الموسوعة الميسرة في تراجم أئمة التفسير والإقراء والنحو واللغة
|
النّحوي، اللغوي، المفسر: محمود بن عبد الله الحسيني الألوسي، أبو الثّناء، شهاب الدين.
ولد: سنة (1217 هـ) سبع عشرة ومائتين وألف. من مشايخه: والده، والشَّيخ علي السويدي، والشَّيخ خالد النقشبندي وغيرهم. من تلامذته: الملا عبد الفتاح أفندي المعروف بشواف زادة وغيره. كلام العلماء فيه: * حلية البشر: "كان خاتمة المفسرين ونخبة المحدثين أخذ العلم عن فحول العلماء .. كان ¬__________ * فهرس الفهارس (1/ 97)، أعيان القرن الثالث عشر (47)، حلية البشر (3/ 1450)، جلاء العينين (43)، هدية العارفين (2/ 418)، أعيان البيان (99)، الأعلام (7/ 176)، معجم المؤلفين العراقيين (1/ 59)، إيضاح المكنون (1/ 27)، معجم المؤلفين (3/ 815)، معجم المطبوعات (3)، جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية (1/ 125)، التفسير والمفسرون (1/ 352)، الآلوسي مفسرًا (226)، و "الماتريدية" للشمس الأفغاني (2/ 240)، وراجع (3/ 290)، المفسرون بين التأويل والإثبات (/ 241). متمسكًا بالسنن متجنبًا عن الفتن، حتَّى جاء مجددًا وللدين الحنيف مسددًا .. كان عالمًا باختلاف المذاهب، مطلعًا على الملل والنحل والغرائب، سلفي الاعتقاد شافعي المذهب .. " أ. هـ. * قلت: "وهو حنفي المذهب: وليس بالشافعي والله أعلم. * الأعلام: "مفسر محدث، أديب من المجددين من أهل بغداد. كان سلفي الإعتقاد مجتهدًا تقلد الإفتاء ببلده سنة (1248) وعزل فانقطع للعلم" أ. هـ. * قال المغراوي: "هو أبو الثناء شهاب الدين السيد محمَّد أفندي المشهور بالألوسي البغدادي، هو من أسرة اشتهر أهلها بالعلم غير أنهم افترقت مشاربهم وأهدافهم. فصاحب الترجمة، كان اتجاهه اتجاهًا صوفيًا، أبدى ذلك في تفسيره قل ما تفوته مناسبة إلَّا وينبه على ما في الآية من التفسير الإشاري، وقد عدّه كثير ممن صنف كتب التفسير من التفاسير الصوفية، وهو كذلك، ومن طالع تفسيره يجده يسدل على الصوفية من الألقاب الفخمة، مثل قدس الله سرهم، مثل سادتنا الصوفية، أهل التحقيق والحقيقة، إلى غير ذلك مما هو مبثوث في طي الكتاب. أما سليل أسرته السيد النُّعمان خير الدين فهو صاحب عقيدة سلفية له كتاب ذو فوائد جمة يسمى "بجلاء العينين في محاكمة الأحمدين". أما عقيدته في الأسماء والصفات في تفسيره: فقد ضم في تفسيره معظم بحوث الرَّازي: حتَّى أنَّه ينقلها بالحرف، وبالوجوه التي يعددها الرَّازي في الشبه الأشعرية، وينقل ما يذكره الزمخشري، كان كان مخالفًا للعقيدة الأشعرية نابذة وانتصر للعقيدة الأشعرية. أما الألوسي، فأحيانًا يميل إلى مذهب السلف ويقرره وينسب نفسه إليه، كما فعل في صفة الحياء. وأحيانًا يذكر المذهب الأشعري وينتصر إليه انتصارًا، وربما يؤدي بها ذلك إلى لمز أئمة السلفية، كما فعل في صفة الكلام وأحيانًا يظهر عليه نوع من التحفظ وعدم الصراحة الكاملة، كما فعل في صفة الفوقية، وأحيانًا يقرر مذهب السلف والخلف، ويرجح مذهب الخلف كما فعل في صفة الاستواء، وهكلذا تجده مترددًا بين مذهب السلف والخلف، ولهذا ترجح لنا أن نذكره في مفسري الخلف. وعلى كل حال، فكتاب الألوسي يعتبر موسوعة كبيرة في كثير من أنواع العلوم، وعنده صبر على تطويل البحوث، وإن كان أكثرها متوفرة المصادر، فالله يرحمه ويتولانا نحن بلطفه وعفوه. 1 - صفة الغضب والرحمة: قال عند قوله تعالى: {{غَيرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ}} والغضب أصله الشدة، ومنه الغضبة، الصخرة الشديدة المركبة في الجبل، والغضوب الحية الخبيثة والناقة العبوس وفسر تارة محركة للنفس، مبدؤها إرادة الانتقام كما في شرح المفتاح للسعد، وتارة بإرادة الانتقام كما في شرح الكشاف له، وأخرى بكيفية تعرض للنفس فيتبعها حركة الروح إلى خارج، طلبًا للانتقام كما في شرح المقاصد، ويقرب منه ما قيل: تغير يحدث عند غليان دم القلب، وفي الحديث: (اتقوا الغضب فإنَّه جمرة تتوقد في قلب ابن آدم ألم تروا إلى انتفاخ أوداجه وحمرة عينيه) (¬1). وفي الكشاف معنى غضب الله تعالى إرادة الانتقام من العصاة، وإنزال العقوبة بهم وأن يفعل بهم ما يفعل الملك إذا غضب على من تحت يديه. وأنا أقول كما قال سلف الأمة هو صفة لله تعالى لائقة بجلال ذاته، لا أعلم حقيقتها ولا كيف هي، والعجز عن درك الإدراك إدراك، والكلام فيه كالكلام في الرحمة، حذو القذة بالقذة، فهما صفتان قديمتان له سبحانه وتعالى، وحديث: "سبقت رحمتي غضبي" (¬2) محمول على الزيادة في الأثر أو تقدم ظهورها (¬3). وقال في معرض البحث في (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) وأمَّا ثالثًا فلأن كون الرحمة في اللُّغة رقة القلب إنَّما هو فينا، وهذا لا يستلزم ارتكاب التجوز عند إثباتها لله تعالى، لأنَّها حينئذ صفة لائقة بكمال ذاته كسائر صفاته، ومعاذ الله أن تقاس بصفات المخلوقين، وأين التراب من رب الأرباب؟ ولو أوجب له كون الرحمة فينا رقة القلب، ارتكاب المجاز في الرحمة الثابتة له تعالى، لاستحالة اتصافه بما تتصف به، فليوجب كون الحياة والعلم، والإرادة، والقدرة، والكلام والسمع، والبصر ما نعلمه منها فينا ارتكاب المجاز أيضًا فيها إذا أثبت الله تعالى، وما سمعنا أحدًا قال بذلك، وما ندري ما الفرق بين هذه وتلك؟ وكلها بمعانيها القائمة فينا: يستحيل وصف الله تعالى بها، فأما أن يقال بارتكاب المجاز فيها كلها إذا نسبت إليه عز شأنه، أو بتركه كذلك وإثباتها له حقيقة بالمعنى اللائق بشأنه تعالى شأنه، والجهل بحقيقة تلك الحقيقة، كالجهل بحقيقة ذاته مما لا يعود منه نقص إليه سبحانه، بل ذلك من عزة كماله وكمال عزته، والعجز عن درك الإدراك إدراكه، فالقول بالمجاز في بعض والحقيقة في آخر، لا أراه في الحقيقة إلَّا تحكمًا بحتًا، بل نطق الإمام السكوتي في كتابه التَّمييز، لما للزمخشري من الاعتزال في تفسير كتاب الله العزيز، بأن جعل الرحمة مجازًا نزعة اعتزالية، قد حفظ الله تعالى منها سلف المسلمين وأئمة الدين، فإنهم أقروا ما ورد على ما ورد، وأثبتوا لله تعالى ما أثبته له نبيه - ﷺ - من غير تصرف فيه بكناية أو مجاز، وقالوا: لسنا أغير على الله من رسوله، لكنهم نزهوا مولاهم عن مشابهة المحدثات، ثم فوضوا إليه سبحانه تعيين ما أراده هو أو نبيه من الصفات المتشابهات، والأشعري أمام أهل السنة ذهب في النهاية إلى ماذهبوا إليه، وعول في الإبانة على ما عولوا عليه، فقد قال في أول كتاب الإبانة الذي هو آخر مصنفاته: أما بعد، فإن كثير، من الزائغين عن الحق من المعتزلة وأهل القدر، سألت بهم أهواؤهم إلى التقليد لرؤسائهم ومن مضى من أسلافهم، فتأولوا القرآن على آرائهم تأويلًا لم ينزل الله به سلطانًا، ولا أوضح به برهانًا، ولا نقول عن رسول رب العالمين - ﷺ - ولا عن سلف ¬__________ (¬1) أخرجه التِّرمذيُّ في الفتن: (483 - 484/ 4) وقال حسن صحيح. وأحمد في المسند: (19 - 61/ 3). (¬2) أخرجه البُخاريّ في التَّوحيد: (404/ 13)، ومسلم في التوية: (2108/ 4). (¬3) تفسير الألوسي: (95 - 96/ 1). المتقدمين. وساق الكلام إلى أن قال: فإن قال لنا قائل: قد أنكرتكم قول المعتزلة، والقدرية، والجهمية، والحرورية والرافضة، والمرجئة، فعرفونا قولكم الذي به تقولون، وديانتكم التي بها تدينون، قيل له: قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها، التمسك بكتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - وما روي عن الصّحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان عليه أحمد بن حنبل نضر الله وجهه، ورفع درجته، وأجزل مثوبته قائلون، ولمن خالف قوله مجانبون، لأنَّه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل الذي أبان الله به الحق عند ظهور الضلال، وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين، وزيغ الزائغين، وشك الشاكين، فرحمة الله عليه من إمام مقدم، وكبير معظم مفخم، وعلى جميع أئمة المسلمين، ثم سرد الكلام في بيان عقيدته، مصرحًا بإجراء ما ورد من الصفات على حالها بلا كيف، غير متعرض لتأويل، ولا ملتفت إلى قال وقيل، فما نقل عنه من تأويل صفة الرحمة، أما غير ثابت أو مرجوع عنه، والأعمال بالخواتم، وكذا يقال في حق غيره من القائلين به من أهل السنة، على أنَّه إذا سلم الرأس كفى، ومن ادعى ورود ذلك عن سلف المسلمين، فليأت ببرهان مبين، فما كل من قال يسمع ولا كل من ترأس يتبع. أما الخيام فإنها كخيامهم ... وأرى نساء الحي غير نسائهم والعجب من علماء أعلام، ومحققين فخام، كيف غفلوا عما قلناه، وناموا عما حققناه ولا أظنك في مرية منه وإن قل ناقلوه، وكثر منكروه {{كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ}} [البقرة: 249، وأمَّا رابعًا، فلأن إجراء الاستعارة التمثيلية هنا مع أنَّه تكلف على مذهب السيد السند قدس سره فيه ظاهرًا نوع من سوء الأدب، إذ لا يقال إن لله تعالى هيئة شبيهة بهيئة الملك، ولم يرد إطلاق الحال عليه سبحانه وتعالى، فهل هذا إلَّا تصرف في حق الله تعالى بما لم يأذن به الله، ومثل هذا أيضًا مكنى في المكنيات، وبلاغة القرآن غنية عن تكلف مثل ذلك، وأمَّا خامسًا، فلأن وجه تشبيه الإحسان في احتمال الاستعارة المصرحة بالرحمة التي هي رقة القلب غير صريح، لأنَّه لا ينتفع بها نفسها، وإنما الانتفاع بآثارها، وكم من رقة قلبه على شخص حتَّى أراق له لم ينفعه بشيء ولا أعانه بحي ولا لي. أهم بأمر الحزم لا أستطيعه ... وقد حِيل بين العير والنزوان ولا كذلك الانتفاع بالإحسان، وأمَّا الإرادة فهي وإن قلنا بصحة إرادتها هنا: لا تصح في وجه المجاز المرسل بالنظر إليه تعالى، بل أنك إذا تأملت وأنصفت وجدت الرحمة إن تسببت الإحسان أو أرادته فإنما تسببه إذا كانت هي وهو صفتين لنا، ومجرد السببية والمسببية في هذه الحالة لا يوجب كون الرحمة المنسوبة إليه عز شأنه مجازًا مرسلًا عن أحد الأمرين، وبفرض وجود الرحمة بذلك المعنى فيه تعالى، كيفما كان الغرض لا نجزم بالسببية والمسببية أيضًا، وقياس الغائب على الشاهد مما لا ينبغي، والفرق مثل الصبح ظاهر، والذهن مقيد عن دعوى الإطلاق لما لا يخفى عليك، فتأمل في هذا المقام فقد غفل عنه أقوام بعد أقوام (¬1). |