نتائج البحث عن (-سنة إحدى وتسعين) 10 نتيجة

-سَنَةَ إِحْدَى وَتِسْعِينَ
تُوُفِّيَ فِيهَا: سَهْلُ بْنُ سعد، والسائب بن يزيد، والسائب بن خلاد الأنصاري، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، فِي قَوْلِ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ وَغَيْرِهِ. وَكَذَا فِي سَهْلٍ وَالَّذِي بَعْدَهُ خِلَافٌ.
وفيها محمد أَمِيرِ الْيَمَنِ أَخُو الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ، وَعَبْدُ الأَعْلَى بْنُ خَالِدٍ الْفَهْمِيُّ الْمَصْرِيُّ نَائِبُ قُرَّةَ بْنِ شَرِيكٍ عَلَى مِصْرَ.
وَفِيهَا سَارَ قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ فِي جَمْعٍ عَظِيمٍ إِلَى مَرْوِ الرُّوذِ، فَهَرَبَ مَرْزُبَانُهَا، فَصَلَبَ قُتَيْبَةُ وَلَدَيْهِ، ثُمَّ سَارَ إِلَى الطَّالِقَانِ، فَلَمْ يُحَارِبْهُ صَاحِبُهَا، فَكَفَّ قُتَيْبَةُ عَنْهُ، وَقَتَلَ لُصُوصًا كَثِيرَةً بِهَا، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا عَمْرَو بْنَ مُسْلِمٍ، ثُمَّ سَارَ إِلَى أَنْ وَصَلَ الْفَارِيَابَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ مَلِكُهَا سَامِعًا مُطِيعًا، فَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا عَامِرَ بْنَ مَالِكٍ، ثُمَّ دَخَلَ بَلْخَ، وَأَقَامَ بِهَا يَوْمًا، فَأَقْبَلَ نِيزَكُ، فَعَسْكَرَ بِبَغْلانَ، فَاقْتَتَلَ هُوَ وَقُتَيْبَةُ أَيَّامًا، ثُمَّ أَعْمَلَ قُتَيْبَةَ الْحِيَلَ عَلَى نِيزَكَ، وَوَجَّهَ إِلَيْهِ مِنْ خَدَعَهُ، حَتَّى جَاءَ بِرِجْلَيْهِ إِلَى قُتَيْبَةَ مِنْ غَيْرِ أَمَانٍ، فَجَاءَ مُعْتَذِرًا إِلَيْهِ مِنْ خلعه، فتركه أياما ثم قتله، وقتل سبع مائة مِنْ أَصْحَابِهِ.
وَفِيهَا عَزَلَ الْوَلِيدُ عَمَّهُ مُحَمَّدَ بْنَ مَرْوَانَ عَنِ الْجَزِيرَةِ وَأَذْرَبِيجَانَ، وَوَلاهَا أَخَاهُ مُسْلِمَةَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَغَزَا مُسْلِمَةُ فِي هَذَا الْعَامِ إِلَى أَنْ بَلَغَ الْبَابَ مِنْ بَحْرِ أَذْرَبَيْجَانَ، فَافْتَتَحَ مَدَائِنَ وَحُصُونًا، وَدَانَ لَهُ مَنْ وَرَاءَ الْبَابِ.
وَفِيهَا افْتَتَحَ قُتَيْبَةُ أَمِيرَ خراسان شومان، وكش، وَنَسْفَ، وَامْتَنَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ فِرْيَابَ، فَأَحْرَقَهَا، وَجَهَّزَ أَخَاهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مُسْلِمٍ إِلَى السُّغْدِ إِلَى طَرَخُونَ مَلِكِ تِلْكَ الدِّيَارِ، فَجَرَتْ لَهُ حُرُوبٌ وَمَوَاقِفُ، وَصَالَحَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَأَعْطَاهُ طَرَخُونَ أَمْوَالا، وَتَقَهْقَرَ إِلَى أَخِيهِ إِلَى بُخَارَى، فَانْصَرَفُوا حَتَّى قَدِمُوا مَرْوَ، فَقَالَتِ السُّغْدُ لِطَرَخُونَ: إِنَّكَ قَدْ رَضِيتَ بِالذُّلِّ -[1038]- وَأَدَّيْتَ الْجِزْيَةَ، وَأَنْتَ شيخٌ كَبِيرٌ، فَلا حَاجَةَ لنا فيك، ثم عزلوه وولوا عليهم غورك، فَقَتَلَ طَرَخُونُ نَفْسَهُ، ثُمَّ إِنَّهُمْ عَصَوْا وَنَقَضُوا الْعَهْدَ.
وَفِيهَا حَجَّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْوَلِيدُ.
ثُمَّ إِنَّهُ كَتَبَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَوْ بَعْدَهَا إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مُتَوَلِّي الْمَدِينَةِ أَنْ يَهْدِمَ بُيُوتَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُوَسِّعُ بِهَا الْمَسْجِدَ.
فَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ، قَالَ: كَانَ عَلَى أَبْوَابِهَا الْمُسُوحُ مِنَ الشَّعْرِ، ذَرَعْتُ السَّتْرَ فَوَجَدْتُهُ ثَلاثَةَ أذرعٍ فِي ذِرَاعٍ، وَلَقَدْ رَأَيْتَنِي فِي مجلسٍ فِيهِ جَمَاعَةٌ، وَإِنَّهُمْ لَيَبْكُونَ حِينَ قُرِئَ الْكِتَابُ بِهَدْمِهَا، فَقَالَ أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلٍ: لَيْتَهَا تُرِكَتْ حَتَّى يَقْصُرَ الْمُسْلِمُونَ عَنِ الْبِنَاءِ، وَيَرَوْنَ مَا رَضِيَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَفَاتِيحُ خَزَائِنِ الدُّنْيَا بِيَدِهِ.

-سنة إحدى وتسعين ومائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سَنَةَ إِحْدَى وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ
وَمَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا
خَالِدُ بْنُ حَيَّانَ الرَّقِّيُّ الْخَرَّازُ، سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ الأَبْرَشُ بِالرَّيِّ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ الْمِصْرِيُّ الْفَقِيهُ، عِيسَى بْنُ يُونُسَ، فِي قَوْلِ خَلِيفَةَ وَابْنِ سَعْدٍ، الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى السِّينَانِيُّ الْمَرْوَزِيُّ، مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْحَرَّانِيُّ الْفَقِيهُ، مخلد بن الحسين الْمُهَلَّبِيُّ بِالْمِصِّيصَةِ، مُطَرِّفُ بْنُ مَازِنٍ قَاضِي صَنْعَاءَ، مُعَمَّرُ بْنُ سُلَيْمَانَ النَّخَعِيُّ الرَّقِّيُّ. وَتُوُفِّيَ فِيهَا جماعة مختلف فيهم، سيذكرون.
وَفِيهَا خَرَجَ ثَرْوَانُ بْنُ سَيْفٍ بَحَوْلايَا، فَسَارَ إِلَيْهِ طَوْقُ بْنُ مَالِكٍ؛ فَهَزَمَهُ طَوْقٌ وَقَتَلَ أَصْحَابَهُ، وَهَرَبَ مَجْرُوحًا.
وَفِيهَا خَرَجَ أَبُو النِّدَاءِ بِالشَّامِ، فَتَوَجَّهَ لِقِتَالِهِ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ.
وَفِيهَا غَلُظَ أَمْرُ رَافِعِ بْنِ اللَّيْثِ بِسَمَرْقَنْدَ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ أَهْلُ نَسَفَ بِالطَّاعَةِ، وَأَنْ يُوَجِّهَ إِلَيْهِمْ مَنْ يُعِينُهُمْ عَلَى قِتَالِ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ، فَوَجَّهَ صَاحِبَ الشَّاشِ فِي أَتْرَاكِهِ وَقَائِدًا مِنْ قُوَّادِهِ، فَأَحْدَقُوا بِعِيسَى وَلَدِ عَلِيٍّ وقتلوه في ذي القعدة.
وفيها ولى الرشيد حمويه الخادم خراسان.
وفيها غزا يزيد بن خالد الرُّومَ فِي عَشَرَةِ آلافٍ، فَأَخَذَتِ الرُّومُ عَلَيْهِ الْمَضِيقَ، فَقُتِلَ بِقُرْبِ طَرَسُوسَ، وَقُتِلَ مَعَهُ سَبْعُونَ رجلا، فَوَلَّى الرَّشِيدُ غَزْوَ الصَّائِفَةِ هَرْثَمَةَ بْنَ أَعْيَنَ، وَضَمَّ إِلَيْهِ ثَلاثِينَ أَلْفًا مِنْ جُنْدِ خُرَاسَانَ وَمَعَهُ مَسْرُورٌ الْخَادِمُ إِلَيْهِ النَّفَقَاتُ وَجَمِيعُ الأَمْرِ خلا الرياسة.
وَمَضَى الرَّشِيدُ إِلَى دَرْبِ الْحَدَثِ فَرَتَّبَ الأُمُورَ، ثُمَّ انْصَرَفَ بَعْدَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي رَمَضَانَ، فنزل الرقة، وأمر بهدم الكنائس بالثغور.
وعزل علي بن عيسى بن مَاهَانَ عَنْ خُرَاسَانَ بَهَرْثَمَةَ بْنِ أَعْيَنَ. وَقَدْ ذَكَرْنَا سَبَبَ هَلاكِ وَلَدِهِ عِيسَى، فَلَمَّا قُتِلَ وَلَدُهُ خَرَجَ عَنْ بَلْخَ فَأَتَى مَرْوَ خَوْفًا مِنْ رَافِعٍ أَنْ يَأْتِيَ مَرْوَ فَيَمْلِكُهَا. وَكَانَ ابْنُهُ دَفَنَ فِي بُسْتَانِ دَارِهِ أَمْوَالا، نَحْوَ ثلاثين ألف -[1028]- أَلْفٍ، وَلَمْ يَدْرِ بِهَا عَلِيٌّ، فَأَعْلَمَتْ جَارِيَةٌ لِعِيسَى بَعْضَ الْخَدَمِ، وَتَحَدَّثَ بِهِ النَّاسُ، فَاجْتَمَعَ أعيان البلد وأنهبوا الْمَالَ هُمْ وَالعَامَّةُ، فَعَلِمَ الرَّشِيدُ فَغَضِبَ، وَعَزَلَهُ، وَأَخَذَ أَمْوَالَهُ، فَبَلَغَتْ ثَمَانِينَ أَلْفَ أَلْفٍ. وَكَانَ علي بن عيسى قد عتى وَتَجَبَّرَ عَلَى الْقُوَّادِ، وَكَانَتْ كُتُبٌ قَدْ وَرَدَتْ على الرشيد أن رافعا لَمْ يَخْلَعْ، وَلا نَزَعَ السَّوَادَ، وَلا مَنْ شَايَعَهُ، وَأَنَّ غَايَتَهُمْ عَزْلُ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى الَّذِي قَدْ سَامَهُمُ الْمَكْرُوهَ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ أَمِيرُ مَكَّةَ الْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ.
وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ بَعْدَ هَذِهِ السَّنَةِ صَائِفَةٌ إِلَى سَنَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ.

-سنة إحدى وتسعين ومائتين

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة إحدى وتسعين ومائتين
تُوفّي فيها: أبو العباس ثَعلب، وعبد الرحمن بن محمد بن سَلْم الرّازي، وقُنْبُل المقرئ، ومحمد بن أحمد بن البراء العبدي، ومحمد بن أحمد بن النضر ابن بنت معاوية، ومحمد بن إبراهيم البُوشنجيّ الفقيه، ومحمد بن علي الصّائغ المكّيّ، وهارون بن موسى الأخفش المقرئ.
وفيها قُتِل الحسين بن زَكرَوَيْه المدَّعي أنّه أحمد بن عبد الله صاحب الشامة.
وفيها زوّج المكتفي ولَدَه أبا أحمد بابنة الوزير القاسم بن عُبَيْد الله، وخطب أبو عمر القاضي، وخلع القاسم أربعمائة خلعة، وكان الصداق مائة ألف دينار.
وفيها خرجت الترْك إلى بلاد المسلمين في جيوش عظيمة يقال: كان معهم سبعمائة خركاه، ولا يكون الخركاه إلا لأمير، فنادى إسماعيل بن أحمد في خُراسان وسِجِسْتان وطَبَرِستان بالنفير، وجهز جيشه فوافوا الترك على غرة سَحَرًا، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وانهزم من بقي وغنم المسلمون وسلموا وعادوا منصورين.
وفيها بعث صاحب الرُّوم جيشًا مبلغه مائة ألف، فوصلوا إلى الحَدَث، فنهبوا وسَبَوْا وأحرقوا.
وفيها غزا غُلام زُرافة من طَرَسُوس إلى الرّوم، فوصل إلى أَنْطَالية، قريبًا من قسطنطينية، فنازلها إلى أن فتحها عَنْوَةً، وقتل نحوًا من خمسة آلاف، وأسر أضعافهم، واستنقذ مِن الأسر أربعة آلاف مسلم، وغنم مِن الأموال ما لا يُحْصَى، بحيث أنّه أصاب سهمُ الفارس ألف دينار.
وفيها جهّز المكتفي محمد بن سليمان في جيشٍ، فسار إلى دمشق، -[864]- وكان بها بدْر الحَمّاميّ، فتلقّاه فقلّده دمشق، وسار محمد إلى الرملة.
وكان الحسين بن زَكْرَوَيْه صاحب الشّامة قد قويت شوكته، وعَظُمَت أذِيّتُه، فصالحه أهل دمشق على أموال، فانصرف عنها إلى حمص فمَلَكَها وآمن أهلَها، وتسمّى بالمهديّ. وسار إلى المعرَّة وحماة، فقتل وسبى النساء، وجاء إلى بَعْلَبَكّ، فقتل عامَّةَ أهلها، وسار إلى سَلَمْيَة، فدخلها بعد مُمَانَعَة، وقَتَلَ مَن بها مِن بني هاشم، وقتل الصّبْيان والدّوابّ، حتّى ما خرج منها وبها عين تطرف.
ثم إنّ محمد بن سليمان الكاتب، لما سيّره المكتفي، التقى هو وهذا الكلب بقرب حمص، فهزمهم محمد، وأسر منهم خلقًا. وركب صاحب الشامة وابن عمّه المدّثّر وغلامه، واخترق البِّريَّة نحو الكوفة، فمرُّوا على الفُرات بدالِيَّة ابن طوق، فأنكروا زِيَّهم، فتهدّدهم والي ذلك الموضع، فاعترف أنّ صاحب الشّامة خلْف تِلْكَ الرابية، فجاء الوالي فأخذهم، وحملهم إلى المكتفي بالرَّقَّة. ثمّ أُدْخُلُوا إلى بغداد بين يديه، فعذبهم، وقطع أيديهم، وقتلهم ثم أحرقهم.

-سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة
فيها جلس القادر بالله للحُجَّاج الخُرَاسانية، وأعلمهم أَنَّهُ قد جعل وليّ عهده ولده أَبَا الفضل الغالب باللَّه، وله يومئذ ثمان سنين وأربعة أشهر، وسبب عَجَلَته فِي ذَلِكَ أنّ عَبْد اللَّه بْن عثمان العباسي الواثقي الخطيب خرج إلى خُرَاسان، واتفق هُوَ ورجل رئيس عَلَى أن افتعلا كتابًا من القادر بتقليد الواثقيّ ولاية العهد من بعده، ودخل عَلَى بعض السلاطين، فاحترمه وخطب لَهُ بعد القادر، وكتب إلى القادر باللَّه، فبادر بولاية العهد لابنه، وأثْبَتَ فسق الواثقي، ولم يزل الواثقيّ فِي البلاد النائية حتى مات غريبًا خائفًا من سوء افترائه.

-سنة إحدى وتسعين وأربعمائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة إحدى وتسعين وأربعمائة
قال ابن الأثير: ابتداء دولة الفرنج، لعنهم اللَّه، في سنة ثمان وسبعين، فملكوا طُلَيْطُلَة وغيرها من الأندلس، ثمّ قصدوا صِقِلّية في سنة أربع وثمانين فملكوها، وأخذوا بعض أطراف إفريقية، وخرجوا في سنة تسعين إلى بلاد الشّام، فجمع ملكهم بردويل جَمْعًا كثيرًا، وبعث إلى الملك رُجَار صاحب صِقِلّية يَقُولُ: أَنَا واصل إليك وسائرٌ من عندك إلى إفريقية أفتحها، وأكون مجاورًا لك، فاستشار رُجَار أكابر دولته، فقالوا: هذا جيّد لنا وله، وتصبح البلاد بلاد النّصرانيّة، فضرط ضرطةً، وقال: وحقّ ديني، هذه خير من كلامكم! قالوا: ولم؟
قال: إذا وصل احتاج إلى كلْفة كبيرة ومراكب وعساكر من عندي، فإن فتحوا إفريقية كانت لهم ويأخذون أكثر مُغَلّ بلادي، وإن لم يفلحوا رجعوا إلى بلادي وتأذيت بهم، ويقول تميم - يعني ابن باديس -: غدرت ونقضت العهد، ونحنُ إنْ وجدنا قوة أخذنا إفريقية، ثم أحضر الرسول، وقال: إذا عزمتم عَلَى حرب المسلمين فالأفضل فتح بيت المقدس، تخلّصونه من أيديهم، ويكون لكم الفخر، وأمّا إفريقيّة فبيني وبين صاحبها عُهُود وأَيْمان، فتركوه وقصدوا الشّام.
وقيل: إنّ صاحب مصر لما رأى قوة السلجوقية واستيلاءهم عَلَى الشام ودخول أَتْسِز إلى القاهرة وحصارها، كاتب الفرنج يدعوهم إلى المجيء إلى الشام ليملكوه. -[666]-
وقيل: إنّهم عبروا خليج القُسْطنطينيّة وقدِموا بلاد قليج أرسلان بن سليمان بْن قُتُلْمش السَّلْجوقيّ، فالتقاهم، فهزموه في رجب سنة تسعين، واجتازوا ببلاد ليون الأرمني فَسَلكوها، وخرجوا إلى أنطاكية فحاصروها، فخاف ياغي سِيان من النَّصارى الذين هُمْ رعيته، فأخرج المسلمين خاصة لعمل الخندق، فأصلحوه، ثم أخرج النصارى كلهم من الغد لعمل الخندق أيضًا، فعملوا فيه إلى العصر، ومنعهم من الدخول، وأغلق الأبواب، وأَمِن غائلة النصارى، وحاصرته الفرنج تسعة أشهر، وهلك أكثر الفرنج قتلًا وموتًا بالوباء، وظهر من شجاعة ياغي سيان وحزمه ورأيه ما لم يشهد من غيره، وحفظ بيوت رعيّته النّصارى بما فيها، ثم إن الفرنج راسلوا الزّرّاد أحد المقدَّمين، وكان متسلّمًا برجًا من السور، فبذلوا له مالاً، فعامل على المسلمين وطلعوا إلى أن تكاملوا خمسمائة، فضربوا البوق وقت السَّحَر، ففتح ياغي سيان الباب، وهرب في ثلاثين فارسًا، ثمّ هرب نائبه في جماعة.
واستُبيحت أنطاكية، فإنا لله وإنا إِلَيْهِ راجعون، وذلك في جُمَادَى الأولى من سنة إحدى وتسعين، وأُسْقِط في يد ياغي سيان صاحبها، وأكل يديه ندماً حيث لم يقف ويقاتل عَنْ حُرَمه حتّى يقتل، فلشدة ما لحقه سقط مغشيا عَلَيْهِ، وأراد أصحابه أنّ يُرْكِبُوه، فلم يكن فيه حَيْلٌ يتماسك بِهِ، بل قد خارت قوّته، فتركوه ونجوا، فاجتاز بِهِ أَرمنيّ حطّاب، فرآه بآخر رَمَق، فقطع رأسه، وحمله إلى الفرنج.
وقال صاحب المرآة: وكثر النفير على الفرنج، وبعث السّلطان بَرْكِيارُوق إلى العساكر يأمرهم بالمسير مع عميد الدولة للجهاد، وتجهز سيف الدولة صدقة بن مُزْيَد، فجاءت الأخبار إلى بغداد بأنّ أنطاكية أخذت، وأن الفرنج صاروا إلى المَعَرَّة، وكانوا في ألف ألف إنسان، فنصبوا عليها السلالم، ودخلوها، وقتلوا بها مائة ألف نفس، وسبوا مثل ذَلِكَ، وفعلوا بكَفَرْطَاب كذلك.
قلت: دافع أهل المَعَرّة عَنْهَا، وقاتلوا قتال الموت حتّى خُذِلوا، فقتل بها عشرون ألفًا، فهذا أصح. -[667]-
وقال أبو يعلى ابن القلانسي: وأما أنطاكية فقتل بها وسبي من الرجال والنساء والأطفال ما لا يدركه حصر، وهرب إلى القلعة تقديرُ ثلاثة آلاف تحصنوا بها.
قَالَ أبو يَعْلَى: وبعد ذَلِكَ أخذوا المَعَرّة في ذي الحجة.
قَالَ ابن الأثير: ولمّا سمع قوام الدّولة كربوقا صاحب المَوْصِل بذلك، جمع الجيوش وسار إلى الشّام، ونزل بمرج دابق، فاجتمعت معه عساكر الشام، تُرْكُها وعَرَبُها، سوى جُنْد حلب، فاجتمع معه دقاق وطغتكين أتابك، وجناح الدّولة صاحب حمص، وأرسلان صاحب سنجار، وسقمان بن أرتق وغيرهم، فعظمت المصيبة على الفرنج، وكانوا في وهْن وقَحْط، وسارت الجيوش فنازلتهم، ولكن أساء كربوقا السيرة في المسلمين، وأغضب الأمراء وتحامق، فأضمروا لَهُ الشر، وأقامت الفرنج في أنطاكيّة بعد أنّ ملكوها ثلاثة عشر يوماً، ليس لهم ما يأكلونه، وأكل ضعفاؤهم الميتة وورق الشجر، فبذلوا البلد بشرط الأمان، فلم يعطهم كربوقا.
وكان بردويل، وصنجيل، وكندفري، والقمص صاحب الرها، وبيمنت صاحب أنطاكية، ومعهم راهب يرجعون إلَيْهِ، فقال: إنّ المسيح كانت لَهُ حَرْبَةٌ مدفونة بأنطاكية، فإن وجدتموها نُصِرْتُم، ودفن حرْبةً في مكانٍ عفّاه، وأمرهم بالصَّوم والتّوبة ثلاثة أيام، ثم أدخلهم إلى مكانٍ، وأمر بحفْره، فإذا بالحَرْبة، فبشّرهم بالظَّفَر وخرجوا للقاء، وعملوا مصافًا، فولّى بعض العساكر حرب كربوقا، لِما في قلبهم منه، وما كَانَ ذا وقت ذا، فاشتغل بعضهم ببعض، ومالت عليهم الفرنج، فهزمتهم، وهربوا من غير أن يقاتلوا، فظنت الفرنج أنّها مكيدة، إذ لم يجر قتال يوجب الهزيمة، وثبت جماعة من المجاهدين، وقاتلوا خشية، فحطمتهم الفرنج، واستشهد يومئذ ألوف، وغنمت الفرنج من المسلمين معظم ثقلهم ورختهم.
ثمّ ساروا إلى المَعَرّة، فحاصروها أيامًا، ثمّ داخل المسلمين فشلٌ وهلعٌ، وظنوا أنهم إذا تحصنوا بالدُّور الكبار امتنعوا بها، فنزلوا من السور إلى -[668]- الدور، فرآهم طائفة أخرى، ففعلوا كفعلهم، فخلا مكانهم من السور، فصعدت الفرنج عَلَى السّلالم، ووضعوا فيهم السيف ثلاثة أيّام، وقتلوا ما يزيد عَلَى مائة ألف، وملكوا جميع ما فيها.
وساروا إلى عرقة، فحصروها أربعة أشهر، ونقّبوا أماكن، ثمّ صالحهم عليها صاحب شيزر ابن منقذ، فساروا ونازلوا حمص، ثمّ صالحهم جناح الدولة على طريق إلى عكا.
وفيها شغب الْجُنْد عَلَى السلطان بَركيَارُوق وقالوا: لا نسكت لك حتى تسلم إلينا مجد المُلْك القُمّيّ المستوفي - وكان قد أساء السيرة، وضيق أرزاقهم -، فقال القمي: نفسي فداؤك دعهم يقتلوني ويبقى عليك ملكك، فقال: والله لا مكنتهم منك، وعزم عَلَى إخفائه، فقيل لَهُ: متي خرج عنك قتلوه، ولكن اشفع فيه، فبعثه وقال للأمراء: السلطان يشفع إليكم فيه، فثاروا به وقتلوه، ثم جاؤوا وقبلوا الأرض بين يدي بركياروق، فسكت.
وقال أبو يعلى: وفيها سار أمير الجيوش أحمد حتّى نازل بيت المقدس وحاصره، وأخذه من سُقْمان بْن أُرْتُق.

-سنة إحدى وتسعين وخمسمائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة إحدى وتسعين وخمسمائة
أنبأنا ابن البُزُوريّ قَالَ: في المحرَّم وصل الخبر على جناج طائر باستيلاء الوزير مؤيّد الدين محمد ابن القصاب على همذان، وضربت الطُّبول.
قلت: واعتنى الناصر لدين الله هذه المدَّة بالحمام اعتناء زائداً.
قال: ووليّ مؤيَّد الدين كلَّ بلدٍ أميرًا، واجتمع بختلغ إنج فخلع عليه، واتفقا على الخُوارزْمية وقتالهم، فقصد الوزير دامَغَان، وقصد خلتغ إنج الريّ فدخلها وتحصّن بها، وخالف فيها الوزير فحصره، ففارقها خلتغ إنج، ودخلها الوزير وأنهبها عسكر بغداد، ثم ولاّها فلك الدّين سنقر النّاصريّ.
ثم سار فحارب ختلغ إنج، فانكسر ختلغ إنج ونجا بنفسه، ورجع الوزير فدخل هَمَذان، فنفّذ خُوارزم شاه يعتب على الوزير، ويتهدّده لما فعله في أطراف بلاده، فاستعد الوزير للمُلْتَقى، فتُوُفيّ دون ذلك، وجيَّش خُوارزم شاه، وقَصَدَ هَمَذَان، وحارب العسكر فهزمهم، ونبش الوزير ليشيع الخبر أنه قُتِلَ في المعركة، ثم عاد إلى خراسان، ثم إن المماليك البهلوانية أمّروا عليهم كوكج، وملكوا الريّ، وأخرج فلك الدّين سنقر.
وفيها سار الملك العزيز من مصر ليأخذ دمشق، فبادر الملك الأفضل منها وساق إلى عمّه العادل، وهو بقلعة جَعْبَر، وطلب نجدته، ثم عَطَفَ إلى أخيه الظّاهر يستنجده، فساق العادل وسبق الأفضل إلى دمشق، وقام معهما كبار الأمراء، فردّ العزيز منهزمًا، وسار وراءه العادل والأفضل فيمن معهما من الأسَديَّة والأكراد، فلمّا رأى العادل انضمام العساكر إلى الأفضل وقيامهم معه، خاف أن يملك مصر، ولا يسلّم إليه دمشق، فبعث في السّرّ إلى العزيز يأمره بالثَّبات، وأن يجعل على بِلْبِيس مَن يحفظها، وتكفل بأنه يمنع الأفضل، فجهّز العزيز النّاصريّة مع فخر الدّين جركس، فنزلوا ببلبيس، وجاء الأفضل والعادل فنازلوهم، فأراد الأفضل مناجزتهم أو دخول مصر، فمنعه العادل من الأمرين -[930]- وقال: هذه عساكر الإسلام، فإذا قُتِلوا في الحرب فمن يردّ العدوّ، والبلاد فبحكمك، وأخذ يراوغه، وجاء القاضي الفاضل في الصُّلح، ووقعت المطاولة، واستقر العادل بمصر عند العزيز، ورجع الأفضل.
هذا ملخّص ما قاله " ابن الأثير ".
وفي هذه المدَّة جدّد العزيز الهدنة مع ملك الفِرِنج كنْدهري، وزاد في المدَّة ثم لم يلبث كنْدهري أن سقط من مكانٍ بعكّا فمات، واختلفت أحوال الفرنج قليلاً.
قال ابن واصل وغيره: لمّا عزم العزيز على قَصْد الشام ثانيًا، أشار العُقلاء على الملك الأفضل بملاطفة أخيه العزيز، ولو فعل لصلح حاله، ولرضي منه العزيز بإقامة السّكَّة والخطبة له بدمشق، لكنْ قبل ما أشار به وزيره الضّياء ابن الأثير، من اعتصامه بعمّه العادل والالتجاء إليه، وكان ذلك من فاسد الرأي، حتى استولى عمه على الأمر، وغلب على السَّلطنة، ولمّا رجع الأفضل من بلبيس إلى دمشق أقبل أيضًا على الزُّهد والعبادة وفوّض الأمور إلى ابن الأثير، فاختلّت به غاية الاختلال.
وفيها قدِم بغدادَ شمس الدّين عليّ بن سوسيان بن شملة، ومعه نساء أبيه وجواريه، فتُلُقّيّ بالموكب الشريف، وكان صبيًّا بديع الجمال، تُضْرَب بحُسْنه الأمثال.
وقال أبو شامة: فيها قدِم العزيز إلى الشام أيضًا ونزل على الفوار، ثم رحل إلى مصر لمّا سمع بقدوم العساكر مع عمّه العادل وأخيه الأفضل، فتبِعاه إلى مصر، وخرج القاضي الفاضل فأصلح الحال، فدخل العادل مصر مع العزيز وأقام عنده، وردّ الملك الأفضل إلى دمشق.
وفيها كانت بالمغرب وقعة الزّلّاقة، وكانت ملحمة عظيمة بين يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن، وبين الفُنْش ملك طُلَيْطُلَة لعنه الله.
كان الفُنْش قد استولى على عامَّة جزيرة الأندلس، وقَهَرَ وُلاتها، وكان يعقوب بِبَرّ العدوة مشغولًا عن نُصرة أهل الأندلس بالخوارج الخارجين عليه، وبين الأندلس وبين -[931]- سَبْتَة كان أدقّ ما يكون من عرُض البحر، وعرضه ثلاثة فراسخ، ويُسمى العُدْوة، وزُقاق سَبْتَة، وغير ذلك، ومنه دخل المسلمون في المراكب لمّا افتتحوا الأندلس في دولة الوليد بن عبد الملك، واستضرى الفنش واستفحل أمره، واتسع ملكه، وكتب إلى يعقوب يحثه في الدخول إليه، فأخذته حميَّة الإسلام، وسار فنزل على زقاق سَبْتَة، وجمع المراكب وعَرَض جيوشه، فكانوا مائة ألف مرتزقة، ومائة ألف مطَّوّعة، وعدّوا كلُّهم، ووصل إلى موضع يقال له " الزّلاّقة " وجاء الفُنْش في مائتي ألف وأربعين ألفًا، فالتقوا، فنَصَر الله دينه، ونجا الفونش في عددٍ يسير إلى طُلَيْطُلَة، وغنم المسلمون غنيمةً لا تحُصَى.
قال أبو شامة: كان عدة من قُتِلَ من الفرنج مائة ألف وستَّة وأربعين ألفًا، وأُسِر ثلاثون ألفًا، وأُخذ من الخيام مائة ألف خيمة وخمسون ألفًا، ومن الخيل ثمانون ألف رأس، ومن البغال مائة ألف، ومن الحمير أربع مائة ألف حمار، تحمل أثقالهم، لأنّهم لا جِمال عندهم، ومن الأموال والجواهر والقماش ما لا يُحصى.
قال: وبِيع الأسير بدِرهم، والسيّف بنصف، والحصان بخمسة دراهم، والحمار بدرهم، وقسم يعقوب الملقّب بأمير المؤمنين الغنائمَ على مقتضى الشريعة فاستغنوا للأبد. وأمّا الفنْش فوصل بلدَه على أسوأ حال، فحلق رأسه ونكّس صليبه، وآلى أن لا ينام على فراش ولا يَقْرَب النّساء، ولا يركب حتّى يأخذ بالثأر، وأقام يجمع من الجزائر والبلاد ويستعد.
قال: وقيل: إنمّا كانت هذه الوقعة في سنة تسعين.
وذلك وهْم، إنّما كانت في سنة إحدى وتسعين في تاسع شعبان.

-سنة إحدى وتسعين وستمائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة إحدى وتسعين وستمائة
فِي صَفَر أمر نائب دمشق وهو الشجاعيّ، بإنزال الكأس السماقيّ البرّاق من القلعة إلى الجامع، فأنزل والمؤذنون بين يديه يقرؤون والصّبيان يصيحون، إلى أنّ وضع موضع البرّادة. وقُلعت البَرَّادة ولم يكن هذا الكأس مثقوبًا، فثقبة المرخّمون فِي أيّام. وهو كأس كأنّه هناب مُرَحرَح، يسع نحو عشرة أرطال ماء أو أقلّ. وحجره من جنس اللَّوحين اللَّذين عن جنبتي محراب جامع دمشق، حجر أملس بصّاص مانع قليل الوقوع. ثُمَّ أُجري فِيهِ الماء وسمرت المغرفتان مع الركن وشربنا منه. ثُمَّ أخذوه إلى القلعة وعُمل فِي دار السّلطنة بعد أيّام.
وفيه أُخرب حمّام الملك السّعيد ولم يكن فِي الشَّام بأسرها حمّام أحسن منه ومُغَلّه عظيم. وكان بينه وبين باب السّرّ الَّذِي للقلعة نحو سبعين ذراعًا. وأخذوا من حجارة بابه وعملوها على باب السّرّ. وخرّبوا ما حوله من الدور وغيرها.
وفيه كان البناء فِي القلعة والطارمة بجدٍّ وسهر واجتهادٍ عظيم. وبُني باب الميدان بأعمدةٍ كانت فِي القلعة وعُمِل له حيطان هائلة العرض. واقتسمت الأمراء عمله وأقيم فِي زمنٍ يسير بهمة عالية وسرعة زائدة.
وفي ربيع الأوّل خطب أمير المؤمنين الحاكمُ بأمر اللَّه يوم الْجُمُعَة -[680]-
بجامع قلعة الجبل خطبةً جهاديّة، فقيل هِيَ التي لقنه إياها شيخنا الشيخ شرف الدين ابن المقدسي.
وفيه ولي خطابة دمشق الشَّيْخ عز الدِّين أحمد ابن الفاروثي وخرج بعد يوم بالنّاس إلى الصَّحراء للاستسقاء إلى مَيْدان الحصى. وذلك فِي وسط آذار وبعد يومٍ أو يومين حصل للغوطة صقْعةٌ شديدة أعطبت الصّحراء والثّمار ولم يُعْهَد مثلُها من نيف وعشرين سنة.
وفي يوم الإثنين بعد جمعة خرج النّاس أيضًا للاستسقاء إلى قريب مسجد القدم وخطب الفاروثي ومشى إلى ثَمّ نائب السَّلْطنة الشُّجاعيّ والجيش والخلائق وابتهلوا إلى اللَّه، ثُمَّ رزق الله الغيث وجاءت الرحمة.
وفيه درّس الشَّيْخ صدر الدِّين عبد البر بْن رزين بالقَيْمُرية لسفر مدرّسها القاضي علاء الدين أحمد ابن قاضي القضاة تاج الدين ابن بنت الأعز.
وفيه - أعني ربيع الآخر - انتهت عمارة دار السّلطنة بقلعة دمشق ودخل فيها نحو أربعة آلاف دينار فِي الزّخرفة. وعمل النّائب للسلطان دِهليزًا عظيمًا إلى الغاية، طولُ عموده بضعةٌ وثلاثون ذراعا ستّ وصْلات، لا يمكن الشّخص أن يحضنه والفلكة التي فِي أعلاه كأنّها فردة طاحون. وهو من هذه النّسبة. وتنوّع فِي عمل خامه وغرم عليها أموالًا ونُصب بالميدان ليراه السّلطان، فقاسوا المشاقَ حَتَّى انتصب، فجاء هواءٌ عاصف فرماه، فشرعوا فِي عمل دِهليزٍ أصغر منه.
وفي جُمَادَى الأولى دخل دمشقَ الملك الأشرف، ثُمَّ صلّى بجامع دمشق يوم الْجُمُعَة بالمقصورة وأسرجت له شموع كثيرة وخلع على الخطيب عز الدين الفاروثي.
وأقام السّلطان بدمشق عشرة أيّام وسار إلى حلب فدخلها في أواخر الشهر بالجيوش وضيفه صاحب حماة وبالغ في الاحتفال وأدخله الحمام.
وفيه درّس الشَّيْخ صفيُّ الدِّين الهنديّ بالظّاهريّة بعد رواح مدرسها ابن بنت الأعز إلى مصر. -[681]-
وفيه نكح الأمير شمس الدِّين الأعسر ابْنَة الصاحب شمس الدين ابن السلعوس على ألف وخمسمائة دينار.
وفيه حُبست الشيخة البغداديّة وتعصّب عليها جماعة من الأحمديّة وأوذيت فصبرت وقالت: أَنَا لا أترك النَّهي عن المُنكَر. ثُمَّ سلّمها اللَّه بحسن نيتها.
وفي ثامن جُمَادَى الآخرة نازل السّلطان وجيوشه قلعة الروم وحاصرها شهرًا وثلاثة أيام.
وفيه نزل الفاروثيّ عن تدريس النجيبيّة للشيخ ضياء الدين عبد العزيز الطوسي.
وفيه وقع من أخي رئيس المؤذّنين البرهان أمرٌ صعْب وهو أنّه وعبد أسود تحيَّلا فِي النُّزول على حُرَم السّلطان الَّذِين تركهم بالقلعة وأحضرا سُلَّمًا وأرادا التّسلّق منه، ففُطِن لهما وأُخِذا وكوتب فيهما، فجاء الأمرُ بتسميرهما، فسمرا وماتا.
وفي حادي عشر رجب فُتحت قلعة الرّوم بالسَّيف عنْوةً ودُقّت البشائر وزُيّنت البلاد وترحّل السّلطان وبقي عليها عسكر الشَّام والشجاعي لعمارتها وترميم ما تشعّث بالمجانيق. فقدِم السّلطانُ حلب وعزل عَنْهَا قراسُنْقُر المنصوريّ وأمّر عليها سيفَ الدِّين بلَبان الطَّبّاخيّ المنصوريَّ متولّي السّاحل. وأمّر على السواحل طُغْريل الإيغانيّ. وأمّر على قلعة الروم الأمير عز الدين الموصلي.
وفيه فتح الشجاعي الزاكات وهي معاقل للأرمن على الفُرات وأخذ منها نحوًا من ألف نفس.
وفيه بدت من الْجَمَال المحقّق معيد القَيْمُريّة هفوة فِي الدَّرس، فقام مدرّس القَيْمُريَّة صدْرُ الدين ابن رزين وشكاه وجرت أمورٌ أوجبت أنّ المحقّق أسلم عند القاضي شرف الدِّين الحنبليّ وحُكم بإسلامه وحُقِن دمُه وترك -[682]-
إعادة القَيْمُريَّة وقايض نجم الدِّين الدّمشقيّ إلى إعادة الرواحية.
وفي تاسع شعبان دخل السلطان دمشق مؤيدا منصورًا والأسرى بين يديه، منهم خليفة الأرمن.
وأمّا نائب السّلطنة بَيْدرا وسُنقُر الأشقر وقراسُنقُر وبكتوت العلائيّ وكثيرٌ من الجيش فسار إلى بَعْلَبَك، ثُمَّ إلى جبل الجرديّين ووافاهم من جهة السّاحل رُكنُ الدِّين طقصو وعزّ الدِّين أَيْبَك الحمويّ، فنزلوا على الجبل، فحضر إلى بيدرا مَن فَتَر همّته عَنْهُمْ وتمكّنوا من أطراف الجيش فِي تلك الجبال الوعرة ونالوا منهم، فرجع الجيش شبْه المقهورين وحصل للجبليّين الطَّمَع والقوّة، ثُمَّ هادنتهم الدّولة وخلع على جماعة منهم. وحصل بذلك للعسكر وهْن. ثُمَّ قَدِمَ بيدرا دمشقَ، فعاتبه السّلطان، فتألّم ومرض وزاره السّلطان، ثُمَّ عُوفي. وعمل السّلطان ختمةً بجامع دمشق لعافيته.
وليلة نصف رمضان تُوُفّي صدران كبيران موقعان عديما النظير: فتح الدين محمد بن محيي الدين ابن عَبْد الظاهر ومن الغد تُوُفّي سَعْد الدِّين سعد الله الفارقي.
وفي رمضان أُحضر الأمير عَلمُ الدِّين الدّواداريّ من حبْس الديار المصريّة إلى دمشق وأنعم عليه السّلطان وأعادَه إلى الإمرة وأفرج عن أمواله وحواصله. ثُمَّ سار صُحبة الرّكاب الشّريف.
وفيه وُلّي خطابة دمشق موفَّق الدِّين مُحَمَّد بْن مُحَمَّد بْن حُبَيش الحمويّ عِوَضًا عن الشَّيْخ عزَّ الدِّين الفاروثيّ، فباشر يوم الْجُمُعَة الثّامن والعشرين من رمضان. وحضر السّلطان يومئذٍ بالمقصورة.
وهرب الأمير حسام الدِّين لاجين بسبب مسْك الأمير رُكْن الدِّين طقصو وخرج السّلطان إلى المَرْج فِي طلبه ونادت المنادية بدمشق على الأمير لاجين.
وفي سابع شوّال دخل الشُّجاعيّ بعسكر دمشق، أتوا من ناحية قلعة الرّوم. وقد فرغوا من أشغالهم.
ويومئذٍ قُيَّد شمس الدِّين الأعسر وبُعث إلى مصر.
وعُزل الشُّجاعيّ من نيابة دمشق بعزّ الدِّين الحموي.
وتوجّه السّلطان إلى مصر فِي عاشر شوّال بسَحَر وبات أهل الأسواق -[683]-
بظاهر البلد مرّتين بالشّمع إلى ميدان الحصى.
وأمّا لاجين، فَلَمّا هرب قصدَ بعضَ أمراء العرب بأرض صَرْخد وطلب منه أنّ يُوصله إلى الحجاز، فقبض عليه وأتى به إلى السّلطان يوم الرابع من شوّال. فقيّده وبعث به إلى مصر.
ثم قيد سنقر الأشقر وبعث به أيضًا.
وولي جمال الدين ابن صَصْرَى نظر الدّواوين وأُعفي من ذَلِكَ محيي الدين ابن النّحّاس وعُوِّض بنظر الخزانة. وعُزل أمين الدِّين ابن هلال.
ويوم تاسع عَشْر شوّال توجّه الركْب وأميرُهُم سيف الدين باسطي المنصوري.
ويومئذ أمسك علاء الدين ابن الجابي خطيب جامع جَرّاح وأخُذ ماله واتّهم بضرب الزَّغْل. وكان مُغْرى بالكيمياء فضُرب وحُبس مدّة ثم أطلق بعد شهر ونصف.
وفي ذي القعدة دخل السّلطان مِصْر وأفرج عن حسام الدِّين لاجين وأعطاه مائة فارس.
وفي ذي الحجة قدم الشام نحو ثلاثمائة فارس من التتار مقفرين وتوجهوا إلى القاهرة.
وفي أواخرها وقيل فِي أوّل سنة اثنتين أحضر السّلطان بين يديه سُنقُر الأشقر وطقصو فعاقبهما، فأقرّا أنّهما عزما على قتله وأنّ حسام الدِّين لاجين لم يكن معهم، فأمر بهما فخُنِقا بوَتَرٍ وأفرج عن لاجين بعد أن كان الوتر في حلقه. وقيل خُنق وتُرك بآخر رَمَق، فشفع فِيهِ بيدرا والشُجاعيّ فأطلقه وأُنزل الآخران إلى البلد فسُلّما إلى أهاليهما. وأُهلك معهما أمراء منهم جرمك وسُنقران والهارونيّ.
ذِكر القصيدة التي أنشأها المولى شهاب الدِّين محمود فِي السّلطان
وقيل: إنّها لغيره، فقد سألتُه عَنْهَا فلم يعرِفْها وإنّما هِيَ لشاعرٍ من تجّار بغداد مات سنة بضع وسبعمائة، سمعها منه ابن منْتاب. وبعد ذَلِكَ ظهرت أنّها للمولى شهاب الدِّين وأخرجها بالخطّ العتيق وحدث بها. سمعها منه العلائي وغيره. -[684]-
لك الرّاية الصَّفراءُ يقدمُها النَّصرُ ... فمن كيقُباذُ إنْ رآها وكيْخُسْرُو
إذا خَفَقَتْ فِي الأفْق هُدْبُ بُنُودِها ... هَوى الشِّرْكُ واستعلى الهُدى وانْجلى الثغرُ
وإنْ نُشرت مثل الأصائِل فِي وغًى ... جلا النَّقْع من لألاء طَلْعتها البدرُ
وإنْ يممّت زُرْقَ العدى سار تحتها ... كتائبُ خضرٌ دَوحها البِيض والسُّمرُ
كأنّ مثار النَّقْع ليلٌ وخَفْقها ... بُرُوقٌ وأنت البدرُ والفَلَك الجِتْرُ
فكم وَطئت طَوْعًا وكرْهًا معاقلًا ... مضى الدّهر عَنْهَا وهي عانسة بِكْرُ
وإنْ رُمتَ حصنًا سابَقَتْكَ كتائبُ ... من الرُّعب أو جيش تقدّمه النَّصرُ
فلا حصنٌ إلا وهو سجنٌ لأهله ... ولا جسدٌ إلا لأرواحهم قبرُ
قصدت حِمى من قلعة الروم لم يُبح ... لغيرك إذ غرّتهم المُغْلُ فاغترّوا
وما المُغْل أكفاء فكيف بأرمنٍ ... ولكنّه غزوٌ وكلّهُمُ كُفرُ
صرفت إليهم همة لَوْ صرفتها ... إلى البحر لاستولى على مده الجزر
وما قلعة الروم الّتي حُزْتَ فَتْحها ... وإنْ عظُمت إلا إلى غيرها جسرُ
طليعة ما يأتي من الفتح بعدها ... كَمَا لاح قبل الشمس فِي الأُفق الفجرُ
محجَّبَة بين الجبال كأنّها ... إذا ما تبدّت فِي ضمائرها سر
تفاوت نصفاها فللحوت فيهما ... مجالٌ وللنَّسْرَيْن بينهما وَكْرُ
فبعضٌ رسا حتى علا الماءُ فوقَهُ ... وبعضٌ سما حَتَّى هَمَا دونَه القَطْرُ
أحاط بها نَهران تبرز فيهما ... كَمَا لاح يَوْمًا فِي قلائده النَّحْرُ
فبعضهما العذْبُ الفُراتُ وإنّه ... لتحصينها كالبحر بل دونه البحرُ
سريع يفوت الطّرْف جريًا وحدْه ... كريح سُلَيْمَان التي يومُها شهرُ
منها:
فصبَّحْتَها بالجيش كالرّوض بهجةً ... صوارمُه أنّهاره والقنا الزُّهرُ
وأبعدت بل كالبحر والبيض موجُه ... وجردُ المذاكي السّفن والخوذ الدّرُّ
وأغربت بل كاللّيل عُوجٌ سيوفه ... أهِلَّتُهُ والنّبلُ أنجُمُهُ الزّهرُ
وأخطأت لا بل كالنّهار فشمسُهُ ... مُحيّاك والآصال راياتك الصُّفُر
ليوثٌ من الأتراك آجامُها القنا ... لها كلّ يوم فِي ذرى ظَفَرٍ ظُفرُ
فلا الريح تسري بينهم لاشتباكها ... عليهمُ ولا ينهلّ من فوقهم قَطْرُ -[685]-
غيوثٌ إذا الحربُ العوان تعرّضت ... لخُطّابها بالنّفس لم يغلها مهرُ
ترى الموت معقودًا بهدْب نبالهم ... إذا ما رماها القوس والنّظر الشزرُ
ففي كلّ سَرْج غصْنُ بانٍ مُهَفْهفٌ ... وفي كلّ قوس مدّه ساعد بدرُ
فلو وردتْ ماءَ الفُراتِ خيولُهُمُ ... لقيل: هنا قد كان فيما مضى نهرُ
أداروا بها سورًا فأضحتِ كخنْصَرٍ ... لدى خاتمٍ أو تحت منطقةٍ خصرُ
كأنّ المجانيق التي قُمنَ حولها ... رواعد سخطٍ وبلها النّار والصّخرُ
أقامت صلاةَ الحرب ليلًا صخورُها ... فأكثرها شَفْعٌ وأقتلها وترُ
لها أسهُمٌ مثل الأفاعي طِوالُها ... فواتك إلا أنّ أفتكها البترُ
سهامٌ حَكَتْ سهْمَ اللّحاظ بقتلها ... وما فارقت جفْناً وهذا هُوَ السِّحرُ
منها:
فبُشراك أرضَيْتَ المسيحَ وأحمدًا ... وإنْ غضب التكفُور من ذاك والكفرُ
فسِرْ حيث ما تختار فالأرض كلّها ... بحكْمك والأمصار أجمعها مصرُ
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت