لسان المحدثين (معجم مصطلحات المحدثين)
|
هي كتب الرواية التي تجمع الأحاديث الغريبة ؛ قال الشيخ حاتم العوني في بحثه (بَيَانُ الحَدّ الذي يَنْتهِي عِنْدَهُ أَهْلُ الاصطلاحِ والنَّقْد في علوم الحديث)(1): (وفي القرن الرابع: لا شك أن دواعي نقص حفظ الصدور قد ازدادت، بتدوين السنة كُلّها، مما يجعل الاعتماد على المكتوب أيسر وأقرب ، كما أن زيادة طول الأسانيد وتشعُّبِها واختلافِ رواتها قد أدّى إلى تعسُّرِ الحفظ أيضاً. فاجتمع لنقص حفظ الصدور سببان: الاطمئنانُ على السنة بعدم ضياع شيءٍ منها، وصعوبةُ حفظها مع امتداد زمن الرواية؛ ولذلك فقد كان عدمُ الحفظ في الصدور هو الخَلَلَ الذي نصّ عليه ابن حبان، مما أرّخ لظهوره في طلبة العلم في زمنه.
ومع وجود هذا الخلل (نقصُ حفظ الصدور) إلاّ أنه لم يشمل أئمةَ النقد في هذا العصر، مع أنهم هُمْ أنفسهم واقعون تحت ضغط سَبَبَيْ نقص الحفظ الآنفَيْنِ ؛ ذلك أن أئمة النقد هؤلاء قد عرفوا أن السنّة لم تزل في حاجةٍ إلى خدمة ضروريّة، تتمِّمُ خدمةَ علماء القرون السابقة، وهذه الخدمة لا يقوم بها إلا من اكتملت فيه آلات الاجتهاد في علوم الحديث، والتي من أهمِّها إحاطةُ حفظ الصدور بالمرويّات ؛ ولذلك فقد استطاعوا أن يُقَاوموا سببَ نقصِ الحفظ، وأن يستمرّوا على نهج أسلافهم من أهل القرن الثالث فيه، بل أن يحاولوا مقاومةَ تلك الظاهرة في أهل جيلهم، كما سبق عن ابن حبان. والاستدلالُ لصحّة هذا التقرير يحتاج إلى بيان ما هي تلك الضروريّات من وجوه الخدمة التي تستلزم الحفظَ الكاملَ في الصدور، وكانت هي سبب اكتمالِ آلاتِ الاجتهاد في أئمة النقد خلال القرن الرابع. - ففي مجال تدوين السنة، الذي قرّرنا أنه قد اكتمل في القرن الثالث، لم يزل هناك مجالٌ لخدمته خدمةً مهمّة، وهي خدمةٌ لا يستطيع أن يقوم بها إلا الحفّاظ الكبار أصحاب الاطلاع الكامل على السنة وأسانيدها. ذلك أن اكتمال تدوين السنة في مصنّفات متفرّقة ومدوّنات متعدّدةٍ كثيرة غير كافٍ وحده لتيسير الاطّلاع على تلك البحار المتلاطمة من الأسانيد والروايات، خاصةً تلك الأسانيد الغرائب والأحاديث الأفراد، التي هي ليست من الشهرة بحيث تتكرّر في كثير من المصنّفات، ليضمن الباحثُ بسبب شهرتها أنه سيطّلع عليها حتى لو فاته الوقوفُ على بعض مصنفات السنة، إذ إن بعضَ المصنفات سيكفي في تلك المشاهير عن بعضها الآخر. أمّا تلك الغرائب والأفراد، فيُخشى عليها (لقلّة انتشارها في المصنّفات) أن لا يَطّلعَ عليها المحتاجُ إليها، وأن يفوته الوقوفُ عليها في بعض ما لم ينظر فيه من مصنفات السنة الكثيرة. ولهذا.. فإن اعتبارَ أبي داود أن الفخر في أحاديث كتابه أنها مشاهير، لأنّها كانت أولى ما يجب أن يُدوّنَ ويُجْمع في زمنه، لم يَعُدْ هو الفخر بعد أن دُوّنت تلك المشاهير. بل الفخر هو أن تُدَوّن الغرائب، لتتمَّ خدمة السنة، بضمّ الغرائب إلى المشاهير! وهذا هو ما يُفسِّرُ ذلك الاهتمام البالغ لدى عموم حفّاظ القرن الرابع بهذا الصنّف من الروايات: الروايات الغرائب، التي هي مع العوالي(2) مادّةُ كتب الفوائد والأمالي التي انتشرت انتشاراً واسعاً في هذا القرن. بل لقد قامت مؤلّفاتٌ ضخام لجمع تلك الغرائب، مثل: المعجم الأوسط للطبراني (ت 360هـ)، والغرائب والأفراد للدارقطني (ت 385هـ)، وهما أكبر كتب الغرائب وأجلّها مطلقاً. بل حتى من عَمَدَ إلى التأليف على منهج كتب السنن، أي في جمع أحاديث الأحكام، لم يَعْمَد إلى جمع المشاهير كما فعل أبو داود، وإنّما عمد إلى جمع غرائب أحاديث الأحكام، كما فعل الإمام الدارقطني، في كتابه الجليل (السنن)(3). وكأنه بذلك يُتمّمُ عمل أبي داود، ويؤلف كتاباً في الزوائد عليه(4). إن حاجة السنة إلى إبراز الأسانيد الغرائب؛ لما لها من علاقة كبيرة في التعليل والجرح والتعديل، ولأنّ منها ما هو صحيح مقبول أيضاً (وإن كان أكثرها ليس كذلك) هذا هو الذي جعل علماء هذه المرحلة يسعون إلى القيام بهذه المهمة الشاقّة) ؛ إلى آخر كلامه وقد قال في بعض هوامشه ما نصه: (وقد أشار ابن طاهر في هذا الموطن [يعني "أطراف الغرائب والأفراد" له (1/44)] إلى ما ذكرناه آنفاً في الأصل ، من أن التأليف في الغرائب جاء متمّماً لجهود السابقين ، حيث قال عن كتابه وكتاب أبي مسعود الدمشقي في أطراف الصحيحين: "فمن جمع هذين الكتابين أمكنه الكلامُ عن أكثر الصحيح والغريب والأفراد" ). انظر (الأفراد) و (التفرد) و(غريب). __________ (1) هو بحث من بحوث الندوة العلمية الدولية الأولى المنعقدة في رحاب كلية الدراسات الإسلامية والعربية بدبي ، في (6 - 8 صفر 1424هـ ) ، بعنوان (علوم الحديث: واقع وآفاق ). (2) تحدثتُ عن سبب العناية بالعوالي في هذه المرحلة، في دراستي لكتاب أحاديث الشيوخ الثقات لأبي بكر الأنصاري، في مقدّمة تحقيقه (1/227 - 229). (3) انظر: مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (27/166)، والسنة النبويّة وبيانُ مدلولها الشرعي والتعريف بحال سنن الدارقطني: لعبدالفتاح أبي غُدّة (25 - 40). (4) ولذلك فقد عرف البيهقي عندما أراد أن يُصنّفَ في السنن: ماذا عليه أن يعمل؟ فقد أفرغ هذين الكتابين (سنن أبي داود وسنن الدارقطني) في كتابه، نقلاً مباشراً غالباً، وغير مباشر. وانظر الصناعة الحديثيّة في السنن الكبرى للدكتور نجم عبدالرحمن خلف (149، 150، 166 - 167). |