون في الوقت نفسه بالتفسير الحرفي أيضاً. فقد كانوا ينطلقون من مفهوم غنوصي أفلاطوني مُحدَث يُفضي إلى معرفة غنوصية، أي باطنية، بأسرار الكون وبنصوص العهد القديم وبالمعنى الباطني للتوراة الشفوية. والتوراة ـ حسب هذا التصور ـ هي مخطَّط الإله للخلق كله، وينبغي دراستها. لكن كل كلمة فيها تمثل رمزاً، وكل علامة أو نقطة فيها تحوي سراً داخلياً، ومن ثم تصبح النظرة الباطنية الوسيلة الوحيدة لفهم أسرارها. وقد جاء أنه، قبل الخلق، كُتبت التوراة بنار سوداء على نار بيضاء، وأن النص الحقيقي هو المكتوب بالنار البيضاء، وهو ما يعني أن التوراة الحقيقية مختفية على الصفحات البيضاء لا تدركها عيون البشر. ويقول القبَّاليون إن الأبجدية العبرية لها قداسة خاصة، ولها دور في عملية الخلق، وتنطوي على قوى غريبة قوية ومعان خفية، وبالذات الأحرف الأربعة التي تكوِّن اسم يهوه (تتراجرماتون) ، فلكل حرف أو نقطة أو شرطة قيمة عددية. ومن هذا المنطلق، فإن الحروف تنقسم بصفة عامة إلى ثلاث مجموعات: المجموعة الأولى الهمزة (رمز الهواء) ، والمجموعة الثانية الميم (رمز الماء) ، والمجموعة الثالثة الشين (رمز النار) . وبإمكان الإنسان الخبير بأسرار القبَّالاه أن يفصل الحروف، ويجمع معادلها الرقمي ليستخلص معناها الحقيقي، كما كان من الممكن جَمْع الحروف الأولى من العبارات، وأن يُقرَأ عكساً لا طرداً ليصل المرء إلى معناها الباطني. وكانت هناك أيضاً طريقة الجماتريا. وبذلك تصبح كلمات التوراة مجرد علامات، أو دوال، تشير إلى قوى ومدلولات كونية وبنى خفية يستكشفها مفسر النص الذى يخترق الرداء اللفظي ليصل إلى النور الإلهي الكامن. ومن خلال هذا المنهج التفسيري، تَمكَّن القبَّاليون من فرض رؤاهم الخاصة على النصوص الدينية وإشاعتها، الأمر الذي فتح الباب على مصراعيه لكل الآراء الحلولية المتطرفة. وإذا كانت الديانات التوحيدية، وضمنها اليهودية، التي تدور حول إله مفارق يتجاوز الطبيعة والتاريخ ترى أن ثمة مساحة تفصل بين الخالق والمخلوق، وبين الإله والكون، فإن التراث القبَّالي ينزع نزوعاً حلولياً واضحاً نحو تضييق المسافة بينهما، حتى تتلاشى تماماً في نهاية الأمر. والواقع أن الإله، حسب التصور القبَّالي، ليس الإله المفارق المتسامي الذي ليس كمثله شيء، وإنما يُنظَر إليه من منظورين: باعتباره (أولاً) الإله الخفي والجوهر الذي لا يستطيع الإنسان إدراك كنهه، وهذا هو إله الفلاسفة؛ الإله الواحد الذي لا يتجزأ، وهو في رأي القبَّالاه حالة ساكنة تفتقد إلى الحيوية، وهو الخالق في حالة انكماش قبل عملية الخلق، وهو العدم واللاوجود (فهو يشبه من كثير من الوجوه إله الغنوصية الخفي) ، كما يُنظَر إليه باعتباره (ثانياً) الإله القريب الحي؛ القريب بسبب وجوده الذاتي وتعدديته، فهو بنية داخلية، مركبة ودينامية، وهو عملية عضوية تؤثر في العالم وتتأثر به، وهو تَجسُّد مادي (لوجوس) يحل في المادة (سواء كانت الشعب اليهودي أم الظواهر الطبيعية أم اسم الإله الأعظم من يكتشفه يتحكم في الكون بأسره) . والإله يتسم بسمات عديدة اشتقها القبَّاليون من خلال قراءتهم الغنوصية الدينية اليهودية السابقة، ومن خلال تجاربهم الصوفية (فهو يشبه من بعض الوجوه الإله الصانع في المنظومة الغنوصية والطبيعة الطابعة في المنظومة الإسبينوزية) . وبينما حاول الفلاسفة اليهود والحاخامات تفسير ما يرد في العهد القديم من خلع صفات بشرية على الإله وتجسيمه بأنها من قبيل المجاز، فإن القبَّاليين أخذوا ما جاء في سفر التكوين (1/28) من أن الإله قد خلق الإنسان على صورته، وفسروه تفسيراً حرفياً ثم فرضوا عليه كثيراً من المعاني حتى توصلوا إلى فكرة آدم قدمون، أي الإنسان الأصلي، ومفادها أن جسم الإنسان يعكس في سماته بناء التجليات النورانية العشرة (سفيروت) . وهذا مثل جيد للمنهج الذي يُفسِّر القبَّاليون به العهد القديم بطريقة ليست مجازية ولا حرفية، وإنما عن طريق فرض المعنى الذي يريده المفسر. وقد أصبحت القبَّالاه في نهاية الأمر ضرباً من الصوفية الحلولية ترمي إلى محاولة معرفة الإله بهدف التأثير في الذات العلية حتى تنفذ رغبات القبَّالي أو المتصوف حتى يتسنى لصاحب هذه المعرفة السيطرة على العالم والتحكم فيه. ولذا، فإن القبَّالاه تتبدى دائماً في شكل قبَّالاه عملية، وهي أقرب إلى السحر الذي يستخدم اسم الإله والمعادل الرقمي للحروف (جماتريا) والأرقام الأولية والاختصارات (نوطيرقون) للسيطرة. وترتبط القبَّالاه في وجهها العملي بعدد من العلوم السحرية، مثل: التنجيم، والسيمياء، والفراسة، وقراءة الكف، وعمل الأحجبة، وتحضير الأرواح. ومع ابتعادها عن التقاليد الحاخامية الدراسية استوعبت عناصر كثيرة من التراث الشعبي تمثل الازدهار الأقصى للتفكير الأسطوري والحلولي في اليهودية. ورغم تأكيدنا أن القبَّالاه ثورة على التراث الحاخامي إلا أنها تضرب بجذورها في الطبقة الحلولية التي تراكمت داخل التركيب الجيولوجي اليهودي منذ البداية في العهد القديم، حيث يتوحد الإله مع شعبه. وهو توحُّد كان يأخذ شكل العهد المتجدد بين الإله والشعب، والتدخل المستمر للإله في التاريخ لصالح شعبه، وتجسُّده في شكل عمود نار ليقودهم، وغضبه منهم وحبه لهم وغزله فيهم ومعهم. وقد عبر الحلول الإلهي وعشقه لبنت صهيون عن نفسه في نهاية الأمر في شكل العبادة القربانية المركزية حيث كانت تتم لحظة الحلول والالتحام بين الإله والشعب والأرض في يوم عيد الغفران حين كان كبير الكهنة يدخل إلى قدس الأقداس لينطق باسم يهوه. ورغم حرب الأنبياء ضد الأفكار الحلولية إلا أنها زادت ترسخاً في القرن الأول قبل الميلاد، وعبَّرت عن نفسها في جماعة مثل جماعة الأسينيين، وفي أسفار الرؤى (أبوكاليبس) مثل كتاب حنوخ وفي الكتب الخفية (أبوكريفا) ، وفي الغنوصية اليهودية وغير اليهودية. كما ترسخت الطبقة الحلولية بترسُّخ مفهوم الخلاص المشيحاني باعتباره خلاصاً قومياً لا فردياً. ويُلاحَظ أن ثمة تشابهاً بين القبَّالاه وكُتب الرؤى في عدة أوجه من أهمها رؤية الخلاص، فالخلاص لن يتم الوصول إليه من خلال عملية أخلاقية تاريخية تدريجية، وإنما من خلال معجزة خارجية وتَدخُّل إلهي فجائي، عندما يظهر الماشيَّح ويشع بضوئه على العالم بأركانه الأربعة عند نهاية التاريخ وتحقُّق الفردوس الأرضي. كما أن الأفكار الثنوية الرؤياوية التي تساوي بين الجوهر الإلهي وجوهر آخر، وهي فكرة ذات أصول فارسية، وجدت طريقها إلى القبَّالاه أيضاً، في تفرقتها بين عالَم الدنس والرذيلة والموت الحالي من ناحية وعالم الخير والطهارة والوجود الأبدي الآتي بعد ظهور الماشيَّح من ناحية أخرى. ومن المصادر الأخرى الأساسية للقبَّالاه، فكرة الشريعة الشفوية التي تضاهي الشريعة المكتوبة وتتفوق عليها، فهي فكرة حلولية متطرفة تساوي بين الخالق ومخلوقاته. وقد تَعمَّق التيار الحلولي الذي يسري في العهد القديم وازداد كثافة في التلمود حتى اكتسب أبعاداً متطرفة في كثير من الأحيان. ولكن النزعة الحلولية في التلمود ظلت مختلطة بعناصر أخرى توحيدية تحددها وتحد منها. وما فعله القبَّاليون، فيما بعد، هو أنهم اقتبسوا من التلمود المقاطع والآراء ذات الطابع الحلولي ونزعوها من سياقها ودفعوها إلى نتيجتها المنطقية المتطرفة. وهذا يُفسِّر وقوف المؤسسة الحاخامية ضد القبَّاليين بعض الوقت، ويفسر التوتر بين الفريقين، ولكنه يفسر في الوقت نفسه سرّ انتشار الشبتانية (الحلولية) بين كبار العلماء التلموديين في القرن الثامن عشر، كما أنه يُفسِّر كيفية تَحوُّل القبَّالاه، في نهاية الأمر، إلى جزء أساسي من الشريعة الشفوية. ويظهر ارتباط التلمود بالقبَّالاه من خلال دراسة تاريخ التصوف اليهودي، فقد تشكلت حلقات من أتباع يوحنان بن زكاي، وهو من معلمي المشناه (تنائيم) ومن مؤسسي حلقة يفنه التلمودية في القرنين الأول والثاني. وحاولت هذه الحلقات أن تغوص في أسرار الخلق أو ما يُسمَّى عمل الخليقة (بالعبرية: معسيه بريشيت) ، وفي طبيعة العرش الإلهي (أو المركبة) (بالعبرية: معسية مركافاه) . وقد ساهمت كتاباتهم في وضع أسس أدب الهيخالوت الصوفي، أو الحجرات السماوية، الذى ازدهر في بابل بيزنطة في القرنين السابع والثامن، والذي يصوِّر سبعة قصور أو عوالم سماوية تسكنها الملائكة التي تسبِّح بحمد الإله. ويوجد عرش الإله، حسبما جاء في قصص هذا الأدب، في العالم السابع، أي في السماء السابعة. وقد اعتقد أتباع هذه المدرسة أنه من خلال التدريبات الروحية الصارمة، ومن خلال الصوم وإرهاق الجسد، يمكن الوصول إلى الشطحات الصوفية التي تمكِّن الواصلين (أو مشاهدي المركبة) من أن يشعروا بروحهم وهي تصعد من خلال هذه السماوات حتى تصل إلى النقطة التي يطالعون فيها، وبشكل مباشر، التجلي أو الحضور الإلهي والعرش الإلهي. وبإمكان الأرواح التي تصل إلى هذه المنزلة أن تكشف أسرار الخلق وطُرق الملائكة وموعد وصول الماشيَّح. وينتمي كتاب سفر يتسيرا (كتاب الخلق) إلى هذه الفترة نفسها والتي تمتد بين القرنين الثالث والسادس، وهو يصف بنية الكون من خلال التجليات النورانية العشرة، أو قدرات الرب الكامنة العشرة أو القنوات العشر (سفيروت) ، وحروف الأبجدية وقيمتها العددية وقوتها الخالقة. وقد انتقلت تقاليد أدب الهيخالوت إلى جنوب إيطاليا، ومنها إلى ألمانيا، حيث ظهر ضرب جديد من التقوى الصوفية وصل إلى قمته في القرن الثاني عشر يُسمَّى «أتقياء ألمانيا» . وقد نادى هؤلاء بضرورة الاكتراث بالعواطف والرغبات الدنيوية. ومن أهم أعلام هذا الاتجاه يهودا هيحَاسيد (تُوفي عام 1217) مؤلف كتاب سفر حسيديم أي كتاب الأتقياء. وقد فرَّق أتباع هذا الاتجاه الصوفي بين الإله الخفي المتسامي الذي يتجاوز الإدراك البشري من جهة، وملاكه المخلوق أو جلال الإله (كافود) الذي هو تجلٍّ للألوهية من جهة أخرى. ويتكون هذا الاتجاه الصوفي من خليط من عقائد سفر يتسيرا، وأفكار صوفية المركبة، وأفكار أرسطية مشوهة، وعقائد سحرية. وقد كان للحركات الصوفية المسيحية في أوربا أثرها في أتباع هذا المنهج الذين لجأوا أيضاً إلى التأمل في الحروف العبرية وقيمها العددية، وهي طريقة في التأمل أصبحت منذ ذلك الوقت أحد ثوابت التراث القبَّالي. وعلى أية حال، فإن القبَّالاه، بمعناها الحالي، ظهرت في فرنسا، وكان من أهم العارفين بالقبَّالاه أبراهام بن داود وابنه إسحق الأعمى اللذان بدآ يتداولان كتاب الباهير (الذي ظهر أول ما ظهر في بروفانس؛ فرنسا) في القرن الثاني عشر. وانتقل مركز القبَّالاه بعد ذلك إلى إسبانيا حيث نشأت حلقات متصوفة تحاول أن تتواصل مع الإله من خلال التأمل في التجليات النورانية العشرة (سفيروت) . كما كان هؤلاء المتصوفون يهدفون إلى تجديد تقاليد النبوَّة، وإلى الكشف الإلهي من خلال الشطحات الصوفية، ومن خلال التأمل في حروف الكتاب المقدَّس وقيمها العددية وأسماء الإله المقدَّسة. ومن أهم القبَّاليين أبراهام بن شموئيل أبو العافية (1240 ـ 1291) . وقد وصلت الحركة القبَّالية إلى قمتها بظهور الزوهار الذي وضعه موسى دي ليون المتوفى عام 1305، والذي تستند إليه الأنساق القبَّالية التي ظهرت بعد ذلك. وكانت مدينة جيرونا في قطالونيا من أهم مراكز القبَّالاه في إسبانيا. وقد قام القبَّاليون بإنشاء مركز لهم في مدينة صفد في فلسطين عام 1421. وكان شيوع القبَّالاه في هذه المرحلة تعبيراً عن رفض التراث التلمودي الذي وضعه الحاخامات وعلماء الدين الذين ارتبطوا بالطبقات الثرية وبيهود البلاط في إسبانيا. وقد شجع أعضاء هذه الفئات الفلسفة العقلانية واتبعوا في حياتهم العامة والخاصة سلوكاً يتفق مع هذه الفلسفة، ولا ينم عن كبير احترام لبعض العقائد اليهودية (من وجهة نظر العوام على الأقل) . وقد ساهمت القبَّالاه في عزل أعضاء الجماعات اليهودية عن هذا التراث الفلسفي العقلاني الذي أشاعه موسى بن ميمون وغيره من الفلاسفة المتأثرين بكتابات الفلاسفة المسلمين العرب. وقد كانت كتب الفلسفة تُسمَّى «الكتب الشيطانية» . وبعد ذلك، انتشرت التقاليد القبَّالية بعد أن أخذت شكلها المحدد في الزوهار، في القرنين الرابع عشر والخامس عشر في إسبانيا ثم في كل إيطاليا وبولندا. وتُسمَّى القبَّالاه النابعة من الزوهار قبَّالاة الزوهار (ويسميها جيرشوم شولم «القبَّالاه النبوية» ) . وازداد الاهتمام بالقبَّالاه بعد طرد يهود إسبانيا وتَصاعُد الحمىَّ المشيحانية، وخصوصاً بما اشتملت عليه القبَّالاه من عقيدة خلاص جماعة يسرائيل. وقد وُجد واحد من أهم مراكز القبَّالاه في صفد، وكان يضم مجموعة من اليهود السفارد الذين طُردوا من إسبانيا، ومن هنا كان عمق إحساسهم بالكارثة التي حاقت باليهود وبعجزهم الكامل وعزلتهم عن أية مشاركة حقيقية في العمليات التاريخية. ومن أهم أعضاء هذه المجموعة إسحق لوريا الذي طوَّر المفاهيم القبَّالية فيما سُمِّي «القبَّالاه اللوريانية» ، مقابل القبَّالاه التي سبقتها، أي القبَّالاه النبوية أو قبَّالاة الزوهار. ولعل أهم إسهامات لوريا مفهومه الخاص عن الشرارات الإلهية المتناثرة والمتبعثرة (نيتسوتسوت) ومن ضمنها مشاركة الإنسان اليهودي الحَرْفية مع الإله (وليس المجازية) في عملية الخلاص الكونية، وعودة جماعة يسرائيل وانتصارها كخطوة أساسية في هذه العملية. وقد ربطت هذه المفاهيم بين النزعة المشيحانية والنزعة الصوفية رغم تناقضهما الظاهري. فإذا كانت النزعة الصوفية الباطنية الحلولية تلجأ إلى التأمل والزهد لاكتشاف الأسرار الإلهية (وبالتالي، فإن توجُّهها المبدئي داخلي بهدف السيطرة الإمبريالية الفردية على الكون) ، فإن النزعة المشيحانية تنعكس في التاريخ مباشرةً، أي في العالم الخارجي، بهدف السيطرة الإمبريالية القومية أو الجماعية على الكون. ولكن لوريا ربط التدريبات الصوفية (الفردية الباطنية الداخلية التي يقوم بها اليهودي بمفرده) بعملية استرجاع الشرارات الإلهية وعملية خلاص الإنسان وخلاص الكون التي يقوم بها اليهود كشعب، ثم ربط كل هذا بعملية الاسترجاع المشيحاني والقومي لجماعة يسرائيل. فكأن لوريا جعل الطبقة الحلولية تعبِّر مرة أخرى عن نفسها على المستوى القومي بدلاً من المستوى الفردي. ومن هنا، كان التفجر الكامن في الصيغة الصوفية المشيحانية لما يُسمَّى «القبَّالاه اللوريانية» (التي يسميها جيرشوم شوليم «القبَّالاه المشيحانية» ) ، وهو ما ساعد على ظهور الحركات المشيحانية المتتالية ابتداءً من شبتاي تسفي، والتي لا يمكن فهمها أو فهم أنساقها الرمزية إلا في إطار القبَّالاه اللوريانية التي سيطرت على اليهود ابتداءً من القرن السادس عشر. وكان تأثير القبَّالاه على التشريع (هالاخاه) ضئيلاً، ولكن تأثيرها على الأجاداه كان قوياً حتى أنهما امتزجتا وأصبح من المستحيل تمييز الواحدة عن الأخرى الأمر الذي أدَّى إلى تأثير القبَّالاه تأثيراً عميقاً في الوجدان اليهودي. ويظهر أثر القبَّالاه في الصلوات والأدعية والتسابيح والابتهالات وشعائر السبت والأعياد والعادات والأخلاق، وفي الأفكار الخاصة بالملائكة والشياطين والماشيَّح والأفكار الأخروية بشكل عام ودور الشعب اليهودي في المنفى، أي أن تأثير القبَّالاه في الحياة اليومية يفوق في عمقه تأثيرها في الأمور ذات الطابع التشريعي والفقهي، وهي الرقعة التي تركوها لعلماء التلمود الذين كانوا يُصدرون فتاواهم الجافة المجردة التي لا حياة فيها لانفصالها عن الواقع. وقد تولَّد توتر بطبيعة الحال بين القبَّاليين (المدافعين عن التفسيرات الباطنية) والفقهاء الشرعيين (المدافعين عن الشريعة) إذ كان العالمون بأسرار القبَّالاه يعتبرون أنفسهم أعلى منزلةً، بل كانوا يسخرون من الحاخامات، فكانوا يقرأون الكلمة العبرية «حمور» ، أي «حمار» ، باعتبارها اختصاراً لعبارة «حاخام موفلآ في راف رابان» ، أي «فقيه عظيم وحاخام الحاخامات» . كما كانوا يطلقون على فقيه الشريعة مصطلح «الحمار المشناوي» ، نسبة إلى المشناه، بل أشاروا إلى المشناه نفسها باعتبارها «مقبرة موسى» . وكانوا يقتبسون عبارات سلبية (قدحية) من العهد القديم للسخرية بها من الدراسات التلمودية فكانوا يشيرون مثلاً بعبارة "فجعلوا عليهم رؤساء تسخير لكي يذلوهم بأثقالهم" (خروج 1/11) ، إلى العلماء التلموديين (وهذا هو رأي إسبينوزا أيضاً في العقيدة اليهودية، فقد وصفها بأن الإله أرسلها عقوبة لليهود وثقلاً ينوءون بحمله) . وكان بعض القبَّاليين يُصدرون فتاوى استناداً إلى الزوهار، ويعيدون تفسير الشريعة من منظور قبَّالي. وقد جُمعت بعض هذه الأحكام في كُتب. وكان بعضهم يعتبر أقوال لوريا أهم من الشولحان عاروخ. وقد سيطرت القبَّالاه، في نهاية الأمر، حتى على مؤسسة اليهودية الحاخامية نفسها، وأصبحت جزءاً لا يتجزأ من اليهودية الكلاسيكية أو اليهودية المعيارية أو التلمودية، ويحدد جيرشوم شولم الفترة بين عامي 1630 و1640 على أنها الفترة التي أحكمت فيها القبَّالاه اللوريانية سيطرتها شبه الكاملة على الفكر الديني اليهودي. حتى أن الحاخام جويل سيركيس (1561 ـ 1640) ، وهو من أهم علماء التلمود، قال إن من يعترض على العلم القبَّالي يُطرَد من حظيرة الدين. كما أن الشولحان عاروخ نفسه، أهم كتب المؤسسة الحاخامية الأرثوذكسية، يجعل الإيمان بالقبَّالاه فرضاً دينياً. وقد أصبحت القبَّالاه من اللاهوت اليهودي نفسه، ولم يَعُد بمقدور أي يهودي مهاجمتها. وحينما حاول موردخاي كوركوس عام 1672 أن ينشر كتاباً في البندقية يهاجم فيه القبَّالاه، منعه الحاخامات من ذلك. ورغم فشل حركة شبتاي تسفي المشيحانية، واعتناقه الإسلام، فإنه سيطر على تابعيه، وفُسِّر تحوُّله عن اليهودية بأنه نزول المخلِّص إلى عالم الذنوب والنجاسة ليخلِّص الشرارات الإلهية. وقد أدَّى هذا الموقف إلى ظهور النزعة المتطرفة المعادية للتشريعات (والتي يمكن أن نسميها «الترخيصية» ) والتي تحاول إسقاط الشريعة وتبطل فعالية القانون الإلهي. وقد استمرت هذه النزعة داخل الحركة الفرانكية وبين الدونمه، وأخيراً في الحركة الحسيدية. ومع حلول القرن التاسع عشر، ظهرت الحركة الحسيدية التي اكتسحت يهود شرق أوربا (وهي تَصدُر عن الإيمان بعقائد القبَّالاه على وجه العموم والقبَّالاه اللوريانية على وجه الخصوص) ، وأكدت مفهوم التوحد مع الإله والالتصاق به (ديفيقوت) . ولكن الحسيدية، شأنها شأن كثير من الحركات الصوفية، تحولت بالتدريج إلى بيروقراطية دينية، وتحوَّل التساديك إلى وسيط، وظهرت أُسَر الحسيديين الحاكمة التي توارث أعضاؤها القداسة. ولكن العامل الأساسي الذي قضى على القبَّالاه وعلى التصوف الحلولي اليهودي هو ظهور العالم الحديث وحركة التنوير. والصهيونية وريثة التراث القبَّالي في بنيتها، فكما أن الحسيدية كانت هي الأخرى حركة مشيحانية كامنة ساكنة بدون ماشيَّح، فإن الصهيونية تحولت إلى مشيحانية نشيطة (بدون ماشيَّح أيضاً) إذ يؤكد الصهاينة عملية خلاص الشعب اليهودي الذي يأخذ شكل عودة إلى صهيون دون انتظار الماشيَّح (أي شكل التعجيل بالنهاية) . والصهيونية، في نهاية الأمر، هي التعبير عن الطبقة الحلولية داخل التركيب الجيولوجي التراكمي اليهودي، وهي طبقة عبَّرت عن نفسها في بداية الأمر من خلال رؤية حلولية تبشر بالخلاص القومي وترابط الثالوث الحلولي (الإله والشعب والأرض) ثم توارت قليلاً نتيجة القضاء على السلطة المركزية اليهودية فعبَّرت عن نفسها بشكل فردي من خلال القبَّالاه (التأملية والعملية) وهي تعود إلى سابق عهدها في العصر الحديث، حيث يصبح الخلاص مرة أخرى خلاصاً قومياً ويصبح التأمل الأيديولوجيا الصهيونية التي تستعيد تَداخُل النسبي والمطلق، وتؤكد ارتباط الشعب بالأرض نتيجة الحلول الإلهي أو سريان روحه المقدَّسة. والقبَّالاة العملية هي الاستيلاء على الأرض ونقل اليهود إلى فلسطين (ونقل العرب منها) وتصبح الدولة الهيكل الذي يتعبد فيه الصهاينة ويهود العالم ويقدمون له القرابين (فهي استعادة للعبادة القربانية المركزية) . وعلى كلٍّ، فالنمط الصهيوني ليس مختلفاً عن الأنماط القومية العلمانية التي انتشرت في أوربا ابتداءً من عصر الملكيات المطلقة حين حوَّل الملك نفسه إلى مطلق، ثم حوَّلت الدولة نفسها إلى مطلق واحد أحد يدين له الجميع بالولاء، فهي محط الحلول الإلهي أو هي التعبير عن الحلولية بدون إله. وهدف هذه الدولة هو التحكم الإمبريالي في كل مواطني الدولة وشعوب الأرض عن طريق عمليات ترشيدهم (في إطار مادي) من خلال المؤسسات التربوية والأمنية وقطاع اللذة والعلم والتكنولوجيا وأخيراً القوة العسكرية. وقد كان الحاخام الصهيوني (القلعي) من المهتمين بالحسابات القبَّالية. كما تأثر كثير من المفكرين الصهاينة بالفكر القبَّالي، ومن أهمهم الحاخام أبراهام كوك الذي توصَّل إلى صيغة صهيونية ليست قومية دينية وحسب، وإنما صيغة صهيونية قومية عضوية حلولية لا تقنع فقط بالرؤية التقليدية التي ترى أن الإله قد يجعل اليهود محط عنايته الخاصة بل تؤكد كذلك أن الإله يحل فيهم كجماعة حتى يشكِّل هو والشعب والأرض ثالوثاً حلولياً صهيونياً. وقد تأثر مارتن بوبر كذلك بالأساطير القبَّالية من خلال اهتمامه بالحسيدية. كما يُلاحَظ أثر القبَّالاه في فكر جماعة جوش إيمونيم. ويُعَدُّ الحاخام تسفي كوك، حفيد أبراهام كوك، من أهم مفكريها. وفي مقابلة بين كاتب إسرائيلي من رافضي الاستيطان في الضفة الغربية وأحد أعضاء جوش إيمونيم، قال الأخير: "انطلاقاً من تراث القبَّالاه، العالم مقسَّم إلى خمسة أقسام: الجماد والنبات والحيوان والناطق واليهودي. والتناقض الأساسي كامن بين الناطق واليهودي". وآخر كُتب القبَّالاه في العالم الغربي وضعه بالألمانية هيرتس أبراهام شيير، ونُشر عام 1875. ولكن، ظهرت كتب قبَّالية مختلفة في شرق أوربا والشرق الأوسط حتى الحرب العالمية الثانية. ولا تزال كتب القبَّالاه تُكتَب وتُطبَع وتُنشَر في إسرائيل. ويبدو أن القبَّالاه، بصورها المجازية ورموزها الجنسية، تركت أثراً في فرويد، وفي كثير من الأدباء اليهود مثل كافكا كما أن أساليب القراءات الباطنية التي تفصل الدال عن المدلول المباشر تركت أثرها في أتباع المدرسة التفكيكية. ومما يجدر ذكره أن هناك قبَّالاه مسيحية ظهرت منذ القرن السابع عشر، أي بعد الإصلاح الديني، وحاولت أن تستخدم المنهج القبَّالي في تفسير الكتب الدينية وتفرض عليها معنىً مسيحياً بحيث يصبح آدم قادمون هو المسيح على سبيل المثال. وقد كان كثير من القبَّاليين المسيحيين من اليهود المتنصرين. وقد تركت القبَّالاه المسيحية أثراً عميقاً في التصوف المسيحي في الغرب، كما استخدم بعض الشعراء الرومانسيين رموزها، مثل الشاعر الإنجليزي وليم بليك. ولا شك في أن انتشار القبَّالاه المسيحية ساهم في تهويد المسيحية وفي بعث الجوانب الغنوصية فيها. أسباب شعبية القبَّالاه وهيمنتها على الوجدان الديني اليهودي ثم اختفائها Reasons for the Popularity of the Kabbalah, its Domination over the Jewish Religious Imagination, and its Eventual Disappearance يمكن القول بأن القبَّالاه وتراثها وطريقتها في تفسير النصوص اليهودية المقدَّسة، وإيمانها بالحل السحري وبالخلاص القومي، أخذت تسيطر بالتدريج على الوجدان الديني اليهودي ابتداءً من القرن الرابع عشر، وهيمنت عليه تماماً مع نهاية القرن الثامن عشر، وذلك للأسباب التالية: 1 ـ كانت اليهودية، في الجزء الأول من تاريخها، ديانة تؤمن، رغم الطبقة الحلولية التي تراكمت داخلها، بشكل من أشكال التوحيد، في وسط وثني مشرك: آشوري أو مصري قديم أو يوناني أو روماني. وقد حاولت اليهودية آنذاك أن تُوسِّع الهوة بينها وبين أصحاب الديانات الوثنية الأولى بقدر المستطاع. ولذا، فإننا نجدها ترفض تماماً الفكر الأسطوري وقصص الخلق المستفيضة الموجودة في ديانات الشرق الأدنى القديم، وذلك رغم تأثرها بهذه الديانات في كثير من الوجوه، ورغم أن النسق الديني اليهودي (كتركيب جيولوجي) قد احتفظ بكثير من التراكمات الوثنية. ولكن، ومع ظهور الديانتين التوحيديتين الأخريين (الإسلام والمسيحية) ، وسيطرتهما على المحيط الحضاري الذي كانت تتحرك فيه اليهودية، وجدت اليهودية نفسها دون وظيفة خاصة أو هوية مستقلة. ورغم هذا، وربما بسببه، استمر الحاخامات في توسيع الهوة بين اليهود وأصحاب الديانات التوحيدية الأخرى، فتبنوا الأسطورة كوسيلة لاكتشاف الواقع وبدأوا من خلال التلمود، ثم من خلال التراث القبَّالي، في نسج الأساطير. وتُعتبَر القبَّالاه، من هذا المنظور، استجابة اليهود لتغلغل الفكر العقلي والتوحيدي، وتعبيرهم عن محاولات الحفاظ على التماسك وعدم التفكك في وجه التحدي الذي أفقدها تميزها ووظيفتها. وقد أنجزت القبَّالاه ذلك عن طريق التخلي (إلى حدٍّ كبير) عن كثير من العقائد اليهودية الحاخامية، ومن خلال تأكيد بعض الأفكار التي كانت تشغل مكانة هامشية في النسق الديني اليهودي، وعن طريق الأساطير التي نسجها القبَّاليون من خلال منهج تفسيري تأويلي فريد. 2 ـ لم تكن هناك مؤسسات دينية يهودية شاملة تضم كل يهود العالم، كما لم يكن هناك جهاز تنفيذي يضمن شيوع أفكار هذه المؤسسات ويقضي على النزعات الحلولية الوثنية الشعبية ويكبح جماح الهرطقة. وهذا ما سمح للقبَّالاه، بكل ما تشتمل عليه من هرطقات غنوصية، أن تنمو بهذا الشكل المتضخم. 3 ـ كما أن تركيب اليهودية الجيولوجي جعل من اليسير على أي مفكر ديني، مهما كانت درجة تطرفه، أن يجد سنداً وسوابق لآرائه. وقد فتحت فكرة الشريعة الشفوية باب التفسير والتأويل على مصراعيه بحيث أصبح في مقدور كل يهودي أن يفرض رؤيته. 4 ـ ومما لاشك فيه أن اضطلاع أعضاء الجماعات بدور الجماعات الوظيفية عَمَّق الاتجاهات الصوفية. فالجماعات الوظيفية تعيش خارج العملية الإنتاجية في المجتمع. ولكنها، لأنها ليست منه، نمت لديها عقلية مجردة لا علاقة لها بما هو متعيِّن. كما أن اضطلاع اليهود بدور التاجر ساعد في تعميق هذه الاتجاهات، والتجارة الدولية تُحطم فكرة الحدود وتُشجِّع النزعات الصوفية (والواقع أن العلاقة بين التجارة والصوفية أمر يحتاج إلى مزيد من الدراسة) . وتستند رؤية الجماعة الوظيفية إلى العالم إلى مركب حلولي، فتجعل من ذاتها مركز القداسة ومصدر المطلقية (مقابل مجتمع الأغلبية المباحة النسبية) . وقد لعبت عقيدة الماشيَّح (الذي سيأتي في نهاية الأيام ليحرر اليهود ويعود بهم إلى صهيون) دوراً في تعميق هذا الاتجاه، فهي عقيدة تفصل اليهودي عن الزمان والمكان وتجعله ينتظر آخر الأيام بحيث يركز عيونه على البدايات والنهايات متجاهلاً التاريخ وتركيبيته. ولذا، يمكن القول بأن ثمة علاقة ما بين تحول الجماعات اليهودية التدريجي إلى جماعات وظيفية وذيوع القبَّالاه التدريجي بينها. 5 ـ والقبَّالاه هي أيضاً رد فعل أعضاء الجماعات اليهودية في العالم الغربي إزاء تدهور وضعهم وفقدانهم دورهم كجماعات وظيفية. فكلما ازدادوا بُعْداً عن مركز السلطة وصنع القرار، وكلما ازدادوا هامشية وطفيلية ازدادوا التصاقاً بالقبَّالاه التي كانت تعطيهم دوراً مركزياً في الدراما الكونية، وتجعل الذات الإلهية مرتبطة بهم ومعتمدة عليهم. والقبَّالاه، بذلك، هي تعبير عن حالة مرضية، ولكنها في الوقت نفسه استجابة لهذه الحالة أخذت شكل الانسحاب من العالم إلى داخل القوقعة. ولذا، فبينما كان بعض الفلاسفة اليهود يؤكدون العناصر المشتركة بين اليهودية والديانات التوحيدية الأخرى (وعلى سبيل المثال، حاول ابن موسى بن ميمون، في مصر، أن يُطهِّر اليهودية من كثير من العناصر الغريبة فيها بإدخال عناصر إسلامية على العبادة اليهودية، مثل السجود) ، كان القبَّاليون يحاولون أن يبينوا الاختلافات العميقة بين الدور الذي يلعبه اليهود في عملية الخلاص ودور أصحاب الديانات الأخرى. وهكذا، بررت القبَّالاه لليهود ذلك العذاب، الذي كانوا يتصورون أنه يحيق بهم في كل مكان، باعتباره أمراً منطقياً ينجم عن مركزيتهم. 6 ـ كان طَرْد اليهود السفارد من إسبانيا كارثةً عظمى رجت اليهودية رجاً، وبينت مدى هشاشة موقف أعضاء الجماعات اليهودية. وقد انتشر اليهود السفارد ونشروا معهم تعاليم القبَّالاه في مختلف أنحاء العالم، وبدأت الأيدي تتداول المخطوطات التي كانت مقصورة على العالمين بأسرار القبَّالاه، وخصوصاً أن كتب القبَّالاه تشبه من بعض الوجوه الكتب الإباحية، الأمر الذي زاد شعبيتها. 7 ـ انتقل مركز اليهودية، بعد طرد اليهود من إسبانيا، إلى العالم المسيحي. ومع القرن السادس عشر، استقر أغلبية اليهود فيه. كما أن السفارد أنفسهم كانوا يعيشون، قبل طردهم، في بيئة كاثوليكية ثرية وتشربوا كثيراً من أفكارها. وثمة نظرية تذهب إلى أن اليهودية التي انتشرت في شبه جزيرة أيبريا كانت ذات طابع شعبي صوفي حلولي لا يُفرِّق بين الأنساق الدينية المختلفة كما هي عادة الديانات الشعبية. وقد أدَّى هذا إلى تسرُّب أفكار مسيحية كثيرة إلى الفكر الديني اليهودي. ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث لنسق ديني هو أن يتبنى أفكار دين آخر وصُوَره المجازية، فهذه الأفكار مرتبطة بأفكار أخرى، ولها دلالات مختلفة داخل نسقها، ولكنها حينما تُنقَل تصبح مثل الخلية السرطانية. وهذا ما حدث لليهودية، إذ تأثر الفكر القبَّالي بفكرة التثليث المسيحية وتحولت إلى فكرة التعشير، إن صح التعبير، أي أن يتحول الإله إلى عشرة أجزاء في واحد وواحد في عشرة، وهي التجليات النورانية العشرة (سفيروت) . كما أن الفكر الديني اليهودي بدأ يتأثر بالمسيحية الشعبية بكل ما تحمل من أساطير واتجاهات غنوصية (وقد لاحَظ أتباع إبراهيم أبو العافية التشابه الشديد بين فكره القبَّالي والمسيحية، فتنصروا) . 8 ـ تزامن انتشار القبَّالاه مع ظهور المطبعة العبرية في القرن السادس عشر، فطُبعت من الزوهار طبعتان كاملتان بين عامي 1558 و1560، في كريمونا ومانتوا في إيطاليا، ثم تبعتهما طبعات أخرى في أزمير وسالونيكا وألمانيا وبولندا. وقد أدَّى كل ذلك إلى انتشار القبَّالاه على نطاق واسع يفوق انتشار التلمود. ومع حلول القرن السادس عشر، احتلت كتب القبَّالاه مكان الصدارة بين كل الكتب الدينية. كل هذه الأسباب المتصلة بأعضاء الجماعات اليهودية (وخصوصاً في الغرب) ساعدت على انتشار الرؤية الحلولية القبَّالية بينهم وهيمنتها عليهم. والرؤية الحلولية القبَّالية هي في جوهرها وحدة وجود روحية كاملة تحمل استعداداً للتحول لوحدة وجود مادية. وهذا ما حدث مع تَزايُد نزعات العلمنة في المجتمع الغربي وما واكب ذلك من انتشار الفكر الحلولي وتحوُّله إلى وحدة وجود مادية، وهو الأمر الذي أنجزه إسبينوزا في إطار الفلسفة الغربية. وقد حدث شيء مماثل داخل الفكر الديني اليهودي إذ بدأت وحدة الوجود الروحية تتحول إلى وحدة وجود مادية (من خلال مرحلة شحوب الإله والفكر الربوبي ثم مرحلة موت الإله) . وقد دخلت القبَّالاه مرحلة وحدة الوجود الروحية الكاملة في حركات مشيحانية مثل الشبتانية والفرانكية التي تحولت تدريجياً إلى وحدة وجود مادية وبالتالي اختفت الديباجات الروحية ومعها الأساطير والصور المجازية القبَّالية وحلت محلها الأساطير والصور المجازية العلمانية فبدلاً من الصور المجازية الجنسية ظهر فرويد حيث تحل الإيد Id محل اليسود، وظهرت النزعة الطبيعية المادية حيث تحل قوانين الحركة وقوانين العود الأبدي محل الدورات الكونية، وظهرت الصهيونية حيث يحل الاستيطان في الأرض محل الالتصاق بالإله (ديفيقوت) ، وظهرت ما بعد الحداثة حيث يحل الاخترجلاف محل تبعثر الشرارات وانفصال الدال عن المدلول محل الجماتريا. الموضوعات الأساسية الكامنة في القبَّالاه وبنية الأفكار Major Themes of the Kabbalah and Structure of Ideas تطورت القبَّالاه وتراثها، عبر مراحل تاريخية عديدة، من قبَّالاة الزوهار إلى القبَّالاه اللوريانية، وانقسمت إلى أشكال مختلفة من قبَّالاه نظرية أو تأملية إلى قبَّالاه عملية. وحفلت هذه الاتجاهات والحركات على اختلافها بمفكرين عديدين، لكلٍّ إسهاماته وتفسيراته. وهذا الأمر ليس غريباً على حركة ذات طابع حلولي غنوصي إذ تلفح المفسر لفحة من الحلول الإلهي فيصبح مقدَّساً وتكتسب تفسيراته قدراً من القداسة. ومع ذلك، تظل هناك موضوعات أساسية وبنية عامة كامنة (نموذج كامن) تعبِّر عن نفسها من خلال الكتابات القبَّالية. والواقع أن وجود مثل هذه الموضوعات وتلك البنية هو ما يبرر لنا استخدام كلمة «قبَّالاه» للإشارة إلى هذه الكتابات كلها. وتوجد في القبَّالاه رؤية فيضية للخلق، ورؤية للشر وللإنسان، ولعلاقة الإله بالإنسان، وللشعب اليهودي ووضعه في العالم. كما أن التراث القبَّالي يستخدم مجموعة من الصور المجازية ذات دلالات فلسفية ونفسية وكونية عميقة. وسنحاول في هذا المدخل أن نبين تلك الموضوعات والصور المجازية التي تشكل نسيج البنية العامة. ويمكننا، منذ البداية، أن نقول إن القبَّالاه تَصدُر عن رؤية واحدية كونية تستند إلى ركيزة نهائية غير متجاوزة للنسق وإنما كامنة فيه. والبنية العامة للفكر القبَّالي بنية حلولية عضوية دائرية مغلقة حتى أن كل ما يظهر فيها من تعدُّد وتنوُّع أمر ظاهري، فداخل البنية الحلولية المغلقة تُردُّ كل الظواهر إلى مستوى واحد وتُلغى كل الثنائيات وتصبح كل الأشياء متقابلة ومتساوية بعضها مع البعض الآخر، ومع المطلق الكامن وراء كل شيء والذي يحل فيه ويتجسد من خلاله. فإذا كانت هذه البنية مُكوَّنة من (أ) و (ب) و (جـ) و (د) ، على سبيل المثال، فإننا سنكتشف أن (أ) هي، في نهاية الأمر، (ب) ، وأن (ب) هي مقابل (جـ) ومساوية لها، تماماً كما أن (جـ) و (د) متصلان ومتقابلان ومتساويان. ومن ثم، فإننا نكتشف أن (أ) هي (ب) و (ب) هي (جـ) و (جـ) هي (د) ، وهكذا، رغم كل التغيرات والتحولات. ولكن يُلاحَظ أن العكس يمكن أن يحدث أيضاً، فبدلاً من اختفاء الثنائيات وتَوحُّدها قد تتصلب وتتحول إلى ثنائية صلبة أي ثنوية. وهنا بدلاً من أن تكتسح دائرة القداسة الجميع نجد أنها تنغلق على نفسها تماماً ويتم تقسيم العالم على أساس قطبين متعارضين: الطاهر المقدَّس مقابل المدنَّس المباح. ويتبدَّى النسق المغلق في الرؤية القبَّالية لخلق العالم، فهذا الخلق لم يكن من العدم، ولم يتم دفعة واحدة كما هو الحال في الديانات التوحيدية، وإنما عن طريق الفيض الإلهي. وقد ذكر رفائيل باتاي أن رؤية القبَّالاه للإله تطورية، أي أن الإله وُجد، أو أوجَد نفسه على مراحل داخل الزمان. وقد تم خَلْق العالم من خلال عملية صيرورة مركبة بحيث يتحول اللاشيء الإلهي إلى الكيان الإلهي، ويتجه من الداخل إلى الخارج. وتبدأ هذه العملية في جذر الجذور، أي في «الإين سوف» التي يمكن أن تُترجَم إلى «اللانهائي» (أو «اللامحدود» أو «العلة الأولى» أو «الذي لا نظير له» ) الذي لا يستطيع العقل الإحاطة به. ولكن «الإين سوف» هو أيضاً «الآيين» (أو «اللاشيء» أو «العدم» أو «التخفي الإلهي» ) . ولذا، فإنه يُسمَّى «الإله الخفي» الذي لا يمكن أن يكون إلهاً بالمعنى المألوف للكلمة، كما لا يستطيع الإنسان أن يصل إليه. وقد أشارت إليه القبَّالاه بأنه «المطلق» الذي يقطن في أعماق العدم، وقد انبثق الآني (أي الأنا الإلهية) عن الآيين. ويشير القبَّاليون إلى أن الآيين والآني يضمان الحروف الساكنة نفسها وهو ما يشي بأن العدم والإله هما شيء واحد. وقد تمت عملية التحول هذه على شكل تطوُّر من الهو إلى الأنت إلى الأنا، على النحو التالي: الهو: الإله المتخفي المنفصل عن العالمين. الأنت: الإله الذي يعبِّر عن كيانه والذي يدركه الناس. الأنا: الإله المكتمل المتجلي الذي عبَّر عن كماله المطلق. وهذه هي المرحلة التي يمكن أن يقول فيها الإله لنفسه أنا، وأنا هذه هي الشخيناه، أي جماعة يسرائيل، وهي المرحلة التي يجد فيها الإله نفسه (وهذه الأفكار لها صداها في فلسفة مارتن بوبر الذي لم يكن يعرف التلمود، بل درس الفكر الحسيدي فقط وبالتالي الفكر القبَّالي) . وهكذا انبثق الإله من ذاته وظهر الآني من الآيين، أي من العدم، وظهرت هذه الخاصية العلوية السماوية التي تشكل بداية الفيض الإلهي، وكان يُقال لها «الفكر الإلهي» (محشفاه) ، ثم أُطلق عليها فيما بعد اسم «الإرادة الإلهية» ، الأمر الذي يبين تحوُّل القبَّالاه عن العقل والتأمل الفكري إلى الإرادة والرغبة. عند هذه النقطة، تبدأ سلسلة الفيض التي تنبثق من الإرادة الإلهية (سفيروت) ، وهي القدرات الإلهية الكامنة التي تتحول إلى القداسة المتجلية، والتي تأخذ شكل إشعاعات صادرة من النور الذاتي للإله على هيئة تجليات، وهذه الإشعاعات هي التي أوجدت العالم. ولذا، فإن السفيروت هي القوى الكامنة والتجليات النورانية نفسها، وهي أيضاً مراحل التجلي والبؤر والصفات الإلهية ودرجات الوجود الإلهي. لكن هذه الأشياء تشكل، أولاً وأخيراً، الوساطة بين الكون والإله وتكون بمنزلة حلقة الوصل بينهما، ولذا فإننا نترجمها بعبارة «التجليات النورانية العشرة» . وإذا كان الإين سوف يَصعُب إدراكه، فإن التجليات النورانية العشرة (سفيروت) على خلاف ذلك تماماً، فهي في مجموعها تشكل الإله الشخصي الذي يمكن إدراكه والذي يتوجه إليه المصلون (ويمكننا أن نرى الواحدية والازدواجية والتعددية) . ولتأكيد الواحدية والتعددية في وقت واحد، يُشبِّه القبَّاليون السفيروت بالألوان التي يراها الإنسان في قمم ألسنة اللهب، ويقرِّرون أن عملية الفيض هذه هي الطريقة التي خلق الإله بها ذاته ثم خلق بها العالم. ودرجات السفيروت، أو التجليات النورانية العشر، هي: 1 ـ كيتر (أو كيثر) عليون، أي التاج الأعلى، وهو أيضاً الإرادة المقدَّسة أو الرغبة المقدَّسة، ويشار إليه أحياناً بالتاج وحسب، ويساوي بعض القبَّاليين بين التاج والإله الخفي (ديوس أبسكوندتيوس deus absconditus) فهو الإين سوف وهو أحياناً الآيين. 2 ـ حوخمه، أي الحكمة، أول التجليات المتعيِّنة، وهي الفكر الإلهي الكوني الذي يسبق الخلق، والذي لا يقبل التقسيم، وهي تحتوي على النماذج المُثلى التي وضعها الخالق لكل العوالم، وهي العلة الذكرية الأولى. 3 ـ بيناه، أي الفهم، وهو عكس الحكمة، فهو العقل الذي يميز بين الأشياء، ولذا فهو المرحلة التي يتحقق فيها النموذج الخفي ويأخذ شكلاً محدداً وهي العلة الأنثوية الأولى. 4 ـ جيدولاه، أي العظمة، وأحياناً يشار إليها بلفظ «حسيد» ، وهي الحب الفائض للإله أو الرحمة. 5 ـ جبوراه، أي القوة أو السلطة، وغالباً ما يشار إليها بلفظ «دين» ، أي الحكم الصارم، وهي مصدر الحكم الإلهي والشريعة. 6 ـ تفئيريت، أي الجمال أو الجلال، ويُشار إليه أيضاً بلفظ «رحاميم» أي التعاطف، وهو الوسيط بين التجلي الرابع والتجلي الخامس ليأتي بالتناسق والرحمة للعالم. ويُقال إن هذا التجلي أهم التجليات، ربما لتوسُّطه كل التجليات ولدوره في عملية الخلق. 7 ـ نيتسح، أي التحمل أو الأزلية (أو النصر) . 8 ـ هود، أي الجلالة أو المجد أو العظمة. 9 ـ يسود عولام، أي أساس العالم، ويُشار إليه أحياناً بلفظ «يسود» وحسب، أي الأساس، وكذلك على «التساديك» ، أي الصديق، أو الرجل التقي، وهو الذي ترتكز عليه كل التجليات السابقة. 10 ـ ملكوت، أي المملكة، أو عتاراه أي الجوهرة. وتفترض فكرة الفيض ثلاثة مفاهيم متناقضة: الواحدية والتعددية (أو الثنوية) والتقابلية. فالفيض يتم على مراحل تنتهي بجماعة يسرائيل ثم العالم. ولكل مرحلة من مراحل الفيض استقلالها وحيويتها ووظيفتها. ولكن فكرة الفيض تفترض أيضاً العكس، أي وجود وحدة تنتظم كل المخلوقات، وضمنها الإنسان، بل تنتظم الإله نفسه، بحيث يصبح الإله ومخلوقاته (أي الإله من جهة والإنسان والطبيعة من جهة أخرى) عناصر في وحدة متكاملة لها المصير نفسه ولا يفصلها فاصل. بل إن كل مراحل الفيض، رغم اختلافها، تصبح على مستوى من المستويات الشيء نفسه، وتحمل الصفات نفسها. ويرى القبَّاليون كذلك أن ثمة اتحاداً متوازياً، متقابلاً بين الإله وكل مخلوقاته، وأن السماء تشبه الأرض، والإله يشبه الإنسان، والتاريخ يشبه الطبيعة. وتقول إحدي أفكار التراث القبَّالي الأساسية: «كما في السماء كذلك في الأرض، كما في الداخل كذلك في الخارج» . ومعنى ذلك أن أجزاء البنية متوازية ومتساوية متعادلة، فهي إذن بنية مغلقة لا ثغرات فيها. وتظهر التقابلية في جميع الرموز المتواترة في التراث القبَّالي، والذي يصوِّر الإله وعملية الخلق والتجليات العشرة على هيئة شجرة، وعلى هيئة إنسان. ويُشار إلى التجليات العشرة باعتبارها «آدم قدمون» ، أي «الإنسان الأصلي» و «الإنسان الأزلي» الذي يُتوِّجه التاج، ويوجد الملكوت عند قدميه، وتشكل أعضاء جسمه التجليات العشرة. كما تشكل التجليات الثلاثة الأولى رأسه، والرابع والخامس ذراعاه، والسادس صدره، والسابع والثامن ساقاه، والتاسع عضوه الجنسي (عادةً المذكر) ، والعاشر إما يشير إلى الصورة كلها أو يشير إلى الأنثى التي تصاحب الذكر أو يشير إلى عضو التأنيث. كما كان يُصوَّر الآدم قدمون وإلى يساره كل الصفات السلبية، مثل الصرامة والاحتمال، وإلى يمينه الصفات الإيجابية. والإنسان، من هذا المنظور، صورة مصغرة (ميكروكوزم) للعالم الأكبر (ماكروكوزم) ، يكمن فيه كل من العالم السفلي المادي والعالم السامي الروحي وهو كذلك صورة مصغرة للإله. وتتكون الروح من ثلاث درجات يُطلَق عليها ما يلي: 1 ـ «نيفيش» ، أي «الحيوية» ، وهي مصدر القوة الحيوانية والحيوية، وتقابل الحياة المادية. 2 ـ «رُوَّح» ، أي «الروح» ، وهي مصدر السمات الأخلاقية. 3 ـ «نيشماه» ، أي «النفس» ، أعلى الدرجات الثلاث، وهي تلك الدرجة التي تجعل الإنسان قادراً على دراسة التوراة وإدراك كنه الإله. ويرى القبَّاليون أنها شرارة من بيناه (الفهم) ، وأنها غير قادرة على الخطيئة. وهذه الدرجة الروحية لا يصل إليها سوى التساديك (الصديق) . وقد حاول القبَّاليون إماطة اللثام عن الروح، وفك القيود التي تربطها، بحيث يمكنها أن تتصل بالتيار المقدَّس الذي يجري في الكون كله. ويرى القبَّاليون أن العذاب في الجحيم سيحل بالنيفيش وحسب، وليس بالنيشماه. ويرى بعض القبَّاليين أن جسم الإنسان ما هو إلا رداء للشرارة الإلهية، ويرى البعض الآخر أنه جزء من الجانب الآخر، بينما يرى فريق ثالث أن وظائفه الجنسية هي الطقوس المقدَّسة التي تصوِّر ما يدور في العالم العلوي. ويظهر التقابل في نهاية الأمر في فكرة التماثل بين الإله وروح الإنسان والكون وفي تَداخُل هذه الأشياء، وهو تَداخُل ينم عن حلولية النسق. وقد تَعرَّض القبَّاليون لفكرة الشر، وحاولوا حلها من خلال إطارهم الحلولي الواحدي أو التعددي (الثنوي) ، ثم من خلال فكرة التقابل. وكان القبَّاليون يقتربون من رؤية ثنوية للخير والشر، فالشر هو «السترا أحرا» (الجانب الآخر) . بل إن بعض القبَّاليين يتحدثون عن تجليات اليسار، وهي تجليات مضادة؛ قوى مظلمة دنسة تعادي قوى القداسة والخير، وتدخل في صراع شديد معها للسيطرة على العالم. ومن هنا كان اهتمام القبَّاليين بالجن سمائيل (الشيطان) وزوجته ليليت في القبَّالاه. وتوجد شجرتان في التصور القبَّالي: شجرة الحياة المقدَّسة التي هي خير خالص لا يختلط بها أي شر أو دنس أو موت، وهي الشجرة التي كانت تحكم العالم قبل السقوط. وهناك أيضاً شجرة المعرفة (معرفة الخير والشر، والطهارة والدنَّس، والفضيلة والرذيلة) وهي الشجرة التي تحكم هذا العالم، ولذا فإن الموت مرتبط بها. وترتبط بهاتين الشجرتين رؤية ما يُسمَّى بالتوراتين: توراة الفيض وتوراة الخلق. فهناك توراة واحدة (مكتوبة) لها معنى ظاهري مرتبط بهذا العالم ويشمل الأوامر والنواهي والوصايا والشرائع والتشريعات، وهذه الأشياء مرتبطة بشجرة المعرفة. أما التوراة الثانية، فهي توراة نورانية، توراة العالم الخالي من الدنَّس، ولذا فهي لا تحوي أي أوامر أو نواه بل تدعو إلى الحرية الكاملة وإلى خَرْق الشرائع، وهي مرتبطة بشجرة الحياة المقدَّسة، وهي توراة غير مكتوبة لا تدركها سوى عيون الماشيَّح والواصلون والعارفون بأسرار القبَّالاه. ويُلاحَظ أن الرؤية هنا رؤية ثنوية حادة تشبه من بعض الوجوه كتب الرؤى (أبوكاليبس) . ولكن القبَّاليين حاولوا أيضاً الاحتفاظ بإطار من الواحدية يُفسِّر الشر باعتباره القشرة الخارجية لشجرة التجليات النورانية والمحارة الخارجية التي تلف أشكال الوجود الدنيوي أو النمو المتطرف للحكم الصارم (دين) حينما ينفصل عن تجلِّي الحب الخالص. فالحكم الصارم داخل الذات الإلهية هو مجرد قوة محايدة، ولكنه حينما ينفصل عنها يصبح قوة مدمِّرة. وفي إطار الواحدية، تذهب القبَّالاه إلى أن التجليات المظلمة والقوى الشيطانية نفسها نبعت من الإله ولكنها انفصلت عنه، وهي بانفصالها أصبحت قوى شريرة، أي أن الشر هو تحطيم مؤقت وعارض للواحدية الكونية والمطلقة (وهو، من هذا المنظور، ليس له وجود حقيقي، وهو فقط انفصال شجرة الحياة عن شجرة المعرفة) . ومن هذا المنظور، يصبح الشر مجرد نتيجة جانبية وليس الجانب الآخر للقداسة الإلهية نفسها (مثل النفاية التي تبقى بعد تنقية الذهب أو الثُّفْل الذي يبقى بعد عصر الخمرة الجيدة) . ولما كان الشر تفرعاً عن التجليات الإلهية، فقد كان القبَّاليون يعتقدون أن ثمة شرارة مقدَّسة حتى في الجانب الآخر. ويُلاحَظ أن الرؤيتين الثنوية والواحدية للشر (باعتبار أن الأولى ترى أن الشر له وجود مستقل ومساو للخير، والثانية لا ترى أي وجود حقيقي له) متصلتان تماماً ومتشابهتان، فكلتاهما تخلع حتمية على الشر، بل نوعاً من القداسة! وقد أدَّى هذا في نهاية الأمر إلى شيوع الفكرة القائلة بالوصول إلى الخير عن طريق الرذيلة، في أوساط الشبتانيين والحسيديين، وهذا تعبير عن البنية المغلقة على المستوى الأخلاقي. وإلى جانب الإطار الثنوي والواحدي، حاول القبَّاليون حل مشكلة الشر انطلاقاً من صورة التقابل المجازية: فالعالم السفلي يتأثر بالعالم العلوي وبالتجليات المختلفة، فيأتي السلام والخير بتأثير الحسيد أو سفيروت الرحمة، والحرب والجوع بتأثير سفيروت (جبوراه) . ولكن العالم العلوي يتأثر بدوره بالعالم السفلي، فهما متقابلان. وثمة تفسير قبَّالي لقصة الشجرة التي أكل منها آدم وحواء باعتبارها الواقعة التي أدَّت إلى فصل التجليات السفلى (الملكوت) عن التجليات العليا، وإلى انفصال الإله عن الإنسان، ومن هنا تكون الخطيئة الأولى هي الانفصال الذي أدَّى إلى نفي الشخيناه (التعبير الأنثوي عن الإله) مع جماعة يسرائيل، أي أن خطيئة الإنسان قد أثَّرت في مصير الإله نفسه تأثيرها في مصير الإنسان. ومن هنا عظَم جُرم الإنسان الذي أدَّى إلى تَفتُّت الإله، ومن هنا أيضاً تأتي أهمية ممارسة الشعائر الدينية التي تجد صداها في العالم العلوي وتؤثر فيه. ولذا، يحاول أتقياء اليهود، من خلال صلواتهم وأفعالهم، أن يصلحوا الكون وأن يعيدوا الشخيناه من المنفى، وهذه هي الفكرة التي أصبحت أساسية في القبَّالاه اللوريانية ويُطلَق عليها عملية التيقون (الإصلاح) ، أي إصلاح الانفصال ورأب الصدع الذي حدث بين الإله والإنسان نتيجة خطيئة قطع الشجرة. وهذه الفكرة هي أدق تعبير عن الحلولية القبَّالية. وقد وردت في الأجاداه فكرة أن الإله يعتمد على الإنسان، بل إن الإنسان شريك الإله في عملية الخلق (ولهذا، فبوسعه التحكم في الأشياء الصالحة، ومن هنا ارتباط القبَّالاه بالسحر) . وفي القبَّالاه، تصبح مهمة الإنسان استعادة تناسق حياة الإله الداخلية التي تعتمد على إرادة الإنسان (ومرة أخرى، يبدو كلٌ من الإله والإنسان شريكاً في عملية الخلاص) . والواقع أن هناك تقابلاً بين الإله والإنسان وامتزاجاً كاملاً بينهما في الرؤية القبَّالية. ولعملية السقوط والانفصال أصداء مختلفة، فهي سقوط آدم وهي أيضاً سقوط أو هدم الهيكل، بل هي سقوط الكون كله. لكن جماعة يسرائيل، كما تقدَّم، هي جزء من الإله تُوجَد داخله، فهي التجلي أو السفيروت العاشر الذي هو الشخيناه (التعبير الأنثوي عن الإله) التي يتم نفىها مع الشعب اليهودي، ولذا، فإن نفي اليهود خارج أرض الميعاد له دلالات خاصة تفوق حالة النفي الكونية العامة، فنفيهم يعني تفتُّت الإله وتبعثره بل نفيه. ولهذا، فإن اليهود لهم مكانة مركزية في عملية الخلاص، إذ أن عليهم أن يحيوا حياة القداسة، والتركيز الصوفي وتنفيذ التعاليم الإلهية والتمسك بالشريعة. وبذلك يأتي الخلاص لليهود وللعالم بأسره، بل للإله نفسه، إذ أن الشخيناه، وهي وجه من أوجه الإله، لن تعود إلا بعودتهم، ولن يتم اكتمال وحدة الإله إلا بهذه العودة. وبذا، فإن وجود اليهود، وكذا أفعالهم، تُشكل أساساً لاتزان الكون ولعملية الخلاص الإلهية والبشرية. بل إن رحمة الإله لا تفيض إلا بسبب أفعالهم الخيرة، فتتحول حياة اليهود العادية إلى عملية مقدَّسة يستند إليها خلاص الكون نفسه. ويظهر التقابل، بل التطابق الكامل، بين الإله والإنسان وبين العالمين العلوي والسفلي، في استخدام القبَّاليين صورة مجازية جنسية عند الحديث عن الإله أو عن عملية الخلق. فالابن ـ وهو رمز ذكري واضح ـ (السفيروت السادس) يفيض بالرحمة الإلهية التي تنزل على التجلي العاشر الذي هو الشخيناه أو التعبير الأنثوي عن الإله، وهي أيضاً جماعة يسرائيل التي يُشار إليها بتعبير «بنت صهيون» (بات تسيون) . ومن خلال التفاعل بين عناصر الذكورة وعناصر الأنوثة، تفيض الرحمة على العالمين، وتتحد الذات الإلهية، وبذلك يصبح سر وحدة الإله والكون هو نفسه الوحدة الكونية. وتُستخدَم صورة الزواج المجازية للحديث عن علاقة الإله بالشعب (ونشيد الأنشاد هو نشيد زفاف الشعب إلى الإله!) . والواقع أننا نتحدث عن هذه الأفكار بوصفها صوراً مجازية، ولكن قد يكون من الأدق الحديث عنها باعتبارها مقولات إدراكية أو حتى وجوداً أنطولوجياً أكثر منها صوراً مجازية بالمعنى المألوف، إذ أن بعض القبَّاليين كانوا يدركون الإله على هذه الهيئة. والصورة المجازية الجنسية القذفية الفيضية تعبير عن البنية المغلقة. وقد ورد في إحدى الدراسات أن الصورة المجازية الجنسية تُستخدَم لمعرفة كنه علاقات التجليات، الواحدة بالأخرى، وبالتالي فهي لا تَصدُق على علاقة الإنسان بالإله. وبناء على ذلك، يصل المؤلف إلى أن التصوف اليهودي حسب هذا الرأي يختلف عن التصوف المسيحي الذي يرمي إلى تحقيق الاتحاد بالإله، في حين تهدف التجربة الصوفية اليهودية إلى التواصل مع الإله والالتصاق به. ولكن، كما بيَّنا، تمثل الشخيناه حلقة وصل عضوية بين التجليات المختلفة الإلهية والعالم السفلي، بحيث لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر، كما أن فكرة التقابل بين الإله والإنسان تجعل الوحدة والحلولية الكاملة أمراً بيِّناً. وعلى كلٍّ، أثبتت التطورات اللاحقة في الحركات المشيحانية أن الصورة المجازية الجنسية كانت أساسية في تفكير القبَّاليين، وفي إدراك علاقة الإنسان بالإله. وإذا كانت الحلولية التلمودية قد أدَّت إلى العزلة والتعالي، فإن الحلولية القبَّالية المتطرفة أدَّت إلى عزلة وتعال متطرفين، فزادت عزلة اليهود عن العالمين، ولم يَعُد الاختلاف بينهم وبين الأغيار مسألة عقيدة وإنما أصبح مسألة أصول ميتافيزيقية مختلفة، فأرواح اليهود مستمدة من الكيان المقدَّس في حين تَصدُر أرواح الأغيار عن المحارات الشيطانية والجانب الآخر. وأعضاء الشخيناه هم أعضاء الجماعة اليهودية، أما الأغيار فهم أبناء الشيطان (نتيجة اغتصاب الشيطان الابنة/الماترونت/الملكة) . (يُلاحَظ أن الماترونيت هي مؤنث متاترون) . والخيِّرون من الأغيار هم في الواقع أجساد أغيار لها أرواح يهودية ضلت سبيلها. وإذا كان اليهود يعيشون في الظاهر بفضل الأغيار، فإن العكس في الواقع هو الصحيح، فاليهود هم وحدهم القادرون على التأثير في قنوات الرحمة التي عن طريقها سيرسل الإله رحمته إلى العالم، وهم وحدهم الذين يقفون كوسيط بين الإله والعالم، فأعمالهم الطيبة هي التي تجعل الخير يعم الجميع، وذنوبهم هي التي تأتي بغضب الإله عليهم. ويوجد في القبَّالاه أيضاً ذلك الإحساس الذي يسري في كثير من صفحات التلمود، بأن نهاية التاريخ ستشهد عُلو جماعة يسرائيل على العالمين ودمار أعدائهم من الشعوب الأخرى. وقد وصف الحاخامات الأرثوذكس النزعة القبَّالية بأنها تخلت عن التوحيد اليهودي، وأحلت محل الإله الواحد عشرة آلهة (التجليات النورانية العشرة) . وهم محقون تماماً في هذا، فالخلق عن طريق الفيض يفترض عشرة تجليات يحمل كل منها قداسة إلهية، كما أن كلاًّ منها منفصل عن الآخر، فهي تكاد تكون عدة آلهة أو إله واحد قابل للانقسام إلى أجزاء. ويمكن القول بأن التجسد في المسيحية يحدث مرة واحدة عند نزول المسيح (ابن الإله) ثم صلبه (وهو ما نسميه «الحلول الشخصي المؤقت النهائي» ) . أما التجسد في حالة القبَّالاه، فهو حالة حلولية دائمة لا تنتهي وتستمر عبر التاريخ، كما أن الفكر القبَّالي يفترض الشراكة بين الإنسان والإله وينطوي على ضرب من المساواة والتعادل والتقابل بينهما. ولكن التنوع والتعدد في السياق القبَّالي هما في واقع الأمر من قبيل الوهم، فهما مجرد مراحل وحلقات تؤدي إلى الوحدة والواحدية المطلقة النهائية، وهي وحدة تنكر الثنائية (وليس الثنوية) التي تسم الديانات التوحيدية كافة وتتمثل في ثنائية الجسد والروح، والدين والدنيا. وأكثر من ذلك، فإن القبَّالاه تنكر انفصال الإله عن الكون، وتنتهي إلى وحدة مغلقة لا يتجاوز الإله فيها مخلوقاته. لكن هذه الوحدة المطلقة النهائية تنطوي على إنكار أية دلالة تاريخية وأي وجود إنساني متعَيِّن، ذلك لأن كل الظواهر المادية والروحية والمعنوية تدخل في إطار هندسي جامد وتخضع للقوانين الصوفية أو الميكانيكية أو الرياضية نفسها، أي أن التفكير القبَّالي تفكير غير جدلي ولا يرى أي تناقض حقيقي بين الأشياء، فهو يذيب حدودها تماماً، ويذيب الهويات كافة، ومنها هوية اليهود كأفراد، ولا يُبقي سوى هوية (وحقوق) جماعة يسرائيل كمركز للكون والجنس البشري والوجود الإلهي. ولكل هذا، فإن التفكير القبَّالي يحوي داخله نقيضين: تعدُّداً من ناحية، يرى الإله أجزاء وتجليات مختلفة، ومن ناحية أخرى واحدية متطرفة لا ترى أي وجود للإله خارج مخلوقاته المادية، وهذه إحدى سمات الأنساق الدينية الحلولية المتطرفة. الباهير Bahir «باهير» كلمة عبرية معناها «الساطع» أو «المشرق» ، وهي اسم كتاب مجهول المؤلف يُعَدُّ أقدم النصوص القبَّالية. وقد كان هذا الكتاب معروفاً في جنوب فرنسا في نهاية القرن الثاني عشر (في منطقة عُرفت بالنزعات الهرطقية) ، وإن كان تاريخ تأليفه لا يزال مجهولاً، ثم انتقل إلى إسبانيا في القرن الثاني عشر أو في القرن الثالث عشر، ثم انتقل بعد ذلك إلى إيطاليا. ويحتوي الكتاب على أول محاولة لشرح النظرية القبَّالية الحلولية في الفيض الإلهي، وفكرة تناسخ الأرواح، كما يحاول الكتاب وضع أسس التفسير الصوفي لحروف الأبجدية العبرية، كما ترد في الرموز الصوفية القبَّالية في شجرة الحياة مثلاً. وقد وردت فيه كذلك فكرة التجليات النورانية العشرة (سفيروت) التي تجلت من الإله الخفي. ويعتمد كتاب الباهير على كتاب سبقه هو سفر يتسيرا (كتاب الخلق) . وبينما يميل كتاب الخلق إلى تَبنِّي المنطق الرياضي في حساب التجليات العشرة ودور كل شيء فيها وطبائع الحروف (المائية والنورانية والهوائية) نجد أن كتاب الباهير يميل إلى القصص الأسطوري. وقد لوحظ التشابه القوي بينه وبين كتابات بعض الجماعات الغنوصية مثل الكاثاريين (المرأة مساعد للشيطان ـ الشر نتيجة المعاشرة الجنسية بين آدم وبعض الجنيات ـ الشمال مصدر للشرور) . وقد كُتب الباهير بخليط من العبرية والآرامية، وبأسلوب غامض، وبناء الكتاب غير متماسك. ويبلغ عدد كلمات الباهير اثنى عشر ألف كلمة. وظهرت أولى طبعاته في أمستردام عام 1651، وظهرت طبعة جديدة في القدس عام 1951، وترجمه إلى الألمانية جيرشوم شوليم. التجليات النورانية العشرة (سفيروت) Sephirot «التجلِّيات النورانية العشرة» هي المقابل العربي لكلمة «سفيروت» العبرية، وهي من الكلمة العبرية «سفيراه» من الجذر العبري «سافار» المرتبط بالكلمات التالية: «سابار» (رقم) ـ «سيفر» (كتاب) ـ «سيبر» (يحكي) ـ «سابير» (لمعان) ـ «سيبار» (حدود) . وكلمة «سفيروت» تعني حرفياً «الأعداد» أو «الأرقام» ، ثم أصبحت الكلمة فيما بعد تشير إلى التجلِّيات الإلهية (ومن ثم فهي من أهم المفاهيم أو الصور الحلولية في القبَّالاه) . وقد كانت هناك مصطلحات أخرى في بداية الأمر لوصف السفيروت أو حالة الامتلاء، فكانت تُسمَّى «الصفات» (ميدوت) أو «القوى» (كوحوت) أو «الدرجات» (معالوت) أو «الخطوات» ، كما سُمِّيت «الأسس» و «الأسماء» و «التيجان» و «السمات» و «القنوات» ، وسُمِّيت أخيراً «سفيروت» . والسفيروت تجلّيات الإشعاعات الصادرة من النور الذاتي للإله، وهي التي أوجدت العالم، فهي جذر المخلوقات، وهي الواسطة وحلقة الوصل بين الإله والكون، فإذا كان الإله هو نقوداريشوناه (النقطة الأولى) فإن التجلّيات هي النقط (نقودوت) ، وهي أداته في خلق العالم وحكمه، وهي أيضاً الأوعية التي يفيض فيها الإله، ولذا تُسمَّى أيضاً «قنوات الفيض» (سفيروت هشيفع) . وهي أيضاً القوى الكامنة ومراحل التجلِّيات أو التجلِّيات نفسها، وهي نواحي الخلق وبؤره أيضاً. والتجلّيات النورانية عشرة، تركز قبَّالاة الزوهار على التأمل فيها، كما تُعنَى بتصنيفها ودراسة العلاقات بينها والهيئات التي تتخذها. والتجلّيات النورانية العشرة في القبَّالاه اللوريانية تقابلها الصور التي تسمَّى «البرتسوفيم» وعددها خمس. ودرجات التجلّيات النورانية العشرة هي: 1 ـ كيتر (أو كيثر) عليون، أي التاج الأعلى للإله، وهي أيضاً الإرادة المقدَّسة والعقل الفعّال (لوجوس) ، ويُشار إليها أحياناً بالتاج وحسب، وهي أول مرحلة تخرج من الإين سوف أو الإله الخفي. ومع هذا، يساوي بعض القبَّاليين بين هذا التجلي وبين الإله الخفي نفسه، فهو متوحِّد تماماً مع العدم وليس بإمكان العابد أن يدركه أو يصلى له. ويخرج من هذا التجلي النوراني زوجان مختلطان جنسياً، فهو كائن خنثى. 2 ـ الحوخمه، أي الحكمة، وهو أول التجلِّيات المتعيِّنة التي انفصلت عن الإله المتخفي، وهو الفكر الإلهي الكوني (محشفاه) الذي يسبق الخلق، ولذا فهو يحتوي على النماذج المثلى التي وضعها الإله لجميع العوالم، ويُشار إليه بأنه الأب العلوي أو السماوي، وهو أيضاً العلة (الذكرية) الأولى. وقد تحوَّل فيما بعد من الفكر الإلهي إلى الإرادة أو الرغبة الإلهية. 3 ـ البيناه، أي الفهم أو الذكاء. وهو خلاف الحكمة، فهو العقل الذي يميِّز بين الأشياء والذات والمخلوقات. ولذا، فهو المرحلة التي يتحقق أو يولد فيها النموذج الخفي الكامن ويأخذ شكلاً محدداً. وهذا التجلي النوراني هو أيضاً الأم السماوية، وهو عملية الخلق نفسها، وهو أيضاً العلة الأنثوية الأولى، ويدخل التجليان النورانيان الثاني والثالث في علاقة جنسية خاصة إذ يتزاوجان فينجبان التجليين النورانيين السادس والعاشر، وهما أهم التجلِّيات على الإطلاق. ولكن الفيض الإلهي يستمر وتظهر التجلّيات الأخرى. 4 ـ جيدولاه، أي «العظمة» . وأحياناً يشار إليه بكلمة «حسيد» ، وهو حب الإله الفائض والرحمة. 5 ـ جبوراه، أي القوة أو السلطة، وغالباً ما كان يشار إليه بكلمة «دين» ، أي «الحكم الصارم» ، وهو مصدر الحكم الإلهي والشريعة والأوامر والنواهي والوصايا، وخصوصاً النواهي. 6 ـ تفئيرت، أي الجمال، ويشار إليه أيضاً بمصطلح «رحاميم» أي «التعاطف» . وهو أيضاً الشمس والابن والملك المقدَّس وعريس يسرائيل، وهو الوسيط بين التجليين الرابع والخامس ليأتي بالتناسق والرحمة للعالم. وهو، كما تقدَّم، أهم التجلِّيات النورانية. ويُلاحَظ أنه يتوسط التجلِّيات، ويلعب دوراً مهماً في عملية الخلق والخلاص (وثمة أصداء واضحة هنا لفكرة ابن الإله وابن الإنسان وهي فكرة مسيحية) . 7 ـ نيتسح، وهو التحمل، أو الأزلية والنصر. 8 ـ هود، أي جلال الإله. 9 ـ يسود عولام، أي أساس العالم. وهو أساس كل القوى النشيطة في الإله، وهو الذي يصل بينه وبين الأرض، ويُشار إليه أحياناً بكلمة «التساديك» (الصديق) أي الرجل النقي. ويرتكز على هذا التجلي كل التجلِّيات السابقة، كما أن الفيض الإلهي يصل إلى الشخيناه من خلال يسود عولام. ولذا، فهو يأخذ شكل القضيب. 10 ـ ملكوت، أو المملكة. وهو أيضاً عَتَراه (أو عتيريت) ، أي التاج المرصَّع بالجواهر، أو الإكليل، وهي الشخيناه والماترونيت وكنيست يسرائيل (جماعة يسرائيل) . وتُقسَّم التجلّيات النورانية إلى مجموعات تضم كل منها ثلاثة: أولها التاج أو الإدارة، والحكم، والفهم، وهذه تشكل الجانب الفكري في الكيان الإلهي. أما العظمة والقوة والجمال، فتشكل الجانب النفسي أو الأخلاقي. وأما التحمُّل والجلالة والأساس، فهي تمثل القوى المادية في داخل الطبيعة. أما التجلي العاشر فيخضع لتفسيرات كثيرة، وهو القناة الموصلة بين الإله والدنيا. وتظهر الدروب أيضاً على هيئة مثلثات أو دوائر متداخلة، أو هيئة شجرة كونية شامخة جذورها في الإين سوف في الأعالي، وتمتد ساقها وأغصانها في اتجاه العالم الأرضي. وقد تم الربط بين التجلِّيات والرياح الأربع والعناصر الأربعة، وأيام الخلق السبعة والدورات الكونية السبع. كما ظهرت التجلِّيات على هيئة الآدم قدمون أو الإنسان الكوني (الأول أو القديم) . وفي هذه الصورة، تشكل التجلِّيات الثلاثة الأولى رأسه، والرابع والخامس ذراعاه، والسادس صدره، والسابع والثامن ساقاه، والتاسع عضوه الجنسي، والعاشر يشير إما إلى الصورة كلها أو إلى الأنثى التي تصاحب الذكر. وعلى يسار الآدم قدمون كل الصفات السلبية، وإلى يمينه الصفات الإيجابية. وقد صدرت كل التجلّيات عن الإين سوف الذي هو أيضاً الآيين، أي «العدم» ، والذي يمكن أن نترجمه بعبارة «الإله الخفي» ، وهو إله لا يمكن إدراكه ولا الصلاة له. أما التجلّيات النورانية، فهي تجليات ذاتية له، وفيض منه، وهي طريقه إلى أن يخلق نفسه. وقد كان يُنظَر أحياناً إلى التجلِّيات باعتبارها جزء لا يتجزأ من جوهر الإله، وأن مراحل التجلي تمت داخل الذات الإلهية. ولكن الرأي الغالب هو أن يُنظَر إليها باعتبارها أوعية منفصلة عنه يفيض فيها. وهذا يبين تذبذب القبَّاليين بين الرؤية التوحيدية التي ترى الإله جوهراً واحداً لا يتجزأ والرؤية الثنوية التي تقبل التعددية، وإن أدركت القبَّالاه الوحدة فهي وحدة أحادية حلولية مادية. والتجلّيات النورانية العشرة تقابلها تجلّيات عشرة مظلمة، هي السترا أحرا، وهي تجليات اليسار التي استقلت عن الذات الإلهية. وعلاقة كل تجلٍّ نوراني (سفيراه) بسائر التجلّيات موضع دراسة مستفيضة من القبَّاليين، إذ يُنظَر إلى هذه التجلّيات باعتبارها متصلةً بعضها بالبعض الآخر، من خلال الشيفع، أي الفيض، فتسري فيه الرحمة الإلهية وكأنها النهر. وأهم العلاقات بين التجلّيات علاقة التجلي السادس بالعاشر. فالتجلي السادس، وهو مركز النظام القبَّالي كله، يتلقى فيض القوى العليا، وينسقها ويرسلها إلى القوى السفلى، ويجسد المقدرة الإبداعية الحيوية للتجليات ويعبِّر عنها من خلال الرموز الأساسية للذكورة، فهو كما أسلفنا الشمس والملك والعريس. أما التجلي العاشر، أي الملكوت، فهو الشخيناه أو التعبير الأنثوي عن الخالق، وهي الرحمة والقمر والملكة والعروس. ولكن، رغم أن التجلي العاشر يقع أسفل باقي التجلِّيات، فإنه ذو اليد الطولى في علاقته بالعالم السفلي (البشري) ، فيتم تأكيد جوانبه الملكية، ويصبح هو الأم التي تتلقى سيل الرحمة التي تفيض من أعلى (من التجلي السادس) . ويتم التعبير عن العلاقة الأساسية بين التجلِّيات المختلفة من خلال صورة مجازية أو مقولة إدراكية جنسية واضحة. فالعلاقة بين الأب والأم (التجليان الثاني والثالث) علاقة جنسية واضحة، وهما في حالة مضاجعة دائمة وعناق أزلي، ومتى أراد الأب أن يقذف، فإنه يجد الأم على استعداد دائم (وهذا يذكرنا بالكاما سوترا الهندوكية) . ويجب ألا ننسى أن الأب والأم هما النموذجان الأمثلان المتحققان. وقد حملت الأم من الأب، وأنجبت الابن والابنة، وكانا في الأصل كائناً واحداً أحادياً مخنثاً (ذكر/أنثى) يعبِّر عن الواحدية الكونية، ولكن الابن انفصل عن الابنة وبدأت قصة الحب بين الأخوين. وابتعاد الأخوين هو مصدر الخلل الكوني، فإذا اجتمعا عمَّ السلام. وكان من المفترض، بعد عملية الخلق الأولى، أن يجتمع الابن والابنة بالمعنى الحَرْفي والجنسي، ولكن السقوط أدَّى إلى فراقهما وزاده. ويبدأ الملك في البحث عن الملكة (الماترونيت أو الشخيناه) . وتصف القبَّالاه العلاقة بينهما، وكيف كان الملك يمسح ثدييها ويجتمع بها. ويصبح التجلي التاسع «اليسود» (تساديك) عضو التذكير الذي يصل بين الملك والملكة (وبالتالي يصبح شيفا الذي يفيض بالمنيّ في التراث الهندوكي) . وقد خلق الإله الشعب اليهودي ليُصلح الخلل ويُقرِّب الابن والابنة. ولكن، بسبب ذنوب جماعة يسرائيل، هدم مخدع الشخيناه، أي الهيكل، فنُفيت الشخيناه معهم خارج فلسطين. وبذلك تصبح الصورة المجازية الجنسية المقولة الإدراكية التفسيرية الكبرى في القبَّالاه، فهي تبيِّن سر الكون، ومصدر الوحدة بين الإله ومخلوقاته، وأصل مكانة الشعب المختار المتميِّزة، وهي أيضاً الطريقة التي تتوحد بها الذات الإلهية وتتحقق إذ أن توحُّد التجلِّيات هو توحُّد الإله واكتمال وجوده. وفي إحدى الدراسات، ورد أن الصورة المجازية الجنسية تُستخدَم لمعرفة علاقة التجلِّيات، الواحد بالآخر، وبالتالي فهي لا تنطبق على علاقة المخلوق بالإله. وبناء على ذلك، يصل المؤلف إلى أن التصوف اليهودي يختلف عن التصوف المسيحي حيث يرى المؤلف أن هدف التصوف المسيحي هو الاتحاد بالإله بينما هدف التجربة الصوفية اليهودية هو التواصل مع الإله والالتصاق به. ولكن الشخيناه، كما بيَّنا، تمثل حلقة وصل عضوية بين التجلِّيات المختلفة والعالم السفلي، بحيث لا يمكن فصل الواحد عن الآخر. كما أن فكرة التقابل بين الإله والمخلوقات، وهي فكرة أساسية في القبَّالاه، تجعل الوحدة والحلولية الكاملة أمراً واضحاً. وعلى كلٍّ أثبتت التطورات اللاحقة في الحركات المشيحانية أن الصورة المجازية الجنسية كانت أساسية في تفكير القبَّاليين وفي إدراك علاقة الإله بالإنسان. وإن كان ثمة اختلاف بين التصوفين المسيحي واليهودي، فهو في الهدف من عملية التوحد وفي نتيجته. فالهدف في التصوف المسيحي هو الفناء في الذات الإلهية، والثمرة هي السكينة، أما في التصوف اليهودي فالهدف هو التوحد مع الذات الإلهية للتأثير فيها، والثمرة هي التحكم. والتجلّيات النورانية هي، ولا شك، تعبير عن عودة ما إلى التفكير الأسطوري والأساطير الإغريقية بآلهتها المذكرة والمؤنثة وتصوير زواج زيوس بجونو، وهي تشبه أفكاراً مماثلة في النسق الديني الهندوكي. وبإمكان الدارس أن يُلاحظ كيف تأثر فرويد بهذا الفكر القبَّالي الذي درسه. وقد وُصفت القبَّالاه بأنها تجنيس الإله وتأليه الجنس (بمعنى الغريزة الجنسية) . التوحد بالإله والالتصاق به) ديفيقوت) Devekut «التوحد مع الإله والالتصاق به» ترجمة لكلمة «ديفيقوت» التي تعني «الالتصاق بالإله» . والكلمة تشير إلى الحب العميق للإله الذي يؤدي إلى التوحد معه، وهو مفهوم حلولي. والمصطلح يستند إلى تلك العبارة التي وردت في سفر التثنية (11/ 22) : "لتحبوا الرب إلهكم وتلتصقوا به". وقد صار الديفيقوت مفهوماً مركزياً في القبَّالاه، وأصبح يشير عند إبراهيم أبى العافية إلى «الشطحة الصوفية» . وهذا هو أيضاً معنى الكلمة عند الحسيديين الذين أصبح الدفيقوت هو العنصر الأساسي في عبادة الإله عندهم. ولكن الالتصاق بالإله لا يعني الخضوع له أو الفناء فيه وإنما يعني التوحد به، وهو توحُّد يؤدي إلى معرفة الإنسان سر الإله وطبيعته وكنهه بحيث يمكن التأثير في الإله والتحكم الإمبريالي في الكون. التفسيرات الرقمية (جماتريا) Gematria «التفسيرات الرقمية» هي الترجمة العربية لكلمة «جماتريا» ، وهي كلمة مأخوذة من اللفظ اليوناني «جيومتري» ومعناه «هندسة» . ومنهج الجماتريا هو منهج في شرح كلمات من العهدين القديم والجديد، ويستند إلى تحليل القيمة العددية لحروف الكلمات العبرية التي يعتبرها المفسرون القبَّاليون وغيرهم مقدَّسة. وقد ظهر هذا المنهج بين معلمي المشناه (التنائيم) في القرن الثاني الميلادي، وورد في التلمود مائة وخمسون حالة استخدام للجماتريا، ثم ساد هذا المنهج بين المفسرين بسيادة الفكر القبَّالي وطموحه الأساسي للوصول إلى العرفان أو الغنوص أو الصيغة الهندسية التي تؤدي إلى التحكم في العالم. وتُفسِّر العبارة التي وردت في سفر التكوين (14 /14) «318 عضواً في بيت إبراهيم» بأنها تعني «خادم إبراهيم» ، لأن القيمة العددية لاسم هذا الخادم هي 318. وكلمة «ريدو» ، وهي بمعنى «اهبطوا» الواردة في سفر التكوين (40/2) وتُفسَّر بأنها تشير إلى عدد السنوات التي قضاها شعب يسرائيل في مصر وقيمتها 210 سنوات (فالراء = 200، والدال = 4، والواو = 6) . وقد استخدم القبَّاليون الجماتريا لتحديد تاريخ قدوم الماشيَّح. ويتميَّز منهج الجماتريا بأن المفسِّر الذي يستخدمه يمكنه أن يستخلص من خلاله أي معنى من أي نص. فالعهد القديم مليء بالكلمات التي يَسهُل اختيار المناسب منها لتتلاءم مع الرقم الذي يريده واضع الحساب. وكان هرتزل يكتب خطاباته أحياناً بطريقة لا يمكن فهمها إلا باستخدام منهج الجماتريا في التفسير. التجلي الأنثوي للإله (شخيناه) Shekhinah «التجلي الأنثوي للإله» تعبير تقابله كلمة «شخيناه» ، وهي كلمة عبرية تعني حرفياً «السكون» ، أو «الهجوع» . وهي تشير في الأدبيات الدينية اليهودية إلى الحضرة الإلهية، أو حلول الإله في الإنسان والعالم. ويرى بعض علماء الدين أن ثمة علاقة بين فكرة الشخيناه، وفكرة اللوجوس في فلسفة فيلون. ويرى باتاي أن الشخيناه ـ أصلاً ـ إلهة كنعانية قديمة هي ملكة السماء وأن اليهود قاموا بعبادتها في المملكة الجنوبية قبل سقوط أورشليم، ويُقال إن بعض اليهود الذين فروا إلى مصر استمروا في عبادتها مدة طويلة بعد ذلك. وقد جاء في العهد القديم (خروج 25/8، ولاويين 16/16) أن الإله يسكن وسط شعبه. ويؤكد التلمود أن الحضرة الإلهية لا توجد إلا في وسط الشعب. ولعل الشخيناه تتلبس أيضاً في اليهودي حينما ينفذ التعاليم الإلهية. وهي تتحول إلى حقيقة فعلية، أي تتجسد في الأشخاص والأماكن والأشياء ذات القداسة، وخصوصاً في ساعات الدروس الدينية والصلاة، أي أنها تتجلى داخل الزمان والمكان وفي الشعب اليهودي بأسره، ويرمز الضوء عادةً للشخيناه. وفي التراث القبَّالي، تُعَدُّ الشخيناه أهم التجلِّيات النورانية العشرة (سفيروت) على الإطلاق، فهي السفيراه أو التجلي العاشر والأخير الذي يربط بين الإله ومخلوقاته لأنها الحلقة الأخيرة وأقربها إلى العالم الأرضي، وهي التعبير الأنثوي عن الإله الذي يتلقى الفيض الإلهي (أو المنيّ الإلهي) ويوزعه على العالمين، وهي الابنة والماترونيت والملكة والقمر الذي لا يشع نوراً وإنما يعكس نور الشمس. وهي أيضاً راحيل التي تبكي من أجل الشعب، وهي الشفيعة بين الإله والإنسان (وهي في هذا تشبه العذراء مريم في اللاهوت الكاثوليكي الذي تأثر به القبَّاليون) . وهي أخيراً كنيست يسرائيل أو شعب يسرائيل أو جماعة يسرائيل، وأعضاء الشخيناه هي أعضاء الشعب اليهودي. ورغم أنها آخر التجلِّيات، فإنها ذات اليد الطولى في علاقة كل التجلّيات بالعالم السفلي البشري، كما تجري المساواة بين الشخيناه والتوراة ويُقرَن بينهما. والشخيناه، باعتبارها ابنة أو ملكة، كانت جزءاً من كيان واحد مخنث يضم الابن/الملك المقدَّس (السفيراه السادس) الذي انفصل عن أخته، ولكنه يبحث عنها دائماً ويطاردها، ولن يتم إصلاح الخلل الكوني الناجم عن سقوط الإنسان إلا بالجماع (الجنسي) بينهما. وقد خلق الإله الشعب اليهودي لإصلاح الخلل، وكان الكون قد اقترب من لحظة الخلاص هذه، حين اتحد الابن/الملك (في صورة موسى) مع الشخيناه فوق جبل سيناء. وكاد ينصلح الخلل، ولكن خطيئة العجل الذهبي أعادته مرة أخرى. ومع ندم الشعب على فعلته، بدأت مرة أخرى عملية الإصلاح التي أخذت شكل غزو أو اقتحام كنعان (هذا الاقتحام الذي يكتسب هنا معنىً جنسياً) ، ثم بناء الهيكل الذي حلت فيه الشخيناه وتوحَّدت بالشعب (ويُلاحَظ أن كلمة «يحوِّد» العبرية وتعني «توحد» هي الكلمة التي تُستخدَم في النصوص الشرعية القانونية للإشارة إلى الجماع) . وبسبب ذنوب جماعة يسرائيل هُدم مخدع الشخيناه، أي الهيكل، فنُفيت الشخيناه معهم خارج فلسطين. وهدف الحياة الآن هو توحُّد (يحوِّد) الابن مع الشخيناه، فكلما زادت ذنوب جماعة يسرائيل زاد نفي الشخيناه وزاد بعدها عن الابن، وكلما حافظوا على الوصايا والصلاة وتنفيذ تعاليم التوراة ازداد اقتراب الابن من الابنة. وحتى يقوم اليهودي بدوره في عملية اليحود (الاجتماع/الجماع) ، فإن عليه أن يردد الدعاء التالي قبل أن ينفذ أحد الأوامر أو النواهي، وقبل أن يؤدي صلاته: «من أجل توُّحد (يحوِّد) الواحد المقدَّس، الحمد له مع أنثاه (الشخيناه) » . والشخيناه المنفيَّة البعيدة عن الابن/الملك/الشمس، يهجم عليها الشيطان سمائيل ويغتصبها، بل يهجم عليها آلهة (أو أشباه آلهة) آخرون، ويتمكنون جميعاً من السيطرة عليها وتملُّكها والتمتع بها. وقد كانت ثمرة هذا الاغتصاب خلق الأغيار الذين يرضعون منها، تماماً كما كان يفعل اليهود حينما كانت الشخيناه بينهم. ورغم أن الشخيناه هي العنصر الأنثوي، فإنها العنصر الأقوى والأكثر فعالية من العنصر الذكوري. وحينما تحين لحظة الانتقام من معذبي اليهود، ستتحول الشخيناه إلى وحش كاسر تقود جنوداً خرافيين. وهي بذلك (حسب رأي باتاي) تصبح مثل آلهة العذاب التي تُلحق الأذى بالجميع دون تمييز، وتصبح المرأة الكونية المدمرة التي تبتلع آلاف الأنهار: تتجه أيديها وأظفارها في جميع الاتجاهات ولا يهرب من قبضتها أحد. وسيخرج من بين ساقيها شاب هو الملاك ميتاترون الذي سيدمر العالم. ويُقال إن الشخيناه، في حالتها هذه، هي «السترا أحرا» أي (الجانب الآخر من الذات الإلهية) «قوى الشر» . وقد أثارت فكرة الشخيناه قضية الشرك والتوحيد. فهي يُنظَر إليها أحياناً كمجرد تجلّ للإله أو حتى كأحد أسمائه. ولكن أحد كتب المدراش جاء فيه فقرة يُفهَم منها أن الشخيناه مادة منفصلة عن الإله، وأنه وضعها بين جماعة يسرائيل، وأنه يتحدث معها أحياناً. والشخيناه، كما تَقدَّم، حلَّت في الهيكل، ولذا فقد أدَّى هدمه إلى صعودها إلى السماء أو إلى نفيها مع الشعب (وهناك رأي يذهب إلى أن جزءاً منها بقي حالاًّ في حائط المبكى يتأوه ويبكي من أجل الشعب) . وخلاص جماعة يسرائيل يعني أيضاً خلاص الشخيناه. وهناك عبارات وطقوس وأدعية كثيرة يُفهَم منها تَجسُّد الشخيناه وتَجزُّؤها. ولابد أن فكرة التجسُّد هنا صدى للاهوت المسيحي أيضاً. وقد حاول الفلاسفة اليهود أن يعيدوا تفسير فكرة الشخيناه بحيث يبعدون عن الإله أي تشبيه أو تجسُّد. ولذا، قرر سعيد بن يوسف الفيومي أن الشخيناه كيان مخلوق منفصل تماماً عن الإله، وبهذا احتفظ للجوهر الإلهي بوحدته. وقد قال: إن الشخيناه، مثل الملائكة، وسيط بين الإله والإنسان، وهي النور الذي يراه الأنبياء أثناء الوحي الذي يأخذ شكلاً بشرياً أحياناً. وقد تبعه موسى بن ميمون في ذلك. أما نحمان كروكمال، فقد حاول تفسيرها تفسيراً هيجلياً، فهو يرى أن لكل شعب قوة روحية، ولكن قوة الشعب اليهودي الروحية متجذرة في الروح المطلقة نفسها، وتأخذ أكثر الأشكال صفاء ونقاء، وتُدعَى الشخيناه. وهذا، حسب رأي كروكمال، ما كان يعنيه الحاخامات، حينما كانوا يقولون إن الشخيناه كانت تسير مع الشعب اليهودي. فهي هنا مثل فكرة الشعب العضوي (فولك) الألمانية التي نبع منها الفكر النازي. أما هرمان كوهين، ففسرها بأنها الراحة المطلقة والأساس الأزلي للحركة. أما بوبر، فيعود إلى فكرة الانقسام والثنائية الأولى، فالشخيناه تعني أن الإله لم يهجر شعبه قط رغم كل معاناته وإنما يحل فيه وبينه. وتزداد الحلولية عند روزنزفايج، فالشخيناه جسر بين «إله آبائنا» و «بقية يسرائيل» ، أي البقية الصالحة، كما أن نزول الشخيناه إلى اليهود وسكناها بينهم يعني الانقسام داخل الإله نفسه، فهو ينزل ويعاني مع شعبه يتجول معهم في منفاهم، بل إنه في نهاية الأمر يعاني أكثر من الشعب وتتحمل البقية الصالحة في يسرائيل أحزانه (وفي هذا صدى لفكرة الصلب المسيحية) . الدورات الكونية Cosmic Cycles لم تتناول القبَّالاه علاقة الإله بنفسه، أو علاقته بالبشر، ورؤية الكون وفكرة الشر، وحسب، وإنما حاولت أن تقدم رؤية للتاريخ أخذت شكل الدورات الكونية. وحسب هذا الرأي، يتكون الزمان الكوني، أي تاريخ الكون من البدء حتى النهاية، من سبع دورات تتكون كل واحدة منها من سبعة آلاف عام. وتتكون كل دورة من وحدات طول كل واحدة منها سبع سنوات، في نهاية كل منها تقع السنة السبتية أو سنة شميطاه. ويتحكم في كل دورة أحد الكواكب السبعة. وفي الدورة الخمسين (النهائية) سيحطم الإله العالم، فيعود إلى حالة الهيولي أو الفوضى الأولى، ثم تبدأ دورات أخرى. وفي رواية أخرى، يتحكم في كل دورة كونية أحد التجلّيات النورانية العشرة (سفيروت) ابتداءً من التجلي الرابع، فالثلاثة الأولى خامدة كامنة خفيَّة، ولا تتحكم في أية عوالم خارجة عنها. وتخرج العوالم السبعة، التي تناظر التجلّيات النورانية السبعة (4 ـ 10) ، من البيناه (الفهم) ، وهي تُسمَّى أم العوالم. وبعد ستة آلاف عام، يحل الألف السابع، وهي مرحلة تحل فيها الدورة الكونية، ثم تظهر دورة كونية تالية تتحكم فيها السفيراه التالية حتى الدورة السابعة حينما ينحلّ كل الزمان في اليوبيل الكوني، ويعود الكون للبيناه، وتبدأ الدورات من جديد. وكان الرأي الغالب بين القبَّاليين أن العالم الآن في دورة الجبوراه أي العدالة الصارمة، ولذا فإن الدورة السابقة كانت دورة حب الإله الفائض أو دورة الحسيد. ولكل دورة تفسيرها الخاص للتوراة. فالكلمات باعتبار أنها دوال، تظل كما هي، أما المدلولات فتتغيَّر تماماً. ولذا، فتوراة الدورة السابقة لم تكن تضم أياً من الفرائض (الأوامر والنواهي) . وقد ذكر القبَّاليون أن بعض أرواح الدورة السابقة ظهرت مرة أخرى في هذه الدورة، ولذلك يستطيع أصحاب هذه الأرواح أن يقرأوا التوراة السابقة، ويمكنهم كذلك أن يخففوا عبء الأوامر والنواهي بل أن يبطلوها تماماً. وهذا ما فعله شبتاي تسفي وفرانك وغيرهما من أصحاب الحركات المشيحانية الترخيصية. ويمكن التوصل إلى أن الدورة الزمنية الأخيرة، دورة الشخيناه، سترى سيادة أعضاء جماعة يسرائيل، باعتبار أنهم متوحدون معها، وهكذا ينتهي التاريخ بانتصار اليهود. وترتبط فكرة الدورات الزمنية بأفكار أخرى مثل التناسخ والآدم قدمون. ومن الواضح أن فكرة الشعب المختار والعودة هي فكرة تعويضية يحاول اليهود أن يشكِّلوا من خلالها رؤية للتاريخ تحقق لهم ما لم يتحقق في التاريخ الفعلي. ويُلاحَظ أيضاً أن القبَّالاه بشكل عام، وفكرة الدورات الكونية بشكل خاص، تدل على أن أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب كانوا يشعرون بمدى ثقل الحمل الذي وضعته عقيدتهم على كاهلهم، وبدأوا يبحثون عن مخرج من هذه الورطة. وقد كانت الحركات المشيحانية الترخيصية تحقق لهم ذلك، ثم جاءت الصهيونية لتطرح نفسها بديلاً عن اليهودية، ولتضع اليهود فوق اليهودية، ولتجعل منهم شعباً مثل كل الشعوب لا شعباً مختاراً ينوء تحت نير الاختيار. وغنيٌّ عن القول أن فكرة الدورات الكونية تلغي أي إحساس بالتاريخ وتركز على البدايات والنهايات فقط، وهذه سمة أساسية في فكر الجماعات الوظيفية وفي الفكر الصهيوني. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
قبَّالاة الزوهار والقبَّالاه اللوريانية
Zohar and Lurianic Kabbalah تنقسم القبَّالاه إلى تيارين أساسيين، أو هي تيار أساسي واحد تفرَّع إلى عدة تيارات. أما التيار الأول فهو قبَّالاة الزوهار نسبة إلى كتاب الزوهار. وحينما تكون الإشارة إلى القبَّالاه بشكل عام، أو إلى القبَّالاه دون تخصيص، فإن المقصود عادةً هو قبَّالاة الزوهار ( «القبَّالاه النبوية» حسب تعبير جيرشوم شوليم) ، وليس «القبَّالاه اللوريانية» نسبة إلى إسحق لوريا ( «القبَّالاه المشيحانية» حسب تعبير جيرشوم شوليم نفسه) . والواقع أن البنية الفكرية لقبَّالاة الزوهار هي البنية العامة للقبَّالاه قبل دخول الأفكار اللوريانية عليها. ويمكن الرجوع إلى مدخل القبَّالاه اللوريانية لمعرفة الفروق العامة بين التيارين. ومن أهم مفكري قبَّالاة الزوهار إبراهيم أبو العافية، وكذلك موسى كوردوفيرو آخر ممثلي قبَّالاة الزوهار، وهو أستاذ لوريا مؤسس القبَّالاه اللوريانية. الزوهار Zohar.... «زوهار» كلمة عبرية تعني «الإشراق» أو «الضياء» . وكتاب الزوهار أهم كتب التراث القبَّالي، وهو تعليق صوفي مكتوب بالآرامية على المعنى الباطني للعهد القديم، ويعود تاريخه الافتراضي، حسب بعض الروايات، إلى ما قبل الإسلام والمسيحية، وهو ما يحقق الاستقلال الفكري (الوهمي) لليهود، وكتابته بلغة غريبة، تحقق العزلة لأعضاء الجماعات اليهودية الوظيفية. ويُنسَب الكتاب أيضاً إلى أحد معلمي المشناه (تنائيم) الحاخام شمعون بن يوحاي (القرن الثاني) ، وإلى زملائه، ولكن يُقال إن موسى دي ليون (مكتشف الكتاب في القرن الثالث عشر) هو مؤلفه الحقيقي أو مؤلف أهم أجزائه، وأنه كتبه بين عامي 1280 و1285، مع بدايات أزمة يهود إسبانيا. والزوهار، في أسلوبه، يشبه المواعظ اليهودية الإسبانية في ذلك الوقت. وبعد مرور مائة عام على ظهوره، أصبح الزوهار بالنسبة إلى المتصوفة في منزلة التلمود بالنسبة إلى الحاخاميين. وقد شاع الزوهار بعد ذلك بين اليهود، حتى احتل مكانة أعلى من مكانة التلمود، وخصوصاً بعد ظهور الحركة الحسيدية. ويتضمن الزوهار ثلاثة أقسام هي: الزوهار الأساسي، وكتاب الزوهار نفسه، ثم كتاب الزوهار الجديد. ومعظم الزوهار يأخذ شكل تعليق أو شرح على نصوص من الكتاب المقدَّس، وخصوصاً أسفار موسى الخمسة، ونشيد الأنشاد، وراعوث، والمراثي. وهو عدة كتب غير مترابطة تفتقر إلى التناسق وإلى تحديد العقائد. ويضم الزوهار مجموعة من الأفكار المتناقضة والمتوازية عن الإله وقوى الشر والكون. وفيه صور مجازية ومواقف جنسية صارخة تجعله شبيهاً بالكتب الإباحية وهو ما ساهم في انتشاره وشعبيته. والمنهج الذي يستخدمه ليس مجازياً تماماً، ولكنه ليس حرفياً أيضاً، فهو يفترض أن ثمة معنى خصباً لابد من كشفه، ويفرض المفسر المعنى الذي يريده على النص من خلال قراءة غنوصية تعتمد على رموز الحروف العبرية، ومقابلها العددي. وتُستخدَم أربعة طرق للشرح والتعليق تُسمَّى «بارديس» ، بمعنى «فردوس» وصولاً إلى المعنى الخفي، وهي: 1 ـ بيشات: التفسير الحرفي. 2 ـ ريميز: التأويل الرمزي. 3 ـ ديروش: الدرس الشرحي المكثَّف. 4 ـ السود: السر الصوفي. والزوهار مكتوب بأسلوب آرامي مُصطَنع، يمزج أسلوب التلمود البابلي بترجوم أونكيلوس، ولكن وراء الغلالة الآرامية المصطنعة يمكن اكتشاف عبرية العصور الوسطى. وهو كتاب طويل جداً، يتألف من ثمانمائة وخمسين ألف كلمة في لغته الأصلية. والموضوعات الأساسية التي يعالجها الزوهار هي: طبيعة الإله وكيف يكشف عن نفسه لمخلوقاته، وأسرار الأسماء الإلهية، وروح الإنسان وطبيعتها ومصيرها، والخير والشر، وأهمية التوراة، والماشيَّح والخلاص. ولما كانت كل هذه الموضوعات مترابطة بل متداخلة تماماً في نطاق الإطار الحلولي، فإن كتاب الزوهار حين يتحدث عن الإله، فإنه يتحدث في الوقت نفسه عن التاريخ والطبيعة والإنسان، وإن كان جوهر فكر الزوهار هو تَوقُّع عودة الماشيَّح، الأمر الذي يخلع قدراً كبيراً من النسبية على ما يحيط بأعضاء الجماعات اليهودية من حقائق تاريخية واجتماعية. ويتحدث الزوهار عن التجليات النورانية العشرة (سفيروت) التي يجتازها الإله للكشف عن نفسه. كما يشير الكتاب إلى هذه التجليات باعتبارها أوعية أو تيجاناً أو كلمات تشكل البنية الداخلية للألوهية. وتُعَدُّ هذه الصورة (رؤية الإله لا باعتباره وحدة متكاملة وإنما على هيئة أجزاء متحدة داخل بناء واحد) من أكثر أفكار الزوهار جسارة، كما كان لها أعمق الأثر في التراث القبَّالي. وقد ظهرت أولى طبعات الزوهار خلال الفترة من 1558 إلى 1560 في مانتوا وكريمونا في إيطاليا. وظهرت طبعة كاملة له في القدس (1945 ـ 1958) تقع في اثنين وعشرين مجلداً، وتحتوي على النص الآرامي يقابله النص العبري. وقد ظهرت ترجمات لاتينية لبعض أجزاء كتاب الزوهار (ابتداءً من القرن السابع عشر) . كما تُرجم إلى الفرنسية في ستة أجزاء (1906 ـ 1911) ، وإلى الإنجليزية في خمسة أجزاء (1931 ـ 1934) . ومن أشهر طبعاته طبعة فلنا التي يبلغ عدد صحفاتها ألفاً وسبعمائة صفحة. القبَّالاه النبوية Prophetic Kabbalah «القبَّالاه النبوية» هي قبَّالاة الزوهار. ومن أهم دعاتها إبراهيم أبو العافية، وآخر ممثليها هو موسى كوردوفيرو، أستاذ لوريا وإسبينوزا. إبراهيم أبو العافية (1240-1292) (Abulafia (Abraham Ben Samuel قبَّالي وُلد في إسبانيا، وانخرط في دراسة الشريعة والتلمود، وفي الدراسات والحسابات القبَّالية. وقد درس كذلك مؤلَّف ابن ميمون دلالة الحائرين، ولكنه فسره وفق المنهج القبَّالي. سافر إلى فلسطين واليونان وإيطاليا، باحثاً عن أسباط يسرائيل العشرة المفقودة. ولما بلغ أبو العافية الواحدة والثلاثين من عمره غلبته روح النبوة، وزَعم أنه وصل إلى معرفة الإله الحقيقي، وفي هذه الفترة قيل أيضاً إن الشيطان كان يشاغله عن اليمين بقصد فتنته وإرباكه، بيد أنه لم يشعر أنه بدأ يكتب بوحي النبوة إلا حين بلغ الأربعين. وفي ذلك الوقت، أي في عام 1280، عاد إلى إيطاليا حيث جذب عدداً كبيراً من العلماء اليهود الشبان الذين اتبعوا تعاليمه ثم وجدوا أن ثمة تشابهاً عميقاً بينها وبين المسيحية فتنصَّروا! وفي العام نفسه، قرر أبو العافية أن يقنع البابا بأن يتهوَّد، فقُبض عليه وصدر ضده حكمٌ بالقتل حرقاً ولكنه هرب من السجن. ثم ظهر مرة أخرى، بعد أربعة أعوام، في ميسينا (صقلية) ، وأعلن أنه الماشيَّح. وقد تصدت له المؤسسة الحاخامية وفندت ادعاءاته. وربما كانت حروب الفرنجة الدائرة آنذاك تشكل السياق الدولي لدعاواه المشيحانية، كما كانت أزمة يهود إسبانيا المتزايدة تشكل السياق المحلي لدعواه. وقد كتب أبو العافية عدة مؤلفات عن القبَّالاه، وينسب إليه البعض تأليف الزوهار الذي ظهر في حياته (ولكن جيرشوم شوليم لا يتفق مع هذا الرأي) . وقد أطلق شوليم مصطلح «القبَّالاه النبوية» على رؤية أبى العافية، فهو يرى أن النفس الإنسانية أصلها الإله، ولكن الحياة اليومية تستغرقها وتفرض الحدود والقيود عليها، وهي حدود وقيود لها قيمتها من حيث حفظها للفرد من أن يجرفه تيار الكوْن، ولكن كيما يتصل الإنسان بالتيار المقدَّس وبأصله الإلهي مرة أخرى، لابد من فك القيود وتجاوز الحدود. ويطرح الدكتور صبري جرجس في كتابه المهم التراث اليهودي الصهيوني والفكر الفرويدي السؤال التالي «ألسنا نرى الصلة بين هذه النظرية ونظرية الكبت وضرورة التحرر منه إذا شاء الإنسان أن يتخفف من متاعبه النفسية التي تحد من شعوره بالتحرر والانطلاق؟» . ثم يستطرد قائلاً: وانطلاقاً من هذا، يصبح هدف رسالة أبى العافية هدفاً نفسياً وهو إماطة اللثام عن الروح وفك القيود التي تربطها. وقد قدَّم أبو العافية في هذا الصدد نظريته عن تركيب الحروف بغرض ملاحقة الطريق الداخلي، وتُعرَف باسم «حوخمة هاتسيروف» ، أو «علم تشابك الحروف» الذي يستطيع القبَّالي بمقتضاه أن يدرك منه اسم الإله الذي يعكس المعنى الخفي للكون. «وثمة طريقتان لإبراهيم أبو العافية في التأمل بغية الوصول إلى ما يهدف إليه من تحرير الروح. الأولى هي الطريقة التفسيرية التي تستند إلى استخدام حروف الهجاء الأبجدية العبرية استخداماً حراً. وعند التأمل، كانت هذه الحروف تُفصَل ثم تُجمَع، وبعملية الفصل والجمع هذه كانت تظهر أفكار جديدة. وقد كان عند أبى العافية إحساس عميق بالمنطق الخفي للحروف، فترتيبها في نظره ليس مجرد عملية عرفية أو متعنتة، بل كان ترتيباً يتم وفقاً لقواعد عليا. ومن نتيجة حركات هذه الحروف، يستطيع المرء أن يصل إلى استبصار عميق بطبيعة الجوانب المقدَّسة ـ فهل من العسير علينا أن نرى، في نطاق هذا المفهوم، أن منطق عالم الإله الخفي عند أبى العافية قد أصبح منطق اللاشعور عند فرويد؟. «وقد كانت هذه الطريقة في التأمل تمهيداً للطريقة الثانية التي عُرفت باسم التجاوز عن طريق «القفز والإغفال» . ووصف باكان نقلاً عن شوليم هذه الطريقة بقوله: سيُدهش القارئ المعاصر حين يرى وصفاً مفصلاً لطريقة كان أبو العافية وأتباعه يسمونها «القفز والإغفال» للانتقال من فكرة إلى أخرى. والواقع أن هذا منهج رائع في استخدام الترابط كوسيلة للتأمل. ولا ترادف هذه الوسيلة منهج التداعي الحر المتبع في التحليل النفسي مرادفةً كلية، ولكنها تتضمن الانتقال من فكرة ما إلى أخرى وفقاً لقواعد معيَّنة تتسم بالمرونة. وكل قفزة تفتح ميداناً جديداً له خصائصه، ويستطيع العقل داخل هذا الميدان أن ينتقل بحرية من فكرة لأخرى، أي أن القفز يربط بين عناصر من الأفكار الحرة والموجهة ويؤدي إلى نتائج عجيبة من حيث توسيع دائرة الشعور، كما أن هذا القفز يدفع على الفور بعملية خبيئة في العقل، أي أنه يحررنا من سجن الدائرة الطبيعية وينتقل بنا إلى حدود «الدائرة الإلهية» . ثم يتساءل باكان بعد ذلك قائلاً: "ألا يُذكِّرنا هذا التقييم من قبل شوليم بمنهج أبى العافية بشأن «الترابط الحر» في التحليل النفسي، من حيث تُعَدُّ هذه النشوة مع مضمونها الذي ينطوي، فيما يزعم لها، على إدراك الإله، هي الهدف من التأمل عند أبى العافية، ونشوة الاستبصار مع مضمونها الذي ينطوي على معرفة الذات هي الهدف من التحليل عند فرويد". "ويُعَدُّ المعلِّم القبَّالي أبو العافية شخصاً بالغ الأهمية بالنسبة لعملية التحويل التي ينبغي أن تحدث للشخص، وهذه العملية تحتاج إلى من يحركها من الخارج ومن يحركها من الداخل، والمعلم هو المحرك من الخارج. وفي حالة النشوة، يحدث نوع من التوحد مع المعلم يصبح بعد ذلك توحداً مع الإله وينتهي بتوحد سام مع الذات. وفي هذه الحالة، يكون التوحد قد تم أيضاً بين الإنسان والشريعة، ولعل هذا هو المقصود من قولهم إن الإنسان هو الناموس أو الشريعة. ويتساءل باكان أيضاً: ألا يذكرنا هذا بمعلم التحليل النفسي الذي يُعَدُّ شخصاً بالغ الأهمية في عملية التحويل التي لابد منها لمن يود ممارسة التحليل فيما بعد؟ أفلا يذكرنا ذلك أيضاً بنشوة الاستبصار التي تحدث أثناء التحليل التعليمي والتي يتم فيها نوع من التوحد مع المعلم الذي هو السبيل إلى معرفة الذات، أي السبيل إلى أن ينتقل الطالب من طور المران إلى طور الممارسة؟ ". ومن المستبعد أن يكون فرويد قد درس فكر أبى العافية ومؤلفاته. ومع هذا، يجب أن نتذكر أن الفكر القبَّالي كان الفكر المسيطر على اليهودية في القرن التاسع عشر، وربما يكون فرويد قد انتظم في حضور محاضرات أدولف جيلينك الذي حرَّر أعمال أبى العافية. وفي الواقع، فإن أدولف جيلينك كان من أهم الحاخامات دارسي القبَّالاه، كما كان من أشهر الوعاظ في مدينة فيينا مسقط رأس فرويد والمدينة التي قضى فيها معظم حياته. إسحق أبرابانيل (1437-1508) Isaac Abravanel يهودي بلاط في إسبانيا. وهو مفسر للعهد القديم، ومؤلف لكتب ذات طابع فلسفي. وُلد في لشبونة، وكان أبوه مسئولاً عن خزانة الدولة فيها. وقد تلقى أبرابانيل تعليماً دنيوياً ودينياً كاملاً، ثم التحق بخدمة ألفونسو الخامس ملك البرتغال، الأمر الذي كان يعني أنه أصبح قريباً من النخبة الحاكمة. ولكن الوضع تغيَّر حينما اعتلى جون الثاني العرش، فقد اتبع سياسة القضاء على النبلاء والجيوب المختلفة للسلطة ليركز كل شيء في يد الدولة، وقد ثار النبلاء ضد هذه المحاولة. ويبدو أن أبرابانيل كانت تربطه علاقة بهؤلاء النبلاء، وخصوصاً أن قائد التمرد كان صديقاً له، ففر إلى طليطلة (إسبانيا) عام 1483، حيث أصبح خازن فرديناند وإيزابيلا عام 1484. وقد عمل هو وصديقه أبراهام سنيور في جمع الضرائب. كما قام الاثنان بتمويل الحروب ضد آخر الجيوب الإسلامية في غرناطة. وحينما سقطت غرناطة، صدر مرسوم طرد اليهود، ونُشر عام 1492. فحاول أبرابانيل أن يغيِّر القرار بتقديم هدية إلى فرديناند، ولكنها رُفضت وتم طرد اليهود. واستقر أبرابانيل (هو وأسرته) في البندقية عام 1503 حيث مات فيها. ولأبرابانيل دراسات في العهد القديم، تتسم بشيء من الطابع العلمي والمنهجي، وتحولت فيما بعد إلى نقد العهد القديم. وقد حاول أن يضع النصوص المقدَّسة في سياق تاريخي. غير أن فكره الفلسفي لا يتسم بأي عمق أو أصالة. وفي السنوات الأخيرة من حياته، تبنَّى أبرابانيل رؤية صوفية، وزاد إيمانه بعقيدة الماشيَّح، ووضع ثلاثة كتب عن هذا الموضوع (مصادر الخلاص، وخلاص الماشيَّح، وإعلان الخلاص) تُعَدُّ من أهم كتبه على الإطلاق، وتُوصَف أيضاً بأنها من أهم الكتب التي أشاعت الفكر المشيحاني وشجعت الحركات المشيحانية. القبَّالاه اللوريانية Lurianic Kabbalah أهم تطور حدث في داخل تاريخ القبَّالاه هو ظهور القبَّالاه اللوريانية (نسبة إلى إسحق لوريا) . ولكن لا يمكن إغفال موسى كوردوفيرو الذي ساهم في صياغة أفكارها الأساسية (وقد تأثر إسبينوزا فيما بعد بأفكاره) . ويمكن القول بأن القبَّالاه اللوريانية لا تختلف في أساسياتها عن قبَّالاة الزوهار، إذ أن البنية الحلولية القبَّالية العامة كامنة في القبَّالاه اللوريانية كمونها في قبَّالاة الزوهار. ولكن، مع هذا، يمكن أن نلخص بعض الاختلافات الأساسية بينهما فيما يلي: 1 ـ قبَّالاة الزوهار تعنى بأسرار الخلق، أي ببداية الكون، بينما تعنى القبَّالاه اللوريانية أساساً بالخلاص وبالنهاية. وينبع اهتمام قبَّالاة الزوهار بأسرار الخلق من اهتمامها بالخلاص المشيحاني بالنهاية، ولذا فهي تتناول البدايات كي تفسر النهايات. 2 ـ أسطورة الخلق في القبَّالاه اللوريانية أكثر تعقيداً وتناقضاً منها في قبَّالاة الزوهار. 3 ـ والاختلاف الأساسي هو أن القبَّالاه اللوريانية تربط البداية بالنهاية، كما ربطت الباطن بالتاريخ والتأمل بالنزعة المشيحانية. 4 ـ الصورة المجازية الأساسية في قبَّالاة الزوهار هي الجنس، ولكنها في القبَّالاه اللوريانية تتمثل في كل من الجنس والنفي. وتبدأ أسطورة الخلق في قبَّالاة الزوهار بفيض الإله الخفي، ولكنها في القبَّالاه اللوريانية تبدأ بعملية «تسيم تسوم» التي يمكن أن تُترجَم حرفياً بكلمة «انكماش» أو «تركُّز» . ولكن يُستحسن تأدية معناها بتعبير «انسحاب نتج عنه تركُّز» . فالإله المتخفي (الإين سوف) ينكمش داخل نفسه ليخلق فراغاً روحياً كاملاً. ويمكن تفسير هذا الانسحاب بأنه شكل من أشكال النفي، كأن الإله ينفي نفسه بنفسه إلى داخل نفسه، بعيداً عن وجوده الكلي. وقد نتج عن هذا الانسحاب ميلاد الشر، فالحكم الصارم (الحدود والقيود التي تُفرَض على الأشياء التي ستنبع منها الأوامر والنواهي والتشريعات) كان قبل الانكماش جزءاً من كل، قطرةً في المحيط، ولكنه بعد عملية الانسحاب يتبلور ويصبح هو المحور. ثم يرسل الإين سوف في الفراغ شعاعاً ودروباً من نوره الذاتي وهي التجليات النورانية العشرة (سفيروت) ، وهي مرحلة الفيض الإلهي على الكون (وتُعرف في العبرية باسم «أتسيلوت» ) التي أدَّت إلى ظهور آدم قدمون (الإنسان الأصلي) ، وهو غير آدم أبى البشر. ويُلاحَظ أن الإنسان الأصلي في قبَّالاة الزوهار هو رمز لبناء التجليات ككل. أما عند لوريا، فهو يظهر قبل التجليات، ثم تخرج أشعة النور الإلهي من عيون الإنسان الأصلي وأذنيه وأنفه وفمه. وهذا الضوء الخارجي الذي انبثق من الإنسان الأصلي، آخذاً شكل شرارات، كان من المفترض جمعه في أوعية (كليم) من ضوء تتخذ أشكالاً تتناسب مع عملها في مرحلة الخلق. ولكن هذه الأوعية تحطمت، حسب رؤية لوريا، أثناء ملئها. ويعود هذا إلى أن الضوء الإلهي كان أقوى من أن تتحمله الأوعية فتحطمت، الأمر الذي أدَّى إلى تشتت الشرارات الإلهية وتبعثرها. ويُشار إلى هذه الواقعة بمصطلح «حادثة تَهشُّم الأوعية» (شفيرات هكليم) وهي الأخرى حادثة نفي. وإذا كان الانكماش (تسيم تسوم) هو نفي من خلال الانسحاب، فإن النفي هنا يتم من خلال الانتشار والتشتت. وقد سادت الفوضى واختلط النور والظلام، والروحاني والمادي، وهكذا دخل الشر والظلام إلى العالم. وقد عاد كثير من الشرارات إلى مصدرها الأصلي، ولكن نحو 288 شرارة التصقت بشظايا الأوعية المهشمة، وأصبحت هذه الأجزاء هي القشرة الخارجية (قليبوت) ، أي قوى الشر التي أحاطت بالشرارات الباقية وحبستها. ومنذ ذلك الوقت الذي حدث فيه هذا التهشُّم، لم يَعُد في الكون أي شيء كامل متكامل. فالنور الإلهي الذي كان يجب أن يستمر في مكان مخصص له، أي في الأوعية التي صنعها الإله، لم يَعُد في مكانه الصحيح لأن الأوعية تحطمت. وتظهر الخطة الإلهية للخلاص من خلال صور تُسمَّى «برتسوفيم» (حرفياً: «الوجوه» أو «السيمياء» ، أي «القسمات» أو «ملامح الوجه» ) وهي مقابلة للتجليات النورانية العشرة (سفيروت) في قبَّالاة الزوهار ولكنها تأخذ هنا شكلاً أكثر بشرية وعددها خمسة: 1 ـ أريخ أنبين (عبارة أرامية وتعني حرفياً: «ذو الأنف الطويل» أي «الصبور» أو «المتحمل» أو «الذي عانى كثيراً» باعتبار أن الأنف دليل على الصبر) ، وهو يقابل التجلي النوراني الأول «الكيتر» أو «التاج» في قبَّالاة الزوهار. 2، 3 ـ أبا وأما (الأب والأم) . وهما يقابلان التجليين الثاني والثالث. وهما النمط الأعلى لهذا الزواج المقدَّس الذي يُعَدُّ نمطاً لكل وحدة فكرية وجنسية فيما بعد (ولنلاحظ هنا الأثر العميق للعقيدة والرموز المسيحية ولتواتر الصورة المجازية الجنسية في النسق الحلولي) . وهذا التزاوج يزداد عمقاً بصعود الـ 228 شرارة التي تساقطت مع الأوعية المهشمة، والتي بعودتها إلى رحم البيناه تصبح قوة تبعث الحيوية، ولذا تُسمَّى «المياه الأنثوية» (ماييم نقفين) . 4 ـ زعير أنبين (عبارة أرامية وتعني حرفياً: «ذو الوجه القصير» ، أي «الذي لا يطيق صبراً» ، أو «نافد الصبر» ) . وهو عكس «أريخ أنبين» ويقابل التجليات الستة التي ترد بعد الثلاثة الأولى من الجبوراه حتى اليسود. 5 ـ نقيفاه دي زعير (عبارة أرامية وتعني حرفياً: «أنثى زعير» أي «أنثى نافد الصبر» ) . وهي تقابل التجلي العاشر أو الشخيناه. وتتخذ الذات الإلهية من خلال هذه القوى الخمس شكلاً محدداً، وتؤدي وظيفة محددة. والتجلي الأساسي للإين سوف يحدث من خلال زعير أنبين الذي وُلد من خلال اتحاد الأب والأم، ثم يكبر ليتزوج من الشخيناه ليُولِّد اتحاداً ووئاماً بين العدل والرحمة في الذات الإلهية. وتُلاحَظ مرة أخرى أصداء العقيدة المسيحية. وتمثل هذه القوى في الحقيقة العملية التي يلد الإله بها نفسه. وحسب رؤية لوريا، كانت عملية جمع الشرارات (أي ولادة الإله واكتماله) على وشك الاكتمال حين خلق الإله آدم (أبا البشر) ليساعده في الجهد المبذول لاستعادة النظام والكمال ولهزيمة القوى الشريرة الشيطانية. وكان من المفترض أن يقوم آدم بالخطوات الأخيرة، ولكن خطيئته ومعصيته للإله أوقفت العملية، ونجم عن ذلك انتشار فوضى في الأرض تُماثل الفوضى الناجمة عن تَهشُّم الأوعية في الأعالي. فآدم، حينما خلقه الإله، كان يحوي كل أرواح البشر التي كانت توجد في حالة التصاق بالإله، وبسقوطه انفصلت الأرواح عن جذورها وتبعثرت ودخلت الأجسام المادية، وجاء الموت والشر والعالم وانحرف كل شيء عن موضعه، وأصبحت كل المخلوقات في حالة شتات دائم (جالوت) ، وهي حالة مستمرة تنسحب على الكون كله وعلى الخالق نفسه الذي تبعثرت شراراته وتناثرت مرة أخرى. وقد سقطت الشخيناه ضمن ما سقط من شرارات. وما دامت الشرارات الإلهية لم تُجمَع، فإن الإله سيظل مجزأ غير مكتمل وغير متوحِّد مع نفسه. وقبل أن ننتقل إلى الحديث عن إصلاح هذا الخلل ورأب هذا الصدع، لابد أن نؤكد فكرة التقابل القبَّالية، وهي تقابل كل الأشياء واللحظات نتيجة توحُّدها النهائي. فالعالم العلوي يشبه العالم السفلي، والإله يشبه مخلوقاته، وعملية الخلق والتبعثر هي مقلوب عملية الخلاص، وطريق النهاية هو طريق البداية. ويقابل عملية الفيض الإلهي عمليات كونية مماثلة تغمر أربعة عوالم مختلفة. والنفس البشرية تشبه الذات الإلهية، ومستوياتها تشبه التجليات المختلفة، ولحظة التشتت الإلهية تشبه لحظة التشتت الفردية، ونفي الشخيناه يشبه نفي الشعب (ويُلاحَظ أن فكرة التقابل تُسقط فكرة الزمان والتتالي والاختلاف تماماً، فهي فكرة هندسية دائرية تحوِّل الزمان إلى ما يشبه المكان والبدايات تشبه النهايات) . كما أن إصلاح الخلل الكوني، وعودة كل شيء إلى مكانه، وإنهاء حالة النفي الكونية، وخلاص الإله بل لادته ووجوده من جديد، هي عملية يُطلَق عليها الإصلاح (تيقون) ، وهي عملية تخليص الشرارت الإلهية المبعثرة من اللحاء أو المحارات (قليبوت) . وهي عملية كونية تاريخية باطنية شاملة يشارك فيها الإنسان ولكنها تعتمد بالدرجة الأولى على جماعة يسرائيل، فاليهودي الذي يعرف التوراة ومعناها الباطني (وينفذ الأوامر والنواهي ويتلو الصلوات) بوسعه أن يسرع بعملية الإصلاح (تيقوُّن) ، أي عملية ولادة الإله، كما أن بوسعه أيضاً أن يوقفها إذا هو أهمل تنفيذ الأوامر والنواهي وإقامة الصلوات. وهذا من الممكن إنجازه نظراً لتقابل العالم السفلي والعالم العلوي، والتأثير في العالم العلوي من خلال أفعال يقوم بها الإنسان (اليهودي) في العالم السفلي. لكن عملية الإصلاح تدريجية، وهي تُتوَّج بظهور الماشيَّح وبعودة جماعة يسرائيل من المنفى إلى فلسطين، ومن هناك فإنه سيحكم العالم، وستسود جماعة يسرائيل على العالمين، هذا هو الجانب التاريخي. وإذا كانت حالة النفي مرتبطة بالانكماش والحدود والفرائض والانسحاب، فإن حالة التيقون مرتبطة بالتحرر الكامل من الحدود، كما أنها مرتبطة بالترخيصية والإباحية الكاملة، وهذا هو ما كان يفعله المشحاء الدجالون، وهو الجانب النفسي أو الأخلاقي للإصلاح (تيقون) . وسينتهي التيقون بأن يُجمِّع الإله ذاته ويتوحد مع نفسه بعد تجميع الشرارات المبعثرة كما أنه سوف يتوحد مع شعبه (وسوف نكتشف أن الشعب اليهودي هو في واقع الأمر الشرارات الإلهية المشتتة) . ومعنى هذا أن اليهود هم جزء من الإله، فهم الإله أو على الأقل أحد تجلياته. وهم إلى جانب ذلك الأداة التي تسترد بها الذات الإلهية وحدتها، فهم بذلك الأداة والغاية. وهم أيضاً سبب النفي (بذنوبهم) ، وهم وسيلة العودة (بصلاحهم وتقواهم) ، فاليهودي هو مركز الكون وسيده. وهكذا نُلاحظ دائرية النسق القبَّالي الحلولي المغلق. ويُلاحَظ هنا كيف ارتبط التأمل في المعنى الباطني للتوراة، وكذلك تلاوة الصلوات وأداء الفرائض (وكلها أمور فردية ذاتية باطنية) ، بحدث كوني مثل ولادة الإله، وكيف تتوحد ذاته من خلال حدث تاريخي هو ظهور الماشيَّح وعودة جماعة يسرائيل. وقد انعكس كل هذا مرة أخرى على عالم الفرد والباطن، بالترخيصية وإبطال الحدود والشرائع في العصر المشيحاني، فيتداخل الكون والإله والإنسان والزمان وكل شيء. ومما يجدر ذكره أن تجربة يهود إسبانيا (طردهم منها) تشكل الصور المجازية الأساسية في القبَّالاه اللوريانية، فالنفي والتبعثر والتشتت كانت حقائق أساسية في حياتهم، وكان الاهتمام بالباطن دون الظاهر سمة أساسية لتجربة المارانو. وقد تبدَّى فقدانهم السلطة، مع رغبتهم الحادة فيها، في فكرة مركزية اليهود في الكون واعتماد الإله عليهم، وتوقعهم وصول الماشيَّح الذي سيجعلهم أسياد الأرض. ومع هذا، تظل الصور المجازية الأساسية الخاصة بالأب والابن والأم والشخيناه صوراً مجازية مسيحية. الانكماش) تسيم تسوم) Tsimtsum لفظة «الانكماش» هي الترجمة العربية لكلمة «تسيم تسوم» ، وهي كلمة وردت في المدراش لتشير إلى عملية انكماش الخالق حتى يدخل قدس الأقداس في الهيكل، وهذا هو أصلها الحلولي. ولكن إسحق لوريا استخدم الكلمة بطريقة مغايرة أو بالأحرى عمَّق مدلولها الحلولي. فالانكماش عنده هو العملية التي من خلالها ينكمش الخالق إلى نقطة داخل نفسه (الوسط) وهو انكماش يَنتُج من تركُّز (وهذا بخلاف الانكماش في المدراش حيث ينكمش الخالق ليدخل في مكان آخر غير ذاته) ثم تَصدُر عنه التجليات النورانية العشرة بعد ذلك. ومن منظور لوريا، كان الخالق يملأ الوجود باعتبار أن الذات الإلهية لا نهائية ولا تقبل التجزئة، ولا يوجد مكان لا يملؤه الحضور الإلهي. وهذه الذات لا تسمح بوجود شيء آخر، ولتتم عملية الخلق كان لابد أن تنكمش هذه الذات. ولكن هناك رأياً آخر يذهب إلى أن الانكماش هو محاولة، من جانب الخالق، لا لخلق فراغ وحسب وإنما لتطهير ذاته التي كانت تضم عناصر غير إلهية. ومن ثم، فإن الذات الإلهية لم تكن قط لا طاهرة ولا متوحدة، كما أن عملية توحد الذات الإلهية وتخليصها مما فيها من أدران إن هي إلا عملية تاريخية تُستكمَل في نهاية التاريخ. والواقع أن هذه فكرة حلولية متطرفة يعقبها حادث تَهشُّم الأوعية (شفيرات هكليم) ، وأخيراً الإصلاح (تيقون) . ويمكن تفسير بعض مصطلحات دريدا ما بعد الحداثية في ضوء فكرة تسيم تسوم، فالانكماش والاختفاء هو الغياب الكامل (الذي يعقب الحضور الكامل أو حالة البليروما في المنظومة الغنوصية) وصدور التجليات النورانية هو بداية الحضور. تهشم الأوعية (شفيرات هَكليم) Chevrat Hakelim «تَهشُّم الأوعية» هي ترجمة عبارة «شفيرات هَكِّليم» العبرية (من فعل «شافار» بمعنى «حطَّم» ) ، وتَهشُّم الأوعية مفهوم أساسي في القبَّالاه اللوريانية. وتقع حادثة تهشُّم الأوعية أثناء عملية الخلق، حينما تخرج من عيون الإنسان الأصلي أشعة النور الإلهي التي تأخذ شكل شرارات كان من المفترض أن تُجمَع في أوعية (كليم) . ولكن الأوعية كانت أضعف من أن تتحمل هذا النور، فتهشَّمت وتبعثرت. والحادثة رمز شتات الشعب اليهودي، وهي فكرة حلولية مغالية تربط بين الوجود الإلهي والشعب. وتدور القبَّالاه اللوريانية حول ثلاث أفكار: الانكماش (تسيم تسوم) ، وتهشُّم الأوعية، وأخيراً الإصلاح (تيقون) . وهو تكوين ثلاثي يشبه تكوين: الخطيئة ـ النفي ـ الإصلاح والعودة. الشرارات الإلهية) نيتسوتسوت) Nizozot «الشرارات الإلهية» هي الترجمة العربية للكلمة العبرية «نتسوتسوت» . والمصطلح تعبير قبَّالي يشير إلى الشرارات الإلهية التي تُحبَس في المادة بعد حادثة تهشُّم الأوعية حسب القبَّالاه اللوريانية. إصلاح الخلل الكوني (تيِّقون) Tikkun «إصلاح الخلل الكوني» هي الترجمة العربية لكلمة «تيقون» ، وهي كلمة عبرية معناها «إصلاح» . وتتحدد عملية الإصلاح بعد تخليص الشرارات الإلهية المبعثرة بعد انكماش الإله (تسيم تسوم) وبعد حادث تهشُّم الأوعية. والهدف من عملية الإصلاح أن يصل الإله إلى وحدته ويعم الخلاص العالم، وهي عملية كونية تاريخية شاملة يشارك فيها الجنس البشري بأسره، ولكنها تعتمد بالدرجة الأولى على جماعة يسرائيل. ويضمر المصطلح فكرة أن الذات الإلهية لا تشكل وحدة كاملة لا في الماضي ولا في الحاضر، وأنها ستصل إلى هذه الوحدة في المستقبل من خلال جهد الإنسان وهذه فكرة حلولية متطرفة. موسى كوردوفيرو (1522-1570) Moses Cordovero عالم قبَّالي من أصل إسباني. تتلمذ على يد يوسف كارو، ويُعَدُّ حلقة الوصل بين قبَّالاة الزوهار (التأملية) والقبَّالاه اللوريانية (المشيحانية) إذ كان لوريا تلميذاً لكوردوفيرو. أهم أعماله برديس ريموُّنيم (حديقة الرمّان) ، وهو عرض واف وواضح لتعاليم القبَّالاه يتناول فيه العلاقة بين اللامحدود والمحدود، والتجليات النورانية العشرة، وعلاقة الإله بالكون. وقد كتب موسى كوردوفيرو ثلاثين كتاباً آخر، من بينها تعليق على الزوهار، أحرز ذيوعاً بين أعضاء الجماعات. وهو يُعَدُّ آخر ممثل لقبَّالاة الزوهار التأملية. ولم يبالغ كوردوفيرو في تأكيد أهمية الرموز والأساطير القبَّالية، وخصوصاً العناصر الجنسية وأسطورة قوة الشر (سترا أحرا) . وتَوصَّل إلى أن الذات الإلهية خالية تماماً من الشر، وأن جذور الشر توجد في الكون، في اختيارات الإنسان الأخلاقية. ويبدو أن إسبينوزا قد استقى رؤيته الحلولية للإله من كتابات كوردوفيرو، فقد كتب لصديقه أولندبرج أنه استقى أفكاره من فيلسوف يهودي قديم (وكان يعني كوردوفيرو) . ويمكن هنا أن نرى أن الحلولية اليهودية تتسلسل من التلمود إلى القبَّالاه، ومن القبَّالاه تتفرع إلى لوريا وشبتاي تسفي، وإلى إسبينوزا والعلمانية. إسحق لوريا (1534-1572) Isaac Luria ويُعرف لوريا أيضاً باسم «هاآري هاقدوش» أي «الأسد المقدَّس» . ويشار إليه أيضاً باسم «الإشكنازي» ، واختصار اسمه هو «آري» . وُلد إسحق لوريا في القدس لأب إشكنازي يعمل بالتجارة وأم سفاردية. درس في مصر التلمود واشتغل بالأعمال التجارية، لكن الدراسات القبَّالية استغرقته تماماً. ويُقال إنه اعتكف في جزيرة الروضة في المنيل لمدة سبع سنوات حيث تأمل في الزوهار ودرس أعمال كوردوفيرو وعاش حياة الرهبان. وفي عام 1569، استقر لوريا، هو وأسرته في صفد حيث تجمعت حوله مجموعة من الطلبة والحواريين والمريدين، ومات في هذه المدينة بعد عامين. ولم يكن لوريا مفكراً منهجياً، وإنما كان متصوفاً أضاف مجموعة جديدة كاملة من الصور والرموز إلى التراث القبَّالي، وذلك من خلال تفسيراته لكتاب الزوهار التي أعلن أنها كشف أتاه به إلياهو. ولم يبق مما كتب لوريا سوى بعض مؤلفات غير مهمة لا تتضمن أفكاره الجديدة، لأنه نقل القبَّالاه اللوريانية لطلبته شفهياً، فقاموا بتدوينها ثم تداولها الناس. وبرغم وجود اختلافات كثيرة بين الكتابات التي دوَّنها تلاميذه، فإن الموضوع الأساسي يظل واحداً وهو تأكيد فكرة الخلاص والعودة، الأمر الذي يعكس النزعة المشيحانية التي بدأت في صفد وغيرها من المدن في القرن السادس عشر. وقبل أن يبدأ في نشر تعاليمه الصوفية، كان لوريا يقرض الشعر. ويضع بعض القبَّاليين أقواله في مرتبة أعلى من الشولحان عاروخ (كتاب اليهودية الأرثوذكسية الأساسي) . ومن أهم تلاميذ لوريا: يوسف بن طابول، وإسرائيل ساروج، وحاييم فيتال، أولئك الذين أشاعوا آراء أستاذهم. حاييم فيتال (1543-1620) Hayyim Vital يهودي من أصل إيطالي، وأحد أتباع إسحق لوريا في صفد في آخر سني حياته (1570 ـ 1572) . وبعد موت لوريا، أعلن فيتال أنه هو وحده المحتفظ بتعاليمه. وقد كان فيتال يتفاخر أمام تلاميذه بأن روحه هي روح الماشيَّح بن يوسف، وأنها معصومة من خطيئة آدم. وقد نُشرت مذكراته عن أسرار القبَّالاه اللوريانية، الأمر الذي أدَّى إلى ذيوعها، ولولاه لما أحرزت القبَّالاه اللوريانية هذا الانتشار، ذلك أن لوريا نفسه لم يترك أية نصوص مكتوبة إذ كانت الدروس التي يلقيها شفهية. يوسف بن طبول (1545- بداية القرن 17) Joseph Ibn Tabul قبَّالي، من أهم تلاميذ إسحق لوريا. جاء من المغرب (ولذا كان يُقال له يوسف المغربي) ، وانضم إلى حلقة لوريا في صفد (عام 1570) حيث مكث بعد موت معلمه. ونشأت بينه وبين حاييم فيتال بعض المشاحنات، فذهب إلى مصر واستقر فيها بضع سنوات في شيخوخته. ويُعَدُّ شرحه لأفكار لوريا من أهم مصادر القبَّالاه اللوريانية. إسرائيل سروج (؟ -1610) Israel Sarug قبَّالي مصري، وُلد لأسرة حاخامية قبَّالية. تعرَّف إلى إسحق لوريا أثناء وجوده في مصر، ودرس تعاليمه. واطلع سروج على كتابات بعض أتباع إسحق لوريا (حاييم فيتال ويوسف بن طابول) . وفي إيطاليا، نشر سروج تعاليم القبَّالاه اللوريانية بين عامي 1594 و1600، ومات عام 1610. يعقوب أبو حصيرة (1807-1880) Jacob Abu-Hasira هو يعقوب (الثاني) ابن مسعود. من علماء القبَّالاه، وله عدة مؤلفات عن التوراة والقبَّالاه نُشرت كلها في القدس. سافر من المغرب إلى فلسطين، وفي الطريق، نزل دمنهور حيث عمل إسكافياً، وبدأت علاقته تتوطد مع اليهود المقيمين فيها وجمعته صداقة حميمة بأحد التجار من أعضاء الجماعة اليهودية. وبعد وفاته، صرح صديقه بأن ابن مسعود توقَّع موته قبل أن يموت بأيام، وهو ما أحاط موته بهالة أسطورية. ويُقال أيضاً إن أحد أصدقائه أراد نقل جثمانه إلى الإسكندرية، وأثناء نقل الجثة هطلت الأمطار بشدة، ففُسِّر هذا بأنه تعبير عن رغبته في أن يظل مدفوناً بقرية ديمتوه القريبة من دمنهور. ويُقال إنه سُمِّي «أبا حصيرة» لأنه أثناء سفره بحراً إلى سوريا تحطمت السفينة التي كانت تقله وهوت إلى القاع ومات كل من عليها إلا يعقوب الذي استطاع أن يطفو فوق حصيرة على سطح الماء حتى وصل إلى سوريا. ومن الواضح أن هذا تفسير شعبي أسطوري لأن اسم الأسرة يعود إلى القرن السادس عشر الميلادي. وهو من كلمة «حصير» العبرية وهي من كلمة «حضرة» أو بلاط الملك. و «حصيرة» على هذا تدل على أنه كان من عائلة مُقرَّبة من السلطان بالمغرب. وقد بنى اليهود له ضريحاً في قرية ديمتوه وكانوا يذهبون إليه للتبرك به، واتخذوا من مقبرته ما يشبه حائطاً جديداً للمبكى حيث يُقام الاحتفال بمولده كل عام. وبعد توقيع اتفاقيات كامب ديفيد، سمحت الحكومة المصرية للإسرائيليين بزيارة المقبرة، ويأتي لها مئات القاصدين من أنحاء العالم، وبالذات إسرائيل. وقد هاجرت أسرة أبى حصيرة من المغرب إلى إسرائيل، ومن بين أفرادها كبير حاخامات الرملة وأحد الوزراء وهو أهارون أبو حصيرة مؤسس حزب تامي الذي يعبِّر عن مصالح اليهود المغاربة. أدولف جيلينك (1820-1893) Adolph Jellinek واعظ وعالم يهودي عاش في فيينا. وُلد بالقرب من مدينة برودي، وتعلم تعليماً دينياً تقليدياً. وقد تشبَّع بالحلولية اليهودية، وبدأ يقبل علمنة اليهودية إلى أن تحوَّل لليهودية الإصلاحية، وعُيِّن واعظاً في معبد إصلاحي. وكما هو الحال في المنظومات الحلولية، تتداخل الحدود وتتآكل وتتساوى كل الأمور والعقائد. وقد أسَّس، هو وبعض الوعاظ المسيحيين، كنيسة عالمية تقبل عضوية اليهود والمسيحيين. وقد كان جيلينك عضواً قيادياً في مجلس رابطة الدفاع عن المواطنين الألمان في البلاد السلافية، أي أنه كان يدافع عن فكرة الشعب العضوي الذي لا يتغيَّر انتماؤه بتغير المكان، وهي فكرة حلولية أصبحت فكرة محورية في كلٍّ من النازية والصهيونية بعد ذلك. وفي عام 1857، عُيِّن واعظاً في أحد معابد فيينا. وفي عام 1862، أسس جيلينك أكاديمية بيت هامدراش حيث كان هو ومفكرون يهود آخرون يلقون المحاضرات. وكان جيلينك يُعَدُّ من أكثر الوعاظ صيتاً في عصره، وقد نشر حوالي مائتي موعظة نُشرت ترجمات لها. وتتسم هذه المواعظ بأنها كانت تتناول قضايا معاصرة من خلال مناهج التفسير التلمودية الوعظية القصصية والمدراشية. وكان جيلينك شديد الاهتمام بالقبَّالاه، فترجم دراسة عنها إلى الألمانية، وكتب عدة دراسات من أهمها الفلسفة والقبَّالاه، كما حرَّر أعمال إبراهيم أبى العافية حيث بيَّن أن دي ليون هو مؤلف الزوهار. وحرَّر جيلينك كذلك معجماً بالمصطلحات الأجنبية في التلمود والمدراش والزوهار، وأعمال ابن فاقودة. وقد نشر جيلينك تسعة وتسعين موعظة (مدراش) قصيرة في ستة أجزاء تُعَدُّ في غاية الأهمية لدراسة القبَّالاه، وله دراسات أخرى تاريخية. وكان جيلينك أحد المسئولين عن مشاريع البارون دي هيرش التوطينية، وقد تنصَّر ابن جيلينك بعد موته. ويذكر الأستاذ الدكتور صبري جرجس في مؤلفه المهم التراث اليهودي الصهيوني والفكر الفرويدي أن عظات جيلينك هي الرابطة بين أبى العافية وفرويد. ويطرح الدكتور جرجس السؤال التالي: إذا ما نظرنا إلى التشابه الكبير بين طريقة تفكير أبى العافية ومنهجه في التفسير من ناحية، ومنهج الترابط ومفاهيم اللاشعور والتوحد والاستبصار عند فرويد من ناحية أخرى، فهل من المحتم أن يكون فرويد قد اطلع على التراث القبَّالي كما وضعه أبى العافية نصاً وتفصيلاً ونقل عنه؟ والجواب المرجح الذي يطرحه الدكتور جرجس أنه "برغم تضلع فرويد في اليهودية وإلمامه إلماماً شاملاً وعميقاً بالتوراة، ورغم تعمقه في دراسة ما ظهر من مبادئ اليهودية وما خفي، فليس من الحتمي أن يكون فرويد قد اطلع على التراث القبَّالي تفصيلاً لينقل عنه أو ليتيسر له إعادة صياغة الكثير من مفاهيم ذلك التراث بلغة العصر وأسلوبه، حسبه أنه عاش أكثر من نصف حياته في القرن التاسع عشر حين قام فريق من علماء اليهود الأوربيين (ومن بينهم أدولف جيلينك) بدراسة طبيعة القبَّالاه بالمنهج العلمي الغربي الحديث، وحسبه أنه كان يعيش في فيينا حيث كان جيلينك يعيش، وحسبه أن تلك العظات التي كان جيلينك يلقيها كل أسبوع كانت تظل حديث الأسبوع كله بين سكان المدينة من اليهود، وحسبه أن هذه العظات قد امتدت سبعاً وثلاثين سنة (1856 ـ 1893) ، وهي السنوات السبع والثلاثون الأولى من حياة فرويد. أجل، حسب فرويد أن تكون له كل هذه الارتباطات اليهودية الأصيلة والمتشعبة والعميقة لتظل صلته المباشرة أو غير المباشرة بالتراث اليهودي قائمة وفعالة، وحسبه أنه كان يعيش في المناخ الفكري والوجداني والروحي للبيئة القبَّالية التي سادت حياة اليهود في جاليشيا وانحدر منها هو وغالبية يهود فيينا، حسبه كل ذلك لكي يتوحد بتفكيره مع الأصول التي قام عليها التفكير القبَّالي في هذا العصر أو ذاك من تاريخه الطويل، ولكي يستمد الكثير من مفاهيمه مضامينها من الأيديولوجيا القبَّالية، حتى وإن اختلفت الصياغة وتباينت أحياناً وجوه التطبيق". |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
السحر
Magic «السحر» هو محاولة التحكم في الطبيعة عن طريق صيغ سحرية خفية. وإذا كانت الطبيعة تعبِّر عن سنن الإله في الكون، فإن تحدي قوانينها هو تحدٍّ للإرادة الإلهية وتحدٍّ لمقدرة الإله. وثمة تمييز دائم بين السحر الأبيض والسحر الأسود، فالأول يهدف إلى حماية الإنسان من الأرواح الشريرة ويهدف الثاني إلى إلحاق الأذى بالآخرين. ولكنه، مهما كان مضمون السحر، أبيض كان أو أسود، فهو يعبِّر عن رغبة إمبريالية فاوستية عارمة في التحكم في الإنسان والكون والإله. والمؤمن بالعقائد التوحيدية يؤمن بإله قادر متجاوز للطبيعة لا يمكن تحدي مقدرته، ومن ثم فالسلوك الإنساني الأمثل هو سلوك أخلاقي (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) . أما العقائد الحلولية، فترى أن الإله يحلُّ في الإنسان وتصبح إرادة الإنسان من إرادة الإله ومن ثم تصبح السيطرة على الإله ممكنة والوصول إلى الغنوص أو الصيغة السحرية أمراً متاحاً. ولذا، فإن العبادات الحلولية دائماً مرتبطة بالسحر. ورغم أن الطبقة التوحيدية في التركيب الجيولوجي اليهودي تتبدَّى في الحث على السلوك الأخلاقي، فإننا نجد أن الطبقة الحلولية أكثر شيوعاً وتجذراً. وقد ساعد على شيوع السحر تَنقُّل العبرانيين بين شعوب وثنية تؤمن بالحل السحري (مثل المصريين القدامى والكنعانيين والبابليين ثم الفرس والمراحل الأخيرة من العصر الهيليني) . وقد تبلور كل ذلك في الغنوصية التي تدور حول محاولة الوصول إلى الغنوص والحل السحري، والتي ضمت في صفوفها كثيراً من أعضاء الجماعات اليهودية..... ويوجد في العهد القديم هجوم على السحر والسحرة (لاويين 20/6، 27؛ تثنية 22/18) حيث يُعتبر السحر رجساً ونجاسة وزنى. ومع هذا، فهناك إشارات في العهد القديم إلى قبول السحر كوسيلة مشروعة. وهناك حادثة أليشع وهو ينصح الملك يوآش أن يتنبأ بفرص النصر ضد آرام عن طريق رمي السهام (ملوك ثاني 13/14 ـ 19) . وقصة شمشون لا يمكن فهمها إلا في إطار أنها قصة ساحر يُعدُّ شَعره مكمن قوته وحياته بالنسبة إليه. ولعل أحجار أوريم وتوميم على رداء الكاهن الأعظم، وعمودي بوعز ويوقين في الهيكل، كانت لها وظائف سحرية. كما أن حادثة أصنام الترافيم تدل هي الأخرى على الإيمان بالسحر بشكل أو بآخر. ويجب التمييز بين هذه الحوادث وأحداث أخرى في العهد القديم، خصوصاً في كتب الأنبياء، حيث يتنبأ الأنبياء لا كالعرافين والسحرة، وإنما انطلاقاً من إيمانهم بالإله الواحد ومعرفتهم لا بإرادته وإنما بنسقه الأخلاقي، فهو حتماً سيعاقب المذنبين ويثيب التائبين. وبالتالي، فإن التنبؤات الخاصة بسقوط القدس ليست عمليات تنجيم وإنما هي ما يمكن تسميته بـ «النذير» . ويمكن رؤية معجزات الأنبياء والرسل في الإطار نفسه، فهي ليست تحدياً بشرياً للإرادة الإلهية بقدر ما هي تدخُّل إلهي يخرق سنن الطبيعة لتوصيل رسالة ما للبشر. والشعائر التي يقوم بها المؤمن تختلف تماماً عن الشعائر السحرية، فالشعائر التي يقوم بها المؤمن تهدف إلى إظهار طاعة المخلوق لخالقه ومحاولته التقرب منه، وجوهرها أن تتنازل الإرادة الإنسانية للإرادة الإلهية. أما الشعائر في الإطار السحري، فهي تهدف إلى التقرب من الإله ثم تحويل إرادته. ولعل هذا هو السبب في تأكيد الصراع بين يوسف وسحرة مصر (تكوين 41) ودانيال والسحرة في البلاط البابلي (دانيال2) والصراع بين موسى وهارون من ناحية وعرافي مصر وسحرتها من ناحية أخرى (خروج 7) ، حيث يستخدم سحرة مصر سحرهم الخفي، أما موسى فيستغيث بالله الذي يغيثه. ولهذا، فإن نبوءات الأنبياء ومعجزاتهم والشعائر التي يؤديها المؤمنون مختلفة تماماً عن السحر والشعائر التي يقوم بها السحرة، بل تقف على النقيض منها. ومهما يكن الأمر، فقد أصبح السحر اليهودي انعكاساً للوثنية السائدة في الشرق الأدنى في العصور القديمة إذ سقطت في الحلولية والوثنية والسحر تدريجياً، ثم بشكل سريع ابتداءً بالكتب الخفية (أبوكريفا) ، ثم التلمود وأخيراً القبَّالاه حيث تدور القبَّالاه العملية بأسرها حول السحر. ولكن المفارقة أن نصوص العهد القديم أصبحت المادة الخام التي تُستخدَم للوصول إلى الصيغة السحرية، ففي منظومة الحلولية عادةً ما يصبح النص المقدَّس موضع الحلول الإلهي ويصبح النص جسد الإله، ومن يتحكم في النص يتحكم في الخالق. وقد أدَّى ذلك إلى ظهور مفهوم التوراتين (التوراة المكتوبة والتوراة الشفوية) الذي تطور ليصبح توراة الخليقة الظاهرة وتوراة الفيض الباطنية التي لا يصل إليها إلا من يمتلكون مقدرات خاصة على التفسير، وهي التوراة التي يمكن عن طريقها الوصول إلى الصيغة السحرية. ولذا، فقد كانت هناك فقرة (عدد 12/13) تصف شفاء مريم من البرص كتعويذة ضد الحمى. وكان مزمور 91 من أهم التعويذات على الإطلاق. وحتى لا تفهم الشياطين مضمون الفقرات التوراتية كان السحرة يلجأون إلى الاختصارات فكان يُنطَق بكلمة هي عبارة عن الحروف الأولى في الكلمات التي تشكل الفقرة التوراتية أو يُنطَق بحرف واحد يرمز للكلمة كلها (وهو أسلوب يعرف باسم «نوتاريكون» ) أو ينطق بالمعادل الرقمي للكلمة (أسلوب الجماتريا) . وكثيراً ما كانت هذه التحويرات تستقل عن أصلها لتصبح كلمات مستقلة مثل كلمة «أبرا كادبراه abracadabra» التي يبدو أنها عبارة آرامية للإشارة إلى أحجار أبراكساس، وهي أحجار عليها حروف وأرقام كانت تُستخدَم لأغراض سحرية. وقد أصبحت كلمة «أبرا كادبراه» الصيغة المستخدمة لشفاء الأمراض. وكان يُظن أيضاً أن اسم الإله، شأنه شأن التوراة، هو نفسه جسد الإله، ومن يتحكم في اسم الإله الأعظم (يهوه أو التتراجراماتون) يتحكم في الإرادة الإلهية. وقد استخدم اسم «شابريري» (شيطان العمى) فكان اسمه يُكتَب على هيئة مخروط مقلوب: شابريري شابرير شابر شا وكان هذا المخروط المقلوب يُوضَع في حجاب يُلَف على رقبة المريض. وإلى جانب السحر المرتبط بالنصوص والأرقام، يوجد السحر المرتبط بالحروف، وقد اكتسبت الأبجدية العبرية أهمية خاصة في السحر. ويُتداول حتى الآن في أرجاء العالم عدد كبير من التعاويذ والأحجبة التي تحتوي على حروف عبرية. كما أن نجمة داود نفسها كانت ذات دلالة بين المشتغلين بالسحر من اليهود وغير اليهود. بل إن الشعائر الدينية نفسها بدأت تتحول بالتدريج واكتسبت مضموناً سحرياً إذ أصبح الهدف منها السيطرة على الذات الإلهية أو على الأقل مساعدة الإله في إصلاح الخلل الكوني (تيقون) الذي يستعيد الإله من خلاله توحُّده ووجوده. ولذا، كانت الصلاة اليهودية تُؤدَّى باعتبار أنها تساعد في الزواج المقدَّس (زواج العنصر الذكوري في الذات الإلهية بالعنصر الأنثوي) . وبالتدريج، أصبحت صياغة الصلوات وطريقة تلاوتها أكثر أهمية من الرؤية الفلسفية الكامنة وراءها. وأصبح الإيمان بالملائكة ليس إيماناً بالغيب وبحدود ذات الإنسانية وإنما الإيمان بأرواح يمكن رشوتها وتوظيفها، والشياطين هي قوى يمكن خداعها عن طريق تلاوة الأدعية بالآرامية (مثلاً) . بل إن كل الأوامر والنواهي فقدت مضمونها الأخلاقي الديني وأصبحت بمنزلة الشعائر السحرية. وظهرت شعائر مثل الـ «تشليخ» حيث يقوم اليهود بنفض ذنوبهم في الماء، وشعيرة «كاباراه» في ليلة يوم الغفران حيث تُذبَح دجاجة بعد أن تُمرَّر على رؤوس بعض اليهود لغسل الذنوب أيضاً. وقد وصلت كل هذه الاتجاهات إلى قمتها في الحركة الحسيدية حيث أصبح بوسع التساديك أن يغير الإرادة الإلهية عن طريق أداء بعض الشعائر والحركات، كما كان يبيع لأتباعه الأحجبة الكفيلة بتحقيق السعادة لهم فيما يشبه صكوك الغفران. ومع حركات شبتاي تسفي، يحل السحر تماماً محل الدين وتصبح الرقية والتعويذة والصيغ السحرية مركز العبادة. وقد وجدت قيادة الجماعة اليهودية منذ نهاية القرن السابع عشر تجارة رابحة في مثل هذه الأشياء. ومع حركة الاستنارة، بدأ ظهور العلم وبدأ البحث عن الصيغة العلمية لحل كل المشاكل، فتراجعت بالتالي الصيغة السحرية، إذ حلت الصيغة العلمية محلها. وقد ارتبط أعضاء الجماعات اليهودية في الوجدان الغربي بالسحر للأسباب التالية: 1 ـ لعل أهم الأسباب هو الرؤية التوراتية لليهود باعتبارهم شعباً مقدَّساً، فالشعب المقدَّس عنده مقدرات عجائبية ولا شك، فهو موضع الحلول الإلهي الذي يعيش خارج الزمان. وقد أصبح الشعب المقدَّس هو الشعب الشاهد الذي يعيش على هامش المجتمع مع الشخصيات الهامشية مثل العرافين والسحرة. وفي الرؤية البروتستانتية الألفية، تحوَّل اليهود أنفسهم إلى ما يشبه الصيغة السحرية، إذ أن الخلاص قمين بعودتهم إلى أرض الميعاد وتَنصُّرهم. 2 ـ وقد عمَّق من هذا كله تحوُّل اليهود إلى جماعة وظيفية تعيش في المجتمع دون أن تكون منه في وقت كان فيه أعضاء الجماعات اليهودية الوظيفية يعملون بالتجارة والربا. وفي المجتمع الإقطاعي، كان الفلاح يعمل بالزراعة والنبيل يعمل بالحرب والقسيس يعمل في الكنيسة، أي أن الجميع كانوا يعيشون من ثمرة عملهم. أما اليهودي، فكان يبدو وكأنه لا يعمل، فقد كان يحرك رأس ماله وحسب أو كان يحرك السلع من مكان لآخر ليحقق أرباحاً طائلة، فظهرت العملية كلها وكأنها سحر. 3 ـ ومما رسَّخ هذه الرؤية في الوجدان الغربي أن أعداداً كبيرة من أعضاء الجماعات اليهودية كانوا يعملون فعلاً بالسحر. والتلمود، في كثير من أجزائه، هو كتاب سحر، كما أن القبَّالاه العملية هي، أولاً وأخيراً، انشغال بالسحر وبمحاولة الوصول إلى الصيغة السحرية. وقد كانت الحركات المشيحانية، التي كانت تكتسح أعضاء الجماعات اليهودية من آونة لأخرى، حركات تعبِّر عن الإيمان بالحل السحري. ولعل ارتباط أعضاء الجماعات اليهودية بالسحر في الوجدان الغربي، ومن ثم بالشيطان، هو أهم أسباب معاداة اليهود والدافع وراء كثير من الهجمات الشعبية عليهم. الجولم Golem « «الجولم» في التراث الديني اليهودي هي الصورة الحية أو تلك الصورة التي مُنحت الحياة كنتيجة لاستخدام كلمات ذات قيمة سحرية وحلولية. وقد ظهر المُصطلَح في التوراة (الإصحاح 129/16) بمعنى المادة الجنينية غير المُشكَّلة. وبهذا المعنى يدعو التلمود آدم بالاسم «جولم» في ساعاته الأولى قبل أن تُنفَخ فيه الروح، وهذه المرحلة توصف بأنها المرحلة الثالثة في خلق آدم. وتتم صناعة أو تخليق الجولم بصياغة المادة الخام أو الأرض أو الأدمة على الهيئة التي يرغبها الصانع ثم تُكتَب «الكلمة» أو «اسم الإله» على الرأس أو الموضع الأعلى، ومن ثم تكتسب المادة الخام القدرة على الحياة. وحسبما جاء في الأساطير الشعبية للجماعات اليهودية في وسط أوربا وشرقها، يقوم الجولم بحمايتهم ومساعدتهم على التخلص من كثير من المصاعب، وهو الخادم المطيع الذي يسمع أوامرهم وينفذها، فالجولم لا يستطيع الكلام أو التعبير ولكنه مُنفِّذ لأوامر سيده. وثمة ارتباط بين كلٍّ من أسطورة الجولم ورؤى «الأبوكاليبس» ونهاية العالم، فمثلاً نلاحظ ازدهار الأساطير الجولمية في الوقت نفسه الذي ازدهرت فيه رؤى الأبوكاليبس والتبشير بالخلاص. ففي نهاية العصور الوسطى، مع ازدياد الإيمان بالسحر وازدياد الحاجة للخلاص وبداية تصاعد الحمى المشيحانية، انتشرت وسط جماعات يهود اليديشية أساطير الجولم وقدرة الخلق باستخدام الاسم أو الكلمة وقيل إن إلياهو الشلمي (وهو رجل دين عاش في القرن السادس عشر) قد خلق جولم باستخدام «اسم الإله الأعظم» حتى أنه لُقِّب بـ «سيد الاسم» أو «بعل شيم» . ومن أهم الشخصيات اليهودية المرتبطة بأسطورة الجولم في تاريخ يهود اليديشية الحاخام يهودا لوف البراغي (1513 ـ 1609) . وقد ساعد هذا الجُولم الذي خلقه هذا الحاخام، كما تقول الحكايات، على إنقاذ اليهود من متاعب كثيرة وفضح كذب تهمة الدم التي وجهت إليهم. وقيل إن الحاخام قد خلق هذا الجولم بأمر إلهي، وكشف له في المنام عن الصيغة المقدَّسة لصياغة الجولم مع الأمر بأن تُشطَب تلك الصيغة عن الرأس يوم الجمعة لكيلا يُدنِّس الجولم السبت المقدَّس. ويُقال إن بقايا هذا الجولم ما زالت مدفونة تحت أنقاض معبد براغ القديم. ومن أشهر الذين قيل إنهم قاموا بتخليق الجولم كلٌّ من إلياهو (فقيه فلنا) ، وإسرائيل بعل شيم طوف مؤسس الحسيدية. ومن الملاحَظ أن الأدب الجولمي أو أدب الشخصيات المخلقة قد انتشر في نهاية القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين في وسط أوربا وشرقها (أي موطن يهود اليديشية) ونذكر على سبيل المثال قصة الجولم للبافاري جوستاف ميرينك وقصة «دراكيولا» ذات الأصل الترانسفالي وقصة فرانكنشتاين ذات الأصل البومراني (النسبة إلى مقاطعة حدودية تقع بين تشيكوسلوفاكيا وألمانيا وبولندا) . وقد ارتبط انتشار قصص الجولم وأساطير تخليقه بفترة ازدياد الاتجاه للعلمنة. فقبل القرن السادس عشر كان الجولم مجرد أسطورة تفسيرية، لكن الجولم تحوَّل بعدئذ إلى واقع متخيَّل. فهو تجسيد أسطورة الخلق العلمانية، فبالإمكان استخدام الاسم الأعظم أو «الكلمة» (أي المعرفة العلمية أو «القانون العلمي» ) لتكوين المخلوق، وهو الاتجاه نفسه الذي كان سائداً في أوربا منذ بداية عصر الإصلاح الديني حيث بدأ يسود الاعتقاد بأن الفرد (لا الكنيسة) هو موضع الحلول الإلهي وهو منقذ ذاته ومخلصها، وهي الفكرة التي أصبحت في السياق العلماني الإيمان بأن الإنسان مكتف بذاته وأنه العبد والمعبود والمعبد، وهو ما يمكن تسميته «تأله الإنسان» . والجولم يعبِّر عن هذا الجانب من الحلم العلماني ولكنه يعبِّر في الوقت نفسه عن جانب آخر، وهو خوف الإنسان العلماني (وشكوكه العميقة) من هذه القوة التي ينسبها إلى نفسها. ولذا، فإن الجولم، شأنه شأن فرانكنشتاين، يمثل ازدواجية المنقذ المدمر. وهو، بالتالي، يتيح له إسقاط مخاوفه ومتاعبه على هذه الشخصية المُخلَّقة ويعطيه هذا إحساساً بالتجاوز وأيضاً إحساساً بالقدرة على الإنجاز في فترات عدم الإنجاز والانهيار الشامل. إن الجولم يجسد لكل فرد إمكانية أن يكون صانعاً للجولم في يوم ما أو أن يكون الإله أيضاً، وهو في الوقت نفسه الوسيلة التي يفرغ بها الإنسان مخاوفه من هذا الطريق الشيطاني. والجولم، بهذا المعنى، معادل وظيفي دنيوي للأيقونة المنقذة المدمرة، أو تلك الدمية التي يصنعها الساحر أو الشامان ويخزها ليدمر الآخر أو ينثر حولها البخور والقرابين ليقوي الذات ويُقدِّم رشوة للآلهة فيمكنه أن يسلبها قوتها أو يُسخِّرها لإرادته. ومن ثم يُمثِّل الجولم دعم الذات ودمار الآخر. وتُصبح الأسطورة في ذاتها مُولِّدة لأساطير أخرى ترتبط بها ويتم من خلالها تفسير سلوك الآخر في نظر الذات أو تفسير سلوك الذات في نظر الآخر. نوستراداموس (1503-1566) Nostradamus اسم الشهرة لميشيل نوستردام، منجِّم وطبيب فرنسي، وأحد أكثر شخصيات عصر النهضة في الغرب إثارة وغموضاً، اكتسب شهرة واسعة عبر التاريخ بسبب ما يُقال عن تَحقُّق نبوءاته. وُلد في مقاطعة بروفانس في فرنسا لعائلة من أصل يهودي حيث اعتنق جداه المسيحية بعد أن خضعت مقاطعة بروفانس للحكم الفرنسي عام 1482 وخيَّر لويس السابع رعاياه من اليهود بين الطرد أو التنصر. وقد اتخذ جده أبراهام سولومون دي سانت ماكسيمين، بعد اعتناقه المسيحية، اسم بيير دي نوستردام. وقد وُلد نوستراداموس مسيحياً ونشأ نشأة كاثوليكية وإن تلقَّى قسطاً من تعليمه على يد جديه (اليهوديين سابقاً) . ودرس الطب في جامعة مونبلييه، وتخرج فيها عام 1529، واكتسب سمعة طيبة بعد نجاحه في علاج كثير من الأمراض، وخصوصاً الطاعون، باستخدام أساليب متطورة وغير تقليدية. ولكنه فشل في علاج زوجته وأولاده عندما أصابهم الطاعون وتوفوا عام 1538. وقد أمضى نوستراداموس الفترة ما بين عامي 1538 و1547 متنقلاً من مكان إلى آخر، ويُقال إنه التقى في إيطاليا بيهود من القبَّاليين ثم عاد إلى فرنسا حيث اتجه اهتمامه إلى السحر والتنجيم وعالم القوى الخفية. وأصدر نوستراداموس عدداً من الأعمال في التنجيم، كان من أشهرها على الإطلاق نبوءاته التي صدرت عام 1555 وضمت 350 رباعية كُتبت بلغة فرنسية وبأسلوب مبهم وغامض. وقد نُظمت الرباعيات في مجموعات، تضم كل مجموعة مائة رباعية، ولذلك عُرف هذا العمل أيضاً باسم «المئويات» . ولم يلق هذا العمل أي اهتمام إلا عندما تحققت إحدى نبوءاته وهي مقتل الملك الفرنسي هنري الثاني في حادث عام 1559. ومنذ ذلك الحين، بدأ الاهتمام الواسع بفك غموض نبوءات نوستراداموس ومحاولة تفسيرها. وقد عُيِّن نوستراداموس عام 1564 طبيباً للملك الفرنسي شارل الرابع ومستشاراً له. وبرغم أن أغلب رباعيات نوستراداموس بالغة الغموض ومكتوبة بأسلوب يصعب فهمه، إلا أن بعض نبوءات نوستراداموس قد تحقَّق بالفعل؛ مثل أحداث ثورتي إنجلترا وفرنسا، وصعود وسقوط نابليون، ونجاح الإنسان في الطيران، وتخلِّي إدوارد الثامن عن العرش في إنجلترا، وصعود زعيم ألماني اسمه «هيستر» الذي سيتسبب في إراقة كثير من الدماء في أوربا قبل هزيمته، وهو ما اعتبر إشارة للزعيم النازي هتلر (ومع هذا، لم يقم أحد بدراسة النبوءات التي لم تتحقق وعددها ونسبتها إلى إجمالي عدد النبوءات) . ومن المعروف أن كثيراً من أعضاء الجماعات اليهودية يتجهون نحو الاشتغال بالسحر والتنجيم بسبب تأثير القبَّالاه ذات النزعة الحلولية. والواقع أن الأنساق الحلولية تجعل الهدف من وجود الإنسان ليس الاتزان مع الذات أو الطبيعة (من خلال الاعتراف بالحدود) وإنما التحكم في الواقع من خلال معرفة الإله الحالّْ في المادة والتاريخ) . وكانت القبَّالاه قد بدأت في الهيمنة الكاملة على الفكر الديني اليهودي، وخصوصاً في منطقة مثل بروفانس لا تبعد كثيراً عن إسبانيا مهد القبَّالاه، حيث وُجد فيها أيضاً عارفون بالقبَّالاه وتزايد عدد اليهود المشتغلين بما يُسمَّى «القبَّالاه العملية» ، ولعل نوستراداموس جزء من هذا الاتجاه. وبتزايد أزمة اليهودية الحاخامية تزايد البحث عن الحل السحري، الذي يؤدي إلى التحكم الإمبريالي الكامل في الذات والطبيعة، بدلاً من التوازن معهما، وهو اتجاه استمر حتى العصر الحديث، حيث يُلاحَظ تركُّز أعضاء الجماعات اليهودية في الجماعات التي تبحث عن الحلول السحرية والتي يمكن عن طريقها حل كل المشاكل بضربة واحدة (جماعات التنويم المغناطيسي ـ العبادات الجديدة ـ التنجيم ـ الحركات السرية ـ الحركات الثورية المتطرفة) . صمويل فولك (1710-1782) Samuel Falk يهودي قبَّالي ومغامر يُعرف باسم «بعل شيم لندن» . وُلد في جاليشيا، وكانت تربطه علاقة وثيقة بزعماء الحركة الشبتانية. وقد عُرف كساحر وهرب من وستفاليا خوفاً من تطبيق عقوبة الموت حرقاً عليه (وهي العقوبة التي كانت تُطبَّق على السحرة) . وقد قام الأسقف حاكم كولونيا بنفيه، فوصل إلى لندن عام 1742 حيث مكث بقية حياته. وقد أحاطت به سمعة سيئة في الأوساط اليهودية والأوساط غير اليهودية لممارساته القبَّالية التي تستند إلى استخدام اسم الإله الأعظم الخفي، ومن هنا أصبح اسمه بعل شيم (صاحب أو سيد الاسم المقدَّس) . وكان يمتلك في منزله معبداً يهودياً خاصاً، وأقام معملاً قبَّالياً أجرى فيه بعض التجارب التي تهدف إلى تحويل المعادن الخسيسة إلى ذهب. وقد أثارت التجارب بعض الاهتمام. ومن بين من انجذب إليه تيودور دي ستاين، وهو مغامر كان يدَّعي أنه ملك كورسيكا وكان يأمل أن يحصل على ذهب يكفي لاستعادة عرشه. وكان فولك على اتصال أيضاً ببعض أعضاء النخبة مثل دوق أورليانز والأمير البولندي تشارتوريسكي والماركيز دي لاكروا. ومن الشائعات التي انتشرت حوله أنه أنقذ المعبد الكبير في لندن من الدمار بالنار، وذلك من خلال بعض الكتابات السحرية التي كتبها على عتبته. ولكن الحاخام جيكوب إمدن هاجمه باعتباره مهرطقاً شبتانياً، ولكنه وقف إلى جواره في معركته مع عائلة جولد سميد. ويبدو أن فولك كسب مراهنة، أو لعل أحد الأسر اليهودية قد أعطته ثروة صغيرة، إذ أنه مات ثرياً. وقد أوصى فولك ببعض ثروته لأعمال الخير وللحاخامية الرئيسية في لندن. القبَّالاه المسيحية Christian Kabbalah مُصطلَح «قبَّالاه مسيحية» مُصطلَح يشير إلى مجموعة الكتابات التي وضعها مؤلفون مسيحيون تبنَّوا المنظومة المعرفية القبَّالية. ويذهب بعض المؤرخين إلى أن القبَّالاه المسيحية ثمرة احتكاك الفكر الديني المسيحي بالفكر الديني اليهودي الذي سيطرت عليه القبَّالاه، وأن الفكر الديني اليهودي «أثَّر» في المسيحية. ولا شك في أن مثل هذا الاحتكاك كان له أكبر الأثر في شيوع الفكر القبَّالي بين المسيحيين. ولكننا، في الواقع، نميل إلى الأخذ بنموذج توليدي في التفسير، ونذهب إلى أن ثمة طبقة غنوصية حلولية كامنة في كل المجتمعات، وخصوصاً بين الطبقات الشعبية التي تجد أن من العسير عليها أن تتجرَّد من الواقع المباشر لتدرك العالم من خلال فكرة الإله الواحد المنزَّه عن المادة التي تُخلَق من العدم، فالكثرة المادية أمر تدركه حواس الإنسان بصورة أكثر يسراً من إدراك فكرة الإله الواحد المتجاوز، والكل أكثر صعوبة في إدراكه من الجزء إذ يتطلب تجرُّداً من الذات وتجاوزاً لها. وهذه الطبقة الغنوصية تولِّد أنساقاً دينية مختلفة، والنسق القبَّالي لا يعدو كونه أحد هذه الأنساق. ويُلاحَظ، على سبيل المثال، أن الفكر القبَّالي اليهودي قد ازدهر في مقاطعة بروفانس في الوقت الذي ازدهر فيه الفكر الغنوصي بين المسيحيين (الهرطقة الألبيجينية) . وقد ازدهرت القبَّالاه اليهودية في شبه جزيرة أيبريا مع بداية ازدهار التصوُّف الحلولي المسيحي. كما أن كتاب الزوهار قد بدأ انتشاره مع ازدهار المتصوف الألماني المعلم مايستر إيكهارت Meister Eckhart (1260 ـ 1329) . فالتربة التي ساعدت على ازدهار القبَّالاه الغنوصية بين اليهود هي نفسها التي ساعدت على ازدهار أنماط غنوصية في التفكير بين بقية أعضاء المجتمع، خصوصاً في الطبقات الشعبية. كما تنبغي الإشارة إلى أن الفكر الديني المسيحي نفسه دخلته عناصر غنوصية تبناها من الفكر الهيليني أو من العهد القديم. كما أن التأملات الثيو صوفية المسيحية مسألة تسبق ظهور القبَّالاه بزمن طويل. وقد كان الفكر الأفلوطيني (بكل منظومته الأسطورية) أمراً راسخاً هو الآخر في العقل المسيحي الرسمي والشعبي. ولعل أهم العوامل التي خلقت لدى الغرب المسيحي استعداداً كامناً قوياً لتَقبُّل القبَّالاه اليهودية هو اتجاهه نحو تبنِّي رؤية حلولية كمونية تجسدية للكون (مع نهاية العصور الوسطى) ، ويتضح هذا في هيمنة الرؤية الهرمسية وشيوع فكرة اللاهوت القديم، أي أن كل الأديان تعود إلى أصل واحد، وتزايد ظهور الرؤية المعرفية الإمبريالية حيث يصبح هدف الوجود الإنساني السيطرة على الكون لا التوازن معه. ويمكن القول بأن القبَّالاه المسيحية تعود إلى القرن الخامس عشر، وكانت تهدف إلى تحقيق عدة أغراض: محاولة تنصير اليهود عن طريق التوفيق بين أفكار القبَّالاه اليهودية والعقائد المسيحية، وإظهار أن المعنى الحقيقي للرموز القبَّالية يشير إلى اتجاه مسيحي. وهذه المحاولة لم تكن تبشيرية متعسِّفة كما قد يبدو لأول وهلة، فكثير من رموز القبَّالاه نشأت في تربة مسيحية (إسبانيا الكاثوليكية) وهي عبارة عن تشويه لهذه الرموز. كما أن الفكر القبَّالي فكر تجسيدي يجعله يقترب إلى حدٍّ ما من الفكر المسيحي. وبطبيعة الحال، فإن هناك الطبقة الغنوصية الكامنة في كلٍّ من النسق الديني اليهودي والنسق الديني المسيحي، تلك الغنوصية التي تزدحم بها صفحات العهد القديم؛ الكتاب المقدَّس عند المسيحيين واليهود جميعاً. وإلى جانب هذا، كانت هناك الرغبة في اكتشاف الصيغة السحرية التي يمكن التحكم من خلالها في الكون والتي عبرت عن نفسها في انتشار الرؤية الهرمسية واكتساحها كثيراً من المفكرين الغربيين. كانت هناك رغبة وثنية عميقة سادت أوربا مع بدايات عصر النهضة غايتها التوصل إلى كل الحقيقة من خلال دراسة نصٍّ ما، وقد كان ظهور القبَّالاه مناسباً لهذا الغرض. ومع تزايد معدلات العلمنة وتصاعد الرؤية المعرفية الإمبريالية، ازداد الاهتمام بالقبَّالاه باعتبارها مفتاحاً للعلم (كل العلم) والعالم (كل العالم) وهي الرغبة التي تحولت إلى المشروع العلمي الحديث الذي يتصور أن بوسع الإنسان الإحاطة بقوانين الحركة في الطبيعة والتحكم الكامل فيها عن طريق هذه المعرفة. هذا هو الأساس التوليدي لتغلغل القبَّالاه، فهو استعداد كامن في الحضارة الغربية نفسها، كان قد بدأ يتحقق من خلال عدة عناصر داخلية. ولم يكن شيوع نصوص القبَّالاه اليهودية سوى عنصر مساعد ساهم في الإسراع بالعملية وساعد على بلورتها. ويبدو أن عدداً كبيراً من اليهود الذين تنصروا قد ساهموا بشكل فعال في نقل الأفكار القبَّالية، ثم انضم إليهم العديد من يهود المارانو. ومن أهم مراكز الفكر القبَّالي المسيحي الأكاديميات الأفلاطونية التي شيدها آل مدتشي في فلورنسا والتي اكتشف علماؤها القبَّالاه اليهودية والنصوص الهرمسية ورأوا أنها تحتوي على كشف إلهي للجنس البشري فُقد بعض الوقت وتم استرجاعه. وقد ذهبوا إلى أن العالم بوسعه فهم فلسفة فيثاغورس وأفلاطون بل العقيدة الكاثوليكية نفسها من خلال النصوص القبَّالية. ومن أهم الشخصيات التي ساهمت في نقل القبَّالاه إلى العالم المسيحي، اليهودي المتنصر فلافيوس مثراديتيس Flavius Mithradites (ويُقال إنه هو نفسه صمويل نسيم أبو الفرج الذي كان يعيش في صقلية في القرن الخامس عشر) والذي ترجم مقطوعات طويلة من القبَّالاه إلى اللاتينية لتلميذه العالم الفلورنسي بيكو ديلا ميراندولا Pico della Mirandola (1463 ـ 1494) الذي قام بصياغة 900 أطروحة طرحها للمناظرة العامة، كان من بينها 47 أطروحة مستقاة بشكل مباشر من القبَّالاه و72 أطروحة استخلصها هو من قراءته للقبَّالاه. بل إنه ذهب إلى أن العلم القبَّالي (والسحر) أفضل السبل لإقناع الإنسان بألوهية المسيح. وتُعَدُّ هذه اللحظة النقطة التي وُلدت فيها القبَّالاه المسيحية كمنظومة تتحدى المنظومة المسيحية الأرثوذكسية أو تقوضها من الداخل (وهو الأمر الأكثر شيوعاً) . وقد بيَّن بيكو أنه يمكن التدليل على صدق عقيدة التثليث والتجسد على أساس ما ورد في القبَّالاه. ومن أهم تلاميذ بيكو ديلا ميراندولا، العَالم الألماني يوحانيس ريوشلين Johannes Reuchlin (1455 ـ 1522) الذي درس القبَّالاه بعمق ونشر كتابين باللاتينية عن الموضوع: الكلمة صادقة المعجزات (1494) أول كتاب باللاتينية في القبَّالاه، وفي علم القبَّالاه (1517) . وقد ربط ريوشلين بين مفهوم التجسد المسيحي وفكرة أسماء الإله المقدَّسة. وقد اكتشف المسيحيون كلاًّ من القبَّالاه النظرية التأملية والقبَّالاه العملية (السحر) . وتُعدُّ أعمال هنري كورنيليوس أجريبا النتيشيمي Henri Cornelius Agrippa von Nettesheim (1486ـ 1535) من أهم الأعمال التي تناولت القبَّالاه العملية. واستمر الاهتمام بالقبَّالاه في الأوساط المسيحية، فكتب الكاردينال إديجيو دا فيتربو Edigio da Viterbo (1465ـ 1532) عدة دراسات متأثرة بالزوهار، وألَّف الراهب الفرنسي فرانسيسكو جيورجيو البندقي Francesco Giorgio of Venice (1460 ـ 1540) كتابين ضخمين تشكل القبَّالاه فيهما الموضوع الأساسي. وقد كان جيورجيو أول كاتب مسيحي يقتبس من كتاب الزوهار باستفاضة. وتُبيِّن كتابات المتصوِّف الفرنسي جويوم بوستل Guillaume Postel (1510 ـ 1581) مدى اهتمامه بالقبَّالاه، فقد ترجم الزوهار وسفر يتسيراه إلى اللاتينية (حتى قبل أن يُطبعا بلغتهما الأصلية) وكتب لهما تفسيراً مستفيضاً. وقد نشر عام 1548 تعليقاً قبَّالياً عن المعنى الصوفي لشمعدان المينوراه. وقد ازداد الحماس المسيحي للقبَّالاه، حتى أن بعض المفكرين بدأوا في جمع النصوص القبَّالية التي كانت لا تزال مخطوطة. ومن بين هؤلاء يوهان ألبرخت ويدمانستتر Johanne Albrecht Widmanstetter (1506-1557) وقد ظلت مراكز دراسات القبَّالاه على يد المسيحيين في إيطاليا وفرنسا طوال القرن السادس عشر، ولكنها انتقلت إلى ألمانيا وإنجلترا في القرن السابع عشر. وقد تبنَّى المتصوِّف الألماني جيكوب بومه Jacob Boehme (1545 ـ 1624) نسقاً قبَّالياً غنوصياً. ويتحدث بومه عن «أون جروند Ungrund» وهي الهوَّة (حرفياً: «اللا أرض» ) ، وهي أيضاً الإرادة الأولى أو العدم الأزلي، وكلها عبارات تذكرنا بالإيين والإرادة الإلهية الأولى في القبَّالاه. وقد شبه بومه اللا أرض هذه بالنار الخفيَّة التي توجد ولا توجد (وهي عبارة وردت في الزوهار) . ويتضح النسق القبَّالي وبحدة في الثنائيات الصلبة التي تسم نسق بومه. كما أن مفهوم بومه الخاص بالسقوط باعتباره خللاً أو عدم اتزان بين عناصر الكون الأربعة يشبه تماماً فكرة الخلل الكوني في القبَّالاه (وعند هذه النقطة يصبح من العسير التحدث عن القبَّالاه مستقلةً عن النسق الغنوصي الذي يَصدُر عن فكرة أن السقوط ليس ناجماً عن الخطيئة وإنما عن خلل ما) . ومهما كان الأمر، فإن تبنِّي بومه لهذا النسق قد جعله من أهم القنوات التي تحولت من خلالها القبَّالاه إلى رافد أساسي في الفكر الديني المسيحي واليهودي. وقد بدأت الأفكار القبَّالية تتبدَّى في كتابات وأعمال بعض الفنانين مثل الفنان الألماني دورر Durer. وقد قام كريستيان نور فون روزينروث Christian Knorr Von Rosenrotth بنشر أجزاء ضخمة من الزوهار والقبَّالاه اللوريانية في كتابه كشف القبَّالاه (1684) ، وقد حقق الكتاب ذيوعاً كبيراً بين أعضاء النخبة الثقافية في أوربا. أما العَالم اليسوعي أثاناسيوس كيرشر Athanasius Kirsher، فبيَّن التوازي بين مفهوم الآدم قدمون ومفهوم المسيح كإنسان أوَّل. وظهر اصطلاح «القبَّالاه المسيحية» لأول مرَّة في كتابات فرانسيسكوس ميركوريوس فان هلمونت Franciscus Mercurius Van Helmont، وهو عَالم دين هولندي يشكل حلقة وصل بين القبَّالاه وفلاسفة كمبردج الأفلاطونيين، وكذلك الذين تأثروا بالقبَّالاه مثل: رالف كدور Ralph Cudworth وتوماس فون Thomas Vaughn، وتوماس بيرنت Thomas Burnet. ولكن هنري مور Henry More (1614 ـ 1697) هو أكثر فلاسفة كمبردج اهتماماً بالقبالاه وتأثراً بها. وقد تأثر مور بالفلسفة الفيثاغورسية وتقاليد اللاهوت القديم والأفلاطونية الحديثة (وحدة وجود روحية) ، ولكنه تأثر أيضاً بالفلسفة الديكارتية (وحدة وجود مادية) . وقد حسم هذا التناقض بأن جعل الحركة الآلية للمادة نتاج «روح الطبيعة» ، أي الروح (الإلهية) التي تسري في المادة. وكانت القبَّالاه إحدى الآليات التي حسم بها هذا التناقض فكان يذهب إلى أن التقاليد القبَّالية (بتأكيدها على الجماتريا وغيرها من المفاهيم التي تنبع من رؤية واحدية كونية) تحوي داخلها المنظومة الديكارتية. وكان مور يرى أن القبَّالاه اليهودية أُعطيت لموسى حينما صعد إلى جبل سيناء. وأنها كانت تضم تلك الأسرار التي أتى بها فيثاغورس وأفلاطون من مصر ومن فارس. ولذا مزج مور بين تعليقاته القبَّالية وبين صوفية الأعداد الفيثاغورسية وتعاليم أفلاطون والأفلاطونية المحدثة. وهكذا تلتقي الحلولية الكمونية الروحية بالحلولية الكمونية المادية. وقد كتب مور كتاباً يُسمَّى الإشراقات القبَّالية وتظهر في كتاباته إشارات عديدة للقبَّالاه والصوفية المركبة. وهناك كذلك إشارات للقبَّالاه في كتابات توماس ناش Thomas Nash وفرانسيس بيكون Francis Bacon، ففي كتابه أطلانطيس الجديدة (1627) ثمة وصف لجزيرة فيها مجتمع مثالي تضم جماعة يجتمعون في مجمع علمي يُسمَّى «بيت سليمان» ويتبعون تعاليم القبَّالاه. وهذا المجتمع يختلف تماماً عن الجامعات البريطانية في ذلك الوقت التي كانت لا تزال تُكرِّس جُلَّ وقتها للدراسات الإنسانية والفلسفية، على عكس مجمع أطلانطيس الذي كان يكرس وقته لمعرفة الأسباب والحركة الخفية للأشياء ويرمي إلى توسيع حدود الإمبراطورية الإنسانية حتى يؤثر في كل الأشياء الممكنة. وقد تبدى أثر القبَّالاه كذلك في منظومة الفيلسوف ليبنتس الحلولية. وقد يكون من المفيد أن نشير هنا إلى أن فلسفة إسبينوزا التي اكتسحت العالم الغربي بأسره هي فلسفة ذات أصول قبَّالية واضحة. ولعل إسبينوزا، الذي عَلمَن الخطاب القبَّالي والحلولي، هو أهم القنوات التي تدفَّق من خلالها الفكر الحلولي القبَّالي وخطابه على العقل الغربي. ويُلاحَظ أنه منذ القرن الثامن عشر، بدأت تتضح للقبَّاليين المسيحيين العلاقة بين القبَّالاه والسحر ورموز علم الكيمياء في العصور الوسطى Alchemy والتي تتبدَّى في كتابات الدبلوماسي الفرنسي بليز دي فيجينير Blaise de Vigenere (1523 ـ 1596) . ويصل هذا التيار إلى قمته في كتابات المتصوِّف الألماني فريدريك أتنجر (1702 ـ 1782) الذي تركت أعماله أثراً عميقاً في كتابات كثير من الفلاسفة الألمان مثل شلنج وهيجل. وقد ذهب أوتينجر إلى القبَّالي اليهودي كويل هيخت المقيم في جيتو فرانكفورت طالباً منه المزيد من المعرفة عن القبَّالاه، فأجابه الأخير بأن ما كتبه المسيحيون عن القبَّالاه أوضح بكثير مما جاء في كتاب الزوهار، وكان على حق في هذا، فالقبَّالاه المسيحية كانت من الذيوع والوضوح بحيث أن كثيراً من المتصوفين اليهود الذين كانوا يريدون تعميق معرفتهم بالقبَّالاه كانوا يقرأون كتب القبَّالاه المسيحية بل كتب القبَّالاه اليهودية التي نشرها المسيحيون! ويتضح هذا الاختلاط بين القبَّالاه والسحر في رموز الماسونيين الأحرار في منتصف القرن الثامن عشر. وقد ظهرت بعد ذلك أعمال مارتين دي باسكوالي Martin de Pasqually (1722 ـ 1774) التي تركت أثراً عميقاً في تلميذه الفرنسي لوي كلود دي سان مارتين Louis Claude de St. Martin، وهو من أهم المتصوفين الفرنسيين قبيل الثورة الفرنسية. وقد حامت الشكوك حول انتماء باسكوالي إلى يهود المارانو (وهي شكوك أيدتها البحوث الحديثة) . ومن أهم الأعمال القبَّالية المسيحية، كتابات فرانز جوزيف موليتور Franz Josef Molitor الألماني (1779 ـ 1861) . وقد أصبحت القبَّالاه جزءاً لا يتجزأ من رؤية كثير من المثقفين الغربيين، أو النموذج أو الصورة المجازية الكامنة في فكرهم، حتى أنه لا يمكن الحديث عن أصولها اليهودية. فالمفكر الديني السويدي عمانويل سويدنبورج Swedenborg الذي أثَّر في ويليام بليك William Blake، الذي تشبع بالمنظومة القبَّالية حتى أصبحت منظومته الفكرية قبَّالية غنوصية دون أن يطلع على أية مصادر يهودية. ويتبدَّى أثر قبَّالاة الزوهار على مدام بلافاتسكي Blavatsky وهي من أشهر المشتغلات بالتأملات الثيو صوفية في أوربا في أواخر القرن التاسع عشر (وكانت من جماعة الدوخوبور الروسية التي تركت أثراً عميقاً في مؤسسي اليهودية الحسيدية) . وقد تركت القبَّالاه أثراً عميقاً في سترندنبرج الذي كتب في مفكرته السرية ما يلي: "فتحت الكتاب فوجدت القبَّالاه ... وكنت أفكر أن يهوه إن هو إلا أيون سفلى". وقد طوَّر الشاعر الأيرلندي و. ب. ييتس W. B. Yeats نسقاً قبَّالياً غنوصياً. وكان كارل يونج، معجباً أيما إعجاب بالقبَّالاه وبخاصة فكرة تهشُّم الأوعية (شفيرات هكليم) وكيف يشارك الإنسان في إصلاحها (تيقون) "فلأول مرة تنبثق فكرة أنه يجب على الإنسان أن يساعد الإله في رأب الصدع الحادث من عملية الخليقة". وبإمكان الدارس أن يجد آثاراً عميقة كامنة للقبَّالاه في أدب فرانز كافكا وبورخيس، بل في مؤلفات الكاتب الألماني الماركسي وولتر بنجامين. ويُقال إن أشعار الشاعر الإنجليزي ناثانيل تارن Nathaniel Tarn وروايات الروائي الأسترالي باتريك وايت Patrick White، وخصوصاً روايته راكبو العربة (1961) ، تُبيِّن الأثر العميق للقبَّالاه. ويتبدَّى أثر القبَّالاه بشكل واضح وصريح في كتابات الناقد الأمريكي المعاصر هارولد بلوم والفيلسوف الفرنسي ذي الأصل السفاردي جاك دريدا اللذين يؤسسان نقدهما الأدبي على أُسس غنوصية عدمية. والواقع أن ذيوع القبَّالاه في الحضارة الغربية ليس مجرد تعبير عن تهويد المسيحية أو الحضارة الغربية، وإنما هي في واقع الأمر تعبير عن عنصر أكثر عمقاً وبنيوية، وهو شيوع التفكير الحلولي الكموني الذي يدور في إطار مادي تجسدي، بحيث يصبح اللوجوس كامناً في المادة لا متجاوزاً لها، ويصبح الإله متوحِّداً مع الطبيعة والتاريخ لا منزَّهاً عنهما. وهو توُّحد يتم تدريجياً إلى أن يتحقق تماماً في مرحلة وحدة الوجود التي يشحب فيها الإله ثم يموت ليبقى العالم المادي وحده واللوجوس (أو القوانين الطبيعية) الكامنة فيه. وهذا هو الإطار الذي حقَّق فيه المفكرون اليهود بروزهم، وهو إطار لا هو بالمسيحي ولا هو باليهودي، إطار معاد للتوحيد ومعاد للإله المنزَّه ويتجه نحو المادية والتجسد، وهو إطار معرفي إمبريالي علماني. فلافيوس ميثراديتس (القرن الخامس عشر) Flavius Mithradites هو صمويل بن نسيم الفراج من صقلية. تَنصَّر وتَسمَّى باسم جوليلموس (أي الصقلي) علَّم العربية والعبرية والآرامية في إيطاليا وفرنسا وألمانيا، وكان أحد مُعلمي بيكو ديللا ميراندولا. عُيِّن أستاذاً في روما وقام بترجمة عدة كتب من العربية والعبرية واليونانية إلى اللاتينية (وضمن ذلك أجزاء من القرآن) . كما ترجم لديللا ميراندولا بعض التفاسير اليهودية للتوراة (المكتوبة بالعبرية) ، وكتاباً لموسى بن ميمون عن البعث، وبعض الأعمال القبَّالية. وألقى موعظة أمام البابا عن عذاب المسيح على الصليب مستخدماً المدراش وبعض المصادر اليهودية. يُعدُّ ميثراديتس شخصية مهمة في تعريف العالم الغربي بالقبَّالاه ووضع أسس القبَّالاه المسيحية. بيكو ديللا ميراندولا (1463-1494) Pico della Mirandola مفكر إيطالي من عصر النهضة، ويُعدُّ أبا القبَّالاه. وُلد لأسرة إقطاعية كانت تحكم مقاطعة ميراندولا وكونكورديا في شمال إيطاليا. درس العربية والعبرية على يد مُعلمين يهود، فترجم له دبلميديجو كتاب ابن رشد، وتعلَّم العربية والآرامية على يد فلافيوس ميثراديتس، الذي ترجم له أيضاً عدداً لا بأس به من الكتابات القبَّالية، والتي تُعدُّ المصدر الأساسي لكتابات ديللا ميراندولا القبَّالية. وديللا ميراندولا له كتاب في القبَّالاه، يُسمَّى استنتاجات قبَّالية حسب رأيه الخاص. قضى ديللا ميراندولا جزءاً كبيراً من حياته في فلورنسة حيث أصبح، مع فيشينو، عضواً في أكاديمية فلورنسة الأفلوطينية وهناك قابل سافونا رولا. أهم أعماله كتاب الخطب (1486) وأهم الخطب خطبة عن كرامة الإنسان (باللاتينية: أورايتو دي هومينيس ديجنيتاتي oratio de hominis dignitate) . وفي عام 1486، قدَّم ديللا ميراندولا 900 أطروحة استقاها من كل فروع المعرفة للدفاع عن المسيحية، ودعا إلى مناظرة عامة بشأنها، وكان كثير من الأطروحات ذا نزعة قبَّالية واضحة. وقد أحست الكنيسة أن هذه الأطروحات مُهرطقة فمنعت المناظرة. وتُعدُّ هذه الأطروحات البداية الحقيقية للقبَّالاه المسيحية. وفي كتابه عن كرامة الإنسان ضم 13 أطروحة من هذه الأطروحات التي رفضتها الكنيسة. وتقول إحدى الأطروحات: "ليس بإمكان علم أن يجعلنا أكثر إيماناً بألوهية المسيح أكثر من القبَّالاه". ويظهر أثر القبَّالاه اليهودية كذلك في كتابه هيبتايلوس (1489) وهو تفسير من سبعة مستويات للخلق، وكتابات ديللا ميراندولا مليئة بالإشارات إلى مؤلفين يهود مثل عزرا وليفي بن جرشوم. كان ديللا ميراندولا لا يؤمن بأن كل الأساطير والمدارس الفلسفية واللاهوتية تحتوي على جزء من الحقيقة العالمية (الطبيعية) ، وتستحق الدراسة والدفاع عنها (وهو ما يُسمَّى باللاتينية: بريسكوس ثيولوجوس priscus theologus) . ولذا، كانت كتاباته تشير إلى كثير من المصادر مثل كتابات الهرمسية والأورفية والقبَّالية وكتابات فيثاغورث وأرسطو وأفلاطون وزرادشت وابن رشد وابن سينا (وغيرهما من الفلاسفة العرب) . وكان ديللا ميراندولا يرى أنها كلها غير متناقضة، ومن ثم كان يبذل قصارى جهده للتوفيق بينها كلها في ديانة طبيعية عقلية عالمية واحدة، ولذا كان اهتمام ديللا ميراندولا ينصب في واقع الأمر إما على الكتابات الحلولية بالدرجة الأولى (مثل النصوص الهرمسية) أو على الجوانب الحلولية في النصوص التي يدرسها. وديللا ميراندولا، شأنه شأن فيشينو، كان يرى أن أفلاطون تعلَّم الحكمة من الكتابات الهرمسية والزرادشتية والأورفية وغيرها من المصادر الشرقية. فالأفلاطونية بالنسبة له (وكما هو الحال بالنسبة لكثير من كُتَّاب عصر النهضة) هي في واقع الأمر أفلوطينية غنوصية. وتوجُّهه الحلولي يُفسِّر اهتمامه العميق بالهرمسية وبالكتابات القبَّالية اليهودية. وقد لاحظ ديللا ميراندولا التشابه بين الكتابات الهرمسية والقبَّالاه في فكرة الخلق من خلال الكلمة، فزاوج بين هذه الكتابات والقبَّالاه، فبدأ بذلك التقاليد الهرمسية/القبَّالية والحلولية الكمونية الواحدية التي تجمع بين اليهودية والمسيحية وأية عقيدة توحيدية أو وثنية حديثة أو قديمة (وهذا هو جوهر فكرة اللاهوت القديم) . ولكن ديللا ميراندولا هو أول عالم مسيحي يستخدم أدبيات القبَّالاه اليهودية وإطارها المعرفي في تفسير النصوص المقدَّسة وفي رؤيته للعالم. بل كان ديللا ميراندولا يؤمن بأن الكتابات القبَّالية تحتوي على معرفة سرية ثمينة، فالقبَّالاه في تصوُّره تنبع من روايات شفوية قديمة موغلة في القدم تعود إلى أيام موسى (كان الظن السائد في عصر النهضة أن موسى وهرمس هما شخص واحد أو أن أحدهما تعلَّم من الآخر) ، ولذا فالقبَّالاه ـ بالنسبة له ـ كانت ذات حجية تماثل حجية كتابات هرمس وزرادشت والكتاب المقدَّس. بل يمكن القول بأن القبَّالاه، لأنها «أصلية» ، أقدم من الكتاب المقدَّس. ولأنها سرية، بمعنى أنها تحمل المعنى الباطني بشكل مباشر، ولذا فهي أكثر حجية من الكتاب المقدَّس نفسه. وقد حاول ديللا ميراندولا أن يُبيِّن أنه لا يوجد أيُّ فارق واضح بين القبَّالاه واللاهوت المسيحي (شأنها في هذا شأن العهد القديم) . وأنه يمكن النظر للقبَّالاه باعتبارها رؤية تُبشر بالعقيدة المسيحية وبرهاناً على صدقها. وقد وضع بذلك الأساس للقبَّالاه المسيحية التي دافع عنها كثير من المفكرين المسيحيين في القرن السادس عشر وبعد ذلك. ويتضح أثر القبَّالاه في بيكو ديللا ميراندولا في تفسيره للعهد القديم، فهو يستخدم التفسيرات الرقمية (الجماتريا) ويستخلص المعنى الباطني من النص بأن يُحل كلمة محل أخرى، شريطة أن تكون قيمتهما الرقمية واحدة. كما أنه يعطي الكتاب المقدَّس معاني تتماثل مع أجزاء الكون المختلفة (وثمة تقابل بين العالم وجسد الإنسان في القبَّالاه، وهنا أصبح التقابل بين العالم والكتاب المقدَّس) . ويُلاحَظ هنا كيف أن الحلولية أصبحت النقطة التي تلتقي فيها اليهودية بالمسيحية ويذوبان سوياً (مع أية تيارات وكتابات دينية أخرى) ويصبحان ديانة طبيعية علمانية واحدة! وتظهر رؤية ديللا ميراندولا الحلولية في رؤيته للإنسان والكون، فالطبيعة بالنسبة له هي كلٌ متصل تسري فيه الحياة (كما هو الحال عند جيوردانو برونو) ، وأجزاء الكون هي أجزاء من الكل الكوني وحسب ليس لها وجود مستقل، والإنسان جزء لا يتجزأ من الكون تسري فيه القوة الكونية. هذه الرؤية الحلولية تترجم نفسها دائماً إما إلى تمركُّز حول الموضوع (تأليه الطبيعة) أو تمركُّز حول الذات (تأليه الإنسان) . وهي تأخذ الشكل الثاني في حالة بيكو ديللا ميراندولا. فالإنسان، لأنه جزء من الكون تسري فيه القوى الكونية، قادر على اختراق كل طبقات السماء من خلال قواه ليصل إلى المصدر الإلهي لكل الحياة. وهو، لهذا، يستطيع إعادة صياغة العالم وإعادة صياغة ذاته، فالإنسان يمكنه أن يصبح ما يريد وأن يشغل المكان الذي يريد في الكون حسب مقدرته ومن خلال معرفته الغنوصية (كان ديللا ميراندولا يؤمن تماماً بالمقدرات السحرية للنصوص القبَّالية والغنوصية) . وينسب ديللا ميراندولا إلى الإله هذه الكلمات في خطابه لآدم: «إرادتك حرة لا تحدها حدود. أنت الذي ستُقرر لطبيعتك حدودها. أنت صاحب المقدرة على أن تهبط إلى أدنى أشكال الحياة، وأنت أيضاً صاحب المقدرة على أن ُتولَد من جديد في أسمى الأشكال العليا ـ الإلهية» . أي أن الإنسان من خلال مقدرته يمكنه أن يصبح إلهاً. وهو المنطق الهيجلي الحلولي نفسه الذي يزيل أي حاجز بين المقدَّس والزمني أو الدنيوي. وقد لاحظ كاسيرر أن إنسان ديللا ميراندولا ليس سليل آدم (أعطاه الإله المعرفة) وإنما هو سليل بروميثيوس الذي سرق النار (والمعرفة) من الآلهة، أي أنه سوبرمان وليس إنساناً. ولكن، في الواقع، يمكن القول بأن ما يظهر هو ثنائية السوبرمان (ما فوق الإنسان) والسبمان (ما دون الإنسان) . فالذين يصلون إلى المصدر الإلهي ومصاف الآلهة ويتألهون ليس كل البشر وإنما نخبة من أصحاب العرفان، أما بقية البشر فيعيشون في الطبقات الدنيا وعليهم الإذعان والامتثال لأصحاب الغنوص. ويغيب في ثنايا كل هذا الإنسان الإنسان، الثنائي المركب. باولوس ريسيوس (؟ - 1541) Paulus Ricius مترجم من دعاة الحركة الإنسانية. وُلد في ألمانيا وعُمِّد في إيطاليا عام 1505. عُيِّن أستاذاً للفلسفة والطب، وطبيباً خاصاً للإمبراطور ماكسيمليان وأستاذاً للعبرية في جامعة بافيا. ونشر ريسيوس عدة كتب من بينها ترجمات لنصوص إسلامية ويهودية، وكذلك بعض الأعمال الأدبية ذات التوجه الصوفي. يُعَدُّ ريسيوس من مؤسسي القبَّالاه المسيحية. وقد استخدم النصوص القبَّالية اليهودية دليلاً على أن البشارات بالمسيح تُوجَد في تلافيفها وأن مفهوم التثليث المسيحي هو الآخر يوجد كامناً داخل رموزها. يوحانيس ريوشلين (1455-1522) Johannes Reuchlin مفكر ألماني وأحد رواد الفكر الإنساني الهيوماني والفكر الاستناري والدراسات العبرية، وأحد واضعي أُسس القبَّالاه المسيحية. درس ريوشلين العبرية واللغويات العبرية ونشر دراسة في الموضوع، كما نشر نصاً عبرياً/لاتينياً لبعض المزامير وكتب تعليقاً عليه. وعُيِّن أستاذاً للدراسات اليونانية والعبرية في جامعات هولندا وألمانيا. ورغم أن ريوشلين لم يكن مهتماً بمصير اليهود كبشر إلا أنه كان مهتماً بشكل كبير بالكتابات اليهودية. وقد دخل فيما يُسمَّى «معركة الكتب» وهو الصراع الذي دار بين بعض دعاة حرق التلمود والكتب العبرية، والتي تزعَّمها يهودي متنصر في كولونيا وسانده الرهبان الدومينكان. ورغم أن ريوشلين كان مهتماً أساساً بالقبَّالاه، إلا أنه رفض الدعوة إلى حرق التلمود «لأننا لا نعرف ما جاء فيه» ولأنه يجب ألا يُحرَق سوى الكتب المعادية للمسيحية بشكل واضح مثل توليدوت يشو. وقد بدأ اهتمام ريوشلين بالقبَّالاه تحت تأثير بيكو ديللا ميراندولا (الذي قابله في إيطاليا عام 1490) ومن خلال طبيب فريدريك الثالث اليهودي. وقد أحس ريوشلين بالتشابه بين العناصر الأفلوطينية في الكتابات القبَّالية وكتابات الفيلسوف الألماني نيكولاس من كوزا (أي أنه أحس بوجود منظومة حلولية كمونية في كل من القبَّالاه وفي كتابات الفيلسوف الألماني) . وإعجاب ريوشلين بالقبَّالاه، الذي لازمه طيلة حياته، هو سبب أساسي وراء حماسه للدراسات العبرية. فالقبَّالاه في نظره منهج لقراءة نصوص العهد القديم (لا يعرفه سوى اليهود) الهدف منه هو معرفة سر اسم الإله الأعظم، وهي معرفة إن توصَّل لها الإنسان وصل إلى معرفة تشير إلى ما وراء العهد القديم، أي إلى العهد الجديد، أي أنها قراءة تفكيكية تركيبية. وقد توقَّع ريوشلين، شأنه في هذا شأن بيكو ديللا ميراندولا، أن يجد مسيحية سرية في حالة جنينية داخل الكتابات القبَّالية. ومثل هذا الفهم للقبَّالاه يعطي شرعية للتوراة ويُبيِّن صدقها، ولكن هذا الصدق محدود إذ أنها تحوي داخلها ما يشير إلى غيرها. ومن هنا احترام ريوشلين للقبَّالاه، ومن هنا أيضاً رفضه التلمود باعتباره العقبة الكؤود أمام تنصير اليهود. نشر ريوشلين في بازل عام 1494 كتاباً باللاتينية عنوانه الكلمة صانعة المعجزات وهو أول كتاب باللاتينية يُكرَّس لموضوع القبَّالاه. وهو حوار خيالي بين المؤلف وفيلسوف أبيقوري ويهودي. يؤمن ثلاثتهم بأن كل الأديان، رغم اختلاف رموزها، تكشف عن الحقيقة الأزلية الواحدة نفسها. ولكن ريوشلين يبيِّن لهم أن المسيحية هي التعبير الأدق عن هذه الحقيقة. ومن خلال خطاب ثيو صوفي يربط ريوشلين بين مفهوم التجسد المسيحي وفكرة أسماء الإله المقدَّسة. فيبيِّن أنه يمكن تقسيم التاريخ الإنساني إلى مراحل. أولاها مرحلة الآباء حيث كشف الإله للإنسان عن نفسه تحت اسم «شدَّاي» ثم كشف لهم عن نفسه في مرحلة موسى تحت اسم التتراجراماتون (اسم يهوه) . وأما في فترة الخلاص (الفترة المسيحية) فهو ليس يهوه YHWH وإنما يهشوه YHSHWH وهو الاسم العبري ليسوع المسيح (وإضافة الشين للاسم لإبراز دلالته هي إحدى الطرق القبَّالية لتفسير النصوص للوصول لمعناها الخفي أو لتوراة الفيض مقابل توراة الخلق) . وحينما يصبح «يهوه» هو «يهشوه» فإن الشيم هامفوراش أو اسم الخالق الذي يُحرِّم التفوّه به يصبح مباحاً للبشر النطق به. ويُلاحَظ أن هذا التقسيم الثلاثي لتاريخ العالم يقابل تقسيماً يهودياً حيث يُقسِّم تاريخ العالم إلى: فوضى ـ توراة ـ عودة الماشيَّح. ويقابل هذا أحد التقسيمات المسيحية الثلاثية التي ترى أن تاريخ العالم مقسَّم إلى: حكم الأب ـ حكم الابن ـ حكم الروح القدس (وهو تقسيم ترك أثره في جدل هيجل الثلاثي الإيقاع) . وقد ذهب ريوشلين إلى أن العبارة العبرية «بريشيت برا إلوهيم» تشير في واقع الأمر إلى «الابن والروح والأب» باعتبار أن أول حرف في كلمة «بريشيت» هو الباء التي تعادل كلمة «بن» أي الابن، والحرف الثاني في «برا» هو الراء، والتي تعادل كلمة «روح» ، أما الحرف الأول في كلمة «إلوهيم» فهو الألف والتي تعادل كلم «الأب» (وهذه قراءة تتبع نظام النوطريكون، أي التفسير بالحروف الأولى) . ويُركِّز الكتاب أساساً على أسماء الإله وتضميناتها السحرية وكيف أنها مجرد إعداد للمسيحيين، فكأن ريوشلين هنا هو الساحر (ماجوس magus) المسيحي يفك اسم الإله الأعظم. وبالفعل، ينتهي الكتاب بتحوُّل الأبيقوري واليهودي إلى المسيحية، ويُطلَب من اليهود ترك التلمود. وقد تَعمَّق ريوشلين بعد ذلك في القبَّالاه ثم كتب كتاباً جديداً في الموضوع وهو في علم القبَّالاه (1517) وأهداه للبابا ليو العاشر. ومرة أخرى، تبنَّى المؤلف أسلوب الحوار الخيالي ولكنه هذه المرة بين يهودي ومسلم وممثل للفلسفة الفيثاغورثية. ويتوحد ريوشلين هنا مع اليهودي القبَّالي ويُبيِّن علاقة القبَّالاه بفكر نيكولاس من كوزا، كما يُبيِّن العلاقة بين الاتجاهات الثيوصوفية في القبَّالاه وكتابات أبى العافية وجيكاتيلا ويشير إلى أسماء الإله وتحولاتها وكيفية استخدامها في السحر. وقد أصبح هذا الكتاب من كلاسيكيات القبَّالاه المسيحية. ورغم اهتمام ريوشلين باليهودية إلا أن اهتمامه باليهود هامشي، بل إنه اهتمام ينم عن العداء الشديد، فهو يهتم بهم بمقدار إمكان تنصيرهم. وقد طالب بعتق اليهود فهم ليسوا عبيداً وإنما «مواطنون مثلنا» ويجب أن يصبحوا مواطنين في الإمبراطورية والمدن الألمانية. ولكن كل هذا محدود برؤيته الكلية، فاليهود شعب بائس، بؤسه عقاب له على خطيئته الجماعية (ضد المسيح) ، وهم مواطنون مشاركون لنا في مملكة الدنيا ولكنهم أعداء في مملكة الرب. وهذا الخطاب يتأرجح بين الخطاب الديني التقليدي والخطاب الحديث. ولكن حداثة خطاب ريوشلين تظهر حينما يتحدث عن «ضرورة «إصلاح اليهود» (شأنه في هذا شأن دعاة الاستنارة) . وقد جعل حصولهم على الحقوق مرتبطاً بمدى إصلاحهم لأنفسهم. ولخص ريوشلين موقفه في العبارة اللاتينية «ريفورماندي سيو إكسبلندي reformondi seu expellendi» ومعناها: إما أن تصلحوا أنفسكم أو تُطردوا. والإصلاح يعني ابتعادهم عن الأعمال الهامشية مثل العمل بالربا الذي يجب أن يقلعوا عنه. إلياهو دا نولا (1530-1602) Elijah Da Nola هو إلياهو بن مناحم دانولا، حاخام وعالم طبيعة إيطالي يهودي، وكان أحد كبار الحاخامات في إيطاليا في أواخر القرن السادس عشر. ساعد في ترجمة العهد القديم إلى الإيطالية وعُيِّن معلماً للعبرية في الفاتيكان، وفي هذه الفترة، تنصر وعُيِّن مراقباً في مكتبة الفاتيكان حيث قام بنسخ المخطوطات العبرية. نشر دانولا كتاباً عن دلالة الرقم سبعة في العهد القديم وآخر عن رحلته من اليهودية إلى المسيحية حيث بيَّن أنه لم يعتنق المسيحية لتحقيق أي ربح مادي وإنما بسبب إيمانه بأن المسيحية هي الدين الأسمى. كما استخدم دانولا كُتب القبَّالاه اليهودية ومنهج الجماتريا ليبيِّن أن هذه الكتب نفسها تحتوي على نبوءات تبشر بالمسيح. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
الشعائر
Ceremonial Law; Religious Ceremonies «الشعائر» في الخطاب الإسلامي هي ما دعا إليه الشرع الديني وأمر بالقيام به من صلوات وغيرها، مفردها «شعيرة» ، و «شعائر الحج» هي مناسكه، ومواضع المناسك هي «المشاعر» ومفردها «مَشْعَر» . وفي الخطاب الديني المسيحي يُشار إلى الشعائر بكلمة «الطقوس» ومفردها «طقس» ، وهو نظام الخدمة والصلوات والاحتفالات الدينية. ويتم التمييز، في الفكر الديني عامة، بين «الشعائر» و «العقائد» . وهي، في نهاية الأمر، تعبير عن ثنائية الجسد والروح (أو المادة وما وراء المادة) الكامنة في أي نسق ديني. ففي الإسلام، ثمة فارق بين الإيمان الداخلي وإشهار الإسلام الخارجي (دون أن يدخل الإيمان القلب) . ولكن، مع هذا، نجد أن الثنائية داخل إطار الديانات التوحيدية ثنائية فضفاضة لا تؤدي إلى استقطاب حاد، ولذا تظل إقامة الشعائر والمناسك أمراً أساسياً إذ أنها وسيلة كبح الذات الإنسانية والتقرب بها إلى الله، فهي تنفيذ لتعاليمه والدليل الخارجي على الإيمان الداخلي. ويُلاحَظ أن هذا التمييز بين العقائد والشعائر يأخذ شكلاً متطرفاً في الدين المسيحي على وجه الخصوص، إذ تؤكد العقيدة المسيحية الجانب الروحي على حساب الجانب المادي، وهذا ما يجعلها تميل أحياناً إلى شكل من أشكال الثنائية الصلبة التي تؤدي إلى الاستقطاب. وللشعائر تاريخ طويل في اليهودية، فهي تعود إلى أيام عبادة يسرائيل والعبادة القربانية. وقد استمر تراكم الشعائر، وإن كان بعضها قد تساقط بعد هدم الهيكل واختفاء العبادة القربانية وشعائرها المرتبطة بالزراعة والأرض، مثل: السنة السبتية، والخلط المحظور بين النباتات، وبعض الصلوات كصلاة الاستسقاء، والتضحية بكبشين في يوم الغفران، وتقديم أولى ثمار المحاصيل، وافتداء الابن الأكبر..... والشعائر اليهودية كثيرة وصارمة. ومن أهمها الصلاة التي لا يمكن أن تُقام إلا بوجود النصاب (منيان) ، وعلى المصلين ارتداء شال الصلاة (طاليت) ، وتمائم الصلاة (مزوزاه وجمعها مزوزوت) ، وطاقية الصلاة (يرملك) . وتصاحب الأعياد والأيام الخاصة (مثل يوم السبت) شعائر كثيرة، ربما كان أهمها وأكثرها تعقيداً شعائر عيد الفصح. وعلى اليهودي أن يقيم شعائر كثيرة من المهد إلى اللحد، فبعد الولادة يجري ختان المولود وإطلاق اسم عليه، وعند بلوغه سن الثانية عشرة (سن التكليف الديني) ، تُقام شعائر (أو بالأحرى احتفالات) البرمتسفاه. وعليه، طوال حياته، أن يتبع قوانين الطعام، وخصوصاً الذبح الشرعي. وعند وفاة أحد أفراد أسرته، عليه قراءة القاديش وإقامة مراسم الدفن. وإلى جانب هذا، هناك عشرات الشعائر الأخرى، مثل: شعائر الطهارة والنجاسة، والحمام الطقوسي، وتمائم الباب (مزوزوت) واللحية والسوالف. ويعد الكثير من الأوامر والنواهي (متسفوت) تنفيذاً لهذه الشعائر. والنساء غير مكلفات بالقيام بالشعائر المرتبطة بزمن محدد مثل إقامة الصلاة. ويُلاحَظ أن طريقة أداء بعض الشعائر عند الإشكناز تختلف عنها بين السفارد. كما أن شعائر الجماعات اليهودية الصغيرة المتفرقة، مثل يهود كوشين ويهود كايفنج ويهود الفلاشاه، تختلف جوهرياً عن شعائر اليهودية الحاخامية. واليهودية الحاخامية لا تعرف التفرقة بين الشعائر والعقائد، فهي لم تحاول توحيد اليهود عن طريق توحيد العقائد والرؤية والقيم الأخلاقية وتأكيد شموليتها وفاعليتها، وإنما حاولت أن تفعل ذلك عن طريق توحيد الشعائر وطريقة أدائها. والشعائر تعزل اليهود وتوحِّدهم. وقد يُقال إن اليهودية تشبه، في هذا، الإسلام أو أي دين. ولكن ثمة فارقاً عميقاً، فاليهودية لم تحدد عقائدها الأساسية، الأمر الذي جعل الشعائر حركات خارجية لا تدل على شيء خارج نفسها (أي أنها دال دون مدلول) . كما أن اليهودية، كتركيب جيولوجي تراكمي، تحوي داخلها طبقات عقائدية غير متجانسة بل متعارضة. وفي غياب سلطة دينية مركزية، اكتسبت الشعائر مضامين عقائدية مختلفة حتى صارت الشعيرة نفسها تحمل مدلولات مختلفة، ولكنها مع هذا ظلت تُؤدَّى بالطريقة نفسها. وأصبحت طريقة الأداء أهم من المضمون الديني أو العقيدي، بل أصبح بإمكان اليهود الملاحدة أن يؤدوا الشعائر دون الإيمان بالإله. وقد تساءل كثير من الفلاسفة اليهود عن هذه الشعائر، وهل تتفق مع العقل أم أنها جزء من التقاليد الدينية أو من الأوامر الإلهية التي على المؤمن قبولها. وقد انقسموا في هذا الشأن إلى ثلاثة أقسام، فمنهم من نادى بأنها عقلية، ومنهم من قال إنها لا علاقة لها بالعقل، ومنهم من أخذ موقفاً وسطاً. والتلمود هو الكتاب الذي يضم هذه الشعائر ويفصل بين أحكامها بعناية وتفصيل. وقد قام يوسف كارو بتلخيص هذه الأحكام وتصنيفها في كتاب واحد هو الشولحان عاروخ الذي صار كتاباً معتمداً لدى اليهود. وقد حاول بعض دارسي العقائد اليهودية تفسير ظاهرة تزايد الشعائر وصرامتها. ونحن نذهب إلى أن تزايد درجة الحلولية في الأديان يؤدي إلى موقفين من الشعائر متناقضين تماماً، ولكنهما، في الوقت نفسه، متماثلان تماماً ويؤديان إلى النتيجة نفسها (وهذا هو الحال دائماً مع الثنائية الصلبة، إذ يتقابل النقيضان) . أما الموقف الأول، فهو تزايد هذه الشعائر بشكل متطرف، وهو أمر مفهوم باعتبار أن تزايد درجة الحلولية يتبعه تزايد معدلات القداسة التي يظن الإنسان أنه يتمتع بها. ومن ثم تصبح كل أفعاله، وضمن ذلك أدنى الأفعال الإنسانية وأحطها وأكثرها دناءة، مقدَّسة. ولذا، يجب أن تتبع هذه الأفعال نظاماً مقدَّساً محدداً، أي الشعائر. والشعائر هنا، في النسق الحلولي، تحل محل الأخلاق في النسق التوحيدي. إذ أن هدف الوجود في النسق الحلولي ليس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإنما التقرب من الإله والالتصاق به ثم التوحد معه عن طريق إقامة شعائر معينة، تنتهي في نهاية الأمر إلى التوصل إلى التحكم في الإرادة الإلهية (ومن ثم نجد أن هذه الشعائر ترتبط دائماً بالسحر) . لكل هذا، تختفي النزعة الأخلاقية الروحانية تماماً وتكتسب الشعائر، خصوصاً شعائر الطهارة، أهمية بالغة. كما أن وظيفة الشعائر هنا تصبح عزل الإنسان (المقدَّس) عن محيطه الديني، التاريخي أوالنسبي أو الإنساني. ورغم أن الحاخامات لم يعبِّروا عن هذا الرأي بهذا الشكل المباشر، فإن كثيراً من أقوالهم الخاصة بأن الشعائر منزلة من عند الإله، حتى يقترب اليهود منه ويصبحوا جزءاً منه ويعزلوا عن الأغيار، تحمل هذا المضمون أو على الأقل تتضمنه. وقد وصل هذا التيار إلى قمته في القبَّالاه اللوريانية التي جعلت حركات اليهودي وسكناته أموراً ذات دلالة شعائرية عميقة، وجعلت صلاته وسيلةً لإنجاز الزواج المقدَّس بين الابن (التجلي السادس) والابنة (التجلي العاشر) والذي يأتي بالخلاص لليهود ولكل البشر، بل للإله نفسه. وقد عَدَّل القبَّاليون بعض الشعائر، وأضافوا من الأدعية والبركات ما يؤكد ذلك المعنى. ولكن النسق الحلولي لا يمكنه أن يفسر هذه الظاهرة بمفرده، فثمة عناصر في الواقع التاريخي ساعدته على التحقق. ويمكننا أن نقول أيضاً إن تحوُّل اليهود إلى جماعات وظيفية كان عنصراً حاسماً في هذه القضية، فالجماعة الوظيفية ترى أنها موضع القداسة، وتعاني من مركب الشعب المختار، كما أنها لابد أن تحافظ على عزلتها عن طريق العديد من الشعائر. وقد دعمت السلطة الحاكمة سيطرة القيادة الدينية على الجماعات اليهودية، حتى يتسنى لها أن تضرب سياجاً من حولها يضمن لها أداء وظيفتها. وإقامة الشعائر كانت وسيلة أساسية لإنجاز هذا الهدف. ومن هنا، كانت الحكومات غير اليهودية حريصة على أن يحافظ أعضاء الجماعات اليهودية على أداء الشعائر اليهودية وعلى أن يؤدوها بانتظام. لكن ثمة جانباً آخر لتزايد النزعة الحلولية، وهو أنها تنتهي بانفجار مشيحاني يتبدى في شكل خرق سائر الشرائع وعدم إقامة الشعائر وإسقاطها. فحينما تزداد قداسة الإنسان، يزداد حلول الإله فيه ويصل الحلول إلى نقطة وحدة الوجود، وعند هذه النقطة يفقد الإله نفسه ويبدأ في الشحوب، إلى أن يحل تماماً في الإنسان وبذا يصير الإنسان هو نفسه إلهاً. ولكن الإله لا يحل في الإنسان وحسب وإنما في الطبيعة أيضاً. ومن ثم، فإن الإله والإنسان يُردّان إلى الطبيعة حتى نصل إلى درجة الواحدية المادية الكونية حيث تُختَزل كل المستويات (الإنسانية والإلهية) إلى مستوى كوني أو طبيعي واحد (ويصبح الإنسان إنساناً طبيعياً) . ولذا، فإن الحلولية تؤدي إلى العلمانية والمادية وتأليه الإنسان وتطبيعه، أي دمجه في الطبيعة في الوقت نفسه، وهو اختفاء الجانب الروحي والأخلاقي. ومن ثم، تصبح إقامة الشعائر أمراً سخيفاً لا قيمة له. وهذا يتضح أيضاً في التراث القبَّالي وفي التفسيرات القبَّالية في الحديث عن توراة الفيض (مقابل توراة الخلق) وهي توراة لا يقرؤها إلا العارفون بأسرار القبَّالاه. وتتميز هذه التوراة بأنها لا تتضمن أية شعائر أو أوامر أو نواه (فالأوامر والنواهي تفترض الحدود، بينما العارفون بتوراة الفيض مقدَّسون لا حدود لهم ويتحكمون في الإرادة الإلهية نفسها) . وقد تبدَّى هذا في الحركات الشبتانية حيث كان زعماء هذه الحركات يقومون بإبطال الشريعة والدعوة إلى خرق الشعائر. ولقد ذهب بعضهم إلى تحويل الوصايا العشر إلى نقائضها أو إلى إعادة تفسيرها. فوصية مثل «لا تسرق» تحولت إلى «لا تسرق إلا بحذر» أو «فلتسرق» . والشيء نفسه يُقال عن الوصية الخاصة بالزنى. وقد وصل هذا إلى قمته في حركات مثل الدونمه والحركة الفرانكية. ومرة أخرى، لم يكن النسق الحلولي يقدر بمفرده على أن يصل باليهود إلى هذه المرحلة الترخيصية دون وجود عناصر تاريخية وحضارية ساعدت على تَحقُّقه. ومن أهم هذه العناصر، انتشار يهود المارانو الذين لم يكونوا يعرفون الشعائر اليهودية، إذ كانت ديانتهم مجموعة من العقائد الخفية المنفصلة عن الشعائر التي لم يكن بوسعهم القيام بها. كما أن ضعف دور الجماعات اليهودية، كجماعة وظيفية، ولَّد لديهم رغبة في الانفلات من العزلة الجيتوية والشعائرية التي فرضتها عليهم وظيفتهم. وأخيراً، كان عدد الشعائر قد تزايد بشكل رهيب مع بدايات القرن السابع عشر حتى صرح أحد اليهود، في منتصف القرن الثامن عشر، بأنه أصبح من الصعب على الإنسان أن يكون إنساناً ويهودياً في الوقت نفسه. كما أن تزايد الشعائر سبَّب الكثير من المشاكل لأعضاء الجماعات اليهودية، فقد كان أعضاء الأغلبيات يتهمونهم بأنهم يعزلون أنفسهم عمداً عن بقية الشعب. بل يبدو أن تهمة الدم تعود إلى أن كثيراً من الناس لم يفهموا شعائر عيد الفصح البالغة التعقيد. ولعل أحد أسباب ظاهرة الجيتو هو حاجة اليهود، الواحد منهم إلى الآخر، حتى يتسنى لهم إقامة الشعائر الدينية. وقد ظهر داخل اليهودية، منذ بداية تاريخها، نقد للتطرف الشعائري، فقد هاجم الأنبياء (المدافعون عن الفكر التوحيدي) الشعائر والقرابين وتكريس الذات لها بدلاً من الإيمان الحقيقي الداخلي. فالإله لا يُسرُّ بالذبائح وإنما بالعيش حسب قواعد الأخلاق. ويمكن القول بأن سبب الأزمات المختلفة التي واجهتها اليهودية كان يتمثل في تزايد الشعائر وصرامتها وجفافها على حساب العقائد. وقد انتصرت المسيحية على اليهودية في القرن الأول الميلادي لأن العبادة القربانية كانت قد تحولت إلى شعائر خارجية خالية من المعنى، وطرحت المسيحية بدلاً من ذلك فكرة الإيمان الذي يُفصح عن نفسه عن طريق قربان الشفتين والقلب (أي الإيمان والصلاة) وجعلته سبيل الخلاص. ومع بدايات القرن السابع عشر، كانت اليهودية الحاخامية (كما أسلفنا) قد بدأت تواجه الأزمة نفسها مرة أخرى، إذ تزايدت الشعائر وتوارت العقائد وتراجع الإيمان. وقد شنت الحركات المشيحانية الهجوم على اليهودية الحاخامية، فكانت تخرق الشعائر وتبطلها تماماً. وقد ذهب مندلسون إلى أن اليهودية ليست ديناً بالمعنى المتعارف عليه، فهي مجموعة من القوانين والقواعد الأخلاقية السلوكية والشعائر المُرسَلة التي تهدف إلى وضع أسس لسلوك اليهود لا إلى تقنين تفكيرهم وعقيدتهم. أما العقائد اليهودية، من وجهة نظره، فهي أمور عقلية عامة وبديهية يستطيع العقل أن يصل إليها دون حاجة إلى دين مرسل. ومن هنا، فإن الشعائر تُجسد في نظره الخصوصية اليهودية (القومية) ، أما العقائد فلا يوجد فيها ما يجعل اليهودية مختلفة عن غيرها من الديانات. وقد تقبل اليهود الإصلاحيون هذه الأطروحة، ولكنهم خَلصوا منها إلى ضرورة الحفاظ على العقائد العقلية العامة وضرورة التخلص من الشعائر ومن الخصوصية ومن النزعة القومية التي تعزل اليهود وتمنعهم من الاندماج، وقد كان هذا الخط العام لحركة التنوير اليهودية. وذهب دعاة اليهودية المحافظة إلى ضرورة الحفاظ على الشعائر باعتبارها جزءاً من التقاليد اليهودية الشعبية، وعلى أساس أنه قد يكون من الضروري تغييرها وإعادة تفسيرها لتتفق مع روح العصر. ولكن عملية التغيير هذه يجب أن تتم بحذر شديد ومن خلال شكل من أشكال الاجتهاد أو الإجماع الشعبي. وفي أواخر القرن الثامن عشر، وعبر القرن التاسع عشر، كانت الحكومات المطلقة في أوربا تحاول تشجيع أعضاء الجماعات بشتى الطرق للتخلي عن إقامة الشعائر، خصوصاً ما يعمق منها الهوية اليهودية ويعزل اليهود عن بيئتهم الحضارية، مثل إطلاق اللحية والسوالف. كما كانت تمنع أحياناً تعيين اليهود الذين يطلقون لحاهم، وتمنع تدريس التلمود في المدارس اليهودية. وقد استجاب كثير من اليهود لهذه الدعاوى التنويرية، ولكن العقائد اليهودية ظلت غير واضحة أو مستقرة، ولم يتم تعريفها. ولذا، فإن اليهودي حينما يتخلى عن إقامة الشعائر لا يبقى له شيء من اليهودية. وهناك من السوابق التاريخية ما يبين أن التخلي عن الشعائر يؤدي إلى اختفاء اليهودية كما حدث مع يهود كايفنج مثلاً. ولعل هذا هو أيضاً ما حدث ليهود آشور بعد التهجير الآشوري. وهذا يفسر ارتفاع نسبة التنصُّر بين اليهود في العصر الحديث، أو تَحوُّل الأغلبية الساحقة منهم إلى يهود ملحدين أو لا أدريين أو مجرد يهود إثنيين. وفي هذه الحالة، يتحول ما تبقَّى من شعائر إلى مجرد رموز إثنية أو عرْقية قومية يتمسك بها كثير من اليهود الملحدين أو الإثنيين، لا إيماناً بعقيدة دينية أو قيمة أخلاقية وإنما تعبيراً عن الهوية. وبالتالي، تُفرَّغ الشعائر من مضمونها بل تكتسب مضموناً مناقضاً لمعناها الديني الأصلي. والواقع أن إقامة الشعائر هي، من المنظور الديني (التوحيدي) ، محاولة لكبح الذات والتقرب من الإله. أما من المنظور الإثني (الحلولي) ، فهي تأكيد للذات والتفاف حولها وتعبير عن توثنها. والصهيونية، في جوهرها، امتداد لهذا الموقف، فهي محاولة للاستمرار في الشعائر الدينية باعتبارها تعبيراً عن الروح القومية اليهودية، وهي لذلك شكل من أشكال توثن الذات. ويُلاحَظ أن أهمية الشعائر تتحدد حسب شعائر مجتمع الأغلبية. ففي الولايات المتحدة، تآكلت شعائر السبت والطعام الشرعي تماماً (حيث لا يقيمها سوى قلة قليلة من يهود الولايات المتحدة لأنها تتناقض مع إيقاع المجتمع) . ورغم أن عيد التدشين غير مهم من منظور اليهودية الحاخامية بالمرة، فقد اكتسب أهمية غير عادية بسبب وقوعه في التاريخ نفسه الذي يقع فيه الكريسماس (عيد الميلاد) . بينما تراجعت أهمية عيد المظال مثلاً، برغم أنه من أعياد الحج الثلاثة، لأنه لا يتزامن مع أي عيد أمريكي ولا يقع بالقرب منه. ويواجه بعض أعضاء الجماعات اليهودية صعوبة بالغة في تنفيذ الشعائر. ولعل قوانين الطعام أكثر الشعائر اصطداماً بالواقع العلماني الغربي، إذ يجد اليهودي صعوبة في الحفاظ عليها، فرغم تميُّز أعضاء الجماعات اجتماعياً، فإنهم لا يجدون جزاراً يقدم لهم لحوماً تتبع قواعد الذبح الشرعي. كما أن بعض الدول، مثل الدول الإسكندنافية، تحرم الذبح الشرعي باعتبار أنه يشكل قسوة ضد الحيوانات. وتشكل إقامة مظلة السوكاه (في عيد المظال) مشكلة بالنسبة إلى اليهود الذين يعيشون في البلاد الباردة، ويتم التغلب على هذا إما عن طريق إقامتها في المعبد اليهودي أو في الشرفة (وهي امتداد للمنزل) ويمكن تدفئتها. وقد بُعثت في إسرائيل بعض الشعائر المرتبطة بالأرض، مثل لاج بعومير (يوم الحصاد) ورأس السنة للأشجار، كما يحاول بعض المتدينين تطبيق شعائر السنة السبتية وإن كانوا يجدون صعوبة بالغة في ذلك. وتحاول المؤسسة الدينية، من خلال أجهزة الحكومة، تذليل الصعوبات أمام من يود أن يؤدي الشعائر. وقد تأسس في إسرائيل معهد خاص يحاول التوصل إلى طرق يمكن بها تأدية الشعائر في المجتمع الحديث، فيمكن مثلاً برمجة أضواء كهربائية في ليلة السبت حتى تعمل آلياً في اليوم التالي. كما أن كثيراً من المصالح الحكومية تأخذ الشعائر في الاعتبار فلا تؤسس فنادق إلا وبها مطبخان حتى يمكن تنفيذ الشعائر الخاصة بالطعام. ومع هذا، لا يمكن القول بأن الإسرائيليين حريصون على أداء الشعائر، فهم يلتهمون كميات كبيرة من لحم الخنزير بشراهة غير عادية، وأصبح يوم السبت يوم عطلة نهاية الأسبوع يخرجون فيه ويمارسون سائر الأنشطة التي يمارسها الإنسان الغربي في المجتمعات العلمانية، كما يذهبون إلى دور العرض السينمائي. وإهمال الشعائر هو تعبير عن حلولية الإسرائيليين الوثنية. فالإله يحل في المستوطنين (الذين يحلون في أرض فلسطين) . وهم بذلك يصبحون «قوة التشريع» ولذا تُعطَّل الشرائع. وكما تقول إحدى شخصيات رواية يائيل ديان طوبى للخائفين: "لا تقم الشعائر يا بني، فديننا هو أرضنا وتوراتنا هي الدولة، وعلمنا هو شعارنا وهو تميمتنا عوضاً عن المزوزاه". وهذا يخل باتفاق الوضع القائم (وهو ذلك الوضع الذي كان قائماً في فلسطين قبل عام 1948 بشأن تنفيذ الشعائر فيها حيث كانت الشعائر تُنفَّذ في بعض القطاعات وتُستبَعد في قطاعات أخرى، فمثلاً كان تُباح مشاهدة مباريات كرة القدم يوم السبت ولكن كان يُمنع عرض أفلام سينمائية) . وحتى عهد قريب، كانت المدن الإسرائيلية مُقسَّمة حسب مدى التزامها بتنفيذ الشرائع، فكانت تل أبيب غير مكترثة بها، بينما كانت أعلى درجات الالتزام بالشعائر في القدس. وفي الآونة الأخيرة، بدأ الزحف العلماني نحو القدس. وقد تقدَّم أحد زعماء الجماعة اليهودية الأرثوذكسية المعادية للصهيونية بمذكرة إلى ياسر عرفات، يشكو فيها من إقامة محلات لبيع المواد الإباحية في القدس. ويُصدَم كثير من أعضاء الجماعات اليهودية، من المتدينين وغير المتدينين، حينما يقومون بزيارة إسرائيل (فلسطين المحتلة) بسبب هذه الظاهرة. أما المتدينون، فيرون في هذا تراجعاً عن المثل الدينية، وأما غير المتدينين فيرون فيه تآكلاً للهوية. وقد صُدم يهود الفلاشاه أيضاً بهذه الظاهرة، وأشاروا إلى مفارقة أن المؤسسة الحاخامية لا تعترف بيهوديتهم رغم حرصهم على إقامة الشعائر بدرجة تفوق حرص الإسرائيليين. الأوامر والنواهي (متسفوت) Mitzvot «الأوامر والنواهي» هي المقابل العربي لكلمة «متسفوت» العبرية التي تعني أيضاً «الوصايا» أو «الفرائض» . و «متسفوت» صيغة جمع مفردها «متسفاه» . وللكلمة (داخل النسق الديني اليهودي) معنيان: معنى عام، وهو القيام بأي فعل خيِّر تمتزج فيه الأفعال الإنسانية بالقيم الدينية، فإذا ساعد يهودي أخاه منطلقاً من حبه له فهذه «متسفاه» (وتأتي عادةً في هذه الصيغة) . أما المعنى الخاص للكلمة (ويأتي عادةً في صيغة «متسفوت» ) فهو الوصايا أو الأوامر والنواهي (متسفوت) التي تُكوِّن في مجموعها التوراة. وتشمل المتسفوت ستمائة وثلاثة عشر عنصراً، منها مائتان وثمانية وأربعون أمراً، وثلاثمائة وخمسة وستون نهياً، وهي موجهة إلى اليهود وحسب (إذ أن أبناء نوح لهم وصايا خاصة بهم) . وقد صُنِّفت المتسفوت إلى أوامر ونواهٍ توراتية وأخرى حاخامية. كما قُسِّمت إلى أوامر ونواه أقل أهمية وأخرى أكثر أهمية، وإلى أوامر ونواه عقلانية (أي تُفهَم بالعقل) وأخرى مُوحىً بها (أي يطيعها اليهودي دون تفكير) . ومن التصنيفات الأخرى، أوامر ونواه تُنفَّذ بالأعضاء وأخرى بالقلب، وتلك التي لا تُنفَّذ إلا في فلسطين (إرتس يسرائيل) ، وتلك التي تنفذ داخلها وخارجها. واليهودي البالغ ثلاثة عشر عاماً ويوماً يُكلف بتنفيذها، وكذلك اليهودية البالغة اثني عشر عاماً ويوماً. ومن هنا تسمية الصبي اليهودي الذي يبلغ سن التكليف الديني «برمتسفاه» ، أما الفتاة فهي «بت متسفاه» . والنساء غير مكلفات بتنفيذ الأوامر المرتبطة بزمن محدَّد أو فصل محدَّد، مثل إقامة الصلاة، وإن كن مكلفات بإقامة شعائر السبت برغم ارتباطها بزمن محدَّد، وكلٌ من الذكور والإناث مكلفون بالنواهي. والأوامر تختص بالإله (1 ـ 9) ، وبالتوراة (10 ـ 19) ، والهيكل والكهنة (20 ـ 38) ، والقرابين (39 ـ 91) ، والإيمان (92 ـ 95) ، والطهارة (96 ـ 113) ، والهبات للهيكل (114 ـ 133) ، والسنة السبتية (134 ـ 142) ، وذبح الحيوانات (143 ـ 153) ، والأعياد (154 ـ 170) ، والجماعة (171 - 182) ، والشرك (185 ـ 189) ، والحرب (190 ـ 193) ، والعلاقات الاجتماعية (194 ـ 208) ، والأسرة (209 ـ 223) ، والشئون الاقتصادية (224 ـ 231) ، والعبيد (232 ـ 235) ، والأذى (236 ـ 248) . أما النواهي، فتختص بالشرك (1 ـ 59) ، والهرطقة (60 ـ 66) ، والهيكل (76 ـ 88) ، والقرابين (89 ـ 157) ، والكهنة (158 ـ 171) ، وقوانين الطعام (172 ـ 201) ، ونذيرو الإله (202 ـ 209) ، والزرعة (210 ـ 229) ، والإقراض بالربا والتجارة ومعاملة العبيد (230 ـ 272) ، والعدل (273 ـ 329) ، وجماع المحارم والعلاقات المحرمة الأخرى (330 ـ 361) ، والملكية (362 ـ 365) . ومن أهم الأوامر، تلك الأوامر المتصلة بالختان وزراعة الأرض (السنة السبتية) والطعام والأسرة وغيرها. والواقع أن عدم الالتزام بالأوامر والنواهي يعني عدم الانتماء إلى الشعب اليهودي. ومن الملاحَظ أن كثرة الأوامر والنواهي والشعائر المرتبطة بها (في اليهودية) قد أدَّت إلى تكبيل اليهود وإلى زيادة سلطة الحاخامات، الأمر الذي جعل عملية تحديث اليهودية أمراً عسيراً. ولا شك في أن تزايد الأوامر والنواهي وتقنينها تعبير عن عنصرين مترابطين أولهما الطبقة الحلولية داخل التركيب الجيولوجي اليهودي. فالحلولية تتبدَّى دائماً في كثرة الشعائر وتطرفها، فهي شكل من أشكال تأكيد قداسة من يتمتع بالحلول الإلهي مقابل من يقع خارج دائرة القداسة، أما ثانيهما فهو تحوُّل الجماعات اليهودية إلى جماعات وظيفية وهي جماعات عادةً ما تفرض على نفسها عدداً هائلاً من الأوامر والنواهي حتى تحتفظ بهويتها المحايدة الضرورية للاضطلاع بوظيفتها. وقد حاول الفلاسفة اليهود تفسير الأوامر والنواهي، ففسَّرها موسى بن ميمون بأنها تنازل من جانب الإله للعقل البدائي. وقد أصبحت المتسفوت، بالنسبة إلى القبَّاليين، مثل الأسرار الدينية أو التعويذات السحرية. وهي تشبه، في هذا، السر المقدَّس عند المسيحيين. ولما كان اليهود يشغلون، حسب الرؤية القبَّالية، مركزاً أساسياً في عملية الخلاص الكونية، فإن قيامهم بتنفيذ الأوامر والنواهي مسألة ذات أهمية كونية إذ يستطيع اليهود، من خلال قيامهم بها، أن يسرعوا بزواج الابن/الملك من الابنة/الملكة، أو الإله من الشخيناه، حتى يتوحدا معاً (بالمعنى الجنسي) . ولذا، فإن على اليهودي قبل أن يقوم بتنفيذ إحدى الوصايا، أن يقول: «من أجل توحيد الواحد القدوس والشخيناه (أنثاه) » . وهناك كثير من الأوامر والنواهي (مثل تلك الخاصة بالملكية أو بالهيكل أو اللاويين أو الكهنة أو القرابين) ليس لها سوى أهمية جيولوجية تراكمية، بمعنى أنها مرتبطة بمواقف تاريخية سابقة لم يَعُد لها وجود. ومن ثم، لم يَعُد من الممكن تنفيذها رغم ورودها. ولعل أهم هذه الأوامر والنواهي تلك الخاصة بمؤسسة الملكية والهيكل، واللاويين والقرابين. ومع هذا، بدأت بعض هذه الأوامر والنواهي تدب فيها الحياة في إسرائيل مرة أخرى وتكتسب أهمية خاصة. فمع محاولات بعض المتطرفين الدينيين في إسرائيل أن يُعيدوا بناء الهيكل، بدأت إعادة بعث الشعائر الخاصة به، وأُسِّس معهد خاص لدراستها والتأكد من دقة تنفيذها. كما بُعثت بعض الوصايا الخاصة بالشعوب الأخرى مثل تلك التي تدعو اليهودي إلى أن يبيد الأقوام الكنعانية السبعة (187) ، وإلى أن يمحو ذكرى العماليق (188) ، وإلى تَذكُّر ما فعل أولئك بجماعة يسرائيل (189) ، وكذا الوصايا التي تَنْهَى عن الزواج من العمونيين أو المؤابيين (53) ، أو عن عقد سلام معهم (54) ، كما تَنْهَى عن نسيان ما فعله العماليق باليهود (59) . ويعود بعث هذه الأوامر والنواهي إلى الجو العنصري المتزايد في التجمع الصهيوني الذي يعبِّر عن الحلولية الخالية من إله فهذه الأسماء مرتبطة في الوجدان الصهيوني بالعرب داخل أو خارج فلسطين، كما أن العرب يُشار إلىهم في أدبيات جوش إيمونيم بمثل هذه التسميات. والأهم من كل هذا هو قضية التفسير، فكثير من هذه الوصايا والأوامر، في صيغتها المباشرة، تبدو كأنها مجرد أوامر ونواه ذات طابع أخلاقي عام يتعيَّن على اليهودي التمسك بها، ولكن التفسير يعطيها مضموناً مغايراً تماماً. وللبرهنة على ما نقول، يمكننا أن نشير إلى أحد كتب الأوامر والنواهي وهو كتاب التربية، الذي كتبه حاخام مجهول في القرن الرابع عشر، وصنف فيه الأوامر والنواهي بحسب ترتيب ورودها في العهد القديم، وشرحها حسبما جاء في التلمود. ومن أهم أهداف هذا الكتاب تحديد المضمون الدقيق للوصايا والنواهي والمُصطلَحات المستخدمة فيها. ومن أهم هذه المُصطلَحات كلمة «أخوك» ، أو كلمة «رجل» التي يفسرها بأنها تعني اليهودي وحسب. ولذا، فإن الأوامر والنواهي الخاصة بأن «تحب أخاك» وألا «تسرق أمواله» ولا «تزني بزوجته» ، وكذلك ألا تخدعه أو تؤذيه أو تنتقم منه، لا تنطبق إلا على اليهود وحدهم. وتفسر الوصية الخاصة بضرورة إعتاق العبد اليهودي بأنها تعني ضرورة أن يظل العبد غير اليهودي عبداً أبد الدهر. ويُفسِّر الكتاب هذا التكليف الديني بأنه يستند إلى أن الشعب اليهودي أرقى الأنواع البشرية، وأن اليهود خُلقوا ليعرفوا إلههم ويعبدوه، ولذا فهم يستحقون أن يقوم عبيد على خدمتهم، وهم إن لم يستعبدوا الشعوب الأخرى سيضطرون لاستعباد إخوانهم في الدين. ويرى الكتاب أن هذا هو معنى الفقرة الآتية من سفر اللاويين (25/39 ـ 46) : «وإذا افتقر أخوك عندك وبيع لك فلا تستعبده استعباد عبد، كأجير كنزيل يكون عندك، إلى سنة اليوبيل يخدم عندك. ثم يخرج من عندك هو وبنوه معه ويعود إلى عشيرته. وإلى ملك آبائه يرجع. لأنهم عبيدي الذين أخرجتهم من أرض مصر لا يباعون بيع العبيد. لا تتسلط عليه بعنف. بل اخش إلهك. وأما عبيدك وإماؤك الذين يكونون لك فمن الشعوب الذين حولكم. منهم تقتنون عبيداً وإماءً. وأيضاً من أبناء المستوطنين النازلين عندكم منهم تقتنون ومن عشائرهم الذين عندكم الذين يلدونهم في أرضكم فيكونون ملكاً لكم. وتستملكونهم لأبنائكم من بعدكم ميراث ملك. تستعبدونهم إلى الدهر. وأما إخوتكم بنو يسرائيل فلا يتسلط إنسان على أخيه بعنف» . وتُفسَّر الوصية الخاصة بأخذ فائدة على الأموال المُقرَضة للأغيار بأنها تعني ضرورة ألا يبدي اليهودي نحوهم أية رحمة (لأنهم لا يعبدون الرب) . وتُفسَّر الوصية الخاصة بعدم اتباع عادات الأغيار بأنها لا تعني فقط أن يعزل اليهودي نفسه عن الأغيار وحسب، وإنما أن يتحدث عنهم بالسوء أيضاً. وقد كانت مثل هذه الآراء المتطرفة حبيسة الكتب الفقهية التي كُتبت في جيتوات شرق أوربا (مثل كتاب التربية) والتي تشكِّل رغبة من جانب الضعيف في أن ينتقم من الآخرين على الورق، ولذا لم يكن يتداولها سوى بعض الحاخامات الأرثوذكس، وخصوصاً بعد أن رفضت اليهودية الإصلاحية والمحافظة هذه الأوامر والنواهي. ولكن، بعد حرب عام 1967، ومع النفوذ المتزايد للمؤسسة الأرثوذكسية الصهيونية، بدأت تظهر هذه الآراء في الصحف والمجلات الإسرائيلية، بل في الإذاعة والتليفزيون. وقد طُبع كتاب التربية طبعة شعبية مدعومة من الحكومة ويُوزَّع على طلبة المدارس. ويستخدم أعضاء جماعة جوش إيمونيم ما جاء في هذا التفسير لتسويغ الاستيطان واستغلال العمالة العربية، كما أنهم يقتبسون الأوامر والنواهي الخاصة بالعماليق والكنعانيين ويطبقونها على العرب. وتظهر الخاصية الجيولوجية التراكمية لليهودية في اقتراح الحاخام اليهودي المحافظ فاكنهايم إضافة وصية جديدة (الوصية رقم 614) وهي «واجب البقاء» بمعنى أن واجب اليهود هو البقاء، وقد وصفها بأنها الوصية الأساسية التي تحل محل كل الأوامر والنواهي الأخرى. وهم في الواقع يطلقون على هذه الفكرة اسم «لاهوت ما بعد أوشفيتس» ، أي اللاهوت الذي يتصدى للواقع اليهودي بعد الإبادة النازية ليهود أوربا والذي يهدد وجودهم. والبقاء (كما هو معروف) ليس خاصية أخلاقية، وإنما هو خاصية طبيعية داروينية، ولكنه تحوَّل على يد فاكنهايم إلى المتسفاه الأساسية. واليهودية التجديدية تطرح، هي الأخرى، البقاء باعتباره المتسفاه الأساسية بل الوحيدة بالنسبة إلى الشعب اليهودي. الوصايا Mitzvot «الوصايا» ترجمة عربية لكلمة «متسفوت» ، وهي تعني «الأوامر والنواهي» ، ونحن نفضل استخدام المُصطلَح الأخير في معظم الأحيان نظراً إلى أن كلمة «الوصايا» قد تشير أيضاً إلى «الوصايا العشر» ، وهي مختلفة عن «الأوامر والنواهي» . الختان Circumcision «الختان» تقابلها في العبرية كلمة «ميلاَّه» ، ويُقال أحياناً «بريت ميلاَّه» ، أي «عهد الختان» ، وأحياناً «بريت» فقط، أي «عهد» . ويختن الطفل اليهودي بعد ميلاده بسبعة أيام على الأكثر، حتى ولو وقع اليوم السابع في يوم السبت، أو في عيد يوم الغفران، أكثر الأيام قداسة. وقد ذُكر الختان في العهد القديم في ثلاثة مواضع أهمها في سفر التكوين (17/10 ـ 15) . والختان عادة قديمة جداً، شاعت بين أمم العالم القديم، وهو ضرب من الطقوس الخاصة بالدم (عهد الدم) التي تدخل ضمن القرابين البشرية الشائعة في الشرق الأدنى القديم، أو ضمن شعائر بلوغ سن الرشد. وقد نقلها العبرانيون عن المصريين الذين كانوا يكنون ازدراءً خاصاً للشعوب التي لا تمارس الختان، وهو ما يفسر العبارة الواردة في سفر يشوع (5/9) : "اليوم قد دحرجت عنكم عار مصر". والختان داخل الإطار التوحيدي تعبير عن تَقبُّل الحدود ورغبة الإنسان في طاعة ربه، ولكنه في اليهودية أصبح يعبِّر عن حلولية النسق الديني اليهودي، وعن تداخل المطلق والنسبي، ولذا فهو يعتبر مناسبة قومية، فهو علامة العهد بين الإله وإبراهيم وجماعة يسرائيل، وهو ما أسبغ القداسة عليهم. ولهذا، فإن من لم يُختن لا يعتبر فرداً من الشعب المقدَّس لأن الإله لا يحل فيه. والختان علامة أن الإله منح جماعة يسرائيل أرض الميعاد ( «وأُعطي لك ولنسلك من بعدك أرض غربتك كل أرض كنعان ملكاً أبدياً وأكون إلههم» [تكوين 17/8] ) . وإذا كان الإله يمنحهم الأرض، فإن الختان على مستوى من المستويات هو القربان الذي يقدمونه له. ويتأكد الطابع القومي الحلولي للختان في الطقوس التي تصاحبه، والتي تأخذ شكل حفل يحضره عشرة أفراد، وهو نفس النصاب اللازم للقيام بصلاة الجماعة اليهودية. ويجلس الجد على كرسي وإلى جواره كرسي آخر يُترَك خالياً يُسمَّى «كرسي إلياهو» ، صاحب العهد بين الإله وجماعة يسرائيل، ويقوم بعملية الختان نفسها الموهيل (كلمة عبرية تشير إلى من يقوم بهذه المهمة) . وقد حل محله طبيب في العصر الحديث. بل إنه إذا مات الطفل قبل مرور سبعة أيام من ميلاده، فإن جثمانه يُختن ويُعطى اسماً عبرياً ليكتسب الهوية اليهودية. وقد كان الختان في الماضي يُجرى للذكور بصورة بسيطة تتيح للشخص مجالاً للادعاء بأنه غير مختون، ليتقي عدوان غير اليهود عليه، وليتفادى تهكم نساء الأغيار عليه إن عاشرهن جنسياً. وحينما زاد اندماج اليهود في العصر الهيليني، كان بعضهم تُجرَى له عملية تمكِّنه من إخفاء آثار الختان. وبعد التمرد الحشموني، أُمر الكهنة بأن تزال الغلفة عن آخرها، حتى لا يتمكن اليهود من الاندماج مع الأغيار. وكان الحشمونيون يفرضون التهود والختان على الشعوب التي يهزمونها (مثل الإيطوريين) . وقد منع أنطيوخوس الرابع (إبيفانيس) الختان في محاولته دمج يهود فلسطين في إمبراطوريته السلوقية، كما منعه الإمبراطور هادريان، ويُقال إن هذا أحد أسباب ثورة بركوخبا. ومع ظهور المسيحية، أصبح الختان العلامة الأساسية التي تميِّز اليهود عن المسيحيين. وقد حاولت اليهودية الإصلاحية إسقاط هذه الشعيرة واستمر الجدل عدة سنوات. ويبدو أنه، مع انتشار عادة الختان في الغرب، لأسباب صحية، توقفت المناقشة وقبلته الفرق اليهودية كافة. وعند استيطان أعداد من يهود الفلاشاه في إسرائيل، طلبت منهم الحاخامية أن يتهودوا، باعتبار أن يهوديتهم مشكوك فيها ومن ثم مرفوضة. وحينما رفضوا ذلك، وافقت الحاخامية أن تتم عملية تهويد اسمية تأخذ شكل عملية ختان مخففة (استنزاف نقطة دم واحدة من مكان الختان) . وحينما وافق بعض أعضاء الفلاشاه، تم ختانهم مرتين، مرة على يد الحاخامية الإشكنازية، والأخرى على يد الحاخامية السفاردية. وقد كان كثير من المهاجرين السوفييت غير مختونين، ولكن أعداداً كبيرة منهم قبلت عملية التهويد والختان حرصاً منهم على فرصة الاستقرار في إسرائيل ومن ثم الحراك اجتماعياً. ولا يمارس ختان الإناث بين يهود العالم الغربي، ولكنه يمارس في المجتمعات التي تسود فيها هذه العادة، ومن ثم فإننا نجده بين يهود الفلاشاه. وتحت تأثير حركة التمركز حول الأنثى، ظهر ما يُسمَّى «بريت بنوت يسرائيل» ، أي «عهد بنات إسرائيل» ، رداً على البريت ميلاَّه (عهد الختان) . وتصاحب بريت بنوت يسرائيل صلاة خاصة تؤكد أهمية الأمهات؛ ليليت التي قاومت ورفضت أن يطأها آدم، وحواء، وزوجة نوح، وسارة، ورفقة، وليئة، وراحيل. بلوغ سن التكليف الديني (برمتسفاه وبت متسفاه) Bar Mitzvah and Bat Mitzvah «بلوغ سن التكليف الديني» هي الترجمة العربية لعبارة «برمتسفاه» وهي عبارة آرامية معناها «الابن (بر) المسئول عن تنفيذ الأوامر والنواهي (متسفاه) » ، أي التكليف الديني. ويُطلَق هذا المُصطلَح على اليهودي عند بلوغه سن النضج واكتسابه الهوية اليهودية (الثالثة عشرة ويوماً بالنسبة إلى الذكور والثانية عشرة ويوماً بالنسبة إلى الإناث «بت متسفاه» ) . ويُقام في هذه المناسبة احتفال ديني في المعبد يعقبه احتفال عائلي في المنزل. ويصبح من حق اليهودي البالغ أن يلبس شال الصلاة (طاليت) وينضم إلى صلاة الجماعة إذ يمكن حسابه ضمن النصاب (منيان) ، وأن يقرأ التوراة في المعبد، وعليه أن ينفذ الأوامر والنواهي. وتنص الشريعة اليهودية على أن سن الثالثة عشرة هي السن المثلى لقيام الشخص الصغير بتحمل مسئولياته الدينية والقانونية كاملة، استناداً إلى أن إبراهيم كان في الثالثة عشرة عندما تصرَّف كشخص ناضج وأنكر على أبيه عبادة الأصنام. وهي أيضاً السن التي تعني اكتمال نضوج الصبي (أو الصبية) وبلوغه من الناحية الفسيولوجية الجنسية بحيث يصبح مؤهلاً للزواج وإنجاب الأطفال. لكن عادة الاحتفال بهذه المناسبة ليس لها سند في الكتابات الدينية اليهودية الحاخامية، فلم يرد لها ذكر في التلمود، بل عارضها اليهود الأرثوذكس في شرق أوربا بشدة حينما أُدخلت لأول مرة وقتلوا أحد الحاخامات الإصلاحيين بأن دسوا له السم لقيامه بعقد أحد هذه الاحتفالات. وقد كان الاحتفال يأخذ شكلاً دينياً صرفاً، فيُنادى الشاب البالغ ليقرأ التوراة في المعبد. ولم يكن هناك أي احتفال آخر. ولم يكن يوجد أي احتفال بمناسبة «بت متسفاه» على الإطلاق، فهذا تقليد ابتدعه مردخاي كابلان (مؤسس حركة اليهودية التجديدية) . ومن المنظور الديني التقليدي، كان الاحتفال بالختان مهماً جداً. ورغم كل هذا، أصبح الاحتفال ببلوغ سن التكليف الديني (لا الختان) من أهم المناسبات بين يهود الولايات المتحدة، فهم يبالغون في الاحتفال بها، بطريقة تفرغها من أي محتوى ديني أو حتى تقليدي، الأمر الذي جعل بعض الزعماء الدينيين اليهود يدعون إلى ضرورة المطالبة بالتقليل من شأنها. وقد صار الاحتفال يتسم بالسوقية والابتذال ويعبِّر عن الاستهلاكية المتزايدة في المجتمع الأمريكي. بل إنه لم يَعُد احتفالاً ببلوغ سن الاضطلاع بالأعباء الدينية، وإنما تمت علمنته تماماً فأصبح خليطاً من الاحتفال بعيد الميلاد (بيرثداي بارتيbirthday party) والاحتفال بالهوية الإثنية. ولتفسير هذه الظاهرة، يمكننا الإشارة إلى أن اليهودية تتأثر إلى حدٍّ كبير بمحيطها الثقافي، وتكتسب هويتها من خلاله. ولذا تتدعم فيها تلك الجوانب التي لها ما يقابلها في الواقع وتتآكل تلك التي ليس لها نظير. والاحتفال بالختان هو احتفال يهودي محض لا نظير له في المجتمع الأمريكي المسيحي، رغم أن هؤلاء يختنون أولادهم لأسباب صحية. وبالتالي، فإننا نجد أن الختان بين اليهود قد تراجعت أهميته وصار يقوم به طبيب دون أي احتفال ديني أو دنيوي. أما الاحتفال ببلوغ سن التكليف الديني، فقد تحوَّل إلى احتفال ضخم لأنه يقابل الاحتفال المسيحي، بتثبيت العماد بالنسبة إلى الأولاد والبنات المسيحيين. ولذا، كان من الضروري أن يظهر شيء مماثل بين أعضاء الجماعة اليهودية على هيئة «برمتسفاه» و «بت متسفاه» ، وذلك رغم عدم وجود أي أساس ديني لها (ولذا، فإن هذا العيد ليس له وجود بين أعضاء الجماعة اليهودية في المجتمعات الإسلامية، على حين أن الاحتفال بالختان لا يزال عيداً مهماً وأساسياً بينهم) . برمتسفاه Bar Mitzvah انظر: «بلوغ سن التكليف الديني (برمتسفاه وبت متسفاه) » . اللحية Beard تُعتبَر إطالة اللحية في الحضارات القديمة علامة على بلوغ مرحلة الرجولة، وأحد أشكال الهوية. ولذا، كان المصريون يقصون لحيتهم بطريقة تختلف عن قص الآشوريين لها. ويمنع العهد القديم بصريح العبارة حلق أركان اللحية (لاويين 19/27) . ولذا، كان إطلاق اللحية أحد الأوامر الدينية التي يتعيَّن على اليهودي أن ينفذها. وينظر التلمود إلى اللحية بوصفها حلية الوجه، وقد نسب إليها المتصوفة من اليهود أسراراً لا يمكن سبر غورها. ويظهر اليهود في الصور المرسومة في العصور الوسطى في الغرب بدون لحى محفوفة، وهو ما يشير إلى تزايد معدلات الاندماج الحضاري بينهم. وفي عام 1408،منع المرسوم الإسباني الصادر في ذلك العام اليهود من أن يحلقوا لحاهم، ربما حتى يتميَّزوا عن بقية السكان، وهو في هذا كان يشبه المراسيم النازية التي صدرت بعد ذلك. وأثناء فترة الإعتاق، كانت الحكومات تمنعهم من إطلاق لحاهم باعتبار أن هذا نوع من التحديث، إذ كانت اللحية تُعَد شكلاً من أشكال الانعزال الحضاري. ولا يُطلق اليهود الغربيون لحاهم في الوقت الحاضر، لكن الأرثوذكس لا يزالون يحرمون حلق اللحية، في حين يسمح الأرثوذكس الجدد بحلاقتها بالشفرة الكهربائية، أي أنهم لا يقصونها. السوالف Side-Locks كلمة «السوالف» يقابلها في العبرية «بيئوت» ، أي «أركان» ، ومفردها «بيئاه» وهي السالف المتدلي. وقد ورد في العهد القديم: «لا تقصروا رؤوسكم مستديراً ولا تفسد عارضيك» (لاويين 19/27) ، وهي توصية ضد قص الشعر حول محيط الرأس. وكان من علامات التقوى أن يترك اليهودي جزءاً من شعره غير مقصوص (متدلياً فوق صدغيه وفوق الأذن) . ويترك اليهود الأرثوذكس (من الإشكناز) سوالف طويلة، أما السفارد فإن سوالفهم قصيرة. وقد نسبت القبَّالاه اللوريانية صفات عجائبية إلى السوالف، فالقيمة الرقمية للكلمة العبرية «بيئاه» تعادل القيمة الرقمية لكلمة «إلوهيم» ، والسالفان واللحية تساهمان في ربط الإنسان بالإله من خلال التجليات النورانية العشرة (سفيروت) . ولذا، يترك الحسيديون سوالفهم دون أن يقصوها. ونجد الوضع نفسه بين يهود اليمن الذي تأثروا بالقبَّالاه اللوريانية. وبعد إعتاق اليهود، قص كثير من اليهود سوالفهم مثلما تخلوا عن اليديشية واللحية والقفطان حتى يتم اندماجهم مع المواطنين كافة. وقد حَرَّمت الحكومة الروسية على اليهود ترك السوالف، عدا الحاخامات. وقد اختفت السوالف تقريباً بين اليهود إلا بين غلاة الأرثوذكس. الطعام والقوانين الخاصة به في اليهودية Dietary Laws تُسمَّى القوانين الخاصة بالطعام في العبرية «كاشروت» وهي صيغة الجمع من كلمة «كاشير» أو «كوشير» ومعناها «مناسب» أو «ملائم» . وتُستخدَم هذه الكلمة لتشير إلى مجموعة القوانين الخاصة بالأطعمة وطريقة إعدادها وطريقة الذبح الشرعي عند اليهود، وهي قوانين مصدرها التوراة. ويُسمَّى الطعام الذي يتبع قوانين الكاشروت «كوشير» ، ومعناها الطعام «المباح أكله» في الشريعة اليهودية. وهذه القوانين تحرم على اليهودي أكل أنواع معينة من الطعام، وتُبيح له أكل أنواع أخرى. والواقع أن المحرمات تتعلق أساساً بلحوم الحيوانات، لكن هناك بعض التحريمات الأخرى، مثل: ثمرة الشجرة التي لم يمض على غرسها سوى أربعة أعوام، أو أي نبات غُرس مع نبات آخر (باعتبار أن خلط النباتات مثل الزواج المختلط محرم) . ويُطبَّق هذا الحظر على أرض يسرائيل (أي فلسطين) وحسب. ويُحظَر كذلك شرب أي خمر أعدها أو لمسها شخص من الأغيار. بل يُحرَّم أيضاً أكل خبز أو طعام أعده شخص من الأغيار حتى لو أُعدَّ حسب قوانين الطعام اليهودي. وهناك تحريم أكل الخبز المُخمَّر في عيد الفصح. أما بالنسبة إلى لحوم الحيوانات، فالأمر كالتالي: أ) يحل لليهودي أن يأكل الحيوانات والطيور النظيفة، وهي الحيوانات ذوات الأربع، والتي لها ظلف مشقوق وليس لها أنياب، وتأكل العشب وتجتر (تثنية 14/4 - 25، ولاويين 11/3) ، والطيور هي الطيور الأليفة التي يمكن تربيتها في المنازل والحقول وبعض الطيور البرية آكلة العشب والحب. وما عدا ذلك من الحيوانات والطيور فهي غير نظيفة. ولذلك يُحرَّم أكل الخيل والبغال والحمير لأنها ليست ذات أظلاف مشقوقة، وكذلك الجمل لأنه ذو خف وليس ذا أظلاف، ويُحرَّم الخنزير لأنه ذو ناب مع أن أظلافه مشقوقة. أما الأرانب وأشباهها، فهي من القوارض آكلة العشب، ولكنها ذات أظفار لا أظلاف مشقوقة. أما الطيور غير النظيفة، فهي كل طير له منقار معقوف أو مخلب، وهي أوابد الطير التي تأكل الجيف والرمم، مثل الصقر والنسر والبومة والحدأة والببغاء. ب) يُحرَّم على اليهودي أن يأكل لحم الحيوانات، إن لم يكن قد ذبحها ذابح شرعي (شوحيط) ، وبالطريقة الشرعية بعد تلاوة صلاة الذبح (الذبح الشرعي) . جـ) يُحرَّم أيضاً أكل أجزاء معينة من الحيوانات، مثل عرْق النسا، حيث يجب أن يزال من الحيوانات، أو لا يؤكل. كذلك يُحرَّم أكل أجزاء الحيوان الذي لا يزال حياً واللحم الذي لم يُسحَب منه الدم من خلال التمليح (بالعبرية: مليحاه) . (غسل اللحم لمدة ثلاثين دقيقة ـ تصفية ما تبقى من الدم ـ تغطية اللحم بالملح لمدة ساعة - غسل اللحم مما تبقَّى من دم وملح) . وعادةً ما يقوم الجزار بهذه المهمة. د) يحل أكل السمك الذي له زعانف وعليه قشور، أما أي شيء آخر، مثل الجمبري والكابوريا وأنواع الأخطبوط والإستاكوزا، فهو محرَّم. وكذا المحارات. هـ) يحل لليهودي أكل أربعة أنواع من الجراد، ولكن يُحرَّم عليه أكل الحشرات والزواحف. و) يُحرَّم الجمع بين اللحم واللبن. ولذا، يُحرَّم طبخ اللحوم في السمن والزبد بل يجب أن تُطبَخ في زيوت نباتية، كما يحرم تناول اللحم والجبن أو الزبد أو نحوهما في وجبة واحدة (ويجب أن يفصل بين تناول أيٍّ منها والآخر ست ساعات) . بل من المُحرَّم أن يوضع اللحم في إناء كان قد وُضع فيه لبن أو جبن من قبل، أو أن تُستعمَل سكين واحدة في تقطيع اللحوم والجبن أو ما إليهما. ولذلك، تُضطر المطاعم التي تقدم الأكل المباح شرعاً (كاشير أو كوشير) إلى أن يكون لديها مجموعتان من الأوعية، واحدة لطبخ اللحوم وأخرى للألبان، على أن يحفظا في مكانين منفصلين. ولا يُحرَّم على اليهودي أكل أية خضراوات أو فاكهة. ومع هذا، لا يجوز له أن يأكل من المحاصيل الأربعة الأولى لشجرة. وهناك كذلك التحريم الخاص بالخميرة في عيد الفصح. كما يُحرَّم على اليهودي تناول خمر أعدها وثني أو حتى لمسها. ويُقال إن الحكمة من هذا التحريم هي أنه قد يكون قد كرَّسها لآلهته. غير أن الحاخامات وسعوا نطاق التحريم بحيث أصبح يشمل ما أعده الوثني أو أي إنسان غير يهودي. كما لم تَعُد المسألة إعداد الخمر وإنما مجرد فتح الزجاجة. وينطبق هذا القانون أساساً على المسيحيين، وبدرجة أخف على المسلمين. فإذا فتح مسيحي زجاجة وجب سكبها، ولكن إذا لمسها مسلم فإنه يحرم شربها ولكن يحل بيعها. كما حرَّم بعض الحاخامات تناول الطعام الذي أعده الأغيار حتى لو كان هذا الطعام شرعياً، كما حرَّموا تناول الطعام في منزل الأغيار أو حتى معهم. وقد بُذلت على مر العصور محاولات شتَّى لتفسير هذه التحريمات تفسيراً عقلانياً أو منطقياً كما فعل فيلون وموسى بن ميمون. وقد فسَّر علم اليهودية تحريم هذا العدد الكبير من الحيوانات والطيور على أسس أنثروبولوجية، فقد كانت هذه الحيوانات والطيور طوطمية للقبائل العبرانية الاثنتى عشرة، وحينما تم توحيد القبائل تم تحريم سائر الحيوانات والطيور الطوطمية (ومن هنا، فإن عدد هذه الحيوانات والطيور المحرمة 48 تقبل القسمة على 12 وهو عدد القبائل العبرانية) . أما تحريم طبخ اللحم في اللبن فهو عادة كنعانية. وقد فسر البعض الغرض الديني منها تفسيراً حلولياً بأنها تضفي عنصراً من القداسة على الحياة اليومية للشعب المقدَّس، وتساعدهم في الحفاظ على تفرُّدهم وانعزالهم. وإن كان هناك من يذهب إلى أنها رمز تحريم الجماع بالمحارم. وقد ساهمت هذه القوانين المركبة إلى حدٍّ كبير في عزل اليهود فعلاً. فالطعام اليومي يضبط إيقاع حياة الإنسان ويتحكم في علاقاته الاجتماعية بالآخرين، لأن الإنسان الذي يتناول طعاماً مختلفاً عن طعام الآخرين يجد نفسه شاء أم أبى منفصلاً عنهم لا يمكنه أن يشاركهم حياتهم اليومية. وحتى أولئك اليهود الذين تركوا صفوف اليهودية، أو حاولوا التمرد على انعزاليتها، كان من العسير عليهم ترك الطعام اليهودي، ذلك لأنه ليس من اليسير على المرء أن يغيِّر الطعام الذي ألفه وتعوَّد عليه. ونظراً لتغلغل قوانين الطعام في حياة اليهود اليومية وتعقُّدها، فإن اليهودي العادي كان يواجه مشاكل دينية تضطره إلى اللجوء إلى الحاخام طلباً للفتوى، الأمر الذي يزيد من سلطان الحاخام. كما أن ضرورة ذبح الطيور والحيوانات على يد الذابح الشرعي، تجعل من المستحيل على اليهودي أن يعيش خارج الجماعة اليهودية. وقد هاجم اليهود الإصلاحيون قوانين الطعام لأنها تعطل تطور اليهود واندماجهم. وذهبوا إلى أن هذه القوانين ذات طابع شعائري ولا تستند إلى أي أساس ديني أو أخلاقي، وأنهم لذلك لا يلتزمون بها. أما اليهودية المحافظة والأرثوذكسية، فتريان أن التمسك بقوانين الطعام يؤدي الغرض الأساسي من وضعه، وهو القداسة، ثم الانفصال والتميز عن باقي الشعوب. ويواجه يهود المجتمعات الغربية مشكلة الحصول على طعام مباح شرعاً، إذ إنهم لا يعيشون داخل الجيتو ولا توجد محلات أطعمة مباحة شرعاً (كوشير أو كاشير) لسد حاجاتهم. وفي إسرائيل، تحاول دار الحاخامية الرئيسية جاهدة أن تُطبِّق قوانين الطعام على الحياة العامة، فلا تقدم شركة الطيران الإسرائيلية إلا أكلاً مباحاً، كما أن الفنادق لابد أن تخضع لضغط الحاخامية حتى تُصدر رخصة المطعم. ولهذا، فإن بعض المطاعم يضطر إلى منع التدخين والرقص يوم السبت، وذلك حتى تضمن الحصول على الرخصة. وقد صدر في إسرائيل عام 1962 قانون يمنع تربية الخنازير على أرض الدولة. وفي 25 يوليه عام 1983، صدر قانون منع الغش في الطعام المباح شرعاً. والأغلبية العظمى من يهود الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، (ما تزيد على 80% منهم) والذين يشكلون الأغلبية الساحقة من يهود العالم لا يطبقون أياً من قوانين الطعام بل يأكل الكثيرون منهم لحم الخنزير، ولا يتجاوز من يطبقون كل قوانين الطعام نسبة 4%. والأمر ليس مختلفاً كثيراً في إسرائيل إذ يوجد نحو 30 ألف شخص يعملون في قطاع تربية الخنزير وبيعه. ويبدو أن أكثر من نصف السكان اليهود الإسرائيليين يأكلون لحم الخنزير، ومن بينهم كثير من أعضاء النخبة (وزراء وجنرالات بل أعضاء كنيست) ممن وافقوا على مشروع القرار الخاص بمنع تسويق لحم الخنزير. وهناك عدة مؤسسات في إسرائيل تقوم بتربية الخنزير وذبحه وبيع لحمه (أهمها كيبوتس مزرا) . ومع هذا، ونظراً للإيحاءات السلبية التي ارتبطت بلحم الخنزير في الوجدان الديني اليهودي، فإنهم يشيرون إلى لحم الخنزير في المطاعم وفي غيرها من الأماكن بأنه «اللحم الأبيض» (ولكنهم بدأوا في تل أبيب يُسقطون حتى هذه الصيغة الشكلية التمويهية) . ولأن قانون عام 1962 يمنع تربية الخنزير على أرض الدولة، فقد قام أحد الكيبوتسات ببناء حظيرة لتربية الخنازير عند مستوى أعلى من مستوى الأرض (المقدَّسة) . وتمارس الأحزاب الدينية في الوقت الحاضر ضغطاً شديداً على الحكومة الإسرائيلية لإصدار قرار منع تسويق لحم الخنزير. أما اللادينيون، فإنهم يخشون أن يؤدي هذا إلى أن يباع لحم الخنزير في السوق السوداء، الأمر الذي يضر بالسياحة والاقتصاد، ويدفع الإسرائيليين للذهاب إلى المناطق العربية المسيحية لشراء لحم الخنزير، تماماً كما يذهبون إلى الأحياء العربية أثناء عيد الفصح لشراء الخبز العادي. وتندلع المناقشات من آونة إلى أخرى حول الطعام المباح شرعاً، وخصوصاً أن بعض أعضاء المؤسسة الدينية يستخدمون صلاحياتهم في إصدار شهادات الإباحة لتحقيق منفعة شخصية (كما هو الحال في معظم المجتمعات الإنسانية) . ففي عام 1987، أعلنت الحاخامية أن نوعاً معيَّناً من التونة ليس مباحاً، رغم أن اتحاد الأبرشيات اليهودية الأرثوذكسية في أمريكا أصدر تصريحاً به. وقد فُهم من ذلك أن الحاخامية في إسرائيل تود أن توسع نطاق نفوذها، وأن تهيمن على عملية إصدار التصاريح هيمنة كاملة. كما أن الصراع بين السفارد والإشكناز ينعكس على تصاريح الإباحة، فنجد أن الحاخامية الإشكنازية ترفض التصاريح التي تصدرها الحاخامية السفاردية، والعكس بالعكس. الطعام الشرعي (كوشير) Kosher «كوشير» (أو «كاشير» ) كلمة عبرية تعني حرفياً «مناسب» أو «صالح» ، وفي الفقه اليهودي تعني «الطعام المباح شرعاً» . كوشير Kosher «كوشير» كلمة عبرية تعني «الطعام المباح شرعاً» . الذبح الشرعي Ritual Slaughter «الذبح الشرعي» هو الترجمة العربية للكلمة العبرية «شحيطاه» ، وهو مُصطلَح يُستخدَم للإشارة إلى ذبح الحيوانات شرعياً حيث يجب أن يتم الذبح بسكين ذي مواصفات محددة وأن يتم الذبح بطريقة معينة بعد فحص الحيوان أو الطير فحصاً دقيقاً للتأكد من أنه طاهر. ونظراً لأن عملية الفحص والذبح تتبعان خطوات وإجراءات مركبة، فيجب أن يقوم بهما شخص مؤهل لذلك يُطلَق عليه الذابح الشرعي (شوحيط) . وقد قام المعادون لليهود بالهجوم على أعضاء الجماعة اليهودية بسبب الذبح الشرعي، وذلك باعتبار أنه يمثل قسوة تجاه الحيوانات. وقد كان الذبح الشرعي محرَّماً حتى عهد قريب في بعض الدول الغربية مثل السويد والنرويج. ومن ناحية أخرى، فإن الذابح الشرعي كان شخصية أساسية في الجيتو، ولكنه أخذ في الاختفاء بعد إعتاق اليهود وبداية اندماجهم في المجتمعات العلمانية. ولذا، فإن الحصول على لحم مذبوح على الطريقة الشرعية، أصبح يمثل مشكلةً لكثير من اليهود المتدينين في العالم الغربي. تميمة الباب (مزوزاه) Mezuzah «مزوزاه» كلمة عبرية (جمعها «مزوزت» ) يُقال إنها من أصل آشوري، وهي تدل على عضادة الباب أو الإطار الخشبي الذي يُثبَّت فيه الباب، وهي رقية أو تميمة تُعلَّق على أبواب البيوت التي يسكن فيها اليهود، لها شكل صندوق صغير بداخله قطعة من جلد حيوان نظيف شعائرياً بحسب تعاليم الدين اليهودي، ومنقوش عليها الفقرتان الأوليان من الشماع، أو شهادة التوحيد اليهودية (تثنية 9/4 ـ 9، 11/13 ـ 21) ، ومكتوب على ظهرها كلمة «شدَّاي» . وتُلَف قطعة الجلد هذه جيداً، وتوضع بطريقة معينة بحيث تظهر كلمة «شدَّاي» ، من ثقب صغير بالصندوق. وكلمة «شدَّاي» هي الأحرف الأولى من الجملة العبرية «شومير دلاتوت يسرائيل» ، ومعناها «حارس أبواب يسرائيل» ، وهي أيضاً أحد أسماء الإله في العقيدة اليهودية. ويصنع السامريون تميمة الباب من أحجار كبيرة، ويضعونها إما على الأبواب، أو بمحاذاة مدخل المنزل، ويحفرون عليها الوصايا العشر، ولا يجعل القراءون تميمة الباب فرضاً. وتُثبَّت تميمة الباب على الأبواب الخارجية، وعلى أبواب الحجرات، في وضع مائل مرتفع قليلاً من ناحية اليمين عند الدخول، وتُستثنى أبواب الحمامات والمراحيض والمخازن والإسطبلات. وقد قال موسى بن ميمون إن المزوزاه تُذكِّر الإنسان عند دخوله وخروجه بوحدانية الإله. ولكن قيل أيضاً إن التميمة تُذكِّر اليهود بالخروج من مصر حينما وضعوا علامات على منازلهم حتى يهتدي إليها الرب. ومع هيمنة الحلولية على النسق الديني اليهودي، أصبحت المزوزاه تعبيراً عن حب الإله ليسرائيل. أما الحاخام إليعازر بن جيكوب، فقد بيَّن أن من يضع تميمة الصلاة (تفيلِّين) على رأسه وعلى ذراعه، وأهداب شال الصلاة (تسيت تسيت) على ردائه، وتميمة الباب على عتبة داره، قد حصَّن نفسه وبيته ضد الخطيئة. ثم أصبحت تميمة الباب بمنزلة حجاب ضد الشياطين، ولها قوة سحرية، فكان يُضاف إليها أسماء الملائكة ورموز قبَّالية مثل نجمة داود. وقد جرت العادة بين اليهود المتدينين أن يُقبِّلوا تميمة الباب عند الدخول والخروج، ولكن بالإمكان الاكتفاء بلمسها ثم لثم أصابع اليد بعد ذلك إذا كان تقبيلها سيسبب إزعاجاً للشخص طويل القامة أو قصيرها. وعند أعضاء الجماعات اليهودية في العالم، تُثبَّت تميمة الباب على أبواب المنازل بعد ثلاثين يوماً من الإقامة فيها. أما يهود إسرائيل، فإنهم يثبتون تميمة الباب فوراً، من أول يوم، لأن اليهودي إذا غيَّر رأيه وترك المنزل فسيشغله يهودي آخر، وبذلك لا تكون هناك ضرورة لتطهير البيت بدون جدوى. وقد اتُبعت عادة وضع تميمة على الأبواب في إسرائيل، فشملت المباني الحكومية أيضاً. وبعد حرب 1967، عُلِّقت تميمة الباب على أبواب مدينة القدس القديمة، باعتبار أن هذا هو الإجراء النهائي لكي تصبح المدينة يهودية تماماً! كما توجد تميمة على باب السفارة الإسرائيلية في القاهرة. وفي رواية ليائيل ديان تقول إحدى الشخصيات «أرض إسرائيل هي بديل تميمة الباب بالنسبة لها» . السبت Sabbath «السبت» الترجمة العربية لكلمة «شايات» العبرية المشتقة من كلمة «شبتو» البابلية التي كان يستخدمها البابليون للإشارة إلى أيام الصوم والدعاء، وإلى مهرجان القمر المكتمل (البدر) . والسبت هو العيد الأسبوعي أو يوم الراحة عند اليهود، ويُحرَّم فيه العمل. وبحسب ما يقوله الحاخامات، فإن الإله خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استراح في اليوم السابع. ولذلك، فإنه بارك هذا اليوم وقدَّسه، وحرَّم فيه القيام بأي نشاط. وقد جاء أكثر من نص صريح في التوراة يفيد هذا المعنى (تكوين 2/1 ـ 3) . ويرى آخرون أن تحريم العمل يوم السبت يعود إلى أن الإنسان ند للإله وشريك في عملية الخلق، فالإله عمل ثم استراح، والإنسان يعمل بدوره في الخلق ثم عليه أن يستريح، وهذا تعبير عن الطبقة الحلولية في التركيب الجيولوجي اليهودي. ويرى فريق ثالث أن تقديس السبت إحياء لذكرى خروج اليهود من مصر وتخليصهم من العبودية. وتؤكد أسفار موسى الخمسة، في غير موضع، ضرورة الحفاظ على شعائر السبت كعهد دائم بين الإله وجماعة يسرائيل. وبذا يصبح السبت إحدى علامات الاصطفاء، وإقامة هذه الشعائر يُعجِّل بقدوم الماشيَّح. ولم يكن عند اليهود خطيئة تفوق عدم المحافظة على شعائر السبت إلا عبادة الأوثان. ولهذا، فإن عقوبة خَرْق شعائر السبت الإعدام رجماً. ويُحرَّم على اليهودي، يوم السبت، أن يقوم بكل ما من شأنه أن يشغله عن ذكر الإله، مثل العمل وإيقاد النار، وضمن ذلك النار التي تُوقَد للطهو أو التدفئة. وكذلك يُحرَّم السفر، بل المشي مسافة تزيد على نصف ميل، ويُحرَّم كذلك إنفاق النقود أو تسلُّمها، كما تُحرَّم الكتابة. كذلك يرى البعض أن اليهودي المتمسك بتعاليم دينه لا يخرج من بيته يوم السبت، إلا وقد تأكد من أن جيوبه ليس فيها أقلام، أو أوراق أو نقود أو كبريت، إذ يجب ألا يحمل أي شيء سوى التوراة، أو كتاب الصلوات (غير أن جابوتنسكي يشير إلى أحد الحاخامات الذين أحلوا حمل التوراة والسيف معاً في يوم السبت لأنهما أُرسلا معاً من السماء) . وفي التلمود جزء كامل عن الأفعال المحرم على اليهودي القيام بها يوم السبت. وتبدأ الاحتفالات بالسبت منذ دخوله قبل غروب شمس يوم الجمعة ببضع دقائق، وتنتهي بخروجه عشية الأحد، فتشعل ربة البيت شمعتين (شموع السبت) ، وتضع على المائدة رغيفين لكل وجبة من الوجبات الثلاث. والرغيفان ذكرى للطعام الذي أرسله الإله لجماعة يسرائيل في البرية، ويكونان على شكل جدائل رمزاً لإكليل العروس (إذ أن السبت يُرمز له بالعروس في التراث القبَّالي) . كما تُعدُّ ربة البيت الوجبات نفسها مقدماً لأن العمل محرَّم في ذلك اليوم. ويُغطَّى الطعام بالمفرش، ثم يأتي الأطفال فيباركهم الأبوان، ثم تمسك ربة البيت بكأس الخمر وتقرأ دعاء مقدم السبت (قيدوش) ثم تبارك التوابل أضواء الشموع. وتُختتَم الاحتفالات بقراءة دعاء انتهاء السبت (هافدالاه) . وقد تحوَّل الاحتفال بالسبت في التراث القبَّالي إلى أهم الاحتفالات وأكثرها دلالة ورمزية إذ اعتبروه شكلاً من أشكال الزواج المقدَّس بين الملك/العريس/الشمس/الإله/التفئيريت من جهة والملكة/العروسة/القمر/الملكوت (أي الشخيناه أو كنيست يسرائيل) من جهة أخرى. ويُعَدُّ يوم السبت يوم القبَّالاه بالدرجة الأولى. وقد كان الاحتفال بمقدمه يشبه الزفاف، وكانت ليلة السبت الليلة التي يعاشر الإله فيها «بستان التفاح المقدَّس» لينجب أرواح الصالحين (أي اليهود) . وكان القبَّاليون في صفد يخرجون ظهيرة يوم الجمعة بملابسهم البيضاء إلى حقل يقع خارج المدينة وينتهي إلى بستان «التفاح المقدَّس» انتظاراً للعروس، يغنون بعض المزامير وكذلك نشيد الأنشاد. وعند مساء السبت، يتم إنشاد الإصحاح الحادي والثلاثين من سفر الأمثال وكأنه أنشودة زفاف. وقد كبَّلت شعائر السبت اليهود أيما تكبيل، وهو ما اضطرهم إلى الانعزال عن الآخرين والتكتل في جماعات طائفية منغلقة. لكن اليهود كانوا يتخطون على الدوام كثيراً من التحريمات من خلال التحلة (التصريح) والرخصة التي تأخذ شكل التفاف حول الشريعة عن طريق فتوى يصدرها أيٌّ من الفقهاء اليهود. فمثلاً يقوم بعض اليهود بوضع طعام يوم السبت على بعد نصف ميل من منزلهم، وبالتالي يصبح هذا المكان هو منزلهم، ويمكنهم من ثم أن يسيروا مسافة نصف ميل أخرى. كما يقوم اليهود أحياناً باستخدام الأغيار في القيام بالأعمال المحرمة مثل إيقاد النار، وهذا ما يُطلَق عليه «جوي السبت» . وتقوم القوات المسلحة الإسرائيلية باستئجار عرب للقيام بهذه المهمة. ولما كان من الواجب على اليهودي ألا يطلب من غير اليهودي القيام بالمهمة بشكل مباشر، فإنه يلمح إلى ذلك وحسب، فإن أراد أن يشعل ناراً للتدفئة قال: «الجو بارد هنا» . وهناك أشكال أخرى للتحلة يمارسها اليهود في إسرائيل وخارجها. كما أفتى أحد الحاخامات أنه لا مانع من أن تقوم القرود أو الكلاب المدربة على إطفاء الأنوار (يوم السبت) والقيام بأعمال منزلية أخرى، إذا لم تكن هذه الحيوانات من ممتلكات العائلة (ففي هذه الحالة تُعتبَر جزءاً من الأسرة) وعليها أن ترتاح مع باقي أعضاء الأسرة. وقد حاولت اليهودية الإصلاحية التخفيف من التطرف في الاحتفال بيوم السبت. أما في إسرائيل، فقد صدر قانون العمل عام 1956 وهو ينص على أن السبت يوم الراحة الأسبوعية. ويتفاوت الإسرائيليون في اتباع تعاليم السبت من مكان إلى آخر بحسب قوة أو ضعف الأحزاب الدينية داخل المجالس المحلية. فمثلاً تُفتَح المقاهي في تل أبيب طيلة يوم السبت، في حين تغلق أبوابها نهائياً في القدس، وإن كان الوضع قد بدأ يتغيَّر في الآونة الأخيرة مع تَصاعُد معدلات العلمنة. وفي بناي براك، يُمنَع النقل العام وتُسدُّ جميع الشوارع ولا يُسمَح بأي مرور، في حين تجرى عمليات المرور والنقل العام في حيفا كالمعتاد في أي يوم من أيام الأسبوع. وتزيد إذاعة إسرائيل من بث نشرات الأخبار بعد غروب يوم السبت حتى يستمع إليها من فاته سماعها طيلة اليوم، فالاستماع إلى الإذاعة محرَّم في ذلك اليوم المقدَّس. كما تُمنَع إذاعة أنباء الموتى أو حوادث موت في ذلك اليوم. ويُقال إن نحو ربع السكان يقيمون شعائر السبت كاملة، ولكننا نعتقد أن هذا رقم مُبالَغ فيه، وفي الغالب سنجد أنهم يقيمون بعض شعائر السبت وحسب. وقد أثيرت قضية السبت على المستوى القومي في إسرائيل أثر قيام عمدة بتاح تكفا بإصدار قانون محلي يسمح لدور العرض ومؤسسات التسلية بالعمل مساء الجمعة ويوم السبت. وقد اعتبر المتدينون هذا القانون تعدياً على سياسة الأمر الواقع التي يأخذ بها كبار الصهاينة، وهي المحافظة في مجال الأمور الدينية على الوضع القائم في فلسطين إبان عهد الانتداب، وهو وضع يسمح في حالة بتاح تكفا بمشاهدة مباريات كرة القدم، ولكن لم يكن يسمح بمشاهدة العروض السينمائية. وهذا الاتفاق يشكل حقيقةً أساس التحالفات الوزارية بين الدينيين واللادينيين. لكن طرح قضية السبت والقضايا المشابهة، مرةً ومرات، سيفجر قضايا مبدئية نجح الصهاينة في تسكينها منذ بداية الحركة الصهيونية مثل هوية الدولة الصهيونية الدينية ومصدر شرعيتها وتشريعها. ولا يحتفل بيوم السبت، على الطريقة الدينية، سوى 5% فقط من يهود الولايات المتحدة. أما الباقون، فيعتبرونه جزءاً من عطلة نهاية الأسبوع (الويك إند week end) يمارسون فيه هواياتهم وكل ما تشتهيه أنفسهم. وتحتفل بعض الجماعات البروتستانتية المتطرفة، مثل الأدفنتست، بالسبت. دعاء مقدم السبت (قيدوش) Kiddush «دعاء مقدم السبت» عبارة تقابل كلمة «قيدوُّش» العبرية والتي تعني «تقديس» .والقيدوش دعاء يُتلى احتفالاً بمقدم يوم السبت والأعياد اليهودية. وتُتلى الأدعية فوق كأس من الخمر قبل تناول الطعام، ويقوم رب الأسرة بترتيل الدعاء، ثم يجيب الجميع قائلين «آمين» . ويقابل دعاء القيدوش دعاء الهفدالاه الذي يعلن نهاية شعائر السبت. ولا يزال دعاء القيدوش جزءاً أساسياً من الشعائر الأرثوذكسية والمحافظة، ويحافظ عليه أيضاً اليهود الإصلاحيون. دعاء انتهاء السبت (هفدالاه) Havdalah «دعاء انتهاء السبت» هي المقابل العربي لكلمة «هفدالاه» العبرية ومعناها «تمييز» . والهفدالاه عبارة عن دعاء يأخذ شكل ابتهالات تُتلى على النبيذ والتوابل الشمع احتفالاً بانتهاء شعائر السبت، وهي بذلك تقابل القيدوش الذي تبدأ به الشعائر. وأهم الابتهالات هي تلك التي تشير إلى التمييز بين اليوم المقدَّس الذي سينتهي واليوم العادي الذي سيبدأ، وبين النور والظلام، وبين اليهود والأغيار، وبين يوم الراحة المقدَّس وأيام العمل الستة الأخرى. وليس بإمكان اليهودي أن يستأنف نشاطه العادي إلا بعد تلاوة هذا الدعاء. ويبدو أن الدعاء يعود إلى أيام المجمع الأكبر. الصوم Fasting كلمة «صوم» العربية تقابلها في العبرية كلمة «تسوم» وتُستخدَم كلمة «تَعنيت» مرادفاً لها في اللغة العبرية. ويصوم اليهود عدة أيام متفرقة من السنة أهمها صوم يوم الغفران (في العاشر من تشري) وهو الصوم الوحيد الذي ورد في أسفار موسى الخمسة، حيث جاء فيها: «تذللون نفوسكم» (لاويين 23/27) . وقد أُخذت هذه العبارة على أنها إشارة إلى الصوم. ولكنها أساس للكلمة التلمودية «تَعنيت» التي تفضل كلمة «صوم» . وثمة أيام صوم عديدة أخرى مرتبطة بأحزان جماعة يسرائيل وردت في كتب العهد القديم الأخرى. ومعظم هذه الأيام مناسبات قومية ومن أهمها التاسع من آب، يوم هدم الهيكل (خراب الهيكل في المُصطلَح الديني) الأول والثاني، والسابع عشر من تموز الذي يصوم فيه اليهود بسبب مجموعة من الكوارث القومية وردت في التلمود، فهو اليوم الذي حطم فيه موسى لوحى الشريعة، وهو اليوم الذي نجح فيه تيتوس في تحطيم حوائط القدس، ودخل فيه نبوختنصر إلى المدينة، وحرق فيه الجنرال السوري إتسونيوموس لفائف الشريعة، وأقام فيه بعض الحاخامات أوثاناً على جبل صهيون. كما يصوم اليهود العاشر من طيبت، وهو اليوم الذي بدأ فيه نبوختنصر حصارالقدس. ويصومون كذلك الثالث من تشري، وهو ما يُعرَف باسم «تسوم جداليا» لإحياء ذكرى حاكم فلسطين الذي ذُبح بعد هدم الهيكل. ويصوم اليهود أيضاً في الثالث عشر من آذار صوم «تعنيت إستير» أو «صيام إستير» ، ويقع قبل عيد النصيب. وقد قرر الحاخامات أيام صيام أخرى إضافية من بينها صيام أسابيع الحداد الثلاثة، بين السابع عشر من تموز والتاسع من آب، باعتبارها الفترة التي نهب الجنود الرومان أثناءها الهيكل والقدس، وأيام التكفير العشرة (بين عيد رأس السنة ويوم الغفران) ، وأكبر عدد ممكن من الأيام في أيلول، وأول يومي اثنين وخميس من كل شهر، وثاني يوم اثنين بعد عيد الفصح وعيد المظال. وقد فُسِّر هذا الصوم بأنه تكفير عما قد يكون المرء قد ارتكبه من إفراط أثناء العيدين السابقين. ويصومون السابع من آذار باعتباره تاريخ موت موسى، يوم الغفران الصغير (يوم كيبور قاطان) ، وهو آخر يوم من كل شهر. كما يمكن أن يصوم اليهودي في أيام الاثنين والخميس من كل أسبوع، فهي الأيام التي تُقرأ فيها التوراة في المعبد. وإلى جانب أيام الصيام التي وردت في العهد القديم، والتي قررها الحاخامات توجد أيام الصيام الخاصة. فيصوم اليهودي في ذكرى موت أبويه أو أستاذه، كما يصوم العريس والعروس يوم زفافهما. وفي الماضي، كان اليهودي يصوم بعد رؤيته كابوساً في نومه. وإذا سقطت إحدى لفائف التوراة كان من المعتاد أن يصوم الحاضرون. وكان أعضاء السنهدرين يصومون في اليوم الذي يحكمون فيه على شخص بالموت. هذا ويصوم أعضاء الناطوري كارتا يوم عيد استقلال إسرائيل باعتباره يوم حداد عندهم. وفي صوم يوم الغفران والتاسع من آب يمتنع اليهود عن الشراب وعن تناول الطعام أو الجماع الجنسي، كما يمتنع اليهود عن ارتداء الأحذية الجلدية لمدة خمس وعشرين ساعة من غروب الشمس في اليوم السابق حتى غروب الشمس في يوم الصيام. أما أيام الصوم الأخرى، فهي تمتد من شروق الشمس حتى غروبها ولا تتضمن سوى الامتناع عن الطعام والشراب. وفي الماضي، كان الصائمون يرتدون الخيش ويضعون الرماد على رؤوسهم تعبيراً عن الحزن. وإذا وقع يوم الصيام في يوم سبت، فإنه يُؤجَّل إلى اليوم التالي ما عدا صيام عيد يوم الغفران. هذا ولا يعترف اليهود الإصلاحيون بأي من أيام الصيام هذه، كما أن معظم يهود العالم داخل وخارج فلسطين لا يقيمون هذه الشعيرة ولا حتى في يوم الغفران. صوم العاشر من طيبت Fast of the Tenth of Tevet «صوم العاشر من طيبت» ترجمة لعبارة «عَسِّيريت بطيبت» ، وهو صوم يقيمه اليهود في العاشر من طيبت بمناسبة حصار نبوختنصر للقدس، وهدمه الهيكل عام 587 ق. م. التَحلة Dispensation; Heter «التَحلَّة» تقابلها في العبرية كلمة «هيتر» ومعناها الحرفي «تصريح» أو «رخصة» أو «إجازة» . والتحلة تأخذ شكل التفاف حول الشريعة عن طريق فتوى يصدرها أحد الفقهاء اليهود، تسمح بإلغاء بعض الأوامر الدينية أو تسمح بالتساهل في تطبيقها استناداً إلى تحويرات شكلية حتى يتم التغلب على صعوبة أو ربما لاستحالة التطبيق الحرفي لأحد الأوامر والنواهي. ومن الناحية النظرية، لا يمكن تطبيق نظام التحلة إلا على التشريعات الحاخامية وحدها دون الشرائع التي وردت في التوراة. ولكن، من ناحية التطبيق، نجد أن الأمر مختلف، كما هو الحال في تحلة البروزبول التي أصدرها هليل حتى يتسنى جمع الديون حتى في السنة السبتية. وقد أصدر الحاخامات، عبر التاريخ، كثيراً من التحلات مثل: بيع أرض فلسطين للأغيار بشكل صوري في السنة السبتية، إذ أن من المحرم على اليهود زراعتها في هذا العام (طالما كانت حكومتها يهودية) ، وبعد انقضاء السنة السبتية يمكنهم أن يشتروها مرة أخرى. كما تُباع خميرة إسرائيل قبل عيد الفصح، ثم يُعاد شراؤها بعد انقضائه لأن اليهود مُحرَّم علىهم الاحتفاظ بخميرة في منازلهم أثناء هذا العيد. ومن القوانين الدينية، تحريم دفع أجر عن عمل يتم القيام به يوم السبت، وقد خلق هذا التحريم مشكلة للحاخامات في العصر الحديث إذ أنهم يعملون يوم السبت أساساً. ويتم التحايل على هذا الحظر عن طريق دفع رواتب الحاخامات أول الشهر وأول العام. ويُنَص في العقد على أن الأجر يُدفَع لهم عن الأعمال التي يقومون بها في كل أيام الأسبوع ما عدا السبت. ولكن الراتب في الواقع يُدفَع لهم نظير كل ما يقومون به من أعمال، وضمن ذلك يوم السبت. أما بالنسبة إلى العلماء التلموديين، فالمسألة أكثر صعوبة لأن التلمود يحظر تلقَّي أي أجر. ولذا، فإن رواتبهم هي نوع من التعويض عن التعطل (بالعبرية: «دمِّي بطالاه» أي «رسوم بطالة» أو «سخار بطالا» أي «راتب بطالة» ) . ومن أهم أشكال التحلة، تلك الخاصة بيوم السبت. فهناك «جوي شايات» ، وهو فرد من الأغيار يقوم بالأعمال المحرَّمة على اليهودي يوم السبت، مثل إيقاد النار. وهناك أشكال أخرى من التحلة دون اللجوء إلى الأغيار. فعلى سبيل المثال، يُحرَّم حلب الأبقار يوم السبت، فكان يُستعان بالعرب للقيام بذلك. ولكن بعد الاحتلال الصهيوني لفلسطين، حاول المستوطنون الالتزام بفكرة العمل العبري (أي استخدام عمال يهود وحسب واستبعاد العمال العرب) ، وكان لابد من التحايل على التحريم دون اللجوء إلى العرب، فأصدر بعض الحاخامات الصهاينة فتوى مفادها أن التحريم ينصرف إلى اللبن الأبيض ولكنه لا ينطبق على اللبن الأزرق. ومن ثم، كان اللبن يصبغ باللون الأزرق، ويُستخدَم في صنع الجبن، وأثناء ذلك تُزال الصبغة الزرقاء. وقد تم فيما بعد التوصل إلى تحلات أخرى أكثر حذقاً وصقلاً. فعلى سبيل المثال، يحل حلب البقرة يوم السبت إذا كان ذلك ضرورياً لإراحتها، شريطة أن يدع اليهودي اللبن يسقط على الأرض. فعملت الكيبوتسات الدينية على التحايل على هذا الوضع بأن يدخل أحد أعضاء الكيبوتسات إلى الحظيرة ويضع دلواً أسفل البقرة، ثم يدخل آخر بعده وهو يتعمد ألا يرى الدلو، ويقوم بحلب البقرة لإراحتها تاركاً اللبن يسقط على الأرض في الدلو الذي لم يشاهده! ومُحرَّم على اليهودي أخذ الربا من اليهودي. ولذا ظهر ما يُسمَّى «هيئر عسقاه» وهي عبارة تعني حرفياً «تحلة الصفقة» أي «تحلة التعامل المالي» . وهذه التحلة تأخذ الشكل التالي: أ) الخطوة الأولى: إذا أراد اليهودي أن يقرض يهودياً آخر بربا، فإن القرض سيُسمَّى استثماراً، وسوف يُقال إن طرفاً أول سيستثمر نقوده لدى طرف ثان، وعليه أن يتعهد بدفع نسبة مئوية تسمَّى أرباحاً (ولكنها في واقع الأمر فائدة) . ب) الخطوة الثانية: يقوم الطرف الأول (الدائن) بإعفاء الطرف الثاني (المقترض) من دفع الأرباح، إن خسرت العملية الاستثمارية. ولكن هذه الخطوة الثانية الضرورية لجعل العملية مباحة شرعاً لا يمكن اتخاذها إلا في حضور أحد الحاخامات وبشهادته. وحيث إن الدائن يخشى اتخاذ هذه الخطوة الثانية، فإن الحاخام عادةً ما يرفض تأدية هذه الشهادة بناء على ترتيب سابق. ومن ثم، تبقى عملية الإقراض بالربا قائمة. وتُكتَب تفاصيل هذه العملية بخطوتيها الأولى والثانية بالآرامية وتُعلَّق على حائط الغرفة التي يُتفَق فيها على عملية الإقراض. وتتبع البنوك الإسرائيلية الإجراء نفسه حتى الوقت الحاضر. أما تحلات السبت، فهي كثيرة، وخصوصاً بالنسبة للكيبوتسات. والتحلة تتمسك في جوهرها بحرفية القانون وتتناسى روحه، الأمر الذي يجعل الالتفاف حول الشريعة أمراً سهلاً. ويرى إسرائيل شاحاك أن الرؤية الحاخامية في تبنيها التحلة تشبه رؤية الرومان لجوبتر إذ كان بمقدورهم رشوته وخداعه، أي أن التحلة تعبير عن النزعة الحلولية داخل اليهودية. وهو يرى أن التحلة، والتراث القبَّالي، من أهم أسباب أزمة اليهودية الحاخامية وتآكلها في نهاية الأمر. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
المعبد اليهودي
Temple; Synagogue.... «المعبد» في اللغة العربية مكان العبادة (اسم المكان من الفعل «عبد» ) ، و «المعبد اليهودي» مكان لاجتماع اليهود للعبادة، يُقال له بالعبرية «بيت هكنيست» أي «بيت الاجتماع» ، ويُسمَّى أيضاً «بيت هاتيفلاه» ، أي «بيت الصلاة» أو «بيت هامدراش» ، أي «بيت الدراسة» . وتعكس الأسماء الثلاثة بعض الوظائف التي كان المعبد يؤديها. وكان المعبد يُسمَّى في ألمانيا «شوليه Schule» ، وباليديشية «شول Shul» . وفي الولايات المتحدة يُطلَق اسم «تمبل temple» على أيٍّ من المعابد اليهودية الإصلاحية أو المحافظة. أما الأرثوذكس فيسمون معبدهم «شول» ، وهي تسمية يديشية كما هو واضح. وقد كان يُطلَق على المعبد باليونانية اسم «سيناجوج» ، وكذلك «بروسيوكتريون» ، وتعني حرفياً «بيت الصلاة» . وفي الثقافة العربية، يُطلَق على المكان الذي تُقام فيه الصلوات اليهودية اسم «المعبد» أو «الهيكل» أو «الكنيس اليهودي» . ويعود تاريخ المعابد إلى فترة التهجير البابلي. ويبدو أن اليهود هناك كانوا يجتمعون للصلاة في أماكن خُصِّصت لذلك الغرض. وقد بدأت تظهر إشارات إلى المعابد اليهودية في الكتابات الدينية اليهودية بعد ذلك التاريخ. ومع هَدْم الهيكل، أصبح المعبد المركز القومي والاجتماعي ليهود فلسطين والجماعات اليهودية المنتشرة في العالم، والمكان الذي يتدراسون فيه تراثهم الديني. ولذا، فإن انتهاء اليهودية الصدوقية والعبادة القربانية المرتبطة بالهيكل لم يتسبب في انتهاء اليهودية ككل، وخصوصاً أن الفريسيين كانوا قد توصلوا إلى صياغة لليهودية تستند إلى التوراة، وتجعل المعبد اليهودي (وليس الهيكل) مركزها. ويحاول المعبد أن يكون صدى للهيكل. ومعظم المعابد اليهودية في الوقت الحاضر بُنيت متجهة للقدس. ويوجد حوض في الخارج يستطيع المصلون غسل أيديهم فيه قبل الصلاة، وشكل المعبد في الغالب مستطيل. وتوجد في مقدمة المعبد فجوة تغطيها ستارة (أصبحت دولاباً ثابتاً) هي تابوت لفائف الشريعة الذي تُحفَظ فيه اللفائف، وهي أكثر الأشياء قداسة في المعبد (وتقابل قدس الأقداس في الهيكل القديم) . وعادةً ما تُزَّين المعابد في العصر الحديث بنجمة داود ولوحي العهد. وقد كان قارئ التوراة يقف في مكان أكثر انخفاضاً (نسبياً) من أرض المعبد. وفي الوقت الحاضر، انعكس الوضع فصار القارئ يجلس على منصة عالية نسبياً تُسمَّى «بيماه» (أو «الميمار» ) . وتُقام في المعبد الصلوات اليومية، فبإمكان أي شخص، من الناحية النظرية، أن يؤم المصلين. غير أن من المعتاد أن يؤم المصلين أفراد تلقوا دراسة خاصة للقيام بهذه الوظيفة. وتُقرَأ التوراة في المعبد كل يوم سبت، وفي يومي الاثنين والخميس من كل أسبوع. وحتى القرن الخامس الميلادي كان الآرش سيناجوجوس يترأس المعبد اليهودي ويساعده الشيوخ (كبار السن) . وكان الحاخام يقوم بدور المرتل (حزان) ، وأحياناً كان يقوم بدور الشماس (شمَّاش) ، أي خادم الكنيسة، ولكنها وظائف أصبحت فيما بعد مستقلة. وكانت الجماعة ككل تمتلك المعبد. وفي حالات أخرى، كان يمتلكه الفرد الذي قام ببنائه. وقد صار المعبد مركز الحياة اليهودية في العصور الوسطى في الغرب (بعد تحوُّل معظم الجماعات اليهودية إلى جماعات وظيفية) . وفي معظم الأحيان، يعكس المعبد البنية الاجتماعية والحضارية للمجتمعات التي يعيش في كنفها أعضاء الجماعات اليهودية كما يعكس طبيعة الوظيفة التي يضطلعون بها. وكثيراً ما كان يتم تزويد المعبد بفناء صغير ومحكمة وبل وبسوق في بعض الأحيان. وبعد نشأة نظام الأرندا في أوكرانيا، أصدرت الحكومة البولندية أمراً بأن تُبنَى المعابد اليهودية هناك على هيئة حصون، فكانت تُفتَح كوّات في الحوائط لتخرج منها فوهات البنادق، كما كانت تُنصَب عليها المدافع حتى يَسهُل الدفاع عنها ضد المهاجمين من الفلاحين والقوزاق. أما في أمستردام، فقد بنى اليهود (في القرن السابع عشر) معبدين كبيرين يدلان على ثراء الجماعة اليهودية وثقتها بنفسها. وكانت المعابد اليهودية في أورربا تعبِّر عن بنية المجتمعات الأوربية بعد عصر النهضة، وهي مجتمعات كانت تتسم بالتفرقة الصارمة بين الطبقات وتزايد نفوذ وقوة طبقة التجار الأثرياء ومشاركتهم الحاخامات في السلطة والقيادة. فكان أعضاء الجماعات اليهودية يجلسون في المعبد، كلٌّ على حسب موقعه أو انتمائه الاجتماعي أو الطبقي، فيجلس الحاخامات والفقهاء وأصحاب المكانة العالية في المقدمة، ويجلس وراءهم أثرياء التجار ثم اليهود العاديون. وكانت المكانة تُقاس بمقدار القرب أو البُعد عن الحائط الشرقي في المعبد، فكان أعلى الناس مكانة يجلسون بالقرب منه، أما الحائط الغربي فكان يجلس إلى جواره الشحاذون والمعوزون. وكانت المعابد مكاناً يتبادل فيه أعضاء الجماعات اليهودية المعلومات التجارية ويتشاجرون بالأيدي ويتناقشون بصوت عال. وكان الفوز بمقعد في المعبد يعد أمراً مهماً بالنسبة إلى أعضاء الجماعة، فكان اليهودي إما أن يشتريه مدى الحياة، أو يستأجره. ولا تزال عادة شراء المقاعد للصلاة في المعبد قائمة في المعابد الأرثوذكسية، وإن كانت هناك مقاعد بالمجان لمن يثبت عجزه المالي شريطة أن يواظب على حضور الصلوات. ولا يوجد طراز معماري خاص بالمعبد يمكن أن نسميه «الطراز اليهودي» . فالطراز المعماري للمعبد اليهودي يختلف باختلاف الحضارة الأم التي ينتمي إليها اليهود. وقد تأثرت المعابد اليهودية بالطراز الهيليني إبان المرحلة الهيلينية، فمعبد ديورا يوروبوس مزين بكثير من لوحات الفسيفساء المحلاة بصور أشخاص ومناظر من العهد القديم على الطراز الهيليني، بحيث يوجد تَناظُر بين شخصيات العهد القديم والشخصيات الأسطورية الهيلينية. كما كانت توجد رسوم للأفلاك والأرواح والرسوم النباتية. وقد انتكست حركة بناء المعابد اليهودية بعد أن قامت الإمبراطورية الرومانية بتبنِّي المسيحية ديناً. ولكن أعضاء الجماعات اليهودية عاودوا البناء بعد حركة الفتوح الإسلامية، فبُنيَت بعض المعابد المهمة على الطراز الأندلسي في الأندلس (أثناء حكم العرب في شبه جزيرة أيبريا) وبُنيت أيضاً المعابد المهمة في أوربا وتأثرت بالطرازين القوطي والباروك، ولقد كان معبد كراكوف في بولندا أكبر معابد أوربا (في القرنين 13 و14) . والطراز المعماري للمعابد اليهودية ينحو منحى حديثاً سواء في الشرق أم الغرب. ويظهر أثر يهود الخزر في المعابد الخشبية التي أقيمت في الشتتلات اليهودية في بولندا، فقد أقيمت وفق طراز الباجودان (الباجودا) الذي يعود تاريخه إلى القرنين الخامس عشر والسادس عشر، وهو طراز مختلف تماماً عن كل من طراز العمارة المحلية، وطراز البناء المستعمل لدى اليهود الغربيين والمتكرر بعد ذلك في جيتوات بولندا. كما تختلف الزخارف الداخلية لأقدم معابد الشتتل اختلافاً تاماً عن نمطها في الجيتو الغربي، فقد كانت جدران معبد الشتتل تُغطَّى بالزخارف العربية الإسلامية، وتُصوَّر عليها الحيوانات التي تبيِّن التأثير الفارسي الموجود في المشغولات الفنية للخزر المجريين. كما كان تقسيم المعبد وشكله من الداخل يختلفان باختلاف المذهب الديني. فالمعابد اليهودية الحسيدية متناهية البساطة لأن حياة الشخص نفسه تُعدُّ ضرباً من العبادة، والمعبد الحسيدي مكان للتجمع وحسب، وتُسمَّى المعابد الحسيدية «شتيبليخ» ، وهي كلمة يديشية تعني «الغرفة الصغيرة» . وفي المعابد اليهودية الأرثوذكسية، يُفصَل الرجال عن النساء في الصلاة على خلاف المعابد الإصلاحية والمحافظة. وقد سَمَّى القرّاءون المعبد «بيت هشتحفوت» أي «موضع السجود» أو «مسجد» . وقد أدخل الإصلاحيون عنصر الموسيقى وتبعهم في ذلك المحافظون وبعض الأرثوذكس. وباستثناء الفلاشاه والسامريين، لا يخلع اليهود نعالهم في المعبد اليهودي أو أثناء أداء الصلاة. ولم يكن السفارد يسمحون للإشكناز بالصلاة في معابدهم، وحينما سُمح لهم، فإنهم كانوا يصلون وراء حاجز خشبي (محيتساه) يفصلهم عن السفارد، ولا تزال هذه العادة معمولاً بها بين يهود الهند. وقد حاول دعاة التنوير بين اليهود إدخال شيء من النظام والوقار على المعبد اليهودي والصلاة اليهودية. وقد ظهر هذا في معمار المعابد الإصلاحية، فهي عبارة عن بناء فخم يشبه الكنائس أو الكاتدرائيات، لا تُمارَس فيه إلا الصلوات والعبادات، وهو يُسمَّى «تمبل temple» (وليس «سيناجوج» ) وهو المصطلح القديم الذي كان يُستخدَم للإشارة إلى هيكل سليمان تعبيراً عن تَقبُّل اليهود لشتاتهم أو انتشارهم في العالم كحالة نهائية. وفي بداية القرن الحالي، حاولت المعابد الفصل بين النشاط الديني والأنشطة الاجتماعية والدراسية بحيث يكون المعبد مقصوراً على العبادة، على أن تُمارَس الأنشطة الأخرى خارجه. وهذا تطبيق عملي للشعار الإصلاحي الاندماجي: يهودي في المنزل أو المعبد أو الحياة الخاصة، مواطن في الشارع، أي في المجتمع ككل أو في الحياة العامة. وقد حذت المعابد الأرثوذكسية، في هذا المضمار، حذو المعابد الإصلاحية والمحافظة. ولكن، يُلاحَظ أن هذا الوضع بدأ يتغيَّر، حيث أصبحت المعابد تضم نوادي اجتماعية ومكتبات تضطلع بوظائف جديدة لم تعهدها المعابد اليهودية من قبل؛ مثل تنظيم الرحلات وبناء الصالات الرياضية المغلقة وحمامات السباحة والمسارح وغيرها وكل هذا يُوسِّع ولا شك رقعة النشاط الإثني للمعابد. وتشجع الحركة الصهيونية إنشاء مثل هذه المعابد في الوقت الذي يزداد فيه أعضاء الجماعات اليهودية علمنة وابتعاداً عن الدين، لأنها تصبح مراكز لتقوية الوعي القومي على حساب الإيمان الديني، كما أن الحاخام تَحوَّل إلى متحدث باسم الحكومة الإسرائيلية والحركة الصهيونية. وكثيراً ما يُوضَع علم إسرائيل داخل المعبد. وربما يكون هذا تنفيذاً لرؤية كابلان (زعيم اليهودية التجديدية) الذي طالب بإنشاء حياة يهودية عضوية تدور حول المعبد وتعبِّر عن نفسها من خلال النشاط الصهيوني والنشاط التربوي، على أن يقود الجماعة اليهودية ممثلون مُنتخَبون لا حاخامات مدربون، الأمر الذي يعني صهينة أو علمنة حياة اليهودية بشكل تام. ومع هذا، يُلاحَظ أن الدولة الصهيونية، بامتصاصها أموال المعونات اليهودية أو الجزء الأكبر منها، تضطر بعض المعابد إلى إغلاق أبوابها في نيويورك وفي غيرها من المدن الأمريكية، وإن كان السبب الأساسي في هذا هو تزايد معدلات العلمنة. كما أن حركة أعضاء الجماعة اليهودية داخل الولايات المتحدة (من الساحل الشرقي وشيكاغو إلى ولايات فلوريدا وكاليفورنيا وغيرهما) تؤدي إلى إغلاق المعابد. ومع هذا، لا يمكن اعتبار عدد المعابد مؤشراً على معدلات التدين. فأحياناً يزداد عدد المعابد لا بسبب تزايد تَمسُّك أعضاء الجماعة اليهودية بعقيدتهم، وإنما بسبب انقسامهم إلى جماعات إثنية متناحرة يرفض أعضاؤها أن يقيموا الصلاة إلى جوار بعضهم بعضاً. وبناء المعبد في مثل هذه الحالة، ليس تعبيراً عن التقوى وإنما هو تعبير عن الرغبة في الاحتفاظ بالهوية الإثنية. وتوجد في الحاضر معابد للشواذ جنسياً ومعابد أخرى مقصورة على النساء (تحت ضغط حركة التمركز حول الأنثى) ، كما أن هناك معابد من كل لون وشكل. وقد أسس القوادون والبغايا في الأرجنتين معابد يهودية بعد أن طردتهم القيادة الدينية من حظيرة الدين (حيريم) ! وتوجد في إسرائيل معابد يهودية من كل طراز، فكل جماعة يهودية هاجرت إليها أخذت معها تراثها الديني والحضاري الذي انعكس على طراز المعبد وعلى طريقة الصلاة. وقد سبَّب هذا التعدد والتنوع مشكلة للجيش الإسرائيلي، فتوفير المعبد وأسلوب الصلاة الخاصين بكل جندي أمر عسير للغاية بل مستحيل، وخصوصاً أن الجيش هو بوتقة الصهر الحضاري والأساسي فيها. ولتَخطِّى هذه الصعوبة، حاول الجيش أن يُطوِّر طرازاً موحداً للمعابد، وأسلوباً موحَّداً للصلاة، أي أن الجيش الإسرائيلي (خير مفسر للتوراة على حد تعبير بن جوريون) ساهم في توحيد المعابد والصلوات بالنسبة إلى الجيل الجديد. ويبلغ عدد المعابد في إسرائيل في الوقت الحاضر نحو ستة آلاف معبد، تمولها جميعاً وزارة الشئون الدينية. ومعظم المعابد أرثوذكسية، وإن كانت هناك معابد قليلة تتبع المذهبين الإصلاحي والمحافظ. ويُلاحَظ أن المعابد فقدت كثيراً من وظائفها التقليدية نظراً لأن الدولة تضطلع بها من خلال دار الحاخامية وأجهزتها المختلفة. كما أن العلمنة المتزايدة للحياة في إسرائيل أنقصت عدد رواد المعابد بشكل ملحوظ. وأثناء الصراع الناشب بين الدينيين والعلمانيين في إسرائيل، قام اللادينيون بحرق معبد يهودي، الأمر الذي كان له صدى سلبي بين يهود العالم لأن الهجوم على المعابد اليهودية وحرقها مرتبط في وجدان أعضاء الجماعات اليهودية بالنازيين والمعادين لليهود. كما أن أحدهم وضع رأس خنزير داخل المعبد. لوحا الشريعة (لوحا العهد - لوحا الشهادة) Tablets of the Law «لوحا الشريعة» ترجمة للعبارة العبرية «لوحوت هاعيدوت» أو «لوحوت هابريت» . والمعنى الحرفي للعبارتين هو «لوحا العهد» أو «لوحا الشهادة» . ولوحا الشريعة عبارة عن لوحين من الحجر، نُقشَت عليهما الوصايا العشر (خروج 31/18، 32/15 ـ 16) . وبحسب الرواية التوراتية، تسلَّم موسى اللوحين علامةً على العهد بين الإله وبين جماعة يسرائيل، وقد خُطَّت عليهما الوصايا العشر بإصبع الخالق. ولكن موسى، لدى سماعه بارتداد الشعب وعبادته العجل الذهبي، حطمهما. وغفر الإله للشعب المختار وطلب إلى موسى أن يحضر بديلاً لهما. وفيما بعد، وضع اللوحان، في تابوت العهد، ولا يُعرَف ماذا حدث لهما. ويُقال إن لوحي الشريعة كانا في الأصل حجرين مقدَّسين عند قبيلة إفرايم حَلَّ فيهما الإله. ثم تحولا، مع تطوُّر الديانة اليهودية، إلى لوحي الشريعة. وقد اكتسب اللوحان مضموناً رمزياً حلولياً في التلمود، إذ أصبحا يرمزان لا إلى الشريعة المكتوبة بأسرها وحسب وإنما إلى الشريعة الشفوية والأوامر والنواهي أيضاً. ومنذ العصور الوسطى في الغرب، استُخدم اللوحان زخرفاً يهودياً في المعابد اليهودية وغيرها من الأماكن، وخصوصاً تابوت لفائف الشريعة. وفي القرن التاسع عشر الميلادي، كان اللوحان يُحفَران على واجهة المعابد باعتبار أنهما رمز أكثر عالمية من شمعدان المينوراه. ويأخذ اللوحان في الزخارف شكل قطعتي حجر مستطيلتين قمتهما مستديرة، ويُكتَب عادةً عليهما الحروف العشرة الأولى من الأبجدية العبرية، أو أول كلمة من كل وصية من الوصايا العشر. تابوت لفائف الشريعة Ark of the Scrolls «تابوت لفائف الشريعة» من العبارة العبرية «آرون هاقودش» عند الإشكناز، ويقابلها عند السفارد مصطلح «هيكل» . والاختلاف بين التسميتين يعكس اختلافاً في تاريخ التابوت عند الجماعتين، فقد كان التابوت جزءاً عضوياً ثابتاً من المعبد عند السفارد، أما عند الإشكناز فكان جزءاً تكميلياً متنقلاً. وكانت كلمة «تابوت» تُستخدَم للإشارة إلى تابوت العهد الذي يضم لوحي الشريعة والذي كان يُودَع داخل خيمة الاجتماع ثم في الهيكل، وقد كانت تَحلّ فيه روح يهوه وتسكن بين الشعب. ولكنها تشير الآن إلى الصندوق الخشبي الذي تُحفَظ فيه لفائف الشريعة (أسفار موسى الخمسة) في المعبد اليهودي. وهو لا يُفتَح إلا في المناسبات العامة. ويعتبر التابوت أقدس الأشياء في المعبد اليهودي بعد اللفائف نفسها، وعلى المصلين أن يقفوا احتراماً عند فتحه. ويَعُده البعض المعادل المعاصر لقدس الأقداس، تماماً كما أن اللفائف هي المعادل المعاصر للوحي الشريعة. ويُثبَّت التابوت في الحائط الشرقي المتجه إلى القدس. والملاحَظ أنه، بمرور الزمن، تحوَّل الصندوق إلى ما يشبه الدولاب الثابت، يُوضَع على مكان عالٍ ويُحلَّى بتاج (تاج الشريعة) ، ويُكتب عليه نص توراتي مناسب. وقد أصبح من المعتاد في البلاد الغربية أن يُثبَّت على التابوت ألواح كُتبت عليها نسخة مختصرة من الوصايا العشر. وكثيراً ما يُغطَّى هذا الجزء من المعبد بستارة (باروكيت) وُشِّيت ببعض الرموز الدينية، ويُشعَل أمامه (أو بالقرب منه) ما يُسمَّى «المصباح الأزلي» (نير تاميد) . لفائف الشريعة Torah Scrolls «لفائف الشريعة» هو المقابل العربي للمصطلح العبري «مجيلوت توراه» الذي يشير إلى مخطوط أسفار موسى الخمسة الذي يُقرَأ في المعبد اليهودي، وهذا المخطوط لابد أن يقوم بكتابته كاتب خاص (سوفير) ، حسب قوانين وقواعد محددة، على قطع من الرق تتم خياطتها الواحدة في الأخرى لتصبح القطع الصغيرة شريطاً طويلاً، ويُثبَّت طرفا الشريط على عمودين من الخشب. وتُحفَظ لفائف التوراة في تابوت لفائف الشريعة ولا تُخرَج إلا في الصلاة أو في المناسبات المهمة. ويقوم أحد المسئولين في المعبد بحملها، والمرور بها بين المصلين (قبل الصلاة عند السفارد وبعدها عند الإشكناز) . وقد أحيطت اللفائف بكثير من التقديس، فهي المعادل الموضوعي الحديث ليهوه الذي يسكن بين الشعب، إذ لابد أن تُلَف برباط خاص ذهبي أو فضي يُسمَّى «تاج التوراة» . ويُستخدَم قضيب مصنوع من معدن ثمين على شكل يد للإشارة إلى الأسطر أثناء القراءة. وتوضع اللفائف في صندوق معدني أو خشبي ثمين للغاية. وعندما تَبْلى لفائف التوراة من كثرة الاستخدام، فإنها تُدفَن في مراسم دينية خاصة. وقد ازدهرت في إسرائيل صناعة كتابة اللفائف. ويبدو أنهم أحيوا التقاليد الخاصة بتابوت العهد الذي كان يضع فيه العبرانيون القدامى لوحي الشريعة أو العهد. بعد إعطائها مضموناً عسكرياً، إذ تُمرَّر لفائف الشريعة بين صفين من المقاتلين الشاهرين أسلحتهم في الحفلات التي تقيمها الفرق العسكرية الإسرائيلية. ولا تزال بعض القوات الإسرائيلية المحاربة تحمل معها لفائف الشريعة في صندوق كُتب عليه: «انهض أيها الإله ودع أعداءك يتشتتون واجعل من يكرهك يهرب من أمامك» . وقد أسرت القوات المصرية في حرب أكتوبر 1973 بعض القوات الإسرائيلية التي كانت تحمل لفائف الشريعة الخاصة بها. اللفائف الخمس (مجيلوت) Five Scrolls; Megillot «اللفائف الخمس» هي الترجمة العربية للكلمة العبرية «مجيلوت» ومفردها «مجيلاه» . وكانت كلمة «مجيلاه» تشير في البداية إلى أي كتاب مكتوب على لفائف من جلد الحيوان، ثم تم التمييز بين السفر (الكبير) والمجيلاه (الصغيرة) . وأصبحت كلمة اللفائف الخمس (مجيلوت) اسماً يشمل خمسة نصوص توراتية تُقرَأ في مناسبات خاصة من اللفائف، ويُحتفَظ بها داخل المعبد. وهذه النصوص هي: 1 ـ نشيد الأنشاد، ويُقرَأ يوم السبت وفي عيد الفصح. 2 ـ كتاب راعوث (روث) ، ويُقرأ في عيد الأسابيع. 3 ـ كتاب المراثي، ويُقرَأ في التاسع من آب. 4 ـ كتاب الأمثال، ويُقرَأ في عيد المظال، ولا يقرؤه السفارد. 5 ـ كتاب إستير، ويُقرَأ في عيد النصيب. واللفائف الخمس عبارة عن خمسة أسفار من كتب الحكم والأناشيد في العهد القديم. ومن الناحية الفعلية، لا يُقرَأ من اللفائف (في معظم المعابد اليهودية) سوى سفر إستير. وحينما تُذكَر كلمة «مجيلاه» وحدها دون إضافة، يكون المقصود عادةً كتاب إستير. لفيفة سفر إستير (مجيلاه) Megillah «مجيلاه» كلمة عبرية تعني اللفافة التي يُكتَب عليها. وحين تُذكَر الكلمة في صيغة المفرد، فإنها عادةً ما تشير إلى سفر إستير. ولكنها، حينما تُذكَر في صيغة الجمع، تشير إلى اللفائف الخمس. المجيلوت Megillot «مجيلوت» هي صيغة الجمع لكلمة «مجيلاه» وتعني اللفافة التي يُكتَب عليها، و «مجيلوت» هي اللفائف الخمس. شمعدان المينوراه Menorah «مينوراه» كلمة عبرية تعني «الشمعدان» ، وهي من كلمة «نير» العبرية، ومعناها «نور» ، ونحن نستخدم عبارة «شمعدان المينوراه» للإشارة لهذا الشمعدان الذي يوجد في كثير من المعابد اليهودية ومنازل أعضاء الجماعات اليهودية. وهو يعود إلى الشمعدان الذهبي ذي الفروع السبعة الذي كان يُوضع داخل خيمة الاجتماع. وقد كان في هيكل سليمان عشرة شمعدانات ذهبية صنعها له حيرام ملك صور، فضلاً عن شمعدانات فضية أخرى. وقد حمل فسبسيان شمعدان المينوراه الموجود في الهيكل الثاني (وهو الذي يظهر على قوس تيتوس) . وشكل الشمعدان، حسب الرواية التوراتية، قد أوحى الإله به لصانعه على هيئة شجرة أفرعها على هيئة زهرة اللوز. وفي سفر زكريا (4/11 ـ 13) تفسير لشعلاته السبع بأنها: «أعين الإله الجائلة في الأرض كلها» . ويُفسَّر الشمعدان أحياناً بأنه يرمز أيضاً إلى أيام الخلق الستة مضافاً إليها يوم السبت، ويفسر يوسيفوس شعلاته السبع بأنها ترمز إلى الكواكب السبعة. وهناك تفسير آخر يرى أن أفرعه رمز للآباء. ويرى بعض العلماء اليهود أن وصف شمعدان المينوراه، الذي ورد في سفر الخروج (25، 37) ، ليس وصفاً لما كان موجوداً في الهيكل الأول، وإنما هو وصف لشمعدان تيتوس. وفي الاحتفالات بعيد التدشين (حانوخاه) ، يُستخدَم شمعدان له ثمانية أفرع (تُدعَى «حانوخياه» ، ونسميه «شمعدان التدشين» ) بعدد أيام الاحتفال حيث يُشعَل فتيل أو فرع منه مساء كل يوم من شعلة مستمرة يحملها فرع تاسع يبرز على حدة بعيداً عن الأفرع الثمانية، ويُسمَّى «شمَّاس» (أي الخادم) . ويُذكِّر شمعدان عيد التدشين اليهود بثورة الحشمونيين الذين وضعوا رماحهم على هيئة فروع شمعدان المينوراه للإبقاء على الرمز الديني بعد دخولهم الهيكل. وتتخذ القبَّالاه الحلولية شمعدان المينوراه رمزاً تنطلق منه إلى بنَى صوفية معقدة (فالزيت هو التوراة والضوء هو الشخيناه والفتيلة هي جماعة يسرائيل) . كما أن بعض القبَّاليين يرون أن شمعدان المينوراه رمز التجليات النورانية العشرة (سفيروت) التي ورد ذكرها في الزوهار، بحيث يصبح كل فرع من فروع الشمعدان مقابلاً لأحد التجليات، ويصبح زيت الشمعدان المقابل الرمزي لرحمة الإله التي تفيض على جماعة يسرائيل وعلى الشخيناه من عل. وتتخذ دولة إسرائيل شمعدان المينوراه ذا الأفرع السبعة شعاراً رسمياً لها. الفاصل (محيتساه) Partition; Mehitzah «الفاصل» ترجمة لكلمة «محيتساه» العبرية التي تشير إلى الحاجز الذي يفصل بين الجزء المخصَّص للرجال في المعبد اليهودي وذلك المخصَّص للنساء (والذي يوجد عادةً في أعلى المعبد) ، تماماً مثلما كان يتم الفصل بين رواق الرجال ورواق النساء في الهيكل. وكان هناك مثل هذا الفاصل في معظم المعابد اليهودية في الغرب حتى عصر التنوير، حينما ألغته اليهودية الإصلاحية وتبعتها اليهودية المحافظة، بينما أصرت اليهودية الأرثوذكسية على الاحتفاظ به حيث يذهب الأرثوذكس إلى أن المعبد اليهودي الذي لا يحتوي على فاصل لا تجوز الصلاة فيه. ويستخدم بعض اليهود الأرثوذكس ستارة للفصل بين الجنسين أثناء صلاتهم أمام حائط المبكى. وقد كان هذا مثار نزاع بين اليهود والعرب، إذ أن العرب كانوا يخشون أن تكون هذه ذريعة يستخدمها الصهاينة لفرض المزيد من الهيمنة على الأماكن المقدَّسة. وفي الآونة الأخيرة، يقوم دعاة حركة التمركز حول الأنثى بنزع مثل هذه الستارة باعتبارها تمييزاً ضد المرأة. وكان الفاصل يُستخدَم أحياناً للفصل بين السفارد والإشكناز في بعض كنائس أوربا حينما كان السفارد يشكلون الأرستقراطية المالية التي ترفض الاختلاط بالإشكناز، كما استُخدمت في الهند للفصل بين أعضاء الجماعات اليهودية المختلفة التي تشكل طوائف مغلقة تنفصل الواحدة منها عن الأخرى، كما هو الحال في كثير من أنحاء الهند. الخزانة (جنيزاه) Genizah «جنيزاه» كلمة عبرية مشتقة من الفعل الثلاثي العبري «جنز» أي «كنز» ، وهي تعني «مخبأ» . وتُستخدَم الكلمة للإشارة إلى المخبأ الملحق بالمعبد اليهودي الذي تُحفَظ فيه الكتب المقدَّسة البالية من كثرة الاستعمال، وكذا الأدوات الشعائرية. كما تُحفَظ فيه أيضاً الكتب التي تحتوي على هرطقة وتجديف، فهي لا يمكن إحراقها لاحتوائها على اسم الإله. وتُخزَّن هذه الكتب والأشياء المقدَّسة إلى أن يتقرر دفنها في يوم محدَّد كل عدة سنوات تبلغ ست سنوات غالباً. ويقوم اليهود الأرثوذكس في العصر الحديث بدفن مثل هذه الوثائق. ويتم دفن المخطوطات في احتفال جنائزي، بعد أن تُلف بالكتان كالمومياوات وتوضع في جرَار ذات أغطية محكمة لحمايتها من الرطوبة بقصد صيانتها (وكان دفن الكتابات المقدَّسة على هذه الصورة مألوفاً في مصر القديمة) . وقد عُثر على مجموعات كبيرة من هذه الجرار في الكهوف المختلفة حول البحر الميت، من أهمها كهف قمران، ولكن لا يمكن إطلاق مصطلح «جنيزاه» على هذه الكهوف. وتُعَدُّ جنيزاه المعبد اليهودي في الفسطاط بالقاهرة (معبد ابن عزرا) أهم الجنيزاوات (المخابئ) على الإطلاق. وقد اكتشف فيها الحاخام سولومون شختر آلاف الصفحات والأوراق التي استولى عليها وأرسلها إلى مكتبة جامعة كمبردج. وتعود أهمية هذه الخزانات إلى أنها تزودنا بصورة واضحة وبمعلومات مهمة عن الجماعات اليهودية في مصر طوال الفترات الفاطمية والأيوبية والمملوكية. المنصة (بيماه) Bimah «بيماه» كلمة عبرية تعني «مكاناً مرتفعاً» وهو منصة عالية في المعبد اليهودي توضع عليها طاولة للقراءة وتُقرَأ منها التوراة كما يُنفَخ عليها في البوق (شوفار) . ويُلقي الحاخام أحياناً مواعظه من المنصة، كما يقوم المرتل (حزان) في المعابد السفاردية بقيادة الشعائر من فوقها. وتُسمَّى المنصة في المعابد الإشكنازية «الممار» (من العربية «المنبر» ) ، أما في المعابد السفاردية فتُسمَّى «تيفاه» (أي «صندوق» بالعبرية) . ويعود استخدام المنصة كمنبر لتلاوة التوراة إلى أيام نحميا. وتوجد المنصة في المعابد الإشكنازية في الوسط تفصلها بعض الكراسي عن تابوت لفائف الشريعة. أما في المعابد السفاردية والشرقية، فتقع في الوسط في مواجهة التابوت لا يفصل بينهما شيء. وفي المعابد اليهودية الإصلاحية والمحافظة تُدمَج المنصة مع التابوت. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
الحاخام (بمعنى «القائد الديني للجماعة اليهودية) »
Hakham - as a Religious Leader of the Jewish Community «حاخام» كلمة عبرية معناها «الرجل الحكيم أو العاقل» . وكان هذا المُصطلَح يُطلَق على جماعة المعلمين الفريسيين «حاخاميم» ، ومنها أُخذت كلمة «حاخام» لتدل على المفرد. ونستخدم في هذه الموسوعة كلمة «حاخام» للإشارة إلى الفقهاء اليهود الذين فسَّروا كتب المدراش وغيرها من الكتب وجُمعت تفسيراتهم في التلمود «التوراة الشفوية» وجعلوها الأساس الذي تستند إليه اليهودية والمحور الذي تدور حوله. ومن هنا تكون «اليهودية الحاخامية» أو «التلمودية» مقابل «اليهودية التوراتية» ، وهو اصطلاح لم يستخدمه أحد وإن كان مُتضمَّناً في كتابات القرّائين. ولكن المعنى الأكثر شيوعاً هو استخدام كلمة «حاخام» للإشارة إلى القائد الديني للجماعة اليهودية الذي كان يقوم بوظيفتين: أولاهما تفسير التوراة وتطوير الشريعة الشفوية، فقد كان فقيهاً ومفتياً، تماماً مثل الحاخامات، أي الفقهاء اليهود القدامى، ولكنه أصبح، إلى جانب ذلك، القائد الديني للجماعة اليهودية مهمته الإشراف على الصلوات في المعبد اليهودي، فكان يلعب دور المرتل (حزان) . كما كان يقوم بشرح التوراة في كل من المعبد والبيت همدراش (المدرسة الملحقة بالمعبد) ، وإصدار الفتاوى، والإشراف على التعليم الديني، ومراقبة تنفيذ الأوامر والنواهي (قوانين الطعام وإقامة شعائر السبت وغير ذلك) . وكان يحضر حفلات الختان، كما كان يقوم بكتابة عقود الزواج ودفن الموتى إلى جانب القيام بدور الخاطبة أحياناً..... ومع أن الحاخام لا يلعب دور الكاهن التقليدي، نظراً لأنه لا يقوم بدور الوساطة بين الإله والإنسان، فإنه كان يشغل مركزاً قيادياً في الجماعة. والواقع أن الديانة اليهودية، بتشابك شعائرها وتدخُّلها في صميم الحياة اليومية اليهودية، كما هو الحال في قوانين الطعام، كانت تثير كثيراً من المشاكل لليهودي فيضطر إلى اللجوء للحاخام بشكل متكرر. ومما ساعد على تَداخُل الحياة الدينية واليومية أن كثيراً من الحاخامات كانوا يعملون في مهن مختلفة مثل الاشتغال بالأعمال المالية المصرفية والتجارية. فسامسون فرتايمر كان من أهم المصرفيين في النمسا والمجر، ثم عُيِّن في منصب الحاخام الأكبر للمجر بعد ذلك. كما أن المفهوم الحلولي للشريعة الشفوية، الذي تنفرد به الديانة اليهودية بين الديانات التوحيدية الأخرى، دعَّم مركز الحاخامات وخلع عليهم ضرباً من القداسة لأنهم مبشرو هذه الشريعة وحملة رايتها. كما أن البنية الحلولية في اليهودية التي جعلت الشعب أهم من الإله والشريعة الشفوية أهم من الشريعة المكتوبة، أضفت أهمية قصوى على مركز الحاخام، إذ أصبح أهم من التوراة نفسها (ما دام قادراً على تغييرها) . ومن ناحية أخرى، فإن تحوُّل الجماعات اليهودية في الغرب إلى جماعات وظيفية وسيطة، أدَّى إلى تزايد نفوذ الحاخامات. فالطبقة الحاكمة عادةً ما تُقوِّي نفوذ قيادات الجماعة الوظيفية حتى يَسهُل استخدامها وتوظيفها لأداء مهامها. ومن ثم، كان الحاخامات يُعفَون من الضرائب، كما كانوا يلعبون دوراً أساسياً في تقديرها وجمعها. ولم يكن يباح للحاخام أن يتقاضى راتباً نظير ما كان يقوم به، فلجأ الفقه اليهودي إلى «التحلة» وإلى ما أسمَوه «سيخَار بطَّالاه» ، أي «بدل بطالة» أو «ديمِّي بطَّالاه» أي «رسوم بطَّالة» ، وهو تعويض عن الوقت الذي يقضيه الحاخام في عمله الديني والإداري. وفي العصر الحديث، يُعطَى الحاخام مكافأة سنوية أو شهرية عن أعماله، ولكن يُنَص في العقد على أنه يتقاضى الأجر عن الأعمال التي يؤديها خلال الأسبوع، وهي أعمال غير دينية، ولا يتقاضى أجراً عن يوم السبت، أي اليوم الذي يلقي فيه الموعظة. وكان تنظيم الحاخامات في أي بلد يتبع الشكل السياسي السائد فيه. فإذا كان البلد مقسَّماً إلى إمارات صغيرة يكون لكل إمارة حاخامها، أما إذا كانت السلطة مركزية فإنه كان يُعيَّن حاخام أكبر مثل الحاخام باشي في الدولة العثمانية، أو الآرش سيناجوجوس في بعض البلاد الأوربية في العصور الوسطى. وكان يوجد في إسبانيا، بعد توحيد شبه جزيرة أيبريا، منصب راب دي لاكورتي، أي حاخام البلاط، كما يوجد في بريطانيا الآن حاخام أكبر بينما لا يوجد مثل هذا المنصب في الولايات المتحدة بسبب طبيعة التنظيم المركزي في بريطانيا على عكس التنظيم الفيدرالي في الولايات المتحدة. وقد حدثت تحولات عميقة في تعليم الحاخامات وسلطتهم في الغرب، إذ بدأت أهمية الحاخامات كقيادات في التراجع خلال القرن السادس عشر. ومع ظهور الممولين اليهود كنخبة قائدة تزايدت ثروتهم ونفوذهم، الأمر الذي أدَّى إلى تناقص نفوذ الحاخامات، كما حدث في فترة يهود البلاط حين كان يهودي البلاط القائد الفعلي. ولما ظهرت الحسيدية حل التساديك الحسيدي محل الحاخام (وكان الحسيديون ينادون على قائدهم بلفظ «ربي» ) . كما طرح دعاة حركة التنوير أنفسهم في عصر الانعتاق والإعتاق باعتبارهم القيادة الحقيقية، ثم جاءت الدولة القومية المركزية فقلصت نفوذ أية قيادة يهودية، إذ اضطلعت هي بكل وظائفهم تقريباً ولم يبق سوى الوظائف ذات الطابع الديني المحض. وحتى هذا وُضع تحت الرقابة الشديدة حتى تضمن الدولة أن يتجه ولاء اليهود نحوها. وفي فرنسا، كان يُعطَى للحاخامات أحياناً مضمون المواعظ التي يلقونها، ويُطلَب إليهم أن يعلموا أعضاء الجماعة اليهودية الولاء الكامل للدولة. كما تحوَّل الحاخامات في بعض البلاد إلى موظفين تابعين للحكومة يتلقون رواتبهم منها. وكان الحاخامات يتلقون في الماضي تعليماً دينياً صرفاً تلمودياً ثم قبَّالياً في معظمه، وكانوا يشكلون الأرستقراطية الثقافية في الجيتو. ولكن مع عصر الإعتاق، أصرت الحكومات الغربية على أن يتلقى الحاخامات تعليماً علمانياً إلى جانب التعليم الديني، حتى يتسنى إصلاح اليهود واليهودية. ومع أوائل القرن التاسع عشر، ظهر جيل جديد من الحاخامات تعرَّفوا الثقافة الدنيوية، وكان هذا أمراً جديداً تماماً على اليهودية في الغرب. وقد قام هؤلاء بمحاولة إصلاح اليهودية من الداخل، وهم الذين قادوا كل الحركات الإصلاحية وأسسوا حركات فكرية مثل علم اليهودية. وقد ظهر في روسيا ما يُسمَّى «حاخامات التاج» من خريجي المدارس الدينية التي أسستها الحكومة. ولم يكن هؤلاء الحاخامات يتمسكون بشعائر الدين، بل ساهموا بشكل فعال في تحديث اليهودية وتفكيكها من الداخل، وكان بعضهم عملاء للحكومة. ويوجد الآن حاخامات لم يتلقوا تعليماً دينياً يؤهلهم لإصدار الفتاوى الدينية أو القيام بالمهام الدينية الأخرى مثل عقد الزواج، ولذا فهم ليسوا قضاة شرعيين (ديَّانيم: جمع «ديَّان» ) . وتوجد مدارس عليا وكليات خاصة يلتحق بها من يريد أن يضطلع بوظيفة الحاخام. ويختلف الإعداد الفكري والديني للحاخامات، من بلد لآخر، ومن مذهب ديني لآخر (إصلاحي أو محافظ أو أرثوذكسي) . وقد ضاقت وظيفة الحاخام وأصبحت مقصورة على الأمور الدينية في أواخر القرن التاسع عشر، كما أن وظيفته انفصلت عن وظيفة المرتل (حزان) تماماً. ولكن، مع تزايد معدلات علمنة اليهودية والمعبد اليهودي، بدأت تتسع وظيفة المعبد وتأخذ شكل النادي الاجتماعي للجماعة اليهودية التي تبحث عن شكل من أشكال التضامن الإثني والاجتماعي. ومن ثم، زادت أنشطة الحاخام الاجتماعية والسياسية وتنوعت. ونتيجةً لذلك، اتسعت وظيفة الحاخام، ونجده الآن يقوم بالإشراف على وظائف اجتماعية كانت خارج نطاق سلطته في الماضي. فمن الوظائف المهمة التي أصبح يقوم بها استشارات الزواج، حين تظهر مشاكل زوجية ولا يحب الزوجان أن يذهبا إلى محلل نفساني أو مستشار زواج مدني. وقد أصبحت وظيفة الحاخام في هذا (باستثناء الحاخامات الأرثوذكس) مثل وظيفة الواعظ البروتستانتي الذي يعطي الموعظة يوم الأحد، ويشرف على الأنشطة الاجتماعية لأعضاء الأبرشية ولا علاقة له بالجوانب الشرعية، مثل: الزواج والطلاق والدفن. لكن اتساع نطاق وظيفة الحاخام لا يعني زيادة هيبته أو نفوذه أو هيمنته، فقد أصبح موظفاً معيناً من قبل المصلين بطريقة ديموقراطية ويدفعون هم راتبه. ولا يوجد زي يهودي خاص للحاخامات، فحاخامات يهود اليديشية يرتدون الزي الحسيدي الأسود الذي أخذوه عن النبلاء البولنديين. أما في إنجلترا، فهم يرتدون ملابس قساوسة الكنيسة الأنجليكانية. وكان بعض كبار الحاخامات يرتدون زياً يشبه أزياء أساقفة الكنيسة الأنجليكانية، أما في فرنسا، فهم يرتدون زياً يشبه زي الواعظ البروتستانتي فيها. وكان الحاخامات في الدولة العثمانية يرتدون الجبة والعمامة مثل الشيوخ. ويرتدي الحاخامات الإصلاحيون الزي الأوربي العادي، وإن كان بعضهم يرتدي زياً مختلفاً. وقد حوَّلت الحركة الصهيونية الحاخامات إلى ممثلين لها بين الجماعات اليهودية المختلفة، يقومون بحثّ المصلين على التبرع للدولة الصهيونية، وعلى ممارسة الضغط السياسي لصالحها. وقد اشتكى جرسون كوهين من أن كثيراً من يهود أمريكا يتصورون الآن أن إسرائيل معبدهم اليهودي وأن رئيس وزرائها حاخامهم الأكبر. أما في إسرائيل نفسها، فإن دور الحاخامات قد تغيَّر وتبدل بشكل جوهري، وهذا يرجع إلى طبيعة الدولة الصهيونية نفسها، فقد فقدوا كثيراً من وظائفهم التقليدية لأن المعبد لم يَعُد مركزاً للحياة اليهودية، كما هو الحال في جميع أنحاء العالم، باعتبار أن الدولة الصهيونية كلها مركز لهذه الحياة. فالزواج مثلاً يقوم به المسئولون عنه، وهم مفوضون من قبَل دار الحاخامية. والجنازات تقوم بها أيضاً مؤسسات خاصة بذلك. كما أن زيارة المرضى لم تَعُد من مهامهم. لكل هذا، نجد أن كثيراً من الحاخامات الذين هاجروا إلى إسرائيل يضطرون إلى تغيير وظيفتهم، وشغل مناصب ووظائف جديدة. ولا تعترف دار الحاخامية في إسرائيل بالحاخامات الإصلاحيين أو المحافظين، ولا بعقود الزواج، أو مراسيم التهود التي يشرفون عليها، الأمر الذي يثير مشكلة الهوية اليهودية. هذا، وقد بدأت بعض الفرق اليهودية الإصلاحية والمحافظة في الولايات المتحدة في السماح للإناث بالاضطلاع بهذه المهمة. كما رُسِّم بعض الشواذ جنسياً حاخامات. راباي Rabbi «راباي» كلمة عبرية (ترد في صيغة الجمع إلا أنها تدل على المفرد وذلك للتعظيم) معناها الحرفي «سيدي» ، أو «أستاذي» ، وهي من كلمة «راف» العبرية ومن الجذر السامي «رب» بمعنى «سيد» . وفي هذه الموسوعة نستخدم كلمة «حاخام» التي شاعت في الدولة العثمانية. وقد تُستخدَم كلمة «راباي» في الوقت الحاضر مرادفاً لكلمة «السيد فلان» . ولذا، فحينما يُنادَى أحد المصلين لقراءة التوراة يُقال: «راباي فلان ابن راباي فلان» ، أي «السيد فلان ابن السيد فلان» . ربِّي Rebbe «ربِّي» بكسر الراء صيغة يديشة لكلمة «راباي» العبرية، التي تعني «حاخام» . وكانت الكلمة تُستخدَم أساساً للإشارة إلى الحاخامات الحسيديين والتساديك، وهي كلمة ذات إيحاءات ودودة. أما كلمة «ربي» فهي طريقة نطق السفارد لكلمة «راباي» . الربَّانيون Rabbis كلمة «ربَّانيون» هي صيغة جمع المذكر في العربية لكلمة «ربَّاني» ، وهذه كلمة كان يستخدمها العرب أيام الرسول (عليه الصلاة والسلام) للإشارة إلى الحاخامات، أي رجال الدين اليهودي وفقهائه، وهي مرادفة لكلمة «أحبار» . الأحبار Rabbis «الأحبار» صيغة جمع عربية لكلمة «حَبْر» وهو «العَالم» . وهي كلمة كان العرب أيام الرسول (عليه الصلاة والسلام) يستخدمونها للإشارة إلى الحاخامات أي رجال الدين اليهود وفقهائه، وهي مرادفة لمُصطلَح «ربانيون» . والأصل في الكلمة هو «حَباريم» أي «الرفاق» وكذلك من كلمة «حور» أي الذين يرتدون أردية بيضاء. وربما يرجع المُصطلَح إلى اشتغالهم بالتدوين (محَبِّريم) . رسامة الحاخام Ordination «رسامة الحاخام» هي المقابل العربي لكلمة «سميخاه» العبرية التي تعني «ترسيم الحاخام» بعد أن يتلقى الدراسة اللازمة بحيث يصير مصرحاً له بأن يحكم في الأمور الخاصة بالشعائر والشرائع (وهي تعود للكلمة الآرامية «سميخا» وتعني «من يُستند إليه» ، أي «من هو أهل للثقة في شئون الشريعة» ) . ولكل فرقة يهودية حديثة معاهدها الخاصة لإعداد الحاخامات الذين سيعملون في المعابد التابعة لها. والآن، يُرسَّم النساء والشواذ جنسياً كحاخامات في الولايات المتحدة. المرتل (حزَّان) Cantor, Hazzan «المرتِّل» هي المقابل العربي للكلمة العبرية «حزَّان» ، المشتقة من الكلمة الآشورية «حزانو» بمعنى «الحاكم» أو «المراقب» . والكلمة كانت تشير إلى أي موظف يقوم بوظيفة معينة في الجماعة، ثم صارت تشير إلى المواطن الذي تُوكَل إليه مهمة الحفاظ على النظام والأمن في المدينة وتنفيذ أحكام الجَلد. وكان الحزان يضطلع أيضاً ببعض الوظائف الدينية مثل تلاوة التوراة في المعبد وإنشاد القصائد الدينية. وتشير الكلمة في الوقت الحاضر إلى المرتل وهو قائد الإنشاد في الصلوات اليهودية. ولم يكن المصلون في العصور القديمة في حاجة إلى قائد أو مرشد، ولكنهم بنسيانهم العبرية، بدأت تظهر حاجتهم إلى قائد حتى أصبح المنشد جزءاً من الصلاة، وأصبح من الواجب توافر شروط معيَّنة في الفرد ليضطلع بهذه الوظيفة. وفي العصر الحديث، يقوم الحاخام في كثير من الأحيان بدور قائد الجوقة. وكانت هذه الوظيفة مقصورة على الذكور من قبل، ولكن الإناث سُمح لهن بالقيام بها تحت ضغط حركات التمركز حول الأنثى. وقد أُلغيت وظيفة المرتل في كثير من المعابد الإصلاحية، وخصوصاً في أوربا. الواعظ أو ملاك العرفان (مجِّيد) Maggid «مَجِّيد» كلمة عبرية تعني حرفياً «من يخبر» ، وجمعها العبري «مجيديم» . وللكلمة معنيان، أحدهما عادي ويعني «الواعظ الشعبي المتجول» . وظاهرة الواعظ المتجول معروفة منذ القدم بين الجماعات اليهودية ولكنها انتشرت في القرن الثامن عشر، ويُعزَى نجاح الحركة الحسيدية إلى مثل هؤلاء الوعاظ. وكانت كلمة «مجيد» في الحركة الحسيدية تشير إلى أقرب الأشخاص للتساديك، الذي يروي عنه كراماته. والمعنى الآخر للكلمة ذو مضمون حلولي، فهي تشير إلى «الملاك» ، أو «الروح السماوية» التي تنقل للعلماء الأتقياء العرفان والحكمة بطريقة مبهمة (عادةً أثناء نومهم) ، ولذا فنحن نشير إلى «ملاك العرفان» . ومن أشهر العلماء الذين تلقوا الحكمة بهذه الطريقة - حسبما جاء في الموروث الديني اليهودي - موسى كوردوفيرو، وحاييم فيتال، وجوزيف كارو، وكلهم من العارفين بأسرار القبَّالاه. وقد أكدت الحركات الشبتانية فكرة ملاك العرفان وأهمية المعرفة التي ينقلها إلى زعماء هذه الحركات وقادتها. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
الصلوات اليهودية
Jewish Prayers «تفيلاه» بالعبرية، وكانت تعني في أصلها «الإرهاق» أو «تعذيب الذات وإظهار الخضوع» . والصلاة أهم الشعائر التي تُقام في المعبد اليهودي. ويذكر سفر التكوين جملة صلوات متفرقة وعبادات، كما يذكر الضحايا والقرابين التي يجب أن يقدمها اليهودي للإله. ولم تكن الصلوات في بادئ الأمر محدَّدة ولا إجبارية، بل كانت تُتلى ارتجالاً حسب الأحوال والاحتياجات الشخصية والعامة. وثمة إشارة إلى بعض المظاهر المقدَّسة مثل وضع بعض الأحجار على هيئة مذبح قبل التضرع للإله. ومع التهجير إلى بابل، بطلت الضحايا والقرابين وظهرت العبادات بالصلوات. وقد بدأ علماء المجمع الأكبر في وضع قوانينها وفي تقنينها ابتداءً من القرن الخامس قبل الميلاد. ولم تكتمل هذه العملية إلا بعد هدم الهيكل وانتهاء العبادة القربانية المركزية التي كانت تأخذ شكل تقديم الحيوانات والنباتات، وحلت محلها الصلاة التي كان يُطلَق عليها «قربان الشفتين» أو «عبادة القلب» . واستغرقت هذه العملية، كما تقدَّم، وقتاً طويلاً. وعلى أية حال، فإنها لم تستقر تماماً، إذ كان يضاف إلى الصلوات قصائد البيُّوط التي يؤلفها الشعراء الدينيون. ثم أُدخلت تعديلات جذرية على الصلوات ابتداءً من أواخر القرن الثامن عشر. ولا يزال مضمون الصلوات خاضعاً للتغيير حسب التغيرات السياسية والأحداث التاريخية. ففي صلاة الصبح كان اليهودي يشكر الإله على أنه لم يخلقه أممياً، أي من غير اليهود (الأغيار) . والجزء الختامي من الصلاة نفسها، والذي يُتلى أيضاً في صلوات رأس السنة اليهودية ويوم الغفران، يبدأ بالدعاء التالي: "نحمد إله العالمين ... أنه لم يجعلنا مثل أمم الأرض ... فهم يسجدون للباطل والعدم ويصلون لإله لا ينفعهم". وقد حُذف الجزء الأخير من الصلوات في غرب أوربا، وظل يُتداوَل شفوياً في شرق أوربا وإسرائيل. وبدأ يُعاد طبعه مرة أخرى في كتب الصلوات في إسرائيل. كما يمكن أن تُضاف أدعية وابتهالات مرتبطة بأحداث تاريخية وقومية مختلفة ودعاء للحكومة. وقد كانت الصلاة تُقام بالعبرية أساساً. ولكن، مع حركة إصلاح اليهودية، أصبحت الصلاة تُؤدَّى بلغة الوطن الأم، وإن كان الأرثوذكس قد احتفظوا بالعبرية، ويُطعِّم المحافظون صلواتهم بعبارات عبرية. وتُعَدُّ الصلاة واجبة على اليهودي الذكر لأنها بديل للقربان الذي كان يُقدَّم للإله أيام الهيكل، وعلى اليهودي أن يُداوم على الصلاة إلى أن يُعاد بناء الهيكل، وعليه أن يبتهل إلى الإله لتحقيق ذلك. أما عدد الصلوات الواجبة عليه فهي ثلاث صلوات كل يوم: 1 ـ صلاة الصبح (شحَاريت) ، وهي من الفجر حتى نحو ثلث النهار. 2 ـ صلاة نصف النهار، وهي صلاة القربان (منْحه) ، من نقطة الزوال إلى قبيل الغروب. 3 ـ صلاة المساء (مَعَاريف) ،من بعد غروب الشمس إلى طلوع القمر. وكانت الصلاتان الأخيرتان تُختزلان إلى صلاة واحدة (منحه ـ معاريف) . ويجب على اليهودي أن يغسل يديه قبل الصلاة، ثم يلبس شال الصلاة (طاليت) وتمائم الصلاة (تفيلين) في صلاة الصباح، وعليه أيضاً أن يغطي رأسه بقبعة اليرمُلكا. والصلوات اليهودية قد تكون معقدة بعض الشيء، ولذا سنكتفي بالإشارة إلى القواعد العامة والعناصر المتكررة: 1 ـ يسبق الصلاة تلاوة الأدعية والابتهالات، ثم قراءة أسفار موسى الخمسة في أيام السبت والأعياد، وتعقبها كذلك الابتهالات والأدعية، وهذه الأدعية والابتهالات لا تتطلب وجود النصاب (منيان) اللازم لإقامة الصلاة لأنها ليست جزءاً أساسياً من الصلاة. أما الصلاة نفسها فتتكون من: أ) الشمَّاع، أي شهادة التوحيد اليهودية. ب) الثمانية عشر دعاء (شمونة عسْريه) أو العميداه. وهي تسعة عشر دعاء كانت في الأصل ثمانية عشر، ومن هنا كانت التسمية. جـ) دعاء القاديش. هذا وتُضاف صلاة تُسمَّى «موساف» (الإضافي) يوم السبت وأيام الأعياد. أما في عيد يوم الغفران، فتبدأ الصلاة بتلاوة دعاء كل النذور في صلاة العشاء، وتُضاف صلاة تُسمَّى «نعيلاه» (الختام) . والصلاة نوعان: فردية ارتجالية تُتلى حسب الظروف والاحتياجات الشخصية، ولا علاقة لها بالطقوس والمواعيد والمواسم، وأخرى مشتركة. وهذه صلوات تُؤدَّى باشتراك عشرة أشخاص على الأقل يُطلَق على عددهم مُصطلَح «منيان» أي «النصاب» في مواعيد معلومة وأمكنة مخصوصة حسب الشعائر والقوانين المقررة. ويردد الصلوات كل المشتركين فيها، إلا أجزاء قليلة يرددها القائد أو الإمام أو المرتل (حزَّان) بمفرده. ويتجه اليهودي في صلاته جهة القدس، وأصبح هذا إجراءً معتاداً عند يهود الشرق كافة. أما في القدس نفسها، فيولي المصلي وجهه شطر الهيكل. وتوجد كتب عديدة للصلوات اليهودية لا تختلف كثيراً في أساس الصلاة والابتهالات، ولكن الخلافات تنحصر في الأغاني والملحقات الأخرى. وقد تغيَّرت حركات اليهود أثناء الصلاة عبر العصور، ففي الماضي كان اليهود يسجدون ويركعون في صلواتهم (ولا يزال الأرثوذكس يفعلون ذلك في الأعياد) ، ولكن الأغلبية العظمى تصلي الآن جلوساً على الكراسي، كما هو الحال في الكنائس المسيحية، إلا في أجزاء معيَّنة من الصلاة مثل: تلاوة الثمانية عشر دعاء (شمونه عسريه) ، فإنها تُقرَأ وقوفاً في صمت. ولا يخلع اليهود نعالهم أثناء الصلاة (باستثناء الفلاشاه والسامريين) . ويُلاحَظ أن عدد المصليات في الوقت الحاضر يزيد على عدد المصلين في كثير من المعابد اليهودية (الإصلاحية أو المحافظة) مع أن العقيدة اليهودية لا تكلف النساء بالذهاب إلى المعبد، وليس بإمكانهن تلاوة الأدعية إلا في أجزاء من أدعية معينة مقصورة عليهن ـ ولا شك في أن المحيط المسيحي قد ترك أثراً في اليهودية في هذا الشأن. وقد اكتسبت الصلاة أهمية غير عادية في التراث القبَّالي الحلولي، فالقبَّاليون يؤمنون بأن ما يقوم به اليهودي في العالم السفلي يؤثر في العالم العلوي. والصلوات من أهم الأفعال التي يقوم بها اليهودي في هذا المضمار، فالصلاة مثل التعويذة السحرية التي يستطيع من يتلوها أن يتحكم في العالم العلوي. ولما كان اليهود العنصر الأساسي في عملية إصلاح الخلل الكوني (تيقون) ، وهي العملية التي تتم بمقتضاها استعادة الشرارات الإلهية التي تبعثرت وولادة الإله من جديد، فهي تُسرع بالتقريب بين العريس/الملك، والعروس/الملكة (الشخيناه) وتوحِّد بينهما، كما تسهم في عقد الزواج المقدَّس بينهما. ولذا، فإن اليهودي قبل أن يؤدي صلاته، يقول: «من أجل توحيد الواحد المقدَّس ... مع أنثاه (الشخيناه) » . والتوحيد هنا يحمل معاني جنسية صريحة. والهدف من صلاة الصباح بالذات الإسهام في عملية الجماع الجنسية هذه، وكل فقرة توازي مرحلة من مراحل الوحدة أو الجماع. فبعد الفقرة الأولى من الصلاة تقترب الابنة المقدَّسة مع وصيفاتها، وبعد الفقرة الثانية يضع الإله (متجسداً في الابن) ذراعه حول رقبتها، ثم يلاطفها ويربت على ثدييها. ومع نهاية الصلاة، يتم الجماع (وهذا تعبير متبلور عن الاتجاه الجنسي داخل المنظومة الحلولية، وخصوصاً في مرحلة وحدة الوجود) . ويُلاحَظ أن كلمة «ييحود» ، والتي تعني الاجتماع أو التوحيد، تُستخدَم في النصوص القانونية الشرعية للإشارة إلى فكرة الجماع الجنسي. وعلى ذلك فإن الييحود هو الاجتماع/الجماع. وحينما يتلو اليهودي دعاءً قبل الصلاة، فإنه يقول فيه إنه سيقوم بالصلاة حتى يتحقق الزواج المقدَّس (هازيفوج هاقادوش) . ولكل فرقة يهودية منهاج أو عرف خاص بها. ولذا، يمكننا الحديث عن «المنهاج الإشكنازي» ، و «المنهاج السفاردي» . الأدعية (الابتهالات واللعنات) Benedictions and Curses كلمة «دعاء» العربية تعني «الابتهال» أو «الدعاء للناس» أو «الدعاء عليهم» . وتُستخدَم الكلمة للتعبير عن الكلمتين العبريتين «براخاه» (حرفياً «بركة» ) . و «كيلالاه» (حرفياً «لعنة» ) ، وتُشير كلمة «أدعية» إلى كلٍّ من الابتهالات واللعنات. وجمع كلمة «براخاه» ، هو «براخوت» وهي مشتقة من فعل «بيراخ» ، أي «يخر ساجداً على ركبتيه» أو «يتشفع» أو «يُسبِّح الإله» . لكن كلمة «براخوت» قد تعني «بركة» (منحه بركته) وقد تعني أيضاً «أدعية» (دعا له) ، وثمة إشارات عديدة في العهد القديم إلى منح البركات في مناسبات عدة مثل الرحيل (تكوين 74/10 خروج 4/18) وعند ولادة طفل (تكوين 5/29 وراعوث 4/14) وعند الزواج (تكوين 24/60، ومزمور 45 وراعوث 4/11 ـ 12) ، ولكن أهم البركات هي تلك التي كان يمنحها الأب (المسن الذي على حافة الموت) لأبنائه، فقد بارك نوح ابنيه شيم وجافت (تكوين 9/26 ـ 27) وبارك إسحق يعقوب وعيسو (تكوين 27 و28/1 ـ 4) كما بارك يعقوب (تكوين 49) حفيديه إفرايم ومنَسَّى (تكوين 48/13 ـ 22) . ويبدو أن البركة الممنوحة (مثل اللعنة) لها قوة سحرية مرتبطة بالكلمة نفسها، فهي بمنزلة صيغة سحرية. ولم تكن الكلمة مجرد تعبير عن عواطف أو مجرد دال يشير إلى مدلول، وإنما كان يُنظَر إليها باعتبارها حروفاً تحمل قوة خارقة ينتج عنها واقع ما (مثل كلمة «الإله» الذي خلق العالم من خلالها، ومثل التوراة باعتبارها جسد الإله القادر) .كما أنه إذا نطق شخصٌ ما كلمات البركة فإنه يفقد هو نفسه قدرته على التحكم فيها وتصبح مستقلة عن إرادته، وهذا يفسر واقعة إسحق الأعمى حينما بارك يعقوب عن طريق الخطأ بدلاً من عيسو لأن يعقوب قد خدعه بمساعدة أمه (تكوين 27/33 ـ 38) ، كما يفسر واقعة العراف أو النبي بلعم الذي كان يحاول أن ينطق بلعنة على جماعة يسرائيل ولكنه وجد نفسه ينطق بالبركة رغماً عنه (أعداد 22/12 و 23/8) ،فأي من إسحق وبلعم لا يمكنه أن يغير البركة التي نطق بها، فهي مستقلة عن إرادة من تفوه بها وكأنها تعويذة سحرية. وجاء في سفر التثنية (11/29) أن الإله نصح موسى أن يجعل البركة على جبل جريزيم واللعنة على جبل عيبال، وهذا يعني أن البركة واللعنة (كقوتين ماديتين) ستستقر واحدة منهما على جبل وستستقر الأخرى على الجبل الآخر. ولعل هذا يفسِّر أهمية بركات الآباء الذين يقفون على مشارف الموت (والأزلية) ، فهم يقفون في منطقة تخومية (برزخية) يستمدون قوة من العالم الذي سيتحركون إليه. ولذا، فإن بركاتهم (أو تعويذاتهم السحرية اللفظية) كانت تُعَدُّ ذات قوة خاصة. ويُلاحَظ أن البركات واللعنات هنا لا تحمل مضموناً أخلاقياً وإنما تحمل مضموناً سحرياً، الأمر الذي يشير إلى إطارها الحلولي. وكما أسلفنا، تطوَّر معنى كلمة «براخوت» وأصبحت تشير إلى الابتهالات التي تتضمن دعاء. ولكن، ومع هذا، ظل البعد السحري هناك دائماً. وتشكل الأدعية المعروفة باسم الثمانية عشر دعاءً (شمونه عسْريه) جزءاً أساسياً من الصلوات اليهودية. وأهم الأدعية التي تُتلى في الصلاة هي «مبارك أنت يا إلهي» (باروخ أتاه أدوناي) . وهناك أدعية أخرى في المناسبات المختلفة من أهمها: 1 ـ أدعية الأوامر والنواهي، وتكون قبل أن يقوم اليهودي بأداء أيٍّ من الأوامر، مثل وضع تميمة الباب (مزوزاه) على الباب أو إضاءة شموع السبت. 2 ـ أدعية تُقال عند الاستمتاع بشيء ما مثل الطعام والروائح العطرية. 3 ـ أدعية تُقال بعد تناول الطعام. 4 ـ أدعية تُقال في المناسبات، وخصوصاً الدعاء الذي يقوله الأب حينما يصل ابنه سن البلوغ. 5 ـ أدعية النجاة من الضيق والأذى، وتُقال عند العودة من سفر طويل أو عند النجاة من مكروه. 6 ـ دعاء الشهر، وىكون عند نهاية كل شهر لمباركة الشهر التالي. 7 ـ دعاء القمر، وىكون عند مشاهدة أشعة القمر الجديد. 8 ـ دعاء الشمس، وىكون كل ثمانية وعشرين عاماً. كما ينطق اليهودي بأدعية أخرى عندما يمر على مدافن اليهود أو عندما يرى حشداً كبيراً من أبناء ملته. وعلى عكس الدعاء لشخص ما (بالبركة) يمكن توجيه اللعنة إليه أو الدعاء عليه، أي دعوة الله بإنزال اللعنة عليه. فكما يتمتم اليهودي بالأدعية، فإنه يردد اللعنات. فإذا كانت المدافن لغير اليهود، فإنه يدعو على أمم الموتى، وإذا رأى حشداً كبيراً من غير اليهود طلب من الإله أن يهلكهم. وإذا مرّ على منزل مهدم يملكه يهودي فإنه يدعو الإله أن يعمره مرة أخرى، أما إذا كان مالكه غير يهودي، فإنه يحمد الإله على انتقامه من الأغيار. وقد تقلَّص نطاق اللعنة، وأصبح ينطبق على الكنائس، وأماكن العبادة التي تخص المسيحيين وغيرهم (واستُثنيَت أماكن العبادة الخاصة بالمسلمين) . وعُدِّلت اللعنة، فأصبح على اليهودي أن يبصق حينما يرى صليباً ويتلو الإصحاح التالي من سفر التثنية: «ولا تُدخل رجساً إلى بيتك لئَلا تكون محرَّماً مثله. تستقبحه وتكرهه لأنه محرم» . والرجس هنا إشارة إلى الصليب. وفي القرن الرابع عشر، شيَّد ملك بوهيميا تشارلز الرابع (وكان إمبراطور الإمبراطورية الرومانية المقدَّسة) صليباً ضخماً في براغ. وحينما أخبروه عن عادة البصق هذه فرض على أعضاء الجماعة اليهودية أن يكتبوا على الصليب لفظة «أدوناي» (أحد أسماء الإله في اليهودية) التي يُجلُّها اليهود ولا يجسرون على الإتيان بأفعال تنم عن ازدرائها. ويجب التنبيه على أن مثل هذه الممارسات كان يقوم بها بعض الجماعات اليهودية وليس كلها، وفي بعض المراحل التاريخية وليس في كل زمان ومكان، كما أن كثيراً من هذه التقاليد الدينية العنصرية آخذة في التآكل بين غالبية أعضاء الجماعات اليهودية في العالم، ولكنها آخذة في التزايد بين الصهاينة الأرثوذكس في إسرائيل. وقد استُخدم سلاح استمطار اللعنات والبركات في انتخابات الكنيست عام 1988. فكان حاخامات الأحزاب الدينية يدعون بالبركات (بالمال والبنين) لكل من يدلي بصوته لمرشحهم، ويدعون باللعنات على من لا يفعل. وقد صدر قرار في إسرائيل بمنع استمطار اللعنات أثناء المعارك الانتخابية. اللعنات Curses «اللعنات» عكس البركات (انظر: «الأدعية [الابتهالات واللعنات] » ) . الشمَّاع Shema دعاء «الشمَّاع» من كلمة «شمَع» العبرية وتعني «اسمع» (ويُعرَف أيضاً باسم «قريئات شماع» ويُختصَر إلى «قريشماع» ) . وكلمة «شماع» أول كلمة في نصٍّ من نصوص العهد القديم تُقرَأ في صلاة الصباح والمساء «اسمع يا يسرائيل الرب إلهنا رب واحد» (تثنية 6/4) . والشماع ككل يتكون من النصوص التالية: 1 ـ «اسمع يا يسرائيل الرب إلهنا رب واحد. فتحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل قوتك. ولتكن هذه الكلمات التي أنا أوصيك بها اليوم على قلبك. وقصها على أولادك وتكلَّم بها حين تجلس في بيتك وحين تمشي في الطريق وحين تنام وحين تقوم. واربطها علامةً على يدك ولتكن عصائب بين عينيك. واكتبها على قوائم أبواب بيتك وعلى أبوابك» (تثنية 6/4 ـ 9) . 2 ـ «فإذا سمعتم لوصاياي التي أنا أوصيكم بها اليوم لتحبوا الرب إلهكم وتعبدوه من كل قلوبكم ومن كل أنفسكم، أعطي مطر أرضكم في حينه المبكر والمتأخر. فتجمع حنطتك وخمرك وزيتك. وأعطي لبهائمك عشباً في حقلك فتأكل أنت وتشبع. فاحترزوا من أن تنغوي قلوبكم فتزيغوا وتعبدوا آلهة أخرى وتسجدوا لها فيحمى غضب الرب عليكم ويُغلق السماء فلا يكون مطر ولا تعطي الأرض غلتها. فتبيدون سريعاً عن الأرض الجيدة التي يعطيكم الرب. فضعوا كلماتي هذه على قلوبكم ونفوسكم واربطوها علامةً على أيديكم ولتكن عصائب بين عيونكم. وعلِّموها أولادكم متكلمين بها حين تجلسون في بيوتكم وحين تمشون في الطريق وحين تنامون وحين تقومون. واكتبها على قوائم أبواب بيتك وعلى أبوابك. لكي تَكثُر أيامك وأيام أولادك على الأرض التي أقسم الرب لآبائك أن يعطيهم إياها كأيام السماء على الأرض» (تثنية 11/13 ـ 21) . 3 ـ "وكلم الرب موسى قائلاً: كلِّم بني يسرائيل وقل لهم أن يصنعوا لهم أهداباً في أذيال ثيابهم في أجيالهم ويجعلوا على هدب الذيل عصابة من أسمانجوني. فتكون لكم هدباً فترونها وتذكرون كل وصايا الرب وتعلمونها ولا تطوفون وراء قلوبكم وأعينكم التي أنتم فاسقون وراءها. لكي تذكروا وتعلموا وصاياي وتكونوا مقدَّسين لإلهكم. أنا الرب إلهكم الذي أخرجكم من أرض مصر ليكون لكم إلهاً. أنا الرب إلهكم". (عدد 15/37 ـ 41) . وتُقرَأ الشماع في صلاة الصباح والمساء، ولا تُتلى في صلاة الظهر. وعلى اليهودي أن ينطق بعبارة التوحيد قبل موته، أو ينطق له بها أحد الواقفين بجواره. والعبارات الأولى في الشماع قد تعطي انطباعاً بأن ثمة اتجاهاً توحيدياً قوياً، وأنها من ثم تشبه شهادة التوحيد الإسلامية وتقترب منها. ولكن الدارس المدقق يُلاحظ الفروق الجوهرية بينهما: فالشمَّاع جزءً من كل، والكل (أي التركيب الجيولوجي اليهودي) يحوي طبقة حلولية واضحة تتنافى مع التوحيد الذي تعبِّر عنه هذه العبارة الأولى. وحتى لو أخذنا العبارة الأولى من الشماع بمفردها، فسنلاحظ أنه بينما تبدأ الشهادة الإسلامية بضمير المتكلم (المفرد) ، أي أن الإنسان الفرد صاحب الضمير الفردي والمسئولية الخلقية يشهد على أن الله، إله العالمين، واحد أحد، أما الشماع فتبدأ بخطاب إلى الأمة ككل، وهو ما يعطي الشمَّاع بعداً جماعياً قومياً. ثم ينتقل الشماع بعد ذلك للتأكيد على أن «الرب إلهنا» والواقع أن استخدام ضمير المتكلمين، في العقيدة اليهودية بأكملها، ذو دلالة قومية جماعية عميقة، فهو يخصص الإله ويجعله مقصوراً على اليهود أو الشعب المختار الذي يحل فيه الإله. لكن تخصيص الإله لشعب معيَّن قد يفيد التوحيد ولكنه لا يفيد الوحدانية الخالصة ويجعلها تقترب من التغليبية (وهي نوع من التوحيد البدائي) يفيد الإيمان بعدد من الآلهة يترأسهم إله واحد. وهو ما يحمل معنى الشرك بالإله (على عكس الشهادة الإسلامية التي تعني عدم وجود إله آخر سوى الله) . ويتأكد هذا الموضوع الأساسي في بقية الدعاء: "وتعبدوا آلهة أخرى وتسجدوا لها". ويختم الدعاء هكذا "أنا الرب إلهكم الذي أخرجكم من مصر ليكون لكم إلهاً. أنا الرب إلهكم". ولكن الأهم من هذا كله هو بقية العبارات المستقاة من العهد القديم. فثمة إشارات عديدة إلى بعض الشعائر مثل: تمائم الصلاة (تفيلين) ، وشال الصلاة (طاليت) ، وتميمة الباب (مزوزاه) . وتستغرق الإشارات إلى هذه الشعائر نصف الدعاء تقريباً. وهذه الشعائر ذات اتجاه حلولي واضح فهي تؤكد انفصال اليهود وقداستهم واختيارهم: (وتكونوا مقدِّسين لإلهكم) . والجزء الثاني من الدعاء (تثنية 11/13 ـ 21) يؤكد المكافأة المادية المباشرة التي سيمنحها الإله للشعب، لو أنه نفذ الوصايا. وهناك إشارة إلى «الأرض الجيدة التي يعطيكم الرب» . وبذا، تكتمل كل علامات الحلولية المتطرفة، فثمة إله يحل في الشعب والأرض فيكتسب كلٌّ من الشعب والأرض قداسة. ولذا، لابد أن يعزل نفسه عن بقية العالم، ومن هنا كثرة الشعائر، فنحن أمام تركيب جيولوجي تراكمي مدهش يبدأ بالتعبير عن التوحيد وينتهي بالحلولية المتطرفة. ورغم التشابه اللفظي والمضموني السطحي، فإن البنية الكامنة للشماع، والتي لابد أن يُنظَر إليها في علاقتها بالطبقة الحلولية داخل التركيب الجيولوجي اليهودي، تدل على أن نص التوحيد اليهودي ليست له علاقة كبيرة بالشهادة الإسلامية، وهذا ينطبق أيضاً على كثير من الجوانب التي يُتصوَّر أنها مشتركة بين اليهودية والإسلام مثل الختان وقوانين الطعام. ويجب أن نشير إلى أن العنصر الحلولي ازداد قوة في القرن العشرين، كما اكتسب الشعب مطلقية وقداسة تفوق ما كان يُتصوَّر أنه تمتع بها في الماضي. وبظهور اليهودية المحافظة واليهودية التجديدية (التي تعبِّر عن شحوب فكرة الإله داخل الثالوث الحلولي) والصهيونية (التي تعبِّر عن حلولية بدون إله) ، ومع تزايد صهينة الدين اليهودي، ومع تزايد تأكيد مقولة الشعب العضوي (فولك) ، فإننا سنكتشف أن الحديث عن وحدانية الإله هو في واقع الأمر حديث عن وحدانية الشعب وتماسكه. الثمانية عشر دعاء (شمونه عسْريه - عميداه) (Eighteen Benedictions (Shemoneh Esreh; Amidah تُعتبَر «الثمانية عشر دعاء» أهم أجزاء الصلاة اليهودية عند الإشكناز، وعبارة «شمونه عسْريه» معناها «ثمانية عشر» . أما كلمة «براخوت» التي تعني «الأدعية» (بمعنى بركات) فهي مفهومة ضمناً. وعند السفارد يشار إلى هذه الأدعية بكلمة «عميداه» وتعني «الوقوف» لأنها تُتلى وقوفاً. كما تُعرَف باسم «تفيلاه» ، أي «الصلاة» وحسب. وكان عدد الأدعية (أو البركات) ثمانية عشر عندما قام جمْلالئل الثاني ورجال المجمع الأكبر بتقنينها وإعطائها شكلها النهائي. ومن هنا جاء الاسم، ولكن أضيف إليها دعاء إضافي، فأصبحت الأدعية تسعة عشر. والثمانية عشر دعاءً تشكل الجزء الأساسي في الصلاة اليهودية، وتُتلى في كل الصلوات في كل الأيام وفي الأعياد كافة، ومن ذلك صلاة الختام (نعيلاه) التي لا تقام إلا في يوم الغفران. والأدعية هي: 1 ـ «آبوت» ، أي «الآباء» ، وهو إشارة إلى عهد الإله مع الآباء. 2 ـ «جبروت» ، أي «القوة» ، وهو وصف للمقدرة الإلهية. ويُسمَّى أيضاً «تحيت همِّيتيم» ، أي «بعث الموتى» ، إذ توجد فيه عدة إشارات إلى الإله الذي يُحيي الموتى. 3 ـ «قيدوشوت» ، أي «التقديس» ، ويُسمَّى أيضاً «قيدوشيت هشّيم» ، أي «تقديس الاسم» ، وهو مدح لقداسة الإله. 4 ـ «بيناه» ، أي «الذكاء» ، أو «بريحات حوخمه» ، وهو صلاة الحكمة، ويتضمن طلب الحكمة. 5 ـ «تشوفاه» ، أي «التوبة» ، وهو تضرُّع إلى الإله لأن يأتي بالتوبة، فهو يحب التوابين. 6 ـ «سليحاه» ، أي «المغفرة» ، وهو دعاء من أجل المغفرة. 7 ـ «جئيولاه» ، أي «الخلاص» ، وهو دعاء من أجل أن يأتي الإله بالخلاص، فهو «مخلِّص جماعة يسرائيل» . 8 ـ «بركَّات هاحوليم» ، وهو دعاء من أجل شفاء المرضى، وينتهي هذا الدعاء بوصف الإله بأنه «هو الذي يشفي مرضى شعبه يسرائيل» . 9 ـ «بركَّات هشَّانيم» ، أي «دعاء من أجل السنين الطيبة» ، وهو دعاء من أجل أن يجعل الإله العام المقبل عام خير. 10 ـ «كيبّوتس جاليوُّت» ، أي «تجميع المنفيين» ، وهو دعاء من أجل جمع المنفيين، أي اليهود المنتشرين في كل بقاع الأرض، فهو «الذي سيجمع المنفيين من شعبه يسرائيل» . 11 ـ «بركَّات هدّين» ، وهو الدعاء من أجل العدل، ومن أجل أن يحكم الإله ببراءة المصلين في يوم الحساب في آخر الأيام. 12 ـ «بركَّات هامنيم» ، وهو دعاء على المهرطقين أو الكفار، ويُقصَد به أساساً المسيحيون والمتنصرون من اليهود. وقد أضافه جماليل الثاني عام 100 ميلادية حتى يفصل بين المسيحيين واليهود. وجاء في هذا الدعاء: «فليحط [الإله] اليأس على قلب المرتدين، وليهلك كل المسيحيين في التو» ، فالإله هو «الذي يحطم الأعداء ويذل المتكبرين» . وقد تم تعديل الصيغة على مر السنين تحت ضغط من الحكومات. ففي القرن الرابع عشر عُدِّل هذا الدعاء ليصبح «وليهلك كل المهرطقين في التو» (ولكنهم بدأوا مرة أخرى في إسرائيل يعودون إلى الصيغة الأولى) . 13 ـ «بركَّات تساديكيم» ، أي الدعاء من أجل الصديقين. 14 ـ «بركَّات يروشاليم» ، أي الدعاء من أجل القدس. وكان هذا الدعاء، في البداية، دعاءً من أجل أن يحمي الإله القدس، ولكنه عُدِّل ليشير إلى إعادة بناء القدس (بنيان يروشليم) . 15 ـ «بركَّات داود» ، أي الدعاء من أجل داود، أي عودة الماشيَّح المخلص. 16 ـ «قبلات تفيلاه» ، أي قبول الصلاة، وهو دعاء بأن يسمع الإله كل صلوات جماعة يسرائيل. 17ـ «عفوداه» ، أي العبادة، وهو دعاء بأن يقبل الإله الصلاة. 18 ـ «هوداءاه» ، أي الحمد أو الشكر، ويتضمن هذا الدعاء الشكر والحمد للإله لما يخص به شعب يسرائيل من فضل. 19 ـ «بركات هاكوهانيم» ، أي بركة الكهان، وهو الدعاء من أجل السلام، ويُختَم بعبارة: «فأنت الذي تبارك شعبك يسرائيل بالسلام» . ويُلاحَظ أن الأدعية تعكس تركيب اليهودية الجيولوجي، من تأرجُح بين التوحيد والحلولية، وتأرجُح بين العالمية والانغلاق. كما يلعب التفسير دوراً أساسياً هنا، فكثير من المُصطلَحات، مثل «جبروت» وغيرها، أصبحت أسماء للتجليات النورانية العشرة (سفيروت) في القبَّالاه اللوريانية. وقد أعطى القبَّاليون معنىً محدَّداً لكل الأدعية واستوعبوها تماماً في نسقهم الحلولي. وكل من الثلاثة أدعية الأولى والأخيرة، هي الأساسية، وهي أيضاً أقدم الأدعية وتُتلى في كل الصلوات، وتُحذَف الثلاثة عشر الوسطى في يوم السبت والأعياد، وتحل محلها أدعية تخص العيد الذي يُحتفَل به. ويبدو أن تاريخ الأدعية الثمانية عشر يعود إلى أيام جمْلائيل الثاني. وقد كان لها صيغ متعددة تختلف من جماعة إلى أخرى حتى أن أحد الفقهاء اليهود في أشبيلية اشتكى عام 1350 من أنه لا يوجد نصٌّ يشبه الآخر. وفي العهد الحديث، غيَّرت اليهودية الإصلاحية النص من ناحية الشكل والمضمون، فاستبعدت كل الإشارات القومية وفكرة عودة الماشيَّح والإيمان بالبعث. وبطبيعة الحال، تم استبعاد الدعاء الثاني عشر تماماً. أما المحافظون، فقد عدَّلوها بحيث تصبح الإشارة لا إلى المهرطقين وإنما إلى الهرطقة نفسها. شمونه عسريه Shemoneh Esreh انظر: «الثمانية عشر دعاء (شمونه عسْريه - عميداه) » . صلاة الختام (نعيلاه) Neilah «صلاة الختام» هي المقابل العربي لعبارة «نعيلاه» العبرية ومعناها «الختام» ، و «نعيلاه» تعني أيضاً «إغلاق البوابة» . وقد كانت صلاة الختام في الماضي صلاة تُقام في الهيكل قبل إغلاق البوابات (نعيلات شعاريم) ، كما كانت تُتلى في أيام الصوم، ولكنها لا تُتلى الآن إلا في يوم الغفران. وهي آخر الصلوات الخمس التي تقام في ذلك اليوم، فهي خاتمة اليوم. ويرتدي المصلون شال الصلاة (طاليت) مثلما يفعلون في كل الصلوات في ذلك اليوم، ويُنفَخ في البوق (شوفار) عند انتهائها. الصلاة الإضافية (موساف) Mussaph «الصلاة الإضافية» هي المقابل العربي لعبارة «مُوساف» العبرية ومعناها «الإضافي» . والموساف صلاة إضافية بعد صلاة الصباح في يوم السبت وفي بعض الأعياد: أعياد الحج والقمر الجديد ورأس السنة ويوم الغفران، وهي الأعياد التي كانت تتطلب قرباناً إضافياً. وتتضمن الصلاة وصفاً للقربان الذي كان يُفترض تقديمه. كما أن الصلاة الإضافية الخاصة بيوم الغفران تتضمن وصفاً لصلاة الكاهن الأعظم في ذلك اليوم. الدعاء للحكومة Prayer for the Government «الدعاء للحكومة» من التقاليد الدينية الراسخة في اليهودية على عكس ما يتصوره الصهاينة والمعادون لليهود. فالاندماج من الظواهر الأساسية التي تسم الجماعات اليهودية، ويتبدَّى ذلك في ولائها للحكومات أو السلطات الحاكمة. وبعد سقوط آخر معاقل الحكم العبراني في المملكة الجنوبية (عند التهجير إلى بابل) ، نصح إرميا المهجَّرين بأن يصلوا لصالح المدينة التي قامت بنفيهم (إرميا 29/7) : "واطلبوا سلام المدينة التي سبيتكم إليها وصلوا لأجلها إلى الرب لأنه بسلامها يكون لكم سلام". ويتكرر الشيء نفسه في عزرا (6/10) : "والصلاة لأجل حياة الملك وبنيه". والإشارة هنا إلى دارا الأعظم الذي أصدر أمراً بالسماح لليهود بالاستمرار في إعادة بناء الهيكل. وكذلك في الأمثال (24/21) : " يابني اخش الربَّ والملك". وقد ظهر المفهوم الأساسي الخاص بأن شريعة الدولة هي الشريعة التي تجعل أمن الحكومة ضرورة لأمن أعضاء الجماعة اليهودية، وأصبح مفهوماً مركزياً بالنسبة إلى أعضاء الجماعات وخصوصاً بعد تزايد انتشارهم. ولذا، كان اليهود يقدمون قرباناً باسم دارا في الهيكل الثاني، ويدعون له، ثم للأباطرة الرومانيين من بعده. وقد قال نائب الكاهن الأعظم في التلمود: "صلوا من أجل صالح النظام القائم، لأنه لولا الخوف منه لابتلع الناس بعضهم بعضاً". وبعد هدم الهيكل، أكد الحاخامات الحاجة إلى الدعاء للحكومة بشكل أكبر. والدعاء للحكومة لا يعكس فقط ولاء الجماعات اليهودية للحكومات، وإنما يعكس أيضاً وضعها كجماعة وظيفية وسيطة قريبة من النخبة الحاكمة. وقد كانت الحكومة في الماضي (قبل ظهور المُثُل الديموقراطية) تعني السلطة الحاكمة بشكل واضح ومباشر. وقد ظهر هذا الارتباط بشكل واضح حينما نشب الصراع بين الحسيديين من جهة، والمتنجديم (ممثلي المؤسسة الحاخامية) من جهة أخرى، حيث اتهم المتنجديم الحسيديين بأنهم "لا يخافون إلا الإله ولا يخافون الإنسان"، أي السلطة الحاكمة، وذلك حتى تلقي الحكومة القبض عليهم. وتحوي أقدم كتب الصلوات اليهودية دعاء لحاكم البلد، كان يُتلى كل يوم سبت بعد قراءة التوراة. وقد استمر هذا التقليد حتى الوقت الحاضر في الشرق والغرب. ويعود أقدم الأدعية إلى وادي الراين (القرن الحادي عشر) . ولكن الأدعية كانت مُتداوَلة أيضاً في إسبانيا في ذلك الوقت نفسه. وقد حمل يهود السفارد معهم هذا الدعاء: "هو الذي يعطي الخلاص للملوك"، الذي أحرز شيوعاً ولا يزال قائماً في المعابد اليهودية في الكومنولث البريطاني. ويتلو الأرثوذكس في الولايات المتحدة الدعاء السابق ولكنهم يضيفون إليه العبارة التالية: "فليبارك الخالق الرئيس ونائب الرئيس ويحميهما، هما وكل موظفي هذا البلد". ويتلو اليهود المحافظون دعاءً للولايات المتحدة فيقولون: " ... وحكومتها وقادتها ومستشاريها". أما في إسرائيل، فيوجد دعاء خاص من أجل الحكومة، ويبدأ بتأكيد أن "استقلال إسرائيل هو فجر خلاصنا"، ثم يطلب من الإله أن يحمي هذه الدولة، وأن يمنح قادتها النور والحق. ويعقب ذلك دعاء من أجل رخاء يهود العالم، وأن يتم جمع شملهم. وهناك، أخيراً، دعاء من أجل جنود الجيش الإسرائيلي. البِيُّوط Piyyut «بيُّوط» كلمة عبرية مشتقة من كلمة «بويايتيس» اليونانية التي تعني «إنشاد» أو «شعر» (ومنها كلمة «بويتري poetry» الإنجليزية) . وجمع الكلمة العبرية هي «بيوطيم» . وهي نصوص شعرية غنائية تتناول الموضوعات الدينية وتعبِّر عن المشاعر الدينية، وتدخل على الصلوات اليهودية بهدف إثرائها وتزيينها، خصوصاً على صلوات الأعياد والسبوت. ولغة البيوط هي أساساً عبرية المشناه، ولكنها تستخدم مفردات العهد القديم والآرامية، كما أن كُتَّاب البيُّوط نحتوا كلمات جديدة تصل إلى بضعة آلاف. وتتميَّز البيُّوط كذلك بصيغ وبنىً نحوية جديدة. وقد استخدم كتاب البيُّوط إشارات عديدة إلى العهد القديم والمدراش لا يفهمها إلا المتخصص في الأدب المدراشي. ويعود تاريخ البيُّوط إلى القرن الخامس الميلادي في فلسطين. وعندما بدأت تُقحَم على الصلوات، اعترض فقهاء بابل على إدخالها. كما اعترض موسى بن ميمون، فيما بعد، على الصور الشعرية التي تضمها هذه القصائد، والتي كانت متطرفة غير مقبولة من الناحية الدينية، وخصوصاً في حديثها عن الإله. ولكن رغم كل هذه الاعتراضات، استمر إقحام قصائد البيُّوط على الصلوات حتى صارت جزءاً أساسياً منها. ويتجه الإصلاحيون، بل والأرثوذكس، إلى إنقاص عدد قصائد البيُّوط، حتى لا تستغرق الصلاة وقتاً طويلاً، ولأن أسلوبها صعب غير مفهوم لمعظم أعضاء الأبرشية. وقصائد البيوط تعبير عن عدم تَحدُّد النسق الديني اليهودي، وعن تركيبته الجيولوجية التراكمية التي تسمح له بضم أية عناصر أو عقائد مع عدم استيعابها، أو استبعاد أي عنصر مع عدم تأثر البناء ككل. قراءة التوراة Reading of the Law «قراءة التوراة» ترجمة للعبارة العبرية «قريئت هتوراه» ، وهي قراءة أسفار موسى الخمسة على المصلين في المعبد اليهودي. ويبدو أن شعيرة قراءة التوراة هي صدى للعادة المتبعة في الشرق الأدنى القديم حين كانت المعاهدات المبرمة بين الدول المنتصرة والتابعة تنص على أن تُقرَأ بنود المعاهدة في مكان عام على الملك والشعب مرة كل سبعة أعوام، وأن توضع في المعبد بالقرب من الإله. فكأن التوراة هي العقد أو المعاهدة بين الإله باعتباره الملك المنتصر وجماعة يسرائيل باعتبارها الطرف الثاني في المعاهدة، وهي توضع في تابوت الشريعة باعتبارها نص المعاهدة. وتُقرَأ التوراة قبل الصلاة في يوم السبت، وفي الأعياد، وفي عيد القمر الجديد في المعبد اليهودي، وفي أيام الصوم. كما تُقرَأ التوراة أيضاً يومي الاثنين والخميس. وتُستخدَم في القراءة لفائف الشريعة. ويُنادَى على المصلي (الذكر) الذي سيقوم بالتلاوة (عليِّاه لتوراه) ، فيتلو دعاءً قبل قراءة التوراة ودعاءً بعد القراءة. ويُنادَى يوم السبت على سبعة أشخاص للقراءة، وعلى ستة في يوم الغفران، وعلى خمسة في الأعياد، مثل: عيد الفصح أو عيد الأسابيع أو عيد المظال أو عيد رأس السنة، وعلى أربعة في عيد القمر الجديد، وعلى ثلاثة (وهو أصغر عدد ممكن) في الأيام والمناسبات الأخرى مثل أيام الصوم. ولابد أن تضم مجموعة القراء كاهناً، ولاوياً، ويسرائيلياً (أي نفراً من جماعة يسرائيل أي يهودياً) . وأهم القراءات هي التي تتم يوم السبت، حيث تُقرَأ أسفار موسى الخمسة، جزءاً جزءاً، وسفراً سفراً، ويتم الانتهاء منها في دورة كاملة. وكانت هناك دورتان لقراءة أسفار موسى الخمسة: إحداهما بابلية، تُختَم القراءة فيها في عام، والأخرى فلسطينية تستغرق القراءة فيها ثلاث سنوات، وقد سادت الصيغة البابلية. وتُقسَّم الأسفار إلى أربعة وخمسين جزءاً (باراشيوت) ، وتُختَم الصلاة في يوم «بهجة التوراة» (سمحت توراه) أو عيد الثامن الختامي (شميني عصيريت) ، وتبدأ الدورة الجديدة في اليوم نفسه. ويضطر أحياناً إلى قراءة جزءين في يوم السبت حتى يمكن إكمال الدورة في عام واحد. وكانت لفائف الشريعة تؤخذ من تابوت الشريعة، ثم تُعاد إليه بطريقة احتفالية. وإذا كان بين المصلين الذكور شخص يحمل اسم «كوهين» ، يُنادَى عليه أولاً، ثم يليه لاوي، وأخيراً الحاخام. ويقرأ اليهودي الذي وصل سن التكليف الديني (بَرْمتسفاه) من التوراة. وكانت لفائف الشريعة توضع مرة أخرى في تابوت الشريعة. ومن ناحية أخرى، فإن دعوة أحد المصلين لأن يقرأ من التوراة كانت تُعَدُّ ميزة وشرفاً كبيراً. ولذا، كان كثير من المصلين يحاولون الاستئثار بهذا الفضل بإعطاء الهدايا للجماعة. ولذا، فقد كان يتم بيع هذه المزايا بالمزاد العام لتمويل المعبد. ولكن هذه العادة بدأت في الاختفاء بالتدريج، وخصوصاً في المعابد الإصلاحية والمحافظة، وإن كان يبدو أنها لا تزال قائمة في الأوساط الأرثوذكسية. وتكتفي المعابد اليهودية الإصلاحية بقراءة مقطوعات مختارة، كما أن بعضها قد أوقف هذه العادة تماماً. وقد تبنت بعض المعابد المحافظة الدورة الفلسطينية، بحيث تُختَم القراءة مرة كل ثلاثة أعوام. ومن المطالب الأساسية لحركات التمركز حول الأنثى بين يهود أمريكا المطالبة بحق قراءة المرأة التوراة في الصلاة وأمام حائط المبكى. وبالفعل، تسمح المعابد لليهودية الإصلاحية والمحافظة بذلك، على خلاف الأرثوذكس الذين يتمسكون بتعاليم دينهم. وتقوم كل عام مظاهرة أمام حائط المبكى حيث تحاول النساء الأمريكيات تلاوة التوراة وهن يرتدين شال الصلاة (طاليت) . كل النذور (دعاء) Kol Nidre «كل النذور» ترجمة عربية للعبارة الآرامية «كول نيدري» . وهو دعاء يهودي باللغة الآرامية تُفتتَح به صلاة العشاء في يوم الغفران. وهي أولى الصلوات، ويبدأ ترتيله قبل الغروب، ويستمر إلى أن تَغرُب الشمس. ويرتدي المصلون شال الصلاة (طاليت) الذي لا يتم ارتداؤه عادةً إلا في صلاة الصباح في الأيام العادية. وقد بدأت ممارسة هذه العادة منذ القرن الثامن، لكن مصدرها وأصلها غير معروفين. وقد عارضها بعض فقهاء العراق من اليهود في القرن التاسع، وأكدوا أنها عادة لا تُمارَس في بلادهم. ومع ذلك، فقد أصبح دعاء كل النذور الدعاء المفضل لدى اليهود، واكتسب قدسية خاصة، وهو عبارة عن إعلان إلغاء جميع النذور والعهود التي قطعها اليهود على أنفسهم، ولم يتمكنوا من الوفاء بها طوال السنة. وقد غيَّرها أحد الحاخامات ليجعلها تشير إلى العام المقبل، وهي الصيغة الشائعة بين الإشكناز. وتُتلى هذه الصلاة ثلاث مرات، حتى تتأكد دلالتها، وحتى يسمعها الجميع، وهكذا يتخلصون من عبء الشعور بالذنب، فيبدأون الاحتفال بأقدس يوم عندهم مرتاحي الضمير تماماً. ومنطوق الدعاء هو: «نعبِّر عن ندمنا عن كل النذور والتحريمات والأيمان واللعنات التي نذرناها وأقسمنا بها ووعدنا بها والتي حلت ولم نف بها من يوم الغفران هذا حتى الذي يليه، والذي ننتظر مقدمه السعيد، فلتكن كلها منسية، ونكون في حلٍّ منها، معفين منها، ملغاة ولا أثر لها، ولن تكون مُلزمة لنا ولا سلطة لها علينا. والنذور لن تُعَدَّ نذوراً، والتحريمات لن تُعَدَّ تحريمات، ولن تُعدَّ الأيمان أيماناً» . وقد تَعرَّض اليهود للهجوم الشديد بسبب هذا الدعاء، فقيل إن أي وعد، أو أي قَسَم صادر عن يهودي، لا قيمة له ولا يمكن الوثوق به، وقيل أيضاً إن هذا الدعاء كان سلاح اليهود المتخفين الذين تظاهروا بالإسلام أو المسيحية، مثل الدونمه أو المارانو، وظلوا يهوداً في الخفاء. فكان دعاء «كل النذور» وسيلتهم في التحلل من كل العهود التي قطعوها على أنفسهم. وقد حاول الحاخامات جاهدين شرح المقصود بهذا الدعاء، فهو، حسب تفسير بعضهم، لا يُحل اليهودي من وعوده وتعهداته أمام الآخرين (فهذه لا تحلُّل منها إلا باتفاق الطرفين) وإنما هو يحله من وعوده للإله. وحينما كانت تتم مناقشة مسألة منح اليهود حقوقهم في روسيا وإعتاقهم، طُلب إلى اليهود إعداد مقدمة للدعاء بالعبرية يأتي فيها أن الوعود التي يُحَلّ منها هي الوعود التي قطعها اليهودي على نفسه تجاه نفسه وليس العهود التي قطعها على نفسه تجاه الآخرين. وقد أثر دعاء كل النذور في القَسَم اليهودي وصياغته في العصور الوسطى. وقد حذفت اليهودية الإصلاحية هذا الدعاء واستبقت اللحن وحده بعض الوقت، ولكنها أعادته في الآونة الأخيرة. وفي انتخابات الكنيست عام 1988، قام بعض «حكماء» حزب شاس (الليتواني سليل المتنجديم) بتلاوة دعاء كل النذور على شاشة التليفزيون ليُحلُُّوا الناخبين الذين وعدوا بإدلاء أصواتهم لحزب أجودات إسرائيل (ذي الأصول الحسيدية) من وعودهم حتى يمكنهم الإدلاء بها لمرشحي حزب شاس! وتقوم بعض الكيبوتسات العلمانية بإنشاد بعض القصائد والأغاني في عيد يوم الغفران، وقد يكون من بينها الموسيقى المصاحبة لدعاء كل النذور. القاديش (تسابيح) Kaddish «قاديش» كلمة آرامية تعني «مقدَّس» ، و «القاديش» نوع من أشهر التسابيح الدينية اليهودية المكتوبة بالآرامية. وأصله قديم، فقد عُرف منذ عهد الهيكل الثاني، إذ كان يُتلى قبل وبعد الصلاة أو قبل وبعد قراءة التوراة، إلا أنه لم يكتسب صيغته الحالية إلا في القرنين الثامن والتاسع الميلاديين. وتسبيح القاديش كلمات تمجيد لاسم الإله وملكه والخضوع لحكمه ومشيئته والتعبير عن الأمل في سرعة مجيء الماشيَّح. وقد تَطوَّر القاديش وأُدخلت عليه عدة إضافات، وهو يشكل الجزء الختامي في الصلاة اليهودية (الشماع، الأدعية، القاديش) . وقد تعدَّدت الأدعية التي تُسمَّى «القاديش» ، وأصبح هناك أربعة أنواع أساسية: 1 ـ القاديش القصير (أو نصف القاديش) ويُتلى قبل أو بعد أجزاء معيَّنة من الصلاة. 2 ـ القاديش الكامل وهو الجزء الختامي في الصلاة اليهودية. 3 ـ القاديش الحاخامي ويُتلى بعد الانتهاء من الدرس. 4 ـ قاديش الحداد ويتلوه أقارب الميت، وقد أصبح أهم الأنواع بعد قاديش الصلاة. وحينما يُتلى القاديش كصلاة حداد على أرواح الموتى، فإن ابن الميت هو الذي يقوم بالتلاوة (وإذا لم يكن هناك ابن، فذكر رشيد من الأسرة، أو أي يهودي متطوِّع) . ويستمر ترتيل القاديش طيلة أحد عشر شهراً ويوم واحد من تاريخ الوفاة. والسبب في طول هذه المدة هو اعتقاد اليهود بأن عقاب الآثمين في جهنم يدوم عاماً كاملاً، ولهذا فيجب أن تتوقف تلاوة القاديش قبل تمام السنة حتى لا يبدو أن الفقيد كان من المذنبين، كما أن القاديش يُتلى أيضاً في الذكرى السنوية. وبانتشار القبَّالاه، أصبح قاديش الحداد نوعاً من أنواع الشفاعة والصيغة السحرية التي يمكنها التأثير في الإرادة الإلهية. وهناك أسطورة يهودية مفادها أن الحاخام عقيبا قد نال المغفرة لرجل حيث علَّم ابنه كيف يتلو قاديش الحداد على روح أبيه. وفي الوقت الحاضر، تسمح المعابد الإصلاحية والمحافظة للنساء بقراءة القاديش، ولعل هذا يرجع إلى تأثير المحيط المسيحي (حيث تقوم النساء بإشعال الشموع لإحياء ذكرى الموتى) . الاستغراق (كفاناه) Kavanah «الاستغراق» ترجمة لكلمة «كفاناه» العبرية التي تعني «اتجاه» أو «نيَّة» ، وهي تشير إلى حالة الاستغراق العقلية والروحية الكاملة أثناء الصلاة أو أثناء تنفيذ الأوامر والنواهي التي تأخذ شكل تركيز كامل على ما هو مقدَّس وإهمال كامل لغير المقدَّس. ويركز القبَّاليون، وخصوصاً أتباع لوريا، على هذا الجانب من التجربة الدينية. وقد كُتبت دراسات عن كيفية الوصول إلى التركيز أو الاستغراق أو الشطحة الصوفية. ويرى القبَّاليون أن الصلاة التي تُتلى بهذا الاستغراق تؤثر في التجليات النورانية العشرة (سفيروت) . والمفروض أن استغراق اليهودي في الصلاة يؤثر في عملية الإصلاح الكونية التي يُولَد الإله من خلالها من جديد أو يجمع ذاته الإلهية التي تبعثرت، فتعود كل الأشياء إلى مكانها، وضمن ذلك عودة جماعة يسرائيل إلى فلسطين. والاستغراق يؤدي إلى حالة الالتصاق الكاملة والتوحد بالإله (ديفيقوت) . كتب الصلوات اليهودية (سدُّور) Prayer Books; Siddur تُسمَّى كتب الصلوات اليومية عند الإشكناز «سدُّور» ، من الكلمة العبرية «سدْر» التي تعني «نظام» . أما بين السفارد، فتُسمَّى كتب الصلاة «سيفر تفيلاه» . وهذه الكتب تضم الصلوات اليهودية المفروضة والاختيارية، كما تضم بعض النصوص الدينية المأخوذة من الكتب اليهودية الدينية، وبعض الأدعية والأغاني (بيوط) التي تُتلى في السبت، وأحياناً كل المزامير، وبعض فصول المشناه التي عادةً ما تُتلى قبل أو بعد الصلاة، وكل المعلومات التي قد يحتاج إليها المصلي أثناء أداء الصلاة في المعبد اليهودي. ويختلف حجم هذه الكتب حسب الغرض الذي أُعدت من أجله، ولكنها جميعاً تحوي الصلوات اليهودية الثلاث الأساسية. ورغم شيوع كلمة «سدور» بمعنى كتب الصلاة، هناك نوعان: (1) سدور. وتُشير إلى الكتب التي تضم الصلوات الأصلية. (2) محزور. وتضم الصلوات، وكذا الأغاني (بيوط) . وتختلف كتب الصلوات اليهودية باختلاف البيئة، فثمة اختلاف بين الكتب الإشكنازية والكتب السفاردية، وهناك أيضاً اختلاف بين الكتب اليهودية الإصلاحية والكتب المحافظة والكتب الأرثوذكسية. فالإصلاحيون ترجموا كل الصلوات إلى اللغة المحلية، وأبقوا نصوصاً عبرية قليلة. كما استبعدوا كل الصلوات ذات الطابع القومي الديني، مثل الصلوات من أجل العودة إلى فلسطين، والأدعية بسقوط أعداء اليهود، ودعاء كل النذور. وقد بلغ رفض الأرثوذكس لكتب الصلوات الخاصة بالإصلاحيين حد أن أحد الأعضاء المتدينين بصق، أثناء مناقشة مسألة الهوية اليهودية في الكنيست، على نسخة من كتاب صلوات إصلاحي ثم ألقاها على الأرض. أما كتب المحافظين والأرثوذكس، فقد أكدت أفكار الأمة والشعب المختار والعودة، كما أنها استبقت العبرية تأكيداً لاستقلال اليهود الديني الإثني. وتحتوي كتب المحافظين على إشارات إلى عيد استقلال إسرائيل، كما لو كان مناسبة دينية جليلة. أما كتب اليهودية التجديدية، فتحوي إشارات إلى الإبادة النازية، كما تحوي أناشيد شكر على توطين اليهود في الولايات المتحدة. كما أنها حذفت كل الإشارات إلى البعث والثواب والعقاب وكل المفاهيم غير العلمية، أي أنها تعبير عن الحلولية الدنيوية (أي حلولية بدون إله) ! وكتب الصلوات اليهودية عرضة للتغيير الدائم بسبب تداخل العنصر الديني والعنصر الدنيوي حتى أن بعض يهود العالم يقومون بوضع كتب صلوات ثم يطبعونها على الاستنسل على عجل حينما تجدّ مناسبة قومية دينية يريدون الاحتفال الفوري بها، مثل انتصار عام 1967 الفجائي، وذلك حتى لا يضيعوا وقتهم في انتظار المطبعة. وتتضمن كتب الصلوات في إسرائيل إشارات لإعلان الدولة الصهيونية، ولأولئك الذين سقطوا أثناء الدفاع عن إسرائيل. وقد نظمت حاخامية الجيش الإسرائيلي صلاة خاصة بالمظليين كتبها الحاخام جورين. وبعد حرب يونيه 1967، عدلت بعض المعابد في إسرائيل الصلوات الخاصة بها وتغيَّر الدعاء من «الالتقاء العام القادم في أورشليم» إلى الدعاء بإعادة بنائها. وقد عُدِّلت الصلوات في عيد استقلال إسرائيل. وثمة اتجاه لإعادة تعديلها مرة أخرى لتأكيد الأهمية الدينية لهذه المناسبة، ولتأكيد أن الخلاص يتم على يد جيش إسرائيل لا على يد الإله. وقد كان يظهر في كتب الصلاة في الماضي دعاء يقول: «نحمد الإله على أنه لم يجعلنا مثل أمم الأرض. فهم يسجدون للباطل والعدم ويصلون لإله لا ينفعهم» . وقد حُذف الجزء الأخير بعد عصر التنوير، ولكنه ظل يُتداوَل شفوياً في شرق أوربا ثم أضيف من جديد في بعض كتب الصلاة في إسرائيل. كتب صلوات العيد (مَحزور) Mahzor «كتب صلوات العيد» المقابل العربي لكلمة «مَحَزورْ» العبرية وتعني «دورة» . وتشير الكلمة إلى كتب الأدعية والصلوات الخاصة بالأعياد. وكانت كتب المَحَزورْ تضم في البداية كل صلوات العام بأكمله، ومنها الصلوات اليومية وصلاة يوم السبت، ولكنها أصبحت تضم صلوات الأعياد وحسب مقابل السدور (وهي كتب الصلوات لكل أيام السنة) . ولكل فرقة يهودية كتابها الخاص بها: فهناك كتاب صلوات الأعياد للسفارد، وثلاثة للإشكناز، إذ هناك واحد للأرثوذكس وآخر للمحافظين وثالث للإصلاحيين. ويبدأ كتاب الأرثوذكس بالأدعية التقليدية، حيث يشكر اليهودي الإله لأنه لم يخلقه من الأغيار ولا عبداً ولا امرأة (أما النساء فيشكرنه لأنه خلقهن حسب مشيئته) ويُختَم الدعاء بالابتهال لإعادة بناء الهيكل، وبأن تُقدِّم فيه جماعة يسرائيل القرابين مرة أخرى. ويضم الكتاب أيضاً إشارات إلى الثواب والعقاب والبعث والحياة بعد الموت، واختيار جماعة يسرائيل، وشريعة الإله التي لا تتغيَّر، وإلى المعجزات الإلهية. كما يتحدث كتاب المحزور الأرثوذكسي عن نفي جماعة يسرائيل باعتبار أن ذلك عقاب لها على خطاياها. وقد وجَّه أعضاء الفرق الأخرى النقد للكتاب بسبب غيبيته، وبسبب المفاهيم التي يعتبرها أعضاء الفرق الأخرى منافية لروح العصر الحديث. كما أنهم يرون فيه تجاهلاً لأحداث تاريخية مهمة مثل الإبادة النازية وتأسيس الدولة، وهو نقد مقبول من وجهة نظر حلولية دنيوية، على اعتبار أن الأحداث التاريخية التي تقع لليهود تكتسب قدراً من القداسة. وقد أسقطت كتب المحزور الخاصة بالفرق الأخرى الأدعية الافتتاحية الخاصة بالأغيار والعبيد والنساء. وبدلاً من ذلك، يحمد اليهودي الإله لأنه خلقه يهودياً حراً. وقد أسقطت الكتب إشارات للماشيَّح، ولكنها بدلاً من ذلك تستخدم كلمة «الخلاص» . وتحت تأثير حركة التمركز حول الأنثى، ظهرت أدعية تتحدث عن الإله باعتباره ذكراً وأنثى (ومن ثم تستخدم كلمة «الشخيناه» أي التعبير الأنثوي عن الإله للإشارة إليه) . ويتحدث كتاب المحزور الإصلاحي عن رب الآباء إبراهيم وإسحق ويعقوب، ورب الأمهات سارة ورفقة وراحيل وليئه. كذلك تُسقط الكتب الإصلاحية أية إشارة للبعث واليوم الآخر والشريعة التي لا تتغيَّر. وتشير بعض كتب المحزور إلى إنشاء إسرائيل باعتباره حدثاً مقدَّساً، وكذا إلى هجرة اليهود السوفييت. وهناك كتب مَحَزورْ علمانية (أي حلولية دنيوية بدون إله) تحتفل بدورة الأعياد باعتبارها دورة كونية، وأخرى تنظر إلى حادثة الخروج من مصر باعتبارها حدثاً قومياً وحسب، وهكذا. وتتضمن كتب المحزور المحافظة قراءات بديلة بحيث يختار المصلي الصلاة التي تروق له. الوضوء Ablution تنص الشريعة اليهودية على ضرورة الاغتسال أو الوضوء للتطهر قبل تأدية فرائض دينية معينة، وبعد أي شيء يسبِّب النجاسة. وهناك ثلاثة أشكال للوضوء: 1 ـ الحمام الطقوسي (مقفيه) للمتهودين وللسيدات بعد الدورة الشهرية. 2 ـ غسل القدمين واليدين (للكهنة قبل أداء الفرائض في الهيكل) . 3 ـ غسل اليدين. وتنص الشريعة على ضرورة أن يغسل اليهودي يديه قبل الأكل أو الصلاة، وبعد الاستيقاظ من النوم، وبعد زيارة المدافن أو دخول دورة المياه. النصاب الشرعي (منيان) Minyan «النصاب الشرعي» ترجمة لكلمة «منيان» العبرية التي تعني حرفياً «عدد» . وتُطلَق الكلمة على أية مجموعة لا تقل عن عشرة ذكور بالغين، فهذا العدد يُكوِّن النصاب الشرعي المطلوب للقيام بصلاة الجماعة اليهودية، ويُعتبَر أفراده ممثلين لجماعة يسرائيل. ويكون العدد نفسه مطلوباً أيضاً للقيام بعملية الختان أو لإقامة شعائر دينية أخرى. وتحت ضغط حركة التمركز حول الأنثى تسمح اليهودية المحافظة أو الإصلاحية الآن بأن يكون للنساء جزء من النصاب الشرعي المطلوب. شال الصلاة (طاليت) Tallit «شال الصلاة» ترجمة لكلمة «طاليت» العبرية التي قد تكون مستعارة من كلمة يونانية بمعنى «سرق» . وتُستخدَم الكلمة في التلمود والمدراش بمعنى «ملاءة» أو أي رداء يشبه الملاءة. وشال الطاليت مستطيل الشكل، عادةً تكون نسبة طوله إلى عرضه 9: 8 تقريباً. والضلعان الأصغران للشال محلَّيان بالأهداب (تسيت تسيت) . وعادةً ما يختار المصلون شالاً يصل إلى تحت الركبة. وكانت الأهداب زرقاء في العادة، ولكن خلافاً نشأ بين الحاخامات بشأن اللون الأزرق ودرجة الزرقة، فتقرَّر أن يكون اللون أبيض. ومع هذا، هناك دائماً خطوط زرقاء أو سوداء في أطراف الشال (والأبيض والأزرق هما لونا عَلَم الدولة الصهيونية) . ويكون هذا الشال عادةً من الصوف أو الكتان، ولكن الحرير كثيراً ما يُستخدَم، وخصوصاً بين الأثرياء، في الماضي وفي العصر الحديث. كما كان شال الكهنة يُوشَّى في الماضي بخيوط من الذهب، ولكن هذا الأمر أصبح الآن مقصوراً على أثرياء اليهود. وكذلك هناك أنواع من شيلان الصلاة السوداء في اليمن، والملونة في المغرب. وكان اليهود يرتدون الشال طيلة اليوم قبل التهجير البابلي، ليقيهم شر الحر. ولكن، بعد التهجير البابلي، وبعد انتشار اليهود في أنحاء العالم، تأثر اليهود بالمحيط الحضاري الذي يعيشون فيه، وأصبح الشال رداءً دينياً وحسب. ويرتدي الذكور الشال أثناء صلاة الصبح، وفي كل الصلوات الإضافية، إلا في التاسع من آب حيث يرتدونه أثناء صلاة الظهيرة أيضاً. كما يرتدونه في كل صلوات عيد يوم الغفران، وخصوصاً في دعاء كل النذور، ليُذكِّرهم ذلك بأوامر ونواهي العهد القديم. ويباح للصبية ارتداؤه بشروط معيَّنة. وقبل أن يرتدي اليهودي الطاليت، يتلو الدعاء التالي: "مبارك أنت يا إلهنا، ملك الدنيا، يا من قدستنا بوصاياك العشر، وأمرتنا أن نلف أنفسنا بالرداء ذي الأهداب". ويوضع الطاليت، أولاً على الرأس، ثم توضع أطرافه الأربعة على الكتف الأيسر على طريقة الإسماعيليين (بالعبرية: عطيفات يشماعيليم) ، والإسماعيليون هم العرب. وبعد وقفة قصيرة يدَعون الأطراف الأربعة تأخذ وضعها الطبيعي، فيتدلى طرفان من كل جانب. وعلى المصلي أن يرتدي شال الصلاة قبل أن يضع تمائم الصلاة (تفيلين) . وكان من عادة اليهود المغالين في تدينهم أن يرتدوا الشال والتمائم قبل الذهاب إلى المعبد ويسيروا بها في الطريق. وأثناء الصلاة تُتلى النصوص الخاصة بالأهداب، فيضع المصلون (من الأرثوذكس والمحافظين) الأهداب على عيونهم وأفواههم ويضغطون عليها. والأهداب، مثلها مثل تميمة الباب (مزوزاه) ، وتمائم الصلاة (تفيلين) ، تُذكِّر اليهود بالأوامر والنواهي. ويرتدي العريس الشال في حفل زفافه، كما يُكفَّن به أيضاً عند مماته بعد نزع الأهداب منه. والملاحَظ أن عادة ارتداء الشال تختلف من مجتمع إلى آخر. وهناك نوع أصغر من الطاليت يُسمَّى «طاليت قاطان» أو الشال الصغير (مقابل الطاليت جادول ومعناها «الشال الكبير» ) يرتديه اليهود الأرثوذكس بصفة دائمة تحت ملابسهم. أما الإصلاحيون، فقد استغنوا عن شال الصلاة كلية، ولا يرتديه سوى الحاخام أو المرتل (حزَّان) أو المصلين الذين يُدعَون لقراءة التوراة. وتحت تأثير حركة التمركز حول الأنثى تصرح كل الفرق اليهودية للنساء (الآن) بارتداء شال الصلاة، باستثناء بعض الجماعات الأرثوذكسية، وليس كلها. كما بدأت نصيرات حركات التمركز حول الأنثى يستخدمن شيلاناً للصلاة ذات طابع أنثوي (لونها وردي ومزخرفة بالدانتيلا والشرائط) . الأهداب (تسيت تسيت) Tiztzith «الأهداب» هي الترجمة العربية لكلمة «تسيت تسيت» العبرية والتي يُشار إليها أيضاً بالتعبير العبري «أربع كنافوت» ، أي «الأركان الأربعة» . وتعود عادة ارتداء ملابس ذات أهداب (بين العبرانيين) إلى عصور سحيقة، إذ تصوِّرهم بعض الآثار الآشورية مرتدين مثل هذه الأهداب. ويبدو أن العادة نفسها كانت آشورية وبابلية، وكانت الأهداب تُعرَف باسم «سيسيكتو» ، وأحياناً «زيكو» . ومن المفروض أنها كانت تضمن لمرتديها حماية الإله. وأي دعاء يتلوه المرء وهو ممسك بهذه الأهداب لا يمكن أن يخيب أو يُرَدُّ، فكأن الأهداب نوع من أنواع التمائم. وقد ورد في العهد القديم (عدد 15/37 ـ 41) أن الإله طلب إلى أعضاء جماعة يسرائيل أن "يصنعوا لهم أهداباً (تسيت تسيت) في أذيال ثيابهم" و"يجعلوا على هدب الذيل عصابة من أسمانجوني"، أي اللون الأزرق، لتُذكِّرهم بوصاياه. وقد وردت التوصية أيضاً في سفر التثنية (22/12) ، وإن كانت الإشارة الحرفية إلى الجدائل وليس الأهداب. ولا يوجد في العهد القديم أي تفسير للون الأزرق، وإن كان التلمود يرى أنه لون السماء. وقد كان من الصعب الحصول على الصبغة المطلوبة، كما نشأت معركة بين الحاخامات حول درجة الزرقة المطلوبة. ولما لم تُحسَم المسألة، تُركَت الأهداب بيضاء. ومنذ القرن الثاني الميلادي، أصبح هذا رأي معظم الحاخامات، ومع القرن الثامن تَقبَّله كل اليهود. وقد كان العبرانيون يرتدون الأهداب على كل ملابسهم، ولكن بعد أن تبنوا أزياء اليونانيين والرومان أصبح من المعتاد أن تقتصر الأهداب على قطعة من القماش مستطيلة (مثل الشال) أهدابها زرقاء. ويُسمَّى هنا أيضاً «طاليت جادول» ، أي «الشال الكبير» ، مقابل «طاليت قاطان» ، أي «الشال الصغير» . وهو قطعة قماش صغيرة مستطيلة بها فتحة للرأس محلاة بالأهداب في أركانها الأربعة. ومن هنا الإشارة لهذا الشال أحياناً بكلمة «تسيت تسيت» ، وأحياناً أخرى بكلمة «أربع كنافوت» . تميمة الصلاة (تفيلين) Tefilin; Phylacteries «تميمة الصلاة» هي المقابل العربي لكلمة «تفيلِّين» ، وهي صيغة جمع مفردها «تفيلاه» . وربما تكون الكلمة قد اشتُقت من كلمة آرامية بمعنى «يربط» . ولأن كلمة «تفيَّلاه» تعني «صلاة» ، فقد ارتبطت الكلمتان في الوجدان الشعبي وأصبح من المألوف أن يُقال إن كلمة «تفيَّلاه» بمعنى «صلاة» هي الأصل اللغوي لكلمة «تفيلين» . وقد ذكر البعض أن الكلمة مشتقة من كلمة عبرية بمعنى «يفضل» أو «يميز» ، وهو ما يدل على انفصال اليهود وانعزالهم عن الأغيار. وتميمة الصلاة عبارة عن صندوقين صغيرين من الجلد يحتويان على فقرات من التوراة، من بينها الشماع أو شهادة التوحيد عند اليهود كُتبت على رقائق ويُثبَّت الصندوقان بسيور من الجلد. ويبدو أن هذه التميمة تعود إلى تورايخ قديمة، بعضها يتفق مع الشكل الحالي، وبعضها لا يتفق، مثل تلك التي وُجدت في كهوف قمران. وقد نشب صراع في القرن الثامن عشر بين فقهاء اليهود حول طريقة ارتداء هذه التمائم، وأُخذ برأي راشي في نهاية الأمر. وقد نجح الفقه اليهودي في فرض هذه التميمة بتفسيره الفقرة التالية من سفر التثنية تفسيراً حرفياً: "واربطها علامة على يدك، ولتكن عصائب بين عينيك" (تثنية 6/8) . ولذا، يثبتها اليهودي البالغ حسب الترتيب التالي: يضع الصندوق الأول على ذراعه اليسرى ويثبته بسير من جلد يُلَف على الذراع ثم على الساعد سبع لفات ثم على اليد، ويُثبَّت الصندوق الثاني بين العينين على الجبهة بسير أيضاً كعصابة حول الرأس، ثم يعود ويتم لف السير الأول ثلاث لفات على إصبع اليد اليسرى، ويُزال بعد الصلاة بالنظام الذي وُضع به. ويرتدي اليهودي تمائم الصلاة بعد ارتدائه شال الصلاة (طاليت) . ويُلاحَظ أن ترتيب ارتداء تميمة الصلاة عند السفارد مختلف نوعاً ما عن ترتيبه عند الإشكناز. فيلف الإشكناز على الذراع عكس اتجاه الساعة، أما السفارد فيلفونه باتجاه الساعة، وقد تبعهم في ذلك الحسيديون. وتُرتَدى التميمة أثناء صلاة الصباح خلال أيام الأسبوع، ولا تُرتَدى في أيام السبت والأعياد. ويؤكد التلمود أهمية تميمة الصلاة، فقد جاء أن الإله نفسه يرتديها حينما يسمع الفقرة التالية من سفر أخبار الأيام الأول (17/21) "وأية أمة على الأرض مثل شعبك يسرائيل". أما القبَّالاه، فقد حولت شعائر ارتداء التمائم إلى تجربة صوفية حلولية، إذ على اليهودي أن يقول "لقد أمرنا أن نرتدي التمائم على ذراعنا تذكرةً لنا بذراعه الممتدة، وفي مقابل القلب حتى يعلمنا أن نخضع تطلعات قلوبنا ولخدمته، وعلى الرأس في مقابل المخ ليعلمنا أن العقل، الذي يوجد في المخ، وكل الحواس والملكات، تخضع لخدمته".ويرى اليهودي أن تميمة الصلاة عاصم من الخطأ، ومُحصِّن ضد الخطايا. وإذا حدث ووقعت التمائم على الأرض، فينبغي على اليهودي أن يصوم يوماً كاملاً. وقد أسقطت اليهودية الإصلاحية استخدام التمائم. وقال جايجر إنها كانت في الأصل حجاباً وثنياً. طاقية الصلاة (يرمُلكا) Yarmulke كلمة «طاقية» العربية يقابلها في العبرية «قَبَّه» ، ويُقال لها في اليديشية «يرمُلكا» ، وهي القلنسوة التي يلبسها اليهودي على رأسه لأداء الصلاة في المعبد ويلبسها المتدينون من اليهود الأرثوذكس على الدوام، وهي تشبه شال الصلاة (طاليت) الذي يرتديه البعض أثناء الصلاة ويرتديه الأرثوذكس في حياتهم اليومية كلها. ولا توجد أية إشارة في التوراة أو التلمود إلى ضرورة تغطية الرأس أثناء الصلاة، ولكن الشولحان عاروخ يجعل ذلك فرضاً. ويبدو أن هذه العادة ذات أصل بولندي، فاليرمُلكا كان غطاء الرأس الخاص بالأرستقراطية البولندية. ولا يلبس اليهود الإصلاحيون الطاقية أثناء الصلاة، بينما يُصر اليهود الأرثوذكس على ذلك. أما اليهود المحافظون فيلبسونها من قبيل الاهتمام بالفلكلور. وقد أثيرت مؤخراً في الولايات المتحدة مشكلة الطاقية، حيث أصر أحد الضباط اليهود على ارتدائها أثناء عمله رافضاً طلب رئيسه بخلعها ولبس الزي العسكري، بل قام برفع دعوى أمام المحكمة الدستورية العليا (ولكنها حكمت ضده) . البوق (شوفار) Shofar كلمة «بوق» تقابلها في العبرية لفظة «شوفار» ، والبوق يكون مصنوعاً من قرن كبش، ويُقال إن أول بوق صُنع من قرن الكبش الذي ضحَّى به إبراهيم افتداءً لابنه. ويبلغ طول البوق ما بين عشر بوصات واثنتي عشرة بوصة. وقد استخدم العبرانيون البوق في المناسبات الدينية مثل إعلان السنة السبتية، وسنة اليوبيل، وتكريس الملك الجديد عن طريق مسحه بالزيت، كما يُنفَخ في البوق في عيد رأس السنة، وفي يوم الغفران بعد صلاة الختام (نعيلاه) . ويُتلى في رأس السنة مزمور (47) : "ياجميع الأمم صفقوا بالأيادي لأن الرب عليّ مخوف ملك كبير على كل الأرض. يخضع الشعوب تحتنا والأمم تحت أقدامنا". وُيتلى المزمور سبع مرات رمزاً لعدد المرات التي طافها أعضاء جماعة يسرائيل حول أريحا قبل أن ينفخوا في البوق، فسقطت أسوارها. ولكن لا يصح النفخ فيه إذا وقعت رأس السنة يوم سبت. ويرى بعض اليهود المتدينين أن النفخ في البوق يربك الشيطان. وقد أُعيد بعث هذا التقليد الديني في إسرائيل، فيُنفَخ في البوق حين يؤدي رئيس الدولة اليمين، وللإعلان عن عيد رأس السنة اليهودية. ولا يزال يُستخدَم هذا في المعابد اليهودية، وفي بعض الأحياء اليهودية الأرثوذكسية، للإعلان عن مقدم يوم السبت. وحينما احتُلت القدس عام 1967، ذهب الحاخام الجنرال جورين، ونفخ في بوقه أمام حائط المبكى، وهو نفسه البوق الذي نُفخ فيه فوق جبل سيناء حينما احتلت إسرائيل شبه الجزيرة المصرية (سيناء) عدة شهور عام 1956. ويُكتَب على البوق في العصر الحديث عبارة «السنة القادمة في القدس» . |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
الأغيار (جوييم)
Gentiles; Goyyim «الأغيار» هي المقابل العربي للكلمة العبرية «جوييم» ، وهذه هي صيغة الجمع للكلمة العبرية «جوي» التي تعني «شعب» أو «قوم» (وقد انتقلت إلى العربية بمعنى «غوغاء» و «دهماء» ) . وقد كانت الكلمة تنطبق في بادئ الأمر على اليهود وغير اليهود ولكنها بعد ذلك استُخدمت للإشارة إلى الأمم غير اليهودية دون سواها، ومن هنا كان المُصطلَح العربي «الأغيار» . وقد اكتسبت الكلمة إيحاءات بالذم والقدح، وأصبح معناها «الغريب» أو «الآخر» . والأغيار درجات أدناها العكوم، أي عبدة الأوثان والأصنام (بالعبرية: عوبدي كوخافيم أو مزالوت أي «عبدة الكواكب والأفلاك السائرة» ) ، وأعلاها أولئك الذين تركوا عبادة الأوثان، أي المسيحيون والمسلمون. وهناك أيضاً مستوى وسيط من الأغيار «جيريم» أي «المجاورين» أو «الساكنين في الجوار» (مثل السامريين) . ولا يوجد موقف موحَّد من الأغيار في الشريعة اليهودية. فهي بوصفها تركيباً جيولوجياً تراكمياً، تنطوي على نزعة توحيدية عالمية وأخرى حلولية قومية. وتنص الشريعة اليهودية على أن الأتقياء من كل الأمم سيكون لهم نصيب في العالم الآخر، كما أن هناك في الكتابات الدينية اليهودية إشارات عديدة إلى حقوق الأجنبي وضرورة إكرامه. وتشكل فكرة شريعة نوح إطاراً أخلاقياً مشتركاً لليهود وغير اليهود. ولكن، إلى جانب ذلك، هناك أيضاً النزعة الحلولية المتطرفة، التي تتبدى في التمييز الحادّ والقاطع بين اليهود كشعب مختار أو كشعب مقدَّس يحل فيه الإله من جهة والشعوب الأخرى التي تقع خارج دائرة القداسة من جهة أخرى. فقد جاء في سفر أشعياء (61/5 ـ 6) : "ويقف الأجانب ويرعون غنمكم ويكون بنو الغريب حراثيكم وكراميكم. أما أنتم فتُدعَون كهنة الرب تُسمَّون خدام إلهنا. تأكلون ثروة الأمم وعلى مجدهم تتأمَّرون". كما جاء في سفر ميخا (4/12) : "قومي ودوسي يا بنت صهيون لأني أجعل قرنك حديداً وأظلافك أجعلها نحاساً فتسحقين شعوباً كثيرين"..... وقد ساهم حاخامات اليهود في تعميق هذا الاتجاه الانفصالي من خلال الشريعة الشفوية التي تعبِّر عن تزايد هيمنة الطبقة الحلولية داخل اليهودية، فنجدهم قد أعادوا تفسير حظر الزواج من أبناء الأمم الكنعانية السبع الوثنية (تثنية 7/2 ـ 4) ، ووسعوا نطاقه بحيث أصبح ينطبق على جميع الأغيار دون تمييز بين درجات عليا ودنيا. وقد ظل الحظر يمتد ويتسع حتى أصبح يتضمن مجرد تناول الطعام (حتى ولو كان شرعياً) مع الأغيار، بل أصبح ينطبق أيضاً على طعام قام جوي (غريب) بطهوه، حتى وإن طبَّق قوانين الطعام اليهودية. كما أن الزواج المُختلَط، أي الزواج من الأغيار، غير مُعترَف به في الشريعة اليهودية، ويُنظَر إلى الأغيار على اعتبار أنهم كاذبون في بطبيعتهم، ولذا لا يؤخذ بشهاداتهم في المحاكم الشرعية اليهودية، ولا يصح الاحتفال معهم بأعيادهم إلا إذا أدَّى الامتناع عن ذلك إلى إلحاق الأذى باليهود. وقد تم تضييق النطاق الدلالي لبعض كلمات، مثل «أخيك» و «رجل» ، التي تشير إلى البشر ككل بحيث أصبحت تشير إلى اليهود وحسب وتستبعد الآخرين، فإن كان هناك نهي عن سرقة «أخيك» فإن معنى ذلك يكون في الواقع «أخيك اليهودي» . وقد تحوَّل هذا الرفض إلى عدوانية واضحة في التلمود الذي يدعو دعوة صريحة (في بعض أجزائه المتناقضة) إلى قتل الغريب، حتى ولو كان من أحسن الناس خلقاً. وقد سببت هذه العدوانية اللا عقلية كثيراً من الحرج لليهود أنفسهم الأمر الذي دعاهم إلى إصدار طبعات من التلمود بعد إحلال كلمة «مصري» أو «صدوقي» أو «سامري» محل كلمة «مسيحي» أو «غريب» . وأصبح التمييز ذا طابع أنطولوجي في التراث القبَّالي، وخصوصاً القبَّالاه اللوريانية بنزعتها الحلولية المتطرفة، حيث ينظر إلى اليهود باعتبار أن أرواحهم مستمدة من الكيان المقدَّس، في حين صدرت أرواح الأغيار من المحارات الشيطانية والجانب الآخر (الشرير) والخيرون من الأغيار هم أجساد أغيار لها أرواح يهودية ضلت سبيلها. وقد صاحب كل هذا تزايد مطَّرد في عدد الشعائر التي على اليهودي أن يقوم بها ليقوي صلابة دائرة الحلول والقداسة التي يعيش داخلها ويخلق هوة بينه وبين الآخرين الذين يعيشون خارجها. والواقع أن هذا التقسيم الحلولي لليهود إلى يهود يقفون داخل دائرة القداسة، وأغيار يقفون خارجها، ينطوي على تبسيط شديد، فهو يضع اليهودي فوق التاريخ وخارج الزمان، وهذا ما يجعل من اليسير عليه أن يرى كل شيء على أنه مؤامرة موجهة ضده أو على أنه موظف لخدمته. كما أنه يحوِّل الأغيار إلى فكرة أكثر تجريداً من فكرة اليهودي في الأدبيات النازية أو فكرة الزنجي في الأدبيات العنصرية البيضاء. وهي أكثر تجريداً لأنها لا تضم أقلية واحدة أو عدة أقليات، أو حتى عنصراً بشرياً بأكمله، وإنما تضم الآخرين في كل زمان ومكان. وبذا، يصبح كل البشر أشراراً مدنَّسين يستحيل الدخول معهم في علاقة، ويصبح من الضروري إقامة أسوار عالية تفصل بين من هم داخل دائرة القداسة ومن هم خارجها. وقد تعمقت هذه الرؤية نتيجة الوضع الاقتصادي الحضاري لليهود (في المجتمع الإقطاعي الأوربي) كجماعة وظيفية تقف خارج المجتمع في عزلة وتقوم بالأعمال الوضيعة أو المشينة وتتحول إلى مجرد أداة في يد النخبة الحاكمة. ولتعويض النقص الذي تشعر به، فإنها تنظر نظرة استعلاء إلى مجتمع الأغلبية وتجعلهم مباحاً، وتسبغ على نفسها القداسة (وهي قداسة تؤدي بطبيعة الحال إلى مزيد من العزلة اللازمة والضرورية لأداء وظيفتها) . وبظهور الرأسمالية القومية وتزايد معدلات العلمنة في المجتمعات الغربية، اهتزت هذه الانعزالية بعض الشيء، وظهرت حركة التنوير اليهودية واليهودية الإصلاحية اللتان كانتا تحاولان تشجيع اليهود على الاندماج مع الشعوب. لكن الرؤية الثنائية المستقطبة عاودت الظهور بكل قوتها مع ظهور الصهيونية بحلوليتها الدنيوية (حلولية بدون إله) التي ترى أن اليهود شعب مختلف عن بقية الشعوب لا يمكنه الاندماج فيها، كما شجعت الانفصالية باعتبارها وسيلة مشروعة تحافظ بها أقلية عرْقية على نفسها وتقاليدها وتراثها. فتحاول الصهيونية أن تنشئ سياجاً بين يهود الخارج وبين الآخرين (ومن هنا الاهتمام الشديد بتأكيد ظاهرة معاداة اليهود والإبادة النازية لليهود باعتبارها العلاقة النموذجية والحتمية بين اليهودي والأغيار) . كما أن الصهاينة يشجعون اليهود على الاهتمام بهويتهم اليهودية وبإثنيتهم حتى لا يذوبوا في الآخرين. ويشار في الولايات المتحدة إلى الذكر غير اليهودي على أنه «شيكتس» ، وإلى الأنثى غير اليهودية على أنها «الشيكسا» (وهما كلمتان مضمونهما الدلالي يتضمن فكرة الدنس والنجاسة وعدم الطهارة) . ويشار إلى «الشيكسا» على أنها حيوان مخيف يختطف الأولاد اليهود. ويشار إلى الزواج المختلط على أنه «هولوكوست صامت» ، أي «إبادة صامتة» . وفي الأدبيات الصهيونية العنصرية، فإن الصهاينة يعتبرون العربي على وجه العموم، والفلسطيني على وجه الخصوص، ضمن الأغيار حتى يصبح بلا ملامح أو قسمات (ويشير وعد بلفور إلى سكان فلسطين العرب على أنهم «الجماعات غير اليهودية» أي «الأغيار» ) . وينطلق المشروع الاستيطاني الصهيوني من هذا التقسيم الحاد، فالصهيونية تهدف إلى إنشاء اقتصاد يهودي مغلق، وإلى دولة يهودية لا تضم أي أغيار. ومعظم المؤسسات الصهيونية (الهستدروت، والحركة التعاونية، والجامعات) تهدف إلى ترجمة هذا التقسيم الحاد إلى واقع فعلي، كما أن فكرة العمل العبري تنطلق من هذا التصور. وبعد ظهور الدولة الصهيونية الوظيفية (أي التي يستند وجودها إلى وظيفة محددة تضطلع بها) ، انطلق هيكلها القانوني من هذا التقسيم. فقانون العودة هو قانون عودة لليهود، يستبعد الأغيار من الفلسطينيين. ودستور الصندوق القومي اليهودي يُحرِّم تأجير الأرض اليهودية للأغيار. ويمتد الفصل ليشمل وزارات الصحة والإسكان والزراعة. ومن أطرف تطبيقات هذا المفهوم في الوقت الحاضر، القرار الذي أصدره مؤتمر الدراسات التلمودية الثامن عشر الذي عُقد في القدس عام 1974 وحضره رئيس الوزراء إسحق رابين، والذي جاء فيه ضرورة منع "قيام الطبيب اليهودي بمساعدة المرأة غير اليهودية على الحمل". ومن المعروف أن الشرع اليهودي قد تناول بشيء من التفصيل قضية: هل يجوز للطبيب اليهودي أن يعالج غير اليهودي؟ وقد كان الرد هو النفي في جميع الأحوال، إلا إذا اضطر اليهودي إلى ذلك. وينبغي أن تكون نية الطبيب دائماً هي أن يحمي الشعب اليهودي ونفسه، لا أن يشفي المريض. وقد أجاز بعض الفقهاء اليهود (مثل جوزيف كارو في كتابيه: بيت يوسف والشولحان عاروخ) أن يجرب الأطباء اليهود الدواء على مريض غير يهودي (وهي فتوى كررها موسى إيسيرليز في تعليقه على الشولحان عاروخ) . وقد وردت كل الحقائق السابقة في مقال كتبه إسرائيل شاهاك، ولم ترد نقابة الأطباء الإسرائيلية على اتهاماته. وقد أثبتت بعض استطلاعات الرأي في إسرائيل أن الخوف من الأغيار لا يزال واحداً من أهم الدوافع وراء سلوك الإسرائيليين. وتحاول الدولة الإسرائيلية تغذية هذا الشعور بإحاطة المواطن الإسرائيلي بكم هائل من الرموز اليهودية، فشعار الدولة هو شمعدان المينوراه، وألوان العَلَم مستمدة من شال الصلاة (طاليت) ، وحتى اسم الدولة ذاتها يضمر التضمينات نفسها. بل إن شعار العام الدولي للمرأة، الذي يتضمن العلامة (+ْ) باعتبارها الرمز العالمي للأنثى، تم تغييره في إسرائيل حتى يكتسب الرمز طابعاً يهودياً وحتى لا يشبه الصليب. وقد جاء في التراث الديني التقليدي أنه لا يصح مدح الأغيار. ولذا، فحينما تسلَّم عجنون جائزة نوبل للسلام، مدح الأكاديمية السويدية ولكنه في حواره مع التليفزيون الإسرائيلي، قال: "أنا لم أنس أن مدح الأغيار محرم، ولكن يوجد سبب خاص لمديحي لهم" فقد منحوه الجائزة. جوييم Goyyim «جوييم» كلمة عبرية تعني «الأغيار» (انظر: «الأغيار [جوييم] » ) . الشيكسا (امرأة من الأغيار) Shiksa «شيكسا» كلمة يديشية تعني «الأنثى غير اليهودية» ، والمذكَّر منها هو «شيكتس» . ولا تشير كثير من المعاجم التي ترد فيها الكلمة إلى حقلها الدلالي. فالكلمة مشتقة من كلمة «شيكتس» العبرية التي تعني «حيوان قذر» أو «مخلوق كريه» أو «الرجس» . وهي أيضاً تشير إلى «الذَكَر غير اليهودي» . وحسب الكتابات الدينية التقليدية، فقد كان يتعيًَّن على اليهودي، إن مر على معابد المسيحيين، أن يبصق ويتلو إحدى اللعنات، ثم فقرة من سفر التثنية: «ولا تدخل رجساً إلى بيتك لئَلا تكون محرَّماً مثله. تستقبحه وتكرهه لأنه محرَّم» (7/26) . ويضم النص السابق كلمة «الرجس» ، وهي بالعبرية «شيكتس» كما تقدَّم. شريعة نوح Laws of Noah (Noachian Laws) ورد في سفر التكوين (9/4 ـ 7) ما يُسمَّى «قوانين أو شرائع نوح» ، التي فسرها الحاخامات بأنها سبعة، إذ حظر الإله على نوح وأبنائه عبادة الأوثان والهرطقة وسفك الدماء والزنى والسرقة وأكل لحم الحيوان الحي، كما فُرض عليهم إقامة نظام قانوني، أي تنفيذ الشرائع السابقة. وهذه الشرائع ملزمة لليهود وغير اليهود. أما الأوامر والنواهي (المتسفوت) ، فهي ملزمة لليهود وحدهم. والذي ينفذ هذه الوصايا من غير اليهود يُسمَّى «جرتوشاف» ، أي «مقيم غريب» ، أو حتى «متهود» ، وكان يُعَد من الأخيار. ومنذ البداية، فإن الكتابات الدينية اليهودية وصفت المسلمين على أنهم من النوحيين أي من غير المشركين (ثم ضُم إليهم المسيحيون فيما بعد) . وفي الفكر الديني اليهودي الحديث، أكد كلٌّ من مندلسون وهرمان كوهين على أهمية شريعة نوح، على أنها تشكل الأساس العقلاني لأخلاقيات عالمية مشتركة بين اليهود والأغيار. الخلط المحظور بين النباتات والحيوانات (كيلْئَيم) Prohibited Mixtures of Plants and Animal; Kilayim «الأخلاط المحظورة» هي ترجمة للمُصطلَح «كيلْئَيم» . واليهودية تُحرِّم أخلاط النباتات، أي النباتات المخلوطة (كيلْئَيم زراعين) ، وأخلاط الحيوانات أي الهجين (كيلائيم بهيماه) ، كما تحرم الخلط بين الصوف والكتان (شاتنز) . فقد جاء في سفر اللاويين (19/19) "لا تنز بهائمك جنسين وحقلك لا تزرع صنفين ولا يكن عليك ثوب مصنف من صنفين". وجاء في سفر التثنية (22/9 ـ11) :"لا تزرع حقلك صنفين ... لا تحرث على ثور وحمار معاً. لا تلبس ثوباً مختلطاً صوفاً وكتاناً معاً". وقد أفتى الحاخامات بأن الخلط في الزراعة لا ينطبق إلا على أرض فلسطين. ولاحظ العلماء أن ثمة تشابهاً بين الحظر التوراتي، وبعض الشرائع المماثلة عند الحيثيين. وحظر الخلط تعبير آخر عن الطبقة الحلولية التي تتسم فى أحد أوجهها بالفصل الصارم بين الأشياء وبالثنائية الصلبة. وقد حاول فقهاء اليهود تفسير الحكمة من الحظر فقال أحدهم إنه يتجاوز فهم الإنسان. أما موسى بن ميمون فيرى أن التهجين قد حرم لأن الوثنيين كانوا يلجأون إليه لأسباب غير أخلاقية. أما راشي فقد أفتى بأن الغرض من التحريم هو الطاعة، فالحظر قرار ملكي، وهو متأثر في هذا بخلفيته الإقطاعية الأوربية. أما نحمانيدس، فقد أفتى بأن الغرض هو تذكير الإنسان بألا يغيِّر نظام الطبيعة. وعلى الرغم من هذا، يُلاحَظ أن العبرانيين استخدموا حيوانات مهجنة مثل البغل. والواقع أن الأخلاط المحظورة لم تثر سوى مشاكل ثانوية ليهود العالم باعتبار أنها لا تنطبق إلا على إرتس يسرائيل (فلسطين) . وقد اهتم اليهود الأرثوذكس بالحظر الخاص بالنسيج، فأعلن اتحاد الأبرشيات اليهودية الأرثوذكسية في عام 1941 أنه أنشأ مختبراً خاصاً لفحص الملابس للتأكد من أن القماش لم يخلط فيه الصوف بالكتان. أما في الدولة الصهيونية، فإن الوضع مختلف تماماً إذ أن القوانين الخاصة بالزراعة تنطبق على الأرض التي احتلتها باعتبارها أرض يسرائيل (فلسطين) . ولما كان من المحظور بذر نباتات الأعلاف مع النباتات المنتجة للحبوب، لمنع نباتات الأعلاف من الانتشار على الأرض والاختلاط بالحبوب، فقد لجأ المستوطنون الصهاينة الأرثوذكس إلى زراعة أنواع من النباتات العلفية التي لا تنتشر. وقد لجأ الإسرائيليون إلى التحلَّة أيضاً فيمكن خلط الحبوب بأن يقوم مستوطن صهيوني ببذر حبوب نبات ما في اليوم الأول، ويأتي مستوطن آخر يتظاهر بأنه لا يعرف ما حدث في اليوم السابق ويقوم ببذر حبوب نبات آخر. وقد تم تطوير هذه التحلَّة بأن تُكوَّم حبوب النوع الأول وتُغطَّى بقطعة جوال، ثم يوضع النوع الآخر من الحبوب فوق الجوال، ثم يأتي شخص ويقول أريد هذا الجوال ويأخذه، وبالتالي يتم خَلْط الحبوب «بالصدفة المتعمدة» . الطهارة والنجاسة Purity and Impurity «الطهارة» هي المقابل العربي لكلمة «طُهوراه» العبرية، وتضادها كلمة «نجاسة» أو «طمأه» وهي من «طامي» أي «نجس» . ويعود اهتمام الشريعة اليهودية الحاد بمشاكل الطهارة والنجاسة إلى الطبقة الحلولية داخلها التي تتبدَّى في محاولة دائمة للفصل بين اليهود المقدَّسين والأغيار المدنَّسين. وتنص الشريعة اليهودية على عدة مصادر أساسية للنجاسة الشعائرية أهمها أجساد الموتى (عدد 19/11 وما يليها) ، ولكن توجد مصادر أخرى (سفر اللاويين ـ الإصحاحان 12، 13) . والأشخاص الذين يتصلون بالأشياء النجسة قد ينقلون نجاستهم إلى الآخرين. والأشياء المقدَّسة التي تنجس، مثل القرابين التي تُقدَّم من ذبائح وحبوب، يجب أن تُحرَق. وينبغي على الأشخاص غير الطاهرين ألا يلمسوا الأشياء المقدَّسة، وألا يدخلوا الهيكل أو ملحقاته. وتختلف شعائر التطهر باختلاف مصدر النجاسة فالحمام الطقوسي كان يُعَد كافياً للتطهر من النجاسة الناجمة عن الجماع الجنسي أو القذف، بينما يجب تقديم القرابين الحيوانية للتطهر من النجاسة الناجمة عن الولادة أو غيرها. وكانت أعلى درجات النجاسة ملامسة جثث الموتى، وهذه تتطلب رش الماء المخلوط برماد بقرة صغيرة حمراء. ومع هدم الهيكل، توقف العمل بتلك القوانين المرتبطة به، وأصبحت كلمة «طاهوراه» تشير إلى تغسيل جثة الميت. البقرة الصغيرة الحمراء Red Heifer البقرة الصغيرة الحمراء (بالعبرية «باراه» أو «دوماه» ) بقرة كان رمادها يُستخدَم لتطهير الأشخاص والأشياء التي تدنَّست بملامسة جثث الموتى. وكان يجب أن تكون البقرة "حمراء صحيحة لا عيب فيها ولم يعل عليها نير" (عدد 19/2) . وقد جاء في التلمود أن البقرة لابد أن تكون حمراء تماماً، ليس بها أية تموجات، وحتى وجود شعرتين سوداوين على ظهرها يجعلها لا تصلح لأن تكون بقرة مقدَّسة تفي بهذا الغرض. ويبدو أن الأحمر رمز الخطيئة. والسفر الرابع من السدر السادس في التلمود (سدر طهوروت) يُدعى «باراه» ، ويتناول الشعائر الخاصة بالبقرة الحمراء الصغيرة. ومن المعروف أن جثة الميت من أهم مصادر النجاسة بالنسبة للكهنة، فأي كاهن يلامس جثة يهودي أو يتصل بها، حتى ولو بشكل غير مباشر (كأن يسير على مقبرة أو حتى يوجد في مستشفى أو منزل يضم جثة) فإنها تنجسه، على عكس جثث الأغيار فهي لا تسبِّب أية نجاسة لأنها لا قداسة لها. وإن دنس اليهودي، فهو يظل كذلك دائماً، إلا إذا تم تطهيره بالطريقة التي وردت في سفر العدد (الإصحاح 19) ، والتي تم شرحها في التلمود، وهي طريقة استخدام رماد البقرة الحمراء الصغيرة. وكان هذا الأمر يحدث في الماضي حتى القرن السادس، حين فُقد رماد آخر بقرة حمراء طاهرة. ومنذ ذلك الحين، واليهود جميعاً غير طاهرين. والأغيار على كل حال جميعاً مدَّنسون، ولا يوجد سبيل أمامهم للتطهر. ولأن أرض الهيكل (الموجودة في منطقة المسجد الأقصى) لا تزال طاهرة، فإن دخول أي يهودي إليها يُعَد خطيئة وأمراً محظوراً عليه وبالتالي الصلاة فيه. لماذا لا يضحي اليهود، إذن، ببقرة حمراء ويستخدمون رمادها في عملية التطهير؟ هنا نجد أن الموقف حرج ودائري، إذ أنه لا يمكن أن يُضحي بالبقرة إلا الكهنة الطاهرون، ولكنهم بدون رمادها يظلون نجسين، ولا يوجد مخرج من هذه الورطة الدائرية. ويوجد الآن في إسرائيل معهد لدراسة البقرة الحمراء، وقد اقترحت إحدى المجلات العلمية الدينية في إسرائيل أن تُعزَل امرأة يهودية حامل من إحدى الأسر الكهنوتية داخل منزل يُبنى على أعمدة حتى يُعزَل المنزل نفسه عن أي جثث يهودية قد تكون موجودة تحته، ويقوم رجال آليون بتوليدها، ثم يقومون بعد ذلك على تنشئة الطفل بعيداً عن كل البشر، حتى يصل سنه الثالثة عشرة. ساعتها، يمكنه أن يصبح كاهناً طاهراً فيُضحي بالبقرة الحمراء، وتُحَل المشكلة. وقد اقترح آخرون القيام ببعض الحفائر حول بقايا الهيكل، فقد يُعثَر على زجاجة تضم بقايا رماد البقرة الحمراء، وتُحل بذلك المعضلة. ولكن مجلة تايم نشرت في عدد 16 أكتوبر 1989 أنه تقرَّر أن يبدأ الكهنة في تطهير أجسادهم، وأن ممثلي الحاخامية الأساسية في إسرائيل قضوا أسبوعين في أوربا يبحثون عن جنين بقرة حمراء ليُزرَع في إحدى أبقار مزرعة في إسرائيل. وقد نقلت صحيفة يديعوت أحرونوت عن الحاخام شمارياشور (أحد قادة إحدى الجماعات التي تعمل من أجل إعادة بناء الهيكل) أنه فحص بواسطة عدسة مكبرة بقرة حمراء في كفار حسيديم (يُعتقد أنها وُلدت نتيجة تلقيح اصطناعي لبقرة أمريكية وبقرة إسرائيلية لونها أسود وأبيض) فلم يجد فيها شعرة لونها أسود. ومن ثم فهي صالحة لأن يُضحى بها ويُستخدَم رمادها في عملية التطهير اللازمة لإقامة الطقوس التعبدية ودخول منطقة المسجد الأقصى، حيث يُفترض أن الهيكل كان قائماً من قبل. وقد استنكر بعض الحاخامات هذه المحاولة ووصفوها بأنها قد تؤدي إلى اندلاع الحرب. الحمام الطقوسي (مكفيه) Ritual Bath; Mikveh تعبير «الحمام الطقوسي» يقابل كلمة «مكفيه» العبرية. والحمام الطقوسي هو الحمام الذي يُستخدَم ليتطهر فيه اليهود بعد أن يكونوا قد تنجسوا، كما يُستخدَم الحمام الطقوسي لتطهير الأوعية التي صنعها غير اليهود. وحتى يكون الحمام شرعياً، يجب أن يحتوي على ماء يكفي لتغطية جسد امرأة متوسطة الحجم، ويجب أن يأتي الماء من عين أو نهر. ولا يبيح الشرع لليهود أن يسكنوا في مكان لا يوجد فيه حمام طقوسي. ويتعيَّن على المرأة اليهودية أن تأخذ حماماً طقوسياً بعد العادة الشهرية، وقد جاء في إحدى الصياغات الحاخامية المتطرفة أن على مثل هذه المرأة، وهي في طريقها إلى المنزل، أن تحذر مقابلة فرد من الأغيار، أو خنزير أو كلب أو حمار، وإن قابلت أياً منها فعليها أن تغيِّر طريقها لأنه سينجسها مرة أخرى. وعلى كل من يتهود أن يأخذ حماماً طقوسياً. وعلى سبيل المثال، فقد طلبت الحاخامية من يهود الفلاشاه أن يأخذوا حماماً طقوسياً ليتطهروا حتى تكتمل يهوديتهم، فرفضوا ذلك لأن هذا يفترض نجاستهم. كما أن النساء المتهودات عليهن أن يأخذن حماماً طقوسياً وهن عاريات تحت عيون ثلاثة حاخامات، الأمر الذي ترفضه الكثيرات منهن. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
الأسرة
Family «الأسرة» بالعبرانية «مشباحاه» . ومدلول هذا المصطلح يختلف من مجتمع لآخر. وفي المجتمع العبراني القديم (القَبَلي) كانت الأسرة تعني في واقع الأمر «العشيرة» إذ كانت تستند إلى قرابة الدم والعلاقة التعاقدية (الزواج) والجوار، والموالي ممن كانوا يطلبون الأمن ويلجأون إليها. ولكن، بعد تغلغل العبرانيين في كنعان واستقرارهم فيها، اختفت هذه الأسرة القبلية وحلت محلها الأسرة الممتدة التي كانت تُسمَّى بالعبرية «بَيْت» وكانت تتكون من الأبوين والأبناء والخدم. وكان الأب هو رب الأسرة الذي يقف على رأسها وتخضع له الزوجة. ومع هذا، كانت الزوجة تحتفظ بثروتها، وكان لها حق التصرف فيها، ولكن لم يكن لها حق في أن تُطلِّق أو ترث. بل كانت تعدُّ أحياناً جزءاً من هذا الميراث. وكانت الأسرة العبرانية النواة الحقيقية للحياة الاجتماعية العبرانية، كما هو الحال في معظم المجتمعات القَبَلية. ومع العصورالوسطى، كانت قوانين الشريعة اليهودية قد تبلورت؛ ومن بينها قوانين الزواج والزواج المُختلَط، والطلاق وزواج الأرملة، والجنس والطهارة والشعائر الدينية المختلفة المرتبطة بالأسرة، وهي قوانين زودت مؤسسة الأسرة داخل أعضاء الجماعات اليهودية بإطار وفر لها قدراً عالياً من التماسك والاستمرار..... ولكن هذه الشريعة لم تكن مُطبَّقة على الجماعات اليهودية كافة، فالتنوع على مستوى الممارسة كان عميقاً جداً، إذ أن مؤسسة الأسرة بين الجماعات اليهودية كانت تتأثر بالتشكيل الحضاري والاجتماعي الذي كانت توجد فيه. وفي العصر الحديث، يتضح هذا بشكل جلي في الغرب إذ تآكلت مؤسسة الأسرة بين اليهود (شأنها في ذلك شأن مؤسسة الأسرة في العالم الغربي) بل في كل التشكيلات الاجتماعية التي تتزايد فيها معدلات التحديث والعلمنة (التوجُّه نحو المنفعه واللذة) اللذين ينتج عنهما تزايد سلطة الدولة بحيث تضطلع مؤسساتها بكثير من وظائف الأسرة (مثل تنشئة الأطفال) كما تتزايد النزعات الفردية، فيقل ارتباط المرء بأسرته ويتركها عندما يصل إلى سن السادسة عشرة. وتنتشر حركات تحرير المرأة والتمركز حول الأنثى وما يتبع ذلك من إصرار المرأة على العمل خارج المنزل وإحساسها بأن تربية الأطفال هو استغلال لها لأنه عمل بلا أجر. ويؤدي كل هذا (مع زيادة التوجه نحو اللذة) إلى تناقص معدلات الإنجاب وتزايد الزواج المُختلَط وانتشار ظاهرة التعايش بين الذكور والإناث بلا زواج وتزايد معدلات الطلاق والأطفال غير الشرعيين. وحسب إحصاءات عام 1991، فإن الأسرة التقليدية بين اليهود (زوجاً وزوجة كليهما من اليهود ومتزوِّجين للمرّة الأولى وعندهما أكثر من طفل واحد) قد اختفت تماماً تقريباً في الولايات المتحدة ولا تمثل سوى 14% من كل الأسر اليهودية. وقد صرح أحد الدارسين أن هذه هي البداية وحسب، إذ يعيش اليهود في عالم فردي علماني ذي توجه استهلاكي لا يوجد فيه إجماع ويفعل كل فرد فيه ما يروق له/لها! ويُعَدُّ تآكل الأسرة من أهم أسباب موت الشعب اليهودي. المرأة اليهودية Jewish Woman يتواتر تعبير «المرأة اليهودية» في كثير من الدراسات، وهو تعبير ليس له أية قيمة تفسيرية أو تصنيفية، إذ أن المرأة اليهودية في أمريكا في العصر الحديث (التي لا تمارس أية شعيرة من شعائر اليهودية) لا يربطها أي رابط بالمرأة اليهودية في بغداد في العصر العباسي الأول إذ كانت ترتدي زياً مختلفاً وتمارس معظم شعائر دينها وتنظر للعالم نظرة مختلفة. ويمكن تناول موضوع المرأة من منظورين: ديني، وتاريخي. ولنبدأ بالمنظور الديني. تذهب العقيدة اليهودية إلى أن حواء خُلقت من ضلع آدم حسب الشريعة اليهودية، لتكون أنيساً له (تكوين 2/21 - 25) . ولكن، حسب رؤية يهودية أخرى وردت في القبَّالاه، خُلقت امرأة أخرى من طين وهي تُدعى ليليت مساوية تماماً للرجل، ثم تمرَّدت عليه وعلى علاقتها معه ومن ذلك وضع الجماع، وهو أن ينام الرجل على أنثاه. ومع أن حواء لعبت دوراً أساسياً في معصية الإله إذ حرَّضت آدم على أن يأكل من الشجرة، إلا أن موقف الشريعة اليهودية هو أساساً الإيمان بالمساواة الإنسانية الكاملة بين الرجل والمرأة (تكوين 1/27) . صحيح أن الوظيفة الأساسية للمرأة هي إنجاب الأطفال وتربيتهم، لكن هذا لا يترتب علىه أي تمييز بينهما في أمور المعاملات بسبب اختلاف الوظيفة الموكلة إلى كلٍّ منهما. فإن ألحق ثور ضرراً برجل أو امرأة أو طفل، يتعيَّن على صاحبه أن يدفع التعويض نفسه، وإن كانت المرأة حاملاً، فقد يزيد هذا من العقوبة. وعقوبة الزنى توقَّع على كلٍّ من الزاني والزانية، وعلى الجماع بالمحارم. وتتطلَّب الشريعة اليهودية أن يظهر اليهودي احتراماً متساوياً للأب والأم. ويظهر الاختلاف بين الرجل والمرأة في العبادات، فلم يكن هناك كاهنات، وإن كان من المعروف أن النساء اشتركن في موكب استقبال سفينة العهد في القدس (صموئيل ثاني 6/19) ، وكان بينهنَّ نبيات وعرافات. وقد أُعفيت النساء من كل الوصايا المرتبطة بزمان ومكان محدَّدين، فلم يكن مكلفات بأداء شعائر الحج، ولا أداء الصلوات في المعبد، وإن ذهبن إلى المعبد تم فصلهن عن الرجال. وبطبيعة الحال، لم يكن بإمكان المرأة أن تلتحق بالمدارس التلمودية العليا، كما أن شهادتها لا تُقبَل. ويذهب أحد المراجع إلى أن النساء وُضعن، من بعض النواحي، على قدم المساواة مع العبيد والأطفال. لكن هناك شعائر تقوم بها المرأة (ثلاث شعائر) هي شعائر الطهارة (الخاصة بالعادة الشهرية: نيداه) ، وإيقاد شموع السبت والأعياد، وخَبز خُبز الحلاَّ (أي الرغيف الذي يُقدَّم في وجبة السبت) . والشعائر الثلاث مرتبطة بالأسرة، ولهذا فمن المفترض أن تكون الأنثى متزوجة، وهذا يعني أن الأنثى غير المتزوجة لا تتمتع بمكانة أو منزلة عالية. وليس من الممكن عقد قران فتاة على رجل إلا بموافقتها. ومن ناحية أخرى، فإن تَعدُّد الزوجات مباح حسب الشريعة اليهودية، وإن حرَّمه الحاخامات في الغرب في القرن الحادي عشر. وتحرِّم اليهودية الزنى والبغاء، وإن كان التحريم غير قاطع. ويحتوي التلمود على نصوص تؤكد أهمية المرأة في حياة الرجل والأسرة وتتحدث عنها بكثير من العطف والفهم، فالرجل بدون امرأة يعيش بلا أفراح ولا بركة. كما أن التلمود يقرن بين المرأة والشخيناه (التجسد الأنثوي للإله) . ولذا، كان الحاخام يوسف يقف قبل أن تدخل أمه ويقول: «لأقف قبل صول الشخيناه» . ويجب على الرجل ـ حسب الرؤية التلمودية ـ ألا يهين زوجته لأن السيدات يتسمن بحساسية أكبر من الرجال، كما أن إيمان المرأة أعمق من إيمان الرجل. وتتسم النساء برقة القلب. ولكن التيار الغالب في التلمود هو الإشارة إلى جوانبها السلبية، فهن ثرثارات ( «أنزل الإله عشرة مكاييل من الكلام للعالم وأخذت النساء تسعة» ) . كما وصفت النساء بأنهن طماعات يتجسسن على الأسرار، كما أنهن كسولات وغيورات ودائمات الشجار. ومثل هذه الأقوال هي جزء من الفلكلور الشعبي أكثر من كونها تعبيراً عن موقف الشريعة. ومع هذا، فإن هذه الأفكار الفلكلورية تحدِّد، في كثير من الأحيان، سلوك المرء أكثر من الشريعة التي يؤمن بها. ولكن هناك الدعاء الذي يتعيَّن على اليهودي أن يردده كل يوم، إذ يحمد الإله أنه خلقه يهودياً وليس من الأغيار، وخلقه رجلاً وليس امرأة. وقد حاول الفقه اليهودي تفسير هذا الدعاء بأنه حمد للإله على أنه أتاح للرجل اليهودي فرصة أكبر في تننفيذ التعاليم، والأوامر والنواهي. والمرأة جزء أساسي من الصور المجازية التي تتواتر في العهد القديم، فالحلول الإلهي في الشعب يعبَّر عنه بأنه حب الرب للشعب وهذا يشبه حب الرجل للمرأة أو الزوج لزوجته، وابتعاد الشعب عن الرب يشبه الزنى. والشعب هنا يصبح مثل المرأة اللعوب. وهذه الصور المجازية أساسية في نشيد الأنشاد والتوراة التي يُشار إليها بأنها أنثى، فهي ابنة الرب وعروسه التي تجلس إلى جواره على العرش. وقد تَعمَّق هذا الاتجاه في القبَّالاه التي تؤكد أهمية العنصرالأنثوي في كيان الإله، فمن بين التجليات النورانية العشرة (سفيروت) توجد ثلاثة ذات طابع أنثوي واضح: الأم والعروس والشخيناه. وأخيراً هناك الشخيناه، وهي التعبير الأنثوي عن الإله، وهي أيضاً الشعب. والإله ذكر وأنثى في الوقت نفسه، ولذا يجب أن يظل الذكر مع الأنثى. وماذا يفعل الإنسان إذن عند السفر، حيث سيصبح الرجل ذكراً بمفرده؟: عليه أن يصلي للإله قبل سفره، وهو لا يزال بعدُ ذكراً وأنثى (أي ومعه زوجته) ، حتى يجتذب روح بارئه، فتحل فيه الشخيناه، وتتحد معه، فيصبح هو نفسه ذكراً وأنثى أثناء سفره. ولكن العنصر الأنثوي في التراث القبَّالي ينتمي إلى اليسار، وهو جانب الحكم الصارم، وهو أيضاً الجانب الآخر مصدر النزعة الشيطانية. لذا، نجد أن المرأة ارتبطت بهذا التصنيف أيضاً. وذهب القبَّاليون إلى أنها غير قادرة على أن تصل إلى درجات الفكر العليا. وعلى المستوى التاريخي، يمكن أن نشير إلى بعض النساء اللائي لعبن دوراً بارزاً، فهناك أولاً الأمهات، سارة وهاجر، في عصر الآباء. وتلعب أخت موسى دوراً بارزاً في فترة الهجرة من مصر إلى فلسطين. ومن الأسماء المهمة «دبوراه» التي كانت من القضاة. ويمكن الإشارة أيضاً إلى كلٍّ من راعوث وإستير ويهوديت، وكل هذه الشخصيات شبه أسطورية. ولكن، داخل التاريخ الحقيقي، يمكن أن نشير إلى عثاليا (زوجة أخاب) ، وسالومي ألكسندراالحشمونية، وبيرنيكي (عشيقة تيتوس وأخت أجريبا الثاني) ، وأختها دورسيلا (عشيقة عدة ملوك وشخصيات مهمة في عصرها) . ولا نسمع بعد ذلك عن دور المرأة في الجماعات اليهودية إلا في عصر النهضة، وقد ارتبطت بدايات الأدب اليديشي بالمرأة، فجمهور هذا الأدب كان أساساً من النسوة. أما الدراسات الجادة (الفقهية والدينية) ، فكانت تُكتَب بالعبرية والآرامية. ومع حلول القرن الثامن عشر وبداية حركة التنوير، قامت بعض النسوة اليهوديات المثقفات بفتح صالونات أدبية مهمة كانت ملتقي كبار المثقفين. ومن النساء اليهوديات المرموقات في العصر الحديث الشاعرة الأمريكية اليهودية إما لازاروس، وإما جولدمان الفوضوية الأمريكية، وروزا لوكسمبرج الفوضوية الشيوعية الألمانية، وإن كان من الصعب اكتشاف البُعْد اليهودي في رؤيتهن للعالم أو في نشاطهن. ومن الشخصيات الطريفة التي تستحق الذكر عذراء لادومير (1805 ـ 1892) ، وهي أنثى اضطلعت بدور التساديك الحسيدي. وكان لها أتباع ومريدون، ولعل ظهورها في حد ذاته تعبير عن تزايد معدلات العلمنة في التجمعات اليهودية، وعن تآكل المجتمعات التقليدية التي عاش فيها اليهود. وقد ساعدت الهجرة على تحطيم البقية الباقية من الدور التقليدي للمرأة داخل الجماعات اليهودية. وقد كان لهذا أثره العميق، فيُلاحَظ مثلاً انتشار البغاء بين النساء اليهوديات (وخصوصاً في منطقة الاستيطان) في الفترة من عام 1882 حتى عام 1935، كما تزايد الزواج المُختلَط بين النساء مع بداية الستينيات، وهي ظاهرة لم تكن معروفة تقريباً بين النساء اليهوديات فقد كانت مقصورة على الذكور. وقد أدَّى هذا بدوره إلى تزايد ضعف الأسرة اليهودية. ومن الحقائق التي تستحق التسجيل أن معظم من يؤدُّون الصلاة الآن داخل المعابد اليهودية في الولايات المتحدة من النساء لأن أعداداً لا بأس بها منهن لا يعملن. هذا على عكس الجماعات اليهودية التقليدية، حيث كان الذهاب إلى المعبد مقصوراً على الرجال تقريباً. ولابد أنه، مع ازدياد عمل النساء، سيقل عدد المصليات. وقد اشتركت النساء في حركة الاستيطان الصهيوني في فلسطين. وهذا أمر مُتوقَّع باعتبار أن الاستعمار الصهيوني استعمار استيطاني إحلالي، بمعنى إحلال كتلة بشرية متكاملة محل السكان الأصليين. ومن ثم، لابد أن تحوي هذه الكتلة قدراً كافياً من النساء يضمن لها التوازن والاستمرار. وقد اشتركت النساء في الزراعة المسلحة. وبعد إنشاء الدولة، مُنحت النساء حقوقاً متساوية مع الرجال، وهن يجندن في الجيش في مهام غير قتالية أساساً، وإن كان بعضهن يعملن في المهام القتالية أيضاً. وتُعفَى الفتيات من أسر أرثوذكسية من التجنيد. والمشكلة الكبرى التي تواجهها النساء في إسرائيل هي في الأحوال الشخصية التي لا تزال تُدار حسب القوانين الدينية، فتظهر مشاكل خاصة بالزواج والطلاق. ومن أهم هذه المشاكل، مشكلة وثيقة الطلاق (جيط) حين يرفض الزوج منح زوجته هذه الشهادة التي تنص على أنها مطلقة شرعاً، وفي هذه الحالة تصبح المرأة «عجوناه» ، أي منفصلة عن زوجها دون أن تكون مطلقة، فلا يمكنها الزواج مرة أخرى. وتواجه النساء في الكيبوتس مشاكل عديدة، وخصوصاً أن تقسيم العمل لا يزال يتم على أساس الجنس. والقانون الإسرائيلي يُعرِّف اليهودي بأنه من وُلد لأم يهودية، أما من وُلد لأب يهودي وأم من الأغيار فليس يهودياً. وهناك منظمات عديدة خاصة بالإناث بين أعضاء الجماعات اليهودية ومن أهمها: ـ المجلس القومي للمرأة اليهودية. وقد تأسَّست هذه المنظمة عام 1893 في الولايات المتحدة. وهي من أقدم المنظمات اليهودية الأمريكية الخاصة بالمرأة، ويبلغ حجم العضوية بها حوالي 100.000 عضو. وتنشط المنظمة في مجالات حقوق المرأة والخدمة الاجتماعية والعلاقات الاجتماعية داخل الجماعة. ـ المنظمة النسوية الأمريكية لإعادة التأهيل والتدريب. وهي منظمة مرتبطة بمنظمة أورت العالمية المتخصصة في برامج التدريب المهني والفني. وقد تأسست هذه المنظمة عام 1928 في الولايات المتحدة الأمريكية وتضم أكثر من 100.000 عضو، وهي تهتم بمجال واسع من القضايا الاجتماعية في الولايات المتحدة. ـ رابطة المرأة اليهودية في إنجلترا. ـ الجمعية النسائية في فرنسا. وتهتم بالمجالات الثقافية والاجتماعية. وتوجد منظمات يهودية نسائية في ألمانيا وهولندا وغيرهما من دول أوربا. كما توجد منظمة صهيونية نسائية هي الهاداساه، وهي أكبر المنظمات الصهيونية وأكثرها عدداً، ولعل هذا يعود إلى أن عدد النساء اليهوديات في أمريكا اللائي لا يعملن كبير (بسبب ثراء الجماعة اليهودية) . كما أن من الصعب أن نسمِّي مثل هذه المنظمة «صهيونية» . فقد قُدِّم مشروع قرار إلى المؤتمر الصهيوني الثامن والعشرين في القدس عام 1972، نص على أن من يشغل منصباً قيادياً في المنظمة الصهيونية ولا يهاجر إلى إسرائيل خلال أربع سنوات من انتخابه لا يُنتخَب مرة أخرى. وقد أثار الاقتراح ما يشبه الثورة، وهدد وفد منظمة الهاداساه بالانسحاب إذا تمت الموافقة عليه وبالفعل سُحب مشروع القرار. ولذا، فإن هذه المنظمة الصهيونية النسائية هي منظمة نسائية بالدرجة الأولى ويمكن أن نعتبر أن ما يُسمَّى «النشاط الصهيوني» نشاط اجتماعي يساعد النساء الأمريكيات اليهوديات من ساكنات الضواحي والمدن على تزجية وقت الفراغ وإضفاء معنى على حياتهن في مجتمع استهلاكي تتآكل فيه المطلقات والكليات. الجنس Sex « «جنس» بالعبرية «مين» ترى اليهودية الحاخامية أن الجنس غريزة إنسانية طبيعية، وأن على الإنسان أن يشبعها من خلال العلاقات الزوجية. ويكرس التلمود أجزاء كبيرة لتناول هذا الموضوع، كما يشجع الزواج المبكر للحفاظ على الفضيلة. ويُحرَّم على الزوج أن يجامع زوجته أثناء فترة العادة الشهرية، ولمدة اثنى عشر يوماً بعدها (فترة الحيض أو الدنس «نيداه» ) . ونظراً لطول المدة، فقد كان الزوجان ينامان عادةً في فراشين مختلفين. وكان على الزوجة أن تأخذ حماماً طقوسياً بعد انتهاء فترة الحظر. وتُحرِّم اليهودية الزنى والدعارة والشذوذ الجنسي بين الرجال (أما بين النساء، فإن هذا الأمر ليس محرَّماً بقدر ما هو مكروه) . ولا تُحرِّم اليهودية تعدُّد الزوجات وإن كان الحاخامات قد حرَّموه. ولا يعتبر التلمود الزنى بامرأة من الأغيار، متزوجة أو غير متزوجة، محرماً. أما التحريم، في العهد القديم، فيقتصر على «زوجة أخيك» لا زوجة الغريب. وفي إحدى الفتاوى، جاء أن إناث الأغيار «زوناه» وجمعها «زونوت» أي «عاهرات» حتى لو تهودن. ولكن هناك فتاوى أخرى تُحرِّم الزنى كليةً باليهوديات أو بنساء الأغيار. ومع هذا، تسلك بعض شخصيات العهد القديم سلوكاً منافياً تماماً للقيم الدينية اليهودية نفسها (اعتداء أحد أبناء يعقوب على جارية أبيه ـ العلاقة بين يهودا وثامار زوجة ابنه ـ داود وامرأة أوريا الحيثي ـ إبراهيم وزوجته في مصر) . وكان على الحاخامات تفسير ذلك، والتوفيق بينه وبين الرؤية الدينية العامة. وفي العهد القديم تتواتر صور مجازية جنسية، وخصوصاً في سفر هوشع ونشيد الأنشاد، ولكن هذه الصور المجازية تُفسَّر بأنها من قبيل المجاز، كما هو الحال في الشعر الصوفي. وفي فترة الهيكل الثاني أخذ تمثالا الملاكين (كروب) اللذان كانا على تابوت العهد، حسب بعض الآراء، شكل ذكر وأنثى في وضع عناق جنسي. وكان التابوت يُحمل في أعياد الحج، فيقول الحاخامات للجماهير: «هكذا يحب الإله جماعة يسرائيل» (ومن المعروف أن تشبيه علاقة الإله بالإنسان بعلاقة الذكر بالأنثى أمر شائع في العقائد الحلولية) . وقد ظل موقف العهد القديم غامضاً للغاية إزاء مشكلة البغاء. وهو غموض استمر إلى أن استقرت دعائم اليهودية الحاخامية. وكما تقدَّم، أخذت اليهودية الحاخامية موقفاً متشدداً من الإباحية الجنسية. وقد بيَّن موسى بن ميمون، متبعاً أرسطو، أن حاسة اللمس أدنى الحواس باعتبارها الحاسة المرتبطة بالجنس. وقد نجح هذا الإطار الحاخامي التلمودي في أن يضرب عزلة حول اليهود، وأن يضبط سلوكهم الجنسي، وخصوصاً أنه كان من المحرَّم عليهم الاختلاط بأعضاء المجتمع الخارجي. وقد كانت المؤسسة الحاخامية، في تلك الآونة، شديدة القوة إذ أن المؤسسة الحاكمة كانت تعطيها من الصلاحيات ما يسمح لها بالتحكم في أعضاء الجماعة اليهودية. والواقع أن عملية الضبط الاجتماعي للجماعات الإنسانية الصغيرة تكون في العادة أكثر نجاحاً من عمليات الضبط في المدن والتجمعات الكبيرة. ولذا، يمكن النظر إلى حوائط الجيتو باعتبارها أيضاً سياجاً أخلاقياً للجماعات اليهودية حتى عصر الإعتاق. ومن المعروف، حسب الإحصاءات المتوافرة لدينا، أن نسبة الأطفال غير الشرعيين (وهو مؤشر جيد على السلوك الجنسي) بين أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب أقل من النسبة على المستوى القومي، ويبدو أن السلوك اليهود الجنسي كان يميل نحو المحافظة. ومع هذا، فإن ثمة استثناءات من هذه الصورة العامة، ففي إسبانيا المسيحية يُلاحَظ أن سلوك أعضاء الطبقة الأرستقراطية اليهودية كان يتسم بالانحلال الجنسي (ولعل هذا يعود إلى الثراء، وإلى عدم وجود أسوار الجيتو) . وفي الجو الإباحي لعصر النهضة الإيطالية نجد الظاهرة نفسها. فكثير من الفتيات اليهوديات اشتغلن بالبغاء بعد الانغماس في الجنس. ومن أهم المؤشرات على مدى الإباحية المنتشرة بين أعضاء الجماعة اليهودية آنذاك، تلك الإحصاءات التي يوردها العالم الإسرائيلي روفائيل باتاي والتي تقول إنه كان في فلورنسا في القرن الخامس عشر نحو مائة أسرة يهودية وحسب، ومع ذلك فقد رُفعت ضدها ثمان وثمانون قضية منها أربع وثلاثون مرتبطة بقضايا الآداب والأخلاق وسبع عشرة قضية مرتبطة بالقمار. ويضيف باتاي أن القضايا لم تكن تُرفَع إلا في حالات قليلة، الأمر الذي يدل على أن حالات الزنى والقمار كانت أعلى من ذلك كثيراً داخل جماعة لا تزيد على مائة أسرة. ولكن حالة إيطاليا كانت الاستثناء، فأغلبية يهود العالم كانوا مُقسَّمين بين الدولة العثمانية وشرق أوربا. ولكن، داخل سياج الجيتو نفسها، ظهر الفكر القبَّالي الحلولي الذي طوَّر كثيراً من الأفكار والصور المجازية الجنسية الجنينية في العهد القديم ومنحها قدراً من المركزية. وأصبحت الصورة المجازية الجنسية (أي تشبيه تماسك أجزاء الكون بالتشابك الجنسي) صورة مجازية أساسية لا يمكن إدراك العالم بدونها. ويدور التراث القبَّالي حول أسطورة الخلق: خلق الإله، وخلق الإنسان. فالإله يخلق نفسه (في قبَّالاة الزوهار) من خلال التجليات النورانية العشرة، أما في القبَّالاه اللوريانية فإن الإله يخلق نفسه من خلال الانكماش ثم الانتشار والتبعثر. والذات الإلهية، في القبَّالاه، تحوي داخلها عناصر تذكير وعناصر تأنيث، فالحوخمه أو الأب العلوي (العلة الذكرية الأولى) تُدخل علاقة جنسية مع البيناه أو الأم العلوية (العلة الأنثوية الأولى) ، وهما يقابلان أبا وأما في القبَّالاه اللوريانية، فينجبان في قبَّالاة الزوهار الابن (عريس يسرائيل) والابنة (جماعة يسرائيل) ، ولهما أيضاً ما يقابلهما في القبَّالاه اللوريانية. وكان من الممكن أن يتم خلق الإله وتُنجَز وحدة العالم حينما يتحد الابن والابنة، أي الإله مع يسرائيل، وهو اتحاد يُنظَر إليه من خلال صورة مجازية جنسية. وتظهر المقولة الجنسية في تصوُّر أن اليسود (أساس العالم) هو نفسه التساديك اليهودي (الرجل التقي) وهو أيضاً القضيب الإلهي الذي تمر منه الرحمة الإلهية حتى تصل إلى الشخيناه (التعبير الأنثوي عن الإله) التي تأخذ شكل عضو التأنيث، فهي كالوعاء السلبي الذي يتلقى ولا يعطي، فالشخيناه هي أيضاً جماعة يسرائيل. وبذا يتم التوحد بين الإله والشعب. وتشير كلمة «يحود» العبرية إلى الوحدة وأيضاً إلى الجماع الجنسي في النصوص القانونية. ويُطلَق على هذا التوحد أيضاً اسم «هازيفوُّج هاقادوش» أي «الزواج المقدَّس» . وحينما صعد موسى إلى جبل سيناء كان مثل ابن الإله الذي ضاجع الشخيناه، والهيكل هو مخدع الشخيناه الذي يحل فيه الإله ليضاجعها، ولذا فحينما هُدم الهيكل توقَّف اليحود أو التوحد/الجماع بينهما. وقد أثرت الصورة المجازية الجنسية في البناء الديني اليهودي، فاختيار الإله للشعب يصبح مثل اختيار الذكر للأنثى، كما أن العذاب الذي يلقاه اليهود بسبب اختيارهم هو مثل تعذيب الذكر للأنثى، ولذا فإنه يصبح مصدراً للذة. ويُشار إلى الشعب، باعتباره التعبير الأنثوي عن الإله، على أنه بنت صهيون (وليس ابن صهيون) ، وهو أيضاً التوراة، عروس الإله التي تجلس إلى جواره على العرش والتي تُزَف إلى الماشيَّح حينما يأتي إلى هذا العالم. ونشيد الأنشاد هو نشيد زفاف الشعب (الأنثى) إلى الإله (الذكر) ولقد أصبح تفسير التوراة مثل الجماع الجنسي، فالتوراة التي أمامنا (توراة الخلق) هي مجرد رداء، وفي الأعماق توجد توراة الفيض (ويُلاحَظ هنا صورة الفيض الجنسية) . وكلما تَعمَّق الدارس خلعت التوراة أحد أرديتها حتى يصل إلى معناها الحقيقي، أي يراها «وجهاً لوجه» ويعرفها، أي يجامعها، تماماً مثلما رأى موسى الشخيناه وجهاً لوجه فعرفها، أي جامعها. والهدف من الصلاة أن يتحقق اليحود أو (الوحدة/الجماع) بين الملك والماترونيت (العنصر الأنثوي) ، وأن تفيض بركة الإله (ذات الطابع الجنسي) . ويصبح الهدف من المتسفوت، (أي الأوامر والنواهي) هو الشيء نفسه. ولذا، فقبل أن يقوم أي يهودي بأي عمل، فإن عليه أن يردد الصيغة التالية: "من أجل التوحد بين المقدَّس المبارك والشخيناه". والهدف من صلاة الصباح الإسهام في هذه العملية الجنسية. وكل فقرة توازي مرحلة من مراحل الوحدة. فبعد الفقرة الأولى، تقترب الابنة المقدَّسة (ماترونيت) مع وصيفاتها. وبعد الثانية، يضع الإله ذراعه حول رقبتها ثم يلاطفها ويربِّت على ثديها. وفي نهاية الصلاة، يتم الجماع. وقد أوصى الحاخام لوب (المُعلِّم من برودواي) بأن يفكر الإنسان في امرأة عارية أثناء الصلاة حتى يصل إلى أعلى درجات السمو. وقد شاعت القبَّالاه في القرن السادس عشر في أوربا، وحلَّت محلَّ التلمود كأساس للوجدان ومصدر للقيم الأخلاقية، حتى هيمنت تماماً على الوجدان اليهودي بين يهود اليديشية في شرق أوربا، وهم أغلبية يهود العالم. ويقول روفائيل باتاي إن أحد أسباب شيوع كتب القبَّالاه هو أنها كانت كتباً إباحية يقبل الناس على قراءتها بشغف شديد. لكن ظاهرة مركزية الصورة المجازية الجنسية وشيوعها تحتاج إلى تفسير. والواقع أنه يمكننا أن نقول إن اليهودية الحاخامية، بتشدُّدها، أحاطت اليهودي بعدد هائل من التحريمات والأوامر والنواهي (وقد حرَّم الحاخامات في كثير من الحالات ما أحل َّ الإله، ولعل شعائر السبت التي أخذت تتزايد على مر السنين خير مثال على ذلك) . وقد يكون كل هذا قد خلق إحساساً عميقاً بالذنب بين أعضاء الجماعات في أوربا، وخصوصاً بسبب وجودهم في تربة مسيحية تنظر إلى الجسد باعتباره شيئاً كريهاً، وبسبب الفقر الذي عاشوا فيه، الأمر الذي زاد من حرمانهم وشقائهم. وقد حدث نتيجة هذا ردُّ فعل عنيف، هو في جوهره، حسب قول باتاي، «تجنيس للإله وتأليه للجنس» (من الغريزة الجنسية) . ويجب أن نشير إلى أن هذه الظاهرة ليست مقصورة على اليهود، بل هي ظاهرة تعم كثيراً بين الحركات الصوفية الحلولية، وإن أخذت شكلاً متطرِّفاً في حالة يهود شرق أوربا. كما أن الأنساق الدينية الحلولية المتطرفة عادةً ما تتبدَّى في ترخيصية جنسية. فإذا كان الإله يحل في كل شيء، فإن كل شيء يصبح الإله ومن ذلك الجنس، بل خصوصاً الجنس الذي يُعَدُّ هو الآخر تعبيراً عن الإله، بل يُعَدُّ أكثر الأشياء تعبيراً عنه بسبب ما يحيطه من غموض وأسرار وبسبب ما يتضمنه من فقدان للذات وإحساس بالفيضان والفيض. وقد عقد باتاي مقارنة بين القبَّالاه والديانة الهندوكية الحلولية، وبيَّن عمق التشابه بينهما. ومما زاد الأمور تطرُّفاً ظهور حركات مسيحية منشقة في روسيا ابتداءً من القرن السابع عشر، مثل السكوبتسي (المخصيون) والخليستي (الذين يضربون أنفسهم) وغير ذلك، وهي جماعات تُحرِّم الجماع الجنسي تماماً من ناحية، ثم تقيم من ناحية أخرى احتفالات ذات طابع جنسي داعر. وقد تأثر يهود اليديشية بتلك الحركات. ولعل كل ذلك قد أدَّى إلى تهيئة الجو لظهور شبتاي تسفي الذي نادى بالترخيصية، وبإسقاط الأوامر والنواهي، وبدأ في ممارسات جنسية كانت تُفسَّر تفسيراً رمزياً من قبَل أتباعه. وبعد إسلامه ظهرت الحركات الشبتانية، وخصوصاً الدونمه والفرانكية، التي جعلت الإباحية الجنسية طقساً دينياً أساسياً، والتي أدركت الإله من خلال صور مجازية جنسية واضحة. وكانوا يقولون إنه "كلما ازداد الإنسان انحلالاً ازداد ارتفاعه وسموُّه، وكلما ازداد خرقاً للشرائع كان هذا دليلاً على وصوله واقترابه". وقد آمنوا بما يُقال له «العالياه» من خلال «اليريداه» ، أي الصعود من خلال الهبوط. وقد ورثت الحركة الحسيدية معظم هذه الاتجاهات الإباحية الترخيصية ونادت بما أسمته «عفوداه بجشيموت» ، أي «الخلاص بالجسد» ، وإن حاولت تفسير ذلك تفسيراً رمزياً. وقد كان هذا هو الإطار الفكري السائد بين يهود أوربا عشية الانعتاق، وكان الفكر الشبتاني متغلغلاً تماماً حتى في صفوف القيادات الحاخامية، كما أن القبَّالاه كانت قد هيمنت تماماً على الوجدان الديني اليهودي وكانت تُعَدُّ أساساً للتشريع أو على الأقل لتفسير الشعائر والشرائع. ومن الواضح أنه لا يمكن فهم ظاهرة مثل فرويد إلا في إطار الفكر القبَّالي الشبتاني، فالواقع أنه برغم اختياره أسطورة يونانية (أوديب) ومصطلحات لاتينية (إجو، وسوبر إجو، وإيد super ego, and id ,ego) ، فإن مصطلحه الكامن وصوره الأساسية مستقاة من التراث القبَّالي الذي درسه وهو في فيينا التي كان يوجد فيها واحد من أهم القبَّاليين في عصره (ويُقال إن كلمة «إيد» هي اختصار لكلمة «ييد» اليديشية، أي يهودي) . كما أن حديث رولان بارت عن لذة النص كلذة جنسية له ما يناظره في الفكر القبَّالي. ولذا، فليس غريباً أن نجد أن سلوك أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب يختلف مع الانعتاق عنه قبله. والواقع أن سقوط الجيتو، واليهودية الحاخامية، وانتشار القبَّالاه، جعلت اليهود مرشحين لدخول عصر الإباحة والإباحية الحديثة من أوسع أبوابه. وقد ساعد على ذلك تَعثُّر التحديث في شرق أوربا، الأمر الذي أدَّى إلى هجرة الملايين من قراهم وجيتواتهم إلى العالم الجديد، حيث لا ضوابط ولا آليات ضبط اجتماعية أو دينية، فتآكلت الأسرة اليهودية وزاد عدد الأطفال غير الشرعيين بعد أن كانت هذه ظاهرة غير معروفة تقريباً بين أعضاء الجماعات في الغرب. وقد ظهر قدر كبير من عدم التماسك بين أعضاء الجماعات في نهاية القرن التاسع عشر، فوجدت أعداد كبيرة منهم من البغايا والقوادين، وبين المشتغلين فيما نسميه صناعات اللذة (حقل نشر المجلات والكتب الإباحية ـ النوادي الليلية ـ حقل صناعة السينما التي لا تلتزم بمقاييس أخلاقية عالية) . ومع اندماج أعضاء الجماعات اليهودية في مجتمعاتهم، وتزايد معدلات العلمنة، أصبح من الملاحَظ أن درجة الانحلال وعدم التماسك لا تختلف عن درجة الانحلال وعدم التماسك في المجتمع ككل. وتتمتع الدولة الإسرائيلية بواحد من أعلى مستويات العلمنة في العالم. وقد انعكس هذا على سلوك الإسرائيليين الذي يتسم بكثير من الحرية الجنسية. وقد ساهم في ذلك أن المجتمع الإسرائيلي مجتمع مهاجرين يعتمد على السياحة كمصدر أساسي من مصادر الدخل. ويتسم كل من المهاجر والسائح (وهما من الشخصيات الوظيفية الهامشية) بأن درجة التزامهما بقيم المجتمع ليست عالية. والسائح بالذات لا يلتزم إلا بقيمة المتعة. كما أن القوات المسلحة الإسرائيلية تضم عدداً كبيراً من المجندات اللائي يوجدن مع عدد كبير من الذكور في مناطق مختلفة، وتحت ظروف تتسم بانعدام الضبط الاجتماعي، الأمر الذي يؤدي إلى توسيع رقعة الحرية الجنسية ويشجع على السلوك غير المنضبط. وقد قامت الصهيونية بتحويل اليهودية من عقيدة دينية قومية إلى عقيدة قومية الأمر الذي يعني إمكانية استخدامها لضبط سلوك المستوطن الإسرائيلي على المستوى القومي. ولكن لا يمكن، بطبيعة الحال، توظيفها لضبط السلوك الجنسي للمستوطن على المستوى الشخصي. ولذا، فقد نشأت ظواهر مرتبطة بالحرية الجنسية مثل انتشار البغاء، وأخيراً الأيدز، كما يُلاحَظ زيادة عدد الأطفال غير الشرعيين. وقد ظهر مؤخراً قانون يسمح بممارسة البغاء في الدولة الصهيونية بشكل قانوني يتزايد يوماً بعد يوم. ولا توجد لدينا إحصاءات دقيقة، ولكننا نعرف (حسب إحصاءات 1986) أن 45% من الإسرائيليات اللائي في المرحلة العمرية 21 سنة فأكثر يتزوجن لأنهن يتوقعن طفلاً، وأن 11% من الفتيات اللائي يتزوجن في إسرائيل (بغض النظر عن أعمارهن) يتزوجن وهن حوامل. والواقع أن إباحة الإجهاض محاولة أخرى لهذا الاتجاه حيث إن نسبة الإجهاض من أعلى النسب في العالم، فقد سجَّلت المستشفيات الحكومية نحو سبعين ألف حالة إجهاض سنوياً، الأمر الذي يعني أن الحالات أكثر من ذلك كثيراً. وينتشر الشذوذ الجنسي أيضاً في إسرائيل (ويُقال إن نسبته تصل إلى 10% بين الرجال) . وقد وصف وزير السياحة السابق (أمنون روبنشتاين) المجتمع الإسرائيلي بأنه من أكثر المجتمعات إباحيةً، وأشار إلى شارع دزنجوف (أحد الشوارع الكبرى في تل أبيب) باعتباره «زبالة دزنجوف» إذ تُعرَض فيه الأفلام الإباحية وتروَّج المخدرات (وقد عُرضت فيه مؤخراً مسرحية تمثل الملك داود وصديقه يوناثان تربطهما علاقة جنسية شاذة) . وتتسم الحياة في الكيبوتسات بالحرية الجنسية، إذ لا يتم فصل أفراد الجنسين إلا بعد سن الثامنة عشرة تقريباً. أما فيما قبل ذلك، فإنهم يقضون معظم الوقت معاً ويمارسون كل الأنشطة الإنسانية المختلفة مثل الاستحمام معاً. ولكن يبدو أن العلاقة الجنسية داخل الكيبوتس (بين أعضائه) أصبحت تشبه علاقة الإخوة بالأخوات، فلقد ظهرت أنماط للتعامل تشبه أنماط التعامل داخل الأسرة الواحدة، وظهرت أشكال من التابو (الحظر) تلقائياً. ومن الملاحَظ أن أعضاء الكيبوتس الواحد لا يتزوجون فيما بينهم، إلا فيما ندر، ولا يتزوجون إلا بأعضاء الكيبوتسات الأخرى في معظم الأحيان. الزنى Adultery كلمة «الزنى» يقابلها في العبرية كلمة «نيئوف» ، وأحياناً «زينوت» . وهي استخدام فضفاض لأن كلمة «زينوت» تعني بالمعنى الدقيق للكلمة «البغاء» . وتحرم اليهودية الزنى، كما جاء في الوصايا العشر. وقد عُرِّف الزنى بأنه علاقة جنسية بين امرأة متزوجة ورجل غير زوجها، وعقوبتها الموت للاثنين. أما الأنثى غير المتزوجة إن دخلت علاقة جنسية عرضية (مع يهودي) فإن ذلك أيضاً أمر مكروه ولكنه غير محرَّم، وثمرة مثل هذه العلاقة لا يكون مامزير. وعقوبة زوجة الكاهن الزانية أقسى من عقوبة الزانية العادية. وثمرة هذه العلاقة «مامزير» ، أي طفل غير شرعي. وتذهب بعض الفتاوى اليهودية إلى أن الوصايا الخاصة بالزنى لا تنصرف إلا إلى «زوجة أخيك» ، أي العبراني الأمر الذي يعني أن نساء الأغيار مباحات. ولكن الرأي السائد بين الحاخامات هو أن اليهودي الذي يزني بامرأة من الأغيار زان أيضاً، ومن حق زوجته أن تطلب الطلاق منه. وعلى العكس من هذا، ذهبت بعض الحركات الشبتانية إلى أن الوصية الخاصة بالزنى تعني العكس تماماً في التوراة الخفية (توراة الفيض) ، فحينما تقول الوصية «لا تزن» فإن المعنى الباطني هو «فلتزن» . أما بالنسبة إلى الرجل المتزوج الذي يدخل علاقة جنسية مع أنثى غير متزوجة، فإن الأمر مكروه ولكنه ليس محرَّماً. الزواج Marriage «الزواج» بالعبرية «نيسوئين» ، وتشجع العقيدة اليهودية اليهود على الزواج والإنجاب: "وباركهم الله وقال لهم أثمروا وأكثروا واملأوا الأرض" (تكوين 1/28) . ولعل حركة الأسينيين التي يُقال إن أفرادها امتنعوا عن الزواج كانت استثناء يثبت القاعدة. ومع هذا، فإن ثمة نظرية تذهب إلى أنهم لم يكونوا جماعة مترهبنة، وإنما نظمت عملية الزواج بحيث لم تكن تتم إلا بين أعضاء الجماعة وحسب. والزواج كصورة مجازية مهمة في العهد القديم، كما أن القبَّالاه اللوريانية جعلتها صورة مجازية مركزية، إذ يتزوج الإله من الشعب، وكل الأوامر والنواهي تهدف إلى إنجاز هذا الزواج المقدَّس. وفي الماضي، كان الزواج يتم في ثلاث خطوات: الأولى «شيدرخين» وهو طلب يد الفتاة، والثانية «إيروسين» أو «قيدوشيم» أو «قيدوشين» ، وهي تشبه عقد القران عند المسلمين، وبموجبها تصبح المرأة اليهودية زوجة شرعية لمن تقدَّم إليها، ولا يمكنها الزواج من آخر إلا إذا مات زوجها أو طلقها. ويجب أن تتم هذه الخطوة أمام شهود. وعلى الزوج إما أن يدفع نقوداً، بالعبرية «مهار» أي «ماهار» ، أو يوقع شهادة الزواج «كتوباه» ، أو يجامع زوجته دون أن يدفع لها مهراً أو يكتب عقد زواج (والطريقة الأخيرة أقلها حدوثاً، كما أن بعض الحاخامات رفض هذا الإجراء) . أما الخطوة الثالثة في الزواج، فهي تحقيق الزواج نفسه (نسوئين) ، وهذا يقابل الزفاف عند العرب (أو «الدُخلة» بالعامية المصرية) . ويصاحب الزفاف احتفالات تختلف من بلد إلى بلد حسب العادات والتقاليد المحلية، فيهود كوشين يحتفلون بطريقة مختلفة عن يهود الولايات المتحدة في العصر الحديث، أو عن يهود الجبال الذين لا يزالون يمارسون عادة خطف العروس، كما هو الحال في مجتمعهم. ولكن من أكثر أشكال الزواج شيوعاً زواج يهود اليديشية. وربما يعود هذا إلى أنهم كانوا يشكلون الأغلبية العظمى من يهود العالم، وهؤلاء هم الذين هاجروا إلى الولايات المتحدة، ونقلوا معهم أشكال الاحتفال بالزفاف الخاصة بهم، كما أن هوليود ساعدت على إشاعة هذا الشكل من الاحتفال. ويبدأ الاحتفال بينهم، بحضور عشرة أشخاص على الأقل (وهو نفس عدد النصاب في الصلاة) من بينهم حاخام. ويقف العريس والعروس تحت كوشة تُسمَّى «هوبا» (المحفة) ، ويقرأ الحاخام بعض الأدعية طالباً البركة (براخوت) ، ثم يضع العريس خاتماً ذهبياً غير مُزَّين بأحجار في يد العروس، وتُقرأ شهادة الزواج (كتوباه) ثم تُقرَأ بعض الأدعية والابتهالات مرة أخرى. وأحياناً يُطلَب إلى العروس أن تدور سبع مرات حول العريس، وتُقرأ الأدعية أحياناً على كأس خمر يشرب منه العريس والعروس، ويُطلَب إلى العريس أن يكسر كأساً، علامة على حزنه على الهيكل. ولم يَعُد اليهود، في معظم أنحاء العالم، يحتفلون بعقد القران منفصلاً عن الزواج نفسه. وليس الزواج في اليهودية من الشعائر المقدَّسة، كما هو الحال في المسيحية، وإنما هو عقد ذو طابع أخلاقي ديني، ولا يمكن أن يتم إلا بموافقة الأنثى. ولا تُحرِّم اليهودية تعدد الزوجات، وإن كان الفقه اليهودي قد منعه ابتداءً من القرن الحادي عشر في الغرب، ثم امتد المنع إلى كثير من بلاد العالم الأخرى، وإن كان لا يزال هناك بعض اليهود يمارسون هذا الحق الشرعي. ويناقش التلمود الأمور المتعلقة بالزواج في أحد أسفاره. ولا يحل لليهود الزواج من المحارم. ويتشدد القرّاءون في تعريف المحارم. كما لا يُباح ليهودي أن يتزوج من مامزير (شخص غير شرعي) . ويُمنَع الزواج المُختلَط من الأغيار بتاتاً (ومع هذا، كان هناك في الماضي درجات، فزواج اليهود من الكنعانيين ذكوراً أم إناثاً كان محظوراً، ولكن الزواج من الذكور العمونيين والمؤابيين ومن الذكور والإناث المصريين والأدوميين من أبناء الجيل الثالث بعد تهودهم كان غير محظور) . أما الكاهن، فيمتنع زواجه من مطلقة. ولا تستطيع الأرملة أن تتزوج إلا بعد مرور تسعين يوماً على موت زوجها. وإذا كان شقيق زوجها على قيد الحياة وليس لها أطفال، فإن اليهودية توجب عليه الزواج منها. وإذا اختفى الزوج ولم يُعرَف مصيره، تصبح المرأة عجوناه، أي لا يحق لها الزواج إلا بقرار محكمة شرعية. ولا تُحرِّم اليهودية الطلاق ولكن لا يمكن للمطلقة الزواج إلا بعد الحصول على شهادة الجيط، أي القسيمة الشرعية للطلاق التي لا تَصدُر إلا بعد أن تتأكد المحكمة الحاخامية من أن المرأة قد طلقها زوجها فعلاً. وقد سبَّبت هذه القيود كثيراً من المشاكل للمستوطنين في إسرائيل، حيث تشرف المحاكم على عمليات الزواج والطلاق، فكثير منهم لا يعرف مثلاً أنه كاهن إلا حينما يتقدم طالباً الزواج من مطلقة. وقد كان الزواج العمود الفقري للجماعات اليهودية في العالم، فهو أساس التماسك والتضامن. كما أنهم، كجماعة وظيفية، لا يتزاوجون إلا فيما بينهم، حتى لا يذوبوا في محيطهم الحضاري. وكان كثير من الجيتوات يُحرِّم على اليهود المقيمين فيها الزواج من يهود جيتو آخر، وذلك حتى لا يعطيهم هذا حق السكنى في الجيتو. وكان الزواج بين السفارد والإشكناز نادراً حتى عهد قريب، ولكن معدلاته أخذت في الارتفاع. وحينما ظهرت الدولة المطلقة في أوربا، فإنها كانت تتدخل في تنظيم الزواج بين أعضاء المجتمع ومنعهم أعضاء الجماعات اليهودية، فكان بعضهم لا يستطيع الزواج إلا بعد سن معيَّنة، حتى لا يتكاثر عددهم، ولم يكن يسمح للبعض بالزواج على الإطلاق. وفي محاولة تحديث اليهود في النمسا، في القرن التاسع عشر، لم يكن يُسمَح لبعض اليهود بالزواج إلا بعد قراءة كتاب عن الدين اليهودي كتبه أحد دعاة التنوير. وفي العصر الحديث، تزايدت معدلات الزواج المُختلَط، وبدأت الأجيال الجديدة اليهودية تُحجم عن الزواج والإنجاب، وهذه ظاهرة عامة في الغرب الآن وتساهم في ظاهرة موت الشعب اليهودي. وثيقة الزواج Ketubbah «وثيقة الزواج» مصطلح يقابله في العبرية كلمة «كتوباه» ، وهي الوثيقة التي تُسجَّل فيها الالتزامات المالية والأخلاقية للعريس تجاه عروسه، وتعتبر وثيقة الزواج أحد شروط الزواج حسب الشريعة اليهودية. ويجب أن تحمل الوثيقة توقيع شاهدين، وتُكتَب الكتوباه عادةً بالآرامية. ويُضاف إليها الآن ملخص بلغة البلد الذي يعيش فيه اليهودي. وتحتفظ العروس بالوثيقة. وقد قام اليهود المحافظون بتعديل صيغة الشهادة. أما اليهودية الإصلاحية، فتخلت عنها تماماً. ويتناول الجزء الخاص من التلمود والمسمَّى «كتبوت» كل الأمور المتعلقة بهذه الوثيقة. وعادةً ما كانت هذه الوثيقة تُكتَب على الرق وتُزيَّن حوافها. زواج الأرملة Levirate Marriage «زواج الأرملة» يُطلَق عليه «يبُّوم» بالعبرية. والأرملة في العبرية «ماناه» وهي من أصل لغوي يعني «الصامتة» وهي غير «يباماه» أي "الأرملة التي مات زوجها ولم تنجب أطفالاً". ويُحرِّم العهد القديم زواج أرملة الأخ إذا كان لها أطفال، لكنه يوجب مثل هذا الزواج إذا لم يكن لها أطفال. وقد جاء في سفر التثنية (25/5 ـ 10) : "إذا سكن إخوة معاً ومات واحد منهم وليس له ابن فلا تصير امرأة الميت إلى خارج لرجل أجنبي. أخو زوجها يدخل عليها ويتخذها لنفسه زوجة ويقوم لها بواجب أخي الزوج. والبكر الذي تلده يقوم باسم أخيه الميت لئلا يُمحَى اسمه من يسرائيل". وإن لم يرض الرجل أن يأخذ امرأة أخيه تصعد امرأة أخيه إلى الباب إلى الشيوخ وتقول قد أبى أخو زوجي أن يقيم لأخيه اسماً في يسرائيل. لم يشأ أن يقوم لي بواجب أخي الزوج. فيدعوه شيوخ مدينته ويتكلمون معه، فإن أصرَّ وقال لا أرضى أن أتخذها، تتقدم امرأة أخيه إليه أمام أعين الشيوخ وتخلع نعله من رجله وتبصق في وجهه وتصرخ وتقول هكذا يُفعَل بالرجل الذي لا يبني بيت أخيه. فيُدعى اسمه في يسرائيل «بيت مخلوع النعل» . (وهذه شعائر الحليتساه) . وتصبح المرأة عجوناه إن رفض الأخ أن يتزوجها ويخضع هو لطقوس خلع النعل، وقد تظل المرأة عجوناه إن كان الأخ قاصراً أو غائباً أو مفقوداً. الطلاق Divorce «الطلاق» بالعبرية «جيطين» ويتم الطلاق حسب الشريعة اليهودية في محكمة حاخامية، وتنتهي الإجراءات بأن يعطي الرجل زوجته قسيمة طلاق تُسمَّى في التوراة «سفير كيرتوت» أي كتاب الطلاق (تثنية 24/3) ، وتُسمَّى في التلمود «جيط» ، ويكون في حضور شهود أو أمام محكمة شرعية (بيت دين) . وتتلخص وظيفة المحكمة في التأكد من أن الإجراءات تتفق مع القانون الديني، ولا تتنافى معه. ثم يسجل كاتب المحكمة الطلاق، ويعطي نسخة من القسيمة لكل من الزوجين. والطلاق، حسب الشريعة اليهودية، من حق الرجل، يمارسه متى أراد، وإن كان من المعروف أن قسائم الزواج (كتوباه) كثيراً ما كانت تحتوي على شروط تحمي الزوجة من أهواء الرجل. وحصول المرأة على قسيمة الطلاق أمر أساسي، إذ أن اليهودي من حقه أن يعدد الزوجات، على الأقل من الناحية النظرية. ولذا، فبإمكانه الزواج دون أن يكون معه نسخة من القسيمة. أما المطلقة التي هجرها زوجها، أو حتى طلقها أمام المحاكم المدنية دون أن يسلمها وثيقة الطلاق (جيط) التي لابد أن تتم أمام المحكمة الشرعية لكي يتم بمقتضاها فسخ الزواج شرعاً، فتبقى «عجوناه» ، أي «مهجورة ومربوطة في آن واحد» . وفي شريعة التلمود، تُعرَّف «العجوناه» بأنها الزوجة المهجورة المرتبطة بزوج غائب، والتي لا تعرف على وجه اليقين ما إذا كان على قيد الحياة أم لا، أو التي طُلِّقت مدنياً ولم تحصل على شهادة جيط ولذلك لا يحق لها الزواج من جديد، وزواجها من رجل آخر يُعتبَر عملاً من أعمال الزنى، ويعتبر أولادها غير شرعيين. وفي البلاد الغربية، حيث لا تعترف المحاكم بقسيمة الطلاق الشرعية، لا يمنح الحاخام هذه القسيمة إلا بعد التأكد من أن الطلاق قد تم أمام المحاكم المدنية. ومع هذا، لا تعترف المحاكم الحاخامية بالطلاق المدني إلا بعد إكماله بقسيمة الطلاق الشرعية. وفي إسرائيل، يقع الطلاق، مثله مثل الزواج، تحت سلطة المحاكم الحاخامية. ومع تزايد معدلات الطلاق في الغرب، وخصوصاً في الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، أصبح الطلاق إحدى المشاكل التي تواجه المؤسسة الحاخامية، إذ يصل العديد من المهاجرات السوفيتيات المطلقات اللائي لم يحصلن على قسيمة الطلاق، وبالتالي فكل منهن عجوناه، وحينما تتزوج للمرة الثانية ترفض الحاخامية أن تعترف بزواجها. ومن المتوقع أن تصبح مشكلة قسيمة الطلاق الشرعية من أهم المشاكل التي ستواجه المُستوطَن الصهيوني، وربما تصل هذه المشكلة في أهميتها مشكلة التهود على يد حاخام غير أرثوذكسي، الأمر الذي لا تعترف به المحاكم الحاخامية في إسرائيل، كما أنها ستزيد تفاقم حدة قضية الهوية اليهودية. قسيمة الطلاق الشرعية (جيط) Get «جيط» هي «القسيمة الشرعية للطلاق» ، وبدونها تصبح المرأة اليهودية عجوناه، أي مطلقة لا يمكنها الزواج. وتنقسم قسيمة الطلاق إلى قسمين: العام (توفيس) وهو الديباجة العامة في كل قسائم الطلاق، والخاص (توريف) وهو الجزء الخاص بالحالة المدوَّنة في القسيمة. وعادةً ما تنتهي قسيمة الطلاق بعبارة «إن من حق المطلقة أن تتزوج من أي رجل» . ويجب أن يُكتَب التاريخ الصحيح بعناية، وبعد الانتهاء من إعداد القسيمة يسلمها الزوج لزوجته في حضور شهود. وبعد أن تأخذ الزوجة القسيمة تعطيها للمحكمة الشرعية التي تعطيها وثيقة تثبت أنها تم تطليقها حسب الشرع ثم تمزق المحكمة القسيمة حتى لا تثار أية شكوك بشأنها في المستقبل، ثم تحفظها وهي ممزقة. ويوجد في التلمود جزء خاص بالجيط والعجوناه. العجوناه Ajuna كلمة «عجوناه» كلمة عبرية مشتقة من فعل عبري بمعنى «يسجن» أو «يربط» . والعجوناه امرأة يهودية اختفى زوجها ولكن السلطات الدينية ليست على ثقة من وجوده على قيد الحياة، ولذا فهي مرتبطة برجل لا يمكنها أن تعيش معه فعلياً، ولكنها لا تستطيع أن ترتبط بآخر لأنها من الناحية النظرية متزوجة، فهي مهجورة ومربوطة في آن واحد معاً. ولهذا، لا يحق لها الزواج من جديد. وينطبق المصطلح الآن على الزوجات اللائي هجرهن أزواجهن دون أن يطلقوهن، أولئك اللائي طُلِّقن دون الحصول على قسيمة الطلاق الشرعية (جيط) التي لابد أن توثِّقها محكمة شرعية (بيت دين) . وتلجأ بعض السيدات إلى المحاكم الشرعية لإكراه الزوج على منح الوثيقة، لكن هذه المحاكم تتحرك ببطء شديد كما أنه في كثير من الأحوال لا يمكن الوصول إلى الزوج. ولا يزال هذا التقليد التلمودي سارياً في إسرائيل. ولا تستطيع العجوناه أن تتزوج للمرة الثانية زواجاً دينياً شرعياً، وإذا تزوجت دون شهادة الجيط، فإن أطفالها يُعتبَرون غير شرعيين، أي مامزير حسب الشريعة اليهودية. ومن المتوقع أن يزداد عدد السيدات العجونات بين المهاجرين من المجتمعات الغربية بسبب ارتفاع معدلات الطلاق فيها. وقد لوحظ وجود عدد كبير من النساء العجونات بين المهاجرين السوفييت، ويعود هذا إلى أن الحاخامية في إسرائبل لا تعترف بالطلاق المدني الذي تُصدره المحاكم السوفيتية والتي لا تملك أن تُصدر وثيقة الجيط رغم اعتراف الحاخامية بالزيجات التي تتم أمام هذه المحاكم. وقد لوحظ أن أعداداً من النساء العجونات بدأن ينكرن أنهن مطلقات حتى لا يفقدن حقوقهن وحتى لا يصنف أولادهن باعتبارهم «مامزير» .وتوجد في إسرائيل ما بين ثمانية إلى عشرة آلاف عجوناه. ولم يحدث أن منحت المحاكم الشرعية الإسرائيلية عبر تاريخها وثائق الجيط رغم إرادة الزوج إلا في ثلاثين حالة فقط. وكانت وثيقة الجيط مسئولة عن وجود عدد كبير من المطلقات في جاليشيا لا يمكنهن الزواج، الأمر الذي أدَّى إلى انتشار البغاء بينهن. طفل غير شرعي (مامزير) Mamzer «طفل غير شرعي» مصطلح يقابل مصطلح «مامزير» وهي كلمة عبرية معناها «طفل يهودي غير شرعي» . ومنزلة المامزير أقل من منزلة اليهودي العادي لأنه ثمرة علاقة جنسية محرَّمة (من وجهة نظر أسفار موسى الخمسة والشريعة الشفوية) ، مثل زواج رجل من امرأة محرمة عليه كأخته أو أمه، أو اتصال امرأة يهودية متزوجة اتصالاً جنسياً بغير زوجها، وهي علاقات عقوبتها الرجم. ويُحرَّم على اليهودي مولداً أن يتزوج من مامزير، لكن المامزير يمكنه أن يتزوج من مامزير مثله، أو من متهود، وهذا يعني أن الطفل غير الشرعي في منزلة المتهود. وأولاد المامزير مامزير مثله حتى لو كان متزوجاً من يهودي أو يهودية. أما إذا كان المامزير من الأغيار، فإن أبناءه يُعدّون من الأغيار. ويجب التنبيه إلى أن ولادة الطفل خارج الزواج لا تجعله بالضرورة طفلاً غير شرعي أو مامزير، فالأم اليهودية غير المتزوجة تنجب أطفالاً شرعيين إذا كان والد الطفل يهودياً بالمولد وغير متزوج وليس محرماً عليها الزواج منه شرعاً. وفي هذه الحالة، سواء تزوج الرجل المرأة أو لم يتزوجها، فإن هذا لا يغيِّر مكانة الطفل. ولعل هذا هو ما يجعل تجارب مثل الكيبوتس ممكنة، إذ يصبح الزواج أمراً غير مهم، بل هامشياً. ويُسمَّى الطفل المشكوك في أبوته «شيتوكي» ، وهي كلمة تعني حرفياً «غير معروف الأصل» لأن أمه ترفض أن تكشف شخصية الأب، أو لأنها لا تعرفه. وفي أغلب الأحوال، لا يُعتبَر هذا الطفل مامزير باعتبار أنه وُلد لأم يهودية! ويُطلَق على الطفل اللقيط بالعبرية «أسوفي» ، وهو ليس مامزير وإنما هو غير معروف النسب. ويتوقف الأمر على المكان الذي وجد فيه. فإذا وُجد بالقرب من حي يهودي، فهو مامزير، وإذا وجد بالقرب من حي للأغيار فهو من الأغيار. ومع هذا، لا يستطيع مثل هذا الطفل أن يتزوج من مامزير آخر، لأنه مشكوك في انتمائه اليهودي ككل! ويُعتبَر أي يهودي قرّائي مامزير، إذ أن اليهود الحاخاميين يعترفون بأن الزواج القرّائي شرعي، بينما الطلاق غير شرعي، وبالتالي فإن كل امرأة قرّائية تُطلَّق ثم تتزوج للمرة الثانية يكون زواجها الثاني غير شرعي وثمرته مامزير. ولأن هذه العملية استمرت عبر الأجيال، فإن كل القرّائين صاروا مامزير. ومع هذا، فقد ظهرت فتاوى أخرى ترى أن التشريعات الحاخامية لا تعترف بالزواج القرّائي نفسه. وتحدث أكثر حالات المامزير حينما تتزوج امرأة مطلقة لم تحصل على الجيط (قسيمة الطلاق) من زوجها الأول، إذ أنها من وجهة نظر القانون الشرعي تظل في ذمة زوجها الأول، ومن ثم فالزواج الثاني زواج غير شرعي وأولادها منه غير شرعيين. وهناك أيضاً «هلا» ، وهو الطفل الذي يكون ثمرة زواج كاهن وامرأة لا يحل له أن يتزوجها بسبب انتمائه إلى سلك الكهنوت. ومثل هذا الطفل لا يفقد أية حقوق، ولكنه لا يُعتبر كاهناً. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
التقويم اليهودي
Jewish Calendar لا نعرف الكثير عن تقويم العبرانيين، وإن كنا نعرف أنه كان يبدأ في الخريف، وأنه كان قمرياً يُضاف إليه شهر كل أربعة أعوام حتى يتفق التقويم القمري والتقويم الشمسي. كما أننا لا نعرف حتى أسماء الشهور باستثناء أربعة (أبيب وزيف في الربيع، وبول وإيثانيم في الخريف) . والتقويم اليهودي الحالي، الذي استقرت معالمه في القرن الأوَّل الميلادي، يعود إلى أيام التهجير البابلي. ويبدو أنه ظهرت تقاويم مختلفة. وثمة إشارة في سفر الملوك: الأوَّل (12/32 ـ 33) إلى أن يربعام ملك المملكة الشمالية اتَّبع تقويماً مغايراً للتقويم المتبع في المملكة الجنوبية، وقد اتَّبع السامريون تقويم المملكة الشمالية. وكان للصدوقيين تقويمهم الخاص بهم، كما أن للقرائين تقويمهم أيضاً حتى الوقت الحالي. وتتحدث المشناه عن أربعة رؤوس سنوات، أي أربعة تقاويم: 1 ـ أوَّل نيسان، لتحديد الأعياد وحكم الملوك (وهو التقويم الديني) . 2 ـ أوَّل إيلول، لدفع عشور الماشية. 3 ـ أوَّل تشري، لحساب السنة السبتية، وسنة اليوبيل، والعام المدني (وهو التقويم المدني) . 4 ـ أوَّل أو منتصف شفاط، لغرس الأشجار. ومع هذا، لا يحتفل اليهود بعيد رأس السنة إلا في تشري وحسب، وهو العيد الذي يُسمَّى بالعبرية «روش هشاناه» . وحينما يسرد اليهودي شهور السنة، يبدأ بشهر نيسان أوَّل شهور التقويم المدني، وليس تشري، أي أن رأس السنة يقع في سابع شهورها، كما هو موضح في الجدول التالي: 1 ـ نيسان 30 يوماً آخر مارس ـ أبريل. 2 ـ إيار 29 يوماً آخر أبريل ـ مايو. 3 ـ سيفان 30 يوماً آخر مايو ـ يونيه. 4 ـ تموز 29 يوماً آخر يونيه ـ يوليه. 5 ـ آف 30 يوماً آخر يوليه ـ أغسطس. 6 - إيلول 29 يوماً آخر أغسطس ـ سبتمبر. 7 - تشري 29 يوماً آخر سبتمبر ـ أكتوبر (وهو أوَّل الشهور في التقويم البابلي، وفيه يقع رأس السنة) . 8 ـ حشوان 29 أو 30 يوماً آخر أكتوبر ـ نوفمبر. 9 ـ كسليف 29 أو 30 يوماً آخر نوفمبر ـ ديسمبر. 10 ـ تيفت 29 يوماً آخر ديسمبر ـ يناير. 11 ـ شفاط 30 يوماً آخر يناير ـ فبراير. 12 ـ آدار 29 يوماً آخر فبراير ـ مارس. ومن المرجح أنها عادة قديمة جداً مصدرها الأهمية الخاصة لشهر نيسان عند اليهود، ففي هذا الشهر خرج موسى بقومه من مصر. وهو أيضاً الشهر الذي يقع فيه أهم أعيادهم على الإطلاق، عيد الفصح، وهو أوَّل الأعياد حسب التقويم الديني. وهو كذلك عيد الربيع، كما ورد في سفر الخروج (12/2) : "هذا الشهر يكون رأس الشهور". والتقويم اليهودي تقويم معقد، ولهذا التعقيد سببان: أولهما أن حساب الشهور يتبع الدورة القمرية، فنجد أن الشهور مكونة إما من ثلاثين يوماً أو تسعة وعشرين يوماً، وبذلك تصبح السنة 354 يوماً. في حين أن حساب السنين يتبع الدورة الشمسية وذلك حتى يستطيع اليهود الاحتفال بالأعياد الزراعية في مواسمها. والفرق بين السنة الشمسية والسنة القمرية أحد عشر يوماً، فكان لابد من تعويض هذا الفرق في عدد الأيام حتى يتطابق الحسابان، وتم إنجاز ذلك بإدخال تعديلات معقدة على تقويمهم بحيث يتطابق التقويمان تمام التطابق مرة كل عشرين عاماً، فأضافوا شهراً كاملاً مدته ثلاثون يوماً في كل عام ثالث وسادس وثامن وحادي عشر ورابع عشر وسابع عشر وتاسع عشر من هذه الدورة العشرينية، وهكذا. وهذا الشهر الذي يُقحَم على السنة، يأتي بعد آدار، ويُسمَّى «آدار شني» ، أي «آدار الثاني» (أواخر فبراير أو مارس) حيث تصبح سنتهم الكبيسة مكوَّنة من ثلاثة عشر شهراً. أما السبب الثاني لتعقيد التقويم اليهودي، فهو سبب شعائري بحت، فمثلاً لا ينبغي أن يقع عيد يوم الغفران أو عيد رأس السنة قبل أو بعد يوم السبت. ولذلك، فقد تُؤجَّل بداية السنة عندهم يوماً أو يومين حسب الأحوال، فتصبح السنة اليهودية العادية 353 أو 354 أو 355 يوماً. أما السنة الكبيسة، فيزاد عليها شهر كامل فتصبح 383 أو 384 أو 385 يوماً. وطبقاً للحسابات اليهودية الفلكية، هناك أيام محدَّدة يبدأ فيها كل شهر، ولا يجوز أن يبدأ بغيرها. وفي جميع الأحوال، يجب أن تظل الفترة من أوَّل نيسان إلى أوَّل تشري 177 يوماً. وكانت بداية الشهور، «روش حودش» (حرفياً «رأس الشهر» ) تُعرَف حين يذهب شاهد عيان إلى السنهدرين ويُعلن أنه رأى القمر، فتُوقَد النيران إعلاناً عن رؤية القمر. ولذلك، فقد جرت العادة منذ ذلك الوقت (عند أعضاء الجماعات اليهودية خارج فلسطين) على الاحتفال بالأعياد يومين على التوالي لصعوبة تحديد اليوم الفعلي لظهور القمر الجديد في فلسطين. وكان تحديد التقويم ورأس السنة من أهم مهام السنهدرين في فلسطين. ويبدو أن هذه المهمة صارت من أهم مظاهر الاستقلال والهيمنة. ولذلك، كانت قيادات يهود بابل تحاول أن تضطلع بهذه المهمة، كلما سنحت لها الفرصة. فعلى سبيل المثال، حينما سُحق تمرُّد بركوخبا قاموا بأولى هذه المحاولات، ولكنهم اضطروا إلى التنازل عنها فيما بعد. ولكن، بعد تحوُّل الإمبراطورية الرومانية إلى المسيحية، وانفصال الجماعات اليهودية تماماً عن فلسطين، قام أمير اليهود (البطريرك أو الناسي) هليل الثاني عام 359 بإعلان القواعد الرياضية السرية لحساب التقويم، الأمر الذي أنهى ما تبقَّى للقيادة اليهودية في فلسطين من سلطة. وقد حاول علماء فلسطين، في القرن العاشر، أن يستعيدوا سلطة تحديد التقويم، ولكن علماء العراق نجحوا في كبحهم بعد أن ازدادوا نفوذاً لوجودهم في مركز السلطة. وقد استقر التقويم اليهودي وأصبح تحديده يخضع للحسابات الفلكية. ولم يكن التقويم اليهودي يحدِّد في بداية الأمر تاريخ السنة بشكل مستقر أو متعارف عليه، فكان حساب السنوات يتم بالرجوع إلى أحداث مهمة مثل: الخروج من مصر، أو حادث يَسهُل تَذكُّره مثل زلزال، أو بداية حكم ملك. ومنذ فترة الهيكل الثاني، اتبع اليهود حسابات غير اليهود، وخصوصاً بعد حكم السلوقيين الذي بدأ عام 312 ق. م. ولكن، ابتداءً من القرن الثالث الميلادي، بدأ وضع حساب التقويم اليهودي بالعودة إلى تاريخ الخلق. وفي أدبيات التلمود، ثمة رأيان يذهب أحدهما إلى أن الخلق بدأ في نيسان (أوَّل الشهور) ، في حين يذهب الثاني إلى أنه بدأ في تشري (الشهر السابع) . وقد استقر الأمر على اعتبار أنه في تشري (عيد رأس السنة) . وقد ازدادت هذه العادة شيوعاً مع العصور الوسطى. وقد حدَّد حاخامات اليهود تاريخ بدء الخليقة (على أساس التورايخ التوراتية) بسنة 3760 قبل الميلاد. ويمكن التوصل إلى السنة اليهودية، بإضافة التاريخ الافتراضي لخلق الكون إلى التاريخ الميلادي. وبحسب هذا التقويم، يوافق عام 1995 ـ 1996 الميلادي سنة 5756 اليهودية (وهو مجموع 3760 + 1996) . ويُلاحَظ أن التقويم الإسلامي يبدأ بالهجرة، كما أن التقويم المسيحي يبدأ بميلاد المسيح، وهي مناسبات تاريخية محددة. أما التقويم اليهودي، فيجعل نقطة بدايته لحظة كونية هي خلق العالم (تماماً مثل نقطة نهايته وهي لحظة عودة الماشيَّح التي ينتهي عندها التاريخ الإنساني) . وأسماء الشهور في التقويم اليهودي بابلية، فتموز مثلاً هو أحد الآلهة البابلية، وتشري من «تشرينو» وتعني «البداية» . وتُستخدَم أحياناً حروف عبرية بدلاً من الأرقام في التواريخ اليهودية. ويتَّبع أعضاء الجماعات اليهودية التقويم المدني الذي يبدأ بتشري (رأس السنة) للأغراض الدينية. ويستخدمون في حياتهم العادية التقاويم المدنية السائدة في البلاد التي يعيشون في كنفها. ولا تظهر السنة اليهودية إلا في الوثائق الدينية مثل عقود الزواج والشهادات الصادرة من معاهد الدراسة الحاخامية. ومع تصاعُد معدلات العلمنة في الدولة الصهيونية، بدأت بعض الأصوات التي تطالب بالتخلي عن التقويم اليهودي. وقد رفعت أم أحد الجنود الذين لقوا حتفهم أثناء غزو لبنان دعوى أمام المحكمة وطالبت فيها بإلغاء السنة اليهودية على أن يحل محلها التقويم الجريجوري. وفيما يلي تقويم يهودي من عام 5758 حتى عام 5760، أي حتى عام 2000 ميلادية: التقويم اليهودي حتى عام 2000 ميلادية التقويم / 5758 / 5759 / 5760 تشري / 2 أكتوبر 1997 / 21 أكتوبر 1998 / 11 سبتمبر 1999 حشفان / 1 نوفمبر 1997 / 20 نوفمبر 1998 / 11 أكتوبر 1999 كسليف / 30 نوفمبر 1997 / 20 نوفمبر 1998 / 10 نوفمبر 1999 تيفت / 30 ديسمبر 1997 / 20ديسمبر 1998 / 10 ديسمبر 1999 شفاط / 28 يناير 1998 / 18 يناير 1999 / 8 يناير 2000 آدار / 27 فبراير 1998 / 17 فبراير 1999 / 7 فبراير 2000 نيسان / 28 مارس 1998 / 18 مارس 1999 / 8 مارس 2000 إيار / 27 إبريل 1998 / 17 أبريل 1999 / 6 أبريل 2000 سيفان / 26 مايو 1998 / 16 مايو 1999 / 6 مايو 2000 تموز / 25 يونيه 1998 / 15 يونيه 1999 / 4 يونيه 2000 آف / 24 يوليو 1998 / 14 يوليه 1999 / 4 يوليه 2000 إيلول / 23 أغسطس 1998 / 13 أغسطس 1999 / 5 أغسطس 2000 تشري Tishri « «تشري» كلمة مشتقة من اللفظ الأكادي «تشرينو» ، وتعني «البداية» ، وهو الشهر السابع في التقويم الديني اليهودي وأوَّل شهر في التقويم المدني، ويتكون من 30 يوماً. ويوافق هذا الشهر سبتمبر ـ أكتوبر، وأوَّل أيامه عيد رأس السنة اليهودية (روش هشَّاناه) . ولذا، فإن هذا اليوم هو أيضاً يوم الحساب، حيث يحاسب الإله العالم بأسره. ويقع صوم جداليا في الثالث من هذا الشهر (أيام التكفير العشرة) التي تبدأ في عيد رأس السنة لتصل إلى نهايتها في عيد يوم الغفران. ويقع عيد المظال بين الخامس عشر والثالث والعشرين منه، ويتضمن عيد الثامن الختامي (شميني عتسيريت) وبهجة التوراة (سمحات توراه) . حشفان Heshvan كلمة «حشوان» اختصار لكلمة «مرحشوان» وهي من عبارة بابلية تعني «الشهر الثامن» ، و «حشوان» هو الشهر الثامن في التقويم الديني اليهودي، وثاني شهور التقويم المدني وهو 29 أو 30 يوماً، ويوافق أكتوبر - نوفمبر. وقد صدر وعد بلفور في السابع عشر من حشوان، ولذا فإنه يُحتفَل به في ذلك اليوم! كسليف Kisleve « «كسليف» من الكلمة الأكادية «كيسليمو» . وهو تاسع شهور التقويم الديني اليهودي، وثالث شهور التقويم المدني، ويتكون من 29 أو 30 يوماً، ويوافق نوفمبر ـ ديسمبر. ويبدأ عيد التدشين في الخامس والعشرين من كسليف، حين تُشعَل أوَّل شموع شمعدان التدشين، ويستمر العيد ثمانية أيام (ثاني أو ثالث أيام تيفت) . تيفت Tevet «تيفت» من الكلمة الأكادية «تبيتو» ، وهو عاشر شهور التقويم الديني اليهودي، ورابع شهور التقويم المدني، ويتكون من 29 يوماً، ويوافق ديسمبر ـ يناير. وفي هذا الشهر، بدأت جيوش نبوختنصر حصارها للقدس. ولذا، فإن ذكرى هذا اليوم يتم إحياؤها بصوم العاشر من تيفت. شفاط Shevat « «شفاط» من الكلمة الأكادية «شفاطو» ، وهو الشهر الحادي عشر في التقويم الديني اليهودي، وخامس شهور التقويم المدني، ويتكون من 30 يوماً، ويوافق يناير - فبراير. ويقع عيد السنة الجديدة للأشجار في الخامس عشر منه. آدار Adar « «آدار» من الكلمة الأكادية «أدارو» ، وهو الشهر الثاني عشر في التقويم الديني اليهودي، وسادس شهورالتقويم المدني، ويتكون من 29 يوماً، ويوافق فبراير ـ مارس. وأهم الأعياد في هذا الشهر عيد النصيب في الرابع عشر منه (في السنوات الكبيسة) . وهو يشمل آدار ريشون (أي آدار الأول) الذي يتكون من ثلاثين يوماً، وآدار شني (أي آدار الثاني) وهو من تسعة وعشرين يوماً. وفي هذه الحالة، تُنقَل المناسبات والأعياد كافة إلى آدار الثاني. نيسان Nisan « «نيسان» من الكلمة الأكادية «نيسانو» ، وهو أوَّل شهور التقويم الديني اليهودي، وسابع شهور التقويم المدني، ويتكون من 30 يوماً، ويوافق مارس ـ أبريل. ولقد جاء في المشناه أن أوَّل نيسان هو أوَّل يوم في السنة للملوك والأعياد. ولقد كان خروج جماعة يسرائيل من مصر في منتصف نيسان، ومن ثم يُحتفَل بعيد الفصح في الفترة من الخامس عشر إلى الحادي والعشرين منه. ومنتصف نيسان هو أيضاً بداية عيد الحصاد. ويُسمَّى نيسان في أسفار موسى الخمسة شهر أبيب، أي الربيع. ويقع يوم هاشواح (يوم المحرقة) في السابع والعشرين منه. ومع هذا، فإنه يُمنَع الصيام والجنازات والحزن خلال هذا الشهر، فهو كما تقدَّم شهر الربيع، كما أنه «زمان حرتنو» ، أي «فصل حريتنا» . إيَّار Iyyar « «إيّار» من الكلمة الأكادية «إيّار» ، وهو ثاني شهور التقويم الديني اليهودي، وثامن شهور التقويم المدني، ويتكون من 29 يوماً، ويوافق أبريل ـ مايو. ويُشار إليه في العهد القديم باسم «زيف» أي «الروعة» أو «الجلال» باعتبار أن الربيع يصل قمة ازدهاره في هذا الشهر. ويقع عيد لاج بعومير في الثامن عشر منه، وكذلك عيد استقلال إسرائيل (احتلال فلسطين من وجهة نظرنا) في الخامس منه، وكذلك ذكرى التحرير (سقوط القدس) في اليوم الثامن والعشرين. سيفان Sivan « «سيفان» من الكلمة الأكادية «سيمانو» ، وقد سُمِّي باسم الإله السامي للقمر الإله سين (جبل سيناء) ، وهو ثالث شهور التقويم الديني اليهودي، وتاسع شهور التقويم المدني، ويتكون من 30 يوماً، ويوافق مايو ـ يونيه. ويقع عيد الأسابيع في السادس والسابع من سيفان. وكان عيد الأسابيع قديماً عيد الحصاد حيث كانت تُحضَر إلى الهيكل بواكير الحصاد وتُقدَّم قرباناً. تموز Tammuz « «تمُّوز» من الكلمة الآشورية البابلية «دوزو» أو «دوموزي» ، أي «الإله تمُّوز» . وهو رابع شهور التقويم الديني اليهودي، وعاشر شهور التقويم المدني، ويتكون من 29 يوماً، ويوافق يونيه ـ يوليه. ويوافق اليوم السابع عشر من تمُّوز، ذكرى اختراق نبوختنصر حائط القدس في 586 ق. م. ويُقال إن جيوش تيتوس الرومانية اخترقت حوائط القدس هي الأخرى في التاريخ نفسه. ويصوم اليهود في ذلك اليوم. ويُعَد يوم 7 تموز ابتداء أسابيع الحداد الثلاثة التي تصل إلى نهايتها في التاسع من آف. آف Av « «آف» من الكلمة الأكادية «أبو» ، وهو خامس شهور التقويم الديني اليهودي، والشهر الحادي عشر في التقويم المدني، ويتكون من 30 يوماً، ويوافق يوليه ـ أغسطس. وأهم أيامه هو التاسع منه والذي يوافق ذكرى سقوط الهيكلين الأوَّل والثاني. وقد ارتبط هذا التاريخ بكوارث أخرى في تواريخ الجماعات اليهودية. وتصل أسابيع الحداد الثلاثة التي تبدأ في السابع عشر من تموز نهايتها في التاسع من آف. وتُعتبَر التسعة أيام، من أوله حتى التاسع منه، أكثر الأيام حزناً. ويُسمَّى الشهر «مناحم» أي «المؤاسي» ، لا لأن الأحزان ستُؤاسى بعد التاسع منه، وإنما لأن الماشيَّح سيولد في التاسع من آف. إيلول Elul « «إيلول» من الكلمة الأكادية «إيلولو» ، وهو سادس شهور التقويم الديني اليهودي، والشهر الثاني عشر في التقويم المدني، ويتكون من 29 يوماً، ويوافق أغسطس ـ سبتمبر. ولا توجد أعياد أو أيام صيام في إيلول. ومن ثم، فهو يُعتبَر إعداداً لليهود لأيام الأعياد الكبرى. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
الفكر الأُخروي (إسكاتولوجي)
Eschatology «الفكر الأخروي» يُشار إليه في الإنجليزية بكلمة «إسكاتولوجي» من الكلمة اليونانية «إسكاتوس» ومعناها «آخر» أو «بعد» . ويشير المصطلح إلى المفاهيم والموضوعات والتعاليم الخاصة بما سيحدث في آخر الزمان، وإلى العقائد الخاصة بعودة الماشيَّح، والمحن التي ستحل بالبشرية بسبب شرورها، والصراع النهائي بين قوى الشر وقوى الخير (حرب يأجوج ومأجوج) ، والخلاص النهائي، وعودة اليهود المنفيين إلى أرض الميعاد، وإلى يوم الحساب وخلود الروح والبعث، وهي الموضوعات التي تظهر أساساً في كتب الرؤى (أبوكاليبس) ، والتي تعود جذورها إلى الحضارات البابلية والمصرية والكنعانية، وخصوصاً الفارسية الزرادشتية. وقبل الخوض في هذا الموضوع بتعريفاته المختلفة وتناقضاته المتعددة، لابد أن نميِّز بين التفكير الأخروي داخل إطار حلولي والتفكير الأخروي داخل إطار توحيدي، فالفكر الديني التوحيدي يفترض وجود إله خارج الزمان والطبيعة ويتجاوزهما ومن ثم تتحدد الثنائيات الفضفاضة المختلفة (التي يشكل الإله نقطة الوصل بينها دون أن يملأ الثغرة التي تفصل بينها) . وينجم عن ذلك أن التفكير الأخروي يتحدد باعتباره حدثاً كونياً يقع لا في آخر الزمان وإنما خارجه، ولا يقتصر على مجموعة من البشر دون أخرى بل يشمل كل البشر، ويرتبط تماماً بفكرة الثواب والعقاب للفرد لا للجماعة، أي أن التفكير الأخروي (ورؤية الخلاص) يدور في إطار أخلاقي عالمي إنساني. أما التفكير الأخروي في الإطار الحلولي، فيقف على النقيض من ذلك تماماً وبسبب حلول الإله في التاريخ والإنسان والطبيعة وكمونه فيها، فإن كل الثنائيات تَمَّحي (أو تتحدد بشكل صلب) ، وتقع الآخرة في نهاية التاريخ (داخل الزمان لا خارجه) ، وهي حدث تاريخي وكوني في آن واحد تدور أحداثه حول شعب واحد مختار لا أفراد مسئولين، كما أنها لا ترتبط بالقيم الأخلاقية أو الثواب والعقاب. فرؤية الخلاص لا علاقة لها بالقيم الأخلاقية. ويمكننا أن نقول إن التفكير الأخروي اليهودي كان يدور في البداية داخل إطار حلولي كامل ثم تحرَّر منه بالتدريج في كتب الأنبياء. ثم عاد وبدأت عملية السقوط التدريجي في الحلولية في أسفار الرؤى (أبوكاليبس) ، وتزايدت معدلات الحلولية في التلمود، إلى أن نصل إلى القبَّالاه حيث نصل إلى نقطة وحدة الوجود الروحية التي يتبعها حلول بدون إله في العصر الحديث، أي وحدة الوجود المادية. وهناك، في العهد القديم، عبارة ليست مرادفة تماماً لكلمة «إسكاتولوجي» وهي عبارة «أحرِّيت هياميم» التي تحمل تضمينات أخروية وتعني حرفياً «نهاية الزمان» أو «آخر الأيام» . وتعني عبارة «آخر الأيام» التي سنستخدمها في هذه الموسوعة ثلاثة أشياء مختلفة: 1 ـ ففي أسفار موسى الخمسة، قد تكون العبارة بمعنى «في المستقبل» أو «في الأيام المقبلة» . وبالتالي، فإن الإشارة في مثل هذا السياق تنصرف إلى مراحل تاريخية زمنية تالية، وقد تأتي بعدها مراحل أخرى. 2 ـ ولكن العبارة قد ترد أيضاً بمعنى «الأيام الأخيرة» ، وهي هنا تعني «آخر المراحل التاريخية» التي لا تأتي بعدها مراحل أخرى، ولكنها تظل مع هذا مرحلة زمنية. 3 ـ ثم اكتسبت العبارة، فيما بعد، دلالة جديدة تماماً، بحيث أصبحت تشير إلى ما بعد البعث. وفي القرون الأخيرة قبل الميلاد وبعده، ظهر مصطلح آخر هو «كيتس هيَّاميم» ، ويعني حرفياً «نهاية الأيام» (دانيال 12/13) ، وهو مفهوم يشير بوضوح إلى ما بعد البعث، قارن ذلك بمصطلح «وقت المنتهى» (دانيال 8/17) . وقد اجتازت المفاهيم الأخروية عدة تطورات، ولكن على الطريقة الجيولوجية التي يتسم بها النسق الديني اليهودي. فالمفاهيم الحلولية القديمة للآخرة لم تكن تُستبعَد، بل كان يُكتفَى بضم المفاهيم الجديدة إليها، فتتعايش معها جنباً إلى جنب أو تكون الواحدة فوق الأخرى. ولذا، لا يتسم الفكر الأخروي اليهودي عبر تاريخه بالوضوح أو التحدد، إذ ظلت هناك أسئلة خلافية تُركَت دون حسم من بينها ما يلي: 1 ـ هل ستقع آخر الأيام داخل الزمان والتاريخ أم ستقع خارجهما؟ 2 ـ هل تختص آخر الأيام بمصير الشعب اليهودي وحده أو تختص بمصير الشعوب كافة؟ وهل للشعب اليهودي دور خاص أم أنه سيكون شعباً واحداً ضمن شعوب أخرى عديدة متساوية في المصير؟ 3 ـ هل المقصود بالشعب اليهودي الشعب ككيان جماعي أو اليهود كأفراد؟ 4 ـ ما هي علاقة البعث بالثواب والعقاب في آخر الأيام؟ وإذا نظرنا إلى أسفار موسى الخمسة وأسفار يوشع والقضاة، وإلى الفكر الديني اليسرائيلي في القرون الأولى من حكم الملوك، لما وجدنا أية إشارة إلى مفاهيم أخروية محددة حقيقية. ومع هذا، يمكن القول بأن ثمة عناصر أخروية تسم الفكر الديني اليهودي في مرحلة ما قبل السبي. فأعضاء جماعة يسرائيل كانوا يعبدون الإله الذي اختارهم، وعقد عهداً أو ميثاقاً معهم، وحلَّ في تاريخهم، ولذا فإنه يتجلى فيه من آونة إلى أخرى مثلما فعل حينما خرج بهم من مصر، ثم هزم أعداءهم ووعدهم بأرض كنعان وساعدهم على غزوها. ولقد أصبح تَدخُّل الإله في التاريخ، ونصره للشعب، من ثوابت الفكر الأخروي اليهودي فيما بعد، وإن كانت الآخرة هنا مجرد نقطة تحوُّل جوهرية في التاريخ نفسه، مثل الخروج من مصر أو الاستيطان في كنعان، ولا تشكل نقطة نهاية إذ تتبعها مرحلة تاريخية أخرى مختلفة نوعياً عن المرحلة السابقة ولكنها تظل مع هذا نقطة في الزمان، وهي في هذا لا تختلف كثيراً عن التغيرات النوعية أو الطفرات التي تؤدي إلى «التقدم» إذا ما أردنا استخدام المصطلحات الحديثة. والواقع أن هذا المفهوم الأخروي يعني التدخل المستمر من قبل الإله في التاريخ وحلوله فيه، وإن كان ثمة نهاية، فهي تتجلى في الفكرة البدائية الخاصة بيوم الرب، ذلك اليوم الذي ستسود فيه جماعة يسرائيل على الجميع، أي أنها رؤية أخروية حلولية مادية تتحقق داخل التاريخ. وقد تطوَّر الفكر الأخروي اليهودي على يد الأنبياء، وظهر كلٌّ من عاموس وهوشع مع بداية حكم الملوك، فطوَّر الأول فكرة يوم الرب، بحيث تحولت إلى فكرة يوم الحساب، وهو مفهوم أكثر عالمية وأخلاقية إذ أنه اليوم الذي سيحاسب فيه الإله اليهود وغير اليهود. وقد تَعمَّق المفهوم الأخروي، إذ يشير عاموس إلى تغيرات ستدخل على الطبيعة مثل كسوف الشمس، وقد استخدمها بشكل مجازي، ولكنها مع هذا فُسِّرت حرفياً ثم أصبحت عنصراً ثابتاً في الفكر الأخروي منذ ذلك التاريخ. ورغم أن عاموس يتحدث عن عقاب الآثمين من اليهود وغير اليهود، فإنه يعرف أن الإله وفيٌّ لشعبه. وهنا ظهرت في سفر عاموس، ثم في سفر هوشع، فكرة البقية الصالحة التي ستنجو من الهلاك، وظهرت أيضاً فكرة تجديد الميثاق أو العهد مع الإله واسترجاع جماعة يسرائيل وعودتها، كما ظهرت فكرة السلام الذي سيعم الأرض ويشمل كل الأمم. ورغم أن كثيراً من ثوابت الفكر الأخروي اليهودي قد تحددت على يد الأنبياء، فلم تكن هناك حتى هذه الفترة إشارات إلى آخرة تقع خارج التاريخ، إذ تظل الآخرة مجرد مرحلة زمنية لها ملامحها الفريدة ومختلفة عما سبقها من مراحل. ويُلاحَظ أن الفكر الأخروي يتطور من خلال سياقين: أحدهما محلي، وهو ما يحدث داخل المجتمع العبراني، والآخر دولي، وهو ما يحدث حوله ويؤثر فيه. وقد تأثر فكر عاموس الأخروي بالاستقطاب الاجتماعي الذي شهده عصره، فظهرت فكرة العقاب الذي سيحيق بالآثمين من جماعة يسرائيل. كما أن ظهور القوة الآشورية يشكل القطب الثاني، فقد تحولت القوة العالمية التي تتهدد العبرانيين إلى أداة العقاب التي سيستخدمها الإله للقصاص من الشعب المذنب. وتَعمَّقت كل هذه الاتجاهات في نبوءات أشعياء الذي تنبأ بخراب كامل لجماعة يسرائيل وللأمم الوثنية (ويُلاحَظ أن الاضطرابات التي تصاحب آخر الأيام بدأت تأخذ بُعداً كونياً) . وقد قام أشعياء بوصف المُلك الثاني ليهودا والذي سيكون في المستقبل، وأدخل بذلك فكرة الماشيَّح، كما وصف السلام الذي سيعم العالم، ويأخذ شكل عودة إلى حديقة عدن، وبذا بدأت تظهر بذور فكرة الجنة في الفكر الأخروي. أما في سفر ميخا، فتظهر فكرة جبل صهيون كمركز للخلاص النهائي، كما تظهر موضوعات مثل قرب النهاية في سفر صفنيا، والحرب الكونية التي تسبق النهاية في سفر يوئيل. ويُلاحَظ أن الآخرة، رغم كل التحولات التاريخية والكونية المصاحبة لها، لا تزال زمنية، وما يحدث فيها هو واقعة تاريخية داخل الزمان. وتشكل واقعة السبي نقطة تحوُّل في تاريخ الأفكار الأخروية، إذ تكتسب فكرة العودة وإعادة بناء الهيكل مركزية حقيقية تظهر في سفر حزقيال، وتصبح الحرب الكونية، حرب ياجوج وماجوج، من العلامات المهمة على آخر الأيام. ويصبح التاريخ مجرد تعبير عن خطة إلهية مقررة مسبقاً. كما أن الأبعاد الكونية أصبحت أكثر وضوحاً وبروزاً، وأصبحت الأفكار الأخروية لا تتحدث عن بداية مرحلة تاريخية جديدة، وإنما عن تحوُّل كوني كامل نتيجة تَدخُّل إلهي. ثم تظهر، في سفر ملاخي، شخصية إلياهو العجائبية التي ستأتي في يوم الرب. ويدل ظهور كل هذه الموضوعات ضمن الفكر الأخروي، على أن الفكر الرؤياوي (الأبوكاليبسي) أخذ يتغلغل ويحل محل الفكر النبوي، كما يتضح في الإصحاحات الستة الأخيرة في سفر زكريا التي أشارت إلى أن الشعب المختار سيعاني قبل الخلاص. وتبدأ النزعة الرؤيوية في التعمق حتى أن إصحاحات 24/1 ـ 27/13من سفر أشعياء يُطلَق عليها «أبوكاليبس أشعياء» . وقد كان مجال التفكير الأخروي، كما تقدَّم، هو «هذه الدنيا» ، و «المستقبل» . ولكن عدة انتكاسات حلت باليهود فقد سمح لهم قورش بالعودة، وبناء الهيكل دون أن يسمح لهم بتأسيس مُلك يهودي في ولاية يهودا، أي دون أن يسمح بعودة القوة السياسية اليهودية، وبالتالي لم يسودوا العالمين كما كانت تقول النبوءات الأولى. ثم زال حكم الفرس وظهرت الإمبراطورية اليونانية كقوة عظمى، وبعدها الإمبراطورية الرومانية التي أحكمت قبضتها عليهم تماماً وهدمت الهيكل. بعد هذه الانتكاسات العديدة، اكتسب التفكير الأخروي أبعاداً جديدة، وأصبح مجاله «العالم الآخر» ، «في المستقبل» ، «خارج الزمان» . وقد اكتملت ملامح الفكر الأخروي اليهودي ومعظم ثوابته مع سفر دانيال، فهو يقدم رؤية لتاريخ العالم، وتاريخ الممالك الأربع التي ستزول وتحل محلها المملكة التي لا تزول (الملكوت الأبدي) . كما يظهر مفهوم ابن الإنسان الذي يأتي مع سُحُب السماء (أي من الإله) مقابل وحوش البحر الأربعة (الإصحاح السابع) . ويبدو أن ثمة إرهاصات لفكرة البعث في أشعياء (26/19) وفي المزامير (73 / 23ـ 26) ، ولكنها تظهر في دانيال بشكل لا إبهام فيه (12/1ـ 3) ، ويصبح البعث بعثاً لأفراد لا لأمم، وبالتالي يصبح الحساب حساباً أخلاقياً فردياً لا قومياً جماعياً. وتظهر في آخر سفر دانيال واحدة من أولى المحاولات لحساب آخر الأيام. وقد ازدادت الرؤية الأخروية اليهودية تبلوراً بعد ذلك، فظهرت في القرنين الثاني والأول قبل الميلاد كتب الرؤى التي تدور حول موضوعات أخروية نشورية. ويُلاحَظ أن فكرة شيول غير المحددة اكتسبت تَحدُّدها في آخر هذه الفترة وأصبحت كلمة «جهنم» تدل عليها، ووُضعت «جهنم» مقابل «حديقة عدن» التي تَحدَّد مفهومها هي الأخرى فأصبحت «الجنة» . وأصبح الشيئان مرتبطين بفكرة البعث والثواب والعقاب في العالم الآخر. ومع هذا، فإن عدم التجانس وسمة الجيولوجية ظلا واضحين في الفكر اليهودي الأخروي، فعند هَدْم الهيكل، أي في تاريخ متأخر نسبياً، كان هناك فريق كبير من اليهود (الصدوقيون) لا يزال ينكر البعث. أما الأسينيون، فمع أنهم اهتموا بالتفكير الأخروي وجعلوه محور رؤاهم، فإن الآخرة بالنسبة إليهم كانت في هذه الدنيا، ولا يوجد أي ذكر للبعث في المخطوطات التي خلفوها، فمخطوطات البحر الميت تتحدث عن النهاية ولا تتحدث قط عن جنة أو جهنم (فقد كان يدور الحديث عن الموت كعقاب أزلي للآثمين، وعن الحياة الأزلية للصالحين) . وفي يهودية العصور الوسطى في الغرب، أخذ الحاخامات بالمفاهيم الأخروية بعد تبلورها. ولكن عملية التبلور لم تكن كاملة، فالمضمون الأخلاقي للأفكار الأخروية بدأ يزداد شحوباً مرة أخرى، واكتسبت رؤية الخلاص مضموناً قومياً. كما ميَّز الحاخامات بين أيام الماشيَّح، أو العصر المشيحاني، وبين العالم الآتي أو الآخرة، إذ أن الأولى تسبق الثانية، وتشكل مرحلة انتقالية، وهذا يدل على أن عدم التجانس مازال قائماً بين الإيمان بالآخرة كمرحلة تاريخية داخل الزمان والإيمان بها كآخرة تقع في آخر الزمان وخارجه. ويُلاحَظ أن الحاخامات قد نصحوا اليهود بألا يحاولوا أن يحسبوا متى تأتي آخر الأيام ونهاية الزمان، كما أنهم حرَّموا أن يحاول اليهودي التعجيل بالنهاية (دحيكات هاكيتس) ، وأصبح الإيمان بالآخرة إحدى العقائد اليهودية الأساسية التي تبناها القبَّاليون، ولكنهم أدخلوها في أنساقهم الحلولية فظهرت الدورات الكونية والتناسخ وعودة الشخيناه. ولذا، نجد أن من هموم القبَّاليين الكبرى الحسابات القبَّالية الخاصة بالنهاية. وقد انسلخ الفكر الأخروي تماماً عن الفكر الأخلاقي وأصبح مرتبطاً إلى حدٍّ كبير بالسحر وبالخلاص القومي للشعب اليهودي وهلاك كل الأغيار. ويُلاحَظ أن الفكر الأخروي اليهودي في العصر الحديث يزداد اختلاطاً، إذ تتراجع أفكار أخلاقية أساسية مثل البعث والثواب والعقاب والآخرة لتحل محلها أفكار عامة مثل العصر المشيحاني (في اليهودية الإصلاحية) أو فكرة التقدم (في اليهودية التجديدية) . وقد تأثر الفكر الصهيوني بالفكر الأخروي اليهودي الحلولي (حلولية بدون إله) بمعنى أن الآخرة هي النهاية داخل الزمان أو آخر مرحلة تاريخية، أو هي نهاية التاريخ التي تصل بالجدل والصراع والانحرافات إلى نهايتها، فيكون «الخروج» الكامل من تاريخ الأغيار بكل شذوذه وعنفه، ويكون «الدخول» في كنعان حيث يمكن استئناف التاريخ اليهودي بكل مثالياته. ومثل هذا التفكير الأخروي البدائي عادة ما يأخذ شكلاً هندسياً متناسقاً تكون فيه النهايات شبيهة بالبدايات. وإذا كانت بداية التاريخ اليهودي من وجهة النظر الصهيونية هي الخروج من أرض العبودية في مصر ودخول أرض الميعاد، فالنهاية الأخروية هي الخروج أيضاً من أرض العبودية في مصر أو روسيا أو أي منفى آخر، ودخول أرض الميعاد أيضاً، أي أن النهاية لابد أن تشبه البداية حتى يكتمل الاتساق الهندسي. وإذا كان دخول كنعان قد أدَّى إلى إنشاء الهيكل والعبادة القربانية المركزية (حيث يحل الإله وسط الشعب في قدس الأقداس) ، فإن الدخول الحديث إلى فلسطين يؤدى إلى إنشاء الدولة الصهيونية، بحيث يحل الإله فيها بالنسبة للمتدينين اليهود، فتصبح دولة مقدَّسة. أما بالنسبة إلى الملحدين، فهي دولة مقدَّسة بذاتها إذ أن حلوليتهم حلولية بدون إله ووحدة وجود مادية. أسفار الرؤى (أبوكاليبس) Apocalypse «الرؤيا» ترجمة لكلمة «أبوكاليبس» اليونانية الأصل والتي تعني الكشف عن الغيب، وخصوصاً عن آخر الأيام (إسكاتولوجي) ويوم الحساب. ويتم الكشف عن طريق الأحلام والرؤى والغيب، وفي الدراسات العربية يُطلَق على الكتب التي تتناول هذه الأشياء مصطلح «أسفار الرؤي» ، وذلك لاعتمادها على الرؤى في سرد الأحداث وفي شرح الأفكار المُتضمَنة فيها. وتُستخدَم الكلمة للإشارة إلى الكتب الدينية اليهودية والمسيحية التي تحتوي على مثل هذه الرؤى، مثل سفري حنوخ وسفر صعود موسى وسفر باروخ وكتاب اليوبيل، وتُعَدُّ ضمن الكتب الخارجية أو الخفية (أبوكريفا) . وتُعَدُّ الإصحاحات الأخيرة من سفر دانيال (8/17 ـ 12/13) ضمن أسفار الرؤى، ويُشار إلى بعض إصحاحات كتاب أشعياء بوصفها أبوكاليبس أشعياء (24/1 ـ 27/13) . كما أن مخطوطات البحر الميت، هي الأخرى تدخل ضمن كتب الرؤى وتضم الكثير من الأسرار التي تقع خارج نطاق المعرفة الإنسانية كأسرار السماء والأرض والملائكة والشياطين. وتأخذ كتب الرؤى شكل نبوءة على لسان بطل تاريخي قديم (ذائع الصيت مات منذ زمن بعيد) يدَّعي أنه يرى أحداث ذلك التاريخ كله منذ بدايته حتى نهايته، وأن هذه المعرفة قد أُخفيت (باليونانية «أبوكريفون» ) طيلة هذه السنين حتى الوقت الحاضر، وهو عادةً زمن الأزمة (ومن هنا نجد أن معظم كتب الرؤى من الكتب الخفية) . ولا تُعنَى كتب الرؤى بالحاضر، كما أنها تورد إشارات سريعة إلى الماضي، أما المستقبل والنهاية فقد وُجه إليهما اهتمام بالغ فتم وصفهما بالتفصيل. وتنقل هذه الكتب رؤاها من خلال نسق مركب من الرؤى الرمزية والصور الخيالية الباهرة تلعب فيه الحيوانات والطيور والزواحف والوحوش ذات الرؤوس البشرية دوراً أساسياً. والواقع أن أدب الرؤى غامض للغاية، يحتمل العديد من التفسيرات بحيث يمكن توظيفه لأي غرض ولإثبات أي شيء، وهي سمة سيتصف بها الماشيَّح فيما بعد. ويرى مؤرخو اليهودية أن جذور الصوفية اليهودية والقبَّالاه ترجع إلى هذه الكتب. ولأن الرؤية الواردة في هذه الكتب لم تكن تساندها شرعية الرؤية الإلهية، فمؤلفوها كانوا ينسبونها إلى شخصيات توراتية. كما أن الخوف من الاضطهاد السياسي كان سبباً أساسياً لإخفاء شخصية المؤلف. وقد استخدم مؤلفو كتب الرؤى موضوعات كتب الأنبياء بعد تطويرها وتغيير معناها بما يتناسب مع ظروف وشخوص تاريخية معاصرة لهم. وكتب الرؤى تعبير عن الطبقة الحلولية في اليهودية تنبع من الإيمان بأن أعضاء الشعب المختار الراهن أمة من الأنبياء والقديسين والكهنة يمتلكون إمكانيات نبوية خارقة خاصة، وأن تقاليد النبوة عندهم لا تزال ممكنة ومفتوحة ومتاحة. ومما يزيد من حدة التأملات الرؤياوية (الأبوكاليبسية) عندهم أنهم، وهم الشعب المختار، كانوا دائماً يذوقون صنوف الويل والعذاب الأرضيين، فتجربتهم التاريخية هزيمة تلو هزيمة، وانكسار إثر انكسار، على أيدي الآشوريين والبابليين، ثم زادت الأمور سوءاً بعد العودة من بابل، وتوقُّف سلسلة أنبياء اليهودية، وبعد إعادة بناء الهيكل. وقد عاد اليهود من المنفى تحدوهم تطلعات مشيحانية، وأمل في أن تسود جماعة يسرائيل مرة أخرى. ولكن الماشيَّح لم يأت بل تدهور حالهم وأصبح الحاضر تحفه المشاكل، وبدأت نذر الشر تظهر في الأفق، فقد ظهرت الإمبراطورية الرومانية بقوتها الضخمة لتهيمن على الشرق الأدنى القديم، وفلسطين، ثم دمرت الهيكل تماماً على يد تيتوس، ثم القدس على يد هادريان. وفي هذه المرحلة الأخيرة الخطرة (من القرن الثاني قبل الميلاد إلى القرن الثاني بعد الميلاد) ظهرت أسفار الرؤى. وقد ساعد كل ذلك على انصراف اليهود عن الحاضر إلى التأمل الأخروي في آخر الأيام، إذ كان من غير المنطقي، من وجهة نظرهم، أن يتركهم الإله في عذابهم الدنيوي دون نهاية سعيدة. وقد تَرسَّخ لديهم الإيمان، تحت تأثير الأفكار الفارسية، بالفكرة الثنوية التي ترى أن الوجود يتكون من عالمين: العالم الحاضر ويحكمه الشيطان ومصيره الزوال، والعالم القادم ويحكمه إله الخير والنور؛ وهو عالم حر تنتشر فيه السعادة الأبدية، يأتي بعد انتصار إله النور على إله الظلام. ولذا، فقد آمنوا بأن الإله سيرسل حتماً من يرفع عنهم العذاب. بل إنهم يؤمنون بأنه كلما تأخر يوم الخلاص، زادت شدة العذاب الذي سيحيق بأعدائهم، علماً بأن زيادة الآلام علامة اقتراب الخلاص والنصر (وهذا هو النمط الأساسي في كتب الرؤى) . وستأخذ النهاية الرؤياوية للبؤس اليهودي صورة عودة الماشيَّح أو انتصار داود أو تنصيب سليمان معلماً للأمم، أو عودة اليهود إلى أرض الميعاد. وقد تبنَّى مؤلفو كتب الرؤى فلسفة للتاريخ ذات أصل فارسي، فقد كان الفرس يُقسِّمون تاريخ العالم إلى ممالك ثلاث: الآشورية والميدية والفارسية، ثم أضافوا إليها فيما بعد المملكة اليونانية. وقد تبنَّى مؤلفو كتب الرؤى هذا التقسيم، وأحلوا محل آشور بابل التي كانت لا تزال عالقة بذاكرتهم التاريخية، وأضافوا مملكة خامسة هي مملكة اليهود الأزلية. وهناك بعض رؤى الأبوكاليبس المسيحية التي ترى أن الخلاص النهائي مرتبط بعودة اليهود إلى فلسطين وتَنصُّرهم، وتُسمَّى «الرؤى الاسترجاعية» نسبة إلى استرجاع اليهود إلى فلسطين، أو «الرؤى الألفية» نسبة إلى الألف عام التي سيحكم فيها الماشيَّح الأرض. وتجب التفرقة بين كتب الرؤى (أبوكاليبس) وكتب النبوة، فكلتاهما وسيلة لمعرفة الإرادة الإلهية. ولكن، بينما تدور كتب الأنبياء داخل نطاق رؤية توحيدية، تدور أسفار الرؤى داخل رؤية حلولية، وتمكن التفرقة بينهما على النحو التالي: 1 ـ من نقط الاختلاف الأساسية، موقف كتب الأنبياء والرؤى من التاريخ والمجتمع. فالأنبياء توجهوا برسالاتهم مباشرة إلى مجتمعاتهم وركزوا على الحاضر، وأشاروا إلى الخيارات الفلسفية والأخلاقية المطروحة مطالبين جماعة يسرائيل باتخاذ موقف محدَّد واستجابة مباشرة. وقد كان المستقبل بالنسبة إلى الأنبياء لا يزال عملية مستمرة تستطيع الإرادة الإنسانية أن تلعب فيها دوراً. أما مؤلفو كتب الرؤى، فكانوا يركزون على البدايات والنهايات، وعلى النهايات أكثر من البدايات. فكانوا يرون التاريخ عملية موصدة مغلقة، وما العصر الذي يعيش فيه الكاتب سوى حلقة من سلسلة متكاملة قررها الإله من قبل، وهي عادةً الحلقة الأخيرة. ويُقال إن هذه الرؤية متأثرة بالرؤية الإغريقية الهيلينية للتاريخ والتي تنظر إليه باعتباره دائرة هندسية مغلقة. ولكن يمكننا أن نقول إن انغلاق كتب الرؤى تعبير عن الحلولية الكامنة فيها. 2 ـ لا تنشغل كتب الرؤى بالتاريخ انشغال كتب الأنبياء به، فهى قد تتعامل معه ومع أحداثه ولكنها لا تحترم تفاصيله. فالعقلية الرؤياوية تتوقع وتؤيد التغيير في المجتمع، لكنه تغيير غير تاريخي لأنه غير مرتبط بمسار التاريخ، كما أنه يأخذ شكل انفجارأو تحوُّل فجائي جوهري في كل شيء إذ يتم التحول عن طريق التدخل (أو الحلول) المباشر والفجائي للإله في شئون البشر وفي التاريخ. هذا على عكس رؤية معظم الأنبياء التي كانت تبشر بأن إرادة الإله تتحقق داخل التاريخ من خلال أحداثه لا من خلال تَدخُّل مباشر، فتصبح آشور مثلاً أداة العقاب الإلهي. 3 ـ لكل هذا، نجد أن كتب الأنبياء منشغلة بالمضمون الأخلاقي لرسالاتهم وبإبلاغها، وبكيفية تحقيق الخلاص داخل التاريخ أو تعديل مساره عن طريق التوبة والعودة. ويُحجم الأنبياء عن ذكر ما رأوه في لحظة الوحي، أما كُتَّاب الرؤى فيعطون وصفاً تفصيلياً لكل شيء؛ السماء أو البلاط المقدَّس أو الملائكة. وعيون كُتَّاب الرؤى مركزة دائماً على النهاية (لحظة التدخل الفجائي) حين ينتهي التاريخ كليةً، فالنهاية دائماً وشيكة الوقوع، هذا على عكس النهاية الأخروية عند الأنبياء، فقد كانت هذه النهاية عند معظمهم في المستقبل البعيد. ويُلاحَظ أن رؤية النهاية عند كُتَّاب كتب الرؤى كانت شخصية وتاريخية في آن واحد، إذ يرد في الإصحاح 12 من سفر دانيال أول ذكر واضح لبعث الموتى ولعملية العقاب والثواب (دانيال 12/13) . ومن الواضح أن كتب الرؤى تشكل عودة لرؤية الحلولية اليهودية، كما مهدت للقضاء على تأثير رؤى الأنبياء التي وجدت تطورها الحقيقي في المسيحية. والتفكير الصهيوني تفكير رؤياوي علماني يؤمن بأنه لا حل للمسألة اليهودية عن طريق التدرج التاريخي (الاستنارة أو الاندماج أو الثورة الاجتماعية) أو عن طريق التعامل مع الواقع التاريخي المتعين، وإنما يجب أن يتم «الآن وهنا» على الفور (الدولة الصهيونية ـ العودة ـ تكوين جيش من اليهود يغزو فلسطين ويطرد العرب) ، أي أن الصهيونية تتعجل وتعمل من أجل «نهاية التاريخ» ، وذلك بطرح رؤى مثالية فاشية يتم فرضها على الواقع التاريخي لا عن طريق الحلول الإلهي لصالح الشعب اليهودي وإنما عن طريق العنف والتحالف مع الإمبريالية (مثلاً) ، ومن هنا فإن الصهيونية تعبير عن الحلولية بدون إله. الآخرة أو العالم الآخر (الآتي) World to Come «الآخرة» أو «العالم الآخر» هي المقابل العربي للمصطلح العبري «عولام هبّا» ، وهو مصطلح يهودي أخروي يعني «العالم الآتي في آخر الأيام» (مقابل «عولام هازّيه» ، أي «هذا العالم» ) . ومفهوم الآخرة أو العالم الآخر مفهوم أخروي، أخذ في الظهور التدريجي، واكتسب كثيراً من ملامحه بعد العودة من بابل، ثم صار إحدى الأفكار الدينية الأساسية في التلمود. وهذا العالم الآتي يشير إلى عدة أشياء متناقضة، فهو قد يشير إلى المستقبل وحسب، وقد يشير إلى العصر المشيحاني (الألفي) قبل أو بعد يوم الحساب وقبل أو بعد البعث، وقد يشير إلى الآخرة بمعنى نقطة خارج الزمان. وقد قرنه بعض الحاخامات بالجنة وحسب. وهو قد يشهد التَحرُّر القومي لليهود من ظلم الأمم الأخرى، ولكنه قد يشهد تَحرُّر الكون بأسره، أي أنه يعكس كل تناقضات التفكير الأخروي اليهودي، وتأرجحه ما بين الرؤية الحلولية والرؤية التوحيدية. آخر الأيام (اليوم الآخر) End of Days; Aharit Ha Yamim «آخر الأيام» أو «اليوم الآخر» مصطلح عربي يقابل المصطلح العبري «أحريت هياميم» ، وهو مصطلح أخروي يهودي، ويكون بأحد معنيين: 1 ـ يكون بمعنى «في المستقبل» أو «في الأيام المقبلة» ، أي في فترة زمنية مقبلة تتلوها أيام وفترات أخرى. 2 ـ ويكون بمعنى «في الأيام الأخيرة» ، ويعني آخر المراحل الزمنية التي لن يأتي بعدها مراحل أخرى، ومع هذا، فإن هذه المرحلة الأخيرة تقع داخل الزمان. وإذا كان المعنيان السابقان مختلفين، فإنهما متفقان في أنهما يقعان داخل الزمان. ومع هذا، فقد تغيَّر المجال الدلالي للمصطلح قليلاً في القرن الأول قبل الميلاد بحيث أصبح يشير إلى آخر الزمان كمرحلة تقع خارج التاريخ كلية، يتم فيها بعث الموتى وحسابهم. يوم الرب Day of the Lord «يوم الرب» مصطلح يهودي أُخروي حلولي، وهو اليوم الذي سيكشف فيه الإله عن نفسه للأمم بكل قوته وعظمته في آخر الأيام ليحطم أعداء جماعة يسرائيل، بسبب ما اقترفوه من آثام في حق شعبه المقدَّس المختار. وستعلو جماعة يسرائيل في ذلك اليوم، وتسمو على العالمين، بعد أن تتجدد قوتها وتنتقم من أعدائها، وتؤسس مملكة قوية. وهذا المفهوم البدائي القومي ينم عن رغبة عميقة في الانتقام، ويحمل تضمينات عسكرية (تماماً كما نقول في العربية «يوم داحس والغبراء» أو «يوم الخندق» ) ، ويجعل الآخرة أمراً مختصاً بالجماعة لا بالأفراد. وقد حوَّل عاموس المفهوم تماما حين أسماه «يوم يهوه» ، فلم يعد هذا اليوم يوم انتقام جماعة يسرائيل من أعدائهم، وإنما أصبح «يوم الحساب» أو «يوم الحكم» أو «يوم القضاء العالمي الشامل» ، وهو اليوم الذي سيحاسب فيه الإله كل الناس، يهوداً كانوا أو أغياراً، دون تمييز أو تفرقة. ويُعَدُّ هذا أهم التطورات التي دخلت على المفاهيم اليهودية الأخروية. يوم الحساب Day of Judgement «يوم الحساب» ترجمة لمصطلح «يوم هدِّين» ، وهو مصطلح عبري بمعنى "اليوم الذي سيحاسب فيه الإله كل البشر في آخر الأيام". وهو تطوير لمصطلح «يوم الرب» ذي الطابع الحلولي القومي المتطرف الذي كان يعني حدوث الخلاص (الثواب والعقاب) داخل إطار قومي. وقد تَحوَّل هذا المفهوم القومي الأخير (على يد النبي عاموس وغيره من الأنبياء) إلى مصطلح «يوم الحساب» أو «يوم الحكم والقضاء» (العالمي والشامل) ، وهو يوم سيُحاسَب فيه كل الناس يهوداً كانوا أو أغياراً دون تمييز أو تفرقة. وقد حذر عاموس شعبه من أن الإله سيحطم جماعة يسرائيل بسبب فسادها (عاموس 5/18) ، وأكد كلٌّ من إرميا وحزقيال (إرميا 31/29 ـ 30، حزقيال 18) المسئولية الفردية، كما أكَّد كثير من الأنبياء أن النفي عقوبة تستحقها جماعة يسرائيل. لكن أول إشارة للثواب والعقاب بعد البعث ترد في أشعياء (إصحاح 26) ، ودانيال (12/2) : "وكثيرون من الراقدين في تراب الأرض يستيقظون، هؤلاء إلى الحياة الأبدية وهؤلاء إلى العار، للازدراء الأبدي". وتطوَّر المفهوم، فأصبح المصطلح يشمل الموتى الذين سيُبعثون يوم الحساب "حتى يشملهم الحساب هم أيضاً ". ويُلاحَظ أن مفهوم يوم الحساب، الذي لم يستقر بصورته الجديدة إلا بعد المرحلة البابلية، لم يفقد محتواه القومي تماماً، إذ نكتشف أن اليهود سيتطهرون في يوم الحساب من آثامهم ثم تعود البقية الصالحة منهم إلى أرض الميعاد ليحيوا حياة سعيدة هنيئة كما جاء في سفر هوشع (2، 14) . كما يجب التنبيه أيضاً إلى أن يوم الحساب ليس مثل يوم القيامة أو الآخرة، لأنه (حسب كثير من التفسيرات) سيحل قبل البعث النهائي، أي أنه واقعة تاريخية (وفي هذه الدنيا) ، وهو مثل المرحلة الألفية سيقع قبل الآخرة ولن يُحاسَب فيه إلا الأحياء الموجودون في الدنيا بالفعل. وكان البعض يرى أن الإله يحاسب العالمين أربع مرات كل عام. وكان البعض يؤمن بأن عيد رأس السنة اليهودية هو اليوم الذي يحاسب فيه الإله البشر، وأن أحكامه تصبح نهائية في يوم الغفران. والواقع أن دولة إسرائيل هي، بمعنى من المعاني، محاولة علمانية لترجمة مفهوم الفردوس اليهودي الأرضي إلى واقع حقيقي. البعث Resurrection «البعث» تقابلها في العبرية كلمة «تحيَت همِّيتيم» . وفي الواقع، فإن ثمة إطارين لفهم فكرة البعث: الإطار التوحيدي، وفي نطاقه نجد أن الإيمان بالبعث يعني الإيمان بعودة الروح إلى الجسد في المستقبل (في اليوم الآخر) لتثاب أو تُعاقَب. وداخل الإطار الحلولي، وفي نطاقه أشكال مختلفة لفكرة البعث من بينها الإيمان بتناسخ الأرواح، أو الإيمان بخلود الروح وحسب دون بَعْث، أو الإيمان بأن بعض الأرواح وحدها هي التي تُبعَث ولا يُبعَث البعض الآخر، أو الإيمان بأن الموتى يحيون بعد الموت في عالم خاص بهم. ولا توجد في كتب العهد القديم الأولى أية إشارات إلى بعث الموتى أو الحياة الأبدية، إذ يبدو أن العبرانيين القدامى لم يكونوا من المؤمنين بالبعث، وإنما كانوا يؤمنون بأن الإنسان جسد يفنى بالموت. وحتى بعد أن ظهرت فكرة خلود الروح، فإن هذه الفكرة لم تكن بعد مرتبطة بفكرة البعث والخير والشر والثواب والعقاب، إذ أن الروح كانت تذهب بعد الموت إلى مكان مظلم يُسمَّى «شيول» ، حيث تبقى إلى الأبد، بغض النظر عما ارتكبته من أفعال في هذا العالم الدنيوي. وتتضح هذه الرؤية العدمية في سفر أيوب الذي جاء فيه: «اذكر أن حياتي إنما هي ريح، وعيني لا تعود ترى خيراً ... السحاب يضمحل ويزول، وهكذا الذي ينزل إلى الهاوية (شيول) لا يصعد» (أيوب 7/7 ـ 9) . "أما الرجل فيَبلى ويموت الإنسان يسلم الروح فأين هو ... الإنسان يضطجع ولا يقوم، لا يستيقظون حتى لا تبقى السماوات ولا ينتبهون من نومهم" (أيوب 14/10 ـ 12) . وقد كانت مكونات فكرة البعث موجودة، فإحدى صفات الإله أنه يُحيي الموتى، وقد رُفع إليه إلياهو بالفعل. ويبدو أن هناك إرهاصات لفكرة البعث في سفر أشعياء (26/19) ، ولكنها لا تظهر بشكل واضح لا إبهام فيه إلا في سفر دانيال (وتحت تأثير فارسي) : "وكثيرون من الراقدين في تراب الأرض يستيقظون، هؤلاء إلى الحياة الأبدية وهؤلاء إلى العار، للازدراء الأبدي" (سفر دانيال 12/1 ـ 3) . وبعد ظهور المفهوم، حاول مفسرو العهد القديم أن يقوموا بعملية إسقاط لهذه الفكرة على نصوص سابقة لتفسَّر على أنها تتحدث عن البعث، كما فعل راشي مع مزمور 17/15. ومع هذا، لم تستقر الفكرة تماماً في اليهودية. وعند هدم الهيكل، كان الصدوقيون لا يزالون ينكرون البعث. ويبدو أن الأسينيين أيضاً لم يكونوا يؤمنون به، على عكس الفريسيين. وترى اليهودية الحاخامية أن الإيمان ببعث الموتى إحدى العقائد الأساسية في اليهودية، وأحد أُسُس الإيمان، كما ترى أن البعث بعث للروح والجسد. ولكن، حتى بعد ظهور فكرة البعث بشكلها الكامل، ظهرت عدة إشكاليات من بينها زمن البعث، فالتفكير الأخروي اليهودي يتضمن عنصرين: أحدهما زمني وهو العصر المشيحاني، والآخر لا زمني هو صيغة من صيغ آخر الأيام. كما أن علاقة البعث بيوم الحساب وجهنم والجنة لم تتحدد (وهذه أسئلة أثارها حسداي قريشقش) . كما أن فكرة البعث احتفظت بكثير من العناصر الحلولية، ولذلك نجد أنها تكتسب بُعداً قومياً وتظل مرتبطة بالعودة القومية إلى الأرض. وحتى بين هؤلاء الذين يؤمنون بفكرة البعث، هناك خلاف حول من يُبعَث من البشر إذ قال موسى بن ميمون إن الأبرار وحدهم هم الذين سيُبعَثون، وذهب آخرون إلى أن كل أفراد جماعة يسرائيل سيُبعَثون، وقال فريق ثالث إن الجنس البشري بأسره سيُبعَث في آخر الأيام. وثمة بعض المفكرين من اليهود ينكرون حتى الآن عقيدة البعث. وتنكر اليهودية الإصلاحية فكرة أن البعث هو عودة الروح إلى الجسد وحسابها، مكتفيةً بتأكيد عقيدة خلود الروح. وقد تم تعديل كتاب الصلوات ليتفق مع العقائد الجديدة. والواقع أن في إنكار البعث إنكاراً للمسئولية الشخصية وإنكاراً لفكرة الضمير الفردي، فالأخلاقيات اليهودية الحلولية أخلاقيات جماعية قومية لا تميِّز بين الخير والشر بقدر تمييزها بين اليهود والأغيار. وإنكار البعث تعبير مباشر عن النزعة الحلولية. فإذا كان الإله يحل في الأمة والأرض ولا يتجاوز المادة والتاريخ ويجمع بينهما، فإن البعث الفردي (والمسئولية الخلقية) تصبح أموراً مستحيلة وغير مرغوب فيها، فالبعث هو التوحد مع الأمة المقدَّسة والبحث عن الاستمرار والخلود من خلالها، وربما الدفن في الأرض المقدَّسة. ومن هنا كان الاهتمام المتطرف في إسرائيل بالدفن والمدافن، وباستعادة جثث الموتى من الجنود الإسرائيليين، بل من الشائع لدى بعض الجماعات اليهودية شراء تراب من أرض فلسطين (ومن القدس بالذات) ليُنثر على رأس المتوفي أملاً في أن يحوز بذلك البركة الخاصة بالبعث. وفي إطار الحلولية الصهيونية بدون إله ووحدة الوجود المادية التي تقدِّس الأرض، بدأ بعض الشباب الإسرائيلي يشعر بأن هذه الأرض المقدَّسة أصبحت تطالب بمزيد من المدافن وصناديق دفن الموتى. ولعل ما يدعم إحساسهم هذا، رفض يهود العالم الهجرة إليها وحرص الكثيرين منهم في الوقت نفسه على أن يدفن فيها. تناسخ الأرواح Transmigration of the Souls «تناسخ الأرواح» مصطلح يقابله في العبرية مصطلح «جلجول هنيفيش» ، وهو يعني الإيمان بأن أرواح البشر تعود بعد الموت إن عاجلاً أو آجلاً وتستقر في جسد إنسان آخر، وهي عقيدة مرتبطة تماماً بالفكر الحلولي وتحل محل فكرة البعث التوحيدية (وتشبه فكرة العود الأزلي لنيتشه) وهي عقيدة تستند إلى الإيمان بخلود الروح ولكنها لا تحرِّر الروح تماماً من الزمن. وقد آمن القراءون بشكل من أشكال تناسخ الأرواح. وتظهر الفكرة أيضاً وبشكل أوضح في القبَّالاه؛ سواء في الزوهار أو في القبَّالاه اللوريانية. وبحسب ما جاء في التراث القبَّالي، كانت أرواح كل البشر جزءاً من الآدم قدمون؛ الإنسان الأول أو الكامل، ولكن خطيئة آدم الأولى أدَّت إلى اغتراب روح البشر عن الإله. وروح كل إنسان جزء من روح آدم، ومن هنا فإن كل الأرواح تشارك في حالة السقوط والنفي. فإذا اقترف الإنسان آثاماً في حياته، فإن روحه تتجسد في أشكال أدنى من الحياة. ولذا، يتعيَّن على الإنسان أن يفعل الخير حتى تحل روحه في أجساد الأبرار لكي تصل الروح إلى حالة الإصلاح (تيقون) وهي استقرارها في مكانها الطبيعي في روح آدم. وقد تستقر روح أحد المذنبين في جسد إنسان آخر، فتمتلكه وتستحوذ عليه، وتشكل أثراً سيئاً فيه، ويمكن طرد هذه الروح بطقوس دينية خاصة. ومن المفاهيم المهمة الأخرى المرتبطة بتناسخ الأرواح، فكرة «تلقيح الروح» (بالعبرية: عبُّور) ، وذلك حينما تلقى روح شخص ما ظلالها على روح شخص آخر (حيّ) دون أن تسكن جسده بالضرورة. وقد يكون الهدف من عملية التلقيح هذه سلبياً أو إيجابياً. وإذا كانت الروح الهائمة روحاً مذنبة، فهي تلقي بظلالها على الشخص لتكفِّر عن سيئاتها. وبالتالي، فهي ستتلبس الشخص الحي، وفي هذه الحالة، يُقال لها «ديَبُّوق» ولابد من طردها. وقد تلقي الروح الهائمة بظلالها على روح شخص آخر لهدايته، وإضفاء هيبة عليه. وتذكر القبَّالاه اللوريانية حالات عديدة لتناسخ الأرواح، منها أن روح هارون حلت في عزرا، كما حلت روح يعقوب في مردخاي، في حين أن روحى موسى وسيمون بن يوحاي كانتا تلقيان بظلالهما على روح إسحق لوريا. ويُقال إن روح حاييم فيتال (تلميذ لوريا) لم تتأثر قط بخطيئة آدم. وفكرة تناسخ الأرواح تعبير عن التيار الحلولي في اليهودية، وقد سادت هذه الفكرة بين اليهود وهيمنت على كثير منهم منذ القرن السابع عشر، فقد كان شبتاي تسفي (ومن تبعه) يتحدث عن حلول روح الإله في تسفي أو حلول روح تسفي فيمن أتى بعده. وقد أصبحت هذه الفكرة مركزية بين الحسيديين. ومن مظاهر ذلك ما يفعله الأتباع على قبر أبي حصيرة إذ يلقون أجسادهم عليه أملاً في أن تحل روحه فيهم وتُسمَّى تلك العملية «شيطَّوح» أو «التسطح على القبر» . خلود الروح Immortality of the Soul لا يوجد في يهودية ما قبل التهجير، ولا في معظم العهد القديم، إيمان واضح بخلود الروح. ولعل هذا يعود إلى النزعة الحلولية التي تمحو كل الثنائيات وترى أن الروح إن هي إلا جزء من الجسد تفنى بفنائه، وأن الموت إن هو إلا نقصان فيما يُسمَّى «المادة الحيوية» . ولذا، فقد أخذت الحياة الآخرة عندهم شكل شيول، وهو مكان محايد لا يعرف الثواب أو العقاب. ولم يُقدَّر لمفهوم خلود الروح أن يتبلور، بسبب تخبط الفكر الديني اليهودي بين الفكر الديني التوحيدي المصري وفكر بلاد الرافدين الحلولي، فقد أخذ بخلود الروح عن المصريين من ناحية وعن بلاد الرافدين من ناحية أخرى. وفي عبادة يسرائيل، أي في يهودية ما قبل التهجير، نجد أن ما يضفي معنى على الأشياء ليس حياة الفرد، وإنما تاريخ الأمة. ولذا، فإن الكتاب المقدَّس هو تاريخ الأمة، ويصبح هذا التاريخ محط اهتمام الإله واهتمام الشعب، ويصبح الخلود هو خلود الشعب. وقد طرح بعض الأنبياء فكرة خلود روح الفرد، وإن كان بشكل متردِّد وغير قاطع. ولا نعرف على وجه الدقة متى بدأت الفكرة تضرب بجذور راسخة في العقيدة اليهودية، ولكن يمكن القول بأن الفكرة بدأت تأخذ شكلاً محدداً في القرنين الثاني والأول قبل الميلاد وبدأ الفريسيون يبشرون بها. واليهودية الهيلينية تفترض هي الأخرى فكرة خلود الروح، وأصبحت فكرة البعث التي تفترض خلود الروح إحدى العقائد الأساسية لليهودية. ومع تزايد هيمنة الحلولية على النسق الديني اليهودي، نجد أن خلود الروح يأخذ عند القبَّاليين شكلاً آخر هو إيمانهم بتناسخ الأرواح. وهو مفهوم يفترض خلود الروح ولكنه لا يحررها تماماً من الزمان. وقد يكون مما ساعد على عدم تبلور فكرة موحَّدة ومحدَّدة عن البعث، تَخبُّط الفكر الأخروي اليهودي بين الأفكار المتناقضة عن العصر المشيحاني والآخرة أو العالم الآخر (الآتي) ، وكذلك العقائد الألفية قبل وبعد العصر المشيحاني. ويظهر هذا التخبط في فكر موسى بن ميمون نفسه الذي أنكر أن كل الناس ستُبعَث. وفي العصر الحديث، أُعيد طرح القضية مرة أخرى، وبُعثَت من جديد بعض الأفكار الحلولية القديمة. فرفض المفكر الديني موريتس لازاروس فكرة خلود روح الفرد وفكرة الآخرة. أما هرمان كوهن، فيرى أن خلود الروح في اليهودية ينطبق على الشعب ككل، لا على أفراده، فالشعب هو وحده الذي لا يموت (فتاريخه أزلي) ، والروح الفردية تكتسب استمرارها من خلال هذا التاريخ، وهذا هو ما ورد في العهد القديم، أما ما عدا ذلك فأساطير، ولذا يجب ألا يجرى التفكير في مصير الإنسان بعد الموت. أما المفكر الصهيوني آحاد هعام، فيرى أن الإيمان بخلود الروح علامة من علامات الضعف ومرض الروح، ولذا فهو يسخر من الآخرة ومن الإيمان بها، ويرى أن الالتصاق العضوي بالأمة يحقق مثل هذا الخلود، وبذا تحل فكرة الشعب العضوي (فولك) محل فكرة خلود الروح والبعث واليوم الآخر. الموت Death كلمة «موت» العربية يقابلها في العبرية كلمة «مافت» ، التي كانت تُستخدَم كذلك للإشارة إلى إله الموت في العبادة الكنعانية القديمة الذي كان دائماً يصارع بعل إله المطر والخصب. ويعود بعل في شهر المطر ويموت في نهايته، أما موت، فيعود إلى الحياة حينما يتوقف المطر، ويموت حينما يهطل المطر مرة أخرى. وهذه رؤية ثنوية للإله وجدت طريقها إلى العهد القديم، إذ يُنظَر إلى الموت باعتباره قوة مستقلة عن الإله، وله رسله (هوشع 13/14، أمثال 16/14) . وتوجد عبارات عديدة في العهد القديم يُفهَم منها أن أعضاء جماعة يسرائيل تصوروا أن الموت ضرب من ضروب العودة إلى الأسلاف والانضمام إليهم (تكوين 49/33، عدد 27/13) وهو تعبير عن الطبقة الحلولية داخل اليهودية باعتبارها تركيباً جيولوجياً تراكمياً، ومن هنا الاهتمام بمكان الدفن في اليهودية إذ أصبح من الضروري أن يدفن اليهودي بجوار أسلافه. وقد تأثر مفهوم الموت بعدم الإيمان بالبعث، فكان الموت يُنظَر إليه (في سفر أيوب مثلاً) باعتباره نهايةً مطلقةً وعدماً كاملاً وفناءً لا يُرجى منه شفاء. وقد ورد في العهد القديم سببان يفسران الموت: الأول أن الإنسان خُلق من تراب، ولذا فإنه لابد أن يعود إلى التراب (تكوين 2/7، أيوب 10/9) . أما سفر التكوين، فيعطي سبباً آخر وهو أن الموت عقاب على الذنوب التي يرتكبها الإنسان وعلى معصية آدم (الأولى) التي طُرد بسببها من الجنة، فلم يعد بمقدوره أن يأكل من شجرة الحياة الأزلية (تكوين 3/22 ـ 24) . والموت، بهذا المعنى، عقوبة سيرفعها الإله عن الناس في الآخرة، أي في العالم الآخر (الآتي) . وكان الموت يعني الذهاب إلى أرض الموتى (شيول) التي لا عودة منها دون أن يكون هناك ثواب أو عقاب. وظهر فيما بعد الإيمان بخلود الروح وبالبعث، وذلك بعد الاحتكاك بالفُرْس واليونان، وتطورت المفاهيم الأخروية، وتَقبُّل الفكر الحاخامي الموت كحقيقة طبيعية حتمية. وحينما ظهر التفكير القبَّالي، طُرحَت قضية الموت مرة أخرى، فالفكر القبَّالي يرى أن الموت نتيجة خلل حدث في الكون بعد حادثة تَهشُّم الأوعية. وقد حاول الفكر القبَّالي أن يهِّون من نهائية الموت، فطرح فكرة تناسخ الأرواح التي تجعل الزمان الإطار المرجعي الأساسي، إن لم يكن الوحيد، والذي تمكن هزيمته عن طريق دورات التناسخ. وفي العصر الحديث، اتخذ الفكر اليهودي مواقف متفاوتة متضاربة من حقيقة الموت تعكس التناقضات القديمة. وقد عاد الفكر القبَّالي إلى الظهور من خلال الحاخام الصهيوني إسحق كوك الذي يرى، على طريقة القبَّالاه اللوريانية، أن الموت ليس حقيقة نهائية يقبلها المؤمن، وإنما هو عيب في الخَلْق، وعلى الشعب أن يصلح هذا العيب ويزيله وينقذ الطبيعة من الموت بالتوبة والصلاة. ويتفق هذا الموقف تماماً مع موقف كوك الحلولي المتطرف. فالحلولية لا يمكن أن تقبل الموت لأن هذا يعني وجود مسافة بين الخالق والمخلوق. وقد كان كوك يرى أن تزايد متوسط عمر الفرد في القرن العشرين إحدى علامات اقتراب زوال الموت، وربما الانتصار النهائي عليه، وهذا اتجاه غنوصي واضح. الانتحار Suicide بالعبرية «إيبّود» ، ويُعَدُّ الانتحار، حسب التصور الديني اليهودي، جريمة مثل القتل. ويشير الحاخامات إلى ما جاء في سفر التكوين (9/5) على أنه تحريم للانتحار. ولهذا، فإن المنتحر أو القاتل المحكوم عليه بالإعدام كان لا يُدفن في داخل المقابر اليهودية، كما أنه لم تكن تُقام من أجله الشعائر الدينية الخاصة بالدفن. ومع هذا، فقد ورد في العهد القديم أربع حالات انتحار، وهي انتحار كلٍّ من: شمشون، وشاؤول وحامل درعه، وأحيتوفل. وفي العصر الحديث، قرَّر الحاخامات أن من ينتحر لا يتمتع بكامل قواه العقلية، ولذلك يمكن دفنه مع بقية الموتى وبالطريقة نفسها التي يُدفَنون بها. وتختلف معدلات الانتحار بين اليهود والإسرائيليين باختلاف الظروف الاجتماعية ومعدلات التقدم والتخلف. فقد لاحَظ دوركهايم، في أواخر القرن التاسع عشر، أن معدلات الانتحار بين أعضاء الجماعات اليهودية منخفضة قياساً إلى الكاثوليك والبروتستانت. كما لوحظ أن نسبة الانتحار في إسرائيل كانت آخذة في التناقص حتى عهد قريب. ولكن، مع زيادة نسبة الاضطرابات النفسية في الكيان الصهيوني، زادت نسبة الانتحار، فقد بلغ عدد المنتحرين عام 1984 نحو مائتين وسبعين منهم مائتان وأربعون يهودياً، وهي نسبة ليست عالية بالقياس إلى اليابان أو الدول الاسكندنافية المشهورة بارتفاع معدلات الانتحار فيها ولكنها على أية حال أعلى في إسرائيل منها في معظم الدول الغربية. وقد بلغ عدد الذين حاولوا الانتحار وأخفقوا ودخلوا المستشفى للعلاج نحو ألف وأربعمائة، وهذا يشكل نصف العدد الحقيقي لأنه لا يتم عادةً الإبلاغ عن محاولات الانتحار. ولا تضم هذه الأرقام حالات الانتحار في الحبس أو السجون. ويُقال أيضاً إن هذه الأرقام ليست دقيقة لأن الاعتبارات الدينية تجعل بعض الأسر تبلغ عن حادث الانتحار كما لو كان حادثة عادية، كما يُقال إن بعض المنتحرين ينفذون انتحارهم بحيث يبدو كما لو كان حادثة حتى لا يسببوا حرجاً لأسرهم. وقد لوحظ ارتفاع معدلات الانتحار بين الجنود الإسرائيليين أثناء التورط الإسرائيلي في لبنان. كما انتحر عدد من يهود الفلاشاه بعد استيطانهم فلسطين بسبب عدم تكيفهم مع الأوضاع الجديدة. وبعد الانتفاضة، انتحر أكثر من ثلاثين جندياً خلال عام 1989، وكان معظمهم من الجنود النظاميين (ولذا، فقد أدخل الجيش الإسرائيلي لأول مرة ضباطاً متخصصين في الطب النفسي) . وتمجِّد الصهيونية فكرة الانتحار الجماعي. ومعظم الأساطير القومية، مثل أسطورة ماسادا وشمشون بل وبركوخبا، هي أساطير انتحارية. ولذلك، فإن أحد المفكرين الإسرائيليين (يهوشفاط حركبي) سَمَّى النزعة الانتحارية عند الإسرائيليين «أعراض بركوخبا» . ويتحدث الكتاب الغربيون عن «عقدة ماسادا» . الدفن والمدافن Burial and Burial Places تتسم العقائد الأخروية «قبيراه» عند اليهود بعدم تحدُّدها أو تبلورها، إذ تتعايش داخل إطارها عدة أفكار غير متجانسة بل ومتناقضة على طريقة اليهودية الجيولوجية، بعضها حلولي بدرجات متفاوتة من الحلول والبعض الآخر توحيدي. ويُلاحَظ أن شعائر الدفن والمدافن تكتسب أهمية خاصة داخل الإطار الحلولي. وقد دخل على اليهودية بعض المفاهيم البابلية عن أرض الموتى. وحسب هذه المفاهيم، يتوقف مصير الموتى لا على ما اقترفوه من آثام، وما أدوه من حسنات، وإنما على الطريقة المادية للدفن، وهل تمت طقوس الدفن حسب القواعد المرعية أم لا؟ وهل وُضع بجوارهم طعام أم لا؟ وتوجد مثل هذه الأفكار في العهد القديم، إذ يجب تقديم طعام للموتى على أن يكون قد دُفعَت عشوره. ويؤكد العهد القديم أهمية الدفن، وخصوصاً في مقبرة الأسرة (تكوين 47/29 ـ 30، 49/29) . وقد اهتم الآباء بمكان دفنهم وأعدوا العدة لذلك. والسير التي وردت في العهد القديم تنتهي دائماً بسرد تفاصيل دفن الشخص الذي وردت سيرته. ويُعَدُّ عدم دفن الجثمان عقوبة قاسية تلحق بصاحبه، ومع هذا لم تكن هناك طريقة عبرانية محدَّدة للدفن إذ استمر العبرانيون في استخدام طرق الدفن السائدة في فلسطين قبل التسلل العبراني. ولم ترد قواعد محددة للدفن في العهد القديم. لكل ما تقدَّم، تشغل طقوس الدفن جزءاً مهماً في اليهودية، وتأخذ أشكالاً متنوعة. ويقوم اليهود بغسل موتاهم في أسرع وقت ممكن، ثم يقومون بدفنهم في احتفال يجب أن يتسم بالبساطة بعد أن يتلوا صلاة القاديش. ويستخدم الإشكناز توابيت يدفنون فيها الموتى، أما اليهود الشرقيون فيدفنون موتاهم في الأرض مباشرة كما هي عادة المسلمين. وعادةً ما يُدفَن اليهودي الذي يموت ميتة طبيعية في شال الصلاة (طاليت) الذي كان يستخدمه أثناء حياته. أما من يُقتَل فيؤخذ بملابسه الملطخة، ويُلَف بشاله حتى لا يفقد أي جزء من أعضاء جسمه. ويقوم اليهود بختان الطفل الذي يموت قبل أن يُختن، ثم يُطلق عليه اسم عبري ويُدفَن. وهناك عدة طقوس ذات طابع حلولي شعبي مرتبطة بمراسم الدفن، فإحدى صلوات الإشكناز في الجنازة اليهودية كانت تتضمن طلب الغفران من الجثة، وهي عادة ظلت قائمة حتى عام 1887 حينما أوقفها الحاخام الأكبر في إنجلترا. ويلقي السفارد عملات في الجهات الأربع كهدية أو رشوة للأرواح الشريرة. ويُدفَن اليهود في اليمن وأقدامهم موجهة نحو القدس. وفي ليبيا، إذا كانت أرملة الميت حبلى، فإنهم يرفعون النعش وتمر الأرملة تحته حتى تبين أن الميت هو أبو الجنين الذي تحمله. ولا شك في أن كل هذه العادات متأثر بالمحيط الحضاري الذي يعيش فيه أعضاء الجماعات اليهودية. وتحظى المدافن اليهودية بالاهتمام نفسه الذي تحظى به طقوس الدفن، وهي تُسمَّى «بيت الأحياء» ، كما يُطلَق عليها أيضاً اسم «بيت الأزلية» . وتقع المدافن اليهودية عادةً خارج حدود المدينة لأن جثث الموتى أحد مصادر النجاسة. ويزور اليهود المقابر في الأعياد ليقدموا الصلوات أمام قبور الموتى حتى يتشفعوا لهم عند الإله. ولابد من دفن جميع اليهود في المكان نفسه بالطريقة نفسها، ويُحتَفَظ بأماكن خاصة في المدافن للعلماء والحاخامات والشخصيات البارزة. وللدفن في الأرض المقدَّسة دلالة خاصة (وهذا أمر منطقي في الإطار الحلولي) ، فمع حلول الإله في الأرض والشعب، وعدم تجاوزه لهما، فإن الخلود الفردي يتراجع ويحل محله الخلود عن طريق التوحد مع الأمة والأرض. فإبراهيم اشترى لنفسه قبراً في فلسطين، أما موسى فلم يُدفَن هناك، وقد قلل هذا من شأنه. ولا يزال كثير من أثرياء اليهود في العالم يشترون قطع أرض في إسرائيل ليُدفَنوا فيها. وجرت العادة خارج فلسطين على أن يُرش على رأس الميت تراب يُحضَر خصيصاً من فلسطين. كما أن الحكومة الإسرائيلية وجهت عنايتها البالغة لنقل رفات معظم الزعماء الصهاينة فور إعلان دولة إسرائيل، وبذلت جهداً كبيراً لاسترداد جثث الجنود الإسرائيلين الذي قُتلوا أثناء حرب أكتوبر. ولا يجوز إخراج جثة اليهودي المدفونة من الأرض إلا لإعادة دفنها في مدافن العائلة أو في أرض إسرائيل. ويُقال في الفلكلور الديني في التلمود إن جثة الميت خارج فلسطين تزحف تحت الأرض بعد دفنها حتى تصل إلى الأرض المقدَّسة وتتوحد معها. وقد تحوَّلت المدافن إلى حلبة أساسية للصراع بين أعضاء الجماعات اليهودية في أمريكا اللاتينية. فالإشكنازي الذي يتزوج سفاردية كان لا يمكن أن يُدفَن في مدافن السفارد. كما أن السيطرة على المدافن أصبحت من أهم مظاهر الهيمنة الحاخامية في أمريكا اللاتينية، الأمر الذي حدا بأحد الباحثين إلى القول بأنه إذا كانت الكنيسة الكاثوليكية تؤكد أنه لا خلاص للمسيحي خارج الكنيسة، فإن المؤسسات اليهودية في أمريكا اللاتينية حولت الدفن في المقابر اليهودية إلى شيء يشبه الخلاص من خلال الكنيسة (لا خلاص خارج المدافن!) . وتقوم مجالس الجماعات اليهودية المختلفة بجمع الرسوم الباهظة من أعضاء الجماعة اليهودية. ومع تزايد معدلات العلمنة، بدأت تخف حدَّة هذا التوتر نظراً لعدم اكتراث كثير من أعضاء الجماعات، في الوقت الحالي، بمكان الدفن أو مراسمه. وتُشكِّل القداسة والنجاسة مشكلة أساسية في عملية الدفن كما هو متوقع في الإطار الحلولي، وتعبِّر القداسة (أو انعدامها) عن درجات الحلول الإلهي. فالكهنة، أي أولئك اليهود الذي يُفترَض أنهم من نسل الكهنة، وهم الذين يعبِّرون عن الحلول الإلهي بدرجة أعلى من بقية اليهود، يُدفَنون إما في نهاية صف المقابر أو في الصف الأمامي وعلى بعد أربع خطوات من المقبرة، وذلك حتى يتسنى إقامة حاجز يقي أقارب الميت (وهم أيضاً من الكهنة) من الدنس الذي قد يلحق بهم لو لمسوا جثث الموتى من اليهود العاديين أو اقتربوا منها. وعادةً لا يجوز دفن اليهود في مقابر غير اليهود. ولكن، إن لم تتوافر مدافن خاصة بهم، فيمكن دفنهم في مقبرة عامة على أن يكون هناك فاصل من أربع خطوات بين مقبرة اليهودي ومقبرة أيٍّ من الأغيار (ونلاحظ أن الخطوات الأربع هي أيضاً المسافة التي يجب أن تفصل الكاهن عن اليهود العاديين) . ويتبدَّى الفصل الحاد بين اليهود والأغيار، الذي يشكل مقولة أساسية في اليهودية، في الموقف من مدى قداسة المدافن والموتى أو نجاستها. فمدافن غير اليهود، على عكس مدافن اليهود، لا تُدنِّس الكهنة نظراً لانعدام قداستها. ولا يمكن إزالة مدافن اليهود لأنها مقدَّسة، أما مدافن العرب والمسلمين وغير اليهود فيمكن هدمها بكل بساطة. وعلى سبيل المثال، أُزيلت مئات المقابر في إسرائيل لإقامة هيلتون تل أبيب. ولكن، عندما هدمت الحكومة الأردنية بعض مقابر اليهود على جبل الزيتون، حدث احتجاج على ذلك وبشدة. وقد أثيرت مؤخراً قضية مقابر اليهود في حي البساتين في القاهرة، إذ تقرر بناء طريق سريع حول القاهرة يمر بهذه المقابر، وهو ما سيؤدي إلى نقل بعضها بضعة أمتار. وهناك فتاوى حاخامية تذهب إلى أنه يجوز نقل هذه المقابر، وهناك سوابق لذلك. ومع هذا، قررت المؤسسة الصهيونية تحويل هذه الواقعة إلى مناسبة للصراع، وإلى وسيلة للضغط على الحكومة المصرية، وتأكيد فكرة الشعب اليهودي على حساب السيادة المصرية. فصرح الحاخام هرتس فرانكيل (من بروكلين) بأن المقبرة، حسب العقيدة اليهودية، أكثر قداسة من المعبد اليهودي، وهو أمر قد يكون صحيحاً من منظور حلولي يهودي يساوي بين الإله (المعبد) والإنسان (المقبرة) بل يُعلي من شأن الإنسان على الإله ومن ثم يُعلي من شأن المقبرة على المعبد. ولكن ذلك ليس صحيحاً من منظور حاخامي توحيدي معتدل. وقد أضاف الحاخام فرانكيل أيضاً أن المقابر اليهودية جزء من التراث اليهودي وتاريخ الشعب اليهودي، فأعطى مضموناً أيديولوجياً للمقابر. وقد جندت المؤسسة الصهيونية بعض رجال الكونجرس للضغط على الحكومة المصرية لبناء كوبري يمر فوق المقبرة بدلاً من نقل المقابر. وقد طُبع مؤخراً في إسرائيل ما يُسمَّى «محذوفات التلمود» جاء فيه أنه إذا مرَّ يهودي على مقبرة فعليه أن يلقي عليها دعاءً بالبركة إن كانت المقبرة مقبرة يهودي، وعليه أن يلعن أمهات الموتى إن كانت المقبرة لغير يهودي. وقد غيَّر اليهود الإصلاحيون كثيراً من طقوس الدفن، فأصبح من الممكن دفن الميت بعد يوم أو يومين في ملابس عادية، كما أنهم يصرحون بإحراق الجثة. وفي الآونة الأخيرة، هناك اتجاه أخذ في التزايد نحو إحراق جثمان الميت وذَرِّ رماده أو الاحتفاظ به في وعاء خاص، وذلك بسبب تزايد العلمنة، وهي ممارسة يعترض عليها اليهود الأرثوذكس لأنها تتنافى مع الشريعة اليهودية. وتُطبَّق قوانين الدفن والمدافن تطبيقاً كاملاً في إسرائيل. وقد أثار أفنيري، في الكنيست، مسألة التفرقة التي تمارسها الدولة في دفن الجنود الإسرائيليين الذين يسقطون أثناء القتال، إذ يُدفَنون دون تمييز في بادئ الأمر، ثم تقوم دار الحاخامية (سراً) بغرس شجرة أمام القتلى الذين لم تعترف الحاخامية بيهوديتهم، حتى يتم عزلهم عن بقية المدفونين. وقد أثيرت مؤخراً حادثة جثة تيريزا أنجليلوفيتش، المستوطنة الصهيونية التي هاجرت من رومانيا إلى إسرائيل مع زوجها ودُفنَت في مقابر اليهود، وقد اختُطفَت جثتها لدفنها في مقبرة منفصلة، لأنها لم تتهوَّد بالطريقة المعتمدة لدى الحاخامية. وفي نهاية الأمر، أُعيد دفنها في مقابر اليهود. وتقدمت شولاميت ألوني باقتراح إنشاء مقابر لليهود العلمانيين مستقلةً عن مقابر المتدينين. ومن القضايا التي أُثيرت أخيراً، الطلب الذي تقدمت به إحدى أمهات الجنود الإسرائيليين الذين قُتلوا في لبنان بأن يُزال من فوق شاهد قبر ابنها عبارة «عملية السلام من أجل الجليل» ، وهو الاسم الرسمي للغزو الإسرائيلي للبنان. وقد أشارت الأم إلى أنها لم تكن عملية وإنما كانت حرباً، ولم تكن من أجل السلام كما أنها لم تحققه. كما أشارت إلى أن ابنها لم يسقط في الجليل وإنما في لبنان. وطلبت الأم تغيير التاريخ المكتوب على قبر ابنها من التاريخ العبري إلى التاريخ الجريجوري، وقد وافقتها المحكمة على طلبها هذا. ويطلب كثير من أعضاء الجماعات اليهودية أن يُدفَنوا في إسرائيل، الأمر الذي أدَّى إلى ارتفاع ثمن المقابر. وقد لوحظ أن بعض المهاجرين السوفييت يصلون أحياناً ومعهم توابيت لبعض أفراد الأسرة ليُدفَنوا في فلسطين، ولكنهم يكتشفون أن أسعار المدافن باهظة، وأنهم غير قادرين على دفع الثمن. وتنوي بلدية القدس المحتلة بناء مقابر تابعة لها في الضفة الغربية بالقرب من معليه أدوميم. التشريح Autopsy لا يوجد تحريم واضح لعملية التشريح في العهد القديم. وبحسب ما جاء في القانون الإسرائيلي، يمكن تشريح جثث الموتى إذا لم يطالب بغير ذلك آخر، أو نصَّ الميت على ذلك في وصيته. كما يمكن تشريح الجثث لأسباب قانونية لمعرفة سبب الوفاة أو لأي أسباب أخرى. وقد وافق الحاخام الأكبر على القانون الإسرائيلي، إلا أن ثمة معارضة قوية من جانب بعض الحاخامات الأرثوذكس. وتُطرَح القضية من آونة إلى أخرى في إسرائيل. الثواب والعقاب Retribution, Reward and Punishment الإيمان بالثواب والعقاب في الآخرة هو إحدى العقائد الأساسية في الطبقة التوحيدية في اليهودية، وهي طبقة واحدة توجد بجوار طبقات أخرى مختلفة عنها من أهمها الطبقة الحلولية. ولذا، لا توجد إشارات واضحة في أسفار موسى الخمسة إلى فكرة الثواب والعقاب، وإن كان ثمة ثواب وعقاب فإنهما يأخذان شكلاً قومياً ينصرف إلى الشعب اليهودي ككل، أو إلى الشعوب الأخرى، لا إلى الأفراد. كما أن الثواب والعقاب في العهد القديم عادةً ما يتمان داخل الزمان. ولذا، فقد جاء في الوصايا العشر أن طاعة الوالدين تطيل العمر. كما جاء في سفر التثنية: "فإذا سمعتم لوصاياي ... أُعطي مطر أرضكم في حينه" (11/13 ـ 14) . ويثير سفر أيوب قضية معاناة الأبرار وازدهار الأشرار، ومع هذا فإن السفر يحل هذه الإشكالية بالعودة إلى النمط المادي القديم، أي بمكافأة أيوب في هذا العالم. فبعد طول معاناة، وبعد تأملات عدمية تنكر البعث، يقول السفر: "بارك الرب آخرة أيوب أكثر من أولاه، وكان له أربعة عشر ألفاً من الغنم وستة آلاف من الإبل وألف فدان من البقر وألف أتان، وكان له سبعة بنين وثلاث بنات… ولم توجد نساء جميلات كبنات أيوب في كل الأرض وأعطاهن أبوهن ميراثاً بين إخوتهن" (42/13 ـ 15) . ولكن بعد أن أكد الأنبياء فكرة المسئولية الخلقية، أصبح من الصعب تَقبُّل هذا الرأي الخاص بالمكافأة المادية المباشرة في هذا العالم، وظهرت فكرة يوم الحساب، ثم فكرة البعث وفكرة جهنم حيث يُعاقَب الفرد المخطئ ويُثاب المصيب. وقد وضع فقهاء اليهود الثواب والعقاب في إطار أخروي، رغم وجود النصوص التوراتية التي تؤكد أن مسألة الثواب والعقاب الإلهى تتعلق بأمور الدنيا. وقد ساد هذا التفسير بين فقهاء اليهود في العصور الوسطى في الغرب وفي العالم الإسلامي، وإن كان التلمود يضم نصوصاً كثيرة هي استمرار للأفكار الحلولية القديمة. ويتعمق التيار الحلولي مع القبَّالاه التي ترى أن الثواب والعقاب يَتمَّان من خلال تناسخ الأرواح. فإذا كان الإنسان خيِّراً، حلت روحه في جسد إنسان خير. أما إذا كان شريراً، فإنها تحل في جسد إنسان وضيع أو حتى في جماد أو حيوان. وعلى كلٍّ، فإن فكرة الثواب والعقاب، برغم تحدُّدها وتبلورها في الفكر الديني اليهودي، لم تستبعد الأفكار الأخرى، وبما أن اليهودية تركيب جيولوجي تراكمي يضم الأفكار دون صهرها بحيث تتعايش هذه الأفكار بكل تناقضاتها داخل النسق الواحد. فليس من المستغرب أن يطرح الفكر الديني اليهودي فكرة الثواب والعقاب للنقاش مرة أخرى في العصر الحديث. وقد ذكر كلٌّ من كوهلر وكابلان وبوبر أن فكرة الثواب والعقاب لا يمكن أن تؤخذ بشكل حرفي، بل لا تنطبق على الفرد، فهي تنطبق على المجتمع ككل، وبذلك فقد قرنوا فكرة الثواب والعقاب بفكرة التقدم والتخلف، بل إن كابلان يقرن الإله نفسه بالتقدم. وقد طُرحَت القضية مرة أخرى بعد الحرب العالمية الثانية، أي بعد الإبادة النازية ليهود أوربا، وظهر ما يُسمَّى «لاهوت ما بعد أوشفيتس» ، وهي عبارة تشير إلى تساؤل أساسي يطرحه الفلاسفة الدينيون اليهود، وهو: هل من الممكن، بعد أوشفيتس، الاستمرار في الإيمان بالإله بعد ما حاق باليهود من عذاب وإبادة؟ وقد تحدَّث بوبر عن «خسوف الإله» . أما ريتشارد روبنشتاين، فقال إنه لم يعد بوسعه أن يقبل المفهوم التقليدي للإله، إذ أن مثل هذا الإله عليه أن يتحمل مسئولية أوشفيتس، باعتبار أن الإبادة النازية لليهود كانت حدثاً فريداً في تاريخ اليهود، ورفض أن يكون النازيون هم أداة عقاب الإله. ولقد رد عليهم فاكنهايم فقال إن رَفْض الفكرة التقليدية للإله يعني انتصار هتلر. وتؤمن الجماعات الأصولية المسيحية في الولايات المتحدة برغم صهيونيتها الواضحة بأن أوشفيتس عقاب إلهي حل باليهود نظراً لرفضهم المسيح عيسى بن مريم. كما أن الحاخام مناحيم إيمانويل هارتوم يرى أن الإبادة النازية عقاب لليهود من الإله على خطاياهم، وحيث إنهم لا يزالون مستمرين فيما هم فيه، فقد يحل بهم العقاب مرة أخرى. حلقة الأعالي Academy on High «حلقة الأعالي» هي ترجمة للعبارة العبرية «يشيفا شيل معلاه» . وقد وردت في الأدب الأخروي (إسكاتولوجي) ، وخصوصاً في العصر التلمودي، فكرة حلولية مفادها أنه توجد حلقة تلمودية (يشيفا) في السماء يترأسها الإله حيث يستمر الأتقياء والعلماء في دراسة التوراة، ومناقشاتهم لها وللقضايا الدينية الأخرى. وفي كل يوم، يطرح الإله تفسيره للتوراة، ويذكر آراء العلماء الآخرين. وتذكر الأجاداه أن المناقشات الحادة كانت تدور بين الإله وأعضاء حلقة الأعالي. ويدرس في هذه الحلقة التلمودية الأطفال الصغار الذين ماتوا قبل أن تتاح لهم فرصة دراسة الشريعة. ولكن لا يدخل هذه الحلقة، من بين الكبار، إلا من درس في الحلقات التلمودية أو المدارس التلمودية العليا على الأرض، أو أولئك الذين لم يدرسوا ولكنهم عاونوا الآخرين على الدراسة. وقد طوَّر القبَّاليون هذا المفهوم، بحيث أصبح هناك حلقتان: تُسمَّى إحداهما حلقة السماء، وتُسمَّى الأخرى حلقة الأعالي. ويترأس الأولى ملاك، ويترأس الثانية الإله. ويمكن أن ينتقل عضو الحلقة الأولى بعد أن ينجح إلى الحلقة الثانية التي تُعَدُّ أعلى مرتبة. وهذه الفكرة الأخروية الطريفة الساذجة هي تعبير حاد عن التيار الحلولي اليهودي في اليهودية الذي يعادل تماماً بين الإله والإنسان، وبين الأرض والسماء، بحيث يُسقط تناقضات العالم الأرضي وصراعاته وسماته على ما يدور في السماء. وفي صلاة يوم الغفران، يطلب المصلون، قبل تلاوة دعاء كل النذور، أن تسمح لهم هذه الحلقة بإقامة الصلاة مع المخطئين. الجنة Paradise «الجنة» هي الترجمة العربية لكلمة «جن عيدن» العبرية. كما توجد كلمة أخرى في العبرية هي «باراديس» وتعني «جنة» . والكلمة من أصل فارسي، وتعني «بقعة يحيط بها سور» ، ولعلها ذات صلة بالكلمة اليونانية «باراديوس» التي أصبحت في الإنجليزية «باراديز paradise» . ويشكل مفهوم الجنة أحد المفاهيم الأخروية اليهودية المتأخرة. وقد ورد في العهد القديم (سفر التكوين) أن الإله غرس جنة عدن ليقطن فيها آدم وحواء. وهذه الجنة بقعة جغرافية في هذا العالم. والواقع أن اليهودية الأولى، أي عبادة يسرائيل الحلولية، لم تعرف الحياة الآخرة أو العالم الآخر أو البعث. وثمة مشاكل عديدة في قصة جنة عدن هذه تتعلق بشجرة الحياة والمعرفة ودلالتها الرمزية. ومفهوم جنة عدن هو أصل مفهوم الفردوس الأرضي (الموجود بعيداً في الشرق) الذي يقطن فيه الصالحون. وقد تطوَّر مفهوم الجنة مع تطوُّر المفاهيم الأخروية الأخرى، وظهرت مفاهيم مثل: العالم الآخر (الآتي) ، والمستقبل، والعصر المشيحاني، وكلها مفاهيم تدور حول فكرة الفردوس (وإن كان هذا الفردوس فردوساً أرضياً داخل الزمان) . ومع ظهور فكرة البعث وفكرة الثواب والعقاب الفرديين، صارت فكرة الجنة مرتبطة بهذه الأفكار وأصبحت جنة عدن "حديقة في العالم الآخر". بل ذهب بعض الحاخامات، لحل مشكلة الثنائية بين جنة عدن والجنة أو الفردوس الأرضي والفردوس السماوي، إلى أن جنة عدن نُقلَت إلى السماء. ومع هذا، لم يتبلور المفهوم تماماً، واختلط بمفهوم العالم الآتي وتداخل مع المفاهيم الفردوسية الأخرى. وهكذا، فإننا نجد أن الفكر القبَّالي يجعل الجنة (باراديس) في متناول العارفين بالقبَّالاه الذين يصلون إلى معنى التوراة الخفي، فيخترقون سطح توراة الخالق ليصلوا إلى توراة الفيض، ومن هنا ذهب القبَّاليون إلى أن بارديس هي التفسير المتعمق للتوراة. والحروف المكوِّنة لكلمة «بارديس» هي الحروف الأولى لمستويات التفسير الأربعة: ب = بيشاط (حرفي) ، ر = ريميز (رمزي) ، د = ديراش (وعظي) ، س = سود (باطني أو صوفي حلولي) . وفي العصر الحديث، تخلَّى الفكر الديني اليهودي عن هذه الفكرة تماماً، وهي لم تكن في أي وقت إحدى العقائد الأساسية. أرض الموتى (شيول) Sheol «أرض الموتى» ترجمة لكلمة «شيول» العبرية التي تُستخدَم كاسم عَلَمْ، وهي مجهولة الأصل وتأتي دائماً في صيغة المؤنث وبدون أداة تعريف ولا تظهر في اللغات السامية الأخرى. وتشير الكلمة إلى مكان يسكن فيه الموتى. وقد أُشير إليه بأسماء أخرى، مثل «عفر» ، أي «تراب» ، و «جفر» ، أي «قبر» ، كما استُخدمت عبارات شتى للإشارة إليه مثل «مكان السكنى» ، و «أماكن الأرض السفلى» ، و «أرض الظلمة» . وتقع شيول إما تحت الأرض، أو تحت الماء، أو تحت قاعدة الجبال، وأحياناً تُصوَّر على هيئة تنين مخيف. وتُعتبَر شيول مكاناً محايداً، أي أنه لم يكن مكاناً للثواب والعقاب يتساوى فيه الملوك والعامة والأثرياء والفقراء والسادة والعبيد والأخيار والأشرار، بل هو يكاد يكون مجرد مكان للدفن. ورغم أن الإله يتحكم (حسب التصور اليهودي) في العالمين العلوي والسفلي، فإن الموتى لا يمكنهم التواصل معه أو التسبيح له (مزامير 115/17) ، ذلك أنهم قد انحدروا إلى أرض السكون. ومع هذا، فيمكن استدعاء الموتى من هناك ليجيبوا عن أسئلة الأحياء. وشيول تشبه في كثير من النواحي عالم الأراللو أو عالم الظلمات في بلاد أرض الرافدين، فهو عالم مظلم لا حساب فيه ويُنسى من ينزل إليه. ومفهوم كلمة «شيول» مفهوم منطقي في السياق الحلولي الوثني للعهد القديم وعبادة يسرائيل، فالديانة القديمة ترى أن الجسد والروح شيء واحد، وأن الحياة الآتية امتداد للحياة الحالية. ولذا، فإن حياة ما بعد الموت، إن وُجدت، فليست إلا صورة شاحبة لهذه الحياة تتسم بنوع من نقصان الحيوية. وحين يموت المرء، تذهب روحه وجسده إلى أرض الموتى. وقد تطوَّر هذا المفهوم فيما بعد، في فترة ما بعد السبي البابلي حين ظهرت فكرة الثواب والعقاب الفرديين، بحيث أصبحت شيول المكان الذي ينتظر فيه الموتى يوم الحساب حين يُبعثون ليُحاسَبوا. ولذا، فقد قُسِّمت شيول إلى أقسام مختلفة، ينتظر الأخيار في مكان خاص بهم، وينتظر الأشرار في أماكن أخرى مختلفة كل حسب درجة شرِّه. ومن هنا، تداخل مفهوم كلمة «شيول» مع مفهوم كلمة «جيهنوم» (جهنم) وهو مكان العذاب الدائم للمذنبين. جهنم Hell «جهنم» من الكلمة الآرامية «جيهينوم» ، ويقابلها في العبرية كلمة «جي بني هنوم» ، أي «وادي أبناء هنوم» . و «جهنم» أحد المفاهيم الأخروية اليهودية، ولم يظهر إلا متأخراً. فقد ظهرت في بداية الأمر كلمة أرض الموتى (شيول) ، وهي كلمة ذات مفهوم محايد غير مرتبط بالثواب والعقاب أو البعث والحساب. ومع تطوُّر الفكر اليهودي من الحلولية إلى التوحيدية، ودخول أفكار خلود الروح الفردي والبعث والحساب، تطوَّر مفهوم أرض الموتى لتعبِّر عنه كلمة «جهنم» ، أي «المكان الذي سيُعاقَب فيه الأشرار» . وكان المعروف أن عقاب المذنبين سيتم داخل الزمان، ولذا كان يُشار إليه باعتباره «الوادي الملعون» ، ثم تحوَّل إلى المكان الذي سيُعاقَب فيه الآثمون بعد البعث. ومع هذا، ظل المفهوم قلقاً غير محدد، مثله مثل معظم المفاهيم الأخروية، فليس من المعروف ما إذا كان الآثمون سيدخلون جنهم بعد البعث أم بعد الموت؟ ولم يحدد الفكر الديني مدى العقوبة، فثمة رأي يذهب إلى أن الآثمين من جماعة يسرائيل سيُعاقَبون مدة عام، ثم تباد أرواحهم بعد ذلك. وذهب الحاخام عقيبا إلى أنهم سيذهبون إلى الجنة بعد قضاء فترة العقوبة. وكان الرأي يذهب إلى أن كل أعضاء جماعة يسرائيل، باستثناء قلة مذنبة صغيرة، سيكون لهم نصيب في الآخرة أو العالم الآخر (الآتي) . ويُقال إن إبراهيم سيقف عند باب جهنم وينقذ من دخولها المختونين من نسله. وسيستريح كل المذنبين من العذاب، ومن ضمنهم غير اليهود، يوم السبت. وقد أنكر بعض حاخامات فلسطين وجود جهنم وقالوا إن أرواح الأشرار ستباد تماماً يوم الحساب. وفي العصر الحديث، أسقط كثير من المفكرين الدينيين اليهود فكرة جهنم تماماً. وقد كان الأمر بالنسبة إليهم يسيراً لأنها لم تصبح قط ضمن العقائد اليهودية المستقرة. الملائكة Angels «الملائكة» صيغة جمع عربية لكلمة «ملاك» التي تقابلها «ملاك» العبرية ومعناها «مُرسَل» لأداء «مل آخاه» أي «مهمة» أو «بعثة» . ويمكن القول بأن الملائكة داخل إطار حلولي تختلف تماماً عنها داخل إطار توحيدي، فهم داخل الإطار التوحيدي رمز للغيب وتعبير عن قدرة الإله اللانهائية التي تتجاوز مقدرات البشر وإدراكهم. أما داخل الإطار الحلولي، فالأمر جدُّ مختلف، فهم ليسوا رسل الإله وحسب وإنما هم جزء منه ووسطاؤه. ولذا، يشار إلى الملائكة في التراث الديني اليهودي باعتبارهم «بنو إلوهيم» أو «بنو إليم» ، أي «أبناء الإله» أو «قيدوشيم» ، أي «المقدَّسون» ، وأحياناً «إيش» ، أي «رجل» . أما أسماء مثل: «آرئيليم» ، أو «كروبيم» أو «سيرافيم» أو «أوفانيم» ، فتُستخدَم للإشارة إلى الملائكة المرتبطين بالعرش أو المركبة الإلهية. وقد عرف الشرق الأدنى القديم آلهة مجنحة لها رؤوس بشر ذكور وإناث، هي التي تظهر أمام القصور الآشورية، كما عرفتها العبادة الكنعانية. ويظهر الملائكة في الأجزاء الأولى من العهد القديم على هيئة بشر. وهم يضطلعون بوظائف عديدة، من بينها حماية العبرانيين أثناء خروجهم من مصر وأثناء تجوالهم في البرية، ويفسرون لزكريا ودانيال الرؤى (أبوكاليبس) التي شاهدها. كما أنهم يقومون بعقاب المذنبين، مثلما فعلوا عند تحطيم سدوم وعموراه. وهم يحيطون بالعرش الإلهي، ومنهم أيضاً الجوقة التي تسبح للإله. ومن أهم أحداث العهد القديم، حادثة الصراع بين يعقوب والملاك (الذي ظهر فيما بعد أنه الإله) ، وقد صرعه يعقوب، وسُمِّي «يسرائيل» ، أي «الذي تصارع مع الإله» أو «من صرع الإله» . ويرتكب الملائكة الحماقات، فقد ورد في العهد القديم (تكوين 6/1ـ 2) : "وحدث لما ابتدأ الناس يكثرون على الأرض وولد لهم بنات، أن أبناء الإله رأوا بنات الناس أنهن حسنات. فاتخذوا لأنفسهم نساء من كل ما اختاروا". وبعد العودة من بابل ترسَّخ مفهوم الملائكة في العقيدة اليهودية، وأصبح للملائكة أسماء وطبقات. وقد تزايد عددهم وتزايدت أسماؤهم في كتب الرؤى (أبوكاليبس) ، وظهرت فكرة رئيس الملائكة الذي سقط. ومع هذا، فقد استمرت فرق مثل الصدوقيين في إنكار الملائكة، وهو جزء من إنكارها لفكرة البعث والإله المتجاوز للطبيعة والتاريخ. والإيمان بالملائكة داخل الإطار الحلولي هو إحدى العقائد الأساسية في التلمود. وقد تَعمَّق الاهتمام بهم مع ظهور التراث القبَّالي ووصوله إلى ذروته، وهو تعبير عن هيمنة الحلولية. ويضم كتاب الزوهار، وغيره من الكتب القبَّالية، قوائم طويلة بأسماء الملائكة، ومهمة كل واحد منها والوقت الذي يزداد فيه نفوذ كل ملاك ومكانه في الأبراج السماوية. وقد استُخدمت أسماؤهم في القبَّالاه العملية، في إعداد التمائم والتعاويذ المختلفة. بل يصبح الملائكة، شأنهم في هذا شأن عزازيل، قوى مستقلة عن الذات الإلهية، أي آلهة صغيرة لها إرادة مستقلة تقف على باب السماء تمنع دخول أدعية البشر للإله، ولذا يحاول اليهود خداعهم. ولاتقاء شرهم، يتلون بعض الأدعية في صلاة الصباح بالآرامية بدلاً من العبرية. وحينما يسمع الملائكة الأدعية بالآرامية، فإنهم يحتارون في أمرها. وأثناء حيرة حارس بوابة السماء، تدخل الأدعية الأخرى دون أن يدري. وقد اتُهم اليهود بأنهم من عبدة الملائكة من فرط اعتمادهم عليها وتَضرُّعهم لها. ولا يزال كتاب الصلوات الأرثوذكسي يتضمن تضرعات موجهة إلى الملائكة، مثل تلك الموجهة إلى ملاك الرحمة (ملآخ هارحيم) . أما أنشودة "شالوم عليخم مل آخي هاشاريت"، أي "السلام عليكم يا ملائكة العون"، فهي تُنشَد في المعبد أو في المنزل بعد صلاة المساء. وتتضمن الصلاة الإضافية (موساف) التي تُتلى في السبت والأعياد في المعابد الأرثوذكسية تضرعاً إلى الملائكة، وكذا الأدعية التي تُتلى أثناء نفخ الشوفار في احتفال رأس السنة. هذا على الرغم من أن موسى بن ميمون أدان أية صلاة لغير الإله. وقد استبعدت كتب اليهودية الإصلاحية أية إشارة إلى الملائكة تقريباً، كما استبعدت اليهودية المحافظة معظمها، وخصوصاً تلك الصلوات ذات الأصل القبَّالي. وقد احتفظ الأرثوذكس بطقوس الصلوات القديمة، دون أن يضفوا أهمية غير عادية على الكلمات والفقرات الصوفية كما كان الحال في الماضي. وقد أُثيرت مؤخراً (في إسرائيل) قضية خاصة بالملائكة، إذ صنع المثَّال الإسرائيلي إدوارد لفين ثلاثة تماثيل للملائكة لتزيين دار البلدية في القدس، ولكنه نظراً لأنه نشأ في روسيا جعل الملائكة تشبه تلك التي تظهر في الأيقونات البيزنطية، وقد طُلب إليه تهويدها فأضاف إليها نجمة داود! الكروب (الملائكة) Cherub; Kerub «كروب» كلمة عبرية تعني «ملاك» وجمعها «كروبيم» . وهي مشتقة من الكلمة الأكادية «كاريبو» بمعنى «شفيع» . وكانت «الكاريبو» في بلاد الرافدين، خصوصاً في آشور، عبارة عن ثيران أو أسود مجنحة لها رؤوس بشر. وكانت هذه التماثيل توضع على مداخل المعابد والقصور. والكروب آلهة ثانوية تتدخل لدى كبير الآلهة لصالح الإنسان. وقد عُثر على تماثيل للكروبيم في سوريا أيضاً، وكان بعضها على هيئة بشر ذوي جناحين. وتعود فكرة الملائكة (كروبيم) في اليهودية إلى أصول آشورية وسورية وكنعانية وربما مصرية أيضاً. وقد استُخدمت الكروبيم لإضفاء طابع جمالي على الهيكل. ولم تكن الملائكة آلهة ثانوية في اليهودية، وإنما كائنات خلقها الإله، وهي تحمل عرشه وتحرس بوابات جنة عدن وشجرة الحياة والهيكل، وتظهر على هيئات مختلفة، فقد تم تخُّيلها على أنها ذات وجهين؛ وجه بشر ووجه حيوان. وفي رواية أخرى صُوِّرت على هيئة حيوانات ذات أربعة أوجه؛ إنسان وأسد وثور ونسر. ووجود تماثيل الملائكة في الهيكل يدل على أن اليهودية لم تكن معادية تماماً للتصوير. فقد كان هناك أيضاً العجول الذهبية (في دان وبيت إيل) التي شُيِّدت كرموز ليهوه. وقد وُجدت تماثيل للملائكة (كروبيم) في الهيكل، كما وُجدت صور لها على الحوائط والستائر. وداخل قدس الأقداس، فوق تابوت العهد، كان يوضع تمثالان من الذهب طول كل منهما خمسة عشر قدماً، وأجنحتها بالطول نفسه. وقد تلامس جناحان من أجنحتها في حين يلامس الجناحان الآخران حائط قدس الأقداس. وتغيَّرت صورتهما، في مرحلة لاحقة بعد العودة من بابل، وأصبحا على هيئة رجل وأنثى مجنحين في عناق ذي طابع جنسي، رمز الحب بين الإله وجماعة يسرائيل (وقد ذكر راشي أن الملاكين كانا متصلين أحدهما بالآخر، وملتصقين ومتعانقين، كما يعانق الذكر الأنثى) . وكان الإله يكلِّم موسى من فوق غطاء تابوت العهد ومن بين الملاكين الذين يظللان التابوت. وقد حاول فيلون أن يفسر دلالة الملاكين بأنهما رمز للخير والسيادة، ولكن راب فتينا (وهو فقيه من بابل في القرنين الثالث والرابع) بيَّن أنهما يمثلان رموزاً جنسية مقدَّسة، وأنهما كانا يُعرضان أثناء الحج على جماهير اليهود، فيزاح ستار قدس الأقداس، ويُقال: "انظروا إن حبكم للإله هو مثل حب الذكر للأنثى". ميتاترون Metatron «ميتاترون» هو اسم أعلى الملائكة بحسب ما جاء في الأجاداه والتراث القبَّالي، ويبدو أن الاسم من اللاتينية «ميتاتور» وتعني «من يخطط الحدود» ، أو من اليونانية «ميتاثرونون» وتعني «أقرب إلى العرش الإلهي» . ولعل هذا الاسم يعود إلى اسم الإله الفارسي «ميثرا» . ويُقال إن «ميتاترون» تعني «الملاك حامل الاسم الرباعي» . وأحياناً يُطلَق عليه «أمير الحضور» وكأنه شخيناه مُذكَّرة، ويُقرَن بالملاك ميخائيل. ويقوم ميتاترون بتسجيل حسنات الناس وسيئاتهم، وأحياناً يصبح الوسيط بين الإله والعالم والذي خلق العالم من خلاله، وهو إحدى حلقات الفيض الإلهي. وتعادل القيمة الرقمية لاسمه القيمة الرقمية لاسم أحد أسماء الإله (شدَّاي) ، وأحياناً كان يُقرن بالإله والإنسان في آن واحد، أي أن الحلقة الحلولية تكتمل من خلاله. ويُتداوَل اسم «ميتاترون» بين الدروز في لبنان، ومن الواضح أن أصل ميتاترون غنوصي. الجن والشياطين Demons توجد في العهد القديم إشارات عديدة إلى كائنات خرافية قد تكون خيرة أو شريرة حسب الوظيفة التي تقوم بها. ومن هذه الكائنات الشياطين، وأهمها عزازيل وليل (ليليت) . ليل (ليليت) Lilith «ليل أو (ليليت) » شيطانة في التراث الديني اليهودي الشعبي. ويبدو أن كلمة «ليل» صيغة مُعَبْرَنة للشيطانة البابلية ليليتو، ومن خلال ربط اسمها بالكلمة العبرية «ليلاه» ، أي «ليل» ، فُسِّرت ليل بأنها شيطانة الليل والظلام التي تأتي بالأحلام الجنسية للرجال وتسبب القذف أثناء النوم، وتقتل الأطفال المولودين وأمهاتهم، وخصوصاً في الأيام السبعة الأولى بعد الميلاد، وتظهر صورتها في آثار سومر على هيئة أنثى عارية مجنحة تقف على ظهر أسد، ولها مخالب طائر. وحسبما جاء في التلمود، كانت ليل عشيقة آدم في الفترة التي افترق فيها عن حواء بعد طردهما من الجنة وولَدت له عدة شياطين. وفي رواية أخرى، كانت ليل هذه زوجته الأولى قبل حواء، خُلقَت مثله من طين لا من ضلعه، ولكنهما تشاجرا لأنها لم توافق على أن يطأها الرجل في عملية الجماع، وذلك لأنها ترى أن في هذا إذلالاً لها وهيمنة للرجل عليها، فنطقت باسم يهوه وهربت وأقسمت أن تنتقم منه. ولذا، فهي تقتل أولاد حواء. ولكن يمكن أن يُوقَف مفعول لعنتها عن طريق استخدام الحجاب المناسب. والواقع أن شخصية ليل (أو ليليت) مثال جيد للسمة الجيولوجية في النسق الديني اليهودي، فهي قد ذُكرَت في العهد القديم بشكل عابر (أشعياء 34/14) باعتبارها إحدى الأرواح أو أحد الوحوش المفترسة التي ستدمر الأرض في آخر الأيام. ثم نُسجَت حولها الأساطير بحيث أصبح داخل اليهودية قصتان متناقضتان للخلق يتعايشان جنباً إلى جنب. وقد أصبحت ليليت إحدى بطلات حركة التمركز حول الأنثى في أمريكا والعالم الغربي وعلماً على الأنثى المتمردة. عزازئيل Azazel «عزازئيل» اسم عبري معناه «الرب يقوي» ، و «قوة الرب» ، وكذلك «القوة المناوئة للرب» كما يُقال إن الاسم يعود إلى اسم الإله السوري الكنعاني «عزيز» . وعزازئيل روح شريرة أو شيطان ورد اسمه في العهد القديم (لاويين 16/8 ـ 10 ـ 26) . وهو أحد قواد الملائكة الذين سقطوا من السماء. ويعيش عزازئيل حسب الرؤية اليهودية القديمة في البرية بالقرب من أورشليم. وكان كبير الكهنة يُقدِّم في يوم الغفران كبشين: أحدهما قرباناً ليهوه، والآخر قرباناً لعزازئيل. وكان الكبش الثاني لا يُذبَح، وإنما يُطلَق سراحه في البرية، حاملاً ذنوب جماعة يسرائيل، ولكنه مع هذا كان يُذبَح فيها أو يُدفَع به من عل حتى لا يعود حاملاً هذه الذنوب. ومن الواضح أن عزازئيل هذا هو استمرار لطقوس وثنية وأفكار غنوصية، فهو رمز الشر، بل هو خالق كل الشرور في العالم، وهو نقيض يهوه خالق الخير. ويبدو أن هذا الطقس يفترض أن يهوه وعزازئيل عنصران متكاملان يشبهان في هذا علاقة إله الخير بإله الشر في عبادات الفرس الثنوية. وقد توارى وجوده بعض الشيء أثناء الفترة التلمودية، ولكنه عاد إلى الظهور مرة أخرى مع انتشار القبَّالاه. وقد صار عزازئيل في القبَّالاه قوة مستقلة تصارع ضد الإله، ولذلك يقرأ القبَّاليون أدعية لإرضاء الإله وأخرى لإرضاء الشيطان. بل ويؤمن القبَّاليون بأن بعض القرابين في الهيكل كانت تُقدَّم إلى الشيطان، وهم ليسوا مجانبين الصواب تماماً في ذلك. ويُقال إن كل القرابين في الأيام السبعة الأولى من عيد المظال كانت تُقدَّم إلى عزازئيل باعتباره حاكم الأغيار، حتى يظل مشغولاً عن اليهود، وحتى يمكن تقديم القرابين إلى الإله في اليوم الثامن. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
الماشيَّح والمشيحانية
Messiah and Messianism «ماشيَّح» كلمة عبرية تعني «المسيح المخلِّص» ، ومنها «مشيحيوت» أي «المشيحانية» وهي الاعتقاد بمجيء الماشيَّح، والكلمة مشتقة من الكلمة العبرية «مشح» أي «مسح» بالزيت المقدَّس. وكان اليهود، على عادة الشعوب القديمة، يمسحون رأس الملك والكاهن بالزيت قبل تنصيبهما، علامة على المكانة الخاصة الجديدة وعلامة على أن الروح الإلهية أصبحت تحل وتسري فيهما. وكما يحدث دائماً مع الدوال في الإطار اليهودي الحلولي، نجد أن المجال الدلالي لكلمة «ماشيَّح» يتسع تدريجياً إلى أن يضم عدداً كبيراً من المدلولات تتعايش كلها جنباً إلى جنب داخل التركيب الجيولوجي التراكمي اليهودي. فكلمة «الماشيَّح» تشير إلى كل ملوك اليهود وأنبيائهم، بل كانت تشير أيضاً إلى قورش ملك الفرس، أو إلى أي فرد يقوم بتنفيذ مهمة خاصة يوكلها الإله إليه. كما أن هناك في المزامير إشارات متعددة إلى الشعب اليهودي على أنه شعب من المشحاء. وهناك أيضاً المعنى المحدد الذي اكتسبته الكلمة في نهاية الأمر إذ أصبحت تشير إلى شخص مُرسَل من الإله يتمتع بقداسة خاصة، إنسان سماوي وكائن معجز خلقه الإله قبل الدهور يبقى في السماء حتى تحين ساعة إرساله. وهو يُسمَّى «ابن الإنسان» لأنه سيظهر في صورة الإنسان وإن كانت طبيعته تجمع بين الإله والإنسان، فهو تَجسُّد الإله في التاريخ، وهو نقطة الحلول الإلهي المكثف الكامل في إنسان فرد. وهو ملك من نسل داود، سيأتي بعد ظهور النبي إليا ليعدل مسار التاريخ اليهودي، بل البشري، فينهي عذاب اليهود ويأتيهم بالخلاص ويجمع شتات المنفيين ويعود بهم إلى صهيون ويحطم أعداء جماعة يسرائيل، ويتخذ أورشليم (القدس) عاصمة له، ويعيد بناء الهيكل، ويحكم بالشريعتين المكتوبة والشفوية ويعيد كل مؤسسات اليهود القديمة مثل السنهدرين، ثم يبدأ الفردوس الأرضي الذي سيدوم ألف عام، ومن هنا كانت تسمية «الأحلام الألفية» و «العقيدة الاسترجاعية» ..... ولأن إله اليهود لا يَحلّ في التاريخ فحسب، وإنما يحل في الطبيعة أيضاً، فإننا نجد أن العصر الذهبي (أو العصر المشيحاني) يشمل التاريخ والطبيعة معاً. فعلى مستوى التاريخ، نجد أن السلام ـ حسب إحدى الروايات ـ سيعم العالم، وأن الفقر سيزول، وستُحول الشعوب أدوات خرابها إلى أدوات بناء، ويصبح الناس كلهم أحباء متمسكين بالفضيلة، ولكن صهيون ستكون بطبيعة الحال مركز هذه العدالة الشاملة، كما ستقوم كل الأمم على خدمة الماشيَّح. وفي رواية أخرى؛ ستسود صهيون الجميع وستحطم أعداءها. أما على مستوى الطبيعة، فإننا نجد أن الأرض ستُخصب وتطرح فطيراً، وملابس من الصوف، وقمحاً حجم الحبة منه كحجم الثور الكبير، ويصير الخمر موفوراً. والفكر المشيحاني فكر حلولي متطرف يعبِّر عن فشل الإنسان في تَقبُّل الحدود، وعن ضيقه بالفكر التوحيدي الخاص بفكرة الإله المتجاوز للطبيعة والمادة والتاريخ، وعن ضيقه بفكرة حدود الإرادة الإنسانية والعقل البشري، وبالتاريخ باعتباره المجال الذي تركه الإله للإنسان ليمارس حريته (فكأنه ضيق طفولي بالوضع الإنساني) . يضيق الإنسان بكل هذا ويتخيل تساقط الحدود ليحل الإله في التاريخ والطبيعة والإنسان وينهي كل المشاكل دفعة واحدة إما بتَدخُّله الفجائي والمباشر في التاريخ أو بإرساله المخلِّص (كريستوس) في المنظومة الغنوصية لينجز المهمة (وتظهر هذه الفجائية في أسفار الرؤى على عكس كتب الأنبياء الذين يرون التاريخ مجالاً للفعل الإنساني الحر والرقي التدريجي) . وقد أضعفت عقيدة الماشيَّح انتماء أعضاء الجماعات (وخصوصاً في الغرب) لمجتمعاتهم، وزادت انفصالهم عن الأغيار، ذلك أن انتظار الماشيَّح يلغي الإحساس بالانتماء الاجتماعي والتاريخي، ويلغي فكرة السعادة الفردية. أما الرغبة في العودة، فتلغي إحساس اليهودي بالمكان وبالانتماء الجغرافي. ويبدو أن اضطلاع أعضاء الجماعات اليهودية بدور الجماعة الوظيفية واشتغالهم بالتجارة الدولية في الغرب، كعنصر تجاري غريب لا ينتمي إلى المجتمع، هو الذي عمَّق أحاسيسهم المشيحانية، فالتاجر لا وطن له، ولا تحد وجدانه أو تصوراته أية قيود أو حدود، على عكس الفلاح الذي لا يجيد التعامل إلا مع قطعة معينة من الأرض. ومما له دلالته أن الحركات المشيحانية ارتبطت دائماً بالتصوف الحلولي وتراث القبَّالاه الذي ينطلق من رؤية كونية تلغي الفوارق والحدود التاريخية بين الأشياء. وأصل عقيدة الماشيَّح المخلِّص فارسية بابلية، فالديانة الفارسية ديانة حلولية ثنوية تدور حول صراع الخير والشر (إله النور وإله الظلام) صراعاً طويلاً ينتهي بانتصار الخير والنور. وقد بدأت هذه العقيدة تظهر أثناء التهجير البابلي، ولكنها تدعمت حينما رفض الفرس إعادة الأسرة الحاكمة اليهودية إلى يهودا. وقد ضربت هذه العقيدة جذوراً راسخة في الوجدان اليهودي، حتى أنه حينما اعتلى الحشمونيون العرش، كان ذلك مشروطاً بتعهدهم بالتنازل عنه فور وصول الماشيَّح. وقد أخذت عقيدة الماشيَّح في البداية صورة دنيوية تعبِّر عن درجة خافتة للغاية من الحلول الإلهي ولكنها أصبحت بعد ذلك تعبيراً عن حلول إلهي كامل في المادة والتاريخ. وحسب هذه الصورة، فإن الماشيَّح محارب عظيم (أو هو الرجل الممتطي صهوة جواده) الذي سيعيد مُلْك اليهود ويهزم أعداءهم (أشعياء 9/9 ـ 7) . وتزايدت درجة الحلول، ومن ثم ازدادت القداسة، فيظهر الماشيَّح بن داود على أنه ابن الإنسان أو ابن الإله (دانيال 7/13) . ولما لم تتحقق الآمال المشيحانية، ظهرت صورة أخرى مكملة للأولى، وهي صورة الماشيَّح ابن يوسف الذي سيعاني كثيراً، وسيخر صريعاً في المعركة، وستحل الظلمة والعذاب في الأرض (وهذه هي الفكرة التي أثرت في فكرة المسيح عند المسيحيين) . ولكن، سيصل بعد ذلك الماشيَّح العجائبي الخارق من نسل داود، والذي سيأتي بالخلاص. ويفسر الحاخامات تأخُّر وصول الماشيَّح بأنه ناتج عن الذنوب التي يرتكبها الشعب اليهودي، ولذا فإن عودته مرهونة بتوبتهم. وصورة المسيح في الفكر الديني المسيحي متأثرة بكل هذه التراكمات؛ فهو أيضاً مُرسَل من الإله، وهو ابن الإنسان وابن الإله، وهو يتعذب كثيراً بل يُصلَب ثم يقوم وسيُحرز أتباعه النصر. ولعل الفارق الأساسي بين الرؤية المشيحانية في اليهودية والرؤية المشيحانية في المسيحية هو أن المسيحية جعلت الحلول الإلهي في شخص بعينه (عيسى ابن مريم) وهو حلول مؤقت ونهائي وغير قابل للتكرار، على عكس الفكرة المشيحانية في اليهودية. كما أن الخلاص في الفكر المسيحي غير مرتبط بمصير أمة بعينها وإنما هو ذو أبعاد عالمية، فباب الهداية مفتوح للجميع. والنزعة المشيحانية يمكن أن تأخذ أشكالاً مختلفة، فهي باعتبارها تعبيراً عن الحلولية اليهودية (أي حلول الإله في مخلوقاته وتوحُّده معهم) تكتسب بُعداً مادياً قومياً شوفينياً متطرفاً (إذ كانت حلولية ثنائية صلبة) ، حيث إن وصول الماشيَّح يعني عودة الشعب المختار إلى صهيون، أو وصوله إلى أورشليم التي سيحكم منها الماشيَّح، قائد الشعب اليهودي، بل قائد شعوب الأرض قاطبة، فهنا هو خلاص لليهود وحدهم وسينتقم اليهود من أعدائهم شر انتقام، ويشغلون مكانتهم التي يستحقونها كشعب مقدَّس. ولكن ثمة صورة أخرى عالمية وغير قومية للعصر المشيحاني (تعبير عن الحلولية الكونية الشاملة السائلة) ، فهو حسب هذه الرؤية عصر يسود فيه السلام والوئام بين الأمم. وإذا كان الشعب اليهودي ذا مكانة خاصة، فإن هذا لا يستبعد الشعوب الأخرى من عملية الخلاص. وإذا كانت الرؤية الأولى تؤكد الفوارق الصلبة الصارمة بين اليهود والأغيار، فالرؤية الثانية تُلْغي الفوارق تماماً بحيث تنتج عن ذلك حالة سيولة كونية محيطية (تشبه حالة الطفل في الرحم قبل الولادة) ، ينتج عنها إسقاط الحدود تماماً وذوبان اليهود في بقية الشعوب. ويمكن أن تأخذ المشيحانية طابعاً ترخيصياً مارانياً (نسبة إلى يهود المارانو المتخفين) كما هي الحالة مع الشبتانية (نسبة إلى شبتاي تسفي) ، وكذلك الدونمه والفرانكية، فالماشيَّح وأتباعه كانوا يخرقون الشريعة ويسقطونها ويتمتعون بالحرية الناجمة عن ذلك ويمارسون الإحساس بما تبقَّى من هوية يهودية في الخفاء، ومن خلال أشكال أبعد ما تكون عن اليهودية. ولعل هذا يعود إلى أن اللحظة المشيحانية هي لحظة حلول الإله تماماً في الإنسان (الماشيَّح) ، فهي لحظة وحدة وجود ومن ثم لحظة شحوب كامل أو حتى موت للإله إذ يتحول إلى مادة بشرية. وإذا حدث ذلك، فإن شرائعه التي أرسل بها باعتباره الإله تموت وتسقط. وقد ارتبطت المشيحانية بالتعبير الفجائي وبمظاهر العنف الذي قد يأخذ شكل البعث العسكري أحياناً، كما هو الحال مع كلٍّ من أبى عيسى الأصفهاني، وداود الرائي، وديفيد رءوبيني، ويعقوب فرانك (والصهيونية في نهاية الأمر) . وثمة محاولة داخل اليهودية الحاخامية لتهدئة التطلعات المشيحانية المتفجرة، فركزت على الجانب الإلهي لعودة الماشيَّح، وعلى الماشيَّح من حيث هو أداة الإله في الخلاص. وبناءً على ذلك، أصبح من الواجب على اليهود انتظار عودة الماشيَّح في صبر وأناة. ويصبح من الكفر أن يحاول فرد أو جماعة التعجيل بالنهاية (دحيكات هاكتس) . وقد نجحت المؤسسة الحاخامية في ذلك إلى حد كبير، إلى أن انتشر يهود المارانو في أوربا، وبعض أجزاء الدولة العثمانية (وخصوصاً البلقان) . وقد كانت النزعة المشيحانية بينهم عميقة متجذرة، وانتشرت القبَّالاه اللوريانية بين أعضاء الجماعات بما تتضمنه من رؤى مشيحانية، وأصبح اليهودي مركز الكون. وأصبحت صلاته، وقيامه بأداء الأوامر والنواهي (متسفوت) بمنزلة مساهمة نشيطة فعالة من جانبه للتعجيل بمجيء الماشيَّح. وقد خلق هذا تربة خصبة لشبتاي تسفي والشبتانية. ومن المعروف أن المؤسسة الحاخامية بذلت قصارى جهدها عبر تاريخها للوقوف ضد كل هذه النزعات، ولكن أزمة اليهود واليهودية كانت قد وصلت إلى منتهاها. وقد ظهر بين أعضاء الجماعة اليهودية عدد من المشحاء الدجالين، نذكر من بينهم كلاًّ من: بركوخبا، وأبى عيسى الأصفهاني، ويودغان، وداود الرائي. أما في العصر الحديث في الغرب، فيمكن أن نذكر منهم: ديفيد رءوبيني وشبتاي تسفي وجوزيف فرانك. ويُلاحَظ أن النزعة المشيحانية في العصر الحديث، رغم جذورها السفاردية، قد انتشرت في شرق أوربا وفي الأجزاء الأوربية من الدولة العثمانية. وبعد البدايات السفاردية، أصبحت المشيحانية مقصورة على الأقليات الإشكنازية. فالفرانكية، والحسيدية، وأخيراً الصهيونية، هي حركات إشكنازية بالدرجة الأولي. ولعل هذا يعود إلى وجود الإشكناز في تربة مسيحية، فالمسيحية تُركِّز الحلول الإلهي في شخص واحد هو المسيح عيسى بن مريم، وهو ما تقوم به أيضاً الحركات المشيحانية إذ أنها تنقل الحلول الإلهي من الشعب اليهودي إلى شخص الماشيَّح الذي سيأتي بالخلاص. ومع ذلك، فيمكن القول بأن الرؤى المشيحانية إمكانية كامنة في جميع الحضارات ولا تفجرها سوى حركة التاريخ نفسه، وأن الانفجارات المشيحانية اليهودية المتكررة في العصر الحديث تعبير عن أزمة اليهود واليهودية. فالمجتمع الأوربي كان يتحرك بسرعة منذ عصر النهضة، حين بدأت البورجوازية بقيمها الدينامية في الظهور، في حين أن أعضاء الجماعات اليهودية في الجيتو كانوا غير قادرين على مواكبة التطور لأن المجتمع لم يساعدهم على ذلك، ولأن تقاليدهم الدينية الفكرية المعقدة جعلت التكيف أمراً عسيراً إن لم يكن مستحيلاً. وكلما كانت هامشية أعضاء الجماعات تتزايد، كان الاضطهاد الواقع عليهم يتزايد، وبازدياد الاضطهاد كانت التوقعات تزداد أيضاً وكذلك الانفجارات المشيحانية. ففي أوقات الضيق والبؤس، كانت الجماهير اليهودية التي تتحرك داخل إطار حلولي ساذج وبسيط تتذكر دائماً الرسول الذي سيبعثه إله الطبيعة والتاريخ، والذي سيأتي بكل المعجزات اللازمة لإصلاح أحوالهم. كما أن الماشيَّح الملك يشبع رغبة أعضاء الجماعات في تَملُّك زمام السلطة السياسية التي حُرموا منها. ويمكن القول بأن المشيحانية هي الثورة الشعبية اليهودية، ولذا كانت تجتذب الفقرّاء والعناصر التي تم استبعادها من النخبة. ولكنها، مع هذا، كانت ثورة حمقاء عاجزة عن إدراك الأسباب الحقيقية للأزمة، وبالتالي فهي عاجزة عن الإتيان بحلول. وهي بذلك تشبه نزعة معاداة اليهود بين أعضاء الطبقات الشعبية المسيحية، فهي الأخرى شكل من أشكال الثورة الشعبية العاجزة عن إدراك سبب إفقار الجماهير وآليات الاستغلال. ولذا، فبدلاً من أن تصل إلى لب المشكلة وتهاجم المستغل الحقيقي، كانت الجماهير الشعبية تنحرف عن هدفها وتهاجم الجماعات اليهودية لأنها كانت الأداة الواضحة المباشرة للاستغلال. ومن المهم التأكيد على أن للحركات المشيحانية سياقين: أحدهما محلي، والآخر دولي. كما يهمنا أن نؤكد على أن تلاقي السياقين هو عادةً ما كان يؤدي إلى الانفجار. أما العنصر المحلي فيتمثل كما أشرنا في تزايد بؤس اليهود، وأما العنصر الدولي فيتمثل في وجود لحظة مفصلية يتصور الماشيَّح المزعوم أنها الفرصة المواتية له (انتهاء العصر الأموي بالنسبة لأبي عيسى الأصفهاني، والتطلعات البابوية لتجديد حروب الفرنجة بالنسبة لداود الرائي، وبدايات الاستعمار الغربي وأول هزيمة للعثمانيين بالنسبة إلى شبتاي تسفي) . وتتميَّز المشيحانية بأنها صيغة هلامية لا يمكن أن تُهزَم. فإذا ظهر ماشيَّح، فإن ظهوره علامة على صدق الرؤية المشيحانية، وإذا لم يظهر فإن الواجب هو الانتظار. أما إذا ظهر الماشيَّح وانتصر في المراحل الأولى، فهذا علامة على صدقه. وإذا انهزم فهزيمته نفسها تعد علامة صدقه، فهو يتعذب من أجل شعبه. وإذا أخذت الهزيمة شكل ارتداد عن اليهودية، فإن هذا (حسب التصورات المشيحانية) من باب التمويه والتقية. كما أنه، باعتباره الماشيَّح، عليه أن ينزل إلى عالم الشر ذاته لمواجهته (ومن هنا ارتداده عن اليهودية) . كما أنه إذا قُتل أو مات، فإن أتباعه عادةً ما يؤمنون بأنه لم يمت أو يُقتَل وإنما اختفى وسيعود. وتكون جماعة التابعين المنتظرين، شيعة أو فريقاً دينياً مستقلاً عن المؤسسة الحاخامية، تدور عقائدها حول أفكار الماشيَّح، وتدور ممارساتها حول انتظاره. وهذا هو، في الواقع، النمط الكامن في معظم الحركات المشيحانية (اليهودية وغير اليهودية) التي عادةً ما تنتهي بالإخفاق، فيدفع المؤمنون بها الثمن غالياً. ويُلاحَظ زيادة حدة النزعة المشيحانية في العصر الحديث في الغرب، ابتداءً من القرن السابع عشر، وهو بداية المشروع الاستعماري الغربي وتزايد علمنة الحضارة الغربية، بكل ما يطرحه ذلك من إمكانات أمام الإنسان الغربي لحل مشاكله عن طريق تصديرها وعن طريق غزو العالم. كما شهدت هذه الفترة تصاعد التفكير الصهيوني (الألفي) في الأوساط البروتستانتية التجارية. وقد ظلت هذه النزعة المشيحانية كامنةً بعد فشل محاولات شبتاي تسفي وجيكوب فرانك، إلى أن ظهرت الصهيونية. ويمكن القول بأن الحركة الحسيدية هي أيضاً حركة مشيحانية دون ماشيَّح أو حركة مشيحانية مبعثرة بحيث تشتت الحلول الإلهي في عدد كبير من الأولياء الذين يُسمَّون «تساديك» وكان كل واحد منهم يجسد قدراً من الحلول الإلهي ويلتف حوله عدد كبير من التابعين. ولا يعرف اليهود القرّاءون عقيدة الماشيَّح، وربما يرجع ذلك إلى تأثير الإسلام، وقد حذروا أتباعهم من أولئك الذين يتنبأون بظهور الماشيَّح. أما موسى بن ميمون فإنه، برغم إيمانه بأن السلام سيعم المجتمع بمقدم الماشيَّح، أكد أن الطبيعة لن تغيِّر قوانينها، كما شكَّك في مدعي المشيحانية في أيامه وحذَّر منهم. وفي العصر الحديث، يؤمن اليهودالأرثوذكس بالعودة الشخصية للماشيَّح، على عكس اليهودية الإصلاحية التي ترفض هذه الفكرة وتُحلّ محلها فكرة العصر المشيحاني، أي مشيحانية بدون ماشيَّح، وهذا تعبير عن الحلولية بدون إله. والصهيونية، بمعنى من المعاني، عقيدة مشيحانية. ويمكن القول بأن السياق المحلي للحركة المشيحانية الصهيونية هو تزايد بؤس يهود شرق أوربا، وخصوصاً بعد تَعثُّر التحديث. أما سياقها الدولي، فهو ضعف الدولة العثمانية، وتزايد حدة الهجمة الإمبريالية الغربية على الشرق. والكتابات الصهيونية تزخر بإشارات إلى العودة، والعصر المشيحاني الذهبي، والماشيَّح. وفي يوميات هرتزل، نجد أن جزءاً من أوهامه عن نفسه يأخذ طابعاً مشيحانياً. وإذا كان بعض الصهاينة لا يؤمنون بعودة الماشيَّح شخصياً، فإنهم جميعاً يؤمنون بفكرة العصر المشيحاني أو «سبت التاريخ» على حد قول هس، أو «نهاية التاريخ» ، وهي فكرة لا تختلف كثيراً عن التصورات الدينية التقليدية، إلا في استبعاد شخصية الماشيَّح نفسه، أي أنها مشيحانية بدون ماشيَّح (نابعة من حلولية بدون إله) . وباستبعاد شخصية الماشيَّح أصبح من الممكن أن يتحالف المؤمنون والملحدون، وأصبح من الممكن أن تظهر مشيحانية لا دينية، أي محاولة استرجاع العصر المشيحاني الذهبي في فلسطين عن طريق التكنولوجيا والعنف والوسائل اللادينية كافة، دونما انتظار مقدم أي مبعوث إلهي، ولكن المشيحانية الملحدة لا تختلف كثيراً عن التصور اليهودي للقضية في صورته الدنيوية الأولى التي وصفناها آنفاً. وتحافظ الصهيونية على المشاعر والتوقعات المشيحانية بين أعضاء الجماعات بتصعيد إحساسهم بالاضطهاد وبعدم الانتماء لبلادهم، حتى يفقدوا صلتهم بالزمان والمكان ويتجهوا إلى إسرائيل. ومن يدرس التجارب التاريخية لأعضاء الجماعات يعرف أنه لم يحدث قط أن تمكنت أية حركة مشيحانية من السيطرة على يهود العالم جميعاً، وذلك بسبب عدم ترابطهم. ولذلك، فإن إخفاق أية حركة مشيحانية، وتحوُّل أتباعها عن اليهودية في أية منطقة، لم تكن تَنتُج عنه هزة شاملة لليهودية في كل البلاد الأخرى. أما في العصر الحديث، فقد حدث لأول مرة أن تمكنت حركة مشيحانية مثل الصهيونية من الوصول إلى يهود العالم تقريباً. وحركة جوش إيمونيم حركة مشيحانية في كثير من جوانبها؛ في توقعاتها وخطابها ورموزها. ويمكن القول بأن حدة التفكير الثوري والعدمي عند بعض المفكرين اليهود أو مفكرين من أصل يهودي في العصر الحديث (إسبينوزا برؤيته لعالم هندسي مادي مصمت، وماركس برؤيته لعالم شيوعي خال من الجدل، ودريدا برؤيته لعالم يسوده اللامعنى) قد يكون نتيجة التراث المشيحاني. كما يمكن القول بأن ثوريتهم وعدميتهم ورفضهم الكامل للحدود التاريخية والبشرية تعبير عن حالة متطرفة من المشيحانية بدون ماشيَّح، وعن رغبة طفولية في اختزال العالم إلى عنصر أو اثنين والعودة إلى حالة السيولة الكونية (الرحمية) التي تسم الفكر المشيحاني. أبو عيسى الأصفهاني (القرن الثامن الميلادي) Abu-Issa Al-Asfahani اسمه الحقيقي إسحق بن يعقوب، وهو من مواليد أصفهان. ويُعتبَر أبو عيسى مؤسس فرقة يهودية في فارس، وهي أولى الفرق بعد هدم الهيكل الثاني. وحسبما ورد عند المؤرخ القرّائي (القرقساني) ، كان أبو عيسى خياطاً أمياً عاش في زمن الخليفة عبد الملك بن مروان (865 ـ 705) ، بينما يذهب الشهرستاني إلى أنه عاش في الفترة بين حكم الخليفة الأموي مروان بن محمد (744 ـ 750) والخليفة العباسي المنصور (754 ـ 775) ، ويبدو أن هذا التاريخ الأخير أكثر دقة، فقد كانت هذه الفترة فترة انتقال شهدت سقوط الدولة الأموية وظهور الدولة العباسية، وعادةً ما كانت الحمى المشيحانية تتصاعد بين اليهود (والأقليات بشكل عام) في مثل هذه الفترات. وفي عام 755، أعلن أبو عيسى أنه الماشيَّح الذي سيحرِّر اليهود من الأغيار، وأن هناك خمسة أنبياء (من بينهم موسى وعيسى عليهما السلام، ومحمد صلوات الله وسلامه عليه) سبقوا ظهور الماشيَّح، وأنه هو خاتم المرسلين. وقد قيل إنه لم يعلن أنه الماشيَّح نفسه، وإنما المبشر به، أي الماشيَّح ابن يوسف الذي يُمهِّد لظهور الماشيَّح الحقيقي (الماشيَّح ابن داود) . وقاد بهذه الصفة، ثورة ضد الحكم العباسي. ويُلاحَظ أن ثورة أبى عيسى الأصفهاني، رغم اعتدالها، كانت أولى الثورات ضد المؤسسة الحاخامية، ومن ثم تُعَدُّ ثورته أولى الثورات المعادية للتلمود. وقد أدخل بعض التعديلات على الشعائر، فجعل الصلوات سبعاً بدلاً من ثلاث، ومنع الطلاق (متأثراً بالمسيحية) ، ومنع أكل اللحم، وشرب الخمر، والنواح بسبب هدم الهيكل. لكن أتباع الأصفهاني لم يَجر طردهم من حظيرة الدين اليهودي. قاد الأصفهاني تمرداً ضد الحكم الإسلامي، وانضم له العديد من يهود فارس، لكن هذا التمرد تم إخماده بعد عدة سنوات وقُتل أبو عيسى. لكن أتباعه، كما هي العادة، أعلنوا أنه لم يقتل وإنما دخل كهفاً واختفى. كما تداولوا بعض القصص عن المعجزات التي أتى بها، من بينها أنه ضرب المسلمين ضربة قوية وأنه انضم لأبناء موسى في الصحراء ليطلق نبوءاته. وقد تأسست من بعده فرقة العيسوية التي ظلت قائمة حتى حوالي عام 930. ويُقال إن يودغان وعنان بن داود (مؤسسي المذهب القرّائي) تأثرا برؤية أبى عيسى وبأفكاره. يودغان (القرن الثامن الميلادي) Yudghan يُقال إن كلمة «يودغان» صيغة فارسية لكلمة «يهودا» . ويودغان هو مؤسس «اليودغانية» وهي فرقة يهودية، وقد عاش في أصفهان (وربما في حمدان) ، في النصف الأول من القرن الثامن. وجاء في القرقشاني أن يودغان ظهر بعد أبى عيسى الأصفهاني (ويُقال إنه تلميذه) ، وكان أتباعه يسمونه «الراعي» . وقد ادعى يودغان النبوة، كما ادعى أنه الماشيَّح. وهو يشبه أبا عيسى في كثير من عقائده، فقد قدَّم تفسيراً باطنياً للعهد القديم، وخصوصاً النصوص التي تخلع على الإله صفة إنسانية، ونادى بأن الإنسان مخيَّر لا مسيَّر، وقد اعترف يودغان برسالة كلٍّ من عيسى (عليه السلام) ومحمد (صلى الله عليه وسلم) ، وحرَّم أكل اللحم وفرض شعيرة الصيام. وكان يودغان يذهب إلى أن شعائر السبت والأعياد ليست ملزمة لليهود، فهي مجرد تذكرة لهم بالماضي. ويُقال إن عنان بن داود مؤسس المذهب القرّائي تأثر بأفكار يودغان. داود الرائي (القرن الثاني عشر) David Alroy هو داود بن سليمان، ويُدعى أيضاً داود الرائي (أو الروحي) . سمَّى هو نفسه مناحِّم، أي «المواسِّي» ، وهو أحد الألقاب التي كانت تُطلَق على الماشيَّح. وقد قيل إن كلمة «الروحي» أو «الرائي» تصحيف لكلمة «الدوحي» ، وهو اسم اسرته بالعربية. وهو من مواليد مدينة آمد في إقليم كردستان سنه 1135، درس التوراة والمدراش والمشناه، كما أتقن علوم العرب التي كانت مزدهرة آنذاك وتعلَّم فنون السحر والتصوف اليهودية. وفي شمال شرق القوقاز، بدأت دعوته المشيحانية بين يهود الجبال، وذلك بعد هجوم قبائل الكبشاك (من شعوب الإستبس المقيمين حول البحر الأسود) وهو الهجوم الذي ألحق البؤس الشديد بأعضاء الجماعة اليهودية. ويبدو أن هجمات الفرنجة على فلسطين، والفوضى في العالم العربي، طرحت إمكانات العودة وتحرير القدس في مخيلة أعضاء الجماعة. بدأت الحركة على يد سليمان (أبي داود) الذي أعلن أنه إليا المبشَّر به. وقد أخذ داود الرائي في نشر دعوته بين يهود بغداد والموصل والمناطق المحيطة، وتَجمَّعت حوله أعداد كبيرة من يهود أذربيجان. وبعد أن انكسرت قواته، حاول نقل مركز حركته إلى آمد (في جبال كردستان) على الطريق الإستراتيجي الموصل بين مملكة الخزر اليهودية التركية (ولعل شيئاً من ذكراها كان لا يزال عالقاً بذهنه أو وجدانه) والممالك الصليبية. وقد انتشرت حوله الشائعات، فأُشيع أنه أودع السجن ولكنه فرَّ منه بسحره. وقد دعا الرائي يهود أذربيجان وفارس والموصل إلى أن يأتوا إلى آمد مخبئين أسلحتهم، ليشهدوا كيف سيستولي على المدينة. ويبدو أن بعض المحتالين زيفوا خطاباً باسمه، وعد فيه يهود بغداد بأنه سينقلهم إلى القدس ليلاً على أجنحة الملائكة، وصدق كثيرون ما جاء في الخطاب. فانتظروا وصول الماشيَّح طوال الليلة الموعودة، وفي الصباح أصبحوا أضحوكة الجميع. ومما يجدر ذكره، أن المؤسسة الحاخامية، كعادتها، وقفت ضد هذه الدعوى المشيحانية وحاولت رد داود الرائي عن عزمه دون جدوى. وفي نهاية الأمر، قتله والد زوجته بعد أن تقاضى مكافأة من حاكم المدينة. وبعد مقتله، تحوَّل إلى أسطورة حافلة بالخوارق والمعجزات الخرافية. وقد بقى المؤمنون من يهود أذربيجان ينتظرون عودته، وكانت فرقتهم تُسمَّى «النحمانيين» . وقد كتب دزرائيلي رواية خيالية تدور أحداثها حوله. ديفيد رءوبيني (؟ -1535) David Reuveni مغامر ذو تطلعات مشيحانية. والمصدر الأساسي لمعرفة هويته الحقيقية مذكراته وبعض خطاباته. كان ديفيد رءوبيني يدَّعي أنه ابن لملك يُدعى سليمان، وأخ لملك يُدعى يوسف يحكم قبائل رءوبين وجاد، وكذلك نصف قبائل منَسَّى في خيبر بالقرب من المدينة المنورة، ومن هنا كان اسمه «الرءوبيني» . وقد كانت رواياته عن أهله متضاربة، فقد ذكر في مناسبة أخرى أنه من نسل قبيلة يهودا وأنه رسول من ملك يُدعى يوسف. وانتقل من بلد إلى آخر، حتى وصل إلى روما راكباً فرسه الأبيض (إحدى علامات الماشيَّح) . وذهب إلى البابا كليمنت السابع عام 1524، وأخبره بأن أخاه لديه ثلاثمائة ألف جندي مدربين على الحرب، ولكنهم لسوء الحظ ينقصهم السلاح، وطلب إلى البابا تزويدهم بما ينقصهم حتى يمكنهم طرد المسلمين من فلسطين. وقد استقبله البابا استقبَّالاً حسناً (فقد كان رءوبيني يخبره أن رؤيته بالنسبة له كانت مثل رؤية الإله) . وقد التف يهود روما من حوله، واكتتبوا ببعض الأموال له، حتى يعيش على مستوى يليق بمقام سفير ملك اليهود. وقد نجح رءوبيني في مقابلة ملك البرتغال عام 1525، وفي التأثير فيه، حتى إنه أوقف محاكمات يهود المارانو الذين أحرز رءوبيني شعبية واسعة بينهم، وكان من بينهم ديوجو بيريس الذي أخذه الحماس فتهود وتختن وغيَّر اسمه إلى سولومون ملكو وتبع رءوبيني وكانت له هو الآخر تطلعات مشيحانية. وقد طلب الاثنان (رءوبيني ومولوخو) من إمبراطور الإمبراطورية الرومانية المقدَّسة تشارلز الخامس تسليح المارانو ليحاربوا ضد المسلمين. ولكن نظراً لانشغال الإمبراطور بأمور عظمى (تهديد البروتستانتية لحكمه من الداخل والعثمانيين من الخارج) لم يكن عنده متسع من الوقت فقبض عليهما وأحرق أحدهما لخروجه على المسيحية وأودع الآخر السجن في إسبانيا حيث مات مسموماً. ولحياة رءوبيني دلالة عميقة، إذ يبدو أنه كان يرى أن مهمته تمهد للعصر المشيحاني، وربما إلى عودة الماشيَّح، وبالتالي يمكن أن نعده قائد أولى الحركات ذات الطابع المشيحاني، والتي ظهرت تعبيراً عن ضائقة أعضاء الجماعات اليهودية وبداية أزمة اليهودية نفسها في الغرب. كما يمكننا أن نرى في سيرة حياة رءوبيني ملامح من الحل الصهيوني للمسألة اليهودية. فرغم استفادته من التطلعات المشيحانية لدى اليهود، لم يَدَّع أنه نبي أو ماشيَّح، بل حاول أن يقدم برنامجاً سياسياً واقعياً عملياً، وأن يقدم نفسه كقائد عسكري، ويُلاحَظ أيضاً أنه أكد الفائدة العسكرية لليهود. وهذا ما حاولت الصهيونية إنجازه، فقد قدمت نفسها هي الأخرى باعتبارها الحل السياسي العسكري الواقعي للمسألة اليهودية. وقد علمنت الصهيونية التطلعات المشيحانية، وحولتها إلى حركة استيطانية. وقد أدرك رءوبيني إمكانية الاستفادة من التطلعات العسكرية لأوربا نحو الشرق، ومن الصراعات الداخلية فيها. فقد كان يعلم أن البابا يود تعزيز سلطته الدنيوية، وأن قيام حملة صليبية (على حد تعبيره) تحت رعايته لابد أن تنجز مثل هذا الهدف. وقد قدَّم هو حملته اليهودية على أنها تفي بهذا الغرض. والصهيونية دائمة الاستفادة من الصراعات داخل العالم الغربي، ومن التطلعات الاستعمارية للغرب. والواقع أن الحل الصهيوني ومخطط رءوبيني متماثلان، فكلاهما مبني على التحالف بين أعضاء الجماعات والغرب لتهجير اليهود وإعادة توطينهم في الشرق، وبذلك تتخلص أوربا منهم، وفي الوقت نفسه تفتح أجزاء من العالم المتخلف للنفوذ الغربي، أي أن حل رءوبيني شبه المشيحاني هو الحل الصهيوني الاستعماري. ومن الأمور الأخرى التي تثيرها حياة رءوبيني أن الدعوة الاسترجاعية والألفية كانت أمراً منتشراً في أوربا بأسرها ليس بين أعضاء الجماعات اليهودية وحسب، وإنما بين أعضاء النخبة الحاكمة الدينية والسياسية. فنجد أن شخصية أساسية مثل البابا يستقبل رءوبيني وتابعه ويبسط عليهما حمايته (رغم تحريم المسيحية الكاثوليكية للعقيدة الألفية وحربها ضدها) . كما نجد أن ملك البرتغال هو الآخر يسلك السلوك نفسه. ولا شك في أن انتشار الأحلام الاسترجاعية نتيجة متوقعة لظهور الرؤية الإمبريالية الغربية. سولومون ملكو (1500-1532) Solomon Molcho اسمه الحقيقي هو ديوجو بيريس. وهو يهودي من المارانو، تلقَّى تعليماً علمانياً وعُيِّن سكرتيراً لملك البرتغال. قابل الماشيَّح الدجال ديفيد رءوبيني في لشبونة عام 1525. وتَملَّكه الحماس فتختن وأعلن يهوديته وسمَّى نفسه ملكو، ربما من الكلمة العبرية «ميليك» أي «ملك» ، ومن ثم فإن اسمه يعني «سليمان الملك» . فرَّ مع رءوبيني واستقر بعض الوقت في سالونيكا (عاصمة المارانو) حيث درس القبَّالاه، ونشر كتابه الدراشوت «المواعظ» (1529) وهي مواعظ مليئة بالادعاءات المشيحانية. وحينما نُهبت روما عام 1527 على يد تشارلز الخامس رأى علامات على مقدم النهاية والخلاص وعاد إلى إيطاليا عام 1529، وقد جذبت مواعظه عديداً من الناس، ومنهم المسيحيون. ولكن أحد المارانو وشى به، قائلاً إن ملكو كان مسيحياً أبطن اليهودية ثم أظهرها حينما سنحت الفرصة، وهو الأمر الذي كانت محاكم التفتيش لا تسمح به، ولذا اضطر إلى الفرار من روما. وحتى يؤكد أنه الماشيَّح، وكي ينفذ إحدى النبوءات الخاصة بالماشيَّح، ارتدى ملكو ملابس الشحاذين وجلس لمدة ثلاثين يوماً مع المرضى والشحاذين والعجزة على كوبري على نهر التيبر في روما. وقد نجح ملكو في كسب ثقة البابا كلمنت السابع الذي منحه الحماية عام 1530، وخصوصاً أنه كان قد تنبأ بوقوع فيضان في روما وزلزال في البرتغال وتحققت نبوءاته. ثم وشى به أحد الوشاة مرة أخرى لمحاكم التفتيش فحُكم عليه بالحرق، ولكن البابا تَدخَّل شخصياً وحُرق رجل آخر مكانه، وعندئذ ذهب إلى شمال إيطاليا حيث قابل رءوبيني عام 1532 وذهبا معاً إلى تشارلز الخامس (إمبراطور الإمبراطورية الرومانية المقدَّسة) ليقنعاه بتجنيد جيش من يهود المارانو للحرب ضد الدولة العثمانية، ولكنه سلمهما لمحاكم التفتيش التي حكمت بحرقه ونفذت فيه حكم الإعدام. شبتاي تسفي (1626 – 1676) Shabettai Tzevi ماشيَّح دجال. وُلد في أزمير لأب إشكنازي يشتغل بالتجارة، وكان إخوته أيضاً من التجار الناجحين. وقد تلقَّى تسفي تعليماً دينياً تقليدياً، فدرس التوراة والتلمود، ولكنه استغرق في دراسة القبَّالاه وخصوصاً القبَّالاه اللوريانية بنزوعها الغنوصي. وتتزامن الفترة التي وُلد ونشأ فيها تسفي مع بداية تعاظم نفوذ الرأسمالية البريطانية والهولندية (البروتستانتية) ، وبدايات مشروعهما الاستعماري العالمي، وبداية حلولهما محل المشروع الاستعماري الإسباني والبرتغالي (الكاثوليكي) . كان أبوه مندوباً لشركتين تجاريتين: إحداهما بريطانية والأخرى هولندية. وقد شهد عام 1648 حدثين من أخطر الأحداث في تاريخ الجماعات اليهودية في الغرب: أولهما انتهاء حرب الثلاثين عاماً (1618 ـ 1648) ، وهي حرب استفاد منها أعضاء النخبة من يهود البلاط، وعانت منها الجماهير اليهودية أيما معاناة. وبرغم استفادة أثرياء اليهود، فإن نهاية الحرب نفسها كانت بداية تدهور الشبكة التجارية اليهودية العالمية، وتَدنِّي وضع النخبة اليهودية بسبب تصاعد عملية تَركُّز السلطة في يد الدولة القومية المركزية الذي أدَّى إلى الاستغناء عن اليهود كجماعة وظيفية. أما الحدث الثاني، فهو انتفاضة فلاحي أوكرانيا والقوزاق تحت قيادة شميلنكي (1648) التي هزت قواعد التجمع اليهودي في بولندا، أكبر تجمُّع يهودي في العالم آنذاك. وكان مجلس البلاد الأربعة أهم مؤسسة يهودية تتمتع بشرعية لم تحققها مؤسسة يهودية أخرى منذ زمن بعيد. وقد كان لهذه الانتفاضة أعمق الأثر في يهود العالم كافة. ومن الطريف أن كتاب الزوهار، حسب بعض التفسيرات، كان قد تنبأ بوصول الماشيَّح عام 1648، وقد أعقب ذلك كله حروب عام 1655 (بين روسيا والسويد) في مناطق تَركُّز اليهود في بولندا، ثم هجمات القوزاق الهايدماك. وتُعرَف هذه الفترة من تاريخ بولندا باسم «الطوفان» . وشهدت هذه الفترة إرهاصات الفكر الصهيوني بين المسيحيين في إنجلترا، وبداية الاهتمام باليهود، واسترجاعهم كشرط أساسي للخلاص. وكانت هناك نبوءة تسري في الأوساط المسيحية (البروتستانتية الصهيونية في إنجلترا وبعض فرق المنشقين المسيحيين في روسيا) بأن عام 1666 هو بداية العصر الألفي الذي سيتحقق فيه استرجاع اليهود لفلسطين. ولا شك في أن مثل هذه النبوءات الاسترجاعية ذات علاقة قوية بالجو الاستعماري والاستيطاني النشيط في تلك المرحلة. وقد تزايد في تلك الفترة أيضاً نشاط محاكم التفتيش في إسبانيا والبرتغال، وظهر الإصلاح المضاد في إيطاليا بنزعته المعادية لليهود. وفي هذا الجو من الإحباط والثورات والتردي الحضاري والاقتصادي، حققت القبَّالاه اللوريانية انتشاراً غير عادي (يرى جيرشوم شوليم أن الفترة بين عامي 1630 و1640 هي التي حققت فيها القبَّالاه اللوريانية الهيمنة الكاملة التي جعلت اليهود مركزاً لعملية الخلاص الكونية، وإن كان شبتاي قد عدَّل هذه الصياغة بحيث يتم الخلاص من خلال شخصية الماشيَّح، أي أنه جعل شخص الماشيَّح مركز الحلول الإلهي بدلاً من الجماعة اليهودية) . ومن العوامل الأخرى الأساسية التي هيأت الجو للانفجار المشيحاني انتشار يهود المارانو في كثير من موانئ البحر الأبيض المتوسط والمدن التجارية، فقد كانوا يحملون فكراً قبَّالياً، كما أنهم كانوا يعانون من الضيق بعد أن شهدوا أيامهم الذهبية في الأندلس وإسبانيا المسيحية، وكانوا يعيشون أيضاً خارج نطاق السلطة وبعيداً عن مراكز صُنع القرّار، الأمر الذي جعل من العسير عليهم تَقبُّل الوضع القائم. وفي الواقع، فإن كل هذا قد هيأ الجو لتصاعُد الحمى المشيحانية، وقامت أعداد كبيرة من اليهود بالإعداد لوصول الماشيَّح، وبدأت الإشاعات تنتشر عن جيش يهودي جرار يجرى إعداده في الجزيرة العربية ليخرج منها ويفتح فلسطين. في هذا المناخ، ظهر شبتاي تسفي. ويبدو أن حياته النفسية لم تكن سوية، مثله مثل حياة جيكوب فرانك الماشيَّح الدجال الذي جاء بعده، فقد كان محباً للعزلة، كثير الاغتسال والتعطر، حتى أن أصدقاءه الشبان كانوا يعرفونه برائحته الزكية. وكان يظهر عليه ما يُسمَّى في علم النفس بالسيكلوثاميا، وهي حالة نشاط وهيجان بالغين يعقبهما انقباض وقنوط، وقد صاحبته هذه الحالة حتى الأيام الأخيرة من حياته. وكثيراً ما كان شبتاي يتغنى بالأشعار وينشد المزامير في حالة نشاطه. وحيث إنه تلقى تعليماً دينياً تلمودياً كاملاً، فلم يتهمه أحداً قط بالجهل. وتزوج شبتاي فتاة بولندية يهودية حسناء تُدعى سارة تربت في أحد الأديرة الكاثوليكية أو ربما في منزل أحد النبلاء البولنديين إذ يبدو أن أباها كان من يهود الأرندا، أي وكيلاً مالياً للنبيل في منطقة أوكرانيا، ويبدو أنها كانت سيئة السمعة من الناحية الأخلاقية، وهناك من يقول إنها كانت عاهرة وكانت تدَّعي أنها لن تتزوج إلا الماشيَّح ولذا فإن الإله قد أعطاها رخصة أن تعاشر من تشاء جنسياً إلى أن يظهر الماشيَّح ويعقد قرّانه عليها. وحينما نشبت انتفاضة شميلنكي التي اكتسحت الإقطاع البولندي في أوكرانيا، كما اكتسحت وكلاء النبلاء الإقطاعيين، كان أبواها من ضحاياها. وقد قابل تسفي سارة في القاهرة، أو ربما سمع عنها، فأرسل إليها وتزوجها. وقام تسفي بخرق الشريعة عامداً عام 1648، فأعلن أنه الماشيَّح، ونطق باسم يهوه (الأمر الذي تحرمه الشريعة اليهودية) ، وأعلن بطلان سائر النواميس والشريعة المكتوبة والشفوية. ولتأكيد مشيحانيته، طلب أن تُزَفَّ التوراة إليه، فهي عروس الإله. وقد رفض الحاخامات الاعتراف به، فطُرد من أزمير. وقد تنقَّل تسفي في الأعوام العشرة التالية في مدن اليونان، فذهب إلى سالونيكا وغيرها، وقضى بضعة أشهر في إستنبول. وقام بخرق الشريعة مرة أخرى في هاتين المدينتين، إذ نَظَّم أدعية أو ابتهالات تتلى في الصلوات للإله ليحلل ما حرَّم. وحينما زار القاهرة، انضم إلى حلقة من دارسي القبَّالاه كان من أعضائها رئيس الجماعة اليهودية، روفائيل يوسف جلبي، مدير خزانة الدولة. ثم رحل إلى فلسطين عام 1662. وقد بشَّر به اليهودي الإشكنازي نيثان الغزاوي عام 1664، على أنه الماشيَّح الصادق الموعود، وأنه ليس مجرد المسيح ابن يوسف، وإنما هو المسيح بن داود نفسه. وأعلن نيثان أنه هو نفسه النبي المرسل من هذا الماشيَّح، وكتب عدة رسائل لأعضاء الجماعات اليهودية يخبرهم فيها بمقدم الماشيَّح الذي سيجمع الشرارات الإلهية التي تبعثرت أثناء عملية الخلق، والذي سيستولى على العرش العثماني ويخلع السلطان (وهذه من الأفكار الأساسية للقبَّالاه اللوريانية) . وقد دخل شبتاي القدس في مايو عام 1665، وأعلن أنه المتصرف الوحيد في مصير العالم كله، وركب فرساً (كما هو متوقع من الماشيَّح) وطاف مدينة القدس سبع مرات هو وأتباعه، وقد عارضه الحاخامات وأخرجوه من المدينة. ولكن تسفي أعلن عام 1666 أنه سيذهب إلى تركيا ويخلع السلطان. وقد زاد ذلك حدة التوقعات المشيحانية بين يهود أوربا وزاد حماسهم. وقد وصلت الأنباء إلى لندن وأمستردام وهامبورج. وصارت الجماهير اليهودية تحمل بيارق الماشيَّح في بولندا وروسيا. ومما يجدر ذكره أن أهم مؤسسة يهودية في العالم آنذاك، وهي مجلس البلاد الأربعة، اكتسحتها الحمى المشيحانية فأرسلت مندوبين عنها للحديث معه والاعتراف به (ولم تُصدر هذه المؤسسة قرّاراً بطرده إلا عام 1670 بعد تردُّد طويل) . بل إن بعض الأوساط المسيحية بدأت تؤمن بأن تسفي سيُتوَّج ملكاً على فلسطين. وحينما حاول حاخامات أمستردام الاعتراض على رسائل تسفي وما جاء فيها، كادت الجماهير تفتك بهم. ولقد باع بعض الأثرياء كل ما يملكونه استعداداً للعودة، واستأجروا سفناً لتنقل الفقرّاء إلى فلسطين، واعتقد البعض الآخر أنهم سيُحمَلون إلى القدس على السحاب. وسيطرت الهستريا على الجماهير، فكان أتباعه يُغشَى عليهم ويرونه في رؤاهم ملكاً متوجاً. وانقسم كثير من الجماعات اليهودية بصورة حادة. وقد سمى الحاخامات أتباع تسفي بأنهم الكفار (بالعبرية: كوفريم) . ولكن تسفي تمادى في دوره، وبدأ في توزيع الممالك على أتباعه، وألغى الدعاء للخليفة العثماني الذي كان يُتلى في المعبد اليهودي، ووضع بدلاً من ذلك الدعاء له هو نفسه كملك على اليهود ومخلِّص لهم. وأخذ تسفي يضفي على نفسه ألقاباً يوقع بها رسائله. ومن هذه الألقاب: «ابن الإله البكر» و «أبوكم يسرائيل» و «أنا الرب إلهكم شبتاي تسفي» . وتوجَّه تسفي إلى إستنبول في فبراير عام 1666 حيث أُلقي القبض عليه. ويبدو أن السلطات العثمانية التي اعتادت عدم التجانس الديني في الإمبراطورية الشاسعة، لم تكن تريد أية مواجهات مع أتباعه، ولذلك تم سجنه في قلعة جاليبولي المخصصة للشخصيات المهمة. وقد تحوَّل السجن بالتدريج إلى بلاط ملكي لشبتاي تسفي (فكان يحتفظ بعدد كبير من الحريم، ومع هذا كانت له تصرفات تنم عن ميول نحو الشذوذ الجنسي، أي أنه كان مخنثاً) . وكان الحجاج يأتونه من كل بقاع الأرض، وكُتبت الأناشيد الدينية تسبيحاً بحمده، وأُعلنت أعياد جديدة وطقوس جديدة. فألغى صيام اليوم السابع عشر من تموز من التقويم اليهودي، كما ألغى صيام التاسع من آب وجعله عيداً لميلاده. وقد أعلن نيثان أن التغييرات الحادة التي تطرأ على مزاج الماشيَّح تعبير عن الصراع الدائر داخل نفسه بين قوى الخير والشر. وفي سبتمبر من ذلك العام، جاء الحاخام القبَّالي نحميا (من بولندا) لزيارة شبتاي، وقضى ثلاثة أيام في الحديث معه رفض بعدها دعواه بأنه الماشيَّح، بل أخبر السلطات التركية بأنه يحرض على الفتنة، فقُدِّم للمحاكمة وخُيِّر بين الموت أو أن يعتنق الإسلام، فأشهر إسلامه وتعلَّم العربية والتركية ودرس القرآن. وأسلمت زوجته من بعده، ثم حذا حذوه كثير من أتباعه الذين أصبح يُطلَق عليهم اسم «دونمه» . ولكنه، مع هذا، لم يقطع الأمل في أن يستمر في قيادة حركته، وظل كثير من أتباعه على إيمانهم به، لأن الماشيَّح في التصور القبَّالي «سيكون خَيِّراً من داخله، شريراً من خارجه» ، وهذه مواصفات تنطبق على تسفي تمام الانطباق. ويتضح هنا تأثر تسفي بتفكير يهود المارانو بشأن ضرورة أن يُظهر المرء غير ما يُبطن. وقد نقل العثمانيون تسفي في نهاية الأمر إلى ألبانيا حيث مات بوباء الكوليرا عام 1676. وظهور شبتاي تسفي تعبير عن الأزمة العميقة التي كانت تخوضها اليهودية الحاخامية بسبب تَآكُل العالم الوسيط في الغرب بل ونهايته، وهو العالم الذي نشأت فيه اليهودية الحاخامية التي فشلت في التعامل مع العالم الجديد. ويشبه شبتاي تسفي في هذا معاصره إسبينوزا، فكلاهما تعبير عن أزمة واحدة، وكلاهما تَحدَّى الشريعة (هالاخاه) وطرح رؤية ذات جوهر علماني تركِّز على هذا العالم المادي. وبينما تحداها تسفي من الداخل، تحداها إسبينوزا من الخارج. وكلاهما كان يؤمن بنسق حلولي يَصدُر عن رؤية حلولية كونية واحدية (أخذت طابعاً دينياً عند تسفي وطابعاً فلسفياً لا دينياً عند إسبينوزا) . ويمكن القول بأن تسفي يمثل وحدة الوجود الروحية، أي أن يحل الإله في الطبيعة والتاريخ ويظل محتفظاً باسم الألوهية، أما إسبينوزا فيمثل مرحلة وحدة الوجود المادية، حيث يصبح الإله هو قوانين الحركة، ولكنه مع هذا كان من الدهاء بحيث أبقى اسم الإله ولكنه قال إن الإله هو الطبيعة. ولذا يُشار إلى إله إسبينوزا بأنه الإله/الطبيعة. وتُعتبَر حركة شبتاي تسفي أهم الحركات المشيحانية على الإطلاق، فقد هزت اليهودية الحاخامية من جذورها، حتى لم تقم لها قائمة بعد ذلك. وانتشر أتباع تسفي في كل مكان، وانتشر معهم الفكر الشبتاني حتى بين بعض القيادات الحاخامية، ويتضح ذلك في المناظرة الشبتانية الكبرى التي ظهر خلالها أن الحاخام جوناثان إيبيشويتس، وهو من أهم العلماء التلموديين في عصره، كان شبتانياً. وبعد ذلك، ظهرت الحركتان الحسيدية والفرانكية اللتان رفضتا القيادة التقليدية التلمودية، وأخيراً ظهرت الصهيونية التي ورثت كثيراً من النزعات المشيحانية. وثمة رأي يذهب إلى أن تسفي بهجومه على اليهودية الحاخامية التقليدية مهد الطريق للصهيونية التي ترفض القيود الدينية، كما ترفض الأوامر والنواهي وتُعلِّي الذات القومية على كل شيء. كما أن تَوجُّه تسفي للعمل على العودة الفورية إلى فلسطين يشبه، في كثير من النواحي، المشيحانية الصهيونية العلمانية التي ترفض الموقف الديني التقليدي الذي ينصح اليهود بالانتظار، بل تبادر إلى الإسراع بالنهاية ليبدأ العصر المشيحاني دون انتظار مشيئة الإله. وقد كان تيودور هرتزل معجباً للغاية بتسفي وكان يفكر في كتابة أوبرا عنه لتمثيلها في الدولة الصهيونية بعد إنشائها. نيثان الغزاوي (1643-1680) Nathan of Gaza الداعية الأول لشبتاي تسفي وأهم المبشرين به، وهو من أصل إشكنازي. درس القبَّالاه، واستقر في غزة، ثم أعلن أن شبتاي تسفي هو الماشيَّح. وبعد أن أسلم تسفي، تجوَّل نيثان في شبه جزيرة البلقان، وطوَّر الفكر الشبتاني مستنداً إلى القبَّالاه اللوريانية، فقال إن روح الماشيَّح عليها أن تنزل إلى عالم الظلمات التي هي القشرة الخارجية (قليبوت) لهذا العالم، لتخلص الشرارات الإلهية (نيتسوتسوت) التي التصقت بها ويتحقق إصلاح الخلل الكوني (تيقون) فيستعيد حالته الأصلية. وبذلك، حل نيثان مشكلة أساسية واجهها أتباع تسفي وهي اعتناقه الإسلام، فقد فسَّر مسلك شبتاي على أنه نزول إلى عالم الظلمات. وقد استخدم الشبتانيون هذه الفكرة فيما بعد لتفسير الانحلال الأخلاقي عند زعمائهم. جيكوب قويريدو (؟ -1690) Jacob Querido أحد أتباع شبتاي تسفي ووريثه الأساسي. أظهر الإسلام، وأبطن اليهودية منذ عام 1683، هو وثلاثمائة أسرة من أتباعه، واستمروا في ممارسة الطقوس الشبتَّانية سراً. وهو مؤسس طائفة الدونمه. الحركة الشبتَّانية Shabbateanism «الشبتَّانية» مصطلح يُطلَق على الحركات المشيحانية الدينية الباطنية (الغنوصية) اليهودية التي ظهرت في الغرب وأطراف الدولة العثمانية بعد أن أسلم شبتاي تسفي. وكلها هرطقات ضد الدين اليهودي، وضد الصياغة التلمودية على وجه الخصوص. وتُعَدُّ الشبتانية شكلاً من أشكال الثورة ضد الدين اليهودي، وتعبيراً عن أزمة اليهودية. وقد ساهمت القبَّالاه اللوريانية وانتشارها في خلق التربة الخصبة لانتشار الأفكار الشبتانية. والواقع أن المفهوم القبَّالي الخاص بإصلاح الخلل الكوني (تيقُّون) قد غيَّر كثيراً من المفاهيم اليهودية التقليدية تماماً. فقد كان الخلاص يعني العودة إلى أرض الميعاد، أما التيقون فقد جعل الخلاص هو إصلاح الخلل الكوني وإنهاء حالة النفي التي تَسم الكون بأسره. والنفي ليس وضعاً خارجياً كامناً في وجود اليهود خارج فلسطين، وإنما هو وضع داخلي كامن في الطبيعة البشرية نفسها ويتمثل في ابتعادها عن الإله وعدم التصاقها به (ومن هنا أهمية الأوامر والنواهي والوصايا لكل من اليهود والأغيار) . وتبدأ عملية الخلاص في هذا العالم الداخلي الباطني، أي في عقل الإنسان وقلبه، استعداداً للخلاص الخارجي، بمعنى أن الحالة العقلية النفسية أكثر أهمية من اللحظة التاريخية. وبذلك، فقد مزجت القبَّالاه اللوريانية النزعة القبَّالية الباطنية (الذاتية) بالنزعة المشيحانية الخارجية، وجعلت الثانية تعتمد على الأولى، ومهدت الطريق بذلك لظهور شبتاي تسفي والشبتانية ككل. ولكن أتباع شبتاي تسفي قاموا بتعديل التصور اللورياني وتعميقه، فالقبَّالاه اللوريانية، مثلها مثل قبَّالاة الزوهار (برغم حلوليتها المتطرفة وهرطقتها) ، كانت تحوي داخلها إمكانية تعميق الولاء للشريعة وممارسة شعائرها، وبالفعل جعلت الخلاص المشيحاني وإصلاح الخلل الكوني (تيقون) مرتبطاً بممارسة اليهود للشعائر وتنفيذهم الأوامر والنواهي. أما شبتاي تسفي وأتباعه، فقد كان موقفهم معادياً للشريعة والشعائر بشكل واضح وصريح، بل تعمدوا خرق قوانينها وإبطال أوامرها ونواهيها. وإذا كان الشعب اليهودي يشغل في التصور اللورياني مركز عملية الخلاص، فإن شخصية الماشيَّح تشغل هذا المركز في التصورات الشبتانية. فالمؤمن هو من يؤمن بالأفعال الصوفية الخارقة التي يأتي بها شبتاي تسفي كماشيَّح مخلِّص. ولعل التأكيد على شخصية الماشيَّح، بدلاً من الشعب اليهودي، يعود إلى وجود اليهودية إما في تربة مسيحية (بولندا وروسيا) أو على مقربة منها (في شبه جزيرة البلقان) . وقد قضى يهود المارانو عشرات السنين يعانون من الاضطهاد الناجم عن قولهم إن المسيح عيسى بن مريم ليس هو الماشيَّح الحقيقي، وأن الماشيَّح اليهودي سيأتي لينقذ شعبه. وهكذا تحوَّلت النزعة المشيحانية إلي إيمان بشخصية الماشيَّح. وكان من الممكن أن يؤدي ظهور شبتاي تسفي إلى سد الفجوة بين الظاهر والباطن. ولكنه، كما هو متوقع، فشل في ذلك تماماً، الأمر الذي أدَّى إلى ظهور الحركة الشبتانية برؤيتها للكون. ويُعدُّ نيثان الغزاوي أهم مفكري الشبتانية وأبرز دعاتها، فقد أعاد تفسير كثير من الأفكار اللوريانية، وأضاف إليها حتى خَلَق نسقاً فكرياً يُعدُّ تنويعاً جديداً على النسق اللورياني. وأهم أفكار نيثان هي فكرة "النور الذي لا عقل له" مقابل " النور العاقل". وحسب هذا التصور، يحوي الإين سوف (الإله الخفي أو العدم) النورين داخله. أما الأول، فهو قوة مدمرة هائلة لا عقل لها، وهي لا تكترث كثيراً بعملية الخلق بل تعاديها فهي قوة العدم. وأما النور العاقل، فهو النور الذي يفكر في عملية الخلق ويقوم بها في نهاية الأمر. وقد حدثت عملية الانكماش الإلهي (تسيم تسوم) ليس في الوجود الإلهي بنوريه العاقل والمعادي للعقل وإنما حدثت في النور العاقل وحده استعداداً لعملية الخلق، فانفصل النور العاقل عن النور الذي لا عقل له فصار هذا النور العدمي قوة نابعة من الإين سوف (الإله الخفي) مستقلة عنه، وبذلك فقد أصبح قوة الشر، أي أن الشر الماثل في الدنيا إن هو إلا جزء من الإله. ويقوم هذا النور بتدمير كل ما ينتجه النور العاقل الذي اخترق، رغم هذا، الفضاء العلوي وشيَّد العالم. ومع هذا، فقد ظل النصف السفلي، أو الهوة الكبرى (الهيولي السفلي) ، مظلماً بعيداً عنه وعن سلطانه. ويصبح جدل الكون هو محاولة النور العاقل الوصول إلى العالم السفلي، وقيام النور غير العاقل بصد الإشعاعات (وهذا تعبير عن الثنوية القوية داخل التركيب الجيولوجي اليهودي) . ولا يمكن في الواقع أن تصل هذه الإشعاعات إلا من خلال شخصية الماشيَّح، فهو وحده القادر على توصيلها وعلى إعادة تشكيل الهيولي السفلي. بل إن روح الماشيَّح توجد في هذا العالم السفلي، فهو إحدى الشرارات الإلهية التي التصقت بالقشرة (قليبوت) ، ولذا فهو ليس خاضعاً لسلطان التوراة أو القانون، وهو وحده القادر على بدء عملية التيقون. والبشر جميعاً خاضعون لسلطة الشريعة، التي هي تعبير عن النور العاقل والأرواح المتصلة به، على عكس الماشيَّح الذي لا يخضع لسلطانه. فهو يحوي النورين، وله من الرخص ما لم يُمنَح لبشر. وقد مكَّنت هذه الفكرة نيثان الغزاوي من أن يفسر تلك الأعمال الغريبة التي صدرت عن الماشيَّح. وقد وصفه بأنه البقرة الصغيرة الحمراء التي ورد ذكرها في العهد القديم (عدد 19) ، فهو يطهر المدنَّسين ولكنه هو نفسه مدنَّس، وهو أيضاً الثعبان المقدَّس الذي سيُخضع ثعابين الهوة (والواقع أن كلمة «ناحاش» العبرية، أي ثعبان، لها القيمة الرقمية نفسها التي لكلمة «ماشيَّح» ، ولذا فإنه مقدَّس مهما أتى من أفعال قد تبدو مُدنَّسة) . وتستند هذه الرؤية للماشيَّح إلى فكرة شبتانية أساسية، وهي فكرة التوراتين: توراه دي أتسليوت، أي توراة العالم العلوي أو توراة الفيض والخلاص، وتوراه دي بريئاه، أي توراة الخلق أو توراة الظاهر والعالم الحسي أو السفلي. فحسب التصور الشبتاني (وهو مجرد تطوير وتعميق للفكر القبَّالي) ، هناك معنىان للتوراة؛ أحدهما ظاهري والآخر باطني. ويرتبط المعنى الظاهري بهذا العالم، عالم الخير والشر والحياة والموت والزوال والدنس والشتات والنفي. ولذا، فإن هذه التوراة، توراة الخلق والخليقة، تحوي الوصايا والأوامر والنواهي التي يجب على اليهودي اتباعها ليساعد الشخيناه (المنفية مع اليهود) في محنتها. ويُشار إلى توراة الخلق هذه بأنها رداء الشخيناه في سبيها. أما المعنى الباطني للتوراة، فيرتبط بالعالم السامي، عالم الخير والحياة الأزلية، وهو عالم ثابت لا نفي فيه ولا شتات، وتوراته هي توراة الخلاص، ولا يدرك كنهها سوى القديسين، والماشيَّح المخِّلص. وبرغم التشابه بين التوراتين في المحتوى والألفاظ، فإن طريقة فهم كل منهما مختلفة لأن تفسير كل توراة يتم وفقاً للعالم الذي نزلت من أجله. فالتوراة في العصر السابق على الخلاص (العصر الشبتاني أو المشيحاني) ، تُقرأ في ضوء من الوصايا والنواهي والتحريمات المعروفة لدينا. أما توراة الخلاص والفيض فتسمح بالمحرمات، بل إن انتهاك توراة الخليقة لينهض دليلاً على مجيء العصر الجديد الذي بشَّر به شبتاي تسفي. ويستند كل هذا إلى مفهوم محوري في الفكر الشبتاني، هو مفهوم قداسة الرذيلة. فالأفعال المدنَّسة هي في الواقع أفعال مقدَّسة، شكلها الخارجي وحسب هو المدنَّس (ويظهر هنا تأثير المارانو مرة أخرى) . ويصبح العقل المدنَّس مقدَّساً إن عمل بحماس ديني. وقد وجد الشبتانيون تبريراً لرأيهم هذا في التلمود الذي ورد فيه أن الخطيئة التي تُقتَرف لذاتها هي أعظم من وصية لا تُؤدَّى لذاتها. كما أن المختارين لا يمكن أن يُحكَم عليهم بالمقاييس العادية، فهم ينتمون إلى قانون مختلف هو قانون الفيض، وهم فوق الخير والشر (مثل الإنسان الأعلى عند نيتشه) . فمن المستحيل على الذين يعيشون في عالم التيقون أن يرتكبوا الخطيئة، لأن الشر بالنسبة إليهم فَقَد معناه لأنهم وصلوا إلى الخلاص الداخلي الكامل. وقد بشَّر باروخيا روسو أتباعه بأن الست والثلاثين خطيئة القاطعة التي تنص الشريعة اليهودية على قتل من يرتكبها، هي خطايا من وجهة نظر توراة الخلق فقط. أما وقد تم الوصول إلى مرحلة الخلاص، مرحلة توراة الفيض، فإن تلك الخطايا قد أصبحت من المحللات. وأصبح الشبتانيون يتحللون من كل الأوامر ويترخصون في كل النواهي، بل أصبحوا يرون أن من واجبهم انتهاك الشريعة وتدنيس الأخلاقيات الشائعة باسم المعاني الباطنية والمبادئ السامية. وصار شعارهم الأساسي عبارة شبتاي تسفي: "الحمد لك يارب، يا من تُحلِّل المحرمات". والمعنى الباطني للتوراة هو المعنى الحقيقي بالنسبة إلى المبشرين بعالم الخلاص، وبالنسبة إلى الذين وصلوا إليه. ومن العلامات الحقة لإيمانهم أنهم يخفون دينهم الحقيقي ويبقونه سراً خفياً عن عيون البشر. بل يجب على المؤمن الحق أن يدخل كل الأديان وينتمي إليها بصورة ظاهرة، على أن يبطن دينه الحقيقي. وهو بذلك سيتمكن من أن يهدم الأديان كلها التي سيرتديها فقط كغطاء خارجي. ويبدو أن يهود المارانو الذين كانوا يعتنقون اليهودية سراً والمسيحية علناً، قد لعبوا دوراً أكيداً في إشاعة هذه الأفكار وفي قبولها. ويرى بعض الدارسين أن ثمة تأثراً بالتراث الديني المسيحي في الفكر الشبتاني، يتبدى في مركزية فكرة الماشيَّح الفرد الذي يُصلَب (والصلب في حالة الفكر الشبتاني قد يكون حقيقياً وقد يأخذ شكل الارتداد والتدنس) . كما يتبدى الفكر المسيحي في تأكيد الخلاص الداخلي، والحرية الباطنية. بل يذهب الدارسون إلى وجود ثالوث شبتاني: الإله الخفي وإله جماعة يسرائيل والشخيناه، أو تنويعات على هذا الثالوث. وقد تأسست بعد موت تسفي مراكز شبتانية في أطراف الدولة العثمانية في البلقان، وفي كلٍّ من إيطاليا وبولندا وليتوانيا. وأهم الحركات الشبتانية هي حركة جيكوب فرانك. ولقد كانت الحركة الشبتانية منتشرة بشكل عميق في أوربا إذ ظل الشبتانيون داخل اليهودية الحاخامية، وأبطنوا آراءهم، وقاموا بالدعوة لها سراً، حتى أن أحد عُمُد اليهودية الحاخامية (الحاخام إيبيشويتس) كان من دعاتها. وقد أصبح الشبتانيون من أهم العناصر الثورية والعدمية في أوربا واحتفظوا بآرائهم داخل أنفسهم، حتى ظهرت الثورة الفرنسية، فصار كثير منهم من دعاتها ورسلها. وكان موسى دوبروشكا، أحد المرشحين لرئاسة حركة فرانك، من زعماء الثورة الفرنسية ممن أُعدموا مع دانتون عام 1794. والحركة الشبتانية واحدة من الحركات اليهودية المشيحانية الحديثة التي تعبِّر عن بؤس اليهود، وعن أزمة اليهودية التي انتهت بظهور الحسيدية ثم الصهيونية، وكلها حركات شعبية هروبية ترفض الزمان والمكان وتطالب بالانتقال من وضع تاريخي متعين متأزم إلى مجتمع جديد مثالي يُشيَّد على أرض فلسطين. وقد اتخذت حركة الهروب هذا الشكل المشيحاني، بسبب الحلولية الكامنة في النسق الديني اليهودي، التي تشكل واحداً من أهم طبقاته الجيولوجية. ويرى أحد المفكرين اليهود أن الحركة الشبتانية هي بداية اليهودية الحديثة، فظهورها تعبير عن ضعف اليهودية المعيارية، أي اليهودية الحاخامية. وهي، بإسقاطها كل النواميس، تشبه في كثير من النواحي الحركات اليهودية المعاصرة، أي اليهودية التي تحاول أن تطرح جانباً القيود المتزمتة التي فرضتها اليهودية الحاخامية على اليهود. وبالتالي، فإن الوريث الحقيقي للشبتانية هو اليهودية الإصلاحية. فهذه، هي الأخرى، ثورة على التقاليد التلمودية الحاخامية، ويُقال إن أحد أهم زعماء اليهودية الإصلاحية في المجر (أرون كورين) كان شبتانياً في شبابه. وثمة رأي آخر يرى أن الوريث الحقيقي للحركة الشبتانية هو الصهيونية، فهي ترفض الأوامر والنواهي، ولا تقبل الانتظار حتى يشاء الإله أن يأتي الماشيَّح. ولكن الطبقة الحلولية اليهودية هي التي تجمع بين كل هذه الحركات التي تُعدُّ مجرد تجليات لهذه الطبقة التي تنكر وجود الإله المفارق، وتبحث عن المطلق والركيزة النهائية في المادة نفسها، ولذا يحل الإله تماماً في الطبيعة والتاريخ وتتقدس المادة، ومن ثم تصبح كل الأمور متساوية (نسبية) وتَسقُط المطلقات الأخلاقية لتصبح الرذائل فضائل والفضائل رذائل. الدونمه Donmeh الدونمه» كلمة تركية بمعنى «المرتدين» : 1 ـ كلمة «دونمه» مكوَّنة من كلمتين تركيتين مدغمتين «دو» بمعنى «اثنين» و «نمه» بمعنى «عقيدة» فهم أصحاب عقيدتين واحدة ظاهرة وهي الإسلام، والثانية مبطنة وهي اليهودية. 2 ـ يُقال إن الكلمة مشتقة من كلمة «دونماك» بمعنى «العائدين» ، أي يهود المارانو الذين هاجروا من شبه جزيرة أيبريا إلى الدولة العثمانية. وقد أُطلق هذا الاسم على جماعة يهودية تركية شبتانية من اليهود المتخفين استقرت في سالونيكا وأشهرت إسلامها تشبُّهاً بشبتاي تسفي (الماشيَّح الدجال) . فقد اعتقد كثيرون من أتباعه المؤمنين به أن ارتداده عن دينه واعتناقه الإسلام تلبية لأمر خفي من الرب وتنفيذ للإرادة الإلهية، فحذوا حذوه، ولكنهم ظلوا متمسكين سراً بتقاليد اليهودية. وهم يختلفون عن يهود المارانو في أنهم اعتنقوا الإسلام طواعية دون قسر، فلم تكن الدولة العثمانية تُكره أحداً على اعتناق الإسلام. وعقيدة الدونمه عقيدة حلولية غنوصية متطرفة فهم يؤمنون بألوهية شبتاي تسفي، وأنه الماشيَّح المنتظر الذي أبطل الوصايا العشر وغيرها من الأوامر والنواهي. وهم يرون أن التوراة المُتداوَلة (توراة الخلق) فارغة من المعنى وأنه أحل محلها توراة التجليات، وهي التوراة بعد أن أعاد تسفي تفسيرها. وكان مركز الجماعة في بادئ الأمر في أدرنة ثم انتقل إلى سالونيكا. ويحمل كل عضو من أعضاء الدونمه اسمين: اسم تركي مسلم وآخر عبري يُعرَف به بين أعضاء مجتمعه السري. وكانوا يعتبرون أنفسهم يهوداً، فكانوا يتدارسون التلمود مع بقية اليهود ويستفتون الحاخامات فيما يقابلهم من مشاكل، كما كانوا يحتفلون بجميع الأعياد اليهودية ويقيمون شعائرهم عدا شعيرة الكف عن العمل يوم السبت حتى لا يلفتوا النظر إلى حقيقتهم. وقد أضافوا إلى الأعياد عيداً آخر اعتبروه أقدس الأعياد على الإطلاق وهو عيد ميلاد شبتاي تسفي. ويدفن الدونمه موتاهم في مدافن خاصة بهم، ولكن كل فريق منهم يتعبد في معبده الخاص الذي يُسمَّى «القهال» (الجماعة أو جماعة المصلين) ، والذي يوجد عادةً في مركز الحي الخاص بهم مخبأً يخفيهم عن عيون الغرباء. وكانت صلواتهم وشعائرهم تُكتَب في كتب صغيرة الحجم حتى يَسهُل عليهم إخفاؤها، ولهذا لم يطلع عليها أحد حتى عام 1935. وكانت كتب الصلوات بالعبرية أصلاً، لكن اللادينو حلت محل العبرية سواء في الأدب الديني أم الدنيوي، ثم حلت التركية محل اللادينو في منتصف القرن التاسع عشر. وقد اتُهمت هذه الجماعة، أو على الأقل إحدى فرقها، بالاتجاهات الإباحية وبالانحلال الخلقي والانغماس في الجنس، وذلك بسبب تحليل الزيجات التي حرمتها الشريعة اليهودية وبسبب الحفلات التي كانوا يقيمونها ويتبادلون خلالها الزوجات (وهذا أمر شائع في أوساط الجماعات الحلولية التي تُسقط كل الحدود، بمعنى حدود الأشياء والعقاب) . وللدونمه صيغة خاصة من الوصايا العشر لا تُحرِّم الزنى، بل إنها تُحوِّل عبارة «لا تزن» إلى ما يشبه التوصية بأن يتحفظ الإنسان فقط في ارتكاب الزنى وليس أن يمتنع عنه تماماً. والموعظة الطويلة التي تركها أحد زعمائهم تحتوي على دفاع قوي عن إسقاط التحريمات الخاصة بالجنس في «توراة الخلق» . وتؤكد الموسوعة اليهودية أنهم يعقدون احتفالات ذات طابع عربيدي داعر في عيد من أعيادهم الذي يُسمَّى «عيد الحمل» (22 مارس/آدار) وهو عيد بداية الربيع. وإن كان يبدو أن مثل هذه الاحتفالات مقصورة أساساً على فرقة القنهيليه، وهي على كل حال أكبر فرق الدونمه عدداً. وتنقسم الدونمه إلى عدة فرق: 1 ـ اليعقوبلية: بعد موت تسفي، أعلنت آخر زوجاته أن روح زوجها قد حلت في أخيها يعقوب فيلسوف (أو يعقوب قويريدو، أي المحبوب) ، وأن تسفي تجسَّد مرة أخرى من خلاله. وقد اعتنق أتباع يعقوب الإسلام بل أدَّى هو فريضة الحج عام 1690 ومات أثناء عودته. وقد تبعه ما يقرب من ثلاثمائة أسرة انقسمت عن جماعة الدونمه ككل. وقد سُمِّي أتباع يعقوب «اليعقوبلية» أي «اليعقوبيون» ، وهم يسمون باللادينو «أرابادوس» ، أي «الحليقون النظفاء» لأنهم يحلقون شعور رؤوسهم تماماً، وإن كانوا يرسلون لحاهم. وكان الأتراك يسمونهم «الطربوشلوه» أي «لابسو الطرابيش» لأنهم كانوا يرتدون الطرابيش. ويضم هذا الفريق أساساً أفراداً من الطبقات الوسطى أو الدنيا من الموظفين الأتراك. وهم مندمجون في المجتمع التركي تماماً، على الأقل من الناحية الشكلية. 2 ـ الأزميرليه: وقد أُطلق على بقية الدونمه اسم «الأزميرليه» ، ولكنهم ما لبثوا أن انقسموا إلى قسمين: أ) القنهيليه ( «القونيوسوس» باللادينو، و «كاركاشلر» بالتركية) . وقد حدث انقسام آخر في صفوف هؤلاء عام 1700 حين ظهر قائد جديد هو باروخيا روسو الذي أعلن أنه تجسُّد جديد لشبتاي تسفي وأعلن أتباعه أنه التجسد أو التجلي المقدَّس وأنه ربهم. وكان باروخيا روسو (وكان اسمه التركي مصطفى شلبي، كما كان يُعرَف باسم الحاخام باروخ فونيو) أكثر الدونمه راديكالية. فقد قام بتعليم التوراة المشيحانية الخفية، أو توراة التجليات التي تطالب بقلب القيم، فطالب على سبيل المثال بإيقاف العمل بالستة والثلاثين حظراً التي وردت في التوراة والتي تُعرَف باسم «القاطعة» (بالعبرية: كيريتوت) ، وقد كانت عقوبة من يخالفها هو اجتثاث الروح من جذورها وإبادتها تماماً، بل وحوَّلها إلى أوامر واجبة الطاعة. وقد كان ذلك يتضمن العلاقات الجنسية، ومن ذلك العلاقات بين المحارم. وأعضاء هذه الفرقة من الدونمه هم أساساً من الحرفيين، مثل الحمالين والإسكافيين والجزارين، ويُقال إن جميع الحلاقين في سالونيكا كانوا من أتباع هذه الفرقة. وكانوا يرسلون لحاهم ولا يحلقون شعر رأسهم (وهذا مثل جيد لجماعة وظيفية تَتبنَّى الرؤية الحلولية) . وتُعَدُّ فرقتهم أكثر الفرق تطرفاً نظراً لعدميتهم الدينية. وقد قام هذا الفريق من الدونمه بنشاط تبشيري كثيف بين أعضاء الجماعات اليهودية، وأُسِّست جماعات تابعة له في أماكن عدة. وقد ظهرت الحركة الفرانكية من أحد هذه الأماكن. ب) القبانجي: بعد موت باروخيا، انفصلت مجموعة أخرى سُمِّيت «القبانجي» ، وهي كلمة تركية تعني «القدماء» أو «القائمون على حراسة الأبواب» (باللادينو: «كافاليروس» ) ، رفضوا الاعتراف بقويريدو، كما رفضوا الطبيعة المشيحانية لباروخيا، ولم يعترفوا إلا بشبتاي تسفي، وأصبح اسم «الأزميرلية» يُطلَق عليهم وحدهم، وأصبحوا أرستقرّاطية الحركة الشبتانية. وتضم هذه الفرقة المهنيين (من أطباء ومهندسين) وأصحاب المهن الحرة وأثرياء اليهود. وهؤلاء كانوا يحلقون رؤوسهم ولا يطلقون لحاهم. وكان كل فريق من الدونمه يعيش بمعزل عن الآخر. وقد لعب الكثير من أعضاء الدونمه دوراً قيادياً في الثورة التركية سنة 1909، وخصوصاً داود بك الذي أصبح فيما بعد وزيراً للمالية، وكان من نسل باروخيا رئيس الجماعة القنهيلية المتطرفة. ويُشاع بين يهود سالونيكا أن كمال أتاتورك نفسه كان من الدونمه. ولا تُعرَف أعداد الدونمه إلا على وجه التقريب. ويُقال إن عددهم وصل إلى ما بين عشرة آلاف وخمسة عشر ألفاً قبل الحرب العالمية الأولى. وقد تَفرَّق شملهم على أثر اتفاقية تبادل السكان التي وقعتها تركيا واليونان بعد الحرب عام 1924 بسبب اضطرار أعضائها، باعتبارهم مسلمين اسماً، إلى ترك مقرهم في سالونيكا والاستقرّار في جهات متفرقة في تركيا، خصوصاً إستنبول. وقد حاولوا أن ينضموا مرة أخرى إلى الجماعة اليهودية، ولكن طلبهم رُفض لأن أولادهم يُعتبَرون غير شرعيين (مامزير) . وتم أخيراً إزاحة النقاب عن سر هذه الجماعة بعد أن نجحت طويلاً في إخفاء حقيقة أمرها عن المسلمين واليهود على السواء، فقد ظهرت وثائق ومخطوطات كشفت عن عدميتهم المتأصلة وبعدهم التام عن الإسلام وعن اليهودية. وقد فشلت جميع المحاولات التي بُذلت لإقناعهم بالهجرة إلى إسرائيل، ولم يكن بين المهاجرين الأتراك غير أفراد قلائل من الدونمه. وثمة دلائل تشير إلى أن القنهيليه استمرت موجودة حتى الستينيات، وأنها لا تزال تبقي على إطارها التنظيمي، وأن رئيس الجماعة أستاذ في جامعة إستنبول. ويبدو أن أعضاءها تربطهم علاقة وثيقة بالحركات الماسونية في تركيا ويلعبون دوراً نشيطاً في عملية علمنة تركيا، وهو ما يُعطي الحركة الماسونية طابعاً خاصاً. المناظرة الشبتَّانية Shabattean Controversy نشبت معركة فكرية بين يعقوب أمدن وجوناثان إيبيشويتس، وكلاهما كان من كبار العلماء التلموديين في عصرهما، حين قام أمدن باتهام إيبيشويتس بأنه مؤمن بالأفكار الشبتانية سراً رغم تحريمه إياها علناً. وقد أثبت أمدن، بالأدلة القاطعة، صدق اتهامه. وقد هزت المعركة المؤسسة الحاخامية، وأضعفت هيبتها وبينت مدى تغلغل الأفكار القبَّالية (أساس الشبتانية) داخل المؤسسة التلمودية. جوناثان إيبيشويتس (1690-1764) Johnathan Eybeshuetz واحد من أكبر العلماء التلموديين والقبَّاليين في عصره. وُلد في بولندا وتَعلَّم في براغ حيث استقر عام 1715. صادق بعض العلماء غير اليهود، من بينهم الكاردينال هاسباور الذي استصدر له رخصة لطبع التلمود شريطة أن يستبعد العبارات المعادية للمسيحية. ولكن المشروع لم يتحقق بسبب معارضة زعماء الجماعة اليهودية. وكان إيبيشويتس أحد القضاة الذين حكموا بتحريم المذهب الشبتاني. وقد عُيِّن حاخاماً لمتز وثلاث مدن أخرى عام 1750. ويرتبط اسم إيبيشويتس بالمناظرة الشبتانية الكبرى حين اتهمه جيكوب أمدن بأنه يروج للشبتانية سراً. وقد وقف إلى جانبه حاخامات بولندا (وطنه الأصلي) ووقف ضده حاخامات ألمانيا (الوطن الذي استقر فيه) . وقد استعرت المعركة بين الفريقين، فاضطر إلى اللجوء إلى السلطات غير اليهودية التي وقفت في صفه. وظهرت المشكلة مرة أخرى، حينما تبين وجود عدد من أتباع الاتجاه الشبتاني بين تلامذته، كما أعلن ابنه ديفيد أنه نبي شبتاني، الأمر الذي أدَّى إلى إغلاق المدرسة التلمودية التي كان يدرِّس فيها إيبيشويتس الأب. وتعود أهمية إيبيشويتس إلى أنه كان من أهم علماء اليهودية الحاخامية، ومن كبار المعارضين العلنيين للشبتانية. ولذا، فإن اتهامه باتباعها، وإثبات ذلك، يدل على مدى تَجذُّر الشبتانية وهيمنتها. وفي عام 1724، ظهرت مخطوطة كتبها إيبيشويتس، وهي شبتانية النزعة دون جدال. كما قام يعقوب أمدن بحل طلاسم بعض الأحجبة التي كتبها إيبيشويتس، وبين أنها تحوي صيغاً شبتانية. جيكوب أمدن (1697-1776) Jacob Emden عالم تلمودي من أصل ألماني، قاد معركة ضارية ضد النزعة الشبتانية، وهو معروف بمعركته مع جوناثان إيبيشويتس التي سُمِّىت «المناظرة الشبتانية الكبرى» . هولجر بولي (1644-1714) Holger Paulli تاجر دنماركي من غلاة البروتستانت، وصاحب ادعاءات مشيحانية يهودية. وُلد في الدنمارك في مدينة كوبنهاجن، ودرس اللاهوت في جامعتها، ثم اشتغل بعد ذلك في تجارة العبيد في جزر الهند الغربية فحقق ثروة طائلة. وفي عام 1694، عاد إلى الدنمارك. ثم انجذب بشكل حاد نحو الدين، فهجَّر أسرته وترك بلده وسافر إلى فرنسا ثم إلى أمستردام حيث أصدر أول منشور ديني له عام 1697 دعا فيه إلى دمج اليهودية والمسيحية، وأعلن نفسه المسيح الجديد وملك اليهود الذي اختاره الإله لكي يعيد بناء الإمبراطورية اليهودية في فلسطين. وفي عام 1700، كتب منشوراً آخر موجهاً إلى ملوك أوربا أبلغهم أن المملكة اليهودية ستقام مرة أخرى عام 1720، كما طالب ملك فرنسا بالتخلي عن العرش والانضمام له لتنصير اليهود بالقوة. وقد قامت السلطات في أمستردام بسجن بولي عام 1701 بتهمة التحريض على أعمال الشغب. وقد أُفرج عنه بفضل وساطة أسرته وأصدقائه الذين التمسوا له العذر بحجة جنونه. وقد انتقل بعدها إلى ألمانيا ثم عاد إلى الدنمارك حيث منعته السلطات منعاً باتاً من التدخل في الشئون الدينية أو الاتصال باليهود. والواقع أن قصة بولي تبين بكل جلاء التداخل الواضح بين الأجنحة المتطرفة في البروتستانتية واليهودية (وعلى أية حال، فقد كان كثير ممن ادعوا أنهم مشحاء، مثل تسفي وفرانك، يتحولون عن اليهودية وينخرطون في دين آخر) . كما تبين هذه القصة أن النزعة المشيحانية بين اليهود ليست مرتبطة بالنسق الديني اليهودي، وإنما هي مرتبطة بعناصر في الحضارة الغربية، وأن تَفجُّرها لا يمكن تفسيره إلا بالعودة لآليات وحركيات هذه الحضارة. ويمكن القول بأن النزعة المشيحانية الصهيونية (مسيحية كانت أم يهودية) هي في واقع الأمر تعبير عن اتساع أطماع الإنسان الغربي وتَفتُّح أفقه وشهيته وظهور الرؤية المعرفية الإمبريالية حيث قرَّر هذا الإنسان غزو العالم وتسخيره، ويبدو أن الخطاب المشيحاني هو الوسيلة الدينية لهذه الرؤية الإمبريالية. والذي حدث بعد ذلك هو أن هذه النزعة المشيحانية تمت علمنتها وتجريدها من أية رواسب أو ديباجات دينية، إلى أن نصل إلى الدعوة الاستعمارية الصريحة في القرن التاسع عشر. ومع هذا، لا يعدم الأمر وجود شخصية مثل بلفور، وهو وزير إنجليزي ذو توجُّه استعماري واضح، يظل يُدافع عن مشروعه الصهيوني في فلسطين من منظور ديني. الحركة الفرانكية Frankist Movement الحركة الفرانكية نسبة إلى جيكوب فرانك، التي تعود نشأتها إلى عام 1759 حين تَنصَّر فرانك هو ومجموعة من أتباعه على الطريقة المارانية، أي أظهروا المسيحية وأبطنوا عقيدتهم الغنوصية. ويمكن القول بأن منظومة فرانك الحلولية هي منظومة يصل الحلول فيها إلى منتهاه إذ يحل الإله في المادة ويموت وتصبح وحدة وجود مادية كاملة، المادة فيها مقدَّسة تماماً، والإنسان فيها إله، ومن ثم فهي أيضاً النقطة التي تَسقُط فيها كل الحدود ويتساوى فيها المطلق والنسبي والمقدَّس والمدنَّس والمُحرَّم والمُباح وتنقلب القيم رأساً على عقب ويتساوى الخير والشر والوجود والعدم، ولذا فإن منظومة فرانك أكثر حداثة وجذرية من منظومة نيتشه على سبيل المثال. ويتحدد إسهام فرانك في أنه خلَّص القبَّالاه من رموزها الكونية المترابطة المركبة، ووضعها في مصطلح شعبي مزخرف، وفي إطار أسطوري، بل طَعَّمها بصور مسيحية مألوفة لدى يهود شرق أوربا الذين اختلطوا بالفلاحين السلاف في الريف، وابتعدوا عن مراكز الدراسة التلمودية في المدن. وقد تأثر الفرانكيون بالفرق الأرثوذكسية الروسية المنشقة، وخصوصاً الدوخوبور والخليستي. وتدور العقيدة الفرانكية حول ثالوث جديد يتكون مما يلي: 1 ـ الإله الخيِّر أو الأب الطيب. وهو إله خفي يختبئ وراء ثاني أعضاء الثالوث، ولا علاقة له بعملية الخلق أو المخلوقات، فهو لم يخلق الكون (فلو أنه خلق الكون لأصبح هذا الكون خالداً وخيِّراً، ولكانت حياة الإنسان أبدية) . وهو مقابل الإين سوف في العقيدة القبَّالية. 2 ـ الأخ الأعظم أو الأكبر، ويُسمَّى أيضاً «هذا الذي يقف أمام الإله» . وهو الإله الحقيقي للعقيدة الذي يحاول العبد التقرب منه، ومن خلال الاقتراب منه يستطيع العابد أن يحطم هيمنة حكام العالم الثلاثة (قيصر روسيا، والسلطان العثماني، وحاكم إحدى القوى العظمى الأخرى ولعلها النمسا أو ألمانيا) الذين يهيمنون على العالم ويفرضون عليه شريعة غير ملائمة. والأخ الأعظم (المقابل للتفئيريت أو الابن، ولبعض التجليات الأخرى) مرتبط بالشخيناه التي هي الأم التي يُقال لها «علماه» . 3 ـ الأم «علماه» ، أو العذراء «بتولاه» ، أو «هي» . وهي خليط من الشخيناه والعذراء مريم. والواقع أن صورة الأنثى في الثالوث الفرانكي جعلت العنصر الجنسي الكامن في القبَّالاه اللوريانية أو في الحركة الشبتانية عنصراً أكثر وضوحاً. وقد استخلص الفرانكيون أن التجربة الدينية الحقة لابد أن تأخذ شكل ممارسة جنسية. ولن يصل العالم إلى الخلاص إلا باكتمال الثالوث الجديد السابق. وهذا الثالوث أقرب إلى شخصيات المنظومة الغنوصية (الإله الخفي أو الديوس أبيسكونديتوس، والمخلص أو الكريستوس، وصوفيا أو الحكمة) . وشبتاي تسفي نفسه، حسب التصور الفرانكي، ليس إلا أحد تجليات الإله، فهو تجسيد جديد للأخ الأعظم، ولكنه تملَّكه الضعف وهو بعد في منتصف الطريق، فلم يستطع تحقيق أي شيء. ووصولاً إلى الخلاص، لابد أن يظهر ماشيَّح جديد يكمل الطريق، ولابد أيضاً أن تظهر العذراء (تجسيد العنصر الأنثوي) . وحتى يتحقق الخلاص، ينبغي أن يسير المؤمن بالعقيدة الفرانكية في طريق جديد تماماً، لم يطرقه أحد من قبل، وهو طريق عيسو (أدوم) الذي يُشار إليه في الأجاداه بلفظ «أدوم» ويُستخدَم اللفظ نفسه للإشارة إلى «روما» ، أي القوى الكاثوليكية. فعيسو رمز تَدفُّق الحياة الذي سيحرر الإنسان والحياة فهو قوة لا تخضع لأي قانون فهي حالة سيولة كونية ورحمية. وقد جاء في التوراة أن يعقوب قال إنه سيزور أخاه (تكوين 33/14) ولكنه لم يفعل لأن الطريق كان صعباً عليه. وقد حان الوقت لأن يسير الماشيَّح في ذلك الطريق الذي يؤدي إلى الحياة الحقة التي تحمل كل معاني الحرية والإباحية (ولنلاحظ هذا الارتباط بين حالة السيولة الرحمية والإباحية الجنسية وهو أمر متكرر في الأنماط الحلولية) . فالطريق الجديد يؤدي إلى عالم لا توجد فيه قوانين ولا حدود، عالم تم فيه التجرد من كل الشرائع والقوانين والأديان، لكنه عالم ليس فيه حدود (الحد بمعنى «الحاجز الذي يفصل بين شيئين» وبمعنى «عقوبة مُقدَّرة وجبت على الجاني» وبمعنى «حدود الشخصية» أي هويتها) ، وتصبح العدمية والتخريب هما طريق الخلاص. إن هذا العالم الشرير لم يخلقه الإله الخفي، وهو مادة دنيئة تقف في وجه وصول الإنسان إلى الأخ الأعظم (ويُلاحَظ هنا الأثر العميق للغنوصية) . وحتى يتم إنجاز هذا الهدف، لابد أن تُحطَّم كل القوانين والتعاليم والممارسات التي تعوق تدفُّق الحياة: «لقد أتيت لأحرر العالم من كل الشرائع والعادات الموجودة فيه. إن مهمتي هي إزالة كل شيء حتى يستطيع الإله أن يكشف عن نفسه» . ثم تظهر العدمية الدينية بشكل أوضح في الحديث عن الطريق إلى الحياة الجديدة، فهو طريق جديد تماماً، وكما يقول فرانك: «أينما كان يخطو آدم، كانت تنشأ مدينة. لكن أينما أضع أنا قدمي، يجب أن يُدمَّر كل شيء، فقد أتيت إلى هذا العالم لأُدمِّر وأبيد» . والطريق الجديد طريق غير مرئي، لا يكون إلا في الخفاء. ولذا، فإنه يتعين على المؤمنين أن يرتدوا رداء عيسو (أي المسيحية) ، فعليهم أن يتظاهروا بالتنصر (والواقع أن التظاهر بدين واعتناق دين آخر من أهم ممارسات جماعة الدوخوبور من المسيحيين الروس المنشقين) . وقد عبر المؤمنون إلى الأمة اليهودية والإسلام (الإشارة إلى شبتاي تسفي) ولم يبق سوى المسيحية. والمؤمن الحق يختبئ تحت «عبء الصمت» يحمل الإله في قلبه الصامت فيعتنق الديانات الواحدة تلو الأخرى ويمارس شعائرها. لكن التغلب على الأديان الأخرى وتدميرها يتطلب من الفرد أن يكون صامتاً تماماً ومخادعاً: «فالإنسان الذي يرغب في غزو حصن لا يفعل ذلك بالكلام والإعلان، بل يتسلل إليه في صمت وسكون، لقد تحدَّث الأجداد كثيراً، لكنهم لم يفعلوا شيئاً. لذلك يجب الآن تَحمُّل الصمت. وحينئذ، لن يكون الفرد في حاجة إلى الدين» (ويتضح هنا أثر يهود المارانو المتخفين) . وحينما يمارس المؤمن طقوس الديانات الأخرى دون أن يتقبل أياً منها، بل يحاول أن يحطمها من الداخل، فهو يؤسس الحرية الحقة. فالواقع أن الديانة المنظمة على أساس مؤسسي التي يعتنقها اليهودي المتخفي ليست سوى عباءة يرتديها المرء كرداء يلقي به (فيما بعد) في طريقه إلى المعرفة المقدَّسة، وهي المعرفة الغنوصية بالمكان الذي تُحطَّم فيه كل القيم التقليدية في تيار الحياة، طريق غير مرتبط بأي قانون وإنما مرتبط بإرادة فرانك وحده. وإذا كان الإفصاح عن الإيمان بالمسيحية ضرورياً، فإن الاختلاط بالمسيحيين وكذلك الزواج منهم محظور. وفرانك نفسه تجسيد آخر للأخ الأعظم تقمصته الروح القدس. سمَّى نفسه «سانتو سنيورا» ، أي «السيد المقدَّس» ، وروج للمفهوم القبَّالي اللورياني للشر، وهو مفهوم يرى أن الشر ليس حقيقياً، وكل شيء، وضمن ذلك الشر نفسه، هو خير أو علقت به شرارات إلهية على الأقل. ومن هنا، فقد أعلن فرانك أن ظهور الماشيَّح أضفى القداسة على كل شيء في الحياة حتى الشر. وبهذا، برزت فكرة «الخطيئة المقدَّسة» التي ترى أنه ينبغي الوقوع في الخطيئة الكبرى حتى ينبثق عالم لا مكان فيه للخطيئة، عالم هو الخير كله. ولكي يصعد الإنسان، يجب عليه أن يهبط أولاً: «إنني لم آت إلى هذا العالم لكي أصعد بكم، بل لأهبط بكم إلى قاع الهوة، حيث لا يستطيع الإنسان أن يصعد بقوته الذاتية» . أما النزول إلى تلك الهوة، فهو لا يقتضي فقط ترك كل الأديان والمعتقدات، بل يوجب أيضاً اقتراف أعمال آثمة غريبة. وهذا يتطلب أن يتخلى الإنسان عن الإحساس بذاته إلى درجة تصبح معها الوقاحة والفجور هما ما يقود إلى إصلاح الأرواح. وقد عَيَّن فرانك اثني عشر من الإخوة أو الحواريين أو الرسل، هم تلاميذه الأساسيون (مثل حواريي المسيح) ، ولكنه عَيَّن أيضاً اثنتي عشرة أختاً كن في واقع الأمر خليلاته (فمن الواضح أن فرانك استمر في الممارسات الجنسية التي كان يمارسها باروخيا) . وأعلن أنه سيخلص العالم من كل النواميس الموجودة وسيتجاوز كل الحدود، فقضى ببطلان الشريعة اليهودية. ورغم أن الإله أرسل رسلاً إلى جماعة يسرائيل، فإن التوراة تتضمن شرائع يصعب مراعاتها وثبت عدم جدواها. والشريعة الحقة هي إذن التوراة الروحية أو توراة الفيض التي أتى بها شبتاي تسفي. وشن فرانك حرباً شعواء على التلمود، وأعلن أن الزوهار هو وحده الكتاب المقدَّس. وكان الفرانكيون يُدعَون باسم «الزوهاريين» لهذا السبب. ومع هذا، وصلت العدمية بفرانك إلى منتهاها إذ طلب من أتباعه التخلي عن الزوهار نفسه، وعن كل تراث قبَّالي. كانت كل هذه الأفكار تعمل على إعداد أتباعه للتَنصُّر الماراني الظاهري، حيث كان لهم شرط أساسي هو الاحتفاظ بشيء من هويتهم اليهودية العلنية كأن يمتنعوا عن حلاقة سوالفهم، وأن يرتدوا الثياب الخاصة بهم، ويُبقوا أسماءهم اليهودية إلى جانب أسمائهم المسيحية الجديدة، وألا يأكلوا لحم الخنزير، وأن يستريحوا يوم السبت (ولعل من المفارقات أن مثل هذه الشعائر السطحية كانت كل ما تبقى من اليهودية بالنسبة للبعض) . كما طالبوا بإعطائهم رقعة أرض في شرق جاليشيا تستطيع جماعتهم أن تؤسس فيها حياتها الجديدة، وخصوصاً أن مسرح الخلاص في الرؤية الفرانكية هو بولندا وليس صهيون. هذا مع وضع برنامج لتحويل اليهود إلى قطاع منتج، كأن يعملوا بالزراعة مثلاً. وقد أكد فرانك أهمية الجوانب العسكرية في تنظيمه. وكان ينادي بأن يترك اليهود الكتب والدراسات الدينية، وأن يتحولوا إلى شعب محارب. وكان معظم أتباع فرانك من الفقرّاء أو من اليهود الذين يشغلون وظائف هامشية أو وظائف لم يَعُد لها نفع. فكان منهم الذين يعملون في تقطير الكحول، وكان منهم أصحاب حانات وأعضاء في الطبقات من بقايا يهود الأرندا، وكان هؤلاء قد فقدوا علاقتهم بالمؤسسة الحاخامية وزادت علاقتهم بالفلاحين السلاف، حتى أنهم تأثروا بفكرهم ومعتقداتهم. كما انضم إليه عدد كبير من صغار الحاخامات الذين لم يحققوا ما كانوا يطمحون إليه من نجاح. ومع هذا، فقد كانت الحركة تضم غير قليل من كبار التجار الأثرياء. وقد ظهرت الفرانكية في الواقع تعبيراً عن أزمة كان يجتازها كل من اليهود واليهودية: 1 ـ أما اليهودية، فمن المعروف أنها كانت قد وصلت، مع انتصاف القرن الثامن عشر، إلى طريق مسدود. فقد تحولت إلى عبادة عقلية جافة، سيطر عليها الحاخامات بدراساتهم التلمودية المنفصلة عن أي واقع وتمثلت فيما يشبه التمارين المنطقية. وربما كانت العدمية الواضحة في فكر فرانك تعبيراً عن الملل والسأم من هوية يهودية دينية قد تآكلت. 2 ـ وقد بدأت الدراسات القبَّالية تحل محل الدراسات التلمودية، ولكن القبَّالاه التي سادت كانت القبَّالاه اللوريانية بنزعتها المشيحانية المتفجرة واتجاهها الحلولي المتطرف. ولهذا، فإنها لم تَصلُح كإطار لحركة تجديد وإصلاح اجتماعية. 3 ـ تَعرَّض اليهود لهجمات شميلنكي، ثم الهايدماك والفلاحين القوزاق، ولهجمات سكان المدن البولندية والكنيسة الكاثوليكية. ولهذا، فقد لاذوا بمنطقة كانت تتنازعها الدول المجاورة؛ فهي تارة تابعة إلى بولندا وتارة تابعة إلى روسيا، أو النمسا (أوكرانيا وجاليشيا) . وكانت مقاطعة بودوليا (التي نشأت فيها الفرانكية وغيرها من الحركات) تابعة للدولة العثمانية بعض الوقت. ولا شك في أن هذا الوضع السياسي القلق سبَّب للجماهير اليهودية كثيراً من الخوف وعدم الاطمئنان جعلها تبحث عن مخرج. 4 ـ بدأت الجماعات اليهودية تفقد دورها كجماعة وظيفية وسيطة تعمل بالتجارة والوظائف الأخرى، وذلك بظهور عناصر بولندية محلية أخذت تحل محلها وتضطلع بما كان اليهود يؤدونه من وظائف ويقومون به من دور، وبدأ وضع اليهود الاقتصادي يسوء تبعاً لذلك. وتنعكس الأزمة الاقتصادية للجماعة اليهودية في أزمة القهال الذي تحوَّل إلى مؤسسة مدنية تثقلها الأعباء المالية، كما أصبحت مسرحاً للتوترات الاجتماعية بين أعضاء الجماعة اليهودية بدلاً من أن تكون مؤسسة لحلها. 5 ـ وبرغم تفاقم الأزمة، فلم تظهر فرص اقتصادية بديلة، كما لم تظهر أشكال اجتماعية، داخل الجماعة اليهودية أو خارجها، تحل لها أزمتها وتساعد أعضاءها على الاندماج في المجتمع مرة أخرى من خلال الاضطلاع بوظيفة إنتاجية محددة توجد داخل المجتمع نفسه لا في مسامه. ولذا، كانت الصيغة الشبتانية المارانية صيغةً ملائمة للاندماج ولحل الأزمة. فما كان يقترحه فرانك هو تكوين جماعات يهودية مسيحية، تتساوى في الحقوق مع المواطنين كافة، ويمكنها أن تذوب فيهم. وكان هدف هذه الصيغة التقليل من آلام الانتقال، فجماعة يهودية مسيحية تعيش داخل منطقة زراعية مقصورة عليها يمكنها التكيف والاندماج، وفي نهاية الأمر الانصهار في المجتمع الأكبر، دون أن تضطر إلى تَبنِّي الأشكال المسيحية البولندية دفعة واحدة. والفرانكية تشبه، في هذا، الربوبية والماسونية، وهما حركتان تستخدمان خطاباً دينياً يخبئ مضموناً علمانياً لتخفيف آلام الانتقال من عقيدة إلى أخرى. 6 ـ ومن أهم القضايا التي كانت تواجهها الجماعة اليهودية في أوربا، وبولندا بالذات، بُعدها عن القرّار السياسي ومناطق النفوذ، أو ما كان يُسمَّى بمشكلة العجز (أي انعدام السيادة وعدم المشاركة في السلطة) . وقد حُلَّت هذه المشكلة بالتدريج في أوربا الغربية باندماج اليهود في المجتمع وتحوُّلهم من عنصر تجاري نافع غريب إلى عنصر قد يكون متميِّزاً دينياً أو إثنياً ولكنه بدون وظيفة محددة. وبالتالي، فقد أصبح اليهود مواطنين أعضاء في مؤسسات صُنع القرّار. أما في شرق أوربا، فقد ازدادت المشكلة تفاقماً وازداد يهود اليديشية عزلة، وخصوصاً أن أعدادهم كانت كبيرة، وكان يكفيهم مجرد الانكفاء على الذات لتزداد مشكلتهم حدة. وفي الواقع، فإن الحركات الشبتانية المشيحانية كانت، في أحد جوانبها، تعبيراً عن رغبة عارمة في السلطة وفي الهيمنة عليها، وفي حل هذه الإشكالية. ويتجلى ذلك بشكل حاد في مطالب فرانك وفي سلوكه حيث حاول أن يشبع هذه الرغبة (على نحو ما فعل تسفي من قبل) ، فقد طالب فرانك بمنطقة شبه مستقلة يمارس اليهود من خلالها شيئاً من السلطة، كما أنه هو نفسه كان خليطاً من الباشا التركي والنبيل البولندي، فكان يرتدي غطاء رأس تركياً، ويركب مركبة يسير حولها مجموعة من الخدم المترجلين والراكبين تشبهاً بالنبلاء البولنديين. وكان التشبه بالنبلاء البولنديين أمراً شائعاً بين يهود بولندا، بعد أن قرنوا أنفسهم بهم عشرات السنين من خلال مؤسسات الإقطاع الاستيطاني البولندي (وخصوصاً نظام الأرندا) . وربما كان النظام العسكري الذي فرضه فرانك على أتباعه تعبيراً آخر عن الرغبة في التشبه بالنبلاء البولنديين. وظهر حب السلطة في شخصية فرانك في سلوكه الدكتاتوري الكامل مع أتباعه، ورغبته في السيطرة عليهم تماماً حتى عن طريق الجنس وغيره من الطرق، كما أنه كان يَعدُ أتباعه بطريقة الملوك. وحينما راقته امرأة ذات مرة، أخبرها بأن فيها شرارة ملكية. بل يُقال إن ما كان فرانك يرمي إليه من وراء حركته هو خلق قاعدة جماهيرية تشكل أساساً للقوة، وأن عملية التنصر لم تكن إلا محاولة لخلق هوية مستقلة لهذه الجماهير عن كل من اليهود والمسيحيين حتى يمثلوا قاعدة جماهيرية له. ومع الفرانكية، ظهرت الحسيدية في المرحلة الزمنية نفسها وفي المكان نفسه (بودوليا) جنباً إلى جنب، وانتشرتا بين الجماهير نفسها (الفلاحين اليهود، وأصاحب الحانات، ومستأجري الامتيازات من يهود الأرندا، والوعاظ المتجولين الذين لم يكونوا أعضاء في النخبة الدينية) . والواقع أن نقاط التشابه بينهما كثيرة وعميقة. فكلتاهما تنطلقان من القبَّالاه (وخصوصاً اللوريانية) كإطار فكري، وتؤكدان أهمية التلقائية والحرية، وتهملان دراسة التوراة والتلمود (والفرانكية تعادي التلمود) ، كما أن كلتيهما تأثرتا بالنزعة الشبتانية وبكثير من أفكارها، واتخذتا موقفاً متحرراً جدلياً من مشكلة الخطيئة والذنب، كما أن كلتيهما جعلت من المنفى حالة شبه نهائية على اليهود تَقبُّلها. ورغم أن الحسيدية تعبِّر عن حب عارم لفلسطين، فإن الحسيديين لم يشجعوا الهجرة إليها قط، بل وقفوا ضدها. أما فرانك، فلم يكترث كثيراً لفلسطين، وقد تَضمَّن برنامجه الإصلاحي (المشيحاني) تأسيس جماعة زراعية في إحدى مناطق بولندا. وقد وقفت كل من الحركتين موقفاً معادياً من المؤسسة الحاخامية. ولكن الفرانكية فشلت كحركة جماهيرية في حين أن الحسيدية نجحت حتي أصبحت أهم الحركات الدينية بين يهود اليديشية في شرق أوربا. ويرجع هذا إلى عدة أسباب: 1 ـ بينما قامت الفرانكية بإعلاء الخطيئة وجعلها فضيلة، وانغمس أتباعها في الممارسات الجنسية، قللت الحسيدية من أهمية مشكلة الخطيئة وحسب وجعلت التساديك واسطة الغفران. وقد كان موقف الفرانكية الراديكالي العدمي موقفاً متفجراً غير اجتماعي. أما موقف الحسيديين، فهو على العكس يساعد على الترابط التنظيمي والاجتماعي. 2 ـ لجأت الفرانكية، في النهاية، إلى الكنيسة الكاثوليكية، وكان تحديها للمؤسسة الدينية اليهودية تحدياً جذرياً رافضاً. أما الحسيدية، فقد ظلت تعمل من داخل الجماعة اليهودية. 3 ـ جعلت الفرانكية الخلاص ممكناً من خلال شخص الماشيَّح. لكن تعليق مصير الحركة على شخص واحد كان لابد أن يؤدي إلى أزمة عميقة في حالة فشل هذا الشخص أو انحرافه، وهو الأمر الذي أودي في نهاية الأمر بالفرانكية. أما الحسيدية، فقد جعلت المشيحانية مسألة لفظية، وفتتت النزعة المشيحانية بتوزيعها على شخصيات متعددة هم التساديك، وبالتالي لم تصل إلى مرحلة الأزمة. 4 ـ ظل الحلم الفرانكي، حتى النهاية، قابلاً للتحقيق من خلال رجل باطش وشخصية كاريزمية. أما الحسيدية، فقد ظلت دون حلم واضح محدد المعالم وإنما انعكست في عدة ممارسات تهدف إلى تخفيف حدة اغتراب اليهود وآلامهم وتأكيد أهمية الجماعة. والواقع أن كلاًّ من الفرانكية والحسيدية تشبه الصهيونية من بعض الوجوه، لكن الأولى أكثر قرباً إلى الصهيونية من الثانية. فالفرانكية والصهيونية، كلتاهما، ترفضان التراث الديني اليهودي بشكل راديكالي، وكلتاهما تخرقان الشريعة ولا تلتزمان بها، كما أن قضية السلطة أساسية بالنسبة إلى الفريقين. وقد انتقد فرانك فكرة أن ينتظر اليهود عودتهم إلى صهيون في آخر الأيام، ورأى فيها فكرة سلبية تماماً، وهو يتفق في ذلك مع الصهاينة. وكذلك، فإن الصياغة الفرانكية لدمج اليهود كجماعة تم تطبيعها (أي تنصيرها جزئياً وتحويلها إلى شعب منتج) لا تختلف كثيراً عن التصور الصهيوني الخاص بإخلاء أوربا من يهودها، وتجميع هؤلاء اليهود في فلسطين، وتطبيعهم داخل إطار الدولة اليهودية التي ستندمج في المجتمع الدولي. كما أن اهتمام فرانك بالزراعة والتنظيم العسكري له ما يناظره في النظرية والممارسة الصهيونيتين. والعدمية الفرانكية تشبه في كثير من النواحي العدمية المتغلغلة في الفكر الغربي الحديث، ولا ندري إن كان هذا أثراً من آثار الفرانكية أم هو مجرد تماثل بنيوي. ونحن لا نستبعد أن يكون سيجموند فرويد قد تأثر بنمط تفكير فرانك. وفي الواقع، فإن النمط الفكري لجيكوب فرانك يشبه إلى حدٍّ ما الفلسفة الأدبية السائدة الآن في الغرب باسم «التفكيكية» التي ترمي إلى هَدْم فكرة المعنى أساساً وترى أن مهمة الناقد ليست تفسير العمل الأدبي وإنما تفكيكه وإظهار افتقاره إلى المعنى. ويجب أن نشير إلى أن التقاليد السفاردية العدمية بدأت بإسبينوزا وشبتاي تسفي، ثم تبعهما في ذلك الدونمه والحركة الشبتانية، ثم انتقلت هذه التقاليد إلى جيكوب فرانك (السفاردي) ، وأخيراً انتقلت إلى كلٍّ من جاك دريدا وإدموند جابيس. جيكوب فرانك (1726-1791) Jacob Frank جيكوب فرانك هو مؤسس الحركة الفرانكية. وُلد في بودوليا باسم جيكوب يهودا ليب لأسرة متواضعة، وكان أبوه يعمل تاجراً ومقاولاً صغيراً. وقد درس فرانك في مدرسة دينية أولية خاصة (حيدر) ، ولكن يبدو أنه لم يكن على معرفة كبيرة بالتلمود، وكان يتباهى بجهله، وبأنه رجل بسيط جاهل (بالبولندية: بروستاك) . ولبعض الوقت، عمل جيكوب فرانك في بوخارست، كتاجر ملابس وأحجار نفيسة، كما عمل في وظائف أخرى عديدة أتاحت له أن يتنقل بين مدن البلقان التابعة للدولة العثمانية في الفترة من 1745 إلى 1755. اتصل بأتباع الحركة الشبتانية في مرحلة مبكرة من حياته، ودرس الزوهار، واتبع مذهب الدونمه (طائفة الباروخيا أو اليعقوبية المتطرفة) . وقد قضى فرانك مدة طويلة من حياته في الدولة العثمانية، يتصرف كيهود السفارد ويتحدث اللادينو. وكان الإشكناز يشيرون إليه باسم «فرانك» (وهي الكلمة اليديشية التي تُطلَق على السفارد) بما كانت تحمله من إيحاءات تربط بينه وبين الشبتانية ولعل هذا يعود إلى أثر القبَّالاه اللوريانية ذات الأصول الإسبانية السفاردية. وقد قَبل هو هذا التعريف لهويته، وعدَّل اسمه إلى جيكوب فرانك. وفي عام 1753، سافر فرانك إلى سالونيكا لأول مرة، وتعرَّف على أتباع باروخيا. وسافر إلى بعض المدن العثمانية الأخرى، ثم عاد إلى سالونيكا عام 1755 وبدأ يتلبس دور الماشيَّح. وكانت حلقته تطلق عليه اسم «الحاخام جيكوب» . وأعلن فرانك أن الروح التي كانت تسكن في شبتاي تسفي وباروخيا (اللذين كان يشير إليهما فرانك بكلمتي «الأول» و «الثاني» ) قد تقمصته، وأنه تجسيد جديد لها. ضُبط فرانك عام 1756 وهو يقود إحدى الجماعات الشبتانية في طقوس ذات طابع جنسي تشبه طقوس جماعة «اليعقوبية» ، وقُبض على أتباعه، وأطلقت السلطات سراحه ظناً منها أنه مواطن تركي. فسافر إلى تركيا ومكث فيها بعض الوقت، واعتنق الإسلام عام 1757، ولكنه كان يزور أتباعه في بودوليا سراً. وحينما عاد فرانك علناً إلى بولندا، اعترف به الشبتانيون (في جاليشيا وأوكرانيا والمجر) زعيماً لهم، لكن المحكمة الدينية اليهودية (بيت دين) قررت أن ممارساته الجنسية تتعارض مع اليهودية وكل الأديان، وطالبت الكنيسة الكاثوليكية بالحرب ضد الفرانكيين. لكن هذا أتى بنتيجة عكسية، إذ أسقط الفرانكيون الواجهة اليهودية تماماً، وأكدوا المعتقدات الدينية المشتركة بينهم وبين الكنيسة، وأعلنوا أنهم معادون للتلمود، وطلبوا حماية الكنيسة التي وافقت على ذلك على أمل أن يتنصروا بشكل جماعي. وأُجريت مناظرة علنية (1759) بين الفرانكيين والحاخامات، حول موضوعات مثل تهمة الدم، وعقيدة الماشيَّح، وهل المسيح عيسى بن مريم هو الماشيَّح الذي يرد ذكره في الكتابات الدينية اليهودية، وقد انتهت المناظرة بتَقبُّل فرانك التعميد والتنصر ولكنه كان تنصراً على الطريقة المارانية، أي أنه أبطن معتقداته الغنوصية المتأثرة بالقبَّالاه اللوريانية والتي تطرفت في حلوليتها حتى وصلت إلى حد الفوضوية الكاملة والعدمية التامة. وقد اكتُشف أمر فرانك وجماعته، فقُبض عليه وأُودع السجن. وقد استمر أتباعه في تقديسه واعتبروه الماشيَّح المعذب. ثم أفرجت عنه السلطات الروسية بعد التقسيم الأول لبولندا (عام 1772) ، ولكنها عادت وألقت القبض عليه فيما بعد. ومات فرانك عام 1799 (ودُفن في مقابر المسيحيين) دون أن يترك وراءه أعمالاً مكتوبة، ولكنه مع هذا ترك كتاباً بعنوان أقوال السيد يُعَدُّ أهم مصدر لمعرفة أفكاره. وعلى أية حال، فإن هناك نقصاً شديداً في المادة والوثائق الخاصة بالفرانكية. ومن المعروف أنه، بعد وفاة فرانك، خلفته ابنته الحسناء إيف في قيادة الجماعة، واستمرت هي الأخرى، مثلها مثل أبيها، في الممارسات الجنسية الشاذة (ويبدو أنها كانت تربطها علاقة جنسية به، فالجماع بالمحارم هو قمة العدمية الفلسفية والرفض الكامل لأية حدود أو مُطْلَقات) . أما أتباعه المتنصرون، فقد استمروا في التزاوج فيما بينهم بعض الوقت، وأصبح بعضهم من كبار النبلاء البولنديين، كما انخرط كثير من أبنائهم في سلك حركة التنوير اليهودية وفي الحركات الليبرالية والماسونية، وكان من بينهم بعض رجالات الثورة الفرنسية (وخصوصاً اليعاقبة منهم) . وهذا ولا شك ترجمة لمفهوم عبء الصمت حيث ينخرط الفرانكي في عدة ديانات ومؤسسات بهدف تقويضها من الداخل ثم نبذها بعد ذلك. موسى دوبروشكا (1753-1794) Moses Dobrushka يهودي من أتباع الحركة الفرانكية. وُلد في الإمبراطورية النمساوية في أسرة ثرية من ملتزمي الضرائب والمتعهدين العسكريين ممن كانوا متحكمين في تجارة التبغ إبان حكم الإمبراطورة ماريا تريزا. ونظراً لأن أمه هي ابنة عم جيكوب فرانك مؤسس الحركة الفرانكية، فإن بيتها في برونو كان مكاناً يلتقي فيه أتباع الحركة. وقد استقر فرانك نفسه في هذه المدينة التي كان يقع فيها هذا المنزل لمدة ثلاثة عشر عاماً (1773 ـ 1786) بعد أن خرج من السجن. تلقى دوبروشكا تعليماً تلمودياً تقليدياً، كما درس الأفكار الشبتانية بالإضافة إلى دراسة الأدب الألماني وبعض اللغات الأجنبية في مرحلة مبكرة من حياته. وفي عام 1773، تزوج من ابنة واحد من أثرياء براغ. وقد دخل دوبروشكا مجال الأعمال المالية حينما كانت النمسا تُعد للحرب ضد الأتراك، وجمع ثروة كبيرة باعتباره المتعهد العسكري الأساسي. وقد منحه الإمبراطور جوزيف الثاني لقب «نبيل» . وسمَّى دوبروشكا نفسه فرانز توماس أدلر فون شونفلد، واستقر في فيينا في أواخر الثمانينيات من القرن الثامن عشر حيث عاش حياة الأثرياء، وكانت له حلقة كبيرة من المعارف من أعضاء الطبقة الثرية والحاكمة، كما كانت له صلات واسعة مع كبار الكُتَّاب الألمان. وقد رُشح دوبروشكا ليخلف فرانك في رئاسة الحركة الفرانكية ولكنه رفض ذلك. كتب دوبروشكا عدة مؤلفات ذات اتجاه تنويري، كما انخرط في صفوف الحركة الماسونية وأدخل عليها عناصر من القبَّالاه ذات طابع شبتاني. وقد كان دوبروشكا (أو شونفلد) معجباً بمبادئ الثورة الفرنسية (كان هناك عدد كبير من الشبتانيين والفرانكيين والماسونين من مؤيديها) ، وأصبحت حياته مرتبطة بها تماماً منذ بداية التسعينيات. وصل دوبروشكا إلى ستراسبورج في مارس 1792، وغيَّر اسمه إلى جوتلوب جوليوس فراي، ثم انتقل إلى باريس في يونيه من العام نفسه وانضم إلى نادي اليعاقبة فيها، واشترك في اقتحام قصر التويلري، وكتب مؤلفاً فلسفياً سياسياً عنوانه الفلسفة الاجتماعية: إلى الشعب الفرنسي. والكتاب دفاع حار عن اليعاقبة وهجوم شديد على موسى والشريعة الموسوية. وفي يناير 1793، تعرَّف دوبروشكا على واحد من أهم المحرضين اليعاقبة يُدعى فرانسوا شابو الذي تزوج من أخت دوبروشكا في أكتوبر من ذلك العام. ولكن دوبروشكا اتُهم بعد ذلك بأنه عميل نمساوي كما اتُهم بالفساد الخلقي حيث كان متورطاً في جريمة مالية، فأُلقي القبض عليه هو وشابو، وحُكم عليه بالإعدام ونُفِّذ فيه الحكم في أبريل 1794 (مع دانتون) . وبعد إعدامه، انتشرت شائعة مفادها أن دوبروشكا ذهب في مهمة سرية لتحرير الملكة ماري أنطوانيت من معتقلها. ولقد كانت حياة موسى دوبروشكا حياة فريدة، ولكنها كانت مع هذا ذات دلالة عامة وعميقة، فهو نتاج أزمة اليهودية الحاخامية وتآكلها؛ تبنَّى الرؤية الفرانكية، ثم التحق بالحركة الماسونية، وكتب دراسات تنويرية يهودية، وانخرط في عبادة العقل التي مورست بشكل حرفي إبَّان الثورة الفرنسية. ولعل العنصر المشترك في كل هذا هو رفضه الواقع رفضاً كاملاً، وكذلك رفض التصالح معه، ومحاولة التحكم فيه والسيطرة عليه، سواء من خلال الصيغ السحرية أو من خلال العقل، الأمر الذي يدل على وجود العنصر الحلولي الغنوصي في فكره. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون
|
الإرشادات السنية، في تحقيق مسائل العقائد الدينية
رسالة. في الكلام. أولها: (الحمد لله العليم ... الخ) . مرت على: خمسة عشر إرشادا. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون
|
أم البراهين في العقائد
للشيخ، الإمام، السيد، الشريف: محمد بن يوسف بن الحسين السنوسي. المتوفى: سنة 895. وهو مختصر مفيد. محتو على: جميع عقائد التوحيد. وختم: بكلمتي الشهادة. ثم شرح: شرحا، مفيدا، مختصرا. أوله: (الحمد الله واسع الجود ... الخ) . وشرح أيضا: محمد بن عمر بن إبراهيم التلمساني. المتوفى: سنة ... وهو شرح: بالقول، مختصر. أوله: (الحمد لله المنفرد بوجوب الوحدانية ... الخ) . والشيخ، شهاب الدين، أبو العباس: أحمد بن محمد الغنيمي، الأنصاري. المتوفى: سنة 1044. شرح أيضا شرحا عظيما بالقول. في نحو: تسعين كراسة صغيرة. وسماه: (بهجة الناظرين، في محاسن أم البراهين) . أوله: (الحمد لله الواجب الوجود ... الخ) . وفرغ في: ربيع الثاني، سنة تسع وثلاثين وألف. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون
|
تحفة الفوائد، لشرح العقائد
يأتي في: العين. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون
|
تسديد القواعد، في شرح: (تجريد العقائد)
مر ذكره. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون
|
تعليق الفرائد، على شرح: (العقائد)
يأتي في: العين. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون
|
درر العقائد، (وغرر كل سائق وقائد)
تركي. للشيخ: عبد المجيد السيواسي. أوله: (حمداً لمن لذذ ألسنة قلوبنا، بلذائذ عقائد أرباب الفناء ... ) . |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون
|
زبدة العقائد
لنصوح المفتي بلا رندة. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون
|
عقائد السنوسي
المسماة: (بأم البراهين) . مر. و (عقيدة أهل التوحيد) . مع شرحه. يأتي. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون
|
العقائد الشيبانية
قصيدة ألفية. للإمام، أبي عبد الله: محمد الشيباني. وشرحها: الشيخ: علوان علي بن عطية الحموي، الشافعي. المتوفى: سنة 936، ست وثلاثين وتسعمائة، المدفون بحماه. وسماه: (بديع المعاني، في شرح عقيدة الشيباني) . (2/ 1143) وقد اعتنى بحفظها جمع، واحتاجوا إلى تأليف شرح، فوضعت بعد الاستخارة. وكان فيما ظهر لنا، فهو أول شرح ألف عليها. انتهى. أقول: وهو شرح مبسوط، بعد شرح: النجم بن قاضي عجلون. وشرحها: أبو البقاء الأحمدي، الشافعي. وسماه: (المعتقد الإيماني، على عقيدة الإمام الشيباني) . أوله: (الحمد لله وكفى ... الخ) . وشرحها: الشيخ: محمد بن علي بن محمد علان، المكي. المتوفى: سنة 1057، سبع وخمسين وألف. وسماه: (بديع المعاني) . كما صرح به في شرح الطريقة. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون
|
عقائد الشيخ الأكبر
محيي الدين: محمد بن علي، المعروف: بابن عربي. المتوفى: سنة 638، ثمان وثلاثين وستمائة. |