نتائج البحث عن (-سنة إحدى وثمانين) 7 نتيجة

-سَنَةَ إِحْدَى وَثَمَانِينَ
تُوُفِّيَ فِيهَا أَبُو الْقَاسِمِ محمد بن علي ابن الْحَنَفِيَّةِ، وَسُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ.
وَفِيهَا خَلَعَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الأَشْعَثِ الطَّاعَةَ، وَتَابَعَهُ النَّاسُ، وَسَارَ يَقْصِدُ الْحَجَّاجَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ سَبَبَ خُرُوجِهِ.
قَالَ الْمَدَائِنِيُّ: لَمَّا أَجْمَعَ ابْنُ الأَشْعَثِ الْمَسِيرَ مِنْ سِجِسْتَانَ وَقَصَدَ الْعِرَاقَ، دعى ذَرًّا الْهَمْدَانِيُّ، فَوَصَلَهُ وَأَمَرَهُ أَنْ يَحُضَّ النَّاسَ، فَكَانَ يَقُصُّ كلَّ يومٍ، وَيَنَالُ مِنَ الْحَجَّاجِ، ثُمَّ سَارَ الْجَيْشُ وَقَدْ خَلَعُوا الْحَجَّاجَ، وَلا يَذْكُرُونَ خَلْعَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: فَاسْتَصْرَخَ الْحَجَّاجُ بِعَبْدِ الْمَلِكِ، ثُمَّ سَارَ، وَقَدَّمَ الْحَجَّاجُ طَلِيعَتَهُ، فَالْتَقَى ابْنَ الأَشْعَثِ وَهُمْ عِنْدَ دُجَيْلَ يَوْمَ الأَضْحَى، فَانْكَشَفَ عَسْكَرُ الْحَجَّاجِ وَانْهَزَمَ إِلَى الْبَصْرَةِ، فَتَبِعَهُ ابْنُ الأَشْعَثِ، وَكَانَ مَعَ ابْنِ الأَشْعَثِ خلقٌ مِنَ الْمُطَّوَّعَةِ مِنَ الْبَصْرَةِ، فَدَخَلُوهَا، فَخَرَجَ الْحَجَّاجُ إِلَى طَفِّ الْبَصْرَةِ.
قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: فَرَأَيْتُ ابْنَ الأَشْعَثِ مُتَرَبِّعًا عَلَى الْمِنْبَرِ يَتَوَعَّدُ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْهُ تَوَعُّدًا شَدِيدًا.
قَالَ غَيْرُهُ: فَبَايَعَهُ عَلَى حَرْبِ الْحَجَّاجِ وَعَلَى خَلْعِ عَبْدِ الْمَلِكِ جَمِيعُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ مِنَ الْقُرَّاءِ وَالْعُلَمَاءِ، ثُمَّ خَنْدَقَ ابْنُ الأَشْعَثِ عَلَى الْبَصْرَةِ وَحَصَّنَهَا.
وَفِيهَا غَزَا مُوسَى بْنُ نُصَيْرٍ - كَعَادَتِهِ - بِالْمَغْرِبِ، فَقَتَلَ وَسَبَى فِي أَهْلِ طُبْنَةَ.
وَفِيهَا أَصَابَتِ الصَّاعِقَةُ صَخْرَةَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ. -[906]-
وَفِيهَا قُتِلَ بَحِيرُ بْنُ وَرْقَاءَ الصُّرَيْمِيُّ وَكَانَ مِنْ كِبَارِ الْقُوَّادِ بِخُرَاسَانَ، قَاتَلَهُ ابْنُ خَازِمٍ وَظَفَرَ بِهِ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ قَتَلَ بُكَيْرَ بْنَ وشاح، فَحَمَلَ عَلَيْهِ رَهْطُ بُكَيْرٍ فَقَتَلُوهُ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَفِيهَا حَجَّ بِالنَّاسِ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَحَجَّتْ مَعَهُ أُمُّ الدَّرْدَاءِ.

-سنة إحدى وثمانين وثلاث مائة.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة إحدى وثمانين وثلاث مائة.
