نتائج البحث عن (لا يروي إلا عن ثقة) 1 نتيجة

لقد وُصف عدد من المحدثين بأنهم لا يروون عن الضعفاء أو بأنهم لا يروون إلا عن ثقة أو بأن شيوخهم ثقات أو أقوياء أو بنحو ذلك من العبارات.
وهذا جزء كنتُ كتبته فيمن وُصف بذلك وأقدم بين يدي ذكرهم ومناقشة ما ادي من ذلك في حقهم: طائفةً من أحكام هذه المسألة وبعض تفاصيلها(1).
1- ثبت عندي بالاستقراء الكافي أنه لا يصح الاعتماد على قول ناقد في راو غير صحابي انه لا يروي إلا عن ثقة لتوثيق جميع شيوخه توثيقاً تاماً(2). ومن استثنى أحداً من المحدثين لم يصب.
2- إن كون راو من الرواة لا يروي إلا عن ثقة إنما يكون ذلك على سبيل التغليب والظن الراجح، فلا يمنع أن يوجد بين شيوخه من هو ضعيف أو متروك أو مجهول.
3- إذا قال الناقد في راو أنه لا يروي إلا عن ثقة فإن كلامه هذا فيه من جهة تعيين الحاكم بالتوثيق ثلاثة احتمالات:
الأول: أن يكون الحاكم بتوثيق شيوخ ذلك الراوي هو الراوي نفسه فيصرح أنه لا يروي إلا عن ثقة عنده.
الثاني: أن يكون الحاكم بتوثيق شيوخ ذلك الراوي هو ذلك الناقد نفسه؛ فيكون معنى عبارته أن ذلك الراوي لا يروي إلا عن ثقة عند ذلك الناقد.
الثالث: أن يكون الحاكم بالتوثيق ناقداً آخر ثم تبعه هذا الناقد؛ وهذا كما لو صرح الخطيب البغدادي مثلاً بأن يحيى القطان لا يروي إلا عن ثقة وهو تابع في هذا القول لأحمد بن حنبل مثلاً ومقلد له فيه فيكون معنى كلامه أن يحيى القطان لا يروي إلا عن ثقة عند الإمام أحمد.
ومعلوم أنه لا يلزم من توثيق ناقد لراو أن يكون ثقة عند غيره أيضاً.
وعلى الاحتمال الأول فإن من ينفرد بالرواية عنه من قيل أنه لا يروي إلا عن ثقة فإن ذلك التوثيق لا يقبل لأنه في أحسن أحواله بمثابة قوله (حدثني الثقة)؛ لكن قوله (حدثني الثقة) فيه تصريح بتوثيق شيخه في تلك الرواية، وأما قوله (حدثني فلان بن فلان) أي يسمس شيخه فأعلى وذلك من جهة كونه مجهولاً عندنا لا ضعيفاً وأخفض من جهة احتمال أن تلك القاعدة أغلبية فيها تساهل في مرتبة التوثيق وفيها تساهل حتى في بعض الضعفاء أحياناً، ففيها استثناءان اثنان.
4- إذا صرح راو أو ناقد في راو: بأنه لا يروي إلا عن ثقة؛ فكلمة ثقة تحتمل هنا أن يراد بها العدل الضابط التام الضبط، وتحتمل أن يراد بها كل مقبول في الجملة فتشمل مع رواة الأحاديث الصحيحة رواة الأحاديث الحسنة ومن قاربهم. وهذا هو الغالب من معنى هذه العبارة، أعني قولهم فلان لا يروي إلا عن ثقة.
قال المعلمي في (التنكيل) (ص586-587): « إن قول المحدث (رواه جماعة ثقات حفاظ) ثم يعدهم - لا يقتضي أن يكون كل من ذكره بحيث لو سئل عنه ذاك المحدث وحده لقال (ثقة حافظ) 0000
ونحو هذا قول المحدث (شيوخي كلهم ثقات) أو (شيوخ فلان كلهم ثقات) فلا يلزم من هذا أن كل واحد منهم بحيث يستحق أن يقال له بمفرده على الاطلاق (هو ثقة)؛ وانما ذكروا الرجل في جملة من أطلقوا عليهم (ثقات) فاللازم أنه ثقة في الجملة أي له حظ من الثقة.
وقد تقدم في القواعد أنهم ربما يتجوزون في كلمة (ثقة) فيطلقونها على من هو صالح في دينه وإن كان ضعيف الحديث أو نحو ذلك.
وهكذا قد يذكرون الرجل في جملة من أطلقوا أنهم ضعفاء وإنما اللازم أن له حظاً من الضعف كما تجدهم يذكرون في كتب الضعفاء كثيراً من الثقات الذين تكلم فيهم أيسر كلام »
.
5- اذا صرح الراوي بأنه لا يروي إلا عن ثقة فإن هذا القول منه يحمل على الأعم الأغلب فإنه قد يروي أحياناً عن بعض من يحتاج إلى الرواية عنه من الضعفاء(3)
وقد يغفل أحياناً عن شرطه، وقد يتساهل فيروي عن الضعيف ما هو عال عنده أو ما هو ثابت عنده من غير طريقه، وقد يكون شرطه هذا متأخراً عن بداية تحديثه، كأن يروي عن الثقات وغيرهم مدة من الزمن ثم يبدو له أن لا يروي إلا عن ثقة فيفعل ثم يصرح بشرطه فيقول: أنا لا أروي إلا عن ثقة من غير بيان لما سبق منه من منافاة هذا الشرط. وأيضاً قد يروي عمن يظنه ثقة ثم يتبين له مؤخراً أنه ليس كذلك فيمتنع عن الرواية عنه ولكن لا يبلغنا تصريحه بذلك الامتناع.
والحاصل أن هذه المسائل ونحوها مانعة من اطلاق التوثيق التام وتعميمه وموجبة لحمله على التغليب دون التعميم.
6- اذا روى من قيل أنه لا يروي إلا عن ثقة عمن صرح هو أو غيره بضعفه قدم ذلك التجريح القولي على هذا التعديل الضمني المدعى الا اذا قامت قرينة بينة على ضد ذلك.
قال المعلمي في التنكيل (ص660): « والحكم فيمن روى عنه أحد اولئك المحتاطين أن يبحث عنه فإن وجد أن الذي روى عنه قد جرحه تبين أن روايته عنه كانت على وجه الحكاية فلا تكون توثيقاً، وإن وجد أن غيره قد جرحه جرحاً أقوى مما تقتضيه روايته عنه ترجح الجرح، والا فظاهر روايته عنه التوثيق ».
7- اذا جهل الراوي أحد كبار النقاد وروى عنه من قيل أنه لا يروي إلا عن ثقة فالأصح التوقف والنظر إلى أن يحصل الوقوف على بيان ما يستحقه من حكم.
8- إن عدد من قيل أنهم لا يروون إلا عن ثقة قليل جداً بالنسبة لمجموع الرواة فهم لا يتجاوزون مئة بحال من الأحوال؛ قال المعلمي في التنكيل (ص376-377): « بل عامة المحدثين يكتبون عن كل أحد الا أن منهم أفراداً كانوا يتقون أن يرووا إلا عن ثقة، ويكتبون عن الضعفاء للمعرفة كما مر في ترجمة الامام أحمد من نظره في كتب الواقدي ».
9- إذا ثبت أن الراوي كان لا يروي الا عن المقبولين الأقوياء، فذلك إنما يكون خاصاً بشيوخه لا يتعداهم إلى من فوقهم، فيجب قصر التقوية بتلك الروايات على شيوخه فيها؛ قال المعلمي في التنكيل في ترجمة أبي عبد الرحمن أحمد بن عبد الله (ص320-322): « في باب (الإمام ينهض بالركعتين) من (جامع الترمذي): (قال محمد بن اسماعيل [البخاري]: ابن أبي ليلى هو صدوق، ولا أروي عنه لأنه لا يُدْرَى صحيح حديثه من سقيمه، وكل من كان مثل هذا فلا أروي عنه شيئاً)؛ والبخاري لم يدرك ابن أبي ليلى، فقوله: (لا أروي عنه) أي بواسطة، وقوله: (وكل من كان مثل هذا فلا أروي عنه شيئاً) يتناول الرواية بواسطة وبلا واسطة؛ وإذا لم يرو عمن كان كذلك بواسطة فلأَن لا يروي عنه بلا واسطة أولى، لأن المعروف عن أكثر المتحفظين أنهم إنما يتقون الرواية عن الضعفاء بلا واسطة، وكثيراً ما يروون عن متقدمي الضعفاء بواسطة ».
10- قد ادعى جماعة من المتأخرين في جماعة من الرواة بأنهم لا يروون إلا عن ثقة وأطلقوا ذلك مع أنهم قد ثبت أنهم يروون عن الثقة وغيره؛ فينبغي عدم الركون إلى التقليد في هذه الدعاوى الا ما كان منها صادراً من أهل العلم المتثبتين.
11- مما يوجب استثناء بعض شيوخ الراوي الموصوف بأنه لا يروي إلا عن ثقة أن نجد ذلك الشيخ مكثراً والقرائن قائمة على تمكن ذلك الراوي من الاكثار عنه ثم نجده يقتصر فيما يرويه عنه على أخبار يسيرة في الترغيب والترهيب ونحوهما أو يقل عنه جداً فيما عدا ذلك بشرط أن لا يتضح أن له في ذلك الاقلال عذراً غير ضعف ذلك الشيخ مسوغاً لاقلاله عنه.
فمن اشتهر عنه أنه لا يروي إلا عن ثقة، وروى عن رجل مكثرٍ تكرر لقاؤه به وسماعه منه، حديثاً واحداً فإن الأصل في مثل هذه الحالة أن هذه الرواية تُقَويه تقويةً ناقصة غير معتمد عليها، فإنه يحتمل أنه لم يرو عنه ذلك الحديث لثقته عنده وإنما رواه لصحته عنده وثبوته من طريق أو طرق اخرى، أو لاشتهاره بالضعف، أو لرجائه أن يكون ثقة ولكنه خشي أن لا يكون كذلك فلم يكثر عنه، أو لأنه صدوق في نفسه وإن كان كثير الغلط فيما يرويه، أو لأن الحديث في فضائل الأعمال ونحوها مما جرت عادة كثير من المحدثين بالتساهل فيه، أو لأنه قوي في ذلك الشيخ لا مطلقاً، أو لأنه بين حاله ثم روى عنه ذلك الحديث الواحد على سبيل التعجب ونحوه أو رواه في المذاكرة، أو أنه لم يروه أصلاً وإنما أخطأ عليه بعض من دونه في السند.
والحاصل أن رواية حديث واحد عن رجل مضعف أو مجهول الحال أو فيه جهالة، من قبل محدث موصوف بأنه لا يروي إلا عن ثقة لا يكون مؤداها كمؤدى روايته أحاديث كثيرة عنه. والله أعلم.
12- إذا انفرد واحد من العلماء بتوثيق شيخ لشعبة مثلاً، وكان ذلك العالم قد صرح في مكان آخر بأن شعبة لا يروي إلا عن ثقة، فإن الأصح أن لا يعتد بذلك التوثيق اعتداداً كاملاً لقوة الاحتمال في أن يكون بنى هذا التوثيق على تلك القاعدة، وقد تقدم ما فيها.
13- إذا قال بعض النقاد في بعض الرواة: (ثقة، روى عنه مالك)، فهذه العبارة تشعر بأن مستند قائلها في توثيق من قالها فيه إنما هو رواية مالك عنه، ويزداد هذا الاحتمال قوة إذا كان لذلك الراوي تلامذة آخرون غير مالك، أو إذا لينه أو تكلم فيه بعض المحدثين أو إذا كان قائل هذه العبارة قد صرح بأن مالكاً لا يروي إلا عن ثقة؛ قال السيوطي في إسعاف المبطأ ص4: « قال ابو سعيد الأعرابي: كان يحيى بن معين يوثق الرجل لرواية مالك عنه، سئل عن غير واحد فقال: ثقة روى عنه مالك ».
14- من أوصى غيره بأن لا يأخذ الحديث إلا عن ثقة فهل تدل هذه الوصية على أن هذا الموصِي كان ممن لا يروي إلا عن ثقة ؟
الأرجح أنه لا يعد من هذا الضرب، ولا سيما إذا علمنا أن الوصية كانت في أواخر عمره أو دلت القرائن على ذلك، أو وجدنا الوصية محتملة أن يكون معناها: لا تقبلوا الحديث إلا عن ثقة أي لا تعملوا به وتحتجوا به الا إذا كان صحيحاً من رواية الثقات.
مثال ذلك: قول حمزة السهمي في تاريخ جرجان (ص485): « هود بن عبد الله الأنماطي جرجاني، وجدت في كتاب عمي أسهم بن إبراهيم السهمي حدثنا أبو العباس بن مملك حدثني هود بن عبد الله الأنماطي حدثني علي بن عبد الله وليس بالمديني عن الأصمعي عن قيس بن حكيم قال: قلت لعبد الملك بن مروان: يا أمير المؤمنين: ما العقل؟ قال: حسن الرفق وترك العجلة وأن لا يحقر [كذا] المرء كلما ولج سمعه حتى يصححه وأن لا يحدث الرجل إلا عن ثقة».
ويدخل في هذا الباب نحو قول من قال: « لا ينبغي أن يحدث عن رسول الله ﷺ إلا الثقات »؛ ويلتحق به نحو قول عبد الله بن المبارك « لنا في صحيح الحديث شغل عن سقيمه ».
15- من فوائد تصريحهم في الراوي بأنه لا يروي إلا عن ثقة إذا كان ذلك التصريح مقبولاً ولو في الجملة: أنه إذا كان في طبقة شيوخه شيخان يشتركان في الاسم والنسب وتجيء رواية له عن أحدهما مهملاً أي من غير بيان دال على تعيينه، وكان أحدهما عدلاً والآخر فاسقاً أو أحدهما ثقة والآخر ضعيفاً كان ظاهر الحال أن المراد هو العدل أو الثقة دون صاحبه.
16- قال الذهبي في الموقظة (ص40): « فصل: ومن الثقات الذين لم يخرَّج لهم في الصحيحين خلق: منهم من صحح لهم الترمذي، وابن خزيمة، ثم من روى لهم النسائي وابن حبان وغيرهما، ثم من لم يضعفهم أحد، واحتج هؤلاء المصنفون بروايتهم، وقد قيل في بعضهم: فلان ثقة، فلان صدوق، فلان لا بأس به، فلان ليس به بأس، فلان محله الصدق، فلان شيخ، فلان مستور، فلان روى عنه شعبة أو مالك أو يحيى وأمثال ذلك، كفلان حسن الحديث، فلان صالح الحديث، فلان صدوق إن شاء الله، فهذه العبارات كلها جيدة ليست مضعفة لحال الشيخ، نعم ولا مرقية لحديثه إلى درجة الصحة الكاملة المتفق عليها، لكنْ كثير ممن ذكرنا متجاذَب بين الاحتجاج به وعدمه ».
17- من كان لا يروي إلا عن ثقة فلا يلزم من ذلك أنه لا يكتب إلا عن ثقة، لأن هؤلاء المحتاطين كانوا يكتبون من أجل الاحتجاج أو الاستشهاد أو الاعتبار أو التفتيش، أو لعدم معرفة حال الراوي مع قيام الاحتمال عندهم على أن يتبين بعد النظر والسؤال أنه ثقة أو صدوق أو ممن يكتب حديثه عندهم.
قال ابن رجب في شرح علل الترمذي (1/381): « وذكر العقيلي بإسناد له عن الثوري قال: إني لأروي الحديث على ثلاثة أوجه: أسمع الحديث من الرجل وأتخذه ديناً، وأسمع الحديث من الرجل أوقف حديثه، وأسمع الحديث من الرجل لا أعبأ بحديثه وأحب معرفته ».
18- بعض من كان لا يروي إلا عن ثقة كان ربما روى حديثاً واحداً أو شيئاً يسيراً من الأخبار الموقوفة ونحوها عن بعض الضعفاء الذين عرف ضعفهم واشتهر كلام الناس فيهم؛ قال الحافظ ابن عبد الهادي في (الصارم المنكي) (ص89-90): « إن الغالب على طريقة شعبة الرواية عن الثقات، وقد يروي عن جماعة من الضعفاء الذين اشتهر جرحهم والكلام فيهم الكلمة والشيء والحديث وأكثر من ذلك ». وانظر ترجمة شعبة من هذا الفصل.
19- من كان من النقاد متشدداً فليس في تشدده دلالة على أنه لا يروي إلا عن ثقة، وقد توهم ذلك بعض من تكلم في هذا الموضوع وهو استدلال غريب لا وجه له.
20- رواية الثقة أو الثقات عن رجل ليس تعديلاً له، ومن ادعى أنها تعديل فقد أخطأ خطأً بيناً بعيداً.
وربما استدل بعضهم بنحو قول ابن ابي حاتم في الجرح والتعديل (1/1/36): « سألت أبي عن رواية الثقات عن رجل غير ثقة [أي لم يثبت انه ثقة] مما يقويه؟ قال: إذا كان معروفاً بالضعف لم تقوه روايته عنه، واذا كان مجهولاً نفعه رواية الثقة عنه ».
وقال ابن أبي حاتم هناك أيضاً: « سألت ابا زرعة عن رواية الثقات عن رجل مما يقوي حديثه؟ قال: إي لعمري، قلت: الكلبي روى عنه الثوري! قال: إنما ذلك إذا لم يتكلم فيه العلماء، وكان الكلبي يتكلم فيه».
وأقول: لا يستقيم حمل هذا الكلام على ظاهره فلم يزل الائمة ومنهم الرازيان يجهلون الرواة الذين لا يعرفون بضعف ولا قوة ولو روى عنهم جمع من الرواة؛ قال السخاوي في فتح المغيث (1/319-320) بعد كلام له: «على ان قول ابي حاتم في الرجل انه مجهول لا يريد به انه لم يرو عنه سوى واحد، بدليل انه قال في داود بن يزيد الثقفي(مجهول) مع انه قد روى عنه جماعة، ولذا قال الذهبي عقبه: هذا القول يوضح لك ان الرجل قد يكون مجهولا عند ابي حاتم ولو روى عنه جماعة ثقات، يعني انه مجهول الحال، وقد قال في عبد الرحيم بن كرم بعد ان عرَّفه برواية جماعة عنه انه مجهول، ونحوه قوله في زياد بن جارية التميمي الدمشقي: [شيخ مجهول] مع انه قيل في زياد هذا انه صحابي».
وقد قال أبو حاتم: (مجهول) في راو روى عنه تسعة ووثقه ابن معين، انظر ترجمته في (التحرير) (2/125)، وانظر أيضاً (التحرير) (3/10-11 و 45 و 310 و 315 و 336) وترجمة عيسى بن أبي رزين منه. وانظر تراجم احمد بن عاصم البلخي وبيان بن عمرو والحسين بن الحسن بن بشار والحكم بن عبد الله وعباس بن الحسين القنطري ومحمد بن الحكم المروزي في الفصل التاسع من (مقدمة الفتح)، وانظر (الجرح والتعديل) (1/2/527) و(تهذيب التهذيب) (2/255) ونكت ابن حجر (1/426).
وخلاصة الكلام وغايته أن كلمتي أبي حاتم وأبي زرعة لا تحملان على إطلاقهما، فلعلهما أرادا برواية الثقات رواية الأئمة النقاد أو رواية متثبتي الرواة ولعلهما كانا مع ذلك يشترطان في الرجل شروطاً مثل أن لا يغرب او يتفرد بما لا يحتمله شأنه ونحو ذلك.
وسواء صح هذا او لم يصح، فإن الصحيح الذي أقطع به هو أن كلام الرازيين هذا من المتشابه الذي ينبغي أن يرد الى المحكم المعروف الذي جرى عليه عملهما في كلامهما في الرواة، وما أكثره، ويؤيده أيضاً ما جرى عليه عمل المحققين من المحدثين، والله أعلم.
والآن أبدأ بذكر التراجم فدونكها:
ابراهيم بن موسى بن يزيد التميمي الرازي
قال البرذعي في أسئلته لأبي زرعة زرعة الرازي (ص528): « وقال لي أبو زرعة في ابراهيم بن موسى: لم يكن في كتبه من الضعفاء(4) إلا رجلين: عبد العزيز بن أبان وأبو قتادة الحراني، ثم قال: كأنه قد جمع له الثقات ».
قلت: هذا مع كثرة ما في كتبه من الحديث، فقد قال المزي في تهذيب الكمال 2/220: « وقال صالح بن محمد الحافظ سمعت أبا زرعة يقول كتبت عن إبراهيم بن موسى الرازي مائة ألف حديث ».
وقال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (1/1/137): « سمعت أبا زرعة يقول: ابراهيم بن موسى أتقن من أبي بكر بن أبي شيبة وأصح حديثاً منه، لا يحدث إلا من كتابه، لا أعلم أني كتبت عنه خمسين حديثا من حفظه ».
أقول: مقتضى هذه النقول الثلاثة أن ابراهيم بن موسى الرازي كان لا يكاد يحدث إلا عن ثقة، ولما كان أبو زرعة عارفاً به وهو معتدل في نقده فإني لا أستبعد أن يكون ابراهيم هذا من أولى المحدثين بأن يوصف بأنه لا يروي إلا عن ثقة، ولعله أولى بذلك ممن اشتهروا به كمالك وشعبة ويحيى بن سعيد القطان.
إبراهيم بن يزيد النخعي
قال ابن عبد البر في التمهيد (1/30): « وأما الإرسال فكل من عرف بالأخذ عن الضعفاء والمسامحة في ذلك لم يحتج بما أرسله ، تابعياً كان أو من دونه، وكل من عرف أنه لا يأخذ إلا عن ثقة فتدليسه ومرسله مقبول ، فمراسيل سعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين وإبراهيم النخعي عندهم صحاح ، وقالوا: مراسيل عطاء والحسن لا يحتج بها لأنهما كانا يأخذان عن كل أحد ، وكذلك مراسيل أبي قلابة وأبي العالية ».
أحمد بن حنبل
قال الحافظ أبو موسى المديني في (خصائص المسند) (ص21) بعد أن ذكر حديثاً ضرب عليه الإمام أحمد: « قد روى لابنه الحديث لكنه ضرب عليه في المسند لأنه أراد أن لا يكون في المسند إلا الثقات ويروي في غير المسند عمن ليس بذاك.
ذكر أبو العز بن كادس أن عبد الله بن أحمد قال لأبيه ما تقول في حديث ربعي عن حذيفة ؟ قال: الذي يرويه عبد العزيز بن أبي رواد ؟ قلت: يصح ؟ قال: لا الأحاديث بخلافه وقد رواه الخياط عن ربعي عن رجل لم يسموه؛ قال: قلت له: فقد ذكرته في "المسند"! ، فقال: قصدت في "المسند" الحديث المشهور ، وتركت الناس تحت ستر الله تعالى، ولو أردت أن أقصد ما صح عندي لم أرو من هذا المسند إلا الشيء بعد الشيء ، ولكنك يا بني تعرف طريقتي في الحديث لست أخالف ما ضعف إذا لم يكن في الباب ما يدفعه.
قال الشيخ الحافظ [أبو موسى]: وهذا ما أظنه يصح لأنه كلام متناقض لأنه يقول: لست أخالف ما فيه ضعف إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه وهو يقول في هذا الحديث بخلافه، وإن صح فلعله كان أولاً ثم أخرج منه ما ضعف لأني طلبته في المسند فلم أجده »
.
وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (1/80) في ثابت بن الوليد: « روى عنه أحمد وشيوخه ثقات ».
وقال فيه أيضاً (5/122): « ويقال مشايخ أحمد كلهم ثقات ».
وقال السبكي في (شفاء السقام) (ص10): « وأحمد رحمه الله لم يكن يروي إلا عن ثقة، وقد صرح الخصم بذلك(5) في الكتاب الذي صنفه في الرد على البكري ---- قال: إن القائلين بالجرح والتعديل من علماء الحديث نوعان ، منهم من لم يرو إلا عن ثقة عنده كمالك وشعبة ويحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل وكذلك البخاري وأمثاله ».
ولما قال المعلمي في (طليعة التنكيل) (ص23) في بعض الرواة: « ورواية الإمام أحمد عنه توثيق ، لما عرف من توقي أحمد » ، تعقبه الكوثري في (الترحيب) (ص320) فقال: « وقول الناقد: أحمد بن حنبل لا يروي إلا عن ثقة ، رأي مبتكر وروايته عن مثل عامر بن صالح معروفة » ؛ فقال المعلمي في (التنكيل) (ص659-660): « وكون أحمد لا يروي إلا عن ثقة لم أقله ، وإنما قلت: ورواية الامام أحمد عنه توثيق ، لما عرف من توقي أحمد؛ ومع ذلك فقد نص ابن تيمية والسبكي في "شفاء السقام" على [أن] أحمد لا يروي إلا عن ثقة، وفي "تعجيل المنفعة " (ص15 و 19) وغيرهما ما حاصله أن عبد الله بن أحمد كان لا يكتب في حياة أبيه إلا عمن أذن له أبوه، وكان أبوه لا يأذن له بالكتابة إلا من(6) الثقات، ولم يكن أحمد ليترخص لنفسه ويشدد على ابنه ».
ثم أتم المعلمي ذلك المبحث بكلام نفيس جداً فانظره هناك.
وقال الحافظ ابن عبد الهادي في (الصارم المنكي) (ص18-19): « فإن قيل: قد روى الإمام أحمد بن حنبل عن موسى بن هلال وهو لا يروي إلا عن ثقة ، فالجواب أن يقال: رواية الإمام أحمد عن الثقات هو الغالب من فعله والأكثر من عمله كما هو المعروف من طريقة شعبة ومالك وعبد الرحمن بن مهدي ويحيى بن سعيد القطان وغيرهم ، وقد يروي الإمام أحمد قليلاً في بعض الأحيان عن جماعة نُسبوا إلى الضعف وقلة الضبط، وذلك على وجه الاعتبار والاستشهاد لا على طريق الاجتهاد(7) ، مثل روايته عن عامر بن صالح الزبيري و----(8) ونحوهم ممن اشتهر الكلام فيه ، وهكذا روايته عن موسى بن هلال إن صحت روايته عنه ».
وقال الحافظ ابن رجب في (شرح علل الترمذي) (1/371): « وقد رخص كثير من الأئمة في رواية الأحاديث الرقاق ونحوها عن الضعفاء، منهم ابن مهدي وأحمد بن حنبل ----».
وانظر (النكت) لابن حجر (2/888) و(الكفاية) للخطيب (ص134).
وقال ابن حجر في (التقريب) في علي بن مجاهد بن مسلم: « متروك، وليس في شيوخ أحمد أضعف منه».
وقال عبد الله بن أحمد كما في (الضعفاء) للعقيلي ( 1/ 174 ): (سألت أبي عن ثابت بن زيد بن ثابت بن زيد بن أرقم ؟ فقال: روى عنه ابن أبي عروبة ، وحدثنا عنه معمر ، له أحاديث مناكير.
قلت له: تحدث عنه ؟ قال: نعم , قلت: أهو ضعيف ؟ قال: أنا أحدث عنه.
وقال ابن هانئ في (مسائله عن الإمام أحمد)
(2/238) (9): (قيل له: يحدث الرجلُ عن الضعفاء ، مثل عمرو بن مرزوق ، وعمرو بن حكام ، ومحمد بن معاوية ، وعلي بن الجعد ، وإسحاق بن أبي إسرائيل ؟ قال أبو عبدالله: (لا يعجبني أن يحدث عن بعضهم ).
وانظر ما يأتي في حق أحمد في ترجمة علي بن المديني وما يأتي من كلام ابن رجب في ترجمة أبي زرعة الرازي.
إسماعيل بن أبي خالد الأحمسي
قال ابن حجر في (التهذيب) (1/291) في ترجمته: « وقال العجلي: كان ثبتاً في الحديث وربما أرسل الشيء عن الشعبي ، وإذا وقف أخبر، وكان صاحب سنة، وكان حديثه نحو خمسمئة حديث، وكان لا يروي إلا عن ثقة ».
وكلام العجلي هذا ورد في كتابه (الثقات) (1/224-225) ولكن دون لفظة (وكان لا يروي إلا عن ثقة)، والظاهر أنها من كلام العجلي لا من كلام ابن حجر نفسه، فإن كانت من كلام العجلي فلعل عدم ورودها في مطبوعة كتابه لا يقدح في ثبوتها عنه لأن ابن حجر معروف عنه تثبته فيما يحكيه عن غيره من العلماء، ولكن الذي لعله يمنع من الاعتماد عليها هو أن العجلي يتساهل كثيراً في توثيق القدماء ولا سيما التابعين وإسماعيل تابعي جل روايته عن كبارهم. وأيضاً روى ابن أبي حاتم في (المراسيل) (ص5) وابن أبي خيثمة في (تاريخه) - كما في (تهذيب التهذيب) (1/219) - عن يحيى بن سعيد قال: مرسلات ابن أبي خالد ليست بشيء » ؛ زاد ابن أبي حاتم في روايته: « ومرسلات عمرو بن دينار أحب إلي ».
وذكر في الجرح والتعديل (3/2/130) قول أبيه في قرة العجلي: « مجهول لا أعلم روى عنه غير إسماعيل بن أبي خالد ».
وبهذه المسائل الثلاث وغيرها يتبين ضعف القول بأن اسماعيل بن أبي خالد لا يروي إلا عن ثقة.
أيوب السختياني
قال أبو داود في (مسائله) للإمام أحمد (ص210): « قلت لأحمد: أبو يزيد المدني ؟ قال: أي شيء يسأل عن رجل روى عنه أيوب ؟! ». وانظر (تحرير التقريب 4/297).
بقي بن مخلد
نقل أحمد بن يحيى الضبّي في (بغية الملتمس) (ص230) عن ابن حزم قال: « فمن مصنفات أبي عبد الرحمن بقي بن مخلد: كتابه في تفسير القرآن، فهو الكتاب الذي أقطع قطعاً لا أستثني فيه أنه لم يؤلف في الإسلام مثله، لا تفسير محمد بن جرير الطبري ولا غيره.
ومنها في الحديث مصنفه الكبير الذي رتبه على أسماء الصحابة رضي الله عنهم ، فروى فيه عن ألف وثلاثمئة صاحب ونيف ، ثم رتَّب حديث كل صاحب على أسماء الفقه وأبواب الأحكام؛ فهو مصنَف ومسنَد ؛ وما أعلم هذه الرتبة لأحد قبْله ، مع ثقته وضبطه وإتقانه واحتفاله فيه في الحديث وجودة شيوخه ، فإنه يروي عن مئتي رجل وأربعة وثمانين رجلاً ليس فيهم عشرة ضعفاء وسائرهم أعلام مشاهير »
.
قلت: يظهر أن مستند القائلين ان بقي بن مخلد لا يروي إلا عن ثقة - ومنهم الحافظ ابن حجر - هو هذا الكلام الذي قاله ابن حزم ، أو ما نقله عن بقي نفسه مغلطاي إذ قال في (إكمال تهذيب الكمال): « وفي "تاريخ قرطبة": قال بقي: كل من رويت عنه فهو ثقة »(10).
وصرح بكون بقي لا يروي إلا عن ثقة عنده الحافظ ابن حجر في عدة مواضع من "تهذيب التهذيب" ، منها تراجم أحمد بن جواس الحنفي وأحمد بن سعد بن أبي مريم وأيوب بن محمد بن أيوب الهاشمي وعبد الله بن عمر بن عبد الرحمن وعصمة بن الفضل النميري ؛ وكذلك العلامة المعلمي اليماني في التنكيل (ص305 و 697).
ولكن روى بقي عن جماعة من التالفين الساقطين منهم جبارة بن المغلس الحماني ومحمد بن خالد بن عبد الله الواسطي.
بكير بن عبد الله بن الأشج
قال ابن حجر في ترجمته من "التهذيب": « وقال أحمد بن صالح المصري: إذا رأيت بكير بن عبد الله روى عن رجل فلا تسأل عنه فهو الثقة الذي لا شك فيه ».
وقال المعلمي في (التنكيل) (2/123): « وعثمان بن الوليد ذكره ابن حبان فب الثقات وذاك لا يخرجه عن جهالة الحال لما عرف من قاعدة ابن حبان، لكن إن صحت رواية بكير بن الأشج عنه فإنها تقويه» ثم ذكر كلمة أحمد بن صالح ثم قال: « وهذه العبارة تحتمل وجهين:
الأول: أن يكون المراد بقوله (فلا تسأل عنه) أي عن ذلك المروي أي لا تلتمس لبكير متابعاً فإنه أي بكيراً الثقة الذي لا شك فيه ولا يحتاج إلى متابع.
الوجه الثاني: أن يكون المراد فلا تسأل عن ذلك الرجل فإنه الثقة، يعني أن بكيراً لا يروي إلا عن ثقة فلا شك فيه، والله أعلم »
.
حريز بن عثمان
قال ابن حجر في (تهذيب التهذيب) (2/238 و172) و (4/137 و 309) و (6/284) وفي (اللسان) (2/438): « وقال الآجري عن أبي داود: شيوخ حريز كلهم ثقات ».
وقال ابن عدي في (الكامل) (2/453): « وحريز يحدث عن أهل الشام، عن الثقات منهم ».
وقال الذهبي في (الميزان) (4/10843) في ترجمة ابن هانئ عن أبي أمامة: « لا يعرف، لكن شيوخ حريز وثقوا ».
وذكر ابن رجب في (شرح علل الترمذي) (2/879) بضعة كليات في اطلاقها عنده نظر، منها قول أبي داود في مشايخ حريز بن عثمان (كلهم ثقات)، وقول أبي حاتم في مشايخ سليمان بن حرب (كلهم ثقات) ».
وقال ابن المديني في عبد الرحمن بن ميسرة الحضرمي أحد رجال أبي داود وابن ماجه: « مجهول لم يرو عنه غير حريز بن عثمان »(11).
وظاهر هذا أن ابن المديني لايوثق شيوخ حريز بروايته عنهم.
الحسن بن سفيان
قال أبو عمر العتيبي في الحلقة الثالثة من بحثه (التعقبات والتنبيهات على ما في مقالات الإباضي المتلقب بِـ"المنصور" من الهفوات) - وهو منشور على بعض مواقع الشبكة العالمية - في بعض رده ما نصه:
(ضعف المتلقب بِـ"المنصور" هذا الأثر بِـ"يحيى بن طلحى اليربوعي" ، ويجاب عن تضعيفة بما يلي:
أولاً: أن طلحة بن يحيى اليربوعي ليس ضعيفاً جداً بل هو إلى التوثيق أقرب وإليك البيان:
قال النسائي: "ليس بشيء" ، والنسائي متشدد في الجرح ، وجرحه هنا مجمل غير مفسر ؛ وهذا معارض بتوثيق من وثقه ؛ فقد وثقه ابن حبان في "الثقات" وقال: "كان يغرب عن أبي نعيم وغيره" ؛ واحتج به ابن حبان في "صحيحه" ؛ وروى عنه الحسن بن سفيان وهو لا يروي إلا عن ثقة ؛ ----)
؛ كذا قال ، والله أعلم.
الحسن بن يسار البصري
قال العلائي في جامع التحصيل (ص90): « وذكر ابن أبي خيثمة عن يحيى بن معين أنه قال: إذا روى الحسن ومحمد - يعني ابن سيرين - عن رجل وسمياه فهو ثقة».
قال العلائي: « فيحتمل هذا أنهما كانا لا يرويان إلا عن ثقة عندهما سواء كان مسنداً أو مرسلاً، ويحتمل أن ذلك فيمن ذكراه بإسمه، فأما من أرسلا عنه فجاز أن يكون كذلك وأن يكون ضعيفاً، وهذا هو الأظهر وفيه جمع بين الأقوال كلها ».
ويعني بالأقوال قول يحيى هذا وأقوال العلماء الذين ضعفوا مراسيل الحسن وذموها وكان العلائي قد سردها قبل كلمة يحيى بن معين، وهي قول ابن سيرين في الحسن وأبي العالية: (كانا يصدقان كل من حدثهما )، وقول أحمد بن حنبل -ووافقه جماعة من النقاد -: (ليس في المرسلات شيء أضعف من مرسلات الحسن وعطاء بن أبي رباح فإنهما كانا يأخذان عن كل أحد)، وقول أبي زرعة: (كل حديث قال فيه الحسن قال رسول الله ﷺ وجدت له أصلاً إلا أربعة أحاديث).
وانظر ترجمة الشعبي الآتية في موضعها من هذا المبحث وقارن بين الروايتين عن ابن معين هذه والتي هناك.
سعيد بن المسيب
قال ابن حجر في ترجمة سعيد بن المسيب من تهذيب التهذيب (4/87): « وروى ابن منده في (الوصية) من طريق يزيد بن أبي مالك قال كنت عند سعيد بن المسيب فحدثني بحديث فقلت له: من حدثك يا أبا محمد بهذا ؟ فقال: يا أخا أهل الشام خذ ولا تسأل فإنا لا نأخذ الا عن الثقات ».
ونقل ابن حجر في النكت (2/552-554) كلاماً عن الشافعي وختمه بقوله: « فهذا يدل على أنه قبل مراسيل سعيد بن المسيب لكونه لا يسمي الا ثقة، وأما غيره فلم يتبين له ذلك منه فلم يقبله مطلقاً، وأحال الأمر في قبوله على وجود الشرط المذكور ».
وقال ابن عبد البر في التمهيد ما سبق نقله في ترجمة ابراهيم النخعي.
قلت: ومما لعله يؤيد كونه لا يروي إلا عن ثقة اتفاقهم على أنه لا يرسل إلا عن ثقة، قال العلائي في جامع التحصيل (ص89): « وقد اتفقت كلمتهم على سعيد بن المسيب وأن جميع مراسيله صحيحة وانه كان لا يرسل إلا عن ثقة من كبار التابعين أو صحابي معروف، قال معنى ذلك بعبارات مختلفة جماعة من الأئمة منهم مالك ويحيى بن سعيد القطان وأحمد بن حنبل وعلي بن المديني ويحيى بن معين وغيرهم ».
ولكن انظر المراسيل لابن أبي حاتم (ص4 و 72) ففيها ما يعكر على دعوى الاتفاق هذه.
سليمان بن حرب (ت244)(12)
قال سليمان بن حرب: « عمدت إلى حديث المشايخ فغسلته، قيل: مثل من ؟ قال: مثل الحكم بن عطية ». انظر تحرير التقريب (1/311).
وقال ابن أبي حاتم في ترجمة محمد بن أبي رزين من الجرح والتعديل (7/255): « سئل أبي عنه فقال: شيخ بصري لا أعرفه لا أعلم روى عنه غير سليمان بن حرب، وكان سليمان قلّ من يرضى من المشايخ، فإذا رأيته قد روى عن شيخ فاعلم أنه ثقة ».
أقول: رد النباتي هذا القول على أبي حاتم كما في تهذيب التهذيب (4/179)، وكذلك قد عُلمت رواية سليمان بن حرب عن جماعة من الضعفاء مثل مبارك بن فضالة وحفص بن أسلم الأصغر؛ وانظر ما تقدم عن ابن رجب في ترجمة حريز.
وقال الذهبي في (الكاشف) (2/170) (13): « محمد بن أبي رزين عن أمه وعنه سليمان بن حرب، ومشيخة سليمان وثقهم أبو حاتم مطلقاً ، ت ».
فقال محمد عوامة في تعليقه على هذه الترجمة: « وقد نقل قول أبي حاتم هذا المزي والمصنف هنا وفي التذهيب 3: 203/ب والميزان 3(14) والمغني (15) مع الموافقة والإقرار، إلا في ديوان الضعفاء (16) فإنه قال: مجهول؛ ولم يذكر قول أبي حاتم فكأنه لم يرتضه؛ ومثله الحافظ في التقريب (17) فإنه قال: (مقبول)، لأنه في ثقات ابن حبان 7/422، وكان قد قال في التهذيب: (رد هذا القول النباتي على أبي حاتم).
وعلى كل فإن الذي أفهمه من كلمة أبي حاتم التوثيق العام(18) وكل ما يدخل تحت كلمة (مقبول) - لا التوثيق المصطلح عليه وأن حديث صاحبه صحيح الصحة الاصطلاحية -؛ وهذا القبول العام يقيد من ناحية أخرى فيقال: هو كذلك عند أبي حاتم لا عند الجميع؛ ونقول فيه أيضاً: إنه اغلبي لا كلي مطرد »
. انتهى كلام الأستاذ محمد عوامة.
هذا وقد ذكر المزي في (تهذيب الكمال) من عرفهم من شيوخ سليمان، وشرطه فيه - كما هو معلوم - استيعاب من يعلمهم من شيوخ المترجم والرواة عنه؛ ولكن ابن حجر في (تهذيب التهذيب) لم يستوعب أولئك الشيوخ مع أن شرطه فيه استيعاب شيوخ من قيل أنه لا يروي إلا عن ثقة !! فالظاهر أنه غير موافق لأبي حاتم على ما قاله في شيوخ سليمان بن حرب.
شعبة بن الحجاج
كلام العلماء المتعلق بكون شعبة لا يروي إلا عن ثقة كثير لا يتسع المقام لذكر جميعه.
ومن أعدل أقوالهم في هذا الباب وأوسطها قول الحافظ ابن عبد الهادي في (الصارم المنكي) (ص89-90): « إن الغالب على طريقة شعبة الرواية عن الثقات، وقد يروي عن جماعة من الضعفاء الذين اشتهر جرحهم والكلام فيهم الكلمة والشيء والحديث وأكثر من ذلك ».
ثم مثل لهؤلاء بثلاثة عشر شيخاً من شيوخ شعبة، وذكر أنه روى عن غير هؤلاء ممن تكلم فيه ونسب إلى الضعف وسوء الحفظ وقلة الضبط ومخالفة الثقات.
ونحوه ما يتعلق بشعبة من قول العلائي في جامع التحصيل في أحكام المراسيل (ص90): « إن مالكاً لم يرو إلا عن ثقة عنده، ووافقه الناس على توثيق شيوخه الا في النادر منهم كعبد الكريم بن أبي المخارق وعطاء الخراساني؛ وأما سفيان الثوري فإنه روى عن جماعة كثيرين من الضعفاء مثل جابر الجعفي ونحوه، وشعبة متوسط بينهما في ذلك».
وهذان القولان أقرب من قول أبي حاتم إذ قال لابنه عبد الرحمن كما في شرح علل الترمذي (1/381): « إذا رأيت شعبة يحدث عن رجل فاعلم أنه ثقة الا نفراً بأعيانهم » إلا إذا أراد بالنفر عدداً كثيراً نحواً من عشرين، والله أعلم.
وقول أبي حاتم هذا أقرب من قول من ذهب إلى توثيق شيوخ شعبة عامة بلا استثناء(19).
وقال أبو القاسم البغوي -كما في سير أعلام النبلاء (7/207-208) -: « حدثنا ابن زنجويه حدثنا عبد الرزاق عن أبي أسامة قال وافقنا من شعبة طيب نفس فقلنا له حدثنا ولا تحدثنا إلا عن ثقة فقال قوموا(20)».
فائدة: لم يكن شعبة ينتقي الرجال فقط بل كان ينتقي أحاديثهم أيضاً، قال ابن حجر في فتح الباري (11/197) في معرض كلامه على بعض الأحاديث: « وأشار الإسماعيلي الى ان في السند علة أخرى فقال سمعت بعض الحفاظ يقول ان أبا إسحاق لم يسمع هذا الحديث من أبي بردة وانما سمعه من سعيد بن أبي بردة عن أبيه قلت وهذا تعليل غير قادح فإن شعبة كان لا يروى عن أحد من المدلسين الا ما يتحقق انه سمعه من شيخه ». وذكر نحو هذا في بضعة مواضع من الفتح.
عبد الله بن أحمد بن حنبل
قال الذهبي في سير أعلام النبلاء (13/523): « قال أبو أحمد بن عدي: ولم يكتب [يعني عبد الله] عن أحد إلا من أمره أبوه أن يكتب عنه ».
وقال ابن حجر في تعجيل المنفعة (ص15) في ترجمة ابراهيم بن الحسن بن الحسن: « كان عبد الله بن أحمد لا يكتب الا عن من أذن له أبوه في الكتابة عنه، وكان لا يأذن له أن يكتب الا عن أهل السنة حتى كان يمنعه عن من أجاب في المحنة ولذلك فاته علي بن الجعد ونظراؤه من المسند ».
وقال (ص19) في ترجمة ابراهيم بن عبد الله بن بشار الواسطي: « وقد تقدم أن عبد الله كان لا يكتب إلا عن ثقة عند أبيه ».
وقال (ص355) في ترجمة الليث بن خالد البلخي: « وقد كان عبد الله بن أحمد لا يكتب الا عن من يأذن له أبوه في الكتابة عنه، ولهذا كان معظم شيوخه ثقات ».
وقال (ص360) في ترجمة محمد بن تميم النهشلي: « قال أبو حاتم: مجهول. قلت: حكم شيوخ عبد الله القبول إلا أن يثبت فيه جرح مفسر لأنه كان لا يكتب الا عن من أذن له أبوه فيه ».
قلت: اشتراطه تفسير الجرح فيه نظر بل الصحيح عدم اشتراط ذلك، فكل من ثبت فيه جرح من شيوخ عبد الله ولم يثبت فيه من التعديل سوى مقتضى رواية عبد الله عنه فهو مجروح.
وأما تجهيل ناقد لشيخ من شيوخ عبد الله بن أحمد فالظاهر أن مثل ذلك الشيخ لا يحكم عليه بتعديل ولا تجهيل ولا غيرهما الا بعد النظر في القرائن والمتعلقات.
عبد الرحمن بن مهدي
قال أبو داود في سؤالاته لأحمد ص338-339: « سمعت أحمد قال: أبان بن خالد شيخ بصري لا بأس به كان عبد الرحمن يحدث عنه، وكان لا يحدث إلا عن ثقة ».
وقال الإمام أحمد أيضاً فيما نقله عنه الخطيب في الموضع المذكور أيضاً والذهبي في السير (9/203) وابن رجب في شرح العلل (1/377) وابن حجر في ترجمة عبد الرحمن بن مهدي من تهذيب التهذيب: « إذا روى عبد الرحمن عن رجل فروايته حجة»(21).
وقال ابن حبان في ترجمة عبد الرحمن من الثقات: « كان من الحفاظ المتقنين وأهل الورع في الدين، ممن حفظ وجمع وتفقه وصنف وحدث وأبى الرواية الا عن الثقات ».
وقال الخطيب في الكفاية (ص92): « إذا قال العالم: كل من أروي لكم عنه وأسميه فهو عدل رضا مقبول الحديث كان هذا القول تعديلاً منه لكل من روى عنه وسماه، وقد كان ممن سلك هذه الطريقة عبد الرحمن بن مهدي »(22).
ولكن قد ورد عن الامام أحمد وغيره ما يخالف هذه الأقوال الثلاثة في أصلها أو في إطلاقها؛ فقد قال الامام أحمد أيضاً فيما أسنده إليه الخطيب في الكفاية نفسه (ص92): « كان عبد الرحمن أولاً يتسهل في الرواية عن غير واحد ثم تشدد بعد، كان يروي عن جابر الجعفي ثم تركه ».
بل قال أحمد بن سنان فيما حكاه عنه الخطيب في الكفاية أيضاً (ص143): « كان عبد الرحمن بن مهدي لا يترك حديث رجل إلا رجلاً متهماً بالكذب أو رجلاً الغالب عليه الغلط ».
روى مسلم في التمييز ص136 وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 1/1/38 وأبو عبد الله بن منده في شروط الأئمة ص82 والخطيب في الكفاية ص227 عن أبي موسى محمد بن المثنى قال قال لي ابن مهدي: يا أبا موسى ! أهل الكوفة يحدثون عن كل أحد !! قلت: يا أبا سعيد هم يقولون انك تحث عن كل أحد !! قال: عمن أحدث ؟! فذكرت له محمد بن راشد، فقال: احفظ عني: الناس ثلاثة: رجل حافظ متقن، فهذا لا يختلف فيه، وآخر يهم والغالب على حديثه الصحة فهذا لا يترك، لأنه لو ترك حديث هذا لذهب حديث الناس، وآخر يهم والغالب على حديثه الوهم، فهذا يترك »، انتهى؛ وبعض من ذكرتهم روى هذا الخبر مختصراً.
ويظهر أن المذهب الصحيح في الجمع بين هذا القول في شيوخ عبد الرحمن والقول الذي قبله هو أن من أطلق تقويتهم كان قوله من باب اعتبار الجملة والغلبة فيكون مراده أن عبد الرحمن لا يروي في أغلب أحواله إلا عن ثقة أو أنه من باب العام المخصوص ويكون مراده أن عبد الرحمن لا يروي فيما عدا القديم من مروياته الا عن رجل يحتج به.
تكميل: مما يتعلق بهذا الباب ويحسن إيراده فيه كلمتان، الكلمة الأولى للحافظ الخطيب، والكلمة الثانية للحافظ ابن حجر:
روى الخطيب في الكفاية (ص133) عن عبد الرحمن بن مهدي أنه قال: « لا ينبغي للرجل أن يشغل نفسه بكتابة أحاديث الضعاف فإن أقل ما فيه أن يفوته بقدر ما يكتب من حديث أهل الضعف يفوته من حديث الثقات ».
وقال الحافظ ابن حجر في النكت (1/482): « وذلك أن كل طبقة من نقاد الرجال لا تخلو من متشدد ومتوسط، فمن الاولى شعبة وسفيان الثوري، وشعبة أشد منه؛ ومن الثانية يحيى القطان وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى أشد من عبد الرحمن 000 وقال النسائي: (لا يترك الرجل عندي حتى يجتمع الجميع على تركه)؛ فأما اذا وثقه ابن مهدي وضعفه يحيى القطان مثلا فإنه لا يترك لما عرف من تشديد يحيى ومن هو مثله في النقد »(23). انتهى.
وقول الخطيب يؤيد قول من قال إن عبد الرحمن لا يروي إلا عن ثقة ولكنه ليس صريحاً في ذلك؛ وقول ابن حجر قد يؤيد قول من قال ان عبد الرحمن يروي عن الثقة وغيره ولكنه ليس صريحاً في ذلك.
وانظر الكامل لابن عدي (1/110) والجرح والتعديل (1/1/35-36) وتقدمة الجرح والتعديل (ص252) لابن أبي حاتم والكفاية للخطيب (ص167) وتغليق التعليق لابن حجر (2/353).
علي بن المديني
قال النسائي في محمد بن الحسن بن أَتَش: (متروك)، وقال مرة: (ليس بثقة) فقال أبو العرب القيرواني: « قال أحمد بن صالح: هو ثقة. وكلام النسائي فيه غير مقبول لأن أحمد وعلي بن المديني لا يرويان الا عن مقبول 00».
فتعقبه صاحبا (تحرير التقريب ) (3/227-228) بقولهما: « إن كان يريد التوثيق ففيه نظر شديد، أما المقبول الذي لا يكذب فهذا صحيح لأننا جربنا روايتهما عن ضعفاء معروفين بالضعف ».
وانظر بعض ما يتعلق بأحوال شيوخ ابن المديني وشرطه فيهم في ترجمته من الفصل الرابع.
مالك بن أنس
قد صرح عدد من العلماء بأن مالكاً ينتقي شيوخه أو بأنه لا يروي إلا عن ثقة وبعضهم وثق رواة لا يعرفهم الا برواية مالك عنهم.
أقوال العلماء في توثيق شيوخ مالك وما يتعلق بذلك التوثيق متكاثرة يطول حصرها واستقصاؤها، وأنا إنما ذكرت ما تيسر ذكره منها.
-قال ابن عيينة كما في ترتيب المدارك (1/150): « كان مالك لا يبلغ
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت