لسان المحدثين (معجم مصطلحات المحدثين)
|
لا أصل له(1)
هذه الكلمة تقال لما لا يصح سواء كان ذلك عن تعمد من راويه ، أو بدونه. ولها عند المتأخرين في استعمالهم معنيان ، أو لها عندهم استعمالان: الاستعمال الأول: إطلاقها على الأحاديث التي صرح كبار الحفاظ المطلعين بأنهم لم يقفوا لها على إسناد أصلاً(2). الاستعمال الثاني: هم يقولون: (هذا الحديث لا أصل له في الكتاب ولا في السنة) ، ويعنون بذلك أن معناه ومضمونه غريب عن نصوص الشريعة وأصولها ، ليس فيها ما يشهد لمعناه في الجملة. وأما المتقدمون فيطلقون هذا الوصف (لا أصل له) على ثلاثة أنواع من الأحاديث، وهي: الأول: الأحاديث التي لا يعلمون لها إسناداً البتة. الثاني: الأحاديث التي لا تثبت متونُها، ولا تحتمل أن تثبت ، وإن عُرفت أسانيدها. الثالث: الروايات المعللة ، ولو كانت متونها ثابتة من طرق أخرى ، فتوصف تلك الروايات المعللة بأنها لا أصل لها ، على معنى أنها خطأ أي غير صحيحة في نفسها، أي مخالفة للأصول الصحيحة ، ولا يوجد في الروايات الصحيحة أصل لها يطابقها مطابقة تامة ، أو يتابعها متابعة تامة ، بلا مخالفة ضارة، ، وإنما كان ذلك كذلك بسبب خطأ وقع فيه بعض رواتها ، سواء كان الخطأ في المتن أو السند. فمثل هذا النوع من الروايات يطلق عليه علماء العلل هذا الاسم (لا أصل له)(3). فائدة: هل أخرج الإمام أحمد في (مسنده) وصفه هو بأنه (لا أصل له)؟ الجواب: نعم؛ فقد روى في (مسنده) حديثاً وصفه خارج (المسند) بأنه من الأحاديث التي لا أصل لها، وبسبب روايته له في (مسنده) شك في صحة هذا النقد عنه - أو نفاها - الزركشي في (التذكرة) (ص32) والعراقي في (تخريج الأحياء) (4/210) وفي (التقييد والإيضاح) (ص263) والبلقيني في (محاسن الاصطلاح) (ص391). ولكن قال الزبيدي في (شرحه للإحياء) (10/302-303): (وجدت بخط الحافظ نقلاً عن خط ابن رجب الحنبلي ما نصه: وردُّ ذلك عن أحمد بمجرد روايته له في (مسنده) فيه نظر، فكم من حديث قال فيه أحمد: "لا يصح" ، وقد أخرجه في "مسنده" ؛ ومِنْ كتب [لعلها ومن طالع كتب] العلل لعبد الله بن أحمد والأثرم والخلال علم صحة هذا ؛ انتهى ؛ وبخط الحافظ أيضاً: الصحيح عن أحمد أنه أنكر حديث "لو صدق السائل ما أفلح من رده" ، كذا نقل عنه مهنا ) ؛ انتهى كلام الزبيدي. وقال الدوسري في (الروض البسام بترتيب وتخريج فوائد تمام) (2/149-150): (مما ينبغي التنبه له أن المتقدمين يقولون في الحديث: لا أصل له، إذا لم يكن له سند صحيح [انظر على سبيل المثال: العلل لابن أبي حاتم: الأرقام 102، 108، 337، 425، 584] ، بخلاف المتأخرين فقد استقر عندهم أن هذه العبارة لا تقال إلا في الحديث الذي لم يوقف على سنده. فإذا تبين لك ذلك علمت أنه لا تعارض بين قول الإمام أحمد في الحديث (لا أصل له) وروايته في (مسنده)؛ وبالتالي فلا وجه للتشكيك في ثبوت هذه المقالة عن أحمد) ؛ انتهى. وقال ابن رجب في (فتح الباري) (2/433): (وفي (المسند)(4) من حديث ابن عمر مرفوعاً: "من اشترى ثوباً بعشرة دراهم وفيه درهم حرام لم تقبل له صلاة ما دام عليه"؛ وقد ضعف الإمام أحمد هذا الحديث في رواية أبي طالب وقال: هذا ليس بشيء ليس له إسناد). وقوله (ليس له إسناد) هو بمعنى (لا أصل له) ، لأنه أراد (ليس له إسناد يثبت). ومن هذا القبيل إخراج الإمام أحمد في (مسنده) (6/101) أحاديث استنكرها خارجه ؛ قال ابن رجب في (فتح الباري) (2/87): (وفي رواية للإمام أحمد ( [كان النبي ﷺ ] لا يصلي في شُعُرِنا) وقد أنكره الإمام أحمد إنكاراً شديداً) ؛ انتهى كلام ابن رجب وهو يشير إلى ما ورد في (العلل ومعرفة الرجال) (5) مما نقله عبدالله عن أبيه أنه قال: ما سمعت عن أشعث حديثاً أنكر من هذا ، وأنكره أشدَّ الإنكار. وقال أحمد كما في (المنتخب من علل الخلال) (ص 90): في حديث أنس بن مالك " إن هذا الدين متين": (هو منكر) ؛ ومع ذلك أخرجه في (المسند) (3/199). وانظر (ثلاثة كتب ليس لها أصول: المغازي والملاحم والتفسير ). __________ (1) ما سيقال في هذه الكلمة يعين على فهم معاني قولهم (لا أصل له بهذا اللفظ) و (ليس له أصل) و (لم يوجد له أصل) و (لم يوجد) ونحو هذه الألفاظ. (2) أحاديث هذا القسم تحتمل أن تكون في أول أمرها رويت بأسانيدها ولكنها بلغت المتأخرين متونها دون أسانيدها ؛ وتحتمل أيضاً ان تكون وُجدت بلا أسانيد ابتداء. (3) قال عبد الفتاح أبو غدة في مقدمته على كتاب (المصنوع في معرفة الحديث الموضوع) لعلي القاري (ص17 وما بعدها): (قولهم في الحديث (لا أصل له)، له إطلاقات متعددة أوجزها فيما يلي: أ- تارةً يقولون: هذا الحديث لا أصل له، أو: لا أصل له بهذا اللفظ، أو: ليس له أصل، أو: لم يوجد له أصل، أو: لم يوجد، أو نحوَ هذه الألفاظ، يريدون بذلك أن الحديث المذكور ليس له إسناد يُنقَل به. قال الحافظ السيوطي في (تدريب الراوي) في أواخر النوع الثاني والعشرين ص195 [1/297 - طبعة دار إحياء السنة النبوية]: (قولهم: هذا الحديث ليس له أصل، أو: لا أصل له، قال ابن تيمية: معناه ليس له إسناد). انتهى-----. ب- وتارة يقولون في الحديث المسند: هذا الحديث لا أصل له، يعنون به أنه موضوع مكذوب على رسول الله ﷺ، أو على الصحابي أو التابعي الذي أُسنِد قولُه إليه، وذلك بأن يكون للحديث سند مذكور ولكن في سنده كذاب أو وضاع أو دلالة صريحة أو قرينة ناطقة بكذب المنقول به، فقولهم فيه حينئذ: لا أصل له، يعنون به كَذِب الحديث، لا نفيَ وجود إسناد له-----. ج- وحيناً يقولون: هذا الحديث لا أصل له في الكتاب ولا في السنة الصحيحة ولا الضعيفة، يعنون بذلك أن معناه ومضمونه غريب عن نصوص الشريعة كل الغرابة، ليس فيها ما يشهد لمعناه في الجملة. د- وتارة يقولون هذا الحديث لا أصل له في الكتاب ولا في السنة الصحيحة، يعنون أن معناه وما يتضمنه لفظه لم يرد في القرآن الكريم ولا في الحديث الصحيح الثابت عن رسول الله ﷺ؛ فالنفي منهم في هذا متوجه إلى نفي ثبوت مضمون الحديث في نصوص الشريعة الثابتة لا الضعيفة. والتمييز بين هذه الإطلاقات يعرفه أهل الممارسة، ويعرف أيضاً بالقرائن كما تقدم في الأمثلة السابقة)؛ انتهى؛ وقد حذفت أنا تلك الأمثلة طلباً للاختصار وجعلت مواضعها خطاً متقطعاً هذه صورته (----). (4) 2/98). |