فيها قَبضوا على الطائع لله في داره، في تاسع عشر شعبان؛ وسببه أنّ أبا الحسن ابن المعلّم كان من خواص بهاء الدولة، فَحُبِسَ، فجاء بهاء الدولة وقد جلس الطائع لله في الرِّواق مُتَقلِّدًا سيفًا، فلما قَرُبَ بهاء الدولة قبّل الْأرض وجلس عَلَى كرسي، وتقدّم أصحاب بهاء الدولة فجذبوا الطائع بحمائل سيفه من سريره، وتكاثر عليه الدَّيْلَم، فلفُّوه في كساء وحُمِل في زبزب، وأُصعِد إلى دار المملكة، وشاش البلد، وقَدَّر أكثر الجند أن القبض على بهاء الدولة، فوقعوا في النهب وشُلِّح من حضر من الْأشراف والعُدُول، وقُبض على الرئيس علي بن عبد العزيز بن حاجب النُّعمان في جماعة، وصُودِروا، واحتيط على الخزائن والخَدَم، ورجع بهاء الدولة إلى داره. وأظهر أمر القادر باللَّه، وأنَّه الخليفة، ونُودِي له في الْأسواق. وكتب على الطائع كتابًا بخلْع نفسه، وأنَّه سلّم الْأمر إلى القادر باللَّه، وشهد عليه الْأكابر والأشْراف. ونفَّذ إلى القادر المكتوب، وحثّه على القُدُوم.
وشغب الدّيْلم والتُّرْك يطالبون برسم البَيْعَة، وبرزوا إلى ظاهر بغداد، وتردّدت الرُسُل منهم إلى بهاء الدولة، ومُنِعوا من الخُطْبة للقادر، ثم أرْضَوهم، فسكنوا، وأُقيمت الخطبة للقادر في الجمعة الْآَتية، وهي ثالث رمضان، وحوّل من دار الخلافة جميع ما فيها، حتى الخشب السّاج والرخام، ثم أبيحت للخاصة والعامة، وقلعت أبوابها وشبابيكها.
وجهّز مهذّبُ الدولة عليُّ بن نصر القادر باللَّه من البطائح وحمل إليه من الْآَلات والفَرْش ما أمكنه، وأعطاه طيّارًا كان عمله لنفسه، وشيّعه فلما وصل إلى واسط اجتمع الجنْد وطالبوه بالبَيْعَة، وجرت لهم خطوب، انتهت إلى أن وعدهم بإجرائهم مجرى البغداديين، فَرَضُوا، وساروا، وكان مقامه -[506]- بالبطيحة منذ يوم حصل فيها إلى أن خرج عنها سنتين وأحد عشر شهرًا، وقيل: سنتين وأربعة أشهر، عند أميرها مهذَّب الدولة.
قال هلال بن المحسّن: وجدْت الكتاب الذي كتبه القادر باللَّه:
" من عبد اللَّه أحْمَد الْإمَام القادر باللَّه أمير المؤمنين، إلى بهاء الدولة وضياء الملَّة أبي نصر ابن عَضُد الدولة، مولى أمير المؤمنين، سلامٌ عليك، فإن أمير المؤمنين يَحْمَد إليك الله الذي لا إله إلا هو، ويسأله أن يصلي على محمد عبده ورسوله، أمّا بعد، أطال اللَّه بقاءك، وأدام عزَّك وتأييدك، وأحسن إمتاعَ أمير المؤمنين بك، فإن كتابك الوارد في صُحبة الحَسَن بن محمد، رعاه اللَّه، عُرِض على أمير المؤمنين تاليا لما تقدَّمه، وشافعًا ما سبقه، ومتضمّنًا مثل ما حواه الكتاب قبله، من إجماع المسلمين قبلك بمشهد منك، على خلع العاصي المتلقّب بالطائع عن الْإمَامة، ونَزْعه عن الخلافة، لبَوَائقه المستمرّة، وسوء نيّته المدخولة، وإشهاده على نفسِه بعجزه، ونُكُوله وإبرائه الكافّة من بيعته، وانشراح صدور الناس لبيعة أمير المؤمنين. ووقف أمير المؤمنين على ذلك كلّه، ووجدك، أدام اللَّه تأييدك، قد انفردت بهذه المآثر، واستحققت بها من اللَّه جليل الْأثَرَة، ومن أمير المؤمنين سنيّ المنزلة، وعليّ المرتبة ".
وفيه: " فقد أصبحت سيف أمير المؤمنين المُبير لأعدائه، والحاظي دون غيرك بجميل رأيه، والمستبدّ بحماية حَوْزَته ورعاية رعيّته، والسّفارة بينه وبين ودائع اللَّه عنده في بريّته، وقد برزتْ راية أمير المؤمنين عن موضع الصَّليق مُتَوَجَّهه نحو سريره الذي حرسته، ومستقرّ عزّه الذي شيّدته، ودار مملكته التي أنت عِمادها ".
إلى أن قال: " فواصِل حضرةَ أمير المؤمنين بالإنهاء والمطالعة، إن شاء اللَّه، والسّلام عليك ورحمة اللَّه وبركاته. وكتب لثالثة تبقى من شعبان ".
واسم القادر: أحْمَد بن إسحاق ابن المقتدر، أَبُو العباس، وأمّه تمنى مولاة عبد الواحد ابن المقتدر. وُلِد سنة ستٍّ وثلاثين وثلاث مائة، وكان حَسَنَ الطّريقة، كثير المعروف، فيه دين وخيْر.
فوصل إلى جَبُّل في عاشر رمضان، وجلس من الغد جلوسًا عامًّا، -[507]- وهُنّئ، وأنشد بين يديه الشعراء، فمن ذلك قول الرّضيّ الشريف:
شرفُ الخلافة يا بني العباس ... اليوم جدّده أَبُو العبّاس
ذا الطّوْد بقّاه الزّمان ذخيرةً ... من ذلك الجبل العظيم الراسي
وحُمل إلى القادر بعض الْآَلات المأخوذة من الطائع، واستكتب له أَبُو الفضل محمد بن أحمد ابن عارض الدَّيْلم، وجعل اسْتَدَارَه عبد الواحد بن الحسن الشِيرازي.
وفي شوّال عُقد مجلس عظيم، وحلف القادر وبهاء الدولة كلُّ منهما لصاحبه بالوفاء، وقلَّده القادر ما وراء بابه، ممّا تُقام فيه الدَّعوة.
وكان القادر أبيض، حَسَن الجسم، كَثَّ اللحية، طويلها، يخضِب. وصفه الخطيب البغدادي بهذا، وقال: كان من الدّيانة والستر وإدامة التهجُّد، وكثرة الصَّدقات، على صفةٍ اشتهرت عنه، وقد صنَّف كتابًا في الْأصول، ذكر فيه فضائل الصحابة وإكفار المعتزلة، والقائلين بخلْق القرآن.
وذكر محمد بن عبد الملك الهمذاني أنّ القادر كان يلبس زِي العَوَامّ، ويقصد الْأماكن المعروفة بالخير والبركة، كقبر معروف وغيره. وطلب من ابن القِزْوِيني الزّاهد أنْ يُنْفِذ له من طعامه الذي يأكله، فأنفَذَ إليه باذنجان مقلُوًّا بِخَلٍّ وباقِلاء ودِبْس وخُبْز بَيْتيّ، وشدّه في مئزره، فأكل منه، وفرّق الباقي، وبعث إلى ابن القَزْوينيّ مائتي دينار، فقبلها. ثم بعد أيام طلب منه طعامًا، فأنفذ إليه طبقًا جديدًا، وفيها زبادي فيها فراريج وفالُوذَج، ودجاجة مشويّة وفالوذجة، فتعجب الخليفة، وأرسل إليه يكلّمه في ذلك، فقال: ما تكلّفت، لما وُسِّعَ عليّ وُسَّعْت على نفسي، فتعجّب من عقله ودينه. ولم يزل يواصله بالعطاء.
وفي ذي الحجّة، يوم عيد الغدير جرت فتنة بين الرافضة وأهل باب البصْرة، واستظهر أهل باب البصرة، وخرَّقوا أعلام السَّلطنة، فقُتِل يومئذ -[508]- جماعة اتُّهموا بفعل ذلك، وصُلبوا، فقامت الهيبة، وارتدع المفسد.
وفيها حجّ بالنّاس من العراق أبو الحسن محمد بن الحسين بن يحيى العلوي، وكان أميرُ مكّة الحسن بن جعفر أَبُو الفتوح العلوي، فاتفق أن أبا القاسم ابن المغربي حصّل عند حسّان بن المفرّج بن الجرّاح الطائي، فحمله على مُبَاينة صاحب مصر، وقال: لا مَغْمَز في نسب أبي الفتوح، والصواب أن ننصبه إمامًا، فوافقه، فمضى ابن المغربيّ إلى مكّة، فأطمع صاحب مكّة في الخلافة، وسهّل عليه الْأمر، فأصغى إلى قوله، وبايعه شيوخ الحَسَنِيّين، وحسن له أبو القاسم ابن المغربي أخْذَ ما على الكعبة من فضّة وضربه دراهم.
واتّفق موت رجلٍ بجُدَّة معه أموال عظيمة وودائع، فأوصى منها بمائة ألف دينار لأبي الفتوح صاحب مكّة ليصون بها تركته والودائع، فاستولى على ذلك كلّه، فخطب لنفسه، وتسمّى بالراشد باللَّه، وسار لاحقا بآل الجرّاح الطائي. فلما قَرُب من الرملة، تلقَّتْه العرب، وقبَّلوا الْأرض، وسلّموا عليه بالخلافة، وكان متقلّدًا سيفًا زعم أَنَّهُ ذو الفِقار وفي يده قضيب، ذكر أنه قضيب رسول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وحوله جماعة من بني عمّه، وبين يديه ألف عبد أسود، فنزل الرملة، ونادى بإقامة العدْل، والأمر بالمعروف والنَّهْي عن المُنْكَر، فانزعج صاحب مصر، وكتب إلى حسّان الطائي مُلَطَّفًا، وبذل له أموالًا جزيلة، وكتب إلى ابن عم أبي الفتوح، فولاه الحَرَمَيْن، وأنفذ له ولشيوخ بني حسن أموالًا، فقيل إنه بعث إلى حسّان بخمسين ألف دينار مع والده حسّان، وأهدى له جارية جهّزها بمال عظيم، فأذعن بالطاعة، وعرف أَبُو الفتوح الحال، فضعف وركب إلى أبي حسّان المفرّج الطائي مُستجيرًا به فأجاره، وكتب فيه إلى العزيز، فردّه إلى مكّة.
وفيها استولى بزال على دمشق وهزم متوليّها مُنِيرًا وفرق جمعه.
وفيها أقبل بسيل طاغية الرّوم في جيوشه، فأخذ حمص ونهبها، وسار إلى شيزر فنهبها، ثم نازل طرابلس مدّة، ثم رجع إلى بلاده.

-سنة إحدى وثمانين وأربعمائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة إحدى وثمانين وأربعمائة
فيها استولت الفرنج على مدينة زَوِيلَة من بلاد إفريقيّة، جاؤوا في البحر في أربعمائة قطعة فنهبوا وسَبوا، ثمّ صالحهم تميم بْنُ بَادِيس، وبذَل لهم من خزانته ثلاثين ألف دينار فردّوا جميع ما حووه.
وفيها مات النّاصر بن عَلنّاس بن حمّاد، ووليّ بعده ابنه المنصور، فجاءته كُتُب تميم بن المعزّ، وكُتُب يوسف بن تاشفين صاحب مَرّاكُش بالعزاء والهناء.
وفيها مات ملك غَزْنَة الملك المؤيّد إبراهيم بن مسعود بن محمود بن سُبُكْتِكِين وكان كريمًا، عادلًا، مجاهدًا، عاقلًا، له رأي ودهاء، ومن مخادعته أنّ السّلطان ملكشاه سار بجيوشه يقصده، ونزل بإسْفِزَار، فكتب إبراهيم كُتُبًا إلى جماعةٍ من أعيان أمراء ملكشاه يشكرهم، ويعتذر لهم بما فعلوه من تحسينهم لملكشاه أن يقصده: ليتمّ لنا ما استقرّ بيننا من الظَّفَر به، وتخليصكم من يده، ويَعِدُهم بكلّ جميل. وأمر القاصد بالكُتُب أن يتعرَّض لملكشاه في تصيُّده، فأُخِذَ وأُحضر عند ملكشاه فقرّره، فأنكر، فأمر بضربه، فأقرّ واخرج الكُتُب، فلمّا فتحها وقرأها تخيّل ملكشاه من أمرائه، وكتم ذلك عنهم خوفَ الوحشة، ورجع من وجهه.
وكان إبراهيم يكتب في العام خَتْمَةً، ويهديها ويتصدَّق بثمنها. وكان يقول: لو كنتُ بعد وفاة جدّي محمود لما ضَعُفَ ملكُنا، ولكنّي الآن عاجز أن أستردّ ما أُخذ منّا من البلاد لكثرة جيوشهم. -[470]-
وقام في المُلْك بعده ولده جلال الدّين مسعود، الّذي كان أبوه زوّجه بابنة السّلطان ملكشاه، وناب نظام المُلْك في عُرْسِه عليها مائة ألف دينار.
وفيها جمع أقْسُنْقُر متولّي حلب العساكر، ونازل شيزر، ثمّ صالحه صاحبها ابن منقذ.
وفيها مات الملك أحمد ابن السّلطان ملكشاه، وله إحدى عشرة سنة، وكان قد جعله وليّ عهده عام أوّل، ونثَر الذَّهَب على الخُطَباء في البلاد عند ذِكْره. فلمّا مات عُمل عزاؤه ببغداد سبعة أيّام بدار الخلافة، ولم يركب أحدٌ فرساً وناح النّساء في الأسواق عليه، وكان منظراً فظيعاً.
وفيها توجه ملكشاه إلى سمرقند ليملكها، فوصل إليها في السنة المقبلة كما سيأتي.

-سنة إحدى وثمانين وخمس مائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة إحدى وثمانين وخمس مائة
فِي المحرَّم وقع بناحية نهر الملك بَرَدٌ أهلك الزَّرْع وقتل المواشي، وُزِنت منه بَرَدة فكانت رِطْلين بالعراقيّ.
وَفِي صَفَر انفصل رَضِيُّ الدين أَبُو الخير القزْوينيّ عَنْ تدريس النّظامّية، وولي أَبُو طَالِب الْمُبَارَك بْن الْمُبَارَك الكرْخيّ، وخُلِع عليه منَ الدّيوان العزيز بطرحة.
وفي رجب أمر الخليفة بمنْع الوعّاظ كلَّهم إلاّ ابن الجوزي.
ووُلِد بالعلث ولدٌ طول وجهه شبر وأربع أصابع، وله أُذُنٌ واحدة.
وفيها وردت الأخبار بأنَّ عليّ بْن إِسْحَاق الملثَّم خطب للنّاصر لدين اللَّه بمعظم بلاد المغرب، وخالف بني عبد المؤمن.
وفيها سار السّلطان الملك النّاصر قاصدًا الموصِل، فَلَمَّا قاربَ حلبَ تلقّاه صاحبها الملك العادل أخوه، ثمّ عَدَّى من الفراتَ إلى حَرّان، وكانت إذ ذاك لمظفّر الدين ابن صاحب إربِل، وَقَدْ بَذَل خطّه بخمسين ألف دينار يوم وصول السّلطان إلى حَرّان برسم النَّفَقَة، فأقام السّلطان أيّامًا لَمْ يَرَ للمال أثرًا، فغضب عَلَى مظفّر الدّين واعتقله، ثُمَّ عفا عَنْهُ، وكتب لَهُ تشريفًا بعد أن تسلَّمَ منه حرَّان، والرُّها، ثُمَّ أعادهما إِلَيْهِ فِي آخر العام ثم سار إلى المَوْصِل فحاصرها وضايقها، وبذلت العامَّةُ نفوسهم فِي القتال بكل ممكنٍ لكون بِنْت السلطان نور الدين زَوْجَة صاحب المَوْصِل عزّ الدّين سارت إلى صلاح الدّين قبل أن ينازل البلد، وخضعت لَهُ تطلب الصُّلْح والإحسان، فردّها خائبة، ثُمَّ إنَّه ندِم، ورأى أَنَّهُ عاجز عَنْ أخْذ البلد عَنْوةً، وأتته الأخبار بوفاة شاه أرمن صاحب خِلاط، -[668]- وبوفاة نور الدين مُحَمَّد صاحب حصن كيفا وآمِد، فتقسّم فِكْرُه، واختلفت آراء أمرائه، فلم يلبث أن جاءته رُسُل أمراء خِلاط بتعجيل المسير إليهم، فأسرع إليهم، وَجَعَل عَلَى مقدِّمته ابنَ عمه ناصر الدين محمد بن شِيرَكُوه ومظفَّر الدّين كوكبري ابن صاحب إربل إلى خِلاط، فوجد الأمير بكتمر مملوك شاه أرمن قَدْ تملَّك، فنزلا بقربها، ووصل الملك شمس الدّين البهلوان مُحَمَّد بْن إلْدِكِز بجيش أذرْبَيْجان ليأخذ خِلاط فنزل أيضًا بقربها. وكان الوزير بها مجد الدين عَبْد اللَّه بْن الموفَّق بْن رشيق، فكاتب البهلوان مرة وصلاح الدّين أخرى.
ووصل صلاح الدّين ميّافارقين فنازلها وحاصرها، وكتب إلى مقدّمته يأمرهم بالعَود إِلَيْهِ فعادوا، وتسلّمها بالأمان، وسلّمها إلى مملوكه سُنْقُر فِي جُمادى الأولى. ورحل فأتته رُسُلُ البهلوان بما فِيهِ المصلحة وأن يرجع عَنْ خِلاط، فأجاب: عَلَى أن ترحل أنت صلاح الدين أيضًا إلى بلادك.
ثُمَّ عاد صلاح الدّين فنازل المَوْصِل وضايقها، فخرج إِلَيْهِ جماعة منَ النّساء الأتابكيّات فخضعْن لَهُ، فأكرمهنّ وقبِلَ شفاعتهنّ. واستقرّ الأمر عَلَى أن يكون عماد الدِّين زنكي بْن مودود بْن زنكي صاحب سنْجار هُوَ المتكلّم، فتوسَّط بأن تكون بلاد شهرزُور وحصونها للسّلطان، وتُضْرب السّكَّة باسمه والخطْبة لَهُ بالموصل، وأن تكون الموصل لصاحبها، وأن يكون طَوْعه.
ثم رجع السّلطان فتمرّض بحَرّان مُدَيْدَة، واستدام مرضه، وتناثر شَعْر رأسه ولحيته، وأرجفوا بموته، ثم عُوفي.
وتُوُفّي ناصر الدّين محمد ابن أسد الدّين صاحب حمص، فأنعم بها السّلطان عَلَى ولده الملك المجاهد أسد الدّين شِيركُوه بْن مُحَمَّد. وسِنُّه يومئذٍ ثلاث عشرة سنة، وامتدَّت أيّامه.
وأمّا أَهْل خِلاط فإنّهم اصطلحوا مَعَ البهلوان محمد، وصاروا من حزبه وخطبوا له.
قَالَ ابن الأثير: وفيها ابتداء الفتنة بَيْنَ التُّرْكمان والأكراد بالموصل، والجزيرة، وشهرزور، وأَذَرْبَيْجان، والشّام. وقُتِلَ فيها منَ الخلْق ما لا يُحصى، -[669]- ودامت عدَّة سِنين، وتقطّعت الطُّرُق، وأُرِيقت الدّماء، ونُهبت الأموال، وسببها أن تُرْكمانيّة تزوَّجت بتُركمانيّ، فاجْتازوا بأكرادٍ، فطلبوا منهم وليمة العُرْس، فامتنعوا وجرى بينهم خصام آلَ إلى القتال، فقُتِل الزَّوج، فهاجت الفِتنة، وقامت التّرْكُمان عَلَى ساقٍ، وقتلوا جمْعًا كثيرا منَ الأكراد، فتناخت الأكراد وقتلوا فِي التُّرْكُمان. وتفاقم الشَّرّ ودام، إِلَى أن جمع الأمير مجاهد الدّين قايماز عنده جَمعًا من رؤوس التُّرْكُمان والأكراد وأصلح بينهم، وأعطاهم الخِلَع والثّياب، وأخرج عليهم مالًا جمًّا، فانقطعت الفتنة.
وفيها استولى ابن غانية الملثَّم عَلَى أكثر بلاد إفريقية كما ذكرناه فِي سنة ثمانين استطرادًا.

-سنة إحدى وثمانين وستمائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة إحدى وثمانين وستمائة
سلطان مصر والشام، الملك المنصور وصاحب العراق وخُراسان وغير ذَلِكَ: أَحْمَد بْن هولاوو.
وفي صفر قبض المنصور بمصر عَلَى بدر الدين بَيْسَري وكُشْتُغْدي الشّمسيّ، فبقيا فِي السّجن تسعة أعوام.
وفيه ولي تدريس الأمينيّة القاضي شمس الدّين ابن خلكان.
وفي رجب نابَ فِي القضاء شمس الدّين الأبهري.
وفي رجب درس بالأمينية الشيخ علاء الدين ابن الزَّمْلكَانيّ بعد موت ابن خَلِّكان، ودرَّس شمس الدين ابن الحريري بالفَرُّخْشاهيّة بعد موت الجمال يَحْيَى مدرِّسها.
قَالَ قُطْب الدّين: وفي أوائلها تسلطن الملك أَحْمَد وله نحو ثلاثين سنة، فأمر بإقامة شعائر الإِسْلَام وضرب الجزية عَلَى الذمة، ويُقال: إنه أسلم صغيراً وأبوه حي.
وفيها ولي الوزارة بمصر نجم الدّين ابن الأصفوني، وأصفون من قرى قوص، وولي قضاء القاهرة شهاب الدّين ابن الخُويي.
وفيها قدِم رسول الملك أَحْمَد، وهو بهاء الدين أتابك الروم، وشمس الدين ابن التيتي الآمِديّ، وقُطْب الدّين الشيرازيّ العلامة، وزاروا القدس، والخليل فِي طريقهم، وكان سيرهم فِي اللّيل.
وفي ليلة الإثنين حادي عشر رمضان احترقت اللبادين والكتبيين، -[418]-
والخواتميين والزجاجين وبعض سوق الأساكفة والمرجانيّين وما فوق ذَلِكَ وما تحته من الأسواق والقياسير والفوّارة، وكان حريقًا عظيمًا مَهُولًا، ذهب فِيهِ من الأموال ما لا يُحصى ولم يحترق فِيهِ أحد، وأصله أنّ دكّان أولاد الجابي كانت إلى جنب دكّان أَبِي وعملوا مجمرة نار على العادة، ووضعت في البويت وخرج الخارج بزعجة، ودفع الكِساء الّذي يكون عَلَى الباب، فرمى المجمرة وأغلق الدّكّان وذهب للإفطار، فعملت النّار والنّاس فِي إفطارهم، واشتدّ الدُّخان وخرجت من الدكان قبل عشاء الآخرة، فعلقت بالسُّقوف العُتْق والبواري، واشتدّ عملها وعجزوا عَنْهَا، وجاء الوالي ونزل ملك الأمراء حسام الدّين لاجين، فأعجزتهم وقُضي الأمر، واستمرّت إلى نصف اللّيل، ولولا لُطف اللَّه لاحترق الجامع واجتهدوا فِي إطفائها بكلّ ممكن، ثمّ اهتمّ بذلك محيي الدّين ابن النّحّاس ناظر الجامع اهتمامًا لا مَزِيد عَلَيْهِ، وشرع فِي عمارته، فبني ذَلِكَ وتكامل فِي سنتين , وبعض ذَلِكَ وقف المارستان الصّغير.
قَالَ شمس الدين ابن الفخر: إن فخر الدين الكتبي أحرق لَهُ كُتُب بعشرة آلاف درهم، وأنّ الشّمس الكتبي - يعني الفاشوشة - ذهب لَهُ كُتُب ومالٌ فِي الحريق بما يقارب مائة ألف، قَالَ: وكان مُغَلّ الأملاك المحترقة - يعني الأوقاف - فِي السنة مائة ألف وأربعين ألف درهم.
قلت: وفُرقت هذه الأسواق، فعملوا سوق تجّار جَيْرون عَلَى باب دار الخشب، وسكن الزّجّاجون عند حمّام الصَّحن، وسكن الذَّهبيون فِي أماكن إلى أن تكامل البنيان وعادوا.
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت