نتائج البحث عن (قِيَافَة) 7 نتيجة

التَّعْرِيفُ:
1 - الْقِيَافَةُ مَصْدَرُ قَافَ بِمَعْنَى تَتَبَّعَ أَثَرَهُ لِيَعْرِفَهُ، يُقَال: فُلاَنٌ يَقُوفُ الأَْثَرَ وَيَقْتَافُهُ قِيَافَةً.
وَفِي لِسَانِ الْعَرَبِ أَنَّ الْقَائِفَ هُوَ: الَّذِي يَتَتَبَّعُ الآْثَارَ وَيَعْرِفُهَا، وَيُعْرَفُ شَبَهَ الرَّجُل بِأَخِيهِ وَأَبِيهِ (1) .
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ لِلْقِيَافَةِ وَمُشْتَقَّاتِهَا عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ الْمُتَعَلِّقِ بِتَتَبُّعِ الأَْثَرِ وَمَعْرِفَةِ الشَّبَهِ.
فَفِي التَّعْرِيفَاتِ لِلْجُرْجَانِيِّ وَفِي دُسْتُورِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْقَائِفَ هُوَ الَّذِي يَعْرِفُ النَّسَبَ بِفِرَاسَتِهِ وَنَظَرِهِ إِلَى أَعْضَاءِ الْمَوْلُودِ (2) ، وَيُعَرِّفُهُ ابْنُ رُشْدٍ وَابْنُ حَجَرٍ وَالصَّنْعَانِيُّ بِمَا لاَ يَبْعُدُ عَنْ ذَلِكَ (3) .
__________
(1) لسان العرب مادة (قوف) .
(2) التعريفات ص171، ودستور العلماء 3 / 52.
(3) فتح الباري 15 / 59، وبداية المجتهد 2 / 327، وسبل السلام 4 / 137.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْعِيَافَةُ:
2 - تَأْتِي هَذِهِ الْمَادَّةُ فِي اللُّغَةِ وَيُرَادُ بِهَا الْكَرَاهَةُ، كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الضَّبِّ الْمَشْوِيِّ الَّذِي لَمْ يَأْكُلْهُ: لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ (1) .
كَمَا يُرَادُ بِهَا التَّرَدُّدُ عَلَى الشَّيْءِ وَالْقُرْبُ مِنْهُ وَالْحَوْمُ عَلَيْهِ، فَعَافَتِ الطَّيْرُ أَيْ: تَحُومُ عَلَى الْمَاءِ، وَعَافَتْ عَلَى الْجِيَفِ أَيْ: تَطِيرُ حَوْلَهَا تُرِيدُ الْوُقُوعَ عَلَيْهَا.
وَتُطْلَقُ عَلَى زَجْرِ الطُّيُورِ وَالسَّوَانِحِ، وَالاِعْتِبَارُ بِأَسْمَائِهَا وَمَسَاقِطِهَا وَمَمَرِّهَا وَأَصْوَاتِهَا.
قَال الأَْزْهَرِيُّ: الْعِيَافَةُ زَجْرُ الطَّيْرِ، وَهُوَ أَنْ يَرَى طَائِرًا أَوْ غُرَابًا فَيَتَطَيَّرَ وَإِنْ لَمْ يَرَ شَيْئًا، فَقَال بِالْحَدْسِ كَانَ عِيَافَةً أَيْضًا (2) وَهَذَا هُوَ الَّذِي شُهِرَ بِهِ بَنُو لَهَبٍ وَبَنُو أَسَدٍ (3) .
وَكَانَ الْعَائِفُ هُوَ الْكَاهِنَ الَّذِي يَعْمِدُ إِلَى التَّضْلِيل، وَيَدَّعِي الاِتِّصَال بِعَالَمِ الْغَيْبِ، وَهُنَاكَ شَوَاهِدُ عَدِيدَةٌ عَلَى ارْتِبَاطِ الْعِيَافَةِ بِالْكَهَانَةِ، وَهِيَ بِهَذَا تَخْتَلِفُ عَنِ الْقِيَافَةِ الَّتِي
__________
(1) حديث: " لم يكن بأرض قومي. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 9 / 663) ، ومسلم (3 / 1543) من حديث ابن عباس.
(2) لسان العرب مادة (عيف) .
(3) لسان العرب، والقاموس المحيط مادة (عيف) .

لاَ تَعَلُّقَ لَهَا بِالْكَهَانَةِ، وَتَقُومُ عَلَى النَّظَرِ الْمَنْطِقِيِّ التَّجْرِيبِيِّ حَسْبَمَا يَتَّضِحُ مِنْ شُرُوطِ الْعَمَل بِهَا

ب - الْفِرَاسَةُ:
3 - الْفِرَاسَةُ: اسْمٌ فِعْلُهُ تَفَرَّسَ كَتَوَسَّمَ وَزْنًا وَمَعْنًى، أَمَّا الْفِرَاسَةُ بِفَتْحِ الْفَاءِ فَمَصْدَرُ الْفِعْل فَرَسَ يَفْرُسُ، وَمَعْنَاهَا: الْعِلْمُ بِرُكُوبِ الْخَيْل وَرَكْضِهَا مِنَ الْفُرُوسِيَّةِ، وَالْفَارِسُ: الْحَاذِقُ بِمَا يُمَارِسُ مِنَ الأَْشْيَاءِ كُلِّهَا، وَبِهَا سُمِّيَ الرَّجُل فَارِسًا (1) .
وَتُطْلَقُ الْفِرَاسَةُ فِي الاِصْطِلاَحِ عَلَى مَعْنَيَيْنِ:
أَوَّلِهِمَا: نَوْعٌ يُتَعَلَّمُ بِالدَّلاَئِل وَالتَّجَارِبِ وَالْخُلُقِ وَالأَْخْلاَقِ فَتُعْرَفُ بِهِ أَحْوَال النَّاسِ (2) ، وَيُسْتَفَادُ إِطْلاَقُ الْفِرَاسَةِ عَلَى هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْعَلاَمَاتِ عِنْدَ ابْنِ الْعَرَبِيِّ مِنْ تَفْسِيرِهِ لِلتَّوَسُّمِ بِأَنَّهُ الْعَلاَمَةُ الَّتِي يُسْتَدَل بِهَا عَلَى مَطْلُوبِ غَيْرِهَا، وَهِيَ الْفِرَاسَةُ. . . وَذَلِكَ اسْتِدْلاَلٌ بِالْعَلاَمَةِ، وَمِنَ الْعَلاَمَاتِ مَا يَبْدُو لِكُل أَحَدٍ بِأَوَّل نَظَرٍ، وَمِنْهَا مَا هُوَ خَفِيٌّ لاَ يَبْدُو لِكُل أَحَدٍ، وَلاَ يُدْرَكُ بِبَادِئِ النَّظَرِ (3) .
__________
(1) لسان العرب مادة (فرس) .
(2) لسان العرب مادة (فرس) وأحكام القرآن لابن العربي 3 / 1119.
(3) أحكام القرآن لابن العربي 3 / 1119.

وَالثَّانِي: مَا يُوقِعُهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي قُلُوبِ أَوْلِيَائِهِ، فَيَعْلَمُونَ أَحْوَال بَعْضِ النَّاسِ بِنَوْعٍ مِنَ الْكَرَامَاتِ وَإِصَابَةِ الظَّنِّ وَالْحَدْسِ (1) ، وَلاَ يُكْتَسَبُ هَذَا النَّوْعُ مِنَ الْفِرَاسَةِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ طِبْقًا لِمَا ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ بِجَوْدَةِ الْقَرِيحَةِ وَحِدَّةِ الْخَاطِرِ وَصَفَاءِ الْفِكْرِ. . . وَتَفْرِيغِ الْقَلْبِ مِنْ حَشْوِ الدُّنْيَا، وَتَطْهِيرِهِ مِنْ أَدْنَاسِ الْمَعَاصِي، وَكُدُورَةِ الأَْخْلاَقِ وَفُضُول الدُّنْيَا (2) .
وَتَتَمَيَّزُ الْقِيَافَةُ عَنِ الْفِرَاسَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْقَائِفَ يَقُومُ بِجَمْعِ الأَْدِلَّةِ وَيَكْشِفُ عَنْهَا، مَعَ النَّظَرِ فِيهَا وَالْمُوَازَنَةِ بَيْنَهَا بِنَوْعِ خِبْرَةٍ لاَ تُتَاحُ إِلاَّ بِالتَّعَلُّمِ وَالتَّمَرُّسِ وَمُدَاوَمَةِ النَّظَرِ وَالدِّرَاسَةِ، أَمَّا التَّفَرُّسُ فَيُخْتَصُّ بِإِعْمَال الذَّكَاءِ الشَّخْصِيِّ وَالْقُدْرَةِ الذِّهْنِيَّةِ الْخَاصَّةِ لِوَزْنِ الأَْدِلَّةِ الْمُتَعَارِضَةِ وَتَقْدِيرِهَا.
وَيُلْحِقُ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ الْفِرَاسَةَ بِالإِْلْهَامِ وَالْكَرَامَةِ، وَلاَ يَجُوزُ لِلْقَاضِي الْحُكْمُ بِالْفِرَاسَةِ عِنْدَهُمْ لِهَذَا.

ج - الْقَرِينَةُ:
4 - الْقَرِينَةُ فِي اللُّغَةِ: مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْمُقَارَنَةِ، وَهِيَ الْمُصَاحَبَةُ، يُقَال: فُلاَنٌ قَرِينٌ لِفُلاَنٍ أَيْ
__________
(1) لسان العرب مادة (فرس) وتفسير القرطبي 10 / 44.
(2) تفسير القرطبي 10 / 44.

مُصَاحِبٌ لَهُ.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: الْعَلاَمَةُ الدَّالَّةُ عَلَى شَيْءٍ مَطْلُوبٍ (1) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْقِيَافَةِ وَبَيْنَ الْقَرِينَةِ أَنَّ الْقِيَافَةَ نَوْعٌ مِنَ الْقَرَائِنِ.

نَوْعَا الْقِيَافَةِ:
5 - يَقْسِمُ صَاحِبُ كَشْفِ الظُّنُونِ الْقِيَافَةَ إِلَى قِسْمَيْنِ:
أَوَّلِهِمَا: قِيَافَةُ الأَْثَرِ الَّذِي يُطْلَقُ عَلَيْهِ الْعِيَافَةُ كَذَلِكَ، وَيُعْرَفُ هَذَا النَّوْعُ بِأَنَّهُ: عِلْمٌ بَاحِثٌ عَنْ تَتَبُّعِ آثَارِ الأَْقْدَامِ وَالأَْخْفَافِ وَالْحَوَافِرِ فِي الطُّرُقِ الْقَابِلَةِ لِلأَْثَرِ.
أَمَّا النَّوْعُ الثَّانِي فَهُوَ قِيَافَةُ الْبَشَرِ الَّذِي يُعَرِّفُهُ بِأَنَّهُ: عِلْمٌ بَاحِثٌ عَنْ كَيْفِيَّةِ الاِسْتِدْلاَل بِهَيْئَاتِ أَعْضَاءِ الشَّخْصَيْنِ عَلَى الْمُشَارَكَةِ وَالاِتِّحَادِ فِي النَّسَبِ وَالْوِلاَدَةِ وَسَائِرِ أَحْوَالِهِمَا (2) .

الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْقِيَافَةِ:

أ - إِثْبَاتُ النَّسَبِ بِالْقِيَافَةِ:
6 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي إِثْبَاتِ النَّسَبِ بِالْقِيَافَةِ إِلَى رَأْيَيْنِ:
فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى
__________
(1) التعريفات ص152.
(2) كشف الظنون 2 / 1366.

إِثْبَاتِ النَّسَبِ بِالْقِيَافَةِ، وَأَجَازُوا الاِعْتِمَادَ عَلَيْهَا فِي إِثْبَاتِهِ عِنْدَ التَّنَازُعِ وَعَدَمِ الدَّلِيل الأَْقْوَى مِنْهَا، أَوْ عِنْدَ تَعَارُضِ الأَْدِلَّةِ الأَْقْوَى مِنْهَا.
وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: إِنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَل عَلَيَّ مَسْرُورًا تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ، فَقَال: أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزًا (1) نَظَرَ آنِفًا إِلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ فَقَال: إِنَّ هَذِهِ الأَْقْدَامُ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ (2) ، وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَقْدَحُونَ فِي نَسَبِ أُسَامَةَ؛ لأَِنَّهُ " كَانَ أَسْوَدَ شَدِيدَ السَّوَادِ مِثْل الْقَارِ، وَكَانَ زَيْدٌ أَبْيَضَ مِثْل الْقُطْنِ (3) ".
وَالْحُجَّةُ فِيهِ: أَنَّ سُرُورَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْل الْقَائِفِ إِقْرَارٌ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِجَوَازِ الْعَمَل بِهِ فِي إِثْبَاتِ النَّسَبِ (4) .
كَمَا اسْتَدَلُّوا بِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ الأَْنْصَارِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، وَهِيَ أُمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَتْ:
__________
(1) سمي كذلك لوقوعه أسيرًا في الجاهلية، وكان الأسير تجزز ناصيته حينئذ ويطلق (فتح الباري 12 / 57) .
(2) حديث: " ألم تري أن مجززًا نظر آنفًا. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 12 / 56) ، ومسلم (2 / 1082) من حديث عائشة، واللفظ للبخاري.
(3) حديث: " كان أسود شديد السواد. . . ". أخرجه أبو داود (2 / 700) من قول أحمد بن صالح.
(4) نيل الأوطار 7 / 81، وسبل السلام 4 / 137.

يَا رَسُول اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ، فَهَل عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا احْتَلَمَتْ؟ فَقَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نَعَمْ إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: وَتَحْتَلِمُ الْمَرْأَةُ؟ فَقَال: تَرِبَتْ يَدَاكِ، فَبِمَ يُشْبِهُهَا وَلَدُهَا (1) .
وَالاِسْتِدْلاَل بِهِ: أَنَّ إِخْبَارَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ أَنَّهُ (أَيِ الشَّبَهَ) مَنَاطٌ شَرْعِيٌّ، وَإِلاَّ لَمَا كَانَ لِلإِْخْبَارِ فَائِدَةٌ يُعْتَدُّ بِهَا (2) .
وَمِمَّا اسْتَدَلُّوا بِهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يَلِيطُ - أَيْ: يُلْحِقُ - أَوْلاَدَ الْجَاهِلِيَّةِ بِمَنِ ادَّعَاهُمْ فِي الإِْسْلاَمِ فِي حُضُورِ الصَّحَابَةِ دُونَ إِنْكَارٍ مِنْهُمْ، وَكَانَ يَدْعُو الْقَافَةَ وَيَعْمَل بِقَوْلِهِمْ، فَدَل هَذَا عَلَى جَوَازِ الْعَمَل بِهِ (3) .
وَكَذَلِكَ فَإِنَّ أُصُول الشَّرْعِ وَقَوَاعِدَهُ وَالْقِيَاسَ الصَّحِيحَ يَقْتَضِي اعْتِبَارَ الشَّبَهِ فِي لُحُوقِ النَّسَبِ، وَالشَّارِعُ مُتَشَوِّفٌ إِلَى اتِّصَال الأَْنْسَابِ وَعَدَمِ انْقِطَاعِهَا، وَلِهَذَا اكْتَفَى فِي ثُبُوتِهَا بِأَدْنَى الأَْسْبَابِ مِنْ شَهَادَةِ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ عَلَى الْوِلاَدَةِ وَالدَّعْوَى الْمُجَرَّدَةِ مَعَ الإِْمْكَانِ وَظَاهِرِ الْفِرَاشِ، فَلاَ يُسْتَبْعَدُ أَنْ يَكُونَ الشَّبَهُ
__________
(1) حديث أم سليم قالت: " يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحق. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 1 / 228 - 229) ، ومسلم (1 / 251) .
(2) نيل الأوطار 7 / 82.
(3) الموطأ 2 / 215.

الْخَالِي عَنْ سَبَبٍ مُقَاوِمٍ لَهُ كَافِيًا فِي ثُبُوتِهِ (1)
7 - وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَهُوَ رِوَايَةُ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ إِلَى أَنَّ الْقِيَافَةَ يَثْبُتُ بِهَا نَسَبُ الْوَلَدِ مِنَ الزَّوْجَةِ أَوِ الأَْمَةِ (2) .
وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِيمَا نَقَلَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَالْقَرَافِيُّ وَالْمَوَّاقُ أَنَّ الْقَافَةَ إِنَّمَا يُقْضَى بِهَا فِي مِلْكِ الْيَمِينِ فَقَطْ لاَ فِي النِّكَاحِ (3) ، يَقُول الْقَرَافِيُّ: وَإِنَّمَا يُجِيزُهُ مَالِكٌ فِي وَلَدِ الأَْمَةِ يَطَؤُهَا رَجُلاَنِ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ، وَتَأْتِي بِوَلَدٍ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمَا، وَالْمَشْهُورُ عَدَمُ قَبُولِهِ فِي وَلَدِ الزَّوْجَةِ (4) .
كَمَا ذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا وَطِئَ رَجُلاَنِ امْرَأَةً وَطْئًا يَثْبُتُ بِهِ النَّسَبُ، كَالْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ أَوْ فِي زَوَاجٍ فَاسِدٍ وَكَالأَْمَةِ الْمُشْتَرَكَةِ، فَإِنَّهَا إِنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ وَاحْتَمَل أَنْ يَكُونَ مِنْ أَحَدِهِمَا، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ مُعْتَدَّةً وَأَتَتْ بِالْوَلَدِ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنَ الزَّوَاجِ وَقَبْل انْتِهَاءِ أَقْصَى مُدَّةِ الْحَمْل، كَانَ الْقَائِفُ هُوَ الَّذِي يُلْحِقُهُ بِأَيٍّ مِنْ
__________
(1) الطرق الحكمية ص222، والفروق 4 / 99، ومغني المحتاج 4 / 489، والمبدع 8 / 136.
(2) نهاية المحتاج 8 / 375، ومغني المحتاج 4 / 489، والمغني لابن قدامة 7 / 483، ومنتهى الإرادات 3 / 224، والمبدع 8 / 136، والفروق 4 / 99، ومواهب الجليل 5 / 247، وبداية المجتهد 2 / 328.
(3) بداية المجتهد 2 / 328، وذكر صاحب التبصرة (2 / 109) تعليل هذه الرواية بوقوع التساوي في ملك الأمة.
(4) الفروق 4 / 99، وتهذيب الفروق 4 / 164، ومواهب الجليل 5 / 247.

الرَّجُلَيْنِ (1) .
كَمَا ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا تَنَازَعَ شَخْصَانِ أَوْ أَكْثَرُ بُنُوَّةَ أَحَدٍ، وَلَمْ يَتَرَجَّحْ قَوْل أَيٍّ مِنْهُمَا بِبَيِّنَةٍ، فَلَوِ ادَّعَيَا جَمِيعًا صَبِيًّا وَاحِدًا. . . يَقُول كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا هَذَا ابْنِي. . . الْوَاجِبُ فِي هَذَا عِنْدِي عَلَى أُصُولِهِمْ أَنْ تُدْعَى لَهُ الْقَافَةُ أَيْضًا (2) ، وَمِنْ جِنْسِهِ مَا أَوْرَدَهُ الْمَوَّاقُ عَنْ أَشْهَبَ فِيمَنْ نَزَل عَلَى رَجُلٍ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ حَامِلٌ، فَوَلَدَتْ هِيَ وَوَلَدَتِ امْرَأَةُ الضَّيْفِ فِي لَيْلَةٍ صَبِيَّيْنِ فَلَمْ تَعْرِفْ كُل وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَلَدَهَا، دَعِي لَهُمَا الْقَافَةُ (3) ، وَكَذَا لَوْ وُضِعَ وَلِيدُهَا فِي مَكَانٍ فَاخْتَلَطَ بِغَيْرِهِ، إِلاَّ إِذَا كَانَتْ مُتَعَدِّيَةً فِي تَرْكِهَا لَهُ، كَأَنْ قَصَدَتْ نَبْذَهُ وَالْخَلاَصَ مِنْهُ، فَلاَ يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهَا عِنْدَ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ وَلاَ يُدْعَى لَهَا الْقَافَةُ.
وَيُتَصَوَّرُ الْحُكْمُ بِالْقَافَةِ فِي اللَّقِيطِ إِذَا تَنَازَعَ بُنُوَّتَهُ رَجُلاَنِ أَوْ أَكْثَرُ (4) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَثْبُتُ النَّسَبُ بِقَوْل الْقَافَةِ، لاَ لأَِنَّ الْقِيَافَةَ كَالْكَهَانَةِ فِي الذَّمِّ وَالْحُرْمَةِ، أَوْ أَنَّ الشَّبَهَ لاَ يَثْبُتُ بِهَا، وَإِنَّمَا؛ لأَِنَّ
__________
(1) المغني 7 / 483، ومنتهى الإرادات 3 / 224، والمبدع 8 / 136.
(2) مواهب الجليل 5 / 247.
(3) مواهب الجليل 5 / 247، والتاج والإكليل للمواق بالموضع نفسه.
(4) بداية المجتهد 3 / 327.

الشَّرْعَ حَصَرَ دَلِيل النَّسَبِ فِي الْفِرَاشِ، وَغَايَةُ الْقِيَافَةِ إِثْبَاتُ الْمَخْلُوقِيَّةِ مِنَ الْمَاءِ لاَ إِثْبَاتُ الْفِرَاشِ، فَلاَ تَكُونُ حُجَّةً لإِِثْبَاتِ النَّسَبِ. وَيَسْتَدِلُّونَ عَلَى مَذْهَبِهِمْ بِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَل شَرَعَ حُكْمَ اللِّعَانِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ عِنْدَ نَفْيِ النَّسَبِ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِالرُّجُوعِ إِلَى قَوْل الْقَائِفِ، فَلَوْ كَانَ قَوْلُهُ حُجَّةً لأََمَرَ بِالْمَصِيرِ إِلَيْهِ عِنْدَ الاِشْتِبَاهِ (1) .
؛ وَلأَِنَّ مُجَرَّدَ الشَّبَهِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، فَقَدْ يُشْبِهُ الْوَلَدُ أَبَاهُ الأَْدْنَى، وَقَدْ يُشْبِهُ الأَْبَ الأَْعْلَى الَّذِي بِاعْتِبَارِهِ يَصِيرُ مَنْسُوبًا إِلَى الأَْجَانِبِ فِي الْحَال، وَإِلَيْهِ أَشَارَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَال: إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلاَمًا أَسْوَدَ، فَقَال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَل لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ قَال: نَعَمْ. قَال: مَا أَلْوَانُهَا؟ قَال: حُمْرٌ، قَال: فَهَل فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ قَال: نَعَمْ، قَال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَأَنَّى هُوَ؟ فَقَال: لَعَلَّهُ يَا رَسُول اللَّهِ يَكُونُ نَزَعَهُ عِرْقٌ لَهُ (2) ، فَبَيَّنَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لاَ عِبْرَةَ لِلشَّبَهِ (3) ، وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ (4) . أَيِ الْوَلَدُ لِصَاحِبِ
__________
(1) المبسوط 17 / 70.
(2) حديث: " إن امرأتي ولدت غلامًا أسود. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 9 / 442) ، ومسلم (2 / 1137 - 1138) من حديث أبي هريرة واللفظ لمسلم.
(3) المبسوط 17 / 70.
(4) حديث: " الولد للفراش وللعاهر الحجر ". أخرجه البخاري (فتح الباري 4 / 292) ، ومسلم (2 / 1080) من حديث عائشة.

الْفِرَاشِ. . . وَالْمُرَادُ مِنَ الْفِرَاشِ هُوَ الْمَرْأَةُ.
وَفِي التَّفْسِيرِ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَل: {وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ} أَنَّهَا نِسَاءُ أَهْل الْجَنَّةِ.
وَدَلاَلَةُ الْحَدِيثِ مِنْ وُجُوهٍ ثَلاَثَةٍ:
أَحَدِهَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْرَجَ الْكَلاَمَ مَخْرَجَ الْقِسْمَةِ، فَجَعَل الْوَلَدَ لِصَاحِبِ الْفِرَاشِ وَالْحَجَرَ لِلزَّانِي، فَاقْتَضَى أَلاَّ يَكُونَ الْوَلَدُ لِمَنْ لاَ فِرَاشَ لَهُ، كَمَا لاَ يَكُونُ الْحَجَرُ لِمَنْ لاَ زِنَا مِنْهُ، إِذِ الْقِسْمَةُ تَنْفِي الشَّرِكَةَ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ جَعَل الْوَلَدَ لِصَاحِبِ الْفِرَاشِ، وَنَفَاهُ عَنِ الزَّانِي بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ؛ لأَِنَّ مِثْل هَذَا الْكَلاَمِ يُسْتَعْمَل فِي النَّفْيِ.
وَالثَّالِثِ: أَنَّهُ جَعَل كُل جِنْسِ الْوَلَدِ لِصَاحِبِ الْفِرَاشِ، فَلَوْ ثَبَتَ نَسَبُ وَلَدٍ لِمَنْ لَيْسَ بِصَاحِبِ الْفِرَاشِ لَمْ يَكُنْ كُل جِنْسِ الْوَلَدِ لِصَاحِبِ الْفِرَاشِ، وَهَذَا خِلاَفُ النَّصِّ، فَعَلَى هَذَا إِذَا زَنَى رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ فَادَّعَاهُ الزَّانِي لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ مِنْهُ لاِنْعِدَامِ الْفِرَاشِ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَيَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهَا؛ لأَِنَّ الْحُكْمَ فِي جَانِبِهَا يَتْبَعُ الْوِلاَدَةَ (1) .
وَمُفَادُ هَذَا كُلِّهِ أَنَّ النَّسَبَ يَثْبُتُ لِلرَّجُل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ بِثُبُوتِ سَبَبِهِ وَهُوَ النِّكَاحُ أَوْ مِلْكُ
__________
(1) بدائع الصنائع 6 / 242.

الْيَمِينِ، وَلاَ يَرْجِعُ عَمَل الْقَائِفِ إِلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ إِلَى مَعْرِفَةِ التَّخَلُّقِ مِنَ الْمَاءِ وَهُوَ لاَ يَثْبُتُ بِهِ النَّسَبُ، حَتَّى لَوْ تَيَقَّنَّا مِنْ هَذَا التَّخَلُّقِ وَلاَ فِرَاشَ، فَإِنَّ النَّسَبَ لاَ يَثْبُتُ (1) .

شُرُوطُ الْقَائِفِ:
8 - يُشْتَرَطُ فِي الْقَائِفِ مَا يَلِي:
أ - الْخِبْرَةُ وَالتَّجْرِبَةُ: ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُوثَقُ بِقَوْل الْقَائِفِ إِلاَّ بِتَجْرِبَتِهِ فِي مَعْرِفَةِ النَّسَبِ عَمَلِيًّا، وَذَلِكَ بِأَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ وَلَدٌ فِي نِسْوَةٍ لَيْسَ فِيهِنَّ أُمُّهُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ فِي نِسْوَةٍ فِيهِنَّ أُمُّهُ، فَإِنْ أَصَابَ فِي الْمَرَّاتِ جَمِيعًا اعْتُمِدَ قَوْلُهُ. . . وَالأَْبُ مَعَ الرِّجَال كَذَلِكَ عَلَى الأَْصَحِّ، فَيُعْرَضُ عَلَيْهِ الْوَلَدُ فِي رِجَالٍ كَذَلِكَ (2) .
وَإِذَا حَصَلَتِ التَّجْرِبَةُ وَتَوَلَّدَتِ الثِّقَةُ بِخِبْرَتِهِ فَلاَ حَاجَةَ لِتَكْرَارِ هَذَا الاِخْتِبَارِ عِنْدَ كُل إِلْحَاقٍ (3) .
وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ يُتْرَكُ الصَّبِيُّ مَعَ عَشَرَةٍ مِنَ الرِّجَال غَيْرِ مَنْ يَدَّعِيهِ وَيَرَى إِيَّاهُمْ، فَإِنْ أَلْحَقَهُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمْ سَقَطَ قَوْلُهُ لأَِنَّا تَبَيَّنَّا خَطَأَهُ،
__________
(1) المبسوط 17 / 70، وشرح معاني الآثار للطحاوي 3 / 116، 180، 4 / 161.
(2) حاشية الجمل 5 / 435.
(3) المرجع السابق.

وَإِنْ لَمْ يُلْحِقْهُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمْ أَرَيْنَاهُ إِيَّاهُ مَعَ عِشْرِينَ فِيهِمْ مُدَّعِيهِ، فَإِنْ أَلْحَقَهُ بِهِ لَحِقَ، وَلَوِ اعْتُبِرَ بِأَنْ يُرَى صَبِيًّا مَعْرُوفَ النَّسَبِ مَعَ قَوْمٍ فِيهِمْ أَبُوهُ أَوْ أَخُوهُ، فَإِذَا أَلْحَقَهُ بِقَرِيبِهِ عُلِمَتْ إِصَابَتُهُ، وَإِنْ أَلْحَقَهُ بِغَيْرِهِ سَقَطَ قَوْلُهُ جَازَ وَهَذِهِ التَّجْرِبَةُ عِنْدَ عَرْضِهِ عَلَى الْقَائِفِ لِلاِحْتِيَاطِ فِي مَعْرِفَةِ إِصَابَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يُجَرَّبْ فِي الْحَال بَعْدَ أَنْ يَكُونَ مَشْهُورًا بِالإِْصَابَةِ وَصِحَّةِ الْمَعْرِفَةِ فِي مَرَّاتٍ كَثِيرَةٍ جَازَ (1) .
ب - الْعَدَالَةُ: اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ عَنْ مَالِكٍ فِي اشْتِرَاطِ عَدَالَةِ الْقَائِفِ لِلْعَمَل بِقَوْلِهِ، فَرِوَايَةُ ابْنِ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ الْعَدَالَةُ فِي (الْقَائِفِ) الْوَاحِدِ، وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ الاِجْتِزَاءَ بِقَوْلٍ وَاحِدٍ كَمَا تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَلَمْ يَشْتَرِطِ الْعَدَالَةَ (2) .
أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فَيَشْتَرِطُونَ الْعَدَالَةَ لِلْعَمَل بِقَوْل الْقَائِفِ؛ لأَِنَّهُ حُكْمٌ فَتُشْتَرَطُ فِيهِ (3) .
ج - التَّعَدُّدُ: الأَْصَحُّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ التَّعَدُّدُ لإِِثْبَاتِ النَّسَبِ بِقَوْل الْقَائِفِ، وَيُكْتَفَى بِقَوْل قَائِفٍ وَاحِدٍ كَالْقَاضِي وَالْمُخْبِرِ، لَكِنْ وُجِدَ فِي هَذِهِ الْمَذَاهِبِ رَأْيٌ آخَرُ يَقْضِي
__________
(1) المغني 5 / 770.
(2) تبصرة الحكام 2 / 108.
(3) المغني 5 / 769، ومنتهى الإرادات 2 / 489، وحاشية الجمل على شرح المنهج 5 / 435.

بِاشْتِرَاطِ التَّعَدُّدِ، جَاءَ فِي " التَّبْصِرَةِ " حِكَايَةُ الْخِلاَفِ عَنْ مَالِكٍ فِي الاِجْتِزَاءِ بِقَائِفٍ وَاحِدٍ كَالأَْخْبَارِ، وَهُوَ قَوْل ابْنِ الْقَاسِمِ أَوْ لاَ بُدَّ مِنْ قَائِفَيْنِ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ، وَقَالَهُ ابْنُ دِينَارٍ، وَرَوَاهُ ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ كَالشَّهَادَةِ، قَال بَعْضُ الشُّيُوخِ وَالْقِيَاسُ عَلَى أُصُولِهِمْ أَنْ يُحْكَمَ بِقَوْل الْقَائِفِ الْوَاحِدِ (1) ، وَظَاهِرُ كَلاَمِ أَحْمَدَ كَمَا جَاءَ فِي الْمُغْنِي أَنَّهُ لاَ يُقْبَل إِلاَّ قَوْل اثْنَيْنِ. . . فَأَشْبَهَ الشَّهَادَةَ. . . وَقَال الْقَاضِي: يُقْبَل قَوْل الْوَاحِدِ؛ لأَِنَّهُ حُكْمٌ، وَيُقْبَل فِي الْحُكْمِ قَوْل وَاحِدٍ، وَحَمَل كَلاَمَ أَحْمَدَ عَلَى مَا إِذَا تَعَارَضَ قَوْل الْقَائِفَيْنِ (2) ، وَالرَّاجِحُ فِي الْمَذْهَبِ الاِكْتِفَاءُ بِقَوْل قَائِفٍ وَاحِدٍ فِي إِلْحَاقِ النَّسَبِ، وَهُوَ كَحَاكِمٍ، فَيَكْفِي مُجَرَّدُ خَبَرِهِ؛ لأَِنَّهُ يَنْفُذُ مَا يَقُولُهُ بِخِلاَفِ الشَّاهِدِ (3) ، وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ كَذَلِكَ (4) .
وَمَبْنَى الْخِلاَفِ فِي اشْتِرَاطِ التَّعَدُّدِ أَوْ عَدَمِ اشْتِرَاطِهِ هُوَ التَّرَدُّدُ فِي اعْتِبَارِ قَوْل الْقَائِفِ مِنْ بَابِ الشَّهَادَةِ أَوِ الرِّوَايَةِ، وَقَدْ رَجَّحَ الْقَرَافِيُّ إِلْحَاقَ قَوْل الْقَائِفِ بِالشَّهَادَةِ لِلْقَضَاءِ بِهِ فِي حَقِّ الْمُعَيَّنِ وَاحْتِمَال وُقُوعِ الْعَدَاوَةِ أَوِ التُّهْمَةِ
__________
(1) تبصرة الحكام 2 / 108.
(2) المغني 5 / 770.
(3) شرح منتهى الإرادات 2 / 488.
(4) حاشية الجمل 5 / 435.

لِذَلِكَ، وَلاَ يَقْدَحُ انْتِصَابُهُ لِهَذَا الْعَمَل عَلَى الْعُمُومِ فَإِنَّ هَذَا مِمَّا يَشْتَرِكُ فِيهِ مَعَ الشَّاهِدِ (1) ، أَمَّا السُّيُوطِيُّ فَيُرَجِّحُ إِلْحَاقَ قَوْل الْقَائِفِ بِالرِّوَايَةِ، يَقُول: وَالأَْصَحُّ الاِكْتِفَاءُ بِالْوَاحِدِ تَغْلِيبًا لِشَبَهِ الرِّوَايَةِ؛ لأَِنَّهُ مُنْتَصِبٌ انْتِصَابًا عَامًّا لإِِلْحَاقِ النَّسَبِ (2) .
د - الإِْسْلاَمُ: نَصَّ عَلَى اشْتِرَاطِهِ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (3) ، وَهُوَ الرَّاجِحُ فِي الْمَذْهَبِ الْمَالِكِيِّ، وَقَدْ سَبَقَتِ الإِْشَارَةُ إِلَى الرِّوَايَةِ الأُْخْرَى فِي هَذَا الْمَذْهَبِ، وَهِيَ الْقَاضِيَةُ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ، وَلاَ يُسَلِّمُ بَعْضُ فُقَهَاءِ الْحَنَابِلَةِ بِوُجُوبِ اشْتِرَاطِ هَذَا الشَّرْطِ لِلْعَمَل بِقَوْل الْقَائِفِ فِي مَذْهَبِهِمْ (4) .
هـ - الذُّكُورَةُ وَالْحُرِّيَّةُ: الأَْصَحُّ فِي الْمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ اشْتِرَاطُ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ، وَهُوَ الرَّاجِحُ أَيْضًا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَالْمَرْجُوحُ فِي الْمَذْهَبَيْنِ عَدَمُ اشْتِرَاطِ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ (5) .
و الْبَصَرُ وَالسَّمْعُ، وَانْتِفَاءُ مَظِنَّةِ التُّهْمَةِ، بِحَيْثُ لاَ يَكُونُ عَدُوًّا لِمَنْ يَنْفِي نَسَبَهُ، وَلاَ أَصْلاً أَوْ فَرْعًا لِمَنْ يُثْبِتُ نَسَبَهُ، نَصَّ عَلَى
__________
(1) الفروق 1 / 8.
(2) الأشباه والنظائر للسيوطي ص419.
(3) مغني المحتاج 4 / 88، ونهاية المحتاج 8 / 375، ومنتهى الإرادات 2 / 489.
(4) المبدع 5 / 310.
(5) منتهى الإرادات 2 / 489، والمبدع 5 / 310، ومغني المحتاج 4 / 88.

اشْتِرَاطِ ذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ (1) .
وَيَتَخَرَّجُ اعْتِبَارُ هَذِهِ الشُّرُوطِ كَذَلِكَ عِنْدَ مَنْ أَلْحَقُوا الْقَائِفَ بِالشَّاهِدِ أَوِ الْقَاضِي أَوِ الْمُفْتِي فَيُشْتَرَطُ فِي الْقَائِفِ مَا يُشْتَرَطُ فِيهِمْ.

شُرُوطُ الْقِيَافَةِ:
9 - يُشْتَرَطُ فِي الْقِيَافَةِ لإِِلْحَاقِ النَّسَبِ بِهَا مَا يَلِي:
أ - عَدَمُ قِيَامِ مَانِعٍ شَرْعِيٍّ مِنَ الإِْلْحَاقِ بِالشَّبَهِ، فَلَوْ نَفَى نَسَبَ وَلَدِهِ مِنْ زَوْجَتِهِ، فَإِنَّهُ يُلاَعِنُهَا وَلاَ يُلْتَفَتُ إِلَى إِثْبَاتِ الشَّبَهِ بِقَوْل الْقَافَةِ؛ لأَِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَل شَرَعَ إِجْرَاءَ اللِّعَانِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ عِنْدَ نَفْيِ النَّسَبِ، وَإِلْغَاءُ الشَّبَهِ بِاللِّعَانِ مِنْ بَابِ تَقْدِيمِ أَقْوَى الدَّلِيلَيْنِ عَلَى أَضْعَفِهِمَا (2) .
وَلاَ يُعْتَبَرُ الشَّبَهُ كَذَلِكَ إِذَا تَعَارَضَ مَعَ الْفِرَاشِ، يَدُل عَلَيْهِ وَيُوَضِّحُهُ قَضِيَّةُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ، فَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: اخْتَصَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ إِلَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ابْنِ أَمَةِ زَمْعَةَ، فَقَال سَعْدٌ: أَوْصَانِي أَخِي عُتْبَةُ إِذَا قَدِمْتُ مَكَّةَ أَنْ أَنْظُرَ إِلَى ابْنِ أَمَةِ زَمْعَةَ فَأَقْبِضُهُ فَإِنَّهُ ابْنُهُ، وَقَال عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: أَخِي ابْنُ أَمَةِ
__________
(1) نهاية المحتاج 8 / 375.
(2) زاد المعاد 5 / 422.

أَبِي، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي، فَرَأَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتْبَةَ، فَقَال: الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ. . . وَاحْتَجِبِي عَنْهُ يَا سَوْدَةُ (1) فَقَدْ أَلْغَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الشَّبَهَ وَأَلْحَقَ النَّسَبَ بِزَمْعَةَ صَاحِبِ الْفِرَاشِ.
ب - وُقُوعُ التَّنَازُعِ فِي الْوَلَدِ نَفْيًا أَوْ إِثْبَاتًا وَعَدَمُ وُجُودِ دَلِيلٍ يَقْطَعُ هَذَا التَّنَازُعَ، كَمَا إِذَا ادَّعَاهُ رَجُلاَنِ أَوِ امْرَأَتَانِ، وَكَمَا إِذَا وَطِئَ رَجُلاَنِ امْرَأَةً بِشُبْهَةٍ وَأَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ مِنْ أَحَدِهِمَا، وَكُلٌّ مِنْهُمَا يَنْفِيهِ عَنْ نَفْسِهِ، فَإِنَّ التَّرْجِيحَ يَكُونُ بِقَوْل الْقَافَةِ. أَمَّا إِذَا ادَّعَاهُ وَاحِدٌ فَإِنَّهُ يَكُونُ لَهُ، وَلاَ يَقُومُ التَّنَازُعُ حَقِيقَةً فِيمَا بَيْنَهُمَا إِذَا تَعَيَّنَ الْوَلَدُ لأَِحَدِهِمَا، فَلَوْ ادَّعَى اللَّقِيطَ رَجُلاَنِ، وَقَال أَحَدُهُمَا: هُوَ ابْنِي، وَقَال الآْخَرُ: بِنْتِي، فَإِنْ كَانَ اللَّقِيطُ ابْنًا فَهُوَ لِمُدَّعِيهِ، وَإِنْ كَانَتْ بِنْتًا فَهِيَ لِمُدَّعِيهَا؛ لأَِنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا لاَ يَسْتَحِقُّ غَيْرَ مَا ادَّعَاهُ (2) .
ج - إِمْضَاءُ الْقَاضِي قَوْل الْقَائِفِ عِنْدَ التَّنَازُعِ فِيمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيَّةُ، فَلاَ يَلْزَمُ قَوْلُهُ عَلَى هَذَا إِلاَّ بِإِمْضَاءِ الْقَاضِي لَهُ، جَاءَ فِي حَاشِيَةِ الْجَمَل: وَلاَ يَصِحُّ إِلْحَاقُ الْقَائِفِ حَتَّى يَأْمُرَ الْقَاضِي، وَإِذَا أَلْحَقَهُ اشْتَرَطَ تَنْفِيذَ الْقَاضِي إِنْ
__________
(1) حديث عائشة: " اختصم سعد بن أبي وقاص. . . ". تقدم تخريجه ف 7.
(2) المغني 5 / 776.

لَمْ يَكُنْ قَدْ حَكَمَ بِأَنَّهُ قَائِفٌ (1) ، وَرَأَى الزَّرْكَشِيُّ أَنَّ الْقَائِفَ إِنْ أَلْحَقَهُ بِأَحَدِهِمَا فَإِنْ رَضِيَا بِذَلِكَ بَعْدَ الإِْلْحَاقِ ثَبَتَ نَسَبُهُ، وَإِلاَّ فَإِنْ كَانَ الْقَاضِي اسْتَخْلَفَهُ وَجَعَلَهُ حَاكِمًا بَيْنَهُمَا جَازَ، وَنَفَذَ حُكْمُهُ بِمَا رَآهُ، وَإِلاَّ فَلاَ يَثْبُتُ النَّسَبُ بِقَوْلِهِ وَإِلْحَاقِهِ حَتَّى يَحْكُمَ الْحَاكِمُ (2) .
د - حَيَاةُ مَنْ يُرَادُ إِثْبَاتُ نَسَبِهِ بِالْقِيَافَةِ، وَهُوَ شَرْطٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، جَاءَ فِي مَوَاهِبِ الْجَلِيل: أَنَّهَا إِنْ وَضَعَتْهُ تَمَامًا مَيِّتًا لاَ قَافَةَ فِي الأَْمْوَاتِ، وَنَقَل الصَّقَلِّيُّ عَنْ سَحْنُونٍ: إِنْ مَاتَ بَعْدَ وَضْعِهِ حَيًّا دُعِيَ لَهُ الْقَافَةُ، قَال الْحَطَّابُ: وَيُحْتَمَل رَدُّهُمَا إِلَى وِفَاقٍ؛ لأَِنَّ السَّمَاعَ (أَيْ لاِبْنِ الْقَاسِمِ) فِيمَنْ وُلِدَ مَيِّتًا، وَقَوْل سَحْنُونَ فِيمَا وُلِدَ حَيًّا (3) .
وَلَمْ يَشْتَرِطِ الشَّافِعِيَّةُ حَيَاةَ الْمَقُوفِ، فَإِذَا كَانَ مَيِّتًا جَازَ إِثْبَاتُ نَسَبِهِ بِالْقَافَةِ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ أَوْ يُدْفَنْ (4) .
هـ - حَيَاةُ مَنْ يُلْحَقُ بِهِ النَّسَبُ: اشْتَرَطَ كَثِيرٌ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ حَيَاةَ الْمُلْحَقِ بِهِ، فَعَنْ سَحْنُونَ وَعَبْدِ الْمَلِكِ أَنَّهُ لاَ تُلْحِقُ الْقَافَةُ الْوَلَدَ إِلاَّ بِأَبٍ حَيٍّ، فَإِنْ مَاتَ فَلاَ قَوْل لِلْقَافَةِ فِي ذَلِكَ مِنْ
__________
(1) حاشية الجمل 5 / 436.
(2) المرجع السابق.
(3) مواهب الجليل 5 / 248.
(4) مغني المحتاج 4 / 489.

جِهَةِ قَرَابَتِهِ إِذْ لاَ تَعْتَمِدُ عَلَى شَبَهِ غَيْرِ الأَْبِ (1) ، وَيَجُوزُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ عَرْضُ الأَْبِ عَلَى الْقَافَةِ إِنْ مَاتَ وَلَمْ يُدْفَنْ، جَاءَ فِي التَّبْصِرَةِ: وَلاَ تَعْتَمِدُ الْقَافَةُ إِلاَّ عَلَى أَبٍ مَوْجُودٍ بِالْحَيَاةِ. قَال بَعْضُهُمْ: أَوْ مَاتَ وَلَمْ يُدْفَنْ، قِيل: وَيَعْتَمِدُ عَلَى الْعَصَبَةِ (2) .
وَلاَ يَشْتَرِطُ هَذَا الشَّرْطَ فُقَهَاءُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (3) .

اخْتِلاَفُ الْقَافَةِ:
10 - إِذَا اخْتَلَفَتْ أَقْوَال الْقَافَةِ جُمِعَ بَيْنَهَا إِنْ أَمْكَنَ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ أَلْحَقَ أَحَدُ الْقَائِفِينَ نَسَبَ اللَّقِيطِ بِرَجُلٍ، وَأَلْحَقَهُ الآْخَرُ بِامْرَأَةٍ فَإِنَّهُ يُنْسَبُ إِلَيْهِمَا، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنِ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَتَرَجَّحَ أَحَدُهُمَا، فَإِنَّ الرَّاجِحَ هُوَ الَّذِي يُؤْخَذُ بِهِ.
وَتَفْرِيعًا عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ بِقَوْل قَائِفَيْنِ اثْنَيْنِ خَالَفَهُمَا قَائِفٌ ثَالِثٌ، كَبَيْطَارَيْنِ خَالَفَهُمَا بَيْطَارٌ فِي عَيْبٍ وَكَطَبِيبَيْنِ خَالَفَهُمَا طَبِيبٌ فِي عَيْبٍ، قَالَهُ فِي الْمُنْتَخَبِ، وَيَثْبُتُ النَّسَبُ (4) ، وَذَلِكَ؛ لأَِنَّهُمَا شَاهِدَانِ فَقَوْلُهُمَا مُقَدَّمٌ عَلَى قَوْل شَاهِدٍ وَاحِدٍ، لَكِنْ لاَ يَتَرَجَّحُ قَوْل ثَلاَثَةِ قَافَةٍ عَلَى قَوْل قَائِفَيْنِ بِزِيَادَةِ الْعَدَدِ
__________
(1) التاج والإكليل للمواق بهامش مواهب الجليل 5 / 248.
(2) تبصرة الحكام 2 / 109.
(3) مغني المحتاج 4 / 489، ومنتهى الإرادات 2 / 487.
(4) منتهى الإرادات 2 / 488.

فِيمَا نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ قُدَامَةَ (1) .
أَمَّا إِذَا لَمْ يُمْكِنِ الْجَمْعُ وَلاَ التَّرْجِيحُ، كَأَنْ يُلْحِقَ الْقَائِفُ الْمَقُوفَ بِأَحَدِ الْمُتَنَازِعَيْنِ، وَيُلْحِقَهُ الآْخَرُ بِغَيْرِهِ، فَفِيهِ خِلاَفُ الْفُقَهَاءِ: ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُلْحَقُ الْوَلَدُ إِلاَّ بِرَجُلٍ وَاحِدٍ، وَيُؤَخَّرُ الْوَلَدُ إِذْ قَضَى الْقَافَةُ بِاشْتِرَاكِ رَجُلَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ فِيهِ إِلَى حِينِ بُلُوغِهِ، فَيُخَيَّرُ فِي الاِلْتِحَاقِ بِمَنْ يَشَاءُ مِنْهُمْ، بِنَاءً عَلَى مَا يَنْعَقِدُ مِنْ مَيْلٍ فِطْرِيٍّ بَيْنَ الْوَلَدِ وَأَصْلِهِ قَدْ يُعِينُهُ عَلَى التَّعَرُّفِ عَلَيْهِ، جَاءَ فِي بِدَايَةِ الْمُجْتَهِدِ: الْحُكْمُ عِنْدَ مَالِكٍ إِذَا قَضَى الْقَافَةُ بِالاِشْتِرَاكِ أَنْ يُؤَخَّرَ الصَّبِيُّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَيُقَال لَهُ: وَال أَيَّهُمَا شِئْتَ، وَلاَ يُلْحَقُ وَاحِدٌ بِاثْنَيْنِ، وَبِهِ قَال الشَّافِعِيُّ (2) .
وَفِي مُغْنِي الْمُحْتَاجِ: لَوْ عَدِمَ الْقَائِفُ بِدُونِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، أَوْ أَشْكَل عَلَيْهِ الْحَال بِأَنْ تَحَيَّرَ، أَوْ أَلْحَقَهُ بِهِمَا، أَوْ نَفَاهُ عَنْهُمَا، وُقِفَ الأَْمْرُ حَتَّى يَبْلُغَ عَاقِلاً وَيَخْتَارَ الاِنْتِسَابَ إِلَى أَحَدِهِمَا بِحَسَبِ الْمَيْل الَّذِي يَجِدُهُ، وَيُحْبَسُ لِيَخْتَارَ إِنِ امْتَنَعَ مِنَ الاِنْتِسَابِ، إِلاَّ إِنْ لَمْ يَجِدْ مَيْلاً إِلَى أَحَدِهِمَا فَيُوقَفُ الأَْمْرُ.
وَلاَ يُقْبَل رُجُوعُ قَائِفٍ إِلاَّ قَبْل الْحُكْمِ بِقَوْلِهِ، ثُمَّ لاَ يُقْبَل قَوْلُهُ فِي حَقِّهِ لِسُقُوطِ الثِّقَةِ
__________
(1) المغني 5 / 770.
(2) بداية المجتهد 2 / 328.

بِقَوْلِهِ وَمَعْرِفَتِهِ، وَكَذَا لاَ يُصَدَّقُ لِغَيْرِ الآْخَرِ إِلاَّ بَعْدَ مُضِيِّ إِمْكَانِ تَعَلُّمِهِ مَعَ امْتِحَانٍ لَهُ بِذَلِكَ.
وَلَوِ اسْتَلْحَقَ مَجْهُولاً نَسَبَهُ وَلَهُ زَوْجَةٌ فَأَنْكَرَتْهُ زَوْجَتُهُ لَحِقَهُ عَمَلاً بِإِقْرَارِهِ دُونَهَا، لِجَوَازِ كَوْنِهِ مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ أَوْ زَوْجَةٍ أُخْرَى، وَإِنِ ادَّعَتْهُ، وَالْحَالَةُ هَذِهِ، امْرَأَةٌ أُخْرَى وَأَنْكَرَهُ زَوْجُهَا، وَأَقَامَ زَوْجُ الْمُنْكِرَةِ بَيِّنَتَيْنِ تَعَارَضَتَا فَيَسْقُطَانِ، وَيُعْرَضُ عَلَى الْقَائِفِ، فَإِنْ أَلْحَقَهُ بِهَا لَحِقَهَا، وَكَذَا زَوْجُهَا عَلَى الْمَذْهَبِ الْمَنْصُوصِ كَمَا قَالَهُ الإِْسْنَوِيُّ خِلاَفًا لِمَا جَرَى عَلَيْهِ ابْنُ الْمُقْرِي، أَوْ بِالرَّجُل لَحِقَهُ وَزَوْجَتَهُ، فَإِنْ لَمْ يُقِمْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بَيِّنَةً، فَالأَْصَحُّ كَمَا قَال الإِْسْنَوِيُّ أَنَّهُ لَيْسَ وَلَدًا لِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا.
وَلاَ يَسْقُطُ حُكْمُ قَائِفٍ بِقَوْل قَائِفٍ آخَرَ، وَلَوْ أَلْحَقَهُ قَائِفٌ بِالأَْشْبَاهِ الظَّاهِرَةِ، وَآخَرُ بِالأَْشْبَاهِ الْخَفِيَّةِ كَالْخُلُقِ وَتَشَاكُل الأَْعْضَاءِ، فَالثَّانِي أَوْلَى مِنَ الأَْوَّل؛ لأَِنَّ فِيهَا زِيَادَةَ حِذْقٍ وَبَصِيرَةٍ، وَلَوْ أَلْحَقَ الْقَائِفُ التَّوْأَمَيْنِ بِاثْنَيْنِ، بِأَنْ أَلْحَقَ أَحَدَهُمَا بِأَحَدِهِمَا، وَالآْخَرَ بِالآْخَرِ بَطَل قَوْلُهُ حَتَّى يُمْتَحَنَ وَيَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُهُ فَيُعْمَل بِقَوْلِهِ، كَمَا لَوْ أَلْحَقَ الْوَاحِدَ بِاثْنَيْنِ، وَيَبْطُل أَيْضًا قَوْل قَائِفَيْنِ اخْتَلَفَا فِي الإِْلْحَاقِ حَتَّى يُمْتَحَنَا وَيَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُهُمَا.
وَيَلْغُو انْتِسَابُ بَالِغٍ أَوْ تَوْأَمَيْنِ إِلَى اثْنَيْنِ،

فَإِنْ رَجَعَ، أَحَدُ التَّوْأَمَيْنِ إِلَى الآْخَرِ قُبِل، وَيُؤْمَرُ الْبَالِغُ بِالاِنْتِسَابِ إِلَى أَحَدِهِمَا، وَمَتَى أَمْكَنَ كَوْنُهُ مِنْهُمَا عُرِضَ عَلَى الْقَائِفِ وَإِنْ أَنْكَرَهُ الآْخَرُ أَوْ أَنْكَرَاهُ؛ لأَِنَّ لِلْوَلَدِ حَقًّا فِي النَّسَبِ فَلاَ يَثْبُتُ بِالإِْنْكَارِ مِنْ غَيْرِهِ وَيُنْفِقَانِ عَلَيْهِ إِلَى أَنْ يُعْرَضَ عَلَى الْقَائِفِ أَوْ يَنْتَسِبَ، وَيَرْجِعَ بِالنَّفَقَةِ مَنْ لَمْ يَلْحَقْهُ الْوَلَدُ عَلَى مَنْ لَحِقَهُ إِنْ أَنْفَقَ بِإِذْنِ الْحَاكِمِ وَلَمْ يَدَّعِ الْوَلَدَ، وَيَقْبَلاَنِ لَهُ الْوَصِيَّةَ الَّتِي أُوصِيَ لَهُ بِهَا فِي مُدَّةِ التَّوَقُّفِ؛ لأَِنَّ أَحَدَهُمَا أَبُوهُ، وَنَفَقَةُ الْحَامِل عَلَى الْمُطَلِّقِ فَيُعْطِيهَا لَهَا وَيَرْجِعُ بِهَا عَلَى الآْخَرِ إِنْ أُلْحِقَ الْوَلَدُ بِالآْخَرِ، فَإِنْ مَاتَ الْوَلَدُ قَبْل الْعَرْضِ عَلَى الْقَائِفِ عُرِضَ عَلَيْهِ مَيِّتًا، لاَ إِنْ تَغَيَّرَ أَوْ دُفِنَ، وَإِنْ مَاتَ مُدَّعِيهِ عُرِضَ عَلَى الْقَائِفِ مَعَ أَبِيهِ أَوْ أَخِيهِ وَنَحْوِهِ مِنْ سَائِرِ الْعَصَبَةِ (1) .
وَرَجَّحَ الْحَنَابِلَةُ إِطْلاَقَ الْعَمَل بِقَوْل الْقَافَةِ، فَإِنْ أَلْحَقُوهُ بِوَاحِدٍ مِنَ الْمُتَنَازِعَيْنِ لَحِقَ بِهِ، وَإِنْ أَلْحَقُوهُ بِاثْنَيْنِ لَحِقَ بِهِمَا، وَإِنْ أَلْحَقُوهُ بِأَكْثَرَ مِنَ اثْنَيْنِ الْتُحِقَ بِهِمْ وَإِنْ كَثُرُوا؛ لأَِنَّ الْمَعْنَى الَّذِي لأَِجْلِهِ أُلْحِقَ بِالاِثْنَيْنِ مَوْجُودٌ فِيمَا زَادَ عَلَيْهِ فَيُقَاسُ عَلَيْهِ، وَدَلِيل الْحَنَابِلَةِ عَلَى مَذْهَبِهِمْ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي رَجُلَيْنِ ادَّعَيَا وَلَدًا كِلاَهُمَا يَزْعُمُ أَنَّهُ
__________
(1) مغني المحتاج 4 / 490، 491.

ابْنُهُ، فَدَعَا عُمَرُ لَهُمَا بِالْقَافَةِ فَنَظَرُوا وَقَالُوا نَرَاهُ يُشْبِهُهُمَا فَأَلْحَقَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِهِمَا وَجَعَلَهُ يَرِثُهُمَا وَيَرِثَانِهِ (1) .
وَإِنِ ادَّعَتِ امْرَأَتَانِ نَسَبَ وَلَدٍ، وَلَمْ يُمْكِنْ تَرْجِيحُ قَوْل إِحْدَاهُمَا بِبَيِّنَةٍ، فَفِيهِ الاِخْتِلاَفُ السَّابِقُ (2) .

الإِْثْبَاتُ بِقِيَافَةِ الأَْثَرِ فِي الْمُعَامَلاَتِ:
11 - ذَكَرَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ جَوَازَ اعْتِمَادِ الْقَاضِي عَلَى الْقِيَافَةِ فِي الْمُعَامَلاَتِ وَالأَْمْوَال، يَقُول: وَيَتَوَجَّهُ أَنْ يُحْكَمَ بِالْقِيَافَةِ فِي الأَْمْوَال كُلِّهَا، كَمَا حَكَمْنَا بِذَلِكَ فِي الْجِذْعِ الْمَقْلُوعِ إِذَا كَانَ لَهُ مَوْضِعٌ فِي الدَّارِ، وَكَمَا حَكَمْنَا فِي الاِشْتِرَاكِ فِي الْيَدِ الْحِسِّيَّةِ بِمَا يَظْهَرُ مِنَ الْيَدِ الْعُرْفِيَّةِ، فَأَعْطَيْنَا كُل وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ مَا يُنَاسِبُهُ فِي الْعَادَةِ، وَكُل وَاحِدٍ مِنَ الصَّانِعَيْنِ مَا يُنَاسِبُهُ، وَكَمَا حَكَمْنَا بِالْوَصْفِ فِي اللُّقَطَةِ إِذَا تَدَاعَاهَا اثْنَانِ، وَهَذَا نَوْعُ قِيَافَةٍ أَوْ شَبِيهٌ بِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ تَنَازَعَا غِرَاسًا أَوْ تَمْرًا فِي أَيْدِيهِمَا، فَشَهِدَ أَهْل الْخِبْرَةِ أَنَّهُ مِنْ هَذَا الْبُسْتَانِ، وَيَرْجِعُ إِلَى أَهْل الْخِبْرَةِ حَيْثُ يَسْتَوِي الْمُتَدَاعِيَانِ، كَمَا رُجِعَ إِلَى أَهْل الْخِبْرَةِ بِالنَّسَبِ، وَكَذَلِكَ لَوْ تَنَازَعَ اثْنَانِ لِبَاسًا مِنْ لِبَاسِ أَحَدِهِمَا دُونَ الآْخَرِ، أَوْ تَنَازَعَا
__________
(1) منتهى الإرادات 2 / 488.
(2) المغني 5 / 775، وبداية المجتهد 2 / 328، ومغني المحتاج 4 / 490 - 491، والمهذب 1 / 572.

دَابَّةً تَذْهَبُ مِنْ بَعِيدٍ إِلَى إِصْطَبْل أَحَدِهِمَا دُونَ الآْخَرِ، أَوْ تَنَازَعَا زَوْجَ خُفٍّ أَوْ مِصْرَاعَ بَابٍ مَعَ الآْخَرِ شَكْلُهُ، أَوْ كَانَ عَلَيْهِ عَلاَمَةٌ لأَِحَدِهِمَا كَالزُّرْبُول الَّتِي لِلْجُنْدِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُدَّعَى فِي أَيْدِيهِمَا أَوْ فِي يَدِ ثَالِثٍ (1) .
وَكَذَلِكَ لَوْ تَدَاعَيَا بَهِيمَةً أَوْ فَصِيلاً فَشَهِدَ الْقَائِفُ أَنَّ دَابَّةَ هَذَا أَنْتَجَتْهَا يَنْبَغِي أَنْ يُقْضَى بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ، وَتُقَدَّمُ عَلَى الْيَدِ الْحِسِّيَّةِ (2) ، وَقَدْ حَكَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالأَْثَرِ فِي السَّيْفِ فِي قَضِيَّةِ ابْنَيْ عَفْرَاءَ (3) .
فَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِهِمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَهُمَا: أَيُّكُمَا قَتَلَهُ؟ قَال كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا: أَنَا قَتَلْتُهُ، فَقَال: هَل مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا؟ قَالاَ: لاَ، فَنَظَرَ فِي السَّيْفَيْنِ فَقَال: كِلاَكُمَا قَتَلَهُ (4) .

الإِْثْبَاتُ بِقِيَافَةِ الأَْثَرِ فِي الْجِنَايَاتِ:
12 - يُرْجَعُ إِلَى قَائِفِ الأَْثَرِ لِلْقَبْضِ عَلَى الْمُتَّهَمِينَ وَإِحْضَارِهِمْ مَجْلِسَ الْقَاضِي، كَمَا
__________
(1) الفتاوى الكبرى لابن تيمية 4 / 587، وانظر هذه الأمثلة في البحر الرائق لابن نجيم 7 / 225، وحاشية ابن عابدين 8 / 53، 38، ورمز الحقائق 2 / 110، 115، والمبسوط 17 / 63، 78، 87، 94، ومعين الحكام 130، 163، والمغني لابن قدامة 9 / 320 - 325، والطرق الحكمية ص10، وتبصرة الحكام 2 / 70، 123.
(2) الفتاوى الكبرى 4 / 587.
(3) تبصرة الحكام 2 / 121.
(4) حديث " ابني عفراء ". أخرجه البخاري (فتح الباري 6 / 246 - 247) ، ومسلم (3 / 1372) من حديث عبد الرحمن بن عوف.

حَدَثَ فِي قَضِيَّةِ الْعُرَنِيِّينَ، فَقَدْ وَرَدَ أَنَّ قَوْمًا مِنْ عُرَيْنَةَ قَدِمُوا عَلَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَتَلُوا رَاعِيَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْتَاقُوا النَّعَمَ، فَبَعَثَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي طَلَبِهِمْ قَافَةً فَأُتِيَ بِهِمْ (1) .
وَيُرْجَعُ إِلَيْهِ كَذَلِكَ فِي جَمْعِ الأَْدِلَّةِ وَالْكَشْفِ عَنْ كَيْفِيَّةِ ارْتِكَابِ الْجِنَايَةِ.
وَيُعَدُّ رَأْيُ الْقَائِفِ شَهَادَةً تَثْبُتُ بِهَا الْحُقُوقُ وَالدَّعَاوَى عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، مِثَالُهُ فِيمَا ذَكَرَهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: أَنْ يَدَّعِيَ شَخْصٌ أَنَّهُ ذَهَبَ مِنْ مَالِهِ شَيْءٌ، وَيَثْبُتَ ذَلِكَ، فَيَقْتَصُّ الْقَائِفُ أَثَرَ الْوَطْءِ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ، فَشَهَادَةُ الْقَائِفِ أَنَّ الْمَال دَخَل إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ تُوجِبُ أَحَدَ الأَْمْرَيْنِ: إِمَّا الْحُكْمُ بِهِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ بِهِ مَعَ الْيَمِينِ لِلْمُدَّعِي، وَهُوَ الأَْقْرَبُ، فَإِنَّ هَذِهِ الأَْمَارَاتِ تُرَجِّحُ جَانِبَ الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ مَشْرُوعَةٌ فِي أَقْوَى الْجَانِبَيْنِ (2) ، وَقَدْ حَكَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالأَْثَرِ فِي السَّيْفِ كَمَا يَذْكُرُ ابْنُ فَرْحُونَ (3) فِي قِصَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ وَأَصْحَابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ لَمَّا دَخَلُوا الْحِصْنَ عَلَى ابْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ لِيَقْتُلُوهُ، وَكَانَ ذَلِكَ لَيْلاً، فَوَقَعُوا فِيهِ بِالسُّيُوفِ، وَوَضَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ السَّيْفَ
__________
(1) حديث " العرينين ". أخرجه أبو داود (2 / 532 - 533) وأصله في مسلم (3 / 1298) .
(2) الفتاوى الكبرى 4 / 587.
(3) تبصرة الحكام 2 / 121.

فِي بَطْنِهِ وَتَحَامَل عَلَيْهِ حَتَّى نَبَعَ ظَهْرُهُ، فَلَمَّا رَجَعُوا وَقَدْ قَتَلُوهُ نَظَرَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إِلَى سُيُوفِهِمْ فَقَال: هَذَا قَتَلَهُ لأَِنَّهُ رَأَى عَلَى السَّيْفِ أَثَرَ الطِّعَانِ (1) .
وَقَدِ اسْتَنَدَ إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ إِلَى الأَْثَرِ حِينَ اخْتَصَمَ عِنْدَهُ رَجُلاَنِ فِي قَطِيفَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا حَمْرَاءُ وَالأُْخْرَى خَضْرَاءُ، وَأَحَدُهُمَا يَدَّعِي الَّتِي بِيَدِ الآْخَرِ، وَأَنَّهُ تَرَكَ قَطِيفَتَهُ لِيَغْتَسِل، فَأَخَذَهَا الآْخَرُ وَتَرَكَ قَطِيفَتَهُ هُوَ فِي مَحَلِّهَا، وَلَمْ تُوجَدْ بَيِّنَةٌ، فَطَلَبَ إِيَاسٌ أَنْ يُؤْتَى بِمُشْطٍ، فَسَرَّحَ رَأْسَ هَذَا وَرَأْسَ هَذَا، فَخَرَجَ مِنْ رَأْسِ أَحَدِهِمَا صُوفٌ أَحْمَرُ، وَمِنْ رَأْسِ الآْخَرِ صُوفٌ أَخْضَرُ، فَقَضَى بِالْحَمْرَاءِ لِلَّذِي خَرَجَ مِنْ رَأْسِهِ الصُّوفُ الأَْحْمَرُ وَبِالْخَضْرَاءِ لِلَّذِي خَرَجَ مِنْ رَأْسِهِ الصُّوفُ الأَْخْضَرُ (2) .
وَفِي إِحْدَى الْقَضَايَا هَرَبَ الْقَاتِل وَانْدَسَّ بَيْنَ النَّاسِ فَلَمْ يُعْرَفْ، فَمَرَّ الْمُعْتَضِدُ عَلَى النَّاسِ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى قَلْبِ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ فَيَجِدُهُ سَاكِنًا، حَتَّى وَضَعَ يَدَهُ عَلَى فُؤَادِ ذَلِكَ الْغُلاَمِ، فَإِذَا بِهِ يَخْفِقُ خَفْقًا شَدِيدًا، فَرَكَضَهُ بِرِجْلِهِ، وَاسْتَقَرَّهُ فَأَقَرَّ فَقَتَلَهُ (3) .
__________
(1) حديث " قصة عبد الله بن أنيس ". ذكره ابن سعد في الطبقات (2 / 91 - 92) بدون إسناد.
(2) الطرق الحكمية ص32.
(3) الطرق الحكمية ص41.

وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ الاِسْتِنَادَ إِلَى الأَْثَرِ لَيْسَ قَرِينَةً قَطْعِيَّةً عَلَى ارْتِكَابِ الْجَرِيمَةِ، تُشِيرُ إِلَى ذَلِكَ قَضِيَّةُ الْقَصَّابِ الَّذِي ذَهَبَ إِلَى خَرِبَةٍ لِلتَّبَوُّل وَمَعَهُ سِكِّينُهُ، فَإِذَا بِهِ أَمَامَ مَقْتُولٍ يَتَشَحَّطُ فِي دَمِهِ، وَمَا أَفَاقَ مِنْ ذُهُولِهِ حَتَّى وَجَدَ الْعَسَسَ يَقْبِضُونَ عَلَيْهِ، وَقَدْ عَجَزَ الرَّجُل عَنِ الدِّفَاعِ عَنْ نَفْسِهِ مُعْتَقِدًا أَنَّ الأَْدِلَّةَ جَمِيعَهَا ضِدُّهُ، وَلَمْ يُنْقِذْهُ مِنَ الْعُقُوبَةِ الْمَحْتُومَةِ - وَهِيَ الْقَتْل - إِلاَّ إِقْرَارُ الْقَاتِل الْحَقِيقِيِّ بِالْجَرِيمَةِ (1) .
__________
(1) الطرق الحكمية ص28 - 29.

علم القيافة
القيافة، على قسمين:
قيافة الأثر، ويقال لها: العيافة.
وقد مرت.
وقيافة البشر، وهي: المرادة هاهنا.
وعلم القيافة: علم باحث عن: كيفية الاستدلال بهيئات أعضاء الشخصين، إلى المشاركة، والاتحاد، في النسب، والولادة، وسائر أحوالها.
والاستدلال بهذا الوجه مخصوص ببني مدلج من العرب، فلا يمكن تعلمه.
وحكمة الاختصاص: تؤول إلى صيانة النسبة النبوية، كما قال بعض الحكماء.
وخص بهم، لحصانة نسبهم عما يورثه خبث الحسب، وشوب النسب، من فساد البذر. (2/ 1367)
وحصول هذا العلم: بالحدس، والتخمين، لا بالاستدلال، واليقين، والله - سبحانه وتعالى - أعلم.
وإنما سمي به، أي: قيافة البشر، لأن صاحبه يتبع بشرة الإنسان، وجلده، وأعضاءه، وأقدامه.
وهذا العلم: لا يحصل بالدراسة، والتعليم، ولهذا لم يصنف فيه.
وذكروا أن أفليمون صاحب الفراسة: كان يزعم في زمانه أنه يستدل بتركيب الإنسان، على أخلاقه.
فأراد تلاميذ بقراط أن يمتحنوه به، فصوروا صورة بقراط، ثم نهضوا بها إليه، وكانت يونان تحكم الصورة بحيث تحكيها على الوجه (تحاكي المصورة من جميع الوجوه) في قليل أمرها، وكثيره، لأنهم كانوا يعظمون الصورة، ويعبدونها، فلذلك يحكمونها.
وكل الأمم تبع لهم في ذلك.
ولذلك يظهر التقصير من التابعين في التصوير ظهورا بينا.
فلما حضروا عند أفليمون، ووقف على الصورة، وتأملها، وأمعن النظر فيها، قال:
هذا رجل يحب الزنا، وهو لا يدري من هو؟
فقالوا له: كذبت، هذه صورة بقراط.
فقال: لا بد لعلمي أن يصدق، فاسألوه.
فلما رجعوا إليه، وأخبروه بما كان، قال:
صدق أفليمون، أنا أحب الزنا، ولكن أملك نفسي، كذا في: (تاريخ الحكماء) .
القيافة
للإمام: الشافعي.
ونظمها:
حمد الله بن آق شمس الدين: محمد.
المتوفى: سنة 909، تسع وتسعمائة.
والشيخ: عمر الخلوتي.
نظمها: ببلدة: مغنيسا.
في: سنة 1030، ثلاثين وألف.
مَعْرِفَةُ النَّسَبَ بِالفِراسَةِ والنَّظَرِ إلى الأَعْضاءِ.
Tracking: Discerning lineage through insight and inspecting resemblances in the face and body parts.
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